بالنصب على الظرفية، كأنه قال: (وكنت قديمًا)، وإليه أشار بقوله: (وَأَعربوا نَصْبًا إِذَا مَا نُكِّرا قبلا).
- فتنصب. إذا نكرت.
- وتجر: إذا دخل حرف الجر.
وكذا قولُ الآخر:
................... ... فَمَا شَرِبُوا بَعدًا عَلَى لَذَّةٍ خَمْرَا (١)
стр. 1087
بنصبها على الظرفية.
وتقول: (جئت أولًا)، و (جلست دونًا)، و (سرت أمامًا، وخلفًا)، و (جلست فوقًا، وتحتًا، ويمينًا، وشمالًا) كما سبق ذكره.
وظاهر كلام الشيخ: أن ذلك يجوز، في نحو: (رأيت رجلًا حَسْبًا) أي: كافيًا، و (آتيك عَلًا) أي: (من فوق).
* وادعى ابن أبي الربيع تلميذ الشلوبين: أن (عل) لا تستعمل .. إلا مجرورة بـ (من)، وأنها لا تضاف.
وفي "الصحاح": تضاف؛ كـ (جئت من عل الدار)؛ أي: (من فوقها).
ومثال ما إذا حذف المضاف إليه ونوي لفظه: قوله تعالى: (لله الأمر من قبلِ ومن بعدِ) بالجر من غير تنوين، فأعربت أيضًا.
وكقولِ الشاعر:
وَمِنْ قَبْلِ نَادَى كُلُّ مَولَى قَرَابَةٍ ... فَمَا عَطَفَتْ مَولَىً عَلَيهِ العَوَاطِفُ (١)
стр. 1088
وقالوا: إن (مولى) في هذا الشاهد بدل من الهاء، في (عليه)، وقدم للضرووة.
وقول الآخر:
................... ... كَجُلْمُودِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيلُ مِنْ عَلِ (١)
بالجر كما ذكر.
ومثال حالة البناء: وهو ما إذا حذف المضاف إليه ونوي معناه: قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾، بالضم في قراءة الجماعة.
وقولُ الآخر:
لَعَنَ الإِلَهُ تَعِلَّةَ بْنَ مُسَافِرٍ ... لَعْنًا يُصَبُّ عَلَيْهِ مِنْ قُدَّامُ (٢)
بالضم في الجميع، وسبق تعليله.
وحكى أبو علي الفارسي ﵀: (ابدأ بذا من أَوَّلُ):
بالضم: على حذف المضاف إليه ونية معناه، وهي حالة البناء.
وبالنصب: على أنه لم ينو شيء ومنع الصرف للوصفية ووزن الفعل. وبالكسر: على حذف المضاف إليه ونية لفظه؛ كما في قراءة: (من قبلٍ ومن بعدٍ) بالجر من غير تنوين كما سبق.
قال الشيخ ﵀ في "الكافية الشافية":
وَالحَرَكَاتُ كُلُّهنَّ اسْتُعمِلا ... إِذَا تَقُولُ ابْدَأْ بِذَا مِنْ أَوَّلا
تنبيه:
متى قطع نحو: (قبل) و (بعد) عن الإضافة .. لم تقع خبرًا ولا صفة ولا صلة ولا حالًا، ذكره السفاقسي في آخر سورة يوسف ﵇ (١)؛ لئلا يجتمع عليه ثلاثة أشياء:
القطع، والبناء، ووقعه موقع شيء آخر، فلا تقول: (السفر قبل ولا من قبل)، على
стр. 1092
كونه خبرًا و (لا جاء الذي قبل ولا من قبل) على كونه صلة ونحو ذلك.
واقتصر البيضاوي في سورة يوسف: على الخبر والصلة.
وقد أجاز ابن عطية والزمخشري: أن يكون خبرًا في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٠]، (فما): مصدرية مبتدأ، والخبر: مقدم؛ أي: و (تفريطكم في يوسف من قبل).
قال أبو حيان في "النهر": وذهلًا عن قاعدة عربية، وحق لهما أن يذهلا (١).
стр. 1093
والفارسي: أن الخبر: (في يوسف).
وقيل: (ما): صلة، و (من قبل): متعلق (بفرطتم).
وقال أبو البقاء: إن الظرف وقع حالًا، والعامل فيه: اسم الإشارة في: ﴿يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾.
واللَّه الموفق
ص:
٤١٣ - وَمَا يَلِي الْمُضَافَ يَأْتِي خَلَفَا ... عَنْهُ فِي الإعْرَابِ إِذَا مَا حُذِفَا (١)
ش:
يجوز حذف المضاف لقرينة، ويقام المضاف إليه مقامه, فيعرب إعراب المحذوف،
стр. 1094
منه في القرآن: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾، التقدير واللَّه أعلم بمراده: (حُبَّ العجلِ).
وقيل: (حُبَّ عبادةِ العجلِ).
وضعفه الأخفش فقال: لا يحتاج إلى تقدير شيئين، ومنه: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾؛ أي: (أمر ربك)، ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾؛ أي: (أهل القرية)، ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾؛ أي: (كراهة أن تضلوا) وهو للزجاج.
وقال الكسائي: (لئلا تضلوا).
والأخفش: (أن تضلوا): مفعول به، ولا حذف؛ أي: (يبين اللَّه لكم الضلالة لتجتنبوها).
وقد يحذف مضافان؛ كقوله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾؛ أي: (وتجعلون بدل شكر رزقكم أنكم تكذبون).
﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾؛ أي: (من أثر حافر فرس الرسول).
﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾؛ أي: (كدوران عين الذي يغشى عليه من الموت).
وجاء الحذف مع اللبس؛ كقوله:
.................... ... قَضَى نَحبَهُ فِي مُلْتَقَى القَوْمِ هَوْبَرُ (١)
стр. 1095
يريد: (ابنُ هوبر).
ولا لبس في قوله: (المال يزري بأقوام ذوي حسب)، والتقدير: (فقد المال) ولولا ذلك لفسد المعنى، وقد يحذف (المال) المضاف للضمير، ويقام المضاف إليه مقامه ويجعل ضميرًا مستترًا بعد أن كان بارزًا؛ كقوله:
فَدَقَّتْ وَجَلَّتْ وَاسْبَكَرَّتْ وأُكْمِلَتْ ... ................. (١)
أراد: (دق خصرها، وجلت عجيزتها، واسبكرَّ قوامها، وأكملت محاسنها).
فحذف أربعة أسماء مضافة، وأقام مقامها أربعة ضمائر كانت مجرورة فرفعت واستترت في الفعل.
تنبيه:
يقوم الثاني مقام الأول في التذكير والتأنيث, وكما قام مقامه في الإعراب.
قال الشيخ:
ومن الأول: قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ﴾، التقدير: (أهل القرى)، فحذف (أهل) وأقيم (القرى) مقامه في التذكير فعاد إليها ضمير الذكور العقلاء.
وكذا قوله تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ﴾، التقدير: كـ (ذي ظلمات)
стр. 1096
فحذف المضاف وعادت الهاء على (ظلمات).
والثاني: كقولِ الشاعرَ:
مَوَّتْ بِنَا فِي نِسوَةٍ خَوْلَةٌ ... وَالمِسْكُ مِنْ أَرْدَانِهَا نَافِحَهْ (١)
فأخبر عن (المسك) بـ (نافحة)؛ لأن التقدير: و (رائحة المسك).
* وقد يعود ضمير (العقلاء) لغير العاقل بدون ما ذكر إذا نزل منزلته؛ كقوله تعالى: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾، ﴿يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾، ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾.
* وقد عاد على المؤنث للتعظيم، في قول الشاعرِ:
فَإِن شِئتِ طَلَّقْتُ النِّسَاءَ سِوَاكُمُ (٢)
стр. 1097
وقوله:
وَمَا سُعَادُ غَدَاةَ البَينِ إذْ رَحَلُوا ... . . . . . . . . . . (١)
أو أنها رحلت مع قومها، ففيه التغليب؛ كقول أبي جحيفة رضي اللَّه تعالى عنه: خرج النبي ﷺ بالهاجرة، فأتي بوضوء فتوضأ وصلى بنا الظهر والعصر، وبين يديه عنَزَةٌ، والمرأة والحمار يمرون من ورائها.
قال المصنف أراد: (المرأة والحمار وراكبه)، فحذف الراكب لدلالة الحمار، ثم غلب تذكير الراكب المعهود على تأنيث المرأة، وبهيمة الحمار.
ومن التشاكل قول بعض العرب (٢) (اللَّهم رب السماوات وما أظللن، ورب الأرضين وما أقللن، ورب الشياطين ومن (٣) أضللن)، واللائق: (ومن أضلوا).
وحمل على حذف الموصوف قوله تعالى: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾؛ أي: (من القوم القانتين).
وقيل غير ذلك.
وقد عادت النون للذكور العقلاء على تأويل الجماعة، في قول الشاعرِ:
стр. 1098
يَمُرُّونَ بِالدَّهْنَا خِفَافًا عِيَابُهُمْ ... وَيَخْرُجْنَ مِن دَارِينَ بُجْرَ الحَقَائِبِ (١)
فقال: (يمرون)، ثم قال: (يخرجن)، واللائق: (يخرجون).
وعن الشعبي: أنه قال بمجلس عبد الملك بن مروان: (رجلان جاؤوني)، فقال:
стр. 1099
لحنت، قال: لم ألحن، مع قوله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾، فقطعه.
وقد ينسب الشيء إلى اثنين والمراد واحد؛ كقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾، و (لا يخرجان إلا من الملح).
و (المُضافَ): مفعول بـ (يَلِي).
واللَّه الموفق
ص:
٤١٤ - وَرُبَّمَا جَرُّوا الَّذي أبْقَوْا كَمَا ... قَدْ كَانَ قَبْلَ حَذْفِ مَا تَقَدَّمَا (١)
٤١٥ - لكِنْ بِشَرط أَنْ يَكُوْنَ مَا حُذِفْ ... مُمَاثِلًا لِمَا عَلَيْهِ قَدْ عُطِفْ (٢)
ش:
سبق أن الثاني يقوم مقام الأول في الإعراب وغيره إذا حذف الأول.
وذكر هنا: أن الأول قد يحذف, ويبقى الثاني مجرورًا على حاله كما كان ذلك قبل حذف الأول, لكن بشرط أن يكون المضاف المحذوف معطوفًا على مضاف مذكور مماثل له في اللفظ والمعنى؛ كقوله الشاعرِ:
стр. 1100
أَكُلَّ امْرِئٍ تَحْسَبينَ امْرَأً ... وَنَارٍ تَوَقَّدُ بِاللَّيلِ نَارَا (١)
بجر (نار)، والأصل: و (كل نار)، فحذف المضاف وبقي الثاني مجرورًا به، وجاز ذلك: لأن المحذوف معطوف على مضاف مثله لفظًا ومعنى.
وجعل بعضهم من ذلك قراءة ابن جماز: (تريدون عرض الدنيا واللَّه يريد الآخرةِ)، بجر (الآخرة) على أن التقدير: (عرض الآخرة).
والتحقيق: أن التقدير: (واللَّه يريد عمل الآخرة)، فليس المحذوف مماثلًا لما عطف عليه؛ إذ لا يقال: (عرض الآخرة)؛ لأن ما في (الآخرة دائم).
واعتذر للأول: بأنه للمشاكلة.
وربما جاء الجر بدون عطف؛ كقوله:
رَحِمَ اللَّه أَعْظُمًا دَفَنُوهَا ... بِسِجِسْتَانَ طَلْحَةِ الطَّلَحاتِ (٢)
стр. 1101
على رواية جر (طلحةَ)؛ أي: (أَعظُمَ طلحةَ).
وقولهم: (رأيت التيميَّ تيمِ عدي)، بجر: (تيمِ)؛ أي: (صاحب تيم عدي).
وعن الكوفيين: أن (تيم) بدل من ياء النسب؛ لأنها اسم عندهم في محل جر، ذكره القواس في "شرح ألفية ابن معطي".
واللَّه الموفق
ص:
٤١٦ - ويُحْذَفُ الثَّانِي فَيَبْقَى الأَوَّلُ ... كَحَالِهِ إِذَا بِهِ يَتَّصِلُ (١)
٤١٧ - بِشَرْطِ عَطْفٍ وَإِضَافَةٍ إِلَى ... مِثْلِ الَّذِي لَهُ أَضَفْتَ الأَوَّلَا (٢)
стр. 1102
ش:
يجوز حذف المضاف إليه, ويبقى المضاف على حاله, فلا يدخله تنوين كما كان ذلك والمضاف إليه موجود.
ويكثر هذا الاستعمال إذا عطف على المضاف اسم مضاف لمثل ما حذف من المضاف الأول؛ نحو: (خذ ربعَ وثمن المال)، بنصب (ربع) من غير تنوين؛ أي: (خذ ربع المال، وثمن المال)، فحذف من الأول لدلالة الثاني.
وقولهم: (قطع اللَّه يدَ ورِجلَ من قالها)؛ أي: (يد من قالها، ورجل من قالها)؛ وكقوله:
سَقَى الأَرَضِينَ الغَيثُ سَهْلَ وَحَزنَهَا ... . . . . . . . . . . . . (١)
بنصب (سهل)، و (حزنها) من غير تنوين، والأصل: (سهلها وحزنها) فحذف
стр. 1103
المضاف إليه من الأول؛ لدلالة الثاني أيضًا.
وقولُ الآخر:
. . . . . . . . . . . . ... بَينَ ذِرَاعَي وَجَبهَةِ الأَسَدِ (١)
أي: (ذراعي الأسد وجبهة الأسد).
وقد يحذف المضاف إليه ويبقى المضاف على حاله بدون الشرط المذكور؛ كقراءة ابن محيصن: (فلا خوفُ عليهم ولا هم يحزنون) بالرفع (من غير) تنوين على إهمال (لا)، التقدير واللَّه أعلم بمراده: (فلا خوف شيء عليهم).
وقرأ يعقوب: من غير تنوين على الإعمال.
стр. 1104
وقرئ: (لأعدوا له عدةَ) بلا تنوين، التقدير واللَّه أعلم بمراده: (عدته).
ونحوه قولُ الشاعرِ:
وَمِنْ قَبلِ نَادَى كُلُّ مَولَى قَرَابَةً ... . . . . . . . . . . . . (١)
بالجر من غير تنوين؛ أي: (من قبل ذلك).
стр. 1105
وقد جاء عكس المسألة السابقة؛ كقول رجل من الصحابة: "غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَبع غَزَوَات وَثَمَانِيَ"، بفتح (الياء)؛ أي: (ثماني غزوات) فحذف من الثاني لدلالة الأول؛ كقولِ الشاعر:
خمسُ ذَوْدٍ أو سِتُّ عُوِّضْتُ مِنهَا ... . . . . . . . . . . . . (١)
وكان الأجود (ثمانيًا) و (ستًا)، وسيأتي الكلام على (ثماني) و (ثمانية) في العدد.
وأما قوله ﵊: "أوحي إلى أنكم تفتنون في قبوركم مثلَ أو قريبًا من فتنة الدجال" فحذف المضاف إليه من الأول؛ والتقدير: (مثل فتنة الدجال أو قريبًا من فتنة الدجال).
ويروى: (أو قريبَ) بلا تنوين، وتقديره: (أو قريب الشبه من فتنة الدجال)، قاله المصنف ﵀.
تنبيه:
اختلف: (في قَطَع اللَّه يدَ ورِجلَ من قالها).
فأبو العباس المبرد والمصنف: أن المضاف إليه محذوف من الأول كما سبق.
وسيبويه: أن المضاف إليه محذوف من الثاني، والأصل: (قطع اللَّه يد من قالها ورجل من قالها)، فحذف (من قالها) الثاني، فحصل: (قطع اللَّه يد من قالها ورجل)، ثم قدم (ورجل) فأقحم بين المضاف والمضاف إليه، فحصل: (قطع اللَّه يد ورجل من قالها).
وابن عصفور: الأصل: (قطع اللَّه يد من قالها ورجله) فحذف الضمير من (رجله) ثم قدم فأقحم أيضًا بين المتضايفين.
وحكى الفراء: (يد)، و (رجل) مضافان معًا لقوله: (من قالها)، وليس في الكلام حذف.
стр. 1106
والمذهب الأول: أقل تكلف.
واللَّه الموفق:
ص:
٤١٨ - فَصْلَ مُضَافٍ شِبْهِ فِعْلٍ مَا نَصَبْ ... مَفْعُوْلًا أوْ ظَرْفًا أَجِرْ وَلَمْ يُعَبْ (١)
٤١٩ - فَصْلُ يَمِيْنٍ وَضْطِرَارًا وُجِدَا ... بِأَجْنَبِيٍّ أَوْ بِنَعْتٍ أَوْ نِدَا (٢)
ش:
يقول: إن كان المضاف يشبه إلفعل في العمل كالمصدر والصفة. . فأجز أن يَفصل المضافَ من المُضافِ إليه، ما نَصَبَهُ المضاف حالة كون المنصوب الفاصل بينهما مفعولًا للمضاف أو ظرفًا له.
فقوله: (فَصْلَ): مفعول بـ (أَجِزْ)، ومعناه: أن يفصل وما بعده: مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله.
وقوله: (ما نصب): فاعل بالمصدر المضاف، وهي موصولة واقعة على المفعول والظرف الفاصل، وفاعل (نصب): يعود على مضاف، والهاء العائدة على (ما): محذوفة؛ أي: ما نصبه المضاف.
وكأنه قال: (أجز في كل من المفعول أو الظرف أن يَفصِلَ هو المضاف من المضاف إليه).
وهذا الذي ذكره جائز في السعة وغيرها على الأصح؛ لأن الفصل حينئذ إنما هو
стр. 1107
بمعمول المضاف، فليس أجنبيًا منه.
فالفصل بالمفعول: كقراءة ابن عامر: (وكذلك زُيِّنَ لكثيرٍ من المشركين قتلُ أولادَهم شركائِهم)، بالبناء للمفعول في (زين قتل) على النيابة، ونصب (أولادَهم)، وجر (شركائِهم).
فقيل: مصدر مضاف، و (شركائهم) مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله، و (أولادَهم): مفعول بالمصدر المضاف، وقد فصل المفعول بين المتضايفين.
وأنكر الزمخشري: هذه القراءة.
واستبعدها أبو البقاء.
وارتضاها المصنف.
ونحو قول الشاعرِ:
. . . . . . . . . . . . ... فَسُقنَاهُمُ سَوقَ البُغَاثَ الأَجَادِلِ (١)
стр. 1108
فـ (سوق): مصدر للأجادل من إضافة المصدر لفاعله أيضًا، وفصل (البغاث) بينهما وهو مفعول المصدر المضاف أيضًا.
و (البغاث): بتثليث الموحدة: طائر ضعيف، و (الأجادل): جمع (أجدل): طائر. وقرئ شاذًا: (فلا تحسبنَّ اللَّه مخلفَ وعدَه رُسُلِه) بنصب (وعد)، فـ (مخلف): مضاف، (ووسله): مضاف إليه.
وفصل بينهما المفعول الثاني؛ لأن (مخلف) يطلب مفعولين، فأضيف للأول منهما، وفصل بالثاني.
ومن الفصل بالمفعول الثاني أيضًا قولُ الشاعرِ:
. . . . . . . . . . . . . ... وَسِوَاكَ مَانِعُ فَضلَهُ المُحتَاجِ (١)
والأصل: و (سواك مانع المحتاج فضله).
стр. 1109
ومن الفصل بالظرف؛ قوله:
. . . . . . . . . . . . . ... كَنَاحِتِ يَوْمًا صَخْرةٍ بِعَسِيلِ (١)
فـ (ناحت): اسم فاعل أيضًا وهو مضاف لصخرة، وفَصل بينهما الظرف، وهو معمول المضاف أيضًا.
و (العسيل): كناية عن شيء حقير من الآلات.
وقولُ الآخر:
. . . . . . . . . . . . . ... لِلَّهِ دَرُّ اليَوْمَ مَن لَامَهَا (٢)
стр. 1110
فـ (در): مصدر مضاف، و (مَن لامها): مضاف إليه، وفصل بينهما بالظرف أيضًا.
ومن الفصل بالمجرور: قوله ﵊: "هل أنتم تاركو إلي صاحبي"، فـ (تاركو): مضاف، و (صاحبي): مضاف إليه، وفصل بينهما بالمجرور وهو معمول المضاف أيضًا؛ لأنه متعلق به.
ومنه أيضًا قولُ الشاعرِ:
لَأَنتَ مُعتَادُ فِي الهَيجَا مُصَابَرَةٍ ... . . . . . . . . . . . . . (١)
стр. 1111
ففصل بين: (معتاد)، و (مصابرةٍ): بالمجرور وهو معمول المضاف أيضًا.
وقوله: (وَلَمْ يُعَبْ فَصْلُ يَمِيْنٍ) يشير به إلى أنه: يجوز الفصل بين المتضايفين باليمين، وهو أيضًا جائز مطلقًا كما سبق.
حكى الكسائي: (هذا غلام واللَّه زيد) ففصل بالقسم بين (غلام)، و (زيد).
وألحق به ما حكماه ابن الأنباري: (هذا غلام إن شاء اللَّه ابن أخيك)، الأصل: (هذا غلام ابن أخيك إن شاء اللَّه).
قيل: والفصل بـ (أما) كذلك؛ كقولهِ:
هُمَا خَطَّتَا إِمَّا إِسَارٍ وَمِنَّةٍ ... . . . . . . . . . . . . . (١)
ففصل: بين (خطتا) و (إسار) بـ (إما).
стр. 1112
وأشار بقوله: (وَاضْطِرَارًا وُجِدَا) إلى أنه: قد فصحك فى الضرورة بين المتضايفين بالأجنبي؛ وبالنعت، وبالنداء؛ كقول الشاعرِ:
أَنجَبَ أَيّامَ والِدَاهِ بِهِ ... إِذ نَجَلاهُ فَنِعمَ ما وَلَدَا (١)
الأصل: (أنجب والداه به أيام إذ نجلاه)، ففصل: بين (أيام وإذ نجلاه)، بـ (والداه) وهو: أجنبي من المضاف؛ لأنه ليس معمولًا له، بل هو فاعل (أنجب).
يقال: أنجب فلان بابنه: إذا أتى به نجيبًا.
وكقول الآخر:
يَسقِي امْتِيَاحًا نَدَى المِسْوَاكِ رِيقَتَهَا ... . . . . . . . . . . . . . (٢)
الأصل: (يسقي ندى ريقتها المسواك)، ففصل: بين المضاف وهو (ندى) والمضاف إليه وهو (ريقتها) بـ (المسواك) وهو: مفعول أول لقوله: (تسقي) فهو أجنبي من المضاف أيضًا.
стр. 1113
ومعنى هذا الشاهد: (إن المرأة تسقي المسواك ندى ويقتها)، فـ (المسواك): حينئذ فاعلٌ معنى؛ لأنه هو الشارب، على حد قولك: (سقيت زيدًا ماء).
وإن صحت رواية الياء آخر الحروف. . فتكون (ندي): فاعل سقيت؛ أي: (يسقي نديُّ ريقتها المسواك).
وقال الآخر:
كَمَا خُطَّ الكِتَابُ بِكفِّ يومًا ... يَهُودِيٍّ يُقَارِبُ أَو يُزِيلُ (١)
أصله: (بكف يهودي)، ففصل: بـ (يومًا) وهو أجنبي من المضاف؛ لأنه معمول (خُطَّ).
وقوله:
стр. 1114
نَجَوتُ وَقَد بَلَّ المُرَادِيُّ سَيفَهُ ... مِنِ ابنِ أَبي شَيخِ الأَبَاطِحِ طَالِبِ (١)
أصله: (من ابن أبي طالب شيخ الأباطح)، ففصل: بنعت أبي طالب.
وقولُ الآخر:
كَأَنَّ بِرذَونَ أَبَا عِصَامِ ... زَيدٍ حِمارٌ دُقَّ بِاللِّجَامِ (٢)
أصله: (برذون زيد)، ففصل: بـ (أبا عصام): وهو منادى محذوف الأداة، و (حمار): خبر كان.
قيل: ويحتمل أن يكون (أبا عصام) مضافًا إليه على لغة: القصر، فيكون (زيد) بدلًا
أصله: (بأي الأرضين تراهم حلُّوا؟).
وقوله:
. . . . . . . . . . . . . ... وَلَا عَدِمْنَا قَهرَ وَجدٌ صَبِّ (١)
فـ (قهر): مصدر مضاف لمفعوله وهو صب، و (وجد): فاعل بالمصدر المضاف، والأصل: (قهر صب وجد) وهذا أيضًا مخصوص بالشعر؛ لأن (وجد) وإن كان معمولًا للمصدر المضاف: هو فاعل، ولا يفصل بينهما إلا بالمفعول به ونحوه كما سبق.
وقيل: الفصل بالمفعول لأجله مختص بالضرورة، كقوله:
معَاوِدُ جُرأَةً وَقتِ الهَوَادِي ... . . . . . . . . . . . . . (٢)
стр. 1117
أصله: (المعاود وقت الهوادي لجرأة فيه).
تنبيه:
قال ابن بابشاذ في "المحسبة": لا يتقدم شيء من معمول المضاف إليه على المضاف، فلا يجوز: (أنت زيدًا مثلُ ضاربٍ).
وأجازوا ذلك مع (غير) بشرط النفي، فقالوا: (أنت زيدًا غيرُ ضارب)، أجروه مجرى: (أنت زيدًا لا ضارب)؛ لأن (غير) قد تكون في معنى (لا)، فكأنك قلت: (أنت زيدًا لا ضارب). انتهى.
وهي من مسائل الكتاب، وذكرها المصنف، وجعل من ذلك قوله تعالى: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ فالحرف متعلق بـ (يسير).
وقيل: متعلق بـ (عسير) قبله، ﴿وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ فالحرف متعلق بـ (مبين).
стр. 1118
وقالَ الشاعِر:
إِنَّ امرأً خَصَّنِي عَمدًا مَوَدَّتَهُ ... عَلَى التَّنائِي لَعِندِي غَيرُ مَكفُورِ (١)
فالظرف متعلق بـ (مكفور).
قال السيوطي في "همع الهوامع": ونقل عن ابن الحاج: جواز (أنا زيدًا مثلُ ضارب).
وأجاز الكسائي: (أنا زيدًا أول ضارب).
ومنع أبو حيان: التقديم في الجميع.
واللَّه الموفق
* * *
ش:
المضاف لياء المتكلم إن كان مفردًا صحيح الآخر, أو جمع تكسير. . فتكسر آخره؛ نحو: (كتابي)، و (غلماني).
وكذا جمع السلامة لمؤنث؛ كـ (هنداتي).
وسكون الياء في الجميع، هذا معنى قوله: (آخِرَ مَا أضِيْفَ لِلْيَا اكْسِرْ)
- فيكسر آخر المضاف لياء المتكلم ما لم يعتل بالياء: كـ (رامٍ) و (قاضٍ).
- أو بالألف: كـ (قذا) و (فتى).
- أو يكن مثنى: كـ (ابنين).
- أو جمع مذكر سالم: كـ (زيدِين)، و (مسلمِين).
وفهم منه: أن المعتل بالواو؛ كـ (دلو)، و (صنو)، أو بالياء؛ كـ (ظبي). . يجري مجرى الصحيح؛ نحو: (دلوي)، و (ظبيي)، كـ (غلامي) ونحوه.
وفي نحو: (غلامي)، و (دلوي)، أربعه أوجه:
• الأول: وهو المشهور: إعرابه بالحركات مقدرة في الأحوال الثلاث.
• الثاني: تقدير الحركة في الرفع والنصب، وأما الجر. . فبالكسرة الظاهرة، واختاره الشيخ في "التسهيل".
• والثالث: أنه مبني، وهو لعبد القاهر الجرجاني وعبد اللَّه بن الخشاب وأحمد بن الخباز؛ لأن (الياء) ضمير متصل على حرف واحد، وقد كسر لها آخر المضاف لتتمكن به، فنزلت منزلة الجر من المضاف، فصارا كالكلمة الواحدة، فبني معها لامتزاجه بها.
• الرابع: لا معرب ولا مبني، وسموه: (خَصِيًّا)، وهو لأبي الفتح وابن بابشاذ؛ لأنه قد انتفى فيه مقتضى الإعراب والبناء.
والوجه: ما تقدم، فهو معرب استصحابًا للأصل.
стр. 1121
وأما الأنواع الأربعة التي استثناها المصنف وهي: (رامٍ)، و (قَذا)، و (ابنَين)، و (زيدِينَ) ففيها تفصيل:
• أما المنقوص: كـ (رام)، و (قاض). . فتدغم ياؤه في ياء المتكلم، وتفتح ياء المتكلم؛ كـ (راميَّ)، و (قاضيَّ)، بالتشديد في الأحوال الثلاث فتقدر الضمة والكسرة كما كان قبل الإضافة.
وقد يُدَّعى أن الفتحة مقدوة أيضًا لزوال صورتها.
وقد يُدَّعى ظهورها؛ لأن زوالها عارض بالإدغام.
وأما المقصور: كـ (فتى)، و (قذا). . فتسلم ألفه وتفتح ياء المتكلم معه؛ نحو (فتاي)، في الأحوال الثلاث.
• وأما المثنى وما ألحق به: كـ (زيدون)، و (عشرون). . فتسلم؛ كـ (ابنان)، و (رجلان)، و (اثنان).
• وجمع السلامة وما ألحق به: كـ (زيدون) و (عشرون). . فتسلم ألف المثنى ونحوه؛ كـ (جاء ابناي)، و (غلاماي) بفتح الياء أيضًا، والأصل: (ابنان لي)، و (غلامان لي)، فحذفت النون واللام للإضافة، وهذا معنى قوله: (وَأَلِفًا سَلِّمْ) فتسلم الألف المثنى، وألف المقصور كما سبق.
وستأتي لغة هذيل في: المقصور.
وتقلب واو الجمع ونحوه (ياء)؛ نحو: (جاء زيدِيَّ ومسلمِيَّ) بفتح الياء أيضًا مشددة، والأصل: (زيدون لي)، و (مسلمون لي) فحذفت النون واللام للإضافة، أو حذفت اللام للاستغناء عنها بنيتها، فالتقى بعد الحذف ساكنان أعني الواو والياء، فقلبت الواو ياءً، وأدغمت في ياء المتكلم، ثم قلبت الضمة التي قبل الواو كسرة لمناسبة الياء، وهو معنى قوله: (وَإِنْ مَا قَبْلَ وَاوٍ ضُمَّ فَاكْسِرْهُ يَهُنْ).
فإن لم يكن مضمومًا. . بقي على حاله؛ كـ (مررت بزيدِيَّ)، أصله: (بزيدين لي) فحذفت النون واللام، وأدغمت الياء في الياء.
وكذا نحو: (مصطفَون) جمع (مصطفى)، فتقول: (مصطفَيّ) بتشديد الياء وفتح ما قبلها في الأحوال الثلاث.
وعلامة الرفع: في نحو: (جاء زيدِيَّ) الواو المنقلبة ياء للموجب، وإن وقع كل من
стр. 1122
المثنى والجمع ونحوهما منصوبًا أو مجرورًا. . تحذف نونه للإضافة كما ذكر، وتدغم ياؤه في ياء المتكلم على ما سبق.
فتقول في المثنى: (رأيت غلامَيَّ)، و (مررت بغلامَيَّ) بفتح الياء المشددة وكسر ما قبلها، والأصل: (غلامين لي).
وتقول في الجمع: (وأيت زيدِيَّ ومسلمِيَّ)، و (مررت بزيدِيَّ ومسلمِيَّ) بفتح الياء المشددة وكسر ما قبلها، والأصل: (زيدِينَ لي)، فحذفت النون واللام كما مر، وأدغمت الياء في ياء المتكلم المفتوحة.
وقد انتهى الكلام على الأنواع الأربعة التي هي: (رام)، و (قذا)، و (ابنان)، و (زيدون)، فهذه إذا أضيفت لياء المتكلم. . وجب فتح الياء بعدها؛ كما قال: (فَذِي جَميعُها اليَا بعدَ فَتحِها احتُذِي)؛ أي: اتَّبع.
- وتدغم ياء المثنى والجمع في ياء المتكلم.
- وكذا: تدغم واو الجمع بعد قلبها ياء وكسر ما قبلها؛ كما قال: (وَتُدْغَمُ الْيَا فِيْهِ وَالْوَاوُ وَإِنْ مَا قَبْلَ وَاوٍ ضُمَّ فَاكْسِرْهُ يَهُنْ).
وتسلم ألف المقصور مطلقًا وألف المثى وما ألحق به في حال الرفع؛ كما قال: (وَأَلِفًا سَلِّمْ).
وهذيل: يقلبون ألف المقصور ياء جوازًا، ويدغمونها في ياء المتكلم؛ كـ (قام فتَيَّ)، و (مررت بفتَيَّ) بالتشديد، وإليه أشار بقوله: (وَفِي الْمَقْصُوْر عَنْ هُذَيْلٍ. . . إلى آخره).
وبلغتهم قرأ الحسن وابن أبي إسحاق: (يا بشرَيَّ) في: ﴿يا بشراي﴾.
وقرأ أيضًا: (عصيَّ) بفتح الياء مشددة في ﴿عصاي﴾.
وفي حديث طلحة رضي اللَّه تعالى عنه: "فوضعوا اللج علي قفَيَّ" (١) والأصل:
والأصل: (هواي).
و (أعنقوا): تبع بعضهم بعضًا.
وتقلب ألف (على) و (إلى)، و (لدى): ياء مع الضمير؛ نحو: (إليك)، و (عليك).
وأبو حيان: أن بعض العرب يثبت ألف (على) و (لدا) مع الضمير؛ نحو: (علاه ولداه)، و (علاي ولداي). انتهى.
وقال الشاعر:
. . . . . . . . . . . . . ... طَارُوا عَلاهُنَّ فَطِرْ عَلَاهَا (١)
стр. 1125
أراد: (عليها) كما سبق في حروف الجر.
وأجاز المبرد: في نحو: (أب) و (أخ) إذا أضيف لياء المتكلم: أن ترد (الواو) التي هي (لام) الكلمة، ثم تدغم في ياء المتكلم بعد قلبها ياء؛ نحو: (أَبيّ)، و (أَخيّ) بالتشديد.
واحتج بقول الشاعر:
. . . . . . . . . . . . . ... وَأَبِيَّ مَا لَكَ ذُو المَجَازِ بِدَارِ (١)