برمته، ثم حذف المضاف وهو (تلاقي)، ثم أقيم المضاف إِليه مقامه بالنّصب، فحصل: (نفسَك والشّرَّ)، ثم حذف المضاف وهو (نفس)، وأقيم المضاف إِليه مقامه وهو (الكاف)، فوجب انفصالها، فحصل: (إِياك والشّر)، فـ (إِياك): مفعول لفعل محذوف وجوبًا بعد (إِياك)؛ إِذ لو قدر قبله. . للزم اتصاله به؛ أَي: (إِياك أحذر والشّر) معطوف علَى (إِياك)، والتّقدير: (إِياك أحذر والشّر)، كما تقول: (زيدًا اضرب وعمرًا) من عطف المفردات.
وعامل المعطوف: هو العامل فِي المعطوف عليه.
فإِن قيل: كيف صح أَن يعمل احذر فِي (إِياك) وليس المعنَى عليه؛ لأنَّ (إِياك) محذَّر، و (الشّر) محذر منه، والعطف يقتضي المشاركة فِي المعنَى؟!
أجاب المصنف ﵀: أنه علَى حذف المضاف؛ لما سبق من أَن التّقدير: (احذر تلاقي نفسك والشّر).
وقال الفخر فِي "شرح المفصل": إن مقتضَى العطف: الاشتراك فِي معنَى الحرف، فَلَا يمنع أَن يكونَ أحدهما خائفًا، والآخر مخوفًا منه، ولهذا قال: الاشتراك بَينَ المعطوف والمعطوف عليه لا يجب أَن يكونَ من جميع الوجوه، بَلْ يجب الاشتراك فِي الإعراب، وهو هنا حاصل.
وابنا طاهر وخروف: لكن ما بعد الواو منصوب بفعل آخر، فهو من عطف الجمل، والتّقدير: (إِياك باعد واحذر الشّر).
وإِنما حذف العامل فِي هذا الباب وجوبًا؛ لأنَّ (إِياك) كالعوض منه.
خلافًا لابن درستويه فيما نقله منصور بن فلاح: من أنه أَجازَ ذكر النّاصب؛ نحو: (إياك باعد والشّر).
فقول الشّيخ: (إِياك): مفعول بقوله: (نصب)، و (الشّر): معطوف عليه، و (محذرٌ): فاعل، والتّقدير: (نصبَ محذِّرٌ إِياك والشّر) ونحو ذلك وجب استتاره؛ أَي: بفعل واجب الاستتار.
ويجب أيضًا حذف النّاصب مع (إِياك) وأخواتها بدون عطف كما ذكر، وإِليه أشار بقوله: (ودون عطف ذا لإيا أنسب)؛ أَي: انسب هذا الحكم لإيا وأخواتها ولو لم يكن عطف، فتقول: (إِياك أَن تفعل)، و (إِياك الشّر)، والأصل: (أحذرك الشّر)،
стр. 1542
فحذف المضارع فانفصلت الكاف، وحصل: (إِياك الشّرُّ)، فـ (إِياك): منصوب بالفعل الّذي حذف، وهو حينئذ مقدر بعد (إِياك) والتقدير: (إياك أحذر)؛ لأنَّ الضّمير لما فصل من الفعل وجب تأخير الفعل مع انفصال الضّمير، فَلَا يقال: (أحذر إِياك)، و (الشّر) منصوب بفعل آخر؛ لعدم عاطف يعطفه علَى (إِياك)؛ أَي: (دع الشّر)، أَو أَن الفعل متعدٍّ لاثنين بنفسه أَو بتضمينه معنَى (جنّب)؛ أَي: (جنب نفسك الشّر).
والأول مذهب سيبويه، قال فِي قول الشّاعرِ:
فإيَّاك إيَّاك المراءَ فإنَّه ... إِلَى الشرِّ دعَّاءٌ وللشرِّ جالبُ (١)
إن الثّاني توكيد، والأول: منصوب بـ (باعد) محذوفًا، و (المراء): منصوب بـ (أحذر) محذوفًا؛ أَي: (إِياك باعِد احذَرِ المراء).
والزّجاج: الأصل (باعد عن المراء)، فحذف حرف الجر، فنصب (المراء).
وابن يعيش: الأصل (إِياك والمراء، ومن المراء): فحذف الحرف، ونصب (المراء).
стр. 1543
وتقول: (إِياك من الأسد)، وأصله: (باعد نفسك من الأسد) فحذف (باعد)، ثم حذف المضاف وهو (نفس)، فانفصل الضّمير، فأخر الفعل كما سبق، فحصل: (إِياك من الأسد) فـ (إِياك): منصوب بفعل بعده كما ذكر، والتّقدير: (إِياك باعد من الأسد).
وقيل التّقدير: (أحذرك من الأسد)، فحذف (أحذر) فانفصلت الكاف، وأخر الفعل فحصل: (إِياك من الأسد)، والتّقدير: (إِياك أحذر من الأسد).
ثم إن كَانَ التّحذير بغير (إِياك) وأخواتها. . جاز ذكر النّاصب وحذفه إن لم يكن عطف ولا تكرار؛ فتقول: (احذر الأسَد)، أو (الأسدَ)، و (نحِّ رأسَك) أَو (رأسَك)، وإِليه أشار بقوله: (وما سواه ستر فعله لن يلزما) يعني: وما سوى التّحذير بـ (إِياك) لا يلزم فيه الحذف كما ذكر، إِلَّا مع العطف أو التّكرار فيلزم الحذف.
- فالعطف؛ كقولِهِ تعالَى: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ ونحو قولك: (رأسك والحائط)، بنصبهما؛ أَي: فـ (رأسك واحذر الحائط)؛ أَي: (نح رأسك).
ومنه قولهم: (مازِ رأسَك والسيفَ)، فـ (مازِ): منادَى مرخم؛ أَي: (يا مازن قِ رأسك واحذر السّيف) فهو من عطف الجمل؛ لأنَّ العامل فِي المعطوف غير العامل فِي المعطوف عليه هنا.
و (مازن) أصله: (مازني) نسبة إِلَى بني مازن، فحذف الياء، ثم سمي به، ثم رخم.
- والتّكرار؛ نحو: (الأسد الأسد)، و (الضّيغم الضّيغم يا هذا الساري)، و (اللَّه اللَّه فِي أمري).
وفي "البسيط": جواز إِظهار العامل مع المكرر.
وقال أبو موسَى الجزولي: يقبح فيه الإِظهار ولَا يمتنع. انتهَى.
والمشهور: الحذف.
قال الرّماني: وإِنما أضمر الفعل؛ لأنَّ التحذير ممَّا تخاف منه وقوع المخوف، فهو موضع إِعجال لا يحتمل تطويل الكلام؛ لئلا يقع المخوف بالمخاطب قبل تمام الكلام. انتهَى.
стр. 1544
تنبيه:
(إِياك والشّر): فيه ضميران، منصوب وهو (إِياك)، ومرفوع وهو المستتر فِي (إِياك)؛ لأنه لما قام مقام الفعل. . تحمَّل الضّمير، قال الشّاعر:
فَإِيَّاكَ أَنْتَ وعَبدُ الْمَسِيـ ... حِ أَن تَقرَبَا قبْلَةَ الْمَسْجِدِ (١)
روي: برفع (عبد) عطفًا علَى الضّمير فِي (إياك)، ولَا ضعف فيه؛ لوجود الفاصل.
وروي: بنصبه عطفًا علَى (إِياك)، و (أنت): توكيد لـ (إياك).
وفي "التّسهيل": أَن ما بعد الواو فِي هذا الباب يجوز كونه مفعولًا معه؛ نحو: (إِياك وزيد أن تفعل).
واللَّه الموفق
ص:
٦٢٥ - وَشَذَّ إِيَّايَ وَإِيَّاهُ أَشَذّ ... وَعَنْ سَبِيْلِ القَصْدِ مَنْ قَاسَ انْتَبَذْ (٢)
ش:
الشائع فِي التّحذير أَن يكونَ للمخاطب، وشذ مجيئه للمتكلم، فِي قول عمر ﵁: (إياي وأن يحذف أحدكم الأرنب) أصله: (إياي باعدوا عن حذف
стр. 1545
الأرنب)، و (باعدوا أنفسكم أن يحذف الأرنب)، فحذف العامل فِي (إياي) وجوبًا كما سبق، وهو (باعدوا) المذكور بعد (إياي)، ثم حذف المحذر منه وهو (حذف الأرنب)، فحصل: (إِياي وباعدوا أنفسكم أَن يحذف أحدكم الأرنب)؛ ثم حذف أيضًا (باعدوا) ومعموله، فحصل: (إياي وأن يحذف أحدكم الأرنب).
وأشد منه مجيئه للغائب؛ كما قال: (وَشَذَّ إِيَّاى وَإيَّاهُ أَشَذّ) ومنه قول بعضهم: (إِذا بلغ الرّحل السّتين فإِياه وإيا الشّواب)؛ أَي: (النّساء الشّواب) جمع (شابة)، وفيه شذوذ آخر، وهو استعمال الضّمير مع الظّاهر، إِذ لا يقال: (إيا زيد) ولَا (إيا الشّواب)، بَلْ (إِياك وإِياه) كما علم.
واستشهد الخليل لهذا: علَى أَن الكاف فِي نحو: (إياك) اسم فِي محل جر.
وبعضهم: قاس التّحذير فِي المتكلم.
وبعضهم: يشترط فِي الغائب أَن يعطف؛ نحو: (إياك وإِياه)؛ وَلَم يره المصنف، ولهذا قال: (مَنْ قَاسَ انْتَبَذْ)؛ أَي: (من قاس طرح).
قوله: (ومَن): مبتدأ، و (انتبذ): خبره وعن متعلقه بـ (انتبذ).
واللَّه الموفق
ص:
٦٢٦ - وَكَمُحَذَّرٍ بِلَا إِيَّاه اجْعَلَا ... مُغْرًى بِهِ فِي كُلِّ مَا قَدْ فُصِّلَا (١)
ش:
الإغراء تنبيه المخاطب علَى أمر محمود يفعله؛ كـ (مواصلة ذوي القربَى)، أَو (المحافظة علَى عهد) ونحوه.
وهو كالمحذو الّذي لم يستعمل معه (إيّا) فيجب فيه حذف العامل مع العطف
ودخله القبض.
ويجوز ذكر النّاصب وحذفه فِي نحو: (أخاك)، وتقول: (الصّلاةَ جامعةً)، بنصب (الصّلاة) علَى الاغراء، و (جَامعةً) علَى الحال، وإن شئت قلت: (الزموا الصّلاة).
و (مغرى): مفعول بـ (اجعلا)، و (كمحذر): مفعول ثان، والتّقدير: (اجعل مغرى كمحذر)، وقوله: (بِلَا إيا) صفة لـ (محذَّر) بفتح الذّال.
تنبيه:
من العرب من يرفع ما فيه معنَى التّحذير والإغراء فِي حالة التكرار أَو العطف، نص عليه المصنف فِي "الكافية".
ومن رفع المكرر فِي الإغراء، قوله:
لَجَدِيرُونَ بِالوَفَاءِ إذَا قَا ... لَ أَخُو النَّجْدَةِ السِّلَاحُ السِّلَاحُ (١)
برفع (السّلاح)، وهو إغراء؛ لأنه فِي معنَى: (خذوا السّلاح).
стр. 1548
ومن الرّفع فِي التّحذير العطف، قراءة زيد بن علي ﵄: (ناقةُ اللَّه وسقياها)؛ أَي: (هذه ناقة اللَّه فَلَا تتعرضوا لها).
واللَّه الموفق
* * *
стр. 1549
أسماء الأفعال والأصوات
ص:
٦٢٧ - مَا نَابَ عَن فِعلٍ كَشَتَّانَ وَصَه ... هُوَ اسْمُ فِعلٍ وَكَذَا أوَّه وَمَه (١)
٦٢٨ - وَمَا بِمَعْنَى افْعَل كآمِيْنَ كَثُرْ ... وَغَيْرُهُ كَوَيْ وَهَيْهَاتَ نَزُرْ (٢)
ش:
النَّائب عن الفعل يشتمل: المصدر والصّفات؛ كاسم الفعل ولما كَانَ المراد: اسم الفعل. . أفرده، بقوله: (كشتان وصه).
فاسم الفعل: هو الّذي ينوب عن فعل بمعناه غير متأثر، كما سبق فِي المعرب والمبني: أَن أسماء الأفعال مبنية باتفاق؛ لشبهها بالحرفِ فِي كونه يعمل ولَا يعمل فيه شيء.
وعن سيبويه: أَن نحو: (هيهات) مبني؛ لوقوعه موقع الفعل.
ولعله يريد الماضي؛ لأنه المبني باتفاق، ويؤيده أنها بمعنَى (بعد)، وما كَانَ منها بمعنَى المضارع. . فبني حملًا علَى ما هو بمعنَى الماضي طردًا للباب.
وجمهور البصريين: أنها أسماء حقيقية.
стр. 1550
واختلف هؤلاء علَى ثلاثة مذاهب:
الأول: وهو الصّحيح، أن مدلولها الفعل فهي أسماء لألفاظ الأفعال، فـ (هيهات): اسمٌ للفظ بعد فهو دال علَى ما يدل علَى الحدث والزّمان، لا أنه يدل عليهما.
الثّاني: أنها أسماء لمعاني الأفعال من الأحداث والأزمنة، فمدلولها ما يدل علَى الفعل قاله فِي "البسيط" ونسبه إِلَى ظاهر قول سيبويه.
الثّالث: أنها أسماء للمصادر النّائبة عن الأفعال، فـ (هيهات) علَى هذا بمعنَى (البعد).
والكوفيون: أنها أفعال؛ لدلالتها علَى الزّمان.
وبعض البصريين: أنها أفعال استعملت استعمال الأسماء.
فعلَى القول: بأنها أفعال حقيقة، أَو أسماء لألفاظ الأفعال. . لا موضع لها من الإِعراب، كما أَن الفعل لا موضع لهُ فِي نحو: (بعُدَ العقيق).
وعلَى القول: بأنها أسماء لمعاني الأفعال. . فموضعها رفع بالابتداء وأغنى مرفوعها عن الخبر.
وعلَى القول: بأنها أسماء للمصادر النّائبة عن الأفعال. . فموضعها نصب بأفعالها النّائبة هي عنها، وهو للمازني.
والصّحيح: أنها كلها أسماء أفعال لا موضع لها، فَلَا يعمل شيء فِي لفظها ولَا فِي محلها أيضًا.
والخلاف: إِنما هو فيما إِذا تقدمت؛ كـ (هيهات العقيق)؛ لأنَّ بعضهم صرح بجواز (زيد هيهات).
وحيث وقعت خبرًا. . فلها ما للخبر.
وذهب ابن صابر: إِلَى أَن هذه قسم رابع علَى أقسام الكلمة، سماه: (الخالفة).
والكثير فيها أَن تكونَ بمعنَى: (افعل)؛ كما قال: (وَمَا بمعْنَى افْعَل كآمِيْنَ كَثُرْ)، بفتح النّون اسم لـ (استجِب).
وقيل: من أسماء اللَّه، والتّقدير: (يا أمين).
ورد: بأنه لم يبن علَى الضّم.
стр. 1551
وهو (فاعيل).
ويقلُّ (أمين) بالقصر علَى (فعيل).
• وجاء بمعنَى: (افعل):
- (صه): اسم لـ (اسكت)، وندر: (صاه).
- و (مه): اسم لـ (اكفف).
- و (حيهل)؛ أَي: (أقبل أَو عجل).
• وجاء بمعنَى الماضي:
- (شتان)؛ أَي: (افترق) أَو (تباعد).
ومنع الأصمعي: (شتان ما زيد وعمرو).
والصّحيح: خلافه.
- و (وشكان)؛ أَي: (قرب).
- و (هيهات)؛ أَي: (بعُدَ).
والمبرد: أنها ظرف غير متمكن.
والصّحيح: أنها اسم (فعل) وهو جمع فِي الأصل، واحده: (هيهاه)، وأصلها: (هيهيه)، فانقلبت الياء الثّانية للمقتضي ألفًا، فحصل (هيهاه)، فلما أريد الجمع. . حذفت الهاء كما تحذف من نحو: (فاطمة)، ثم حذفت الألف لاجتماعها مع ألف الجمع فقيل: (هيهات).
وَلَم يقولوا: (هَيْهَيَات) بقلبها كما فِي (حبليات)؛ للفرق بَينَ المتمكن وغيره.
- و (لَعا): اسم لـ (انتعش وارتفع).
- ومثلها: (دَعدَعَا).
قال الشّاعر:
لَحَى اللَّهُ قَوْمًا لَم يَقُولُوا لِعَاثِرٍ ... وَلَا لِابْنِ عَمٍّ نَالَهُ الدَهْرُ: دَعْدَعَا (١)
стр. 1552
وقال آخر:
. . . . . . . . . . ... وَلَا أَقُولُ لَهَا عِندَ العِثَارِ لَعَا (١)
فإِن قيل: (لا لعا) أَو (لا دعدعا). . كَانَ دعاء عليه.
قال ابن دريد:
فَإِنْ عَثَرْتُ بَعْدَها إن وَأَلَتْ ... نَفْسِيَ من هاتا فَقُولا: لا لَعَا (٢)
أي: (لا سلم ولَا ارتفع).
• وجاء بمعنَى المضارع:
- (أوَّه)؛ أَي: (أتوجع).
- و (أف)؛ أَي: (أتضجَّر).
وفي "الصّحاح" حكَى الأخفش: ست لغات (أفِّ)، (أَفَّ)، (أُفُّ)، من غير
стр. 1553
تنوين و (أفٍ)، و (أفًا)، و (أفٌ) بالتّنوين.
- و (وا)؛ أَى: (أعجب).
وقول الشّيخ: (وي): كذلك، وقول ابن عمر ﵁: (واعجبًا لك يا ابن عباس)، فـ (وا) بمعنَى: (أعجب).
وقوله: (عحبا): توكيد لقولِهِ: (واهذا) علَى أَن (عجبًا) منون.
وإِلا. . فالأصل: (واعجبي)، فأبدلت الكسرة فتحة، والياء ألفًا، كما فِي (يا أسفا)، فتكون (وا) للندبة.
وقد يلحقها كاف الخطاب؛ كقولِهِ:
أَلَا ويَكَ المَسَرَّةُ لَا تَدُوم ... . . . . . . . . . . (١)
وقول الآخر:
. . . . . . . . . . ... قِيلُ الفَوَارِسِ وَيكَ عَنْتَرَ أَقْدِمِ (٢)
стр. 1554
وقال الكسائي: أصله (ويلك)، فـ (الكاف): عنده ضمير مجرور مضافًا إِليه.
واختلف فِي: ﴿وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾.
فقيل: اسم لأعجب، والكاف: للتعليل؛ أَي: لأنه لا يفلح الكافرون.
والكسائي: الأصل (ويلك) كما سبق آنفًا.
وقيل: (ويك) كلمة برأسها.
وقيل: (ويكأن) كلها: كلمة برأسها بسيطة، ومعناها: (أما ترَى إِلَى صنع اللَّه)، نقله الكسائي والفراء.
وحكَى فِي "الإتقان" عن الخليل: أَن (وي): كلمة وحدها، وَ (كَأنَّ): كلمة
стр. 1555
مستقلة للتحقيق لا للتشبيه.
واسم الفعل بمعنَى الماضي والمضاع قليل؛ كما قال: (وغَيْرُهُ كَوَيْ وَهَيْهَاتَ نَزُرْ)؛ أَي: (قلَّ).
تنبيه:
الحجازيون: أَن (هلم) اسم فعل؛ لأنهم لا يبرزون فاعلها مطلقًا، وهي بمعنَى: (احضروا)، قال تعالَى: ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾، ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾، فجاء لازمًا ومتعديًا.
وهي فعل عند تميم؛ لأنهم يبرزون فاعلها مطلقًا؛ نحو: (هلم)، (هلمي)، (هلما)، (هلموا)، (هلممن)، كـ (ارددن)، و (اشددن).
ويؤكد؛ نحو: (هلمن يا زيد)، (هلممان يا هندات)؛ كما تقول: (اضربنان يا هندات) بألف قبل نون التّوكيد مع فعل النّسوة كما سيأتي.
فتقول علَى مذهب الحجازيين، للمفرد والمثنى والجمع: (هلمَّ) بالبناء علَى حالة واحدة كغيره من أسماء الأفعال.
وتقول علَى مذهب تميم: (هلم)، (هلمِّي)، (هلمَّا)، (هلمُّوا)؛ لأنه يبرزون الفاعل؛ كما فِي: (اضرب)، (اضربي)، (اضربا)، (اضربوا):
فالأول: مبني علَى السّكون تقديرًا؛ كما فِي: (غُضَّ).
وما بعده: مبني علَى حذف النّون، كما فِي: (اضربي)، و (اضربان)، و (اضربوا)؛ لكن تقديرًا؛ إِذ لم يعهد لهُ مضارع، خلا ما ندر من قول بعضهم: (لا أهلُمُّ)، بعد أَن قيل لهُ: (هلمًّ).
وتقول لجماعة النّسوة: (هلممن) بالبناء علَى السّكون؛ كما فِي: (اغضضن).
وأصل (هلم): (هاء المُم) بهمزة وصل قبل اللام السّاكنة، فأدغمت الميم بعد نقل ضمتها إِلَى اللّام، فاستغني عن همزة الوصل، فحصل: (ها لمَّ)، ثم حذفت الألف تخفيفًا أَو للساكنين؛ لأنَّ اللّام بعدها فِي تقدير السّاكنة باعتبار أصلها قبل نقل الضّمة إِليها.
وقال الكوفيون: أصلها (هل أم).
• ومن النّحويين: من جعل من أسماء الأفعال: (هاتِ)، و (تعالَ) بكسر التّاء وفتح اللّام مطلقًا؛ كـ (هات زيد)، (هات يا زيدان)، (هات يا زيدون) إِلَى
стр. 1556
غير ذلك.
والصّحيح: فعلان غير متصرفين؛ لاتصال ضمير الرّفع البارز بهما، فيُجرَيان مجرَى (ارم)، و (اخشَ).
فتقول للواحد: (هاتِ)، و (تعالَ) بالبناء علَى حذف الياء من الأول، والألف من الثَّاني.
ويبنيان علَى حذف النّون تقديرًا فِي غير ذلك؛ إِذ لم يسمع لهما مضارع، فتقول: (هات وتعالي يا هند)، و (هاتيا وتعاليا يا زيدًا)، أَو (يا هندان)، و (هاتوا وتعالوا يا زيدون)، وفي القرآن: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾، ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾.
وأصل (هات يا هند): (هاتيي) بياءين؛ كما فِي (ارمني)، الأولَى: لام الكلمة، والثّانية: ياء الفاعلة، فاستثقلت الكسرة علَى الياء، فحذفت، فالتقَى ساكنان، فحذفت الأولَى وهي لام الفعل فحصل: (هاتي).
وأصل (تعالوا): (تعالَيُوا)؛ كما فِي (احتسَبُوا) فقلبت الياء ألفًا؛ لتحركها وفتح ما قبلها، ثم حذفت للساكنين.
وتقول لجماعة النّسوة: (هاتَينَ)، و (تعالَين)، وفي القرآن: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ بالبناء علَى السّكون؛ كما فِي (ارمين)، و (اخشَين).
وشذ كسر اللّام فِي قوله:
. . . . . . . . . . ... تَعَالِي أقاسِمْكِ الهُمُومَ تَعَالِي (١)
стр. 1557
قاله الحمداني وهو من المولَّدين كالمتنبي، وعيب علَى الزّمخشري فِي الاستشهاد به.
لكن قال السمين: ذكره استئناسًا.
وقرأ الحسن وأبو السّماك: (تعالُوا) بضم اللّام.
فقيل: نقلت ضمة الباء إِلَى اللام؛ لأنَّ الأصل (تعاليوا) كما سبق، ثم حذفت الياء للساكنين.
والّذي ارتضاه السّمين: أنهم تناسوا الياء المحذوفة، وجعلت اللّام كأنها آخر الكلمة، فضمت قبل الواو.
- ومن أسماء الأفعال (ها) بمعنَى: (خذ)، وتلحقه الكاف؛ نحو: (هاك)، (هاكما)، (هاكم).
وقد توضع الهمزة موضع الكاف؛ نحو: (هاء)، (هاؤما) وفي القرآن: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾.
وفي الجمع المؤنث (هاؤن).
وقد يجمع بَينَ الكاف والهمزة؛ نحو: (هاؤك)، و (هاؤكما)، ذكره فِي "المفصل".
قال فِي "سر الصّناعة": والكاف فِي (هاك) حرف بمعنَى الخطاب؛ لأنه يقع موقعها ما لا يكون اسمًا، ويقال: (هَأْ) بوزن (هَعْ)، و (هَأْنَ) بوزن (هَعْنَ). انتهَى.
واختلف فِي (هيت لك):
فقيل: بمعنَى (تهيأت)، أَو (أقبل).
وقيل: هي بالحورانية علَى القول أَن القرآن فيه من غير لغة العرب، ذكره السّيوطي فِي "المزهر" (١).
стр. 1558
قال: وجعل من لغة العجم: (طه)، و (اليم)، و (الطّور)، و (الرّبانيون).
ويقال: إنها بالسّريانية.
و (السراط)، و (القرطاس)، و (الفردوس)، بالرّومية.
و (مشكاه)، و (كفلين) بالحبشية.
وقيل: ليس فيه شيء من كلام العجم.
وأبو عبيدة: الصّواب تصديق القولين، وأن الأصل أعجمي، فسقط إِلَى العرب فعربته بألسنتها، وحولته من ألفاظ العجم ونحو ذلك إلى ألفاظها، فصار عربيًا، ثم نزل القرآن.
واللَّه الموفق
ص:
٦٢٩ - وَالفِعْلُ مِنْ أَسْمَائِهِ عَلَيْكَا ... وَهَكَذَا دُونَكَ مَعْ إليْكَا (١)
٦٣٠ - كَذَا رُوَيْدَ بَلهَ نَاصِبَيْنِ ... وَيَعْمَلَانِ الخَفْضَ مَصْدَرَينِ (٢)
ش:
стр. 1559
كل من (عليك)، و (دونك)، و (إِليك) اسم فعل:
- فـ (عليك زيدًا) بمعنَى: (الزم زيدًا)، وفي القرآن: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾.
وقد يتعدّى بالحرفِ؛ نحو: (عليك بزيد).
- وتقول: (إِليك عني)؛ أَي: (تنح عني).
وعداه الكوفيون؛ نحو: (إِليك زيدًا).
- وتقول: (دونك عمرًا)؛ أَي: (خذه).
قال الشّاعر:
. . . . . . . . . . ... دُونَكِهَا يَا أُمُّ لَا أُطِيقُهَا (١)
ومثله فِي المعنَى: (لديك)، و (عندك).
وقالوا: (مكانك) بمعنَى: (اثبت).
وقال الشّاعر:
. . . . . . . . . . ... مَكَانَكِ تُحْمَدِي أو تَسْتَرِيحِي (٢)
стр. 1560
فجزم فِي جوابه.
- و (وراءك) بمعنَى: (تأخر).
- و (أمامك) بمعنَى: تقدم.
وحكَى الكسائي: (كما أنت زيدًا)؛ أَي: (انتظر زيدًا).
• وقد علم أَن منها:
• ما أصله جار ومجرور؛ كـ (عليك).
• وظرف؛ كـ (دونك)، وهو مسموع فَلَا يقاس عليه، خلافًا للكسائي.
• ولَا يستعمل إِلَّا مع ضمير المخاطب كما ذكر.
وشذ: (عليه رجلًا غيري)؛ أَي: (ليلزم رجلًا غيري).
وقال الشّاعر:
стр. 1561
شَهِيدِي الوَلِيدُ عَلَى حُبِّهَا ... أَلَيسَ بِعَدلٍ عَلَيْهَا الوَلِيدَا (١)
وأما قوله ﵊: "معاشر الشَّباب من استطاع منكم الباءة. . فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصّوم" فقد حسنه الخِطاب.
وابن عصفور: أَن (عليه): خبر، و (الصوم): مبتدأ، و (الباء): زائدة.
واختلف فِي اتصاله بضمير المتكلم، والمشهور: المنع.
لكن سمع (إلى) بمعنَى: (ائتني)، و (عليّ الشّيء) بمعنَى: (أوليته).
والبصريون: أَن الياء والكاف من نحو: (علَيّ)، و (عليك)، و (عليكم) اسم فِي محل جر، ويشهد لهم (علَيَّ عبدِ اللَّه زيدًا)، بجر (عبد) فتبين أَن الضّمير مجرور الموضع، بدليل الإبدال منه.
وقيل: عطف بيان.
فيه نظر؛ إِذ لا يكون ضميرًا ولا تابعًا لضمير، فهو بدل عند من لا يشترط حلوله محل الأول.
وعن الكسائي: أَن الياء والكاف فِي محل نصب.
وعن الفراء: رفع.
وابن بابشاذ: حرف لا موضع لهُ كالكاف فِي ذلك.
قال: لأنَّ الاسم الظّاهر لا يقع موقعها.
وفي نحو: (عليك)، و (إِليك) ضميرٌ مستتر فاعل؛ كما فِي (الزم)، و (تنحَّ)؛ فإِن أكدت هذا الضّمير بالنّفس أَو العين. . قلت: (عليك أنت نفسُك) بالرّفع؛ كما تقول: (قم أنت نفسُك).
وإن أكدت الكاف علَى مذهب البصريين. . قلت: (عليك نفسك) بالجر أَو
стр. 1562
بالنّصب عند الكسائي.
أَو بالرّفع عند الفراء.
ولَا تؤكد علَى رأي ابن بابشاذ؛ لأنَّ الكاف عنده حرف كما ذكر.
- وأما (رويد)، و (بله) فيكونان أسمي فعل إِذا انتصب ما بعدهما، نحو: (رويد زيدًا)؛ أَي: (أمهل زيدًا)، و (بله عمرًا)؛ أَي: (اترك عمرًا)، ففتحتهما فتحة بناء.
ويكونان مصدرين إِذا أنجر ما بعدهما؛ كـ (رويد زيدٍ)، و (بله عمرٍ)؛ أي: (إمهال زيد)، و (ترك عمرو) كلاهما مصدر مضاف للمفعول.
وقيل: للفاعل، وفتحتهما فتحة إعراب، ونصبه بعامل محذوف.
هذا معنَى قوله: (كذا رُوَيْدَ بَلهَ) البيت.
وتقول إِذا كَانَ اسم فعل: (رويدك زيدًا)، وهذه الكاف حرف خطاب، و (زيدًا): منصوب بـ (رويد)، ولَا يكون اسمًا فِي محل جرّ؛ لأنَّ اسم الفعل لا يضاف؛ لامتناع الإِضافة فِي مدلوله.
تنبيه:
قال فِي "الصّحاح": و (رويد): منصوب انتصاب المصادر.
ويجوز لك أَن تنون (رويد)، و (بله) وتخصب بهما إِذا استعملتهما مصدرين، فتقول: (رويدًا زيدًا)، و (بلهًا عمرًا)؛ كما تقول: (تركًا عمرًا)، وتقول: (ساروا رويدًا) فتنصبه علَى الحال؛ أَي: ساروا مرودين.
ويقع صفة للمصدر؛ كـ (ساروا سيرًا رويدًا)، ومنه قوله تعالى: ﴿أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾؛ التّقدير واللَّه أعلم بمراده: (إمهالًا رويدًا).
وأصله: (إرواد) فصغر تصغير التّرخيم، وهو يقتصر فيه علَى الأصل، فاقتصروا علَى (رود) وصغروه، فحصل: (رويدًا)؛ كما قالوا فِي تصغير: (حمدان) و (أحمد): (حميد).
وعن المبرد: منع النّصب بـ (رويد)؛ لأنَّ المصدر لا يعمل مصغرًا كما علم.
وقد جاء مكبرًا فِي قوله:
стр. 1563
. . . . ... كَأَنَّهُ ثَمِلٌ يَمشِي عَلَى رَوَدِ (١)
وهل استعمل لـ (رويد)، و (بله) فعل إِذا كانا مصدرين؟
قالوا: (أَروَدَه)؛ أَي: (أمهَلَه).
وأما (بله). . فقد أهملوا فعله المرادف لقولهم: (دع).
وأَجازَ محمد قطرب تلميذ سيبويه: أَن يكونَ بمعنَى (كيف)، قال الشّاعر:
. . . . . . . . . . . . ... بَلْهَ الأكُفِّ كَأَنَّهَا لم تُخلقِ (٢)
стр. 1564
يروي بتثليث (الأكف).
فالرّفع: علَى أنها بمعنَى: (كيف).
والنّصب: علَى أنها اسم فعل.
والجر: علَى أنها مصدر.
ورُبَّما جرّ بـ (مِن)، وفي الحديث: "يقول اللَّه: (أعددت لعبادي الصّالحين ما لا عين رأت، ولَا أذن سمعت، ولَا خطر علَى قلب بشر، من بله ما اطلعتم) ".
وفسرها بعضهم: بغير.
واللَّه الموفق
ص:
٦٣١ - وَما لِمَا تَنُوبُ عَنْهُ مِنْ عَمَلْ ... لَهَا وَأَخِّرْ مَا لِذِي فِيهِ العَمَلْ (١)
ش:
ما ثبت لمدلولات هذه الأسماء: يثبت أيضًا لهذه الأسماء، خلا تقديم المعمول علَى الصّحيح، وإليه أشار بقوله: (وأَخِّرْ مَا لِذِي فِيْهِ العَمَل)؛ أي: (وأخر الّذي فيه العمل لهذه؛ لضعفها وعدم تصرفها).
ففي نحو: (صه)، و (مه): ضمير فاعل مستتر وجوبًا، كما فِي (اسكت)، و (انكفف).
стр. 1565
وزيدٌ فاعل فِي نحو: (شتان زيد وعمرو)، ومثله: (هيهات العقيق) كما كَانَ ذلك فِي (افترق زيد وعمرو)، و (بعُدَ العقيقُ).
و (هيهات) الثّانية: توكليد فِي قوله تعالَى: ﴿هَيْهَاتَ هَيهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾، وفاعل الأولَى: (ما توعدون)، واللّام صلة، واستبعد السّمين هذا الإِعراب.
والسّيوطي فِي "الإتقان": الأحسن أَن تكونَ اللّام لتبيين الفاعل.
وقيل: الفاعل ضمير؛ أَي: (هيهات التّصديق أَو الصّحة).
وقيل: (هيهات) بمعنَى (البعد) كما سبق، فموضعه رفع بالابتداء، و (لما توعدون): الخبر.
وقرأ أبو جعفر: (هيهاتِ هيهاتِ) بكسر التّاء، وهي لأسد وبني تميم، وقد تضم.
والفتح للحجازيين.
وفي "المفصَّل": قرئ بالثّلاثة.
وفيها أكثر من ثلاثين لغة، ولَا نطول.
- ومن هذه الأسماء: ما يرفع وينصب إن كَانَ فعله كذلك؛ نحو: (كَتَاب)، و (ضَرَاب زيدًا)، ففي (ضراب) ضمير فاعل مستتر وجوبًا أيضًا، كما فِي (اضرب)، و (زيدًا): مفعول بـ (ضراب).
- ويتعدَّى اسم الفعل بالحرفِ إن كَانَ فعله كذلك؛ فقالوا:
• (حيهل علَى الخير) لما كانت بمعنَى: (أقبل علَى الخير).
• وقالوا: (إِذا ذُكر الصّالحَون فحيهلا بعمرو) لما كانت بمعنَى: (أسرع بعمرٍ وعجل به).
• وعدَّوها بنفسها فِي قولهم: (حيهل الثّريدَ) بالنّصب؛ لأنَّهَا استعملت بمعنَى (اقصد الثّريد).
• وقالوا: (حيهلًا) بالتّنوين وبلا تنوين، وتنوينه فِي الوقف لغة رديئة.
• وهي مركبة من (حيَّ) بمعنَى: (أقبل)، ومِن (هل) الّتي للحث والعجلة، لا الّتي للاستفهام، فجعلت كلمةً واحدة بالبناء علَى الفتح؛ كـ (خمسة عشر)؛ نحو: (حيهل) بفتح اللّام، وهو الكثير فيها.
стр. 1566
وقال الفارسي: فِي (حي) ضمير، وفي (هل) ضميرٌ؛ استصحابًا للأصل وحالة الإِفراد؛ كما تقول: (حي علَى الصّلاة)، وقوله:
أَلَا حيِّيَا لَيلَى وَقُولَا لَهَا: هَلا ... . . . . . . . . . . . . . . (١)
وحكَى سيبويه عن شيخه عبد الحميد وهو الأخفش الكبير أبو الخطاب: أَن بعض العرب تقول: (حيَّ هَلا الصّلاة)، كما تقول: (حي علَى الصّلاة).
وأَجازَ الكسائي: تقديم معمول اسم الفعل عليه، ونُقل عن باقي الكوفيين، وجعلوا منه قوله تعالَى: (كتابَ اللَّه عليكم)، علَى أَن (عليكم): اسم فعل، و (كتاب): مفعوله.
ونحو قول الشّاعر:
стр. 1567
يَا أَيُّهَا المَائِحُ دَلْوِي دُونَكَا ... . . . . . . . . . . . . . . (١)
وأجيب:
بأن (كتابُ): مصدر، والعامل فيه: (كتب) محذوفًا.
و (دلوي): مبتدأ، و (دونك): خبرًا، وأن (دلوي): منصوب بـ (دونك) محذوفًا؛ أَي: (دونك دلوي دونك)؛ لأنَّ اسم الفعل يضمر مقدمًا إِذا دل عليه متأخر مذكور، وهو لسيبويه.
وأسماء الأفعال بلفظ واحد مطلقًا؛ نحو: (صه يا زيد، أو يا هند، أو يا زيدان، أَو يا زيدون). . إِلَى آخره.
واللَّه الموفق
стр. 1568
ص:
٦٣٢ - واحْكُمْ بِتَنْكِيْرِ الَّذِي يُنَوَّنُ ... مِنْهَا وَتَعْرِيفُ سِوَاهُ بَيِّنُ (١)
ش:
كل ما استعمل من هذه الأسماء منونًا. . حكم بتنكيره، وما لم ينون. . فمعرفة.
وهذه الأسماء علَى ثلاثة أقسام:
- فيجوز التّنوين وعدمه فِي (صه)، و (مه)، و (أف)، و (حيهل)، و (إيه).
فإن نونت (صه). . طلبت سكوتًا عن كل كلام، وقس علَى ذلك.
وإن قلت: (صه) بالسّكون أو بالكسر من غير تنوين. . كَانَ الكلام: (اسكت السّكوت المعهود)، أَو (اسكت عن حديثك هذا)، و (انكفف انكفافك هذا) ونحو ذلك.
- ويلزم التّنكير فِي (واهًا) بمعنَى (أعجب).
و (ويهًا): إذا زجرته عن الشّيء.
و (إيهًا)؛ أي: (كف عنا إذا أمرته أَن يقطع الكلام)، ذكره ثعلب فِي "فصيحه".
- وأما (نزالِ) و (كَتابِ). . فلازم التّعريف، وكذا (آمين).
وبعضهم: أَن أسماء الأفعال كلها معارف، سواء نونت أم لم تنون.
والمعتمد: ما سبق.
واللَّه الموفق
стр. 1569
ص:
٦٣٣ - وَمَا بِهِ خُوطِبَ مَا لَا يَعْقِلُ ... مِنْ مُشْبِهِ اسْمِ الفِعْلِ صَوتًا يُجْعَلُ (١)
٦٣٤ - كَذَا الَّذِي أَجْدَى حِكَايَةً كَقَبْ ... وَالْزَمْ بِنَا النَّوعَيْنِ فَهُوَ قَدْ وَجَبْ (٢)
ش:
أسماء الأصوات علَى نوعين:
* الأول: ما وضع لخطاب ما لا يعقل، والغرض به انقياد البهائم عند سماع ذلك؛ لأنه ثابت بالعادة، ويكون ذلك زجرًا أَو دعاء:
فالأول: (هلا): للخيل.
و (عه)، و (عاه)، و (عيه): للإبل.
و (حَل)، و (حَلٍ): للناقة.
و (هجهج)، و (قاع)، و (هش): للغنم.
стр. 1570
و (هجا)، و (هج): للكلب.
و (وج): للبقر.
و (سع): للضأن.
و (عز)، و (عيز): للعنز.
و (حَر): للحمار.
و (جاه): للسبع.
و (عدس): للبغل.
و (عاب)، و (عاج): للبعير.
ولزجر ما فِي حكمه من صغار الآدميين، (كخ): للطفل.
• والثّاني: (جأ جأ) مهموزتين: للإبل، إِذا دعوها لتشرب.
ونحو (هِدَعْ): لصغار الإبل.
و (جاجا): للضأن.
و (أوه): للفرس.
و (جوت)، و (جي): للإبل أيضًا.
و (عاعا): للمعز.
قال الشّاعر:
يا عَنْزُ هَذَا شَجَرٌ وَمَاءُ ... عَاعَيْتُ لوْ يَنْفَعُنِي العَيْعَاءُ (١)
стр. 1571
و (عود): للجحش.
و (دج): للدجاج.
فمعنَى البيت الأول: (الَّذِي خوطب به ما لا يعقل مما يشبه أسماء الأفعال. . يجعل صوتًا).
* وأما النّوع الثّاني: فهو ما وضع لحكاية الأصوات؛ كقولهم:
(هيقعة) لحكاية صوت الوقع.
و (شغشغة) لحكاية صوت الطّعن، قال الشّاعر:
فَالطَّعنُ شَغشَغةٌ وَالضَّربُ هَيقَعَةٌ ... . . . . . . . . . . . . (١)
و (قب): لحكاية وقع السّيف.
و (طق): لحكاية وقع الحجارة.
و (طاق): لصوت الضّرب.
و (خاق باق): للنكاح.
و (قاش ماش): لصوت القماش.
و (خازَ بازَ) بالفتح وبالخاء المعجمة: لصوت الذّباب، وفيه لغات فَلَا نطول، وقد يطلق علَى السّنَّور.
وقيل: ذباب.
стр. 1572
وقيل: اسم نبت.
وفي "حياة الحيوان": اسمان جُعِلا واحدًا، وبنيا علَى الكسر.
و (غاق): لصياح الغراب.
و (ما): للظبية.
وإِليه أشار بقوله: (كَذَا الَّذِي أَجْدَى حِكَايَةً كَقَبْ)، يعني: (والَّذي أفهم حكاية يجعل أيضًا صوتًا).
وأسماء الأفعال والأصوات مبنية، كما قال: (وَالزَمْ بِنَا النَّوعَيْنِ)؛ لأنَّ أسماء الأفعال شابهت الحروف، فِي كونها تعمل، ولَا يعمل فيها كما علم.
وسبق أول الباب: هل لها موضع أو لا، ولأن أسماء الأصوات لا عاملة ولا معمولة، فأشبهت الحروف المهملة، فهي أحق بالبناء.
ورُبَّما أعرب بعض أسماء الأصوات؛ لوقوعه موقع المتمكن؛ كقولِهِ:
قَدْ أَقْبَلَتْ عَزَّةُ مِنْ عِرَاقِهَا ... مُلصِقَةَ السَّرْجِ بِخَاقِ بَاقِهَا (١)
أي: (بفرجها)، وقال آخر:
. . . . . . . . . . . . . ... لِمَّتِي مِثْلُ جَنَاحِ غَاقِ (٢)
стр. 1573
أي: (غراب).
ولَا ضمير فِي أسماء الأصوات؛ لأَنَّها من قبيل المفردات.
بخلاف أسماء الأفعال؛ لأَنَّها من قبيل المركبات.
و (ما) الأولى: موصول مبتدأ، و (به خوطب): صلته، و (ما) الثّانية: نائب الفاعل.
وقوله: (مِنْ مُشْبِهِ اسمِ الفعلِ): إما حال من الهاء فِي (بِهِ) أو بيان للمبتدأ، وقوله: (يجعل): خبر المبتدأ، و (صَوتًا): مفعول ثان ليُجعل.
واللَّه الموفق
* * *