وأما الأنواع الأربعة التي استثناها المصنف وهي: (رامٍ)، و (قَذا)، و (ابنَين)، و (زيدِينَ) ففيها تفصيل:
• أما المنقوص: كـ (رام)، و (قاض). . فتدغم ياؤه في ياء المتكلم، وتفتح ياء المتكلم؛ كـ (راميَّ)، و (قاضيَّ)، بالتشديد في الأحوال الثلاث فتقدر الضمة والكسرة كما كان قبل الإضافة.
وقد يُدَّعى أن الفتحة مقدوة أيضًا لزوال صورتها.
وقد يُدَّعى ظهورها؛ لأن زوالها عارض بالإدغام.
وأما المقصور: كـ (فتى)، و (قذا). . فتسلم ألفه وتفتح ياء المتكلم معه؛ نحو (فتاي)، في الأحوال الثلاث.
• وأما المثنى وما ألحق به: كـ (زيدون)، و (عشرون). . فتسلم؛ كـ (ابنان)، و (رجلان)، و (اثنان).
• وجمع السلامة وما ألحق به: كـ (زيدون) و (عشرون). . فتسلم ألف المثنى ونحوه؛ كـ (جاء ابناي)، و (غلاماي) بفتح الياء أيضًا، والأصل: (ابنان لي)، و (غلامان لي)، فحذفت النون واللام للإضافة، وهذا معنى قوله: (وَأَلِفًا سَلِّمْ) فتسلم الألف المثنى، وألف المقصور كما سبق.
وستأتي لغة هذيل في: المقصور.
وتقلب واو الجمع ونحوه (ياء)؛ نحو: (جاء زيدِيَّ ومسلمِيَّ) بفتح الياء أيضًا مشددة، والأصل: (زيدون لي)، و (مسلمون لي) فحذفت النون واللام للإضافة، أو حذفت اللام للاستغناء عنها بنيتها، فالتقى بعد الحذف ساكنان أعني الواو والياء، فقلبت الواو ياءً، وأدغمت في ياء المتكلم، ثم قلبت الضمة التي قبل الواو كسرة لمناسبة الياء، وهو معنى قوله: (وَإِنْ مَا قَبْلَ وَاوٍ ضُمَّ فَاكْسِرْهُ يَهُنْ).
فإن لم يكن مضمومًا. . بقي على حاله؛ كـ (مررت بزيدِيَّ)، أصله: (بزيدين لي) فحذفت النون واللام، وأدغمت الياء في الياء.
وكذا نحو: (مصطفَون) جمع (مصطفى)، فتقول: (مصطفَيّ) بتشديد الياء وفتح ما قبلها في الأحوال الثلاث.
وعلامة الرفع: في نحو: (جاء زيدِيَّ) الواو المنقلبة ياء للموجب، وإن وقع كل من
стр. 1122
المثنى والجمع ونحوهما منصوبًا أو مجرورًا. . تحذف نونه للإضافة كما ذكر، وتدغم ياؤه في ياء المتكلم على ما سبق.
فتقول في المثنى: (رأيت غلامَيَّ)، و (مررت بغلامَيَّ) بفتح الياء المشددة وكسر ما قبلها، والأصل: (غلامين لي).
وتقول في الجمع: (وأيت زيدِيَّ ومسلمِيَّ)، و (مررت بزيدِيَّ ومسلمِيَّ) بفتح الياء المشددة وكسر ما قبلها، والأصل: (زيدِينَ لي)، فحذفت النون واللام كما مر، وأدغمت الياء في ياء المتكلم المفتوحة.
وقد انتهى الكلام على الأنواع الأربعة التي هي: (رام)، و (قذا)، و (ابنان)، و (زيدون)، فهذه إذا أضيفت لياء المتكلم. . وجب فتح الياء بعدها؛ كما قال: (فَذِي جَميعُها اليَا بعدَ فَتحِها احتُذِي)؛ أي: اتَّبع.
- وتدغم ياء المثنى والجمع في ياء المتكلم.
- وكذا: تدغم واو الجمع بعد قلبها ياء وكسر ما قبلها؛ كما قال: (وَتُدْغَمُ الْيَا فِيْهِ وَالْوَاوُ وَإِنْ مَا قَبْلَ وَاوٍ ضُمَّ فَاكْسِرْهُ يَهُنْ).
وتسلم ألف المقصور مطلقًا وألف المثى وما ألحق به في حال الرفع؛ كما قال: (وَأَلِفًا سَلِّمْ).
وهذيل: يقلبون ألف المقصور ياء جوازًا، ويدغمونها في ياء المتكلم؛ كـ (قام فتَيَّ)، و (مررت بفتَيَّ) بالتشديد، وإليه أشار بقوله: (وَفِي الْمَقْصُوْر عَنْ هُذَيْلٍ. . . إلى آخره).
وبلغتهم قرأ الحسن وابن أبي إسحاق: (يا بشرَيَّ) في: ﴿يا بشراي﴾.
وقرأ أيضًا: (عصيَّ) بفتح الياء مشددة في ﴿عصاي﴾.
وفي حديث طلحة رضي اللَّه تعالى عنه: "فوضعوا اللج علي قفَيَّ" (١) والأصل:
والأصل: (هواي).
و (أعنقوا): تبع بعضهم بعضًا.
وتقلب ألف (على) و (إلى)، و (لدى): ياء مع الضمير؛ نحو: (إليك)، و (عليك).
وأبو حيان: أن بعض العرب يثبت ألف (على) و (لدا) مع الضمير؛ نحو: (علاه ولداه)، و (علاي ولداي). انتهى.
وقال الشاعر:
. . . . . . . . . . . . . ... طَارُوا عَلاهُنَّ فَطِرْ عَلَاهَا (١)
стр. 1125
أراد: (عليها) كما سبق في حروف الجر.
وأجاز المبرد: في نحو: (أب) و (أخ) إذا أضيف لياء المتكلم: أن ترد (الواو) التي هي (لام) الكلمة، ثم تدغم في ياء المتكلم بعد قلبها ياء؛ نحو: (أَبيّ)، و (أَخيّ) بالتشديد.
واحتج بقول الشاعر:
. . . . . . . . . . . . . ... وَأَبِيَّ مَا لَكَ ذُو المَجَازِ بِدَارِ (١)
стр. 1126
فزعم أن (أبا) رد إلى أصله، فحصل: (أبوٌ)، ثم أضيف للياء، فقلبت الواو ياء وأدغم.
وقيل: يحتمل إرادة الجمع، وسقوط النون للإضافة؛ فإن (الأب) يجمع على (أبين)؛ كقراءة بعض السلف: (نعبد إلهك وإله أبيك) الآية.
وكقول الشاعر:
كَريمٌ طَابتِ الأَعرَاقُ مِنهُ ... وَأشبَهَ فِعلُهُ فِعلَ الأَبِينَا (١)
تنبيه:
قد تكسر ياء المتكلم المدغمة فيها؛ كقراءة حمزة: (وما أنتم بمصرخيِّ).
وكقول الشاعر:
قَالَ لهَا هَلْ لَكِ يَا تَا فِيِّ ... قَالَت لَهُ مَا أَنتَ بِالمَرضِي (٢)
بكسر الياء من (فيِّ).
قال قطرب: هي لغة بني يربوع.
واعترض بعضهم على حمزة في هذه القراءة، ونصره الفارسي.
стр. 1127
وقيل: فيه ثلاث ياءات: الجمع، وياء المتكلم، وياء زيدت للمد، فهي إشباع؛ كقول الشاعر:
رَمَيْتِيْهِ فَأَصْمَيتِ ... وَمَا أَخْطَأتِ فِي الرَّمْيَهْ (١)
وقرأ أبو عمرو: بكسرها بعد الألف في (عصاي).
ونافع: بسكونها في (محيايْ)، و (مماتيْ).
وإذا كسر ما قبلها. . جاز سكونها وهو الأصل، وفتحها للخفة؛ كـ (غلامي)، و (كتابي) بالوجهين.
وقرأ الحسن: (دعوت قوميَ ليلًا) بفتحها.
وقر نافع: (ولِيْ دِين) كذلك.
وقد يجتمع أربع ياءات في الإضافة لياء المتكلم؛ كما إذا ثنيت (مرميًا) ونحوه، فتقول: (رأيت مِرميَّيَّ) بأربع ياءات، والأصل: (مرميين لي) فحذفت النون واللام للإضافة، وأدغمت ياء المثنى في ياء المتكلم.
ويقال في الرفع: هذان مرميّاي.
فائدة:
لا يضاف إلى ياء المتكلم؛ نحو: (تأبط شرًا)؛ لاستلزام كسر ما قبل الياء، فيتغير لفظ الجملة المحكية.
واللَّه الموفق
стр. 1128
شرح الإمام الفارضي على ألفية ابن مالك
стр. 1129
الكتاب: شرح الإمام الفارضي على ألفية ابن مالك
التصنيف: نحو
المؤلف: العلامة شمس الدين محمد الفارضي الحنبلي (ت ٩٨١ هـ)
المحقق: محمد مصطفى الخطيب
الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت
عدد الصفحات (٤ أجزاء/ ٤ مجلدات)
قياس الصفحات ١٧ × ٢٤ سم
سنة الطباعة ٢٠١٨ م - ١٤٣٩ هـ
بلد الطباعة لبنان
الطبعة الأولى (لونان)
جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة لدار الكتب العلمية بيروت - لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملًا أو مجزأ أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو تحميله على صفحات الإنترنت بأي شكل من الأشكال إلا بموافقة الناشر خطيًا.
стр. 1130
شرح الإمام الفارضي على أَلفية ابن مالك
للعلامة المحقق والفهامة المدقق شمس الدين محمد الفارضي الحنبلي
المتوفى سنة ٩٨١ هـ
حققه وعلق عليه أبو الكميت محمد مصطفى الخطيب
نسخة نفيسة وفريدة بخط المؤلف
الجزء الثالث
دار الكتب العلمية
стр. 1131
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إعمال المصدر
ص:
٤٢٤ - بِفِعْلِهِ الْمَصْدَرَ أَلْحِقْ فِي الْعَمَلْ ... مُضَافًا أوْ مُجَرَّدًا أَوْ مَعَ أَلْ (١)
٤٢٥ - إِنْ كَانَ فِعْلٌ مَعَ أَنْ أَوْ مَا يَحُلّ ... مَحَلَّهُ وَلِاسْمِ مَصْدَرٍ عَمَلْ (٢)
ش:
المصدر في عمله على ضربين:
• الأول: كونه نائبًا مناب فعله، فيقدو بالفعل وحده، وأكثر وقوعه:
أمرًا؛ نحو: (ضربًا زيدًا).
أو دعاء؛ كقوله:
يَا قَابِلَ التَّوبِ غُفرَانًا مَآثِمَ قَد ... أَسلَفتُهَا أَنَا مِنهَا خَائِفٌ وَجِلُ (٣)
стр. 1132
أو بعد استفهام؛ نحو: (أضربًا زيدًا؟).
وهو الناصب بنفسه عند سيبويه، وصححه في "التسهيل".
وقيل: بالفعل المحذوف العامل في (ضربًا)، وصححه في "شرح القطر".
وأجاز المبرد والسيرافي والمصنف: تقديم معموله عليه؛ نحو: (زيدًا ضربًا). وفيه ضمير مستتر؛ لأنه بمنزلة (اضرب).
• الثاني: وهو المراد هنا: أن يعمل مقدرًا بفعل وحرف مصدري؛ نحو: (أن)، و (ما)؛ ليقوي شبهه بالفعل، فيقدران إذا أريد به المضي أو الاستقبال؛ كـ (أعجبني ضربك زيدًا أمس)، و (يعجبني ضربك زيدًا غدًا)، التقدير: (أن ضربت زيدًا أمس)، و (أن تضرب زيدًا غدًا).
وتقدر (ما) إذا أريد به الحال؛ كـ (عجبت من ضربك زيدًا الآن)؛ أي: (مما تضرب زيدًا الآن).
ويمتنع هنا تقدير (أن)؛ لأن مصحوبها لا يكون حالًا كما سبق في أفعال المقاربة، فلا تقول: (يعجبني ضرب زيد عمروًا الآن) على أن التقدير: (أن يضرب الآن).
وتساويهما (أن) المخففة كما في "التسهيل"؛ كـ (علمت ضربك زيدًا)؛ أي: (أن قد ضربت زيدًا).
ولا يعمل المصدر مصغرًا, ولا مجموعًا, ولا محذوفًا, ولا مفصولًا من معموله,
стр. 1133
ولا مؤكدًا, ولا مضمرًا, ولا محذوفًا, ولا موصوفًا, ولا مؤخرًا, وسيأتي بسط ذلك.
وعن ابن أبي العافية: لا يعمل ماضيًا.
وهذا المصدر لا يتحمل ضميرًا، بخلاف المصدر المتقدم.
وأجاز الأخفش: تقدير المصدر بـ (أن) والفعل المبني للمفعول؛ كـ (يعجبني ضرب زيد)؛ أي: (أن ضُرِبَ زيدٌ).
وأجازه الزمخشري في قوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾.
قال أبو حيان في "النهر": والصحيح: أن ذلك لا يجوز.
والمصدر المقدر بالفعل والحرف المصدري. . له ثلاثة أحوال:
• فتارة: يكون مضافًا, وهو الأكثر، ولذلك بدأ به الشيخ ﵀؛ كـ (يعجبني ضربك زيدًا).
ومنه في القرآن: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ﴾، ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾، فـ (الناس): مفعول بالمصدر المضاف، و (آباءكم) كذلك.
وجعل الزمخشري: من إعمال المضاف: قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾، على أن (يوم) منصوب بـ (رجعه).
ورُدَّ؛ للفصل بين المصدر ومعموله بأجنبي؛ فإن (لقادر) خبران وهو أجنبي من المصدر إذ هو معمولها لا معموله، فالعامل كما قال الشيخ: (فعل مقدر)؛ أي: (يرجعه يوم تبلى السرائر).
• وتارة: يكون مجردًا، وهو المنون، وهو دون الأول في الكثرة؛ كـ (يعجبني ضربٌ زيدٌ عمروًا) بتنوين (ضرب).
ومنه قراءة نافع: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا﴾ برفع (إطعام) منونًا، ونصب (يتيمًا) به.
وقراءة أبي بكر عن عاصم: (بزينةٍ الكواكبَ) بتنوين (زينة)، ونصب (الكواكب).
وقُرئ: بجر ﴿والكواكب﴾ بدلًا من (زينة) المنون.
وبالرفع فاعلا بالمصدر؛ أي: (بأن زينتها الكواكب)، أو خبرًا؛ أي: (بزينة هي الكواكب).
стр. 1134
وقال الشاعر:
بضَرْبٍ بالسُّيُوف رُؤُوسَ قَومٍ ... . . . . . . . . . . . . . (١)
فنصب (رؤوس) بالمصدر المنون.
ومنع الفراء: أن يذكر فاعل المنون.
وعن الكوفيين: أن المنون لا يعمل، والمرفوع بعده أو المنصوب: معمول لفعل محذوف.
وقال ابن فلاح في "مغنيه": المنون أقواها في العمل؛ لأنه أشبه بالفعل لتنكيره.
• وتارة: يكون معرفًا بـ (أل)، وهو دون الثاني في العمل؛ كـ (يعجبني الضرب زيدًا).
- وجعل من إعماله الرفع قوله تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾، فـ (من): فاعل بالجهر، والاستثناء مفرع.
ومن جعل الاستثناء منقطعًا. . فـ (من): مبتدأ، والخبر محذوف؛ أي: (إلا من ظلم فله أن يجهر).
- ومن إعماله النصب قولُ الشاعرِ:
ضعيفُ النِّكايةِ أعداءَهُ ... . . . . . . . . . . . . . (٢)
فنصب: (مسمعًا) بـ (الضرب)، وهو اسم رجل، وسبق في التنازع.
هذا مذهب سيبويه ومن وافقه كالمصنف.
وعن البغداديين والكوفيين: أن المحلى بـ (أل) لا يعمل؛ لأنه إنما عمل على تقديره بالحرف المصدري والفعل، فلما اقترنت به (أل). . بَعُدَ من الشبه؛ لأن (أل) لا تقترن بالحرف المصدري والفعل.
وحكى أبو حيان عن ابن عصفور: أن إعماله أقوى من إعمال المضاف.
• وقد يعمل المصدر مع عدم صلاحية التقدير بالحرف والفعل؛ كقول بعض العرب: (سَمْعُ أذني أخاك يقول ذاك).
وأما اسم المصدر:
- فإن كان علمًا. . لم يعمل؛ كـ (فجار للفجرة)، و (حماد للمحمدة).
- وإلا. . عمل عند الكوفيين والبغداديين والمصنف؛ كما قال: (وَلاِسْمِ مَصْدَرٍ عَمَلْ).
ومنه قول عائشة ﵂: "من قُبلة الرجل امرأتَه الوضوء" فنصبت (امرأته)، بـ (قبلة).
وقولُ الشاعرِ:
. . . . . . . . . . . . . ... وَبَعْدَ عَطائِكَ الْمِئَةَ الرِّتاعا (١)
стр. 1137
فنصب (المئة)، بـ (عطاء).
و (الرتاع) بالمثناة فوق: التي ترتع.
وقول الآخر:
لِأَنَّ ثوابَ اللَّه كُلَّ مُوَحِّدِ ... جِنَانٌ مِنَ الفِردَوسِ فِيهَا يُخَلَّدُ (١)
стр. 1138
وقوله:
إذَا صَحَّ عَونُ اللَّه للمَرَءِ لَم يَجِد ... عَسِيرًا مِنَ الآمَالِ إِلَّا مُيسَّرا (١)
فعلق (للمرء)، بـ (عون).
والزمخشري: يعلقه بـ (صح)؛ لأن الفعل إذا اجتمع مع المصدر ونحوه. . علق الحرف بالفعل عنده؛ لأنه أصل في العمل، وغيره فرع عليه، ولهذا علق الحرف بـ (دعاكم) من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ﴾، ولم يعلقه بالمصدر الذي هو: (دعوة)، وقال: (إذا جاء نهر اللَّه. . بطل نهر معقل) (٢).
والأحسن: تعلقه بمحذوف؛ أي: (لتخرجوا من الأرض إذا أنتم تخرجون).
стр. 1139
• وعلامة اسم المصدر لغير الثلاثي أن يوافق مصدر الثلاثي؛ نحو: (قبَّل قُبلة)، و (أَعطى عطاء)، و (أعان عونًا)، و (اغتسل غسلًا)، و (كلَّم كلامًا)، و (توضأ وضوءًا).
فـ (قبلة): اسم للتقبيل، و (عطاء): اسم للإعطاء، و (عون): اسم الإعانة، و (غسل): اسم الاغتسال، و (كلام): اسم التكليم، و (وضوء): اسم التوضُّؤ.
• والمصدر القياسي هو: التقبيل، والإعطاء، والاغتسال؛ كما ذكر.
وقد وافقت هذه الأسماء مصادر الثلاثي:
فـ (عطاء): موافق لـ (ذهب ذهابًا).
و (عَون)، و (غُسل): موافق (لصان صَونًا)، و (قرب قُربًا).
و (وُضوء): موافق (لقعد قُعودًا).
• وأما ما كان في أوله ميم لغير المفاعلة؛ كـ (مضرَب)، و (مذهَب)، و (مُصاب). . فقيل: اسم مصدر.
• الصحيح: مصدر ميمي كما سبق في المفعول فيه.
ومن إعماله قوله:
أَظُلَيمُ إِنَّ مُصَابَكُمْ رَجُلا ... أَهدَى السَّلامَ تَحِيَّةً ظُلْمُ (١)
стр. 1140
التقدير: (إن إصابتكم رجلًا).
و (ظليم): بالضم اسم امرأة، والهمزة حرف نداء.
تنبيه:
سبق أن المصدر لا يعمل:
• مصغرًا ولا مجموعًا ولا موصوفًا؛ لبعده من شبه الفعل بالتصغير والجمع والوصف.
• ولا ضميرا؛ لفقد أحرف الفعل وأحرف المصدر، فقد صار في صورة ما لا يعمل.
• ولا محذوفًا ولا مفصولا بأجنبي؛ لأنه فرع الفعل في العمل فلا يقوى قوته.
• ولا مؤكدًا؛ لأنه إنما جيء به لتأكيد الفعل فقط.
ولهذا كان العمل للأول لا للثاني المؤكد، في نحو: (قام قام زيد).
• ولا محدودًا بالتاء؛ لأنه صار بمنزلة أسماء الأجناس التي لا تناسب الأفعال؛ كـ (قصعة).
• ولا مؤخرًا؛ لأن (أن) المصدرية موصولة، فلا يتقدمها المعمول، فكذلك ما هو مؤول بها وبمدخولها.
ولهذا قال ابن هشام في "شرح بانت سعاد": إن كان المصدر ينحلُّ بـ (أن) والفعل. . امتنع التقديم مطلقًا، وإلا. . جاز مطلقًا. انتهى.
стр. 1141
وبعضهم: توسع في الظرف والمجرور؛ كقول الشاعر:
. . . . . . . . . . . . . ... كَانَ جَزَائي بِالعَصَا أَنْ أُجْلَدا (١)
وأجيب: بأنه على تقدير: (كان جزائي أن أجلد بالعصا)، أو: (جلدي بالعصا) وسبق في آخر الموصول.
ولهذا علق الظرف بمحذوف؛ في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾؛ أي: (فلما بلغ السعي معه)، ودل عليه المذكور.
• وشذ إعمال المجموع، في قوله:
فنصب: (إيانا)، بـ (عداتك): جمع عدة.
وقول الآخر:
قَد جَرَّبُوهُ فَمَا زَادَت تَجَارِبُهُم ... أبا قُدَامةَ إِلَّا المَجدَ وَالفَنَعَا (١)
فنصب: (أبا)، بـ (تجاربهم): جمع تجربة.
ويجوز أن يكون منصوبًا بـ (زادت) من التنازع على إعمال الأول وحذف مفعول الثاني؛ أي: (تجاوبهم إياه) فلا شاهد.
• والمحدود، في قوله:
. . . . . . . . . . . . . ... بِضَربَةِ كَفَّيهِ المَلا نَفسَ رَاكِبِ (٢)
стр. 1144
فنصب: (الملا): وهو التراب، بـ (ضربة).
والظاهر: أن (دعوة) في الآية المتقدمة ليس محدودًا بل هو من المصدر العام المختوم بالتاء لا لقصد المرة؛ كـ (رحمة)، و (سعادة).
• وأجاز الكوفيون: إعمال المصدر وهو ضمير؛ نحو: (ضربك المسيء حسن) و (هو المحسن قبيح)، بنصب (المحسن) بالضمير المذكور؛ أي: و (ضربك المحسن قبيح).
ومنه قوله:
. . . . . . . . . . . . . ... وَمَا هُوَ عَنهَا بِالحَديثِ المُرَجَّمِ (١)
على أن (هو) ضمير مصدر و (عن) متعلقة به.
стр. 1145
والمانعُ: يؤَوِّل.
• والمحذوف؛ في قول الآخر:
هَلْ تَذكُرونَ إِلَى الدَّيرَينِ هِجرَتَكُم ... وَمَسحَكُم صُلبَكُمْ رَحمَانُ قُربَانَا (١)
أي: (وقولكم يا رحمان) فعل النصب محذوفًا.
• أما عمله الرفع محذوفًا كما إذا كان مبتدأ كسائر المبتدآت. . فجائز.
• ولا يضر الفصل بغير الأجنبي كالظرف؛ نحو: (يعجبني ضربك اليوم عمرًا).
• وكذا لا يضر الوصف بعد استيفاء العمل، كـ (يعجبني ضربك المرأة الشديد).
• بخلاف: (ضربك الشديد المرأة).
ومن الأول قوله:
إِنَّ وَجدِي بِكِ الشَّدِيدَ أَرَانِي ... . . . . . . . . . . . . . (٢)
стр. 1146
والكسائي والمصنف: أن التوكيد كالوصف؛ فنحو: (ضربي العبد كلُّه قائمًا)، برفع (كله) توكيدًا للمصدر.
وأبو حيان: لا يجوز وصف المصدر المنسبك من الحرف والفعل، كـ (يعجبني أنْ مررت الحُسن)، و (هذا ما فعلته الحَسَن)؛ أي: (فِعلُك الحَسَن).
وأجازه الزمخشري في قراءة الحسن: (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذبِ)، بجر (الكذب) على أن (ما) مصدرية، و (الكذب) صفة للمصدر، أي: لوصفها الكذب.
والوجه: أنه بدل من (ما)، وهي موصولة لا مصدرية.
وقول الشيخ: (معَ أَن) صفة لاسم (كان)، و (ما): معطوف على (أن)، و (يحل): خبر (كان)؛ أي: ألحق المصدر بفعله في العمل إن صح أن يحل محله فعل مع (أن) أو (ما).
واللَّه الموفق
ص:
٤٢٦ - وَبَعْدَ جَرِّهِ الَّذِي أُضِيْفَ لَهْ ... كَمِّلْ بِنَصْبٍ أَوْ بِرَفْعٍ عَمَلَه (١)
ش:
سبق أن المصدر العامل إما أن يكون: مضافًا، أو مجردًا، أو محلى بـ (أل).
стр. 1147
والكلام هنا على المضاف:
• فإن أضيف للفاعل وذكر بعده المفعول. . وجب نصب المفعول.
• وإن أضيف للمفعول وذكر بعده الفاعل. . وجب رفع الفاعل.
فالأول: منه في القرآن: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ﴾ فـ (الاسم الكريم): مضاف إليه وهو فاعل في المعنى، و (الناسَ): مفعول بالمصدر المضاف.
وكذا قوله ﵊: "أخذُ الأمير الهدية سحتٌ، وقبولُ القاضي الرشوة كفرٌ" ذكره السيوطي في "الجامع الصغير".
والثاني: كقوله ﵊: "وحجُّ البيتِ من استطاع إليه سبيلًا"، فـ (من) فاعل بالمصدر المضاف، و (البيت): مضاف إليه، وهو مفعول في المعنى، وكقولك: (يعجبني أكل اللحم زيدٌ)، برفع (زيد) كذلك.
وقولُ الشاعرِ:
تَنْفي يَداها الحَصَى فِي كلِّ هَاجِرةٍ ... نَفْيَ الدارهِمِ تنقادُ الصَّيارِيفِ (١)
стр. 1148
فـ (نفي): مصدر مضاف لمفعوله، والفاعل (تنقاد) وهو مصدر كـ (تطلاب).
وقيل: إن هذا النوع الأخير مخصوص بالشعر.
والصحيح: خلافه؛ لوروده في الحديث.
و (الدراهيم): جمع (درهام) لغة: في (درهم)، قالَ الشاعِر:
لَوْ أنَّ عِنْدِي مَائَتَي دِرْهَامِ ... لَجَازَ فِي آفَاقِهَا خَاتَامِي (١)
و (الصياريف): جمع (صيرف)، وقياسه: (صيارف) فأشبعت الكسرة فتولدت الياء، وهو كثير في كلامهم؛ كقولهم: (جلاعيد) جمع (جلعد): وهي الناقة.
وقرأ الحسن: (سأوريكم دار الفاسقين)، فأشبع الضمة فتولدت الواو.
وقال الشاعر:
. . . . . . . . . . . . ... كَأَنَّ فِي أَنيَابِهَا القَرَنفُولْ (٢)
يريد: (أنظر).
وقولهم في خطاب المؤنثة: (رميتيه) بياء قبل الهاء، وقد سبق في المضاف إلى ياء المتكلم.
• ويكثر أيضًا إضافة المصدر للمفعول مع حذف الفاعل؛ كقوله تعالى: ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ أي: (من دعائه الخير)، ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ﴾ فالفاعل: ضمير أيضًا، والتقدير واللَّه أعلم بمراده: (بسؤاله نعجتك).
• وعكس ذلك كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ﴾.
والحاصل: أن المصدر:
- إذا أضيف لمفعوله. . رفع الفاعل.
- وإذا أضيف لفاعله. . نصب المفعول، فيكمل عمله بالرفع أو بالنصب بعد أن يضاف.
- وإذا أضيف للفاعل ولم يذكر المفعول أو عكسه. . اكتفى بالمذكور.
- فإن صرحت بالمعطوف. . أعطيته ما يستحقه من رفع أو نصب.
- ويضاف المصدر للظرف فيرفع الفاعل وينصب المفعول إن ذكرا؛ كـ (يعجبني ضرب اليوم زيد عمرًا).
فتلخص: أن المصدر له خمسة أحوال:
١. يضاف للفاعل ويذكر المفعول.
٢. وعكسه.
٣ و ٤. ويضاف لأحدهما فقط.
٥. ويضاف للظرف.
واللَّه الموفق
стр. 1151
ص:
٤٢٧ - وَجُرَّ مَا يَتْبَعُ مَا جُرَّ وَمَنْ ... رَاعَى فِي الإِتْبَاعِ الْمَحَلَّ فَحَسَنْ (١)
ش:
المجرور بالمصدر إذا أتبع بصفة أو عطف ونحوه. . جاز في تابعه الجر على اللفظ, وهو الأولى، ومراعاة المحل على حسب ما يكون؛ كـ (يعجبني أكل زيد الظريفِ اللحم)، بجر (الظريف) على اللفظ، ورفعه على المحل؛ لأن (زيد) فاعل في المعنى فهو مجرور لفظًا مرفوع محلًا.
- ومن الرفع على المحل قوله تعالى: (أولئك عليهم لعنة اللَّه والملائكةُ والناسُ أجمعون) برفع (الملائكة) وما بعدها عطف على موضع اسم (اللَّه) وهي قراءة الحسن.
ومنه قولُ الشاعرِ:
. . . . . . . . . . . . . . ... مَشيَ الهَلوكِ عَلَيها الخَيعَلُ الفُضُلُ (٢)
стр. 1152
فـ (الهلوك): فاعل في المعنى، و (الفضل) بالرفع صفة له على المحل، و (عليها الخيعل) جملة معترضة بين الصفة والموصوف.
و (الخيعل): قميص لا كُمَ له، و (الهلوك): المرأة الفاجرة، و (الفضل): اللابسة ثوب الخلوة.
وقيل: (الفضل الخيعل) فلا شاهد.
- ومن النصب على المحل قولُ الشاعرِ:
قَد كُنتُ دَاينتُ بِهَا حَسَّانَا ... مَخَافةَ الإِفَلاسِ وَاللَّيَّانَا (١)
стр. 1153
فـ (مخافة): مصدر مضاف لمفعوله، وفاعله: محذوف؛ أي: (مخافتي الإفلاس).
والشاهد في: (اللّيّانا): بتشديد اللام والياء وهو المَطل بالدَّين؛ حيث نصب عطفًا على محل (الإفلاس).
ونحو: (يعجبني ضرب العبد الأسودِ زيد)، بجو (الأسود) على اللفظ، ونصبه على المحل.
تنبيه:
أبو حيان: لا يجوز الإتباع على المحل عند سيبويه ومحققي البصريين.
وفصَّل أبو عمرو بن العلاء فأجاز: في العطف والبدل، ومنعه في التوكيد والنعت.
ويحسن مراعاة المحل في مواضع:
- منها: ضعف العامل؛ نحو: (لا رجل ظريفًا)، و (يا زيد الظريف)، بنصب الصفة في الموضعين؛ لأن (لا) عاملٌ ضعيف، وحرف النداء كذلك.
- ومنها: أن يجر المعطوف عليه بحرف زائد؛ نحو: (ما جاءنى من رجل ولا امرأةٌ)، برفع (امرأة) عطفًا على المحل.
ومنه قراءة: (وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبةٌ) برفع (حبة) كما سبق في أول باب الفاعل.
стр. 1154
ونحو: (ليس زيد بقائم ولا قاعدًا)، بالنصب عطفًا على محل المجرور.
وأجاز الكسائي: مراعاة المحل مع الناسخ مطلقًا، فيجيز: (ظننت زيدًا قائمًا وعمرو)، برفع (عمرو) على محل (زيد)؛ لأنه مبتدأ في الأصل.
وقيد المصنف: مذهب الكسائي بشرط خفاء الإعراب؛ كـ (ظننت زيدًا صديقي وعمرٌو).
ومنه: مراعاة المحل مع (إنّ)؛ نحو: (إنَّ زيدًا قائم وعمرٌو) على القول بأنه معطوف على محل اسم (إن).
وتضعف مراعاة المحل مع الفعل القاصر، خلافًا لأبي الفتح؛ نحو: (مررت بزيد وعمرًا).
وجعل بعضهم من مراعاة المحل: (وقِيلَه يا رب) في قراءة النصب عطفًا على محل ﴿الساعة﴾ (١).
وقيل: عطف على ﴿سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ (٢).
والسيوطي في "الإتقان": أنه مصدر لقال محذوفًا.
وقرئ: بالرفع عطفًا على (علم الساعة) بتقدير مضاف؛ أي: و (عنده علمٌ قيلُه).
وقيل: مبتدأ، والجملة من (يا رب. . .) إلى آخره: خبر.
وقرئ: بالجر عطفًا على (الساعة) نفسها.
وقيل: الواو للقسم، والجواب: ﴿وَقِيلِهِ يَارَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ ذكره الزمخشري.
وقيل: محذوف؛ أي: (لأفعلن بهم ما أريد).
واعتبر في "الإتقان": كونها للقسم.
واللَّه الموفق
* * *
стр. 1155
إعمال اسم الفاعل
ص:
٤٢٨ - كَفِعْلِهِ اسْمُ فَاعِلٍ فِي الْعَمَلِ ... إِنْ كَانَ عَنْ مُضِيِّهِ بِمَعْزِلِ (١)
ش:
اسم الفاعل: ما دل على حدث وفاعله، جاريًا مجرى الفعل في الحدوث، صالحًا لأن يستعمل: ماضيًا، ومستقبلًا، وحالًا، كالفعل.
- فـ (ما دل على الحدث وفاعله): يُخرج ما دل على الحدث ومفعوله؛ كـ (مضروب).
- (جاريًا مجرى الفعل في الحدوث): يُخرج أفعل التفضيل، والصفة المشبهة؛ لأنهما يدلان على الثبوت فلا يكونان لغير الحال.
وأحسن ما حُدَّ به اسم الفاعل: أنه: ما اشتق من المصدر، لمن قام به, على معنى الحدوث.
فـ (لمن قام به): مُخرج لاسم المفعول؛ فإنه واقع عليه الفعل كما سبق.
والحاصل: أنه يعمل النصب حالًا واستقبالًا:
• لشبهه بالمضارع في ذلك.
• وفي دخول لام الابتداء عليه.
• وجريانه عليه في معناه.
• وفي لفظه أيضًا؛ كالموافقة في الحركات والسكنات.
стр. 1156
فعمل عمله في الرفع والنصب؛ نحو: (ما ضارب زيدٌ عبده الآن أو غدًا).
ولا يعمل النصب ماضيًا؛ لعدم جريانه على المضارع في المعنى؛ فلا تقول: (أنا ضارب زيدًا أمس)؛ بالنصب؛ إذ لا يقال: (أنا أضرب زيدًا أمس) حتى قال بعضهم: لا شيء على من قال: (أنا قاتل زيدا أمس)؛ لأنه ينصب ماضيًا.
وأجازه الكسائي وهشام وجعفر بن مضاء، واكتفوا في إلحاقه بالفعل الماضي؛ لكونه موافقًا له في المعنى، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾.
وبقول بعض العرب: (هذا مارٌّ بزيد أمس).
والجمهور: أن الآية من حكاية الحال الماضية، والمعنى: (يبسط ذراعيه)، بدليل: ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ﴾ ولم يقل: و (قلبناهم).
وقال الأندلسي: حكاية الحال الماضية: أن تقدر نفسك كأنك موجود في ذلك الزمان، أو تقدر ذلك الزمان موجودًا الآن، ولكن هذا في حق المحلوف لا في حق الحالف، لأن الدنيا والآخرة في علم اللَّه تعالى كالساعة الواحدة.
وأما الثاني: فلم يعمل النصب في مفعول صريح، بل في مجرور، والمجرور يكفي أن يعمل فيه ما فيه رائحة الفعل.
وابن عصفور وجماعة: يعمل الرفع؛ نحو: (أقائم أبوك أمس).
ومنعه عثمان بن جني وعمر الشلوبين.
ولا يعمل مصغرًا ولا موصوفًا، فلا تقول: (أنا ضويرب زيدًا)، و (لا أنا الضارب الشديد زيدًا)؛ لبعده عن شبه الفعل، إذ الفعل لا يصغر ولا يوصف.
وأجازهما الكسائي، واحتج بقول بعضهم: (أظنني مرتجلًا وسويرًا فرسخًا) فنصب (فرسخًا) بـ (سوير) تصغير (سائر).
وقول الآخر:
. . . . . . . . . . . . . ... إذا فاقِدٌ خَطْباءُ فَرخَينِ رَجَّعتْ (١)
стр. 1157
فنصب (فرحين)، بـ (فاقد).
ورُد: بأن التقدير: (أسير فرسخًا)، و (فقدت فرخين).
بل ولو جعل (فرسخًا) منصوبًا بنفس الوصف المصغر لا ينهض دليلًا للكسائي؛ لأن (فرسخًا) ظرف، فيكفي أن يعمل فيه ما فيه رائحة الفعل، بخلاف المفعول به كما سبق.
لكن يجوز أن يعمل الموصوف إن تأخر الوصف كما سبق في المصدر؛ كـ (هذا ضارب زيدًا شديدًا)؛ لأن الوصف إنما طرأ بعد العمل.
وأجاز المغاربة: إعمال المصغر وضعًا؛ كقوله:
. . . . . . . . . . . . . ... تَرَقرَقُ فِي الأَيدِي كُمَيتٍ عَصِيرُهَا (١)
стр. 1158
حيث رفع (عصيرُها)، بـ (كُميت).
ولا يقال: إن الوصف عمل ماضيًا, في نحو: (كان طعامك آكلًا زيد)؛ لأن الأصل: (زيد آكل طعامك)، فلما دخلت (كان). . قصد حكاية التركيب السابق. ذكره ابنُ إياز.
وادعي: أن (كان) هنا: تامة، و (آكلا): حال من زيد.
واللَّه الموفق
ص:
٤٢٩ - وَوَلِيَ اسْتِفْهَامًا أوْ حَرْفَ نِدَا ... أَوْ نَفْيًا أوْ جَا صِفَةً أَوْ مُسْنَدَا (١)
ش:
لما كان اسم الفاعل فرع الفعل في العمل. . اشترط أن يعتمد على شيء قبله؛ حتى لا يساوي ما ناب عنه.
فيعتمد:
• إما على استفهام؛ نحو: (أمكرِمٌ أبوك زيدًا الآن أو غدًا؟).
• أو على حرف نداء؛ كـ (يا ضاربًا زيدًا)، و (يا طالعًا جبلًا).
واستشكل بكون حرف النداء من خصائص الأسماء، فكيف يكون مقربًا لاسم الفاعل من الفعل؟ فالمسوغ كونه وصفًا لمقدر؛ أي: (يا رجلًا ضاربًا زيدًا).
لكن قال أبو حيان في شرح هذا البيت: بل هو عنده من مسوغات العمل بدليل قوله بعده:
(وَقَدْ يَكُوْنُ نَعْتَ مَحْذُوْفٍ عُرِفْ ... فَيَسْتَحِقُّ الْعَمَلَ الَّذِي وُصِف)
стр. 1159
• أو على نفي؛ نحو: (ما ضارب زيد أحدًا الآن أو غدًا).
وقوله: (أوْ جَا صِفَةً) يشمل: ما إذا كان نعتًا أو حالًا. . فيعمل؛ كـ (مررت برجل ضارب عبدًا الآن)، و (جاء زيد قاصدًا خيرًا).
وقوله: (أَوْ مسْنَدَا) يشمل: ما إذا كان خبرًا؛ نحو: (زيد ضارب عمرًا) ومع ناسخ؛ نحو: (إن زيدًا ضارب عمرًا).
وقد يقدر الاستفهام؛ كقوله:
لَيتَ شِعرِي مُقيمُ العُذرِ قَومِيْ؟ ... . . . . . . . . . . . . . (١)
التقدير: (أمقيم العذر؟).
وأجاز الأخفش والكوفيون: أن يعمل من غير أن يسبق بشيء.
واللَّه الموفق
ص:
٤٣٠ - وَقَدْ يَكُوْنُ نَعْتَ مَحْذُوْفٍ عُرِفْ ... فَيَسْتَحِقُّ الْعَمَلَ الَّذِي وُصِفْ (٢)
стр. 1160
ش:
سبق أن اسم الفاعل يعمل إذا كان نعتًا لمذكور، وقد يحذف المنعوت فيستحق النعت العمل المذكور؛ كقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾، فـ (ألوانه): مرفوع بـ (مختلف)، وهو نعت لمحذوف؛ أي: (صنف مختلف ألوانه).
وكقول الشاعر:
كَنَاطِحٍ صَخْرةً يَومًا لِيُوهِنَهَا ... . . . . . . . . . . . . . (١)
أي: (كوعل ناطح صخرة).
وقوله: