فمنع صرف (مرداس).
ويروى: (يفوقان شيخي)، فلا شاهد.
وقول الآخر:
أُؤَمِّلُ أَنْ أَعِيشَ وأَنَّ يَوْمِي ... بأَوَّلَ أَوْ بَأَهْوَنَ أَوْ جُبَارِ (١)
أَوِ التَّالي دُبَارَ؛ فإن أَفُتْهُ ... فَمُؤْنِسَ أو عَرُوبةً أَوْ شِيَارِ
وهذه أسماء الأيام في الجاهلية:
فـ (أول): اسم يوم الأحد.
و (أهون): يوم الاثنين.
стр. 1647
و (جبار): الثلاثاء.
و (دبار): الأربعاء.
و (مؤنس): الخميس.
و (عروبة): الجمعة.
و (شيار): السبت.
والشاهد في: (دبار)، و (مؤنس) حيث منعهما الصرف للضرورة.
* وقال أبو الفتح في "سر الصناعة": ومن العرب من يصرف جميع ما لا ينصرف، فتقول: (ضربت أحمدًا) بالتنوين. انتهى.
ونص عليه المصنف، وحكاه الأخفش، وحكي عن ثعلب.
ومنه قراءة نافع والكسائي وأبو بكر: (قواريرًا) بالتنوين، ويحتمل صرفه لمناسبة (تقديرًا).
واللَّه الموفق
* * *
стр. 1648
إعرابُ الفِعْل
ص:
٦٧٦ - ارْفَعْ مُضَارِعًا إِذَا يُجَرَّدُ ... مِنْ نَاصِبٍ وَجَازِمٍ كَتَسْعَدُ (١)
ش:
سبق أن المعرب من الأفعال: المضارع, ما لم يباشر النون, وتقدم مبسوطًا في المعرب والمبني.
واختلف في رافع المضارع:
* فالمصنف وأكثر الكوفيين: أن الرافع له التجرد، وهو الصحيح؛ لأنه لما تجرد من الناصب والجازم واستقل دون عامل لفظي .. دل ذلك على قوته، فأشبه المبتدأ، فعمل الابتداء في المبتدأ، وعمل التجرد في المضارع.
وبحث فيه بعضهم: بأن التجرد عدميّ، والرفع وجودي؛ فلا يصلح كونه علة للوجودي.
وأجيب: بأن التجرد وجودي أيضًا وهو كون المضارع، خاليًا من العوامل، فهي هيئة في الجملة.
* والبصريون: أنه ارتفع لوقوعه موقع الاسم؛ كما تقول: (زيد ضارب)، و (زيد يضرب).
ونُقض:
بأداة التحضيض؛ نحو: (هلا تفعل).
والموصول؛ نحو: (جاء الذي يقرأ)؛ فإن الفعل مرفوع في المثالين، ولا يقع الاسم موقعه؛ لأن أداة التحضيض مختصة بالفعل، والصلة لا تكون أسماء، بل
стр. 1649
جملة كما علم.
* والكسائي: الرافع له حرف المضارعة في أوله؛ لأنه قبل حرف المضارعة مبني، وبعده مرفوع، ولا بد للرفع من عامل، ولم يوجد غير الحرف، فكان هو العامل، وإنما بطل عمل حرف المضارعة مع الناصب والجازم؛ لأنهما أقوى منه.
وأجيب: بأن حرف المضارعة صار كالجزء من الكلمة، فلا يعمل فيها.
* وثعلب: الرافع له نفس المضارعة.
واللَّه الموفق
ص:
٦٧٧ - وَبِلَنِ انْصِبْهُ وَكَيْ كَذَا بِأَنْ ... لَا بَعْدَ عِلمٍ وَالَّتِي مِنْ بَعْدِ ظَنّ (١)
٦٧٨ - فَانْصِبْ بِهَا وَالرَّفْعَ صَحِّحْ وَاعْتَقِدْ ... تَخْفِيْفَهَا مِنْ أَنَّ فَهْوَ مُطَّرِدْ (٢)
ش:
يُنصَبُ المُضارع
* بـ (لن)؛ كـ (لن أضرب).
стр. 1650
* وتخلصه للاستقبال.
* ولا تقتضي تأبيد النفي.
والزمخشري في "أنموذجه": أنها تقتضيه.
ورد: بأنها لو كانت للتأبيد .. ما صح التوقيت في: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾.
* وفي "كشافه": أنها تقتضي التأكيد.
والمعتمد: خلافه.
* وقد تأتي للدعاء؛ كقوله:
لَن تَزَالُوا لِذَاتِكُم ثُمَّ لَا زِلْـ ... تُ لَكُم خَالِدًا خُلُودَ الجِبَالِ (١)
* وجزمت إلحاقًا بـ (لم)، في قول الآخر:
لَنْ يَخِبِ الآنَ مِنْ رَجَائِكَ ... ................... (٢)
стр. 1651
وقيل: لغةٌ.
* وأدغمت نونها في (ما) المصدرية الظرفية في قوله:
لَمَّا رأيتُ أبا يَزيدَ مُقاتِلا ... أَدَعَ القتالَ وأَشْهَدَ الهَيْجَاء (١)
و (أدع) منصوب بها، و (أشهد) منصوب بأن مضمرة؛ والتقدير: (لن أدع القتال وشهودي الهيجاء مدة داوم رؤيتي أبا يزيد مقاتلًا).
* ويجوز تقديم معمول الفعل عليها؛ نحو: (زيدًا لن أضرب).
خلافًا للأخفش الصغير.
* وهي بسيطة.
والفراء: أصلها (لا) فأبدلت الألف نونًا.
والخليل والكسائي: ركبت من (لا) و (أَن)، فحذفت الهمزة تخفيفًا، فحصل
стр. 1652
(لان) فحذفت الألف لالتقاء الساكنين.
* وأما (كي) فعلى ضربين:
* حرف مصدري وهي الناصبة بنفسها؛ كـ (جئت كي أقرأ)، ولام التعليل مقدرة قبلها، ويجوز إظهارها.
وحرف تعليل بمعنى اللام, والنصب بأن مضمرة بعدها وجوبًا لحصول الثقل في (كي أن أفعل).
* وقد تظهر ضرورة، كقوله:
................. ... لِسَانَكَ كَيما أَنْ تَغُرَّ وتَخدَعَا (١)
стр. 1653
وأجاز الفراء: أن تكون هنا مصدرية، وذكرت (أن) توكيدًا بالمرادف.
* وقال الشيخ: ويتعين أن تكون مصدرية إذا اقترنت بها اللام؛ كـ (جئت لكي أقرأ)، فهي الناصبة بنفسها إذن، منه في القرآن: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا﴾.
قال: لأن حرف الجر لا يدخل على حرف إلا إن كان مصدريًا، وعلى هذا فقول الشاعر:
أردت لِكَيْمَا أن تَطِيرَ بِقِرْبَتِي ... ............... (١)
تكون فيه حرفًا مصدريًّا وهي الناصبة، وذكرت (أن) معها توكيدًا بالمرادف،
стр. 1654
وسهل الجمع بينهما: الفصل بـ (ما).
ويحتمل أن يكون حرف تعليل بمعنى اللام، وذكرت اللام معها شذوذًا للتوكيد أيضًا، و (أنْ) هي الناصبة إذن.
وبعضهم: أن النصب هنا باللام، و (كي) و (أن): زائدان.
وهو ضعيف.
* وربما انكفت بـ (ما) الزائدة؛ كقوله: (أشرق ثبير كيما نغير) (١).
وقول الآخر:
.................. ... يُرَادُ الْفَتى كَيْمَا يَضُرُّ وَيَنفَعُ (٢)
стр. 1655
بالرفع فيهما.
وقيل: (ما) مصدرية، فتكون (كي) حرف جر؛ أي: (يراد الفتى للضر والنفع).
* وعن الأخفش: أن (كي) لا تكون إلا حرف جر.
* وعن الكوفيين: أنها لا تكون إلا ناصبة بنفسها.
* وأجاز الكسائي تقديم معمول الفعل عليها؛ نحو: (ذهبت زيدًا كي أضرب).
* ومنعه الجمهور.
* وقد تكون اسمًا مخففًا من (كيف) , فيليها الاسم والفعل الماضي والمضارع المرفوع؛ كقوله:
كَي تَجْنَحُونَ إلَى سِلمٍ وَمَا ثُئِرَتْ ... .................. (١)
стр. 1656
أراد: (كيف تجنحون)، كما قالوا (سو أفعل)؛ أي: (سوف أفعل).
وحكى الكوفيون: (سو أقومُ).
* وينصب المضارع بـ (أن).
* وتخلصه للاستقبال؛ كـ (لن)، وهي أم الباب, وإنما أخرها لطول الكلام عليها.
* وقوله: (لَا بَعْدَ عِلمٍ) يشير به إلى أنها لا تنصب إذا تقدمها فعل يدل على اليقين، فيرفع الفعل. وتكون مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير محذوف، والمضارع: خبرها؛ كـ (علمت أن يقوم) بالرفع؛ التقدير: (أنه يقوم).
وإنما وجب كونها مخففة: لأن العلم لا يناسبه إلا التوكيد، و (أنْ) المخففة كالمثقلة في التوكيد.
وأما (أن) المصدرية: فإنها للرجاء والطمع .. فلا يناسبان العلم.
والخوف: كالعلم عند سيبويه والأخفش؛ لتيقن الخوف كـ (خفت أن تفعلُ)، و (خشيت أن تفعلُ) بالرفع.
ولكن جعلها مخففة في نحو (علمت أن تقوم): قليل.
والأكثر: أن يفصل بين (أن) والفعل هنا كما سبق في إن وأخواتها.
* وقد يؤول العلم بالرأي فينصب الفعل، كقولهم: (ما أعلم إلا أن يفعل)؛ أي: (ما أرى إلا أن يفعل).
قال في الكافية:
وَأُوِّلَ العِلمُ بَرَأيٍ فَنَصَبْ ... مِنْ بَعدِهِ الفِعلَ بِأَن بَعضُ العَرَبْ
стр. 1657
وأجاز الفراء وابن الأنباري: أن ينصب بعد العلم بلا تأويل.
وكذا بعد الخوف عند الفراء.
* وإذا وقعت بعد الظن:
* جاز النصب -وهو الأرجح- على أنها مصدرية ثنائية لفظًا ووضعًا.
* والرفع على أنها مخففة ثنائية لفظًا, ثلاثية وضعًا؛ كما قال: (وَالَّتِي مِنْ بَعْدِ ظَنّ فانْصِبْ بِهَا, وَالرَّفْعَ صَحِّحْ وَاعْتَقِدْ تَخْفِيْفَهَا مِنْ أَنَّ) مع الرفع.
وقرئ بهما في قوله تعالى: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾.
* ونقل اللحياني عن بعض بني صياح أن بعضهم: يجزم بـ (أن)؛ كقوله:
................ ... تعالَوْا إلى أنْ يَأْتِنا الصيدُ نَحْطِبِ (١)
وقوله:
أُحاذِرُ أنْ تَعْلَمْ بِها فَتَرُدَّها ... ......................... (٢)
وقيل: ضرورة.
* وتكون مفسرة بمنزلة (أي) فلا تعمل, وشرط المفسرة: أن تسبق بجملة فيها معنى القول دون حروفه، ويتلوها أيضًا جملة؛ نحو: (كتبتُ إليه أن يفعل).
وهي مفسّرة في قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾.
стр. 1658
وقد غلط من جعلها مفسرة فى قوله تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إذ لم تسبق بجملة.
وأجاز بعضهم تفسير القول الصريح بها، وجعل منه: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ وسبق في أول عطف البيان.
ولا يذكر مع المفسرة حرف؛ لأنها بمعنى (أي) كما ذكر.
وقال القواس ما معناه: أنه لا يقال: (أشرت إليه بأن قم) على كونها مفسرة؛ لأن الباء متعلقة بالفعل، فهي من صلته، و (أن) مصدرية لا مفسرة.
* وعن الكوفيين: إنكار المفسرة.
* وتكون (أن) بمعنى (إذ)، وجُعل منه قوله تعالى: ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾، ﴿أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ وهو للكوفيين.
وقال البصريون: مفعول له؛ أي: (لأن جاءه الأعمى).
وهي بمعنى إذ في قوله:
أَتَغضَبُ أَن أُذْنَا قُتَيْبَة حُزَّتَا ... ............... (١)
وقال المبرد: مخففة.
وضعفه بعضهم، قال: لكونها لم تسبق بعلمٍ ولا بـ (ظن).
وفيه نظر؛ إذ هي مخففة على المشهور في قوله تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
* وبمعنى (لئلا) نحو: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾.
وقيل تقديره: (كراهة أن تضلوا).
стр. 1659
وقال الأخفش: (يبين لكم الضلالة لتجتنبوها).
والفراء: أنها في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ﴾ بمعنى (لا) النافية، و (أو) بمعنى (إلا)، والتقدير: (لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا أن يحاجوكم).
* وتقترن بـ (لا)؛ كـ (أشرت إليه أن لا يفعل):
* بالنصب على أن (لا) نافية و (أن) مصدرية.
* والجزم على أن (لا) ناهية و (أن) تفسيرية.
* والرفع على أن (لا) نافية و (أن) تفسيرية.
* وكما لا تعمل المفسرة .. لا تعمل الزائدة بعد (لما)؛ نحو: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾، فتقول: (أكرمك لما أن يقومُ زيد) بالرفع.
* وقد تزاد قبل (لو) في القسَم؛ كقوله:
فأُقْسِمُ أَنْ لَوِ التَقَيْنا وَأَنْتُمُ ... ................ (١)
стр. 1660
ودخله القبضُ.
* وزيدت بين الجار والمجرور في قوله:
................ ... كَأَنْ ظَبْيَةٍ تَعْطُو إلَى وَارَقِ السَّلَم (١)
стр. 1661
الأصل: (كظبية) على رواية الجر.
* والأخفش: زائدة في ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ مع أن الفعل منصوب، ولهذا نقل عنه جواز إعمال الزائدة.
وقال غيره التقدير: (وما لنا في أن لا نقاتل) فهي مصدرية.
* وأجاز الفراء: تقديم معمول الفعل على (أن)؛ كـ (يعجبني زيدًا أن ضربت).
* والجمهور: على خلافه، وسبق في آخر الموصول.
* وعلم مما تقدم أنه يفصل بين (أن) والفعل بـ (لا) النافية وتعمل، ولا فصل مع غيرها في الاختيار.
وأجازه الكسائي مع (كي) بشرط الرفع؛ كـ (جئت كي إليَّ تحسن).
* وأجاز بعضهم: فصل (أن) بالظرف؛ نحو: (أريد أن عندك أجلس). وندر الفصل مع (لن)، كما سبق في قوله:
لَمَّا رَأَيتُ أَبَا يَزِيدَ مُقَاتِلا ... ............. (١)
تنبيه:
سبق أنّ (أنْ) تنصب المضارع ولا عمل لها في نحو: (ليعجبني أن قام)، فلا يحكم على محل الماضي بشيء، وإنما حكم على محله في الشرط؛ نحو: (إن قام زيد)؛ لأنها لما أثرت في قلب معناه للاستقبال .. أثرت في الإعراب، فموضعه جزم.
وأبو بكر بن طاهر: أن الداخلة على الماضي في نحو: (أن قام)، غير الداخلة على المضارع في: (أن يقوم).
واللَّه الموفق
стр. 1662
ص:
٦٧٩ - وَبَعْضُهُمْ أَهْمَلَ أَنْ حَمْلًا عَلَى ... مَا أُخْتِهَا حَيْثُ اسْتَحَقَّتْ عَمَلَا (١)
ش:
* أهمل بعض العرب (أن) فلم ينصب بها حملًا على أختها (ما) المصدرية؛ لأنهما يشتركان في التقدير بالمصدر، ولا عمل لـ (ما) المصدرية، فحملت (أن) على (ما)، وجعل منه قوله تعالى: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ في قراءة الرفع.
ونحو قول الشَّاعرِ:
أن تَقْرَأانِ على أسْماءَ وَيْحَكُما ... ................ (٢)
стр. 1663
وقول الآخر:
عَلِمُوا أَنْ يُؤَمِّلُونَ فَجَادُوا ... ............... (١)
ويحتمل كونها مخففة وإن لم يوجد فصل.
* وقد أعملت (ما) حملًا على (أن)، وجعل منه: (كما تكونوا .. يُولَّ عليكم).
стр. 1664
وقيل: أصله (كيفما تكونوا) .. فهي أداة شرط.
وقوله: (أختها): صفة لـ (ما).
واللَّه الموفق
ص:
٦٨٠ - وَنَصَبُوا بِإِذَنِ المُسْتَقْبَلَا ... إِنْ صُدِّرَتْ وَالفِعْلُ بَعْدُ مُوصَلَا (١)
٦٨١ - أَو قَبْلَهُ اليَمِيْنُ وَانْصِبْ وَارْفَعَا ... إِذَا إِذَنْ مِنْ بَعْدِ عَطْفٍ وَقَعَا (٢)
ش:
* (إذن) حرف جواب وجزاء عند سيبويه.
قال الشلوبين: دائمًا.
والفارسي: غالبًا؛ لأنها للجواب فقط؛ نحو: (إذن أصدقَك) في جواب: (أنا أحبك)؛ إذ لا مجازاة هنا.
والشلوبين: يجعله خبرًا؛ أي: (إن كنت قلته حقًا .. فقد صدقتك).
* والنصب بها نفسها.
خلافًا للخليل فيما رواه أبو عبيدة: أن النصب بـ (أن) مضمرة بعدها، وعليه
стр. 1665
الزجاج والفارسي.
* وبعضهم: أنها اسم، وأصلها (إذا) الشرطية، والتنوين فيها عوض عن جملة محذوفة كما في (حينئذٍ)، فتقدير (إذن أكرمك): (إذا أجبتني أكرمك)، فحذفت الجملة التي هي مضاف إليه، وعوض التنوين، فحذفت ألفها للساكنين، وأضمرت (أن)، فهي الناصبة كما روي عن من تقدم.
* والمشهور: بسيطة.
وقيل: ركبت من (إذ) و (إن).
* ولا تعمل إلا إذا صدرت واتصل بها المستقبل؛ نحو: (إذن أكرمك) لمن قال: (غدًا أزورك).
* ويجوز الفصل بينها وبين الفعل باليمين؛ كقوله:
إِذَن واللَّهِ نرميَهُم بِحَربٍ ... ............... (١)
* ويفصل أيضًا بالنداء، و (لا) النافية، والظرف، والمجرور، ونظمتها في قولي:
إن صدرت فانصب بها مستقبلا ... وجاز فصل بيمين أو بلا
أو بنداء وابن عصفور يرى ... بالظرف والمجرور فصلًا ذَكرا
* وأجاز أبو الحسن ابن بابشاذ: الفصل بالدعاء.
* والكسائي وهشام: الفصل بمعمول فعلها؛ نحو: (إذن زيدًا أضرب).
* وإذا وقعت بعد عاطف .. جاز الإعمال والإلغاء؛ كما قال: (وَانْصِبْ
стр. 1666
وَارْفَعَا ... إلى آخره)، والإلغاء أحسن.
وبعضهم: التحقيق أنها إن سبقت بشرط وجوابه كـ (إن تقم يغضب زيد، وإذن أكرمك)، أو بمبتدأ خبره فعل مرفوع، كـ (زيد يقوم، وإذن أكرمك)، فإن قدر العطف على الجزاء في الأولى .. جزم الفعل وبطل عملها؛ لوقوعها حشوًا.
وإن قدر العطف على جملتي الشرط والجواب .. جاز الرفع والنصب.
وإن قدر العطف على خبر المبتدأ في الثانية .. رفع الفعل ولم تعمل، لوقوعها حشوًا كما سبق.
وإن عطف على جملة (زيد يقوم) .. فالرفع والنصب.
ومن إلغائها بعد العاطف، قوله تعالى: ﴿وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، ﴿فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾.
وقرئ في الشاذ بالنصب على الإعمال.
* ومتى فصل بغير ما سبق ذكره .. وجب الرفع؛ نحو: (إذن زيد يكرمك)، و (إذن أنا أكرمك).
* وكذا إن كان الفعل حالا؛ نحو: (إذن أظنك صادقًا).
* وتلغى أيضًا إذا لم تتصدر.
* وقال بعضهم نحو: (إن تزرني إذن أكرمُك) فلم تعمل؛ لأنها مؤكدة؛ إذ لو سقطت .. لفهم الارتباط.
وهذه تدخل على الاسمية؛ نحو: (إن تزرني إذن أنا أكرمك)، ذكره السيوطي في "الإتقان".
وليست هذه هي الناصبة للمضارع؛ لأنها تدخل على غيره، ولهذا قالوا: هي شرطية، والتنوين عوض فيها عن جملة الشرط في قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾، ﴿إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾، ﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ﴾ ﴿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ﴾.
وهو جواب قسم مقدر قبل (إذن).
وقال الفرَّاء: إن (لو) مقدرة؛ أي: (لو ركنت لأذقناك) ونحو ذلك.
* وشذ النصب بـ (إذن) معترضة بين (إنّ) وخبرها في قوله:
стр. 1667
لا تَترُكَنِّي فِيهُمُ شَطِيرا ... إِنّي إِذَنْ أَهْلِكَ أَو أَطِيرا (١)
وحقها أن لا تعمل؛ لأنها لم تتصدر، فهو ضرورة، خلافًا للفراء.
وحمله البصريون على حذف الخبر، والتقدير: (إني لا قدر على ذلك)، ثم استأنف فقال: (إذن أهلك) فلا شذوذ.
و (الشطير): الغريب.
* وحكى سيبويه: إهمال (إذن) مع استيفائه الشروط؛ كما كان في (أنْ) الناصبة.
واللَّه الموفق
ص:
٦٨٢ - وَبَيْنَ لَا وَلَامِ جَرٍّ التُزِمْ ... إظْهَارُ أَنْ نَاصِبَةً وَإِنْ عُدِمْ (٢)
٦٨٣ - لَا فَإِن أَعْمِلْ مُضْمَرًا أَو مُظْهَرَا ... وَبَعْدَ نَفْي كَانَ حَتْمًا أُضْمِرَا (٣)
стр. 1668
٦٨٤ - كَذَاكَ بَعْدَ أَو إِذَا يَصْلُحُ فِي ... مَوضِعِهَا حَتَّى أَو إلَّا أَنْ خَفِي (١)
ش:
ينصب بـ (أن) ظاهرة ومضمرة, بخلاف غيرها فينصب ظاهرًا.
فيجب إظهارها:
إذا توسطت بين (لا) النافية و (لام) الجر؛ كـ (جئت لئلا تضرب زيدًا)، وفي القرآن: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ فلا تضمر هنا؛ للثقل في اجتماع اللامين.
- فإن عدمت (لا) .. جاز الوجهان؛ كـ (جئت لتكرمني)، أو (لأن تكرمني).
وفي القرآن: ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾.
وأجاز الكوفيون: أن يكون النصب باللام.
وابن كيسان والسيرافي: أن يكون بإضمار (كي) في: (جئت لتكرمني).
* وإذا سبقت (أنْ) بـ (كان) المنفية .. وجب إضمارها بعد لام الجحود المؤكدة لنفي (كان)، ومنه في القرآن: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾.
و (كان) هنا ناقصة، ولا تنفى إلا بـ (ما)، ولا ينفى مضارعها إلا بـ (لم)؛ نحو: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾.
وقيل: تساويهما (إن) النافية.
وعن الكوفيين: إظهار (أن) بعد لام الجحود جوازًا.
стр. 1669
والمعتمد: خلافه؛ لأن (ما كان زيد يفعل)، إيجابه: (كان زيد سيفعل) فكما لا يجمع بين (أن) والسين .. لا يجمع بين أن واللام.
وقال مكي ﵀: لام الجحد مع الفعل بمنزلة السين مع الفعل؛ إذ هو نفي مستقبل، وكما لا يفصل بين السين والفعل .. لا يفصل أيضًا بين اللام والفعل بـ (أن).
وخبر (كان) هنا محذوف؛ أي: و (ما كان اللَّه مريدًا لتعذيبهم) أو (مريدًا تعذيبهم).
قال أبو حيان في: قوله تعالى: ﴿مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾، التقدير: (ما كانوا أهلًا ليؤمنوا)؛ أي: (للإيمان)، ولا يكاد العرب ينطقون بخبر (كان) في هذا الموضع.
وادعى أبو حيان أنه ظهر في: قول الشاعرِ:
سَمَوْتَ ولَمْ تكُنْ أهْلا لِتَسْمُو ... ............... (١)
والكوفيون: أن الفعل بعد اللام هو الخبر.
ويعضدهم: أن خبر (كان) لا يحذف كما علم، ولا تحذف لام الجحود.
واضطرب فيها كلام ابن عصفور، فأجاز مرة، ومنع أخرى.
ولم تحذف في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، بل الجملة خبر (كان).
وعن النحاس: الصواب تسميتها لام النفي.
وقد تحذف (كان)؛ كقول الشاعر:
فَمَا جَمْعٌ لِيَغْلبَ جَمْعَ قَومِي ... ................ (٢)
стр. 1670
أي: (فما كان جمع ليغلب).
* وكذا أيضًا يجب إضمار (أن) بعد (أو) التي بمعنى: (حتى) أو (إلى)، ويظهر أثر ذلك في (أو) إذا كان الذي قبل مما ينقضي شيئًا فشيئًا، وعليه قوله تعالى: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُوا﴾ في قراءة أُبَيّ، وزيد بن علي؛ أي: (إلى أن يسلموا).
وقول الشاعرِ:
لَأَستَسهِلَنَّ الصَّعبَ أَو أُدرِكَ المُنَى ... فَمَا انقادَتِ الآمَالُ إِلَّا لِصَابِرِ (١)
أي: (حتى أدرك المنى) أو (إلى أن أدرك المنى).
* وكذا يجب إضمارها بعد (أو) التي بمعنى: (إلا)؛ كقوله:
................ ... كَسَرْتُ كُعوبَها أَوْ تَستَقِيمَا (٢)
стр. 1671
ونحوه: (لأقتلن الكافر أو يسلم)؛ أي: (إلى أن يسلم)، وإليه أشار بقوله: (وَبَعْدَ نَفْي كَانَ حَتْمًا أضْمِرا كَذَاكَ بَعْدَ أَو إِذَا يَصْلُحُ فِي مَوضِعِهَا حَتَّى أَوِ إلَّا).
ويحتمل أن تكون (أو) بمعنى (حتى) أو (إلا) في قوله:
فَقلتُ لَهُ لا تَبكِ عَينُكَ إِنَّمَا ... نُحاوِلُ مُلْكًا أَو نَموتَ فَنُعذَرَا (١)
стр. 1672
والكسائي: أن النصب في هذه المواضع بـ (أو) نفسها.
وقيل: بالمخالفة، فلما خالفه في المعنى .. خالفه في الإعراب.
والصحيح: خلافهما.
تنبيه:
الفعل الواقع بعد (أو) في هذه المواضع ونحوه: لا بد من تقديره بمصدر؛ فإذا قلت: (لأستسهلن الصعب أو أدرك المنى) أو (كسرت كعوبها أو تستقيما) أو (لأقتلن الكافر أو يسلم) .. كان المعنى ليحصل: (استسهال مني للأمور الصعبة أو أدرك المنى)، و (ليكونن كسر مني أو استقامتها)، و (ليكونن قتل مني للكافر أو إسلامه).
وإنما وجب أن يقدر الفعل قبل (أو) بمصدر؛ لأن الفعل بعدها مؤول باسم وهو أيضًا مصدر، ولا يصلحُ عطف الاسم على الفعل، إلا في نحو: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾ على ما سبق في آخر العطف.
وقول الشيخ: (أنْ): مبتدأ، وقوله: (خفي): خبره، والتقدير: (أن خفيٌّ بعد أو إذا يصلح في موضعها حتى أو إلا)؛ أي: (خفي كخفائه بعد نفي كان).
وبعضهم: يجعل (أو) هنا بمعنى (إلا أن) أو (إلى أن) وليس بجيد؛ لأن النصب بعدها بـ (أن) مضمرة، وهي إذا كانت بمعنى (إلا أن) أو (إلى أن) والنصب بـ (أن) مضمرةً .. فيصير التقدير: (لأقتلنَّ الكافر إلا أن يسلم) أو (إلى أن يسلم)، والوجه أنها بمعنى (إلا) فقط، أو (إلى) فقط كما سبق.
وبعضهم: يجعل (أن) بمعنى (لئلا)، في نحو قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ
стр. 1673
تَضِلُّوا﴾؛ أي: (لئلا تضلوا).
وقيل: التقدير: (كراهة أن تضلوا).
وقيل: تقديره: (يبين اللَّه لكم الضلالة لتجتنبوها) كما سبق في الباب، وفي الإضافة.
واللَّه الموفق
ص:
٦٨٥ - وَبَعْدَ حَتَّى هكَذَا إِضْمَارُ أَنْ ... حَتْمٌ كَجُدْ حَتَّى تَسُرَّ ذَا حَزَنْ (١)
٦٨٦ - وَتِلوَ حَتَّى حَالًا أوْ مُؤوَّلَا ... بِهِ ارْفَعَنَّ وَانْصِبِ المُسْتَقْبَلَا (٢)
ش:
* ينصب المستقبل بـ (أن) مضمرة وجوبًا بعد (حتى) طلبًا للتخفيف.
والغالب في (حتى) حينئذ أن تكون للغاية؛ نحو: (أسير حتى أدخل مكة)، فـ (حتى): هنا حرف جر بمعنى: (كي)، و (أدخل): منصوب بـ (أن) مضمرة.
وإنما كانت هنا حرف جر؛ لأن بعدها مفردًا، وقد سبق أنه إذا وقع بعدها جملة .. كانت حرف ابتداء، وإن وقع بعدها مفرد .. فعاطفة أو جارة، وهي هنا جارة.
стр. 1674
ومثله: (جُد حتَّى تَسرَّ ذَا حَزَن)، بنصب (تسَّر)؛ لأنه مستقبل بعد (حتى)، ولهذا نصب الفعل بعدها في: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ﴾؛ لأنه مستقبل بالنسبة إلى (البراح) و (العكوف).
وهو معنى قوله في "شرح القطر": (إلى الأمرين جميعًا)، فالرجوع مستقبل بالنسبة إلى الأمرين، والأمران والرجوع سوابق على زمن الإخبار وهو إنزال (لن نبرح) الآية.
ونصب الفعل أيضًا في قوله تعالى: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾؛ لأنه مستقبل بالنسبة إلى زمن الزلزال؛ لأن الزلزال سابق على قول الرسول، والزلزال وقول الرسول سابقان على زمن الإخبار كما تقدم.
و (حتى) بمعنى: (إلى) في الآيتين.
* فإن كان الفعل حالًا، أو مؤولًا بالحال .. وجب الرفع؛ لأن (أن) تقتضي الاستقبال، وهو ينافي الحال، فتقدير البيت: (ارفعن تلو حتى في حالة كونه حالًا أو مؤولًا بالحال).
والضمير في (به) (راجع)، لقوله: (حالا)، وقوله: (حالا): حال من (تلو).
- فمثال الحال: (طلبتك حتى أكرمُك الآن) بالرفع، و (سرت حتى أدخلُ البلد) إن قلت ذلك في حالة الدخول، ومنه قولهم: (مرض حتى لا يرجونه).
- وأما المؤول بالحال: فهو أن يكون قد حصل منك دخول وقصدت أن تحكي، فيقدر أنك تتصف بالعزم عليه، وتقول: (كنت سرت حتى أدخلُها) بالرفع كما سبق، وبه قرأ نافع: (حتى يقولُ الرسول).
- وإذا كان الفعل حالًا أو مؤولًا به .. كانت (حتى) ابتدائية؛ لأن الذي بعدها حينئذ جملة لا مفردًا كما سبق ذكره.
وأجاز الكوفيون: إظهار (أن) بعد (حتى) توكيدًا.
وعنهم: أن النصب بـ (حتى) نفسها.
ورد: بأنها عملت الجر في الاسم الصريح، كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾.
ولا يعمل عامل في الأسماء تارة، وفي الأفعال أخرى.
واللَّه الموفق
стр. 1675
ص:
٦٨٧ - وَبَعْدَ فَا جَوَابِ نَفْيٍ أَو طَلَبْ ... مَحْضَيْنِ أَنْ وَسَتْرُهَا حَتْمٌ نَصَبْ (١)
٦٨٨ - وَالوَاوُ كَالفَا إِنْ تُفِدْ مَفْهُومَ مَعْ ... كَلَا تَكُنْ جَلدًا وَتُظْهِرَ الجَزَعْ (٢)
ش:
* يجب نصب المضارع بـ (أن) مضمرة وجوبًا بعد فاء السببية.
وذلك بعد تقدم النفي والطلب المحضين.
وقول المصنف: (أن): مبتدأ, وخبره (نصب) , وتقدير الكلام: (أنْ نصبَ المضارع بعد فاء جواب النفي أو الطلب المحضين، وستره حتم)؛ أي: و (ستر أنْ واجب).
و (الواو) كـ (الفاء) في ذلك، إن كانت (الواو) بمعنى: (مع).
والطلب يشمل: الأمر، والنهي، والاستفهام، والعرض، والتحضيض، والتمني، والدعاء.
стр. 1676
* فالنفيُ: كقوله تعالى: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾، فنصب الفعل بـ (أن) مضمرة في جواب النفي كما ذكر.
* والأمر: كقولك: (سافر فتغنمَ)، وكقوله:
يا ناقَ سِيري عَنَقًا فَسِيحَا ... إلى سُلَيْمَانَ فَنَسْتَرِيحَا (١)
نصب في جواب (سيري).
* والنهي: كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾.
* والاستفهام: كقولك: (أين بيتك فأزورَك)، ومنه في القرآن: ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا﴾.
стр. 1677
وقيل: شرطه أن لا يكون الفعل قد وقع، فخرج: (لِمَ ضربت زيدًا فيجازيك؟)، ونسب للفارسي؛ لأن الفعل إذا وقع .. لم يمكن تقديره بمصدر مستقبل كما سيأتي تعريفه.
ويعارض هذا ما حكاه ابن كيسان من قولهم: (أين ذهب زيد فنتبعَه) بالنصب، وقد وقع فيه الفعل.
وقيل: يقدر المصدر المستقبل من لازم الجملة؛ أي: (ليكن منك إعلام بذهاب زيد .. فاتباع منا).
* والعرض؛ كقولِ الشاعرِ:
يَا ابْنَ الكِرَامِ أَلَا تَدْنُو فَتُبْصِرَ مَا ... قَدْ حَدَّثُوكَ فَمَا رَاءٍ كَمَنْ سَمِعَا (١)
* والتحضيض: نحو: (هلا تسافرُ فتغنمَ)، ومنه في القرآن: (لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكونَ من الصالحين)، وقرئ: و (أكن) بالجزم عطفًا على محل فأصدق؛ لأن المعنى: (إن أخرتني .. أصدق).
ولهذا قال في "الإتقان" نقلًا عن الخليل وسيبويه: أن هذا من عطف التوهم؛ لأن المعنى: (أخرني .. أصَّدَّق) وسبق ذكر عطف التوهم في آخر العطف.
وقال الشاعر:
لَوْلَا تَعُوجينَ يَا سَلْمَى على دَنِفٍ ... فتُخْمِدِي نارَ وَجْدٍ كَادَ يُفْنِيه (٢)
стр. 1678
* والتمني: منه في القرآن: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.
وكذا قولُ الشاعرِ:
يَا لَيتَ أُمَّ خُلَيْدٍ وَاعَدَتْ فَوَفَتْ ... وَدَامَ لِي وَلَهَا عُمْرٌ فَنَصْطَحِبَا (١)
* والدعاء: كقوله:
رَبِّ وَفِّقْنِي فَلا أَعْدِلَ عَنْ ... سَنَنِ السَّاعِينَ فِي خَيْرِ سَنَنْ (٢)
فإن لم يكن الأول سببًا لما بعد الفاء .. امتنع النصب، وفي القرآن: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾، فرفع الفعل؛ لأن الرؤية لم تكن سببًا لاخضرار الأرض.
وقيل: الاستفهام هنا بمعنى الخبر .. فلا جواب له.
* ومن النصب بـ (أن):
* في جواب النفي بعد واو المعية، في القرآن العظيم: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾.
* وفي جواب النهي؛ كقولِ الشّاعرِ:
لا تَنْهَ عن خُلُقٍ وتَأتِيَ مِثْلَه ... عارٌ عليك إذا فعلتَ عظيمُ (٣)
стр. 1679
وقول الشيخ: (لَا تَكُنْ جَلدًا وَتُظْهِرَ الجَزَعْ).
* وفي جواب التمني: ﴿يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ في قراءة حمزة وحفص.
وعن الجرمي: أن النصب هنا بالفاء والواو.
ورد: بأنهما عاطفان، وحرف العطف لا يعمل لعدم اختصاصه.
والكوفيون: أن النصب على الخلاف؛ لأن الثاني خبر، والأول ليس بخبر، فلما خالفه في المعنى .. خالفه في الإعراب.
стр. 1680
ونقض بنحو: (ما جاء زيد لكن عمرو)، و (جاء زيد لا عمرو) فقد خالف الثاني الأول في المعنى، ولم يختلف في الإعراب.
وقوله: (محضين) يحترز به عما إذا كان النفي غير محض؛ نحو: (ما أنت إلا تأتينا فتحدثُنا) بالرفع فلا ينصب؛ لأن النفي منتقض بإلا.
وكذا نحو: (ما تزال تأتينا فتحدّثُنا) بالرفع أيضًا؛ لأن نفي النفي إثبات.
وكذا إذا كان الطلب غير محض يعني مدلولًا عليه باسم فعل؛ نحو: (صه)، و (تراك) وسيأتي.
والحاصل:
أن المضارع ينصب بـ (أن) مضمرة وجوبًا بعد هذه الأجوبة، وأن والفعل حينئذ في تأويل مصدر معطوف على مصدر مُتصيَّد فنحو: (استقم .. تفلح)، في تقدير: (ليكن منك استقامة فإفلاح) كما تقدم ذكره.
فما بعد الفاء حينئذ له محل، وفيه تفصيل:
- فإن كان الفعلان لفاعلين .. فالمحل رفع؛ نحو: (زرني فأكرمَك)؛ أي: (ليكن منك زيارة فإكرام)، فالعطف على اسم (كان).
- وإن كانا لواحد نحو: (استقم فتفلحَ) .. احتمل الرفع على تقدير: (ليكن منك استقامة فإفلاح)، والنصب على تقدير: (افعل استقامة فإفلاحًا).
- وأما (ليت) .. فالمحل بعدها نصبٌ مطلقًا؛ لأن ما بعدها ينتصب بها؛ نحو: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ﴾؛ أي: (يا ليت لي معهم صحبة تفوُّزٍ) ذكر ذلك القواس.
- وإن ارتفع ما بعد الفاء في شيء من هذه الأجوبة .. فهو على تقدير الاستئناف، أو أن الفاء عاطفة لا سببية؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾، بعطف (يعتذرون) على (يؤذن).
- أو تثبت النون لتناسب الفواصل.
ونحو قول الشاعرِ:
стр. 1681
ألمْ تَسأَلِ الرَّبْعَ الَخْوَاءَ فينطقُ ... ................. (١)
بالرفع على الاستئناف؛ أي: (فهو ينطق).
و (القواء): بفتح القاف القفر.
وأما قوله تعالى: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾، فرفع فيه الفعل؛ لأنه لا بد من المغايرة بين الأمر وجوابه؛ نحو: (سافر فتغنَم).
стр. 1682
فإن انتفت المغايرة .. وجب الرفع، نحو: (أقول لك اذهب فتذهبُ)، وقوله تعالى: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾.
- وحمل بعض النحويين: التشبيه والتقليل على النفي، فنصب المضارع بـ (أن) مضمرة بعد الفاء؛ نحو: (قلَّما تأتينا فتحدثَنا)، و (كأنك أمير فتطيعَك الناس).
- وكذلك الحصر بـ (إنما)؛ كقراءة ابن عامر: (فإنما يقول له كن فيكونَ) بنصب الفعل.
- وحكى ابن سيده: (قد كنت في خير فتعرفَه) بالنصب، على أن (قد) نافية، وفيه غرابة.
* ويجوز في (تشرب) ثلاثة أوجه من قولهم: (لا تأكلِ السمك وتشرب اللبن):
١ - فالرفع على أنك نهيته عن الأول وأبحت له الثاني.
٢ - والنصب على أنك نهيته عن الجمع بينهما.
٣ - والجزم على أنك نهيته عن كل منهما.
واللَّه الموفق
ص:
٦٨٩ - وَبَعْدَ غَيْرِ النَّفْي جَزْمًا اعْتَمِدْ ... إِنْ تَسْقُطِ الفَا وَالجَزَاءُ قَدْ قُصِدْ (١)
ش:
إذا سقطت الفاء من الأجوبة المتقدمة .. جزم الفعل.
стр. 1683
بشرط أن يقصد الجزاء، كما قال الشيخ.
ويستثنى من الأجوبة: النفي، وإليه الإشارة بقوله: (وَبَعْدَ غَيْرِ النَّفْي جَزْمًا اعْتَمِدْ إِنْ تَسْقُطِ الفَا)، فتقول: (قم أحسنْ إليك)، بجزم (أحسن) جوابًا لشرطٍ محذوفٍ؛ أي: (فإن تقم أحسن إليك)، وهو لأبي الفتح في "التعاقب".
والخليل وسيبويه وابن خروف: جزم بنفس الطلب؛ لأنه ضمن معنى حرف الشرط، واختاره المصنف في "الكافية".
وقيل: إن الطلب ناب عن جملة الشرط، فجزم لأجل ذلك، وهو للفارسيّ والسيرافي وابن عصفور.
وقيل: جزم بحرف مقدر، والتقدير: (قم لأحسن إليك) وهو ضعيف؛ لأن اللام لا تجزم محذوفة إلا بعد (قل) كما سيأتي في عوامل الجزم.
وتقول: (ليت لي مالًا أنفقْ منه)، و (هلا سافرت تغنمْ) بالجزم فيهما، وقس عليه ما لم يذكر.
إلا النفي؛ لأن السفر سبيل للغنيمة في نحو: (سافر تغنم).
وكذا أخواته إلا النفي؛ فلا يصلح أن يكون سببًا لتعليق شيء عليه، فتقول: (ما لك عندي شيء أعطيك) بالرفع.
والحاصل:
أنه إذا سقطت الفاء وقصد الجزاء .. جزم الفعل بعد غير النفي.
* فإن لم يقصد الجزاء .. لم يجزم، وفي القرآن: ﴿رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا﴾ فالجملة من (تكون): صفة لـ (مائدة).
وقرأ نافع: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي﴾ بالرفع أيضًا على أن الجملة صفة (وليًا).
وقرأ ابن ذكوان: (وألق ما في يمينك تلقفُ) بالرفع على الاستئناف أو الحال.
ومن الحال: قوله تعالى: ﴿ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾، فلو قصد الجزاء .. لقيل: (يلعبوا) واللَّه أعلم بمراده.
وقال الشاعر:
стр. 1684
وَقَالَ رَائِدُهُم أَرسُوا نُزَاوِلُها ... .......... (١)
برفع (نزاولها).
* وقد يكون الخبر في معنى الطلب فيجزم الفعل، كقولهم: (اتقى اللَّهَ أمرؤٌ فِعلَ خيرًا يثَبْ عليه)، فجزم؛ لأن المعنى: (ليتق اللَّه امرؤٌ)، و (ليفعل خيرًا يثَبْ عليه).
واللَّه الموفق
ص:
٦٩٠ - وَشَرْطُ جَزْمٍ بَعْدَ نَهْيٍ أَنْ تَضَعْ ... إِنْ قَبْلَ لَا دُونَ تَخَالُفٍ يَقَعْ (٢)
стр. 1685
ش:
إذا سقطت الفاء من جواب النهي .. فلا يجزم الفعل إلا إذا صح دخول (إن) الشرطية على (لا) , فتقول: (لا تدنُ من الأسد تسلمْ) بالجزم؛ لأن المقصود به أن يكون جزاء الشرط، فالمعنى: (إن لا تدن من الأسد تسلم).
ومنه قوله تعالى: (ولا تمنن تستكثرْ) في قراءة الجزم، والمعنى على هذا: (إن لا تمنن بعملك أو بعطيتك تزدد من الثواب)، ونسبت للحسن.
- فإن لم يصح دخول (إن) على (لا) .. امتنع الجزم عند الأكثرين؛ لأنه إنما جزم على أنه جزاء ذلك الشرط، فتقول: (لا تدن من الأسد يأكلُك) بالرفع؛ لأنك لا تقول: (إن لا تدن من الأسد يأكلك)؛ فإن الذي لا يدنو من الأسد .. لا يأكله الأسد.
وأجاز الكسائي: الجزم؛ لأنه لا يشترط دخول (إن) على (لا)، فجزمه على معنى: (إن تدن من الأسد يأكلك).
ويعضده حديث: "من أكل من هذه الشجرة .. فلا يقرب مسجدنا يؤذنا بريح الثوم" على رواية الجزم في (يؤذنا)، فجزم، مع أنه لا يقال: (إن لا يقرب مسجدنا .. يؤذنا).
وقيل: بدل من فعل النهي المتقدم عليه.
واعلم: أن (لا) في نحو: (لا تدن من الأسد يأكلك) أو (تسلم) ناهية، فإذا دخلت عليها (إن) .. صارت نافية.
فمن قال: (لا) الناهية .. كان باعتبارها قبل (إن).
ومن قال: النافية .. كان باعتبارها بعد (إن).
واللَّه الموفق
ص:
٦٩١ - وَالأَمْرُ إِنْ كَانَ بِغَيْرِ افْعَل فَلَا ... تَنْصِبْ جَوَابَهُ وَجَزْمَهُ اقْبَلَا (١)