أي: أصبرها.
وقال تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾؛ التقدير واللَّه أعلم بمراده: (وأبصِر بهم)؛ فحذف من الثاني لدلالة الأول.
ولا يكثر الحذف مع (أفعِل به) إلا إذا كان معطوفًا؛ كما في الآية.
ويقل بدونه؛ كقول الشاعر:
فَذَلكَ إِن يَلقَ المَنيَّةَ يَلقَهَا ... حَمِيدًا وَإِنْ يَستَغنِ يَومًا فَأَجدِرِ (١)
أي: (فأجدر به).
стр. 1227
فإن لم تكن قرينة. . فلا حذف.
وعلى القول إن المجرور بـ (الباء) فاعل، وهو المعتمد. . يصير في المسألة حذف الفاعل.
ويجاب: بأن الذي سهل ذلك: كونه ملازمًا للجر، فأشبه الفضلة.
والفارسي: أنه لم يحذف، وإنما استتر في الفعل بعد حذف الباء؛ حرصًا على الفاعل.
ورد: بأنه كان يجب إبرازه في التثنية والجمع، أو بأن بعض الضمائر لا يصلح للاستتار كما في: (أكرِم بنا).
وقد يجاب عن الأول: بأنه لما جرى مجرى المثل في لزومه حالة واحدة. . لم تتغير صيغته بإبراز ضمير.
وعن الثاني: بأنه محمول على ما يصح استتاره.
واللَّه الموفق
ص:
٤٧٧ - وَفِي كِلَا الفِعلَينِ قِدْمًا لَزِمَا ... مَنعُ تَصَرُّفٍ بِحُكْمٍ حُتِمَا (١)
ش:
فعلا التعحب: جامدان، لا يتصرفان, فكلاهما لازم لطريقة واحدة؛ فـ (ما أفعله): بلفظ الماضي، و (أفعل به) بلفظ الأمر، فمنعُ التصرفِ لازمٌ فيهما بحكم محتوم.
قال بعضهم: لأن (أفعِل به) مضمَّن معنى اللام؛ إذ الأصل (في أحسن بزيد): (ليُحسَن بزيد) مبنيًا للمفعول، ثم حذف اللام وحرف المضارعة، وردت الهمزة المحذوفة؛ إذ الأصل: (يؤَحَسنُ)؛ لأنه من (أحسن) فعدل عن: (ليُحسَن بزيد) إلى (أحسِن بزيد)، كما
стр. 1228
يعدل عن: (ليَضرب زيدٌ عمرًا) إلى (اضرب عمرًا).
وحمل: (ما أفعله)، على (أفعل به) حكاه أبو حيان في "الشرح".
وأجاز هشام الكوفي: (ما يحسن زيدًا) فيأتي به مضارعًا.
والمعتمد: غيره؛ إذ لا يتعجب إلا مما وقع وثبت.
وأجاز ابن كيسان: تصغير الصيغتين نحو: (ما أُحيسِنَ زيدًا)، و (أُحيسِن بزيدٍ) قياسًا على الشاهد المتقدم.
ولا يشترط على الأصح:
- دوام فعل التعجب ولا وقوعه؛ لأنه يقال: (ما أشد لمعان البرق)، وهو ليس بدائم.
- ولا كونه لا يصاغ إلا من فعُل المضموم العين أصالة، ونحوه كما سبق في الأمثلة.
واللَّه الموفق
ص:
٤٧٨ - وَصُغْهُمَا مِنْ ذِي ثَلَاثٍ صُرِّفَا ... قَابِلِ فَضْلٍ تَمَّ غَيْرِ ذِي انْتِفَا (١)
٤٧٩ - وَغَيْرِ ذِي وَصْفٍ يُضَاهِي أَشْهَلَا ... وَغَيْرِ سَالِكٍ سَبِيْلَ فُعِلَا (٢)
ش:
يشترط كون الفعل المصوغ منه للتعجب:
١. ثلاثيًا.
стр. 1229
٢. متصرفًا.
٣. قابلا للمفاضلة.
٤. تامًا.
٥. غير منفي.
٦. ليس اسم فاعله على أفعل.
٧. ولا مبنيًا للمفعول.
فخرج بالأول نحو: (دحرج)، و (انطلق)، وأجازه سيبويه من (أفعل)؛ كقولهم: (ما أعطاه للدراهم).
وإنما خصه دون أبنية المزيد؛ لشبهه بالثلاثي في الحركات والسكون:
- في المضارع: كـ (يعطي)، و (يضرب).
- وفي اسم الفاعل: كـ (معطي)، و (ضارب).
- وكذا في المعنى: كـ (مسك الشيء وأمسكه)، و (بغضه وأبغضه).
وبالثاني نحو: (نعم)، و (بئس).
قال أبو حيان: و (يذر) و (يدع) بناء على عدم تصرفهما.
وفي "التسهيل": (ودع)، و (وذر)، كحديث: "ذروا الحبشة ما وذرتكم".
وقرئ شاذًا: (ما وَدَعَك)، بالتخفيف.
وقولُ الشاعرِ:
. . . . . . . . . . . . ... غَالَهُ فِي الحُبِّ حَتَّى وَدَعَهْ؟ (١)
стр. 1230
وجاء له مصدر في: حديث: "لينتهين أقوام عن وَدْعِهِمُ الجمعةَ".
وبالثالث نحو: (مات)، و (فَنيَ)، فلا يقال: (ما أموته).
وبالرابع نحو: (كان)، و (ظل)، و (كاد)، فلا يقال: (ما أكونه)، لأن (كان) موضوعة للزمان مجردة من معنى الحدث كما علم، فلا فائدة في التعجب بها، خلافًا للكوفيين.
وبالخامس: المنفي لزومًا؛ نحو: (ما عاج بالدواء)؛ أي: (ما انتفع به).
قالوا: لا يستعمل هذا إلا منفيًا؛ ولكن لم يقترن لفظه بنفي في قول الشاعرِ:
. . . . . . . . . . . . ... وَلَا مَشرَبًا أَروَى بِهِ فَأَعيجُ (١)
أي: (فأنتفع)، وهو مضارعها.
بخلاف: (عاج)، (يعوج)، فمعناه: (مال يميل).
أو المنفى جوازًا نحو: (ما ضربت زيدًا).
وبالسادس: (الفعل الدال على اللون)؛ لأن اسم فا عله على (أفعِل): كـ (سوِد) فهو: (أسود)، و (حمِر) فهو: (أحمر).
أو الدال على العيب؛ كـ (عوِر) فهو: (أعور)، و (عمي)، و (حمق)، وإليه أشار بقوله: (وَغَيْرِ ذِي وَصْفٍ يُضَاهِي أَشْهَلا).
فلما كانَ الوصف على (أفعل). . امتنع أن يبنى منه (أفعل) في التعجب خوف اللبس؛ إذ وزنهما واحد، وهو للمصنف ﵀.
وأجاز الكسائي وهشام: (ما أحمره) من الألوان.
وحكى العكبري في "شرح اللمع": جواز (ما أحمره)، و (ما أعماه) بشرط:
١. قصد البلادة في الأول.
٢. وعمى القلب في الثاني.
ولهذا قال ابن فلاح:
стр. 1231
وأما العيوب الباطنية. . فيبنى منها فعل التعجب؛ نحو: (ما أحمره) من الحِمارية، و (ما أعماه) من عمى القلب، ويجوز: (ما أسوده) من (ساد، يسود، سيادة).
وقد يقال: (ما أحمقه)، و (ما أرعنه)؛ حملًا على (ما أجهله)؛ لتقارب المعنى.
وعن الكوفيين: جواز (ما أبيضه)، و (ما أسوده) دون بقية الألوان؛ لأنهما أصلا الألوان.
وأبو حيان في "الشرح" سُمِع (ما أسود شعره).
وبالسابع: نحو: (ضُرِب العبدُ) و (سُرِق المتاعُ)، وإليه أشار بقوله: (وَغَيْرِ سَالِكٍ سَبِبْلَ فُعِلا) بالبناء للمفعول.
وأجازه بعضهم فتقول في (عُنِيَ بحاجتك): (ما أعناه بحاجتك).
[مطلب: في الأفعال المبنية للمفعول وضعًا]
و (عُنِيَ) من الأفعال المبنية للمفعول وضعًا، ومثله: (زُهِي علينا)، و (بُهِت الرجل)، و (ذُعِر) فهو: مذعور، و (طُلَّ دمه) فهو: مطلول، و (هُدِر) فهو: مهدور، و (غُبِن) فهو: في البيع غبنًا، و (نُكِب) فهو: منكوب، و (هُزِل)، و (عُقِمت المرأة) إذا لم تحمل، و (نُخِي): من النخوة، و (فُلِج): الرجل من الفالج فهو مفلوج، و (أُغمِي على المريض)، و (غُشِي عليه)، و (نُفِسَت المرأة) فهي: نفساء.
قال ثعلب في "فصيحه": والأمر باللام في الجميع نحو: (ليُعن بحاجتي)، و (ليُزهَ علينا).
ودخل في ذلك ما يصاغ منه: كـ (ضرب)، و (علم)، و (حسن)؛ ففيه الخلاف المتقدم إذا بني للمفعول.
وقوله: (صُرِّفَا) بالبناء للمفعول صفة لقوله: (ذِي ثَلَاثٍ)، و (قابِلِ فَضْلِ):
صفة ثانية , و (تَمَّ): صفة ثالثة، وهو ماض، (وَغَيْرِ ذي انتفا): صفة رابعة، وقوله: (وَغَيْرِ ذِي وَصْفٍ): صفة خامسة معطوفة على ما قبلهَا من الصفات، و (غيرِ سالكٍ) كذلك.
واللَّه الموفق
стр. 1232
ص:
٤٨٠ - وَأَشْدِدَ أَوْ أَشَدَّ أَوْ شِبْهُهُمَا ... يَخْلُفُ مَا بَعْضَ الشُّرُوطِ عَدِمَا (١)
٤٨١ - وَمَصْدَرُ العَادِمِ بَعْدُ يَنْتَصِبْ ... وَبَعْدَ أَفْعِلْ جَرُّةُ بِالبَا يَجِبْ (٢)
ش:
الأفعال التي لم تستكمل الشروط السابقة؛ إذا أريد منها التعجب. . يتوصل إليه بـ (أشد) أو (أشدد) ونحوهما.
وأشار بقوله: (وَمَصْدَرُ العَادِمِ بَعْدُ يَنْتَصِبْ. . . . . إلى آخره) إلى أن مصدر ذلك الفعل العادم للشروط أو بعضها ينتصب على المفعولية بعد (ما أشد) ونحوه, ويجر بالباء بعد (أشدد) ونحوه.
• فإذا أردت التعجب من غير الثلاثي: كـ (دحرج)، و (استخرج). . قلت: (ما أشد دحرجته، واستخراجه)، و (أشدد بدحرجته، واستخراجه).
• وما اسم فاعله على أفعل: كـ (سود)، و (عور). . قلت: (ما أشد سواده، وعوره)، و (أشدد بسواده وعوره).
• وما لا يقبل المفاضلة: كـ (مات). . قلت: (ما أفجع موته)، و (أفجع بموته).
• ومن المنفي لزومًا نحو: (ما عاج). . قلت: (ما أقرب أن لا يعيج بالدواء).
стр. 1233
• ومن المنفي جوازًا نحو: (ما ضَرَب). . قلت: (ما أبعد أن لا يضرب زيد)، و (أبعد بأن لا يضرب)، فتأتي بعد النفي بالمصدر المؤول؛ لتتمكن من استعمال النفي معه.
• ومن الفعل المبنى للمفعول: كـ (ضُرِبَ العبدُ). . قلت: (ما أشد ما ضُرِب العبدُ)، و (أشدد بما ضرب العبد)، فتأتي أيضًا بالمصدر المؤول؛ ليبقى لفظ الفعل، ولولا ذلك. . لم يعلم الفعل المبني للمفعول.
• ومن الفعل الناقص نحو: (كان)، و (ظل). . قلت: (ما أشد كونه كريمًا)، و (أشدد بكونه كويمًا).
• وأما الجامد: كـ (نعم)، و (بئس). . فلا يتعجب منه؛ إذ ليس له مصدر صحيح ولا مؤول.
ولا تقول العرب: (أَقْيَلَهُ)، مع أن الفعل: (قَالَ)، وإنما يقولون: (مَا أَشَدّ قَائِلَته) فيستعمل كما ورد.
واللَّه الموفق
ص:
٤٨٢ - وَبِالنُّدُورِ احْكُمْ لِغَيْرِ مَا ذُكِرَ ... وَلَا تَقِسْ عَلَى الَّذِي مِنْهُ أُثِر (١)
ش:
يقول: إن ورد بناء فعل التعجب من الأفعال التي لم تستكمل الشروط. . فاحكم بندوره، ولا تقس عليه، كقولهم: ١ - (ما أخصره)، ٢ - و (ما أحبَّه)، ٣ - و (ما أحمقه)، ٤ - و (ما أسود شعره)، ٥ - و (ما أهوجه)، ٦ - و (ما أعساه)، ٧ - و (أعس
стр. 1234
به)، ٨ - و (أقمن بكذا)، ٩ - و (ما أذرعها).
فبنوه في الأول: من (اختُصِر) مبني للمفعول غير ثلاثي.
وفي الثاني: من (جُنَّ) مبني للمفعول.
وفي الثالث والرابع والخامس: مما اسم فاعله على أفعل.
وفي السادس والسابع: من (عسى) وهو فعل جامد.
وفي الثامن والتاسع: من وصف لا فعل له، يقال: هو (قَمِن بكذا)؛ أي: (حقيق به)، و (امرأة ذراع): وهي الخفيفة اليد في الغزل.
وحكى ابن القطاع: (ذُرِعت المرأة) بالبناء بالمفعول، فيكون الشذوذ من حيث إنه صيغ من المبني للمفعول، لا من حيث إنه صيغ مما لا فعل له.
واللَّه الموفق
ص:
٤٨٣ - وَفِعْلُ هَذَا البَابِ لَنْ يُقَدَّمَا ... مَعْمُولُهُ وَوَصْلَهُ بِهِ الزَمَا (١)
٤٨٤ - وَفَصْلُهُ بِظَرْفٍ أَوْ بِحَرْفِ جَرّ ... مُسْتَعْمَلٌ وَالخُلفُ فِي ذَاكَ اسْتَقَرْ (٢)
ش:
فعل هذا الباب، يتقدم معمولُه عليه:
فلا يقال: (ما زيدًا أحسَنَ)، و (لا بزيدٍ أحسِن)؛ لأنه غير متصرف، وما لا يتصرف في
стр. 1235
نفسه. . لا يتصرف في معموله.
أو إن المجرور في نحو: (أحسن بزيد) في موضع الفاعل عند البصريين كما سبق، والفاعل لا يتقدم عندهم على فعله.
ويجب وصل المعمول بعامله. . فلا يفصل بينهما بشيء؛ كما قال: (وَوَصْلَهُ بِهِ الزَمَا).
واختلف في الفصل بالظرف والمجرور: فمنعه الأخفش والمبرد وأكثر البصريين.
وأجازه المصنف وصالح الجِرمي والحسن أبو علي الفارسي وأبو الحسن بن خروف وعمر الشلوبين، ومنه قولُ بعضهم (١): (للَّه در سليم، ما أحسن في الهيجاء لقاءها، وأكثرَ في اللزبات (٢) عطاءَها، وأثبت في المكرمات بقاءَها).
قول الآخر:
وَقَالَ نَبيُّ المُسلِمينَ تَقَدَّمُوا ... وَأَحبِبْ إِلَينَا أَنْ نكونَ المُقدَّمَا (٣)
والأصل: (ما أحق تجنُّب الهوى باللبيب).
قيل: ومحل الخلاف: فيما إذا كان الظرف والمجرور متعلقًا بفعل التعجب كما في الأمثلة المذكورة؛ فإن تعلق بغيره. . لم يجز التقديم.
قال أبو حيان: فلا يجوز: (ما أقبح في الصلاة ضاحكًا)؛ لأن المجرور متعلق بـ (ضاحكًا).
و (الباء) في (أفعل به): زائدة لازمة كما تقدم ذكره.
ويجوز حذفها مع (أنْ)؛ كما في قوله: (وأحبب إلينا أن يكون المقدما)؛ لأن حذف الحرف مع (أن) كثير؛ فإن اضطر الشاعر إلى حذف الباء مع غير (أن). . لزمه أن يرفع عند المصنف، وأن ينصب عند الفراء.
وأجاز الجرمي: أن يفصل بالمصدر؛ نحو: (ما أحسن إحسانًا زيدًا).
ورُدَّ: بأن فعل هذا الباب لا يؤكد بالمصدر كأفعل التفضيل، فلا يقال: (ما أحسنه حسنًا)، و (لا زيد أعلم منك علمًا).
وأجاز ابن كيسان: الفصل بـ (لولا) ومدحوله؛ نحو: (ما أحسن لولا بخلُه زيدًا) ونسب أيضًا للكسائي.
وعن الجرمي وهشام: الفصل بالحال؛ نحو: (ما أحسن ضاحكًا زيدًا).
وفصل بالنداء: في قول: علي رضي اللَّه تعالى عنه: (أعزز علي أبا اليقظان أن أراك صريعًا)؛ أي: (أعزز بأن أراك يا أبا اليقظان) وارتضاه في "التسهيل".
تنبيه:
يقال: (ما خيرٌ زيدًا)، و (ما شرٌّ عمرًا)، والأصل: (ما أخير)، و (ما أشر) فحذفت الهمزة تخفيفًا.
وقد تزاد (كان) قبل أفعل التعجب دلالة على المضي؛ نحو: (ما كان أحسن زيدًا)، ومنه قوله:
ما (كانَ) أَسْعَدَ مَنْ أَجابكَ آخِذًا ... بِهُداكَ، مُجْتَنِبًا هَوًى وعِنادا (١)
стр. 1238
وفي (كان) هذه ثلاثة أقوال:
١. فالفارسي: زائدة.
٢. والكوفيون والسيرافي: تامة، واسمها ضمير المصدر؛ أي: الكون.
٣. والجرمي: أنها ناقصة، واسمها يعود على (ما)، وخبرها: فعل التعجب.
قال أبو حيان: وهو أبعد الأقوال، واستحسن مذهب الفارسي، وقال به المصنف أيضًا.
وقد تقع (ما)، و (كان) بعد أفعل. . فيجب حينئذ رفع الاسم؛ نحو: (ما أحسن ما كان زيدٌ) بالرفع, و (كان): هنا تامة، و (ما): مصدرية.
وإذا قلت: (ما كان أحسن ما كان زيد)، فـ (كان): الأولى زائدة، والثانية: على ما تقدم في: (ما أحسن ما كان زيدٌ).
(وفِعلُ هَذا البابِ): مبتدأ، و (لن يُقَدَّمَا مَعمُولُه) خبر.
و (ألف): (تقدما): للإطلاق، و (الهاء): عائدة على المبتدأ.
واللَّه الموفق
* * *
стр. 1239
نِعْمَ وبِئْسَ
ص:
٤٨٥ - فِعْلَانِ غَيْرُ مُتَصَرِّفَيْنِ ... نِعْمَ وَبِئْسَ رَافِعَانِ اسْمَيْنِ (١)
٤٨٦ - مُقَارِنَيْ أَلْ أَوْ مُضَافَينِ لِمَا ... قَارَنَهَا كَنِعْمَ عُقْبَي الكُرَمَا (٢)
٤٨٧ - وَيَرْفَعَانِ مُضْمَرًا يُفَسِّرُه ... مُمَيِّزٌ كَنِعْمَ قَوْمًا مَعْشَرُهْ (٣)
ش:
كُلٌّ من (نعم)، و (بئس): فعل ماض جامد لا يتصرف بوجه؛ للزومه حالة واحدة, وهي: إنشاء المدح أو الذم على سبيل المبالغة؛ لأن المقصود بـ (نعم): إنشاء المدح, و (بئس): عكسها.
ودليل الفعلية: اتصال الضمير بهما؛ كـ (نِعِمَّا رجلَين)، و (نِعِمُّوا رجالًا).
وعن الفراء وبعض الكوفيين: أنهما اسمان.
وقال أبو الحسن بن عصفور: لم يختلف أحد من البصريين والكوفيين في أن (نعم)، و (بئس) فعلان، وإنما الخلاف بينهم: بعد إسنادهما إلى الفاعل.
стр. 1240
واحتج مدعي الاسمية: بدخول حرف الجر في قول بعض العرب: (ما هي ينعم الولد)، و (نِعم السير على بِئسَ العير).
وأجيب: بأن كلا منهما معمولٌ لقولٍ وُصِف به محذوف؛ أي: (ما هي بولد مقول فيه نعم الولد)، و (على عَيرٍ مقول فيه بئس العير)، فحذف (ولد)، و (عَير) وصفتهما التي هي لفظُ (مقول)؛ فكل من (نعم)، و (بئس) معمول لتلك الصفة المحذوفة؛ لأن (مقول) من الصفات العاملة، وهذا من باب حذف الصفة والموصوف، وإقامة المعمول مقامهما، فحرف الجر في الحقيقة: داخل على اسمٍ حذف مع صفته كما وقع ذلك في الفعل الصريح؛ كقول بعضهم:
وَاللَّهِ مَا لَيلِي بِنَامَ صَاحِبُهْ ... . . . . . . . . . . . . (١)
أي: بـ (ليل مقول فيه نام صاحبه).
وكلاهما يرفع فاعلًا، وهو على ثلاثة أقسام:
١. محلى بـ (أل) الجنسية.
٢. ومضاف لما قارنها.
٣. وضمير مفسر بنكرة.
فالأول: كقوله تعالى: ﴿نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾.
وكذا: نحو: (بئس الشراب)، وتقول؛ (نعم الرجل زيد)، و (بئست المرأة هند)، و (نعمت المرأتان)، و (نعمت النساء الهندات)، وإليه أشار بقوله: (رَافِعَانِ اسْمَيْنِ مُقَارِنَىْ أَل).
والثاني: كقوله تعالى: ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾، ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾.
وقول الشيخ: (نعم عقبى الكرماء)، و (بئست بنت المرأة هند).
ولا يضر وجود مضاف آخر: كـ (نعم ابن غلام القوم)، وقول الشاعرِ:
فنِعمَ ابنُ أخْتِ القَوْمِ غيرَ مكذَّبِ ... . . . . . . . . . . . . (٢)
стр. 1241
والثالث نحو: (نِعمَ فارسًا صاحبُك)، ففي (نِعمَ) ضمير هو الفاعل؛ تقديره: (هو)، و (فارسًا): هو التمييز المفسر لذلك الضمير.
ومنه قوله: (نِعْمَ قَومًا مَعْشَرُهْ)، فالفاعل ضمير تقديره: (هم)، و (قومًا) تمييز مفسر له.
وكقولك: (نعم فارسَينِ الزيدان)؛ فتقدير الفاعل: (هما)، و (فارسين) تمييز كما ذكر، ومنه في القرآن ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ فالفاعل ضمير تقديره: (هو)، و (بدلًا) تمييز كما ذكر وإلى ذلك أشار بقوله (وَيَرْفَعَانِ مُضْمَرًا يُفَسِّرُهْ مُمَيِّزٌ).
ولا يجوز حذف هذا التمييز المفسر.
قال بعضهم: وإن فُهِم المعنى.
ولهذا حمل بعض المغاربة قولهم: (فبها ونعمت) على الشذوذ.
وهذا القسم الثالث يعود فيه الضمير على متأخر، وهو جائز في مواضع:
- منها: هذا الباب.
- والتنازع.
- ومجرور (رب): إذا كان ضميرًا كـ (ربه رجلًا).
стр. 1242
- وكذا إذا فسره خبره، ومنه في القرآن: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾.
- وضمير الشأن: كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ﴾.
- وإذا أبدل منه الظاهر: كـ (زره خالدًا).
- وعوده على المفعول في نحو: (زان نَوره الشجر) كما علم.
ويجوز عود الضمير على ما يفهم من الكلام؛ كقوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾؛ أي: العدل.
وأجاز بعضهم: أن يضاف الفاعل في هذا الباب لضمير ما فيه (أل)؛ كقوله:
فَنِعْمَ أخو الهَيْجَا ونِعْمَ شَبَابُهَا (١)
وتقول: (الزيدان نِعمَ رجلين)، و (الزيدون نِعمَ رجالًا) فترفع ضميرًا مستترًا عائدًا على المخصوص المحذوف، لا على الاسم المتقدم على (نعم)؛ لأنه يشعر بالمخصوص لا أنه مخصوص على المشهور كما سيأتي.
وحكى الكسائي: أنها ترفع ضميرًا بارزًا عائدًا على ما تقدم؛ نحو: (نِعِمَّا رجلين)، و (نِعِمُّوا رجالًا) كما سبق.
وسمع: (مررت بقوم نعموا قومًا) و [حمله في الكافية على الشذوذ] (٢).
وندر جره بالباء؛ نحو: (نعم بهم قومًا).
стр. 1243
تنبيه:
أجاز المبرد والفارسي: إسناد (نعم)، و (بئس) إلى (الذي) الجنسية: كـ (نعم الذي أسلم زيد) واستقربه المصنف ﵀.
واستبعده بعضهم: لأن فاعلها ينتصب على التمييز إذا جرد من (أل)، ويصير مفسِّرًا للضمير فيها، ولا يكون هذا مع (الذي).
وحكى الأخفش: إن بعضهم يرفع بـ (نعم) النكرة مفردة ومضافة إلى ما ليس فيه (أل)؛ كـ (نعم رجلٌ زيدٌ) وأجازه.
و (نعم خطيبُ قومٍ زيدٌ)، وأجازه الفراء، ومنه:
فَنِعمَ صَاحِبُ قومٍ لَا سِلاحَ لَهُمْ ... . . . . . . . . . . . . (١)
ويقال: (نعم مَن هو)؛ كقول الشاعر:
ونِعْمَ مَزْكَأ مَنْ ضاقَتْ مذاهبه ... ونِعْمَ مَنْ هو في سِرٍّ وإعلان (٢)
стр. 1244
فـ (مزكأ): فاعل (نعِمَ) وهو مضاف لـ (مَن): وهي نكرة موصوفة بـ (ضاقت مذاهبه) أو موصولة، و (ضاقت مذاهبه): صلة.
و (مَن) في قوله: (نعم مَن هو): تمييز، والفاعل مضمر، قاله أبو علي.
أو فاعل، وهي موصولة، وقوله: (هو): مبتدأ، والخبر محذوف، تقديره: (هو)، ومعنى الكلام: (نعم الذي هو في سر وإعلان هو)؛ كما تقول: (زيد هو الذي في الحرب هو).
ويقرب منه: (جربتك فكنت أنت أنت)، فالأول: مبتدأ، والثاني: خبر، والجملة: (خبر كان).
وربما قيل: (نعم عبد اللَّه)، و (نعم زيد).
ويجوز عند الكسائي في: (نعم رجلًا بكر): أن يكون (بكر) فاعل نعم، والنكرة حال.
والمعتمد: أنها تمييز، و (بكر): مخصوص، والفاعل: ضمير على ما سبق.
стр. 1245
وأجاز الكوفيون: تأخير الضمير عن المخصوص، فيقولون في (نعم رجلًا زيد): (نعم زيد رجلًا).
وفيها ثلاث لغات أخو:
١. فتح الأول، وكسر الثاني؛ كقوله:
. . . . . . . . . . . . ... نَعِمَ السَّاعُون فِي الْأَمرِ المُبِرْ (١)
قال ابن فلاح: وقد جاء هذا على الأصل.
٢. وفتح الأول وسكون الثاني.
٣. وكسر الأول والثاني.
وبئس كذلك.
وحكي (نَعِيمَ)، وبه استدل على اسميتها؛ لأن فعيلًا من خصائص الأسماء.
قال الخضراوي في أول "شرح الإيضاح": هذه اللغات عند تميم.
стр. 1246
وأما الحجازيون: فلا يجيزون فيها إلا الأصل.
ويجوز في فاعلها التوكيد اللفظي كـ (نعم الرجلُ الرجلُ زيد).
ومنع ابن السراج والفارسي: نعته؛ لأن النعت يخصصه، ويقلل شياعه، والمراد به: الجنس على الأشهر.
وأجازه أبو الفتح: لورود السماع به قال الشاعر:
نِعمَ الفَتَى المُرِّيُّ أَنتَ إِذَا هُمُ ... ........................ (١)
وقول الآخر:
................ ... لَبِئسَ الفَتَى المَدعُوُّ بالليلٍ حَاتِمُ (٢)
стр. 1247
ومانع النعت: يعربه (بدلًا) وهو جائز.
قال أبو حيان: بما يجوز أن يباشر (نعم) فخرج (نعم الرجل أخوك)، إذ لا يقال: (نعم أخوك زيد) على المشهور.
وأجاز الكسائي: أن يفصل بين الفعل والفاعل بالمجرور؛ نحو: (نعم فيك الراغب زيد)، ومنعه أبو حيان مطلقًا.
ويَرِدُ عليه:
................ ... وبئس من المليحات البديل (١)
ومن قال: باسميه (نعم)، و (بئس) .. أعربهما مبتدأ، وما قبله: خبر، حكاه أبو
стр. 1248
حيان في شرح هذا الكتاب.
و (رافعان): خبر لمحذوف؛ أي: هما رافعا اسمين.
واللَّه الموفق
ص:
٤٨٨ - وَجَمعُ تَمييزٍ وَفَاعِلٍ ظَهَر ... فِيهِ خِلَافُ عَنهُمُ قَدِ اشتَهَر (١)
ش:
سبق أن الفاعل يكون ظاهرًا أو مضمرًا:
• فإن كان مضمرًا .. جاز الجمع بينه وبين التمييز بلا خلاف: كـ (نعم قومًا معشره).
وقوله:
................ ... بِئسَ امْرَأً وَإِنَّني بِئسَ المَرَه (٢)
стр. 1249
التقدير: (بئس بعلي امرأً)، فـ (امرأً): تمييز مفسر للضمير في (بئس).
وقال آخر:
لَنِعمَ أمرأً أَوسٌ إِذَا أَزمةٌ عَرَتْ ... ...................... (١)
وإن كان ظاهرًا .. فعن سيبويه والسيرافي: لا يجوز الجمع، فلا يقال: (نعم الرجلُ رجلًا زيد).
قيل: لأن التمييز للإبهام، ولا إبهام إلا بعد الإضمار، فيتعين تركه مع الظاهر.
وأجازه محمد بن يزيد المبرد، وأبو علي الفارسي، ومحمد بن السراج؛ كقوله:
نِعمَ الفَتاةُ فَتَاةً هِندُ لَو بَذَلَت ... .......................... (٢)
وقوله:
стр. 1250
والتَّغلِبيُّونَ بئس الفَحلُ فَحلُهُمُ ... فَحلا وَأُمُّهُم زَلَّاءُ مِنطِيقُ (١)
فـ (الفحل): فاعل، و (فحلًا): تمييز، و (فحلهم): هو المخصوص بالذم.
و (الزلاء): من الزلل. و (المنطيق): القوية.
وقال المانعون: (فتاة)، و (فحلًا): حال مؤكدة.
وقال بعضهم: إن حصل بالتمييز فائدة على الفاعل .. جاز الجمع بين الفاعل الظاهر والتمييز؛ كـ (نعم الرجل فارسًا زيد)، بخلاف: (نعم الرجل رجلًا زيد)، والتمييز هنا نكرة عامة، فلا يقال: (نعم شمسًا هذه الشمس)؛ لأنه مفرد في الوجود وإن كان مقدر الشياع.
وأجاز أبو الحسن علي بن عصفور: (نعم شمسٌ شمسُ هذا اليوم).
وقوله: (ظهَر): في موضع الصفة لـ (فاعلٍ).
واللَّه الموفق
стр. 1251
ص:
٤٨٩ - وَمَا مُمَيزٌ وَقِيلَ فَاعلُ ... في نَحو نعمَ مَا يَقُولُ الفَاضِلُ (١)
ش:
تقع كلمة (ما) بعد (نعم)، و (بئس): كـ (نعم ما يقول زيد) وفي القرآن: ﴿نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾.
فقيل: نكرة موصوفة، بمعنى: شيء في محل نصب على التمييز، والفاعل: ضمير، والمخصوص: محذوف.
وقيل: نكرة غير موصوفة في موضع نصب على التمييز، والفعل بعدها: صلة موصول محذوف، وهذا الموصول هو المخصوص؛ أي: (نعم شيئًا الذي يقول زيد).
وقيل: معرفة تامة، وهي فاعل، والفعل بعدها صفة لمخصوص محذوف؛ أي: (نعم الشيء شيء يقوله زيد).
وقيل: فاعل، بمعنى: (الذي) مكتفيًا بها وصلتها عن المخصوص، ونسب للمبرد والفارسي.
وقيل كذلك، إلا أن المخصوص محذوف.
وأجاز بعضهم: أن تكون مصدرية.
وقيل: ركبت مع (نعم) .. فهما كالشيء الواحد، فلا موضع لـ (ما).
وقيل: كافة.
وقيل: هي المخصوص.
هذا إن وليها فعل كما مثل؛ فإن وليها اسم كقوله تعالى: ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ .. فالفاعل ضمير، و (ما): تمييز بمعنى: شيء، والاسم بعدها: هو المخصوص؛ أي: نعم الشيء
стр. 1252
شيئًا هي.
وقيل: إنها معرفة تامة، وهي الفاعل، والاسم: هو المخصوص؛ أي: نعم الشيء هى.
وقيل: ركبت مع (نعم) كما تقدم، والاسم هو الفاعل.
واللَّه الموفق
ص:
٤٩٠ - وَيُذكَرُ المَخصُوصُ بَعدُ مُبتَدَا ... أَو خَبَرَ اسمِ لَيسَ يَبدُو أَبَدَا (١)
ش:
سبقت الإشارة بذكر اسم بعد فاعل نعم وبئس، ويسمى: مخصوصًا بالمدح بعد نِعم، وبالذم بعد بئس؛ كـ (نعم الرجل زيد)، و (بئس الصاحب عمرو)، وفيه أوجه:
الأول: مبتدأ، والجملة: خبر، والرابط: العموم الذي في الفاعل؛ لأن (الرجل) لما أريد به الجنس وكان الجنس كله ممدوحًا .. اندرج (زيد) تحت جنسه؛ لأنه فرد من أفراده، وسبق في الابتداء: أن العموم يقوم مقام الضمير.
وقال بعضهم: (أل) فيه: للجنس مجازًا، فجعل (زيد) جميع الجنس على سبيل المبالغة ولم يقصد غيره في المدح أو الذم، وكأنه قيل: (نعم زيد الذي هو حسن الرجال).
وأبو منصور موهوب الجواليقي وأبو إسحاق بن ملكون من نحاة المغاربة: أن (أل) للعهد، والرابط: تكرار المبتدأ من حيث المعنى، لا من حيث اللفظ.
الثاني: خبر مبتدأ محذوف؛ أي: (نعم الرجل هو زيد)، هذا هو المشهور.
الثالث: مبتدأ حذف خبره، وممن أجازه ابن عصفور.
الرابع: بدل من الفاعل.
стр. 1253
قيل: بدل اشتمال؛ لأنه خاص، و (الرجل): عام على الأشهر، ونسب لابن كيسان.
ولا يكون المخصوص إلا معرفة، كما سبق أو مقاربًا لها، كالنكرة الموصوفة؛ نحو: (نعم الرجلُ رجلٌ من بني تميم) وسبق في بعض الأمثلة ما يشعر بذلك.
وقوله: (مبتدا): حال من (المخصوص)، و (خبر اسم حال): معطوفة كذلك.
واللَّه الموفق
ص:
٤٩١ - وَإِن يُقَدَّم مُشعِرٌ بِهِ كَفَى ... كَالعِلمُ نِعمَ المُقتَنَى وَالمُقتَفَى (١)
ش:
إذا تقدم على (نعم) أو (بئس) ما يشعر بالمخصوص .. أغنى عن ذكره آخرًا؛ نحو: (العلم نعم المقتنى)، فـ (العلم): مبتدأ حذف خبره؛ أي: (العلم يقتنى ويقتفى).
وقوله: (نِعْمَ المُقْتَنَى): حذف فيه المخصوص؛ أي: (نعم المقتنى العلم)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾؛ أي: (فلنعم المجيبون نحن)، ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ﴾؛ أي: (نعم العبد أيوب)، ﴿سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾؛ أي: و (بئس المهاد جهنم).
ومنه قولُ الشاعرِ:
إِنِّي اعْتَمَدْتُكَ يَا يَزِيدُ ... وَنِعْمَ معْتمدُ الوَسَائِلِ (٢)
стр. 1254
أي: (نعم معتمد الوسائل أنت).
• وقد يتقدم المخصوص نفسه .. فلا يذكر ثانيًا.
ويمكن أن يكون منه: (العلم نعم المقتنى) وهو: حينئذ مبتدأ، وما بعده: خبر.
واللَّه الموفق
ص:
٤٩٢ - وَاجعَل كَبئِسَ سَاءَ وَاجعَل فَعُلَا ... مِن ذِى ثَلَاثَةٍ كَنِعمَ مُسجَلَا (١)
ش:
حكم (ساء):حلم (بئس) في كونه:
• فعلًا جامدًا للذم.
• ورفع فاعلها محلى بـ (أل)؛ نحو: (ساء الرجل زيدًا).
• ومضافًا لما فيه (أل)؛كـ (ساء غلام القوم زيد).
• أو مضمر مفسرًا لنكرة؛ كـ (ساء قومًا معشره)، و (ساء رجلًا صاحب عمرو).
ومن رفعها الضمير المفسر بالنكرة: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾، فالفاعل ضمير يعود على (الشيطان) أو (على القرين).
وقوله تعالى: ﴿سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾؛ أي: (ساء هو) أي: (المِثل)، و (مِثلًا) تمييز مفسر له، وفي الكلام حذف؛ أي: (ساء مثلًا مثَلُ القوم)، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه.
ويذكر بعدها المخصوص، ويعرب الإعراب المتقدم.
стр. 1255
هذا معنى قوله: (وَاجْعَل كَبِئْسَ سَاء).
وأصلها: (سَوَءَ) بفتح العين، حولت إلى (فَعُل) بضمها، وضمنت معنى: (بئس) فهي فعل جامد قاصر؛ كـ (بئس)، وقلبت واوها ألفًا للمقتضي.
وليس هي في نحو: (زيد ساءني).
وأشار بقوله (وَاجْعَل فَعُلَا من ذِي ثَلَاثَةٍ كَنِعْمَ) إلى أن كل فعل ثلاثي صالح للتعجب منه: يجوز أن يبنى منه (فَعُل) بفتح الفاء وضم العين، لقصد المدح أو الذم كـ (فَهُم الرجل)، و (كَتُب الرجل زيد).
وكذا إن كان الفعل على هذا الوزن أصالة؛ كـ (شرُف)، و (ظرُف)، ويجري مجرى: (نعم) و (بئس) فيما سبق، ولهذا وقع فاعله ضميرًا في قوله تعالى: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾.
وقول الشيخ: (مُسْجَلا)؛ أي: بلا قيد، يعني: يجعل كنعم في جميع أحوالها فهو حال من قوله: (نعم)، أو يكون التقدير: (من ذي ثلاثة مطلقًا) فشمل المصوغ من: (كتب)، و (شرف).
وعن ابن عصفور: لا يقال: (علُم الرجل)، و (لا جهُل)، و (لا سمُع)؛ لأن هذه لم تتغير في كلام العرب.
واللَّه الموفق
ص:
٤٩٣ - وَمِثلُ نِعمَ حَبَّذَا الفَاعِلُ ذَا .... وَإِن تُرِد ذَمًّا فَقُل لَا حَبّذَا (١)
ش:
(حبذا): كـ (نِعم) في: قصد المدح، ويقال في الذم: (لا حبذا زيد)، فتساوي (بئس).
والوجهان: في قوله:
стр. 1256
أَلَا حَبَّذَا عَاذِرِي فِي الهَوَى ... وَلَا حَبَّذَا العَاذِلُ الجَاهِلُ (١)
وفي (حبذا زيد) أوجه:
- فالمصنف والفارسي وعبد الواحد بن برهان وأبو الحسن بن خروف: أن (حب) فعل ماض، و (ذا) فاعله كما قال: (الفَاعِلُ ذَا)، و (زيد): هو المخصوص، وهو: مبتدأ، والجملة قبله: خبر، والرابط: العموم أو الإشارة، أو أن (زيد) خبر لمحذوف.
- ومحمد بن يزيد المبرد وأبو بكر ابن السراج: أن (حبذا): كلمة واحدة مبتدأ، و (زيد): خبر، وأجاز العكس.
- وعبد اللَّه بن درستويه وجماعة: أن (حبذا): فعل ماض، و (زيد): فاعل.
- وأضعف الوجوه: أن (زيد) مرفوع بـ (حب)، و (ذا): ملغاة.
و (العاذل) في الشاهد: مخصوص (حبذا)، لا وصف اسم الإشارة؛ لأن فاعل (حبذا) لا يوصف ولا يؤكد ولا يبدل منه، كما نص عليه ابن بابشاذ في "شرح جمل الزجاجي".
واللَّه الموفق
ص:
٤٩٤ - وَأَولِ ذا المَخصُوصَ أيًّا كَانَ لَا ... تَعدِل بِذَا فَهوَ يُضَاهِي المَثَلَا (٢)
стр. 1257
ش:
سبق أن (ذا) من قولك: (حبذا): فاعل، وهو المعتمد.
وذكر هنا: أن هذا الفاعل لا يتغير لفظه أصلا، سواء ذُكر بعد (حبذا) مفرد أو غيره، بل يبقى على انفراده وتذكيره مطلقًا، فتقول: (حبذا زيد)، (حبذا الزيدان)، (حبذا الزيدون)، (حبذا هند)، (حبذا الهندات).
ولا يقال: (حبذي هند)، و (لا حبذان الزيدان)، و (لا حب أولئك الزيدون)؛ كما قال: (وَأَوْلِ ذَا المَخْصُوصَ أيًّا كَانَ) يعني: أن لفظة (ذا) أعطها المخصوص على أي حال كان المخصوص، و (لا تعدل بذا)؛ أي: (عن ذا)؛ لأنه ضاهى المَثَل في لزوم حالة واحدة.
و (المَثَل): هو قولهم: (الصيف ضيَّعتِ اللبن) بكسر التاء، يقال لمن ضيع المصلحة في أوانها فيخاطب به المذكر والمؤنث مفردًا أو مثنى أو جمعًا.
وابن كيسان: أن (ذا) من (حبذا): مشار به إلى مفرد، والمخصوص عنده على حذف مضاف، فالتقدير في: (حبذا زيد)، و (حبذا هند)، (حبذا أمرُ زيدٍ)، و (حبذا حُسنُ هندٍ).
ورده ابن العلج: بأنه لم ينطق به أصلًا.
ويجوز الجمع بين التمييز والفاعل معها؛ كـ (حبذا زيد رجلًا).
والمصنف: أن الأولى توسطه؛ كـ (حبذا رجلًا زيد)، وضعفه الفارسي.
وقال بعض البصريين: أن (رجلًا) حال، وليس بتمييز مطلقًا.
وقيل: إن كان جامدًا كـ (حبذا زيد رجلًا) فتمييز، وإن كان مشتقًا كـ (حبذا المال مبذولًا) فحال.
ويجوز حذف المخصوص للقرينة؛ كقوله:
فَحَبَّذَا رَبًّا وَحَبَّ دِينَا ... ................................. (١)
стр. 1258
أي: (فحبذا ربًا ربنا، وهو اللَّه تعالى).
ولا يتقدم مخصوص (حبذا)؛ لأنه جرى مجرى المثل، فلا يقال: (زيد حبذا).
وقيل: لأنه يوهم أن (زيدًا قد أحب ذا)، قاله ابن بابشاذ؛ لأن (حب) قد تعدى في قول الشاعرِ:
فَواللَّهِ لولا تَمْرُه ما حَبَبتُه ... ............................... (١)
بخلاف: تقديم مخصوص (نعم)، فيجوز كما سبق، ولا يدخل الناسخ على
стр. 1259
مخصوص (حبذا) كما سبق مفصلًا في باب (كان).
وقوله: (أَولِ)؛ أي: أعط، و (ذا): مفعول أول، بقوله: (أَولِ)، و (المَخصُوص): مفعوله الثاني.
واللَّه الموفق
ص:
٤٩٥ - وَمَا سِوَى ذَا ارفع بِحَبَّ أَو فَجُرّ ... بالبَا وَدُونَ ذا انضِمَامُ الحَا كَثُر (١)
ش:
سبق أن (حب): فعل ماض، و (ذا): فاعل.
وذكر هنا أنه قد يكون فاعلها غير لفظ (ذا)، وحينئذ يجوز في فاعلهما أن يرفع وأن يجر بالباء الزائدة؛ كما قال: (وَمَا سِوَى ذَا ارْفَعْ بِحَبَّ أَو فَجُرّ بِالبَا)، كـ (حب زيد رجلًا)، و (حب بزيد رجلًا)؛ أي: (ما أحب ذا رجلًا).
وحيث كان الفاعل غير لفظ (ذا) .. فيجوز ضم الحاء وفتحها، والضم كثير في كلامهم، ولا يلزم من كونه كثيرًا: أن يكون الفتح أقل.
والضم على أن أصله: (حَبُبَ) بفتح الحاء وضم الباء، فنقلت ضمة الحاء إلى الباء على تقدير: خلو الحاء من الحركة، وأدغمت الباء في الباء، والفتح على الأصل.
ومن الفتح قوله:
بِاسْمِ الإِلَهِ وبهِ بَدَينَا ... وَلَو عَبدنَا غَيرَهُ شَقِينَا
стр. 1260
فَحَبَّذَا ربًّا وَحَبَّ دِينَا (١)
ومن الضم، قوله:
................ ... وَحُبَّ بِهَا مَمْزُوجَةً حِينَ تَقتُلُ (٢)
وأما في (حَبَّذا): فيجب فتح الحاء.
و (انضمام): مبتدأ، و (الحاءِ): مضاف إليه، و (كثر): خبره.
واللَّه الموفق
стр. 1261
أفعل التفضيل
ص:
٤٩٦ - صُغ مِن مَصُوغٍ مِنهُ لِلتَّعَجُّبِ ... أَفعَلَ لِلتَّفضِيلِ وَأبَ اللَّذ أُبِي (١)
ش:
اسم التفضيل: هو الوصف الدال على زيادة وصف في محل على نفسه في محل آخر.
وقيل: اسم مشتق من فعل على جهة الزيادة على غيره.
قال بعضهم: ولو سموه: (أفعل الزيادة) .. كان أولى.
ويأتي بين شيئين كلاهما فيه (خير)، أو (شر)؛ إلا أنّ أحدهما أكثر خيرًا من الآخر، أو شرًا من الآخر؛ كـ (زيد أفضل من عمرو).
ولكن أجاز الكوفيون: (العسل أحلى من الخل)، و (لا حلاوة في الخل).
وما صيغ منه للتعجب يصاغ منه للتفضيل:
فلا يكون إلا من:
١. فعل ثلاثي.
٢. متصرف.
٣. قابل للمفاضلة.
٤. تام.
٥. غير منفي.
стр. 1262
٦. ليس مبنيًا للمفعول على المشهور.
٧. وليس اسم فاعله على وزن أفعل.
فخرج بالأول: (دحرج) ونحوه.
وبالثاني: (نعم)، و (بئس).
قال أبو حيان: و (يذر)، و (يدع).
وبالثالث؛ نحو: (فني)، و (مات).
وبالرابع؛ نحو: (كان)، و (ظل).
وبالخامس؛ نحو: (ما عاج)، و (ما قام).
وبالسادس؛ نحو: (ضُرِب العبد) بالبناء للمفعول.
وبالسابع؛ نحو: (سوِد)، و (حمِر)؛ لأن اسم الفاعل منه: (أسود)، و (أحمر)، على (أفعل)، فكما تقول: (ما أحسن زيدًا)، و (ما أكتب عمرًا)، تقول: (زيد أحسن من عمرو)، و (أكتب من خالد).
وشذ قولهم: ١ - (هو أخصر من كذا)، ٢ - و (أشغل من ذات النحيينِ) (١)
стр. 1263
بكسر النون ٣ - وهو: (أزهى من ديك).
فبنوه في الأول من (اختُصِر) مبني للمفعول غير ثلاثي.
وفي الثاني: من (شُغِل) مبني للمفعول أيضًا.
وفي الثالث: من (زُهِي) بمعنى: (تكبر)، ولا يستعمل إلا مبنيًا للمفعول.
لكن حكي: (زها يزهو) بالبناء للفاعل، ولا شذوذ على هذا.
وسمع: (ما أشوقه):
فقيل: شاذ وهو من (اشتاق).
وقالوا: هو (أبيض من اللبن)، (وأسود من حلكي الغراب)، و (أحمق من هبنقة).
فبنوه من اسم فاعله على أفعل.
ومنه قوله:
................ ... أبْيَضُ من أُختِ بني إِباضِ (١)
وإنما منعوا هذا؛ لئلا يلتبس اسم التفضيل باسم الفاعل؛ إذ وزنهما واحد، وألحق به التعجب كما سبق، لجريانهما مجرى واحدًا كما في "التسهيل".
وشذ: (هو ألصُّ من شظاظ) (١)، فبنوه من لفظ: (اللص)، و (شظاظ): لص من بنى ضبة.
وأجاز سيبويه: صوغ اسم التفضيل من أفعل كما سبق في التعجب، كقولهم: (هو أعطاهم للدراهم).
وعن المبرد: جوازه من كل ثلاثى مزيد: كـ (افتعل)، و (استفعل)، فيقال: من (استخرج) هو: (أَخرجُ) من كذا.
والمعتمد: خلافه؛ إذ لا يدرى هل هو من (خرج)، أو (استخرج).
واللَّه الموفق
ص:
٤٩٧ - وَمَا بِهِ إلَى تَعَجُّبٍ وُصِل ... لِمَانِعٍ بِهِ إِلَى التَّفضِيلِ صِل (٢)
ش:
ما يتوصل به إلى التعجب في الأفعال التي لم تستكمل الشروط .. يتوصل به