ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا .. غفر له ما تقدم من ذنبه".
وكقولِ الشاعر:
إِنْ تَصْرِمُونَا وَصَلْنَاكُمْ وَإِنْ تَصِلُوا ... ................. (١)
وقول الآخر:
إِنْ تَستَجِيرُوا أَجَرنَاكُمْ وَإِن تَهِنُوا ... ................. (٢)
والله الموفق
ص:
٧٠٠ - وَبَعْدَ مَاضٍ رَفْعُكَ الجَزَا حَسَنْ ... وَرَفْعُهُ بَعْدَ مُضَارِعٍ وَهَنْ (٣)
стр. 1717
ش:
* الأصل: جزم الشرط والجواب.
* ويجوز رفع الجزاء المضارع إن كان الشرط ماضيًا؛ كـ (إن قام زيد يقوم عمرو).
وقال الشاعر:
وَإِن أَتَاهُ خَلِيلٌ يَومَ مَسأَلَةٍ ... يَقُولُ لَا غَائِبٌ مَالِي وَلَا حَرِمُ (١)
стр. 1718
فلما لم تؤثر أداة الشرط في فعل الشرط لفظًا .. انتُهكت حرمتها، فحسن رفع الجزاء؛ ولكنه مجزوم محلًا.
وسيبويه: أنه في نية التقديم.
وهو دليل على الجواب المحذوف، والتقدير: (يقول لا غائب مالي إن أتاه خليل).
وأبو العباس المبرد: أن الرفع على تقدير الفاء؛ أي: (وإن أتاه خليل فيقول)؛ لأنه يرتفع بعد الفاء فيكون مجزومًا محلًا كما سيأتي.
* ويضعف رفع الجزاء إن كان الشرط مضارعًا؛ كقراءة طلحة بن سليمان: (أينما تكونوا يدركُكم الموت).
وكقول الشاعر:
يَا أقْرعُ بْنَ حابِسٍ يا أقرَعُ ... إنّك إن يُصْرَع أخوك تُصْرَعُ (١)
стр. 1719
وإنما كان ضعيفًا؛ لأن الأداة عملت الجزم في لفظ الشرط .. فقويت، بخلاف ما تقدم.
وقيل: مؤخر من تقديم، والجزاء محذوف كما سبق؛ أي: (إنك تصرع إن يصرع أخوك).
فإن نفي الشرط المضارع .. كان رفع الجزاء قويًا؛ نحو: (إن لم يقم زيد يقومُ عمرو)؛ لأن الشرط حينئذ ماض.
ولا اعتراض على الصوفية، في قولهم: أنَّ (تراه) جواب لـ (تكن)، من قوله ﵊: "فإن لم تكن .. تراه؛ فإنه يراك".
وقد أغفل هذه المسألة كثيرون.
- والفعل مجزوم بـ (لم) في نحو: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾؛ لأن (لم) حرف شديد الاتصال بمعموله لا يقع بعده إلا المضارع، بخلاف (إن)؛ فقد وقع الاسم بعدها في الصورة الظاهرة؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾.
و (لم) وما بعدها: في محل جزم بـ (إن) الشرطية، ودليله: وقوع الفاء في الجواب.
- والجزم بـ (إن) نفسها في نحو: ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي﴾؛ لأن (لا) النافية لا تعمل.
- ولا تدخل الفاءُ على الماضي المتصرف المستقبل معنى إلا إن قصد به (وعدٌ) أو (وعيد)؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾.
- وتجب (الفاء) و (قد) إن كان الجواب ماضيًا لفظًا ومعنى؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾، ولهذا قدرت (قد) في قوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ﴾؛ لأنه ماضٍ لفظًا ومعنى.
ونقل ابن هشام الخضراوي عن علي بن خروف: أن الجواب في مثل هذا محذوف.
وقال في: (إن يهنك فقد أهنته)؛ أي: فلا ينكر ذلك فقد أهنته.
وأما قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ .. فالجواب فيه محذوف؛ أي:
стр. 1720
(تُقبَلا؛ فقد صغت قلوبكما).
- وعلم مما سبق: أن الفاء لا تدخل على الماضي المتصرف إن كان مستقبلًا في المعنى ولم يقصد به (وعد) ولا (وعيد)، فلا يقال: (إن قام زيد فقام عمرو).
تنبيه:
أجاز الأخفش: أن يكون (زيد): مبتدأ في نحو: (إنْ زيد قام فأكرمه) كما سبق في الاشتغال.
والمعتمد: أنه فاعل لمحذوف، كما في نحو: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ الآية، التقدير والله أعلم بمراده: و (إن استجارك أحد من المشركين استجارك).
والله الموفق
ص:
٧٠١ - وَاقْرُنْ بِفَا حَتْمًا جَوَابًا لَوْ جُعِلْ ... شَرْطًا لإِنْ أَوْ غَيْرِهَا لَمْ يَنْجَعِلْ (١)
ش:
لا يكون الشرط إلا ماضيًا أو مضارعًا كما سبق.
والأصل في الجواب كذلك.
وقد يجيء الجواب جملة اسمية:
* فمتى جاز أن يكون الجواب شرطًا .. فلا يجب اقترانه بالفاء، بل يجوز
стр. 1721
ذلك على ما سبق ذكره مفصلًا؛ نحو: (إن قام زيد فيقعدُ عمرو).
* فإن لم يصلح الجواب لأن يكون شرطًا .. وجبت الفاء.
- كما إذا كان جملة اسمية، كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾.
- أو فعلًا طلبيًا؛ نحو: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾.
- أو فعلًا غير منصرف؛ نحو: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾، ﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (٣٩) فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ﴾.
- أو فعلًا مقرونًا بالسين أو سوف كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾، ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾.
- أو فعلًا مقرونًا بـ (قد)؛ نحو: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾، وسبق هذا في نحو: ﴿وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾.
- أو مقرونًا بـ (إنّ) المشددة؛ نحو: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾.
- أو منفيًا بـ (ما) أو (إنْ) (١) أو (لن)؛ نحو: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾، ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾.
- واسم الاستفهام؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾.
قال أبو الفتح: لولا الفاء في هذه المواضع .. لم يرتبط أول الكلام بآخره، فدخلت الفاء لتدل على أن ما بعدها مسبب عما قبلها.
ويجوز حذفها للضرورة؛ كقولِ الشاعرِ:
مَن يفعلِ الحَسَناتِ اللَّهُ يَشْكُرُها ... ..................... (٢)
стр. 1722
ويجوز أن يكون التقدير: (يشكرها اللَّه يشكرها) فحذفت للدلالة عليه.
وقول الآخر:
فإنْ يَكُ قَوْمٌ سَرَّهُم مَا صَنَعْتُمُ ... سَتَحْتَلِبُوهَا لَاقِحًا غَيرَ بَاهِل (١)
стр. 1723
والأصل: (فتستحلبونها) فحذفت الفاء والنون للضرورة.
وعن المبرد وتلميذه الأخفش الصغير: جواز حذفها في الاختيار؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾.
وقد استحسنه بعضهم؛ لكون الشرط ماضيًا.
وقيل: جواب قسم محذوف؛ أي: (والله إن أطعتموهم إنكم لمشركون)، وأغنى عن جواب الشرط وسيأتي ذكر ذلك.
وكقوله ﵊ لهلال بن أمية: "البينة، وإلَّا حدٌّ في ظهرك" (١).
стр. 1724
ولأبي بن كعب: "فإن جاء صاحبها وإلا استمتع بها" (١).
ورواه البعلي: "وإلا استنفقها" (٢).
والله الموفق
ص:
٧٠٢ - وَتَخْلُفُ الفَاءَ إِذَا المُفَاجَأَةْ ... كَإِنْ تَجُدْ إِذَا لَنَا مُكَافَأَة (٣)
ش:
الفاء الواجبة المتقدم ذكرها: تخلفها (إذا) الفجائية؛ لأنها مثلها في عدم الابتداء بها، فكلاهما يدل على التعقيب.
ولا تستعمل (إذا) الفجائية إلا في الجملة الاسمية العارية عن الناسخ؛ لأن (إذا) الفجائية لا تدخل على غير الجملة الاسمية إلا قليلًا.
فمن نيابتها عن الفاء قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾.
وقول الشيخ ﵀: (كَإِنْ تَجُدْ إِذَا لَنَا مُكَافَأَةْ).
ولم يُحفَظ وقوع إذا الفجائية إلا بعد (إن)، و (إذا) من أدوات الشرط.
ومن الثاني: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾.
و (إذا): فاعل بـ (تخلف)، و (الفاء): مفعول مقدم.
والله الموفق
стр. 1725
ص:
٧٠٣ - وَالْفِعْلُ مِنْ بَعْدِ الجَزَا إِنْ يَقْتَرِنْ ... بِالْفَا أَوِ الوَاوِ بِتثْلِيْثٍ قَمِنْ (١)
ش:
الفعل المعطوف على الجزاء يجوز فيه ثلاثة أوجه:
١ - الجزم.
٢ - والرفع.
٣ - والنصب.
بشرط: أن يكون هذا الفعل مضارعًا مقرونًا بالفاء أو الواو، كما أشار إليه المصنف.
ويجوز كون الجزاء فعلًا أو غيره، فتقول: (إن تقم أقم وأكرمك) أو (فأكرمك)، بالأوجه الثلاثة في (أكرمك):
جزم عطفًا على الجواب.
ورفع على الاستئناف.
ونصب بـ (أن) مضمرة؛ لأن الجزاء غير محقق الوقوع.
و (أن) المصدرية للرجاء والطمع، فناسب العطف.
وأبو الفتح: يستضعف النصب.
والأوجه الثلاثة في (يغفر)، من قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾، ونصبه عن ابن عباس والأعرج.
وكذا قوله تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ﴾، فيما حكاه ابن هشام.
وكذا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ﴾.
стр. 1726
وقرأ طلحة بن سليمان: (تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرًا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعلَ لك)، بنصب (يجعل).
وقال الشاعر:
مَتَى ما تَلْقَني فَرْدَيْن تَرْجُفْ ... رَوانِفُ ألْيَتَيْكَ وتُسْتَطارَا (١)
فنصب (تستطارا) بـ (أن) مضمرة وسبق في الحال.
وظاهر كلام الزمخشري في "المفصل": جواز الأوجه الثلاثة مع (إذا)؛ نحو: (إن تأتي آتك وإذن أكرمك).
و (الفعل): مبتدأ، خبره: (قمن)؛ أي: حقيق، وجواب الشرط محذوف دل عليه خبر المبتدأ كما سيأتي.
ومعنى الكلام: والفعل من بعد الجزاء قمن بالتثليث أن يقترن بالفاء أو الواو.
والله الموفق
ص:
٧٠٤ - وَجَزْمٌ أوْ نَصْبُ لِفِعْلٍ إِثْرَ فَا ... أَوْ وَاوٍ إِنْ بِالْجُمْلَتَيْنِ اكْتُنِفَا (٢)
ش:
الفعل المكتنف بين الشرط والجواب؛ أي: المتوسط بينهما، إن كان مضارعًا .. جزم عطفًا على فعل الشرط, أو نصب بـ (أن) مضمرة وجوبًا؛ نحو: (إن يقم زيد ويخرج خالد أكرمك)، بجزم (يخرج) أو نصبه.
стр. 1727
ولا يرفع؛ لأن الرفع على الاستئناف، وليس بين الشرط والجزاء استئناف.
ومن الجزم، قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾، والجواب: (فأولئك).
ومن النصب قول الشاعرِ:
ومَنْ يَقترِبْ مِنَّا وَيخْضَعَ نُؤْوِهِ ... ................ (١)
بنصب (يخضع).
ولا يعطف هذا الفعل المتوسط بغير الفاء والواو، وإليه أشار بقوله: (إِثْرَ فَا أَوْ وَاوٍ انْ).
وأجاز الكوفيون: أن يعطف بـ (ثم)، ويشهد لهم قراءة الحسن: (ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى اللَّه ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على اللَّه)، بنصب (يدركه).
فإن عري الفعل من العاطف .. أعرب بدلًا أو حالًا:
فالأول كقول الشاعر:
مَتَى تَأتِنَا تلممْ بِنَا فِي دِيَارنَا ... تَجِد حَطَبًا جَزلًا وَنَارًا تَأَجَّجَا (٢)
стр. 1728
بجزم (تلمم) بدلًا من (تأتنا).
و (الجزل): بالجيم والزاي: ما غلظ من الحطب.
والثاني كقول الآخر:
مَتَى تَأْتِهِ تَعْشُو إِلَى ضَوْءٍ نارِه ... تَجِدْ خَيْرَ نارٍ عِندَهَا خَيرُ مُوقِدِ (١)
стр. 1729
فجملة (تعشو): في محل نصب على الحال من فاعل (تأته)، والتقدير: (متى تلقه عاشيًا تجد خير نار).
تنبيه:
- إذا توالى شرطان؛ فإن وجد عطف .. فالجواب للشرطين؛ نحو: (إن يقم زيد ويقعد عمرو أكرمك).
- وإن لم يكن عطف .. فالجواب للأول؛ نحو: (إن تقم إن تضحك أكرمك).
قال الشيخ في "الكافية": لأن الثاني حل محل ما لا جواب له وهو الحال، فالتقدير عنده: (إن تقم ضاحكًا أكرمك).
وقيل: الجواب للأول، وجواب الثاني: محذوف لدلالة الشرط الأول وجوابه عليه، وكأنه قيل: (إن تضحك فإن تقم أكرمك).
وقيل: الجواب للثاني، والشرط الثاني وجوابه: جواب الأول، وفيه حذف الفاء لغير ضرورة؛ لأنها تلزم حينئذ؛ كقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾، فالشرط الثاني وأجوبته: جواب الأول.
ومن توالي الشرطين في القرآن: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾.
فعلى كلام الشيخ ﵀: تكون (ولا ينفعكم) دليلًا على جواب الأول، والتقدير: (إن أردت أن أنصح لكم مرادًا غَيُّكُمُ لا ينفعكم نصحي).
ومنه أيضًا: ﴿إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾.
وقول ابن دريد:
стр. 1730
فَإِنْ عَثَرتُ بَعْدَهَا إِنْ وَأَلَتْ ... نَفسِي مَن هَاتَا فَقُولا لَا لَعَا (١)
أي: (فإن عثرت وائلة نفسي .. فقولا: لا لعا)؛ أي: (لا سلمت) وهي كلمة تقال للعاثر، وسبق في أسماء الأفعال.
وقول الآخر:
إِن يَستَغِيثُوا بِنَا إِن تُذعَرُوا تَجِدُوا ... ................... (٢)
أي: (إن يستغيثوا بنا مذعورين يجدوا كذا وكذا).
و (جزم): مبتدأ، والمسوغ: التفصيل، و (إثر فا): ظرف في موضع الصفة لقوله: (فعل) واكتفى بالبناء للمفعول.
واللَّه الموفق
стр. 1731
ص:
٧٠٥ - وَالشَّرْطُ يُغْنِي عَنْ جَوَابٍ قَدْ عُلِمْ ... وَالْعَكْسُ قَدْ يَأْتِي إِنِ المَعْنَى فُهِمْ (١)
ش:
يجوز أن يحذف الجواب ويستغنى عنه بالشرط.
لكن يشرط: أن يُعلم الجواب؛ إما بقرينة مذكورة قبل الشرط، أو غير ذلك؛ نحو: (أنت ظالم إن فعلت)؛ فالجواب محذوف لدلالة (أنت ظالم عليه)، والتقدير: (أنت ظالم إن فعلت فأنت ظالم)، وفي القرآن: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾، ﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ﴾ , ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾.
وقول الشاعر:
وَنُنكِرُ إِنْ شِئْنَا عَلَى النَّاسِ قَوْلَهُمْ ... وَلَا يُنكِرونَ القَولَ حِينَ نَقُولُ (٢)
стр. 1732
والمبرد والسيرافي والكوفيون: أن المتقدم هو الجواب.
ومِن حذف الجواب للقرينة المعلومة قوله تعالى: ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾، التقدير: (فافعل).
وكقولك: (مررت برجل ما شئت من رجل)، فحذف الجواب لدلالة الكلام عليه، والمعنى: (ما شئت من رجل فهو ذاك)، والجملة من الشرط، والجواب: صفة (لرجل) هذا هو الصحيح.
وقال الفارسي: (ما) مصدرية منعوت بها؛ أي: (مررت برجل مشيئتك من رجل).
ويشترط عند حذف الجواب والاستغناء عنه بالشرط: أن يكون الشرط ماضيًا، أو مضارعًا مجزومًا بـ (لم).
ولا يكون مضارعًا مثبتًا إلا في الشعر، نص عليه في "الكافية"، فلا يقال في النثر: (أنت ظالم إن تفعل).
وقد يغني خبر المبتدأ عن جواب الشرط, ويكون ذلك المبتدأ مذكورًا قبل الشرط, والخبر مذكورًا بعد الشرط؛ نحو: (أنت إن فعلت ظالم)، فـ (أنت). مبتدأ، و (ظالم): خبره، أغنى عن جواب الشرط.
стр. 1733
وفي القرآن: ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾.
ولا يضر وجود الناسخ كما في هذه الآية.
وقد يحذف مبتدأ هذا الخبر, بشرط: أن يكون مقدرًا بعد الشرط، كقولك: (من يضرب زيدًا ظالم)، التقدير: (فهو ظالم).
ومنه قوله:
.................. ... بَنِي ثُعَلٍ مَن يَنْكَعِ العَنزَ ظَالِمُ (١)
بكسر عين (ينكَعِ) لالتقاء الساكنين؛ أي: (فهو ظالم).
قال في الكافية:
وَرُبَّما أَغنَى عَنِ الجَزاءِ خَبَرْ ... سَابِقٌ أو مُؤَخّرٌ قَدِ استَتَرْ
يعني: (وربما أغنى عن جواب الشرط: خبر مبتدأ سابق على الشرط أو خبر مبتدأ محذوف مؤخر عن الشرط).
- وأشار بقوله: (والْعَكْسُ قَدْ يَأْتِي إِنِ المَعْنَى فُهِمْ): إلى أنه يجوز على قلة أن يحذف الشرط ويستغنى عنه بالجواب؛ كقوله:
فَطَلِقْها فَلَستَ لَهْا بِكُفْءٍ ... وإلَّا يَعْلُ مِفْرَقَكَ الحُسَامُ (٢)
стр. 1734
التقدير: و (إن لا تطلقها يعل مفرقك الحسام).
- وقد يحذف الشرط والجواب للعلم بهما مع (إنْ) خاصة ويكتفى بها؛ كقوله:
قَالَت بَنَات العم يَا سَلمَى وَإِنْ ... كَانَ فَقِيرًا مُعدَمًا قَالَتْ وَإِنْ (١)
أي: و (إن كان فقيرًا معدمًا أتزوج به).
تنبيه:
أجاز الكسائي والفراء: تقديم معمول الجزاء على أداة الشرط؛ نحو: (خيرًا إن تكرمْني تُصِب).
وأجاز الكسائي: تقديم معمول الشرط؛ نحو: (زيدًا إن لقيتَ فأكرِمه).
والمعتمد: خلاف ذلك كما سبق في الاشتغال.
واللَّه الموفق
стр. 1735
ص:
٧٠٦ - وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ... جَوَابَ مَا أَخَّرْتَ فَهْوَ مُلْتَزَم (١)
ش:
سبق أن جواب الشرط إما مجرد من الفاء, أو مقرون بها وجوابًا, أو جوازًا.
وأن إذا الفجائية قد تخلفها في الجملة الاسمية.
وأما جواب القسم:
* فإن كان مضارعًا مثبتًا .. قرن باللام والنون؛ نحو: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ , ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾.
- ويقل انفراد اللام؛ كقوله:
لَئِنْ تَكُ قَدْ ضَاقَتْ عَلَيكُمْ بُيُوتُكُم ... لَيَعْلَمُ رَبِّي أَنَّ بَيتِيَ وَاسِعُ (٢)
стр. 1736
وقول الآخر:
فَلَا وَأَبِي لَنَأْتِيهَا جَمِيعًا ... وَلَو كَانَت بِهَا عَرَبٌ وَرُومُ (١)
وسبق مفصلًا في نوني التوكيد.
- ولا نون مع حرف التنفيس؛ كـ (واللَّه لسوف يقوم زيد).
قال الشاعر:
فَوَرَبِّي لَسَوفَ يُجزَى الَّذِي أَسْـ ... لَفَهُ المَرءُ سَيِّئًا أَو جَمِيلا (٢)
- وكذا السين عند البصريين: كـ (واللَّه لسيقوم زيد).
- وكذا إذا أريد به الحال؛ كـ (واللَّه لأضربك الآن).
قال الشاعر:
يَمِينًا لأَبْغُضُ كُلَّ امْرِئ ... يُزَخْرِفُ قَولًا وَلَا يَفْعَلُ (٣)
стр. 1737
* وإن كان ماضيًا متصرفًا .. قرن باللام و (قد)؛ كـ (واللَّه لقد جاء زيد)، وفي القرآن: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾.
- وقد تنفرد اللام، كقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾.
ونحو قول الشاعرِ:
حَلَفْتُ لَهَا باللَّهِ حِلْفَةَ فَاجِرٍ ... لَنَامُوا فَمَا إِن مِنْ حَدِيثٍ وَلَا صَالِي (١)
стр. 1738
وقيل: إن (قد) مقدرة؛ أي: (لقد ناموا)
стр. 1739
- وقيل: إن قرب من زمن الحال .. أتى مع اللام بـ (قد)؛ للدلالة على التقريب،
стр. 1740
وإلا .. فاللام وحدها.
- وتنفرد (قد) عند الاستطالة؛ كقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾.
- وقد يحذفان إذا طال الكلام؛ كقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣) قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾.
وقال المبرد: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ﴾، هو الجواب.
وقيل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا﴾.
* وإن كان الماضي غير متصرف .. فاللام فقط؛ كقول الشاعر:
لَعَمرِي لَنِعمَ الفَتَى مَالِكٌ ... ..................... (١)
* وإن كان جملة اسمية قرن بـ (إنّ) المكسورة واللام؛ كـ (واللَّه إنّ زيدًا لقائم)، ويجوز: (قائم) بلا لام، ويجوز: (واللَّه لزيد قائم).
- وندر الخلو من اللام وإن؛ في قول الصديق رضي اللَّه تعالى عنه: "واللَّه أنا كنت أظلم منه".
واختلف في (لزيد قائم):
فالبصريون: لام الابتداء.
والكوفيون: لام قسم.
- وينفى جواب القسم بـ (ما) أو (إن) أو (لا)؛ نحو: (واللَّه ما يقوم، أو إنْ يقوم، أو لا يقوم زيد).
- ويلزم تكرار الجملة الاسمية في غير الضرورة، إذا نفيت بـ (لا) وكان مبتدؤها معرفة؛ كـ (واللَّه لا زيد في الدار وعمرو).
- وكذا لو قدم الخبر؛ كـ (واللَّه لا في الدار زيد ولا عمرو).
стр. 1741
- وشذت اللام في المنفي بـ (ما)؛ كقوله:
أما وَالَّذِي لَو شَاءَ لَم يَخلُقِ النَّوَى ... لَئِن غِبتِ عَن عَيْني لَمَا غِبتِ عَن قَلبِي (١)
- وقد يحذف حرف النفي للقرينة؛ كقوله تعالى: ﴿تَفْتَؤ﴾ الآية كما سبق في كان وأخواتها.
ونحو قول الشاعرِ:
فَإِن شِئتُ آلَيتُ بَينَ المَقَا ... مِ وَالرُّكنِ وَالحَجَرِ الأَسوَدِ (٢)
نَسِيتُكِ مَا دَامَ عَقلِي مَعِي ... أُمَدُّ بِهِ أَمَدَ السَّرمَدِ
أراد: (لا نسيتك).
- وشذ النفي بـ (لم)، و (لن).
ومن الثاني، قول أبي طالب:
وَاللَّهِ لَنْ يَصِلُوا إِلَيكَ بِجَمعِهِمْ ... ............... (٣)
стр. 1742
وسبق الكلام في حروف الجر على أحرف القسم وما يتعلق بها.
والحاصل:
أنه يجوز أن يجتمع الشرط والقسم ويكون الجواب للمتقدم منهما ويحذف جواب المتأخر لدلالة جواب الأول عليه:
- نحو: (واللَّه إن قام زيد لأكرمنّك)، بالتوكيد كما علم.
ومنه في القرآن: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾، واللام هنا موطئة للقسم؛ أي: (واللَّه لئن لم تنته لأرجمنك).
و (واللَّه إن قام زيد لا يقوم عمرو).
وفي القرآن: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ﴾.
ونحو: (واللَّه إن قام عمرو لسوف يقوم زيد)، و (واللَّه إن قام عمرو لزيد قائم)، و (واللَّه إن قام زيد ما أكرمتك)، وكل هذه الأجوبة للقسم؛ لأنه متقدم على الشرط.
- وتقول: (إن تقم واللَّه أقم)، و (إن يقم زيد واللَّه فيقوم عمرو)، و (إن تقم واللَّه فلن أكرمك)، وهذه الأجوبة للشرط؛ لأنه متقدم على القسم.
واللَّه الموفق
ص:
٧٠٧ - وَإِنْ تَوَالَيَا وَقَبْلُ ذُو خَبَرْ ... فَالشَّرْطَ رَجِّحْ مُطْلَقًا بِلَا حَذَرْ (١)
стр. 1743
ش:
إذا اجتمع شرط وقسم وسبقهما ذو خبر, يعني: مبتدأ .. رُجِّح الشرط, فيكون الجواب له, سواء قدم أو أخر؛ نحو: (زيد واللَّه إن قام أقم).
ويجوز أن تقول: (لأقومنَّ) ويكون جواب القسم.
وإنما رجح الشرط هنا؛ لأن سقوطه يخل بمعنى الجملة، إذ يصير التقدير: (زيد واللَّه أقم).
بخلاف: ما لو حذف القسم فلا يضر؛ كما تقول: (زيد إن قام أقم).
و (ذو): خبر مبتدأ، و (قبل): خبره.
ومنعه بعضهم كما سبق في الإضافة عند قوله: (واضمم).
واللَّه الموفق
ص:
٧٠٨ - وَرُبَّمَا رُجِّحَ بَعْدَ قَسَمِ ... شَرْطٌ بِلَا ذِي خَبَرٍ مُقَدَّمِ (١)
ش:
ربما رجح الشرط فكان الجواب له مع تأخره عن القسم وإن لم يتقدم ذو خبر؛ كقوله:
لَئِن مُنِيتَ بِنَا عَن غِبّ مَعرَكَةٍ ... لَا تُلفِنَا عَن دِمَاءِ القَومِ نَنتَفِلُ (٢)
стр. 1744
فاللام: للقسم، و (إن): شرط، والتقدير: (واللَّه لئن منيت).
وقوله: (لا تلفنا): مجزوم بحذف الياء على أنه جواب الشرط المتأخر، ولو كان للقسم .. لقيل: (لا تلفينا) بإثبات الياء، و (لا): نافية.
و (غبَّ الشيء): عقبه.
ويحتمل أنه للقسم، وحذف الياء ضرورة.
تنبيه:
سبق أن الجملة الواقعة جوابًا لشرط جازم متى اقترنت بالفاء .. كان لها محل؛ كـ (إن قام زيد فيقوم عمرو) فالجملة في محل جزم.
بدليل قراءة الكسائي: (ومن يضلل اللَّه فلا هادي له ويذرْهم) بالجزم عطفًا على محل، (فلا هادي له).
- وكذا المقرون بـ (إذا) الفجائية، نحو: (إن تجُد لنا إذا مكافأة).
- ومن التي لها محل: المصدرة بماض؛ كـ (إن قام زيد قام عمرو).
- والواقعة مضافًا إليه، نحو: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾.
- والواقعة بعد (إذ) و (حيث)؛ كـ (إد قام)، و (حيث قام).
- أو بعد (لما) عند الفارسي وغيره؛ لأنها عندهم ظرف بمعنى: (حين).
- والواقعة خبر المبتدأ، كـ (زيد قام أبوه).
- والواقعة خبرًا لناسخ؛ نحو: (إن زيدًا أبوه قائم)، وكقوله تعالى: ﴿كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾، ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾.
- والواقعة حالا؛ كـ (جاء زيد يضحك).
- ونعتًا؛ كـ (رأيت رجلًا يقرأ).
- أو مفعولًا؛ كـ (ظننت زيدًا يقرأ)، و (أعلمت زيدًا عمرًا أبوه قائم).
- أو محكية بالقول؛ نحو: (قال: إني عبد اللَّه) ومحلها نصب على المفعولية.
وأما التي ليس لها محل:
стр. 1745
- فالابتدائية؛ كـ (زيد قائم).
- والواقعة صلة اسم؛ كـ (الذي أكرمته).
- أو حرف؛ كـ (ود لو قام).
- والمعترضة بين القسم وجوابه، كقوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾، فجملة و (إنه لقسم لو تعلمون عظيم) هو الشاهد.
ومنع الفارسي: الاعتراض بجملتين، والآية حجة عليه، وكذا قول الشاعرِ:
لَعَمرُكَ والخُطُوبُ مُغَيِّرَاتٌ ... وَفِي طُولِ المُعَاشَرَةِ التَّقَالِي (١)
لَقَد بَالَيتُ مَظعَنَ أُمِّ أَوفَى ... وَلكِنْ أُمُّ أَوفَى لَا وتبالِي
- والواقعة بين الصفة والموصوف؛ نحو: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ في الآية أيضًا.
- أو بين الصلة والموصول؛ كقولِ الشاعرِ:
مَاذَا وَلَا عَتَبٌ فِي المَقدُورِ رُمْتِ أَمَا ... يُحظِيكِ بِالنُّجحِ، أَم خُسرٌ وَتَضلِيلُ (٢)
الأصل: (ماذا رمت).
- وكذا المفسرة على المشهور؛ كقوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ﴾، فجملة (هل هذا إلا بشر) مفسرة (للنجوى).
والزمخشري: أنها بدل من (النجوى)، فيكون لها محل وهو النصب، وسبقت في البدل.
والمفسرة: هي الكاشفة حقيقة ما تليه، وجعل منه أيضًا قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ آدَمَ
стр. 1746
خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ فجملة (خلقه) مفسرة.
وقيل: إن التفسيرية بحسب ما تفسره، ففي نحو: (زيدًا ضربته)، لا محل لها؛ لأن الذي فسرته كذلك، وفي نحو: (زيد أخاه أكرمته)، لها محل؛ لأن الذي فسرته كذلك، وهو للشلوبين ﵀.
- والواقعة جواب قسم؛ كقوله تعا لى: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.
- والواقعة جواب شرط غير جازم؛ نحو: (إذا) والولا)؛ كـ (لولا زيد لأكرمتك).
والواقعة جواب شرط جازم ولم تقترن بـ (الفاء)، ولابـ (إذا)؛ نحو: (إن جاء زيد يصب خيرًا)؛ فإن الفعل مجزوم لفظًا.
- وكذا الجملة التابعة للتي لا موضع لها؛ كـ (قام زيد وقعد عمرو)، فجملةُ (قعد عمرو) لا محل لها إن لم تكن الواو للحال.
- وكذا الواقعة بعد أداة التحضيض؛ نحو: (هلا أكرمت زيدًا).
وأما نحو: (زيد قام وقعد عمرو)؛ فإن قدرت الواو للحال .. فمحلها نصب، وإن عطفت على جملة (قام) .. فرفع، وإن عطفت على (زيد قام) ولا تشاكل فيه بعطف فعلية على اسمية .. فلا محل لها.
واللَّه الموفق
* * *
стр. 1747
فصل لو
ص:
٧٠٩ - لَوْ حَرْفُ شَرْطٍ فِي مُضِيٍّ وَيَقِلّ ... إيلَاؤهُ مُسْتَقْبَلًا لكِنْ قُبِلْ (١)
ش:
سبق أن (لو) تأتي:
• موصولة.
• وللتمني؛ كـ ﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾؛ أي: (فليت لنا كرة)، ولهذا نصب جوابها في ﴿فَنَكُونَ﴾، ومنه: (ودوا لو تدهن فيدهنوا) كما هي في مصحف أبي بن كعب.
• وللعرض؛ كـ (لو تنزل عندنا فتصيبُ خيرًا) ذكره في "التسهيل".
• وابن هشام اللخمي: تكون للتقليل، نحو: "اتقوا النار ولو بشق تمرة".
• وتكون شرطية: وهو المراد هنا، وأجود عباوة فيها أن يقال: (حرف يقتضى أمتناع ما يليه، واستلزامه لما يليه)؛ أي: استلزام ما يليه لتاليه، بمعنى: أن شرطها مثبتًا كان أو منفيًا يستلزم جوابها مثبتًا كان الجواب أو منفيًا، فتدل على امتناع الشرط خاصة، ولا دلالة لها على امتناع الجواب ولا على ثبوته.
وعن الشلوبين والخضراوي: لا تفيد امتناعًا ولا ثبوتًا، وإنما دلت على التعليق في الماضي، كما فى دلت (إنْ) عليه في المستقبل.
قيل: وهذا من أبكار الضروريات؛ إذ فهم الامتناع منها كالبديهي.
• وكثر فيها حرف امتناع لامتناع.
فابن الحاجب: امتناع الأول لامتناع الثاني؛ إذ الأول سبب، والثاني مسبب، والسبب قد يكون أعم من المسبب.
стр. 1748
والمشهور: عكس ذلك؛ نحو: (لو قام زيد .. لقام عمرو)، فقيام زيد محكوم بانتفائه، وثبوته مستلزم لحصول قيام من عمرو.
• وإذا وقع بعدها نفي ... كان إثباتًا، وعكسه.
والشرط في ذلك: كالجواب.
وهذا حكم أغلبي؛ لأن جوابها قد يكون لازم الوجود في جميع الأزمنة، فيلزم استمراره وبقاؤه على الحالة التي هو عليها نفيًا كانت أو غيره؛ نحو: (لو ترك العبد سؤال ربه لأعطاه)، فالجواب حاصل على كل حال سواء حصل الأول أو لا.
ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾، فعدم النفود حاصل أبدًا على كل حال.
وقول عمر ﵁: "نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه"، فعدم العصيان حاصل في حقه على كل حال.
ومن هنا قال بعضهم: ضابط هذه المسألة: أن يكون لجوابها سبب آخر غير الأول، فعدم العصيان له سبب آخر غير الخوف، وهو الإجلال والتعظيم؛ لأن الخواص لو انتفى خوفهم ما عصوا اللَّه تعالى إجلالًا له.
فمعنى (لو لم يخف لم يعصه): (خاف فلم يعص)؛ لأن الأول منفي فهو مثبت، والثاني باق على ما هو عليه؛ لأن له مسببًا آخر غير الأول: وهو الإجلال.
• والكثير في (لو) الشرطية أن تليها العاضي باقيًا على مضيه؛ نحو: (لو قام زيد أمس لأكرمته).
بخلاف (إن) الشرطية؛ فالماضي بعدها: مستقبل في المعنى؛ كـ (إن قام زيد)، المعنى: (إن يقم زيد).
إلا (كان) فهي على حكمها، لعراقتها في المضي.
ويقل أن يليها مستقبل؛ كما قال: (ويَقِلّ إيْلَاؤهُ مُسْقبَلًا لكِنْ قُبِلْ)؛ لورود السماع به، وحينئذ ترادف (إن) فيؤول الماضي بعدها بمستقبل، نحو: (لو جاء زيد لأكرمته)، المعنى: (لو يجيء زيد لأكرمته)، قال تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ﴾ فهذا ونحوُه وإن كان ماضيًا .. المراد به: الاستقبال، فتقديره: (لو يتركون)، وهو للمصنف ﵀.
стр. 1749
وقال الزمخشري: (لو شارفوا أن يتركوا).
وعلى القولين: فجوابها: (خافوا عليهم).
• ويليها المستقبل لفظًا باقيًا على ستقباله؛ نحو: (لو يأتيني زيد غدًا أكرمته)، ومنه قولُ الشاعرِ:
وَلَو تلتَقِى أَصدَاؤُنا بَعدَ مَوتِنَا ... .................... (١)
• وقد يليها المضارع ويؤول بالماضي وسيأتي ذكره.
واللَّه الموفق
ص:
٧١٠ - وَهْيَ فِي الاخْتِصَاصِ بِالْفِعْلِ كَإِنْ ... لكِنَّ لَوْ أَنَّ بِهَا قَدْ تَقْتَرِنْ (٢)
стр. 1750
ش.
(لو) مختصة بالفعل، مثل: (إن) الشرطية، وقد يليها اسم ظاهر فيكون معمولًا لفعل محذوف؛ كقول عمر ﵁: "لو غيرك قالها يا أبا عبيدة"؛ أي: (لو قالها غيرك).
وقول الآخر: (لو ذات سوار لطمتني) (١).
وقول الشاعر:
أَخِلَّاي لَو غَيرُ الحِمَامِ أَصَابَكُم ... ........................... (٢)
أي: (لو أصابكم غير الحمام أصابكم).
وفي القرآن: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ﴾ الآية، فـ (أنتم): فاعل لمحذوف أيضًا، والتقدير واللَّه أعلم بمراده: (قل لو تملكون)، فحذف الفعل فانفصلت الواو، فصارت: (أنتم)،
стр. 1751
و (تملكون) الظاهر: مفسر للمحذوف.
والأحسن: أن يكون الأصل: (قل لو كنتم تملكون)، فحذفت كان فانفصل الضمير، نص عليه أبو حيان في "البحر".
ونحو قولك: (لو زيدًا رأيته لأكرمته)؛ أي: (لو رأيت زيد رأيته).
وهو أيضًا جائز مع (إن) الشرطية؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ كما علم.
- وندر في (متى) الشرطية؛ كقولِ الشاعرِ:
فَمَتى واغلٌ آتَاهُم يُحَيُّو ... هُ وتُعْطَف عَلَيهِ كَأسُ السَّاقِي (١)
أي: (ومتى أتاهم واغل أتاهم).
بالبناء للمفعول في (ألقيت) وهو من لحن المتنبي.
وقيل: التقدير: (لو حصل قلم).
وقول الآخر:
لَوْ بِغَيرِ المَاءِ حَلْقِي شَرِقٌ ... .................... (١)
стр. 1754
بكسر الراء من (شَرِق) وهو صفة مشبهة.
أكفيك العرب كلها ما خلا بني أبي.
فأدخلهم واحدًا واحدًا على كسرى، وهو يسألهم، ويجيبونه بما قال لهم عدي بن زيد.
ثم أدخل النعمان على كسرى بعد إخوته، وكان أزراهم منظرًا، وقال له: إذا قال لك الملك: أتكفيني العرب كلها؟ فقل: نعم أكفيك العرب كلها.
فإذا قال: وتكفيني بني أبيك؟
فقل: إذا لم أكفك بني أبي .. فكيف أكفيك العرب كلها؟!
فسأله كسرى، فقال له كما قال له عدي.
فولاه على جميع العرب بسبب عدي ولطف احتياله.
وكان عدي بن مرينا مع بعض إخوة النعمان، وكان يبغض عديًا ويحسده، فجعل عدي بن مرينا يقع في عدي بن زيد عند النعمان ويحمله عليه ويقول للنعمان: إنه يحقرك ولا يعرف قدرك، ولا آمن أن يشي بك إلى كسرى.
فغضب النعمان من ذلك وبعث إلى عدي بن زيد يستزيره، فأتاه عدي، فأمر النعمان بحبسه والتضييق عليه، فقال في السجن أشعارًا كثيرة يستعطف النعمان فيها، منها قوله:
أبْلِغ النّعْمَانَ عَنِّي مَالَكًا .... أنَّه قَدْ طَالَ حَبْسي وَانتِظَارِي
لَوْ بِغَيْرِ المَاءِ حَلْقِي شَرق ... كُنْت كالغِصان بِالمَاءِ اعتِصَارِي
قَاعِدًا يَكرب نَفْسِي بَثَّهَا ... وَحَرَامًا كانَ حَبْسِي وَاحْتِقَارِي
وقال:
أَلا مَن مُبْلِغَ النّعْمَانَ عَنِّي ... وَقَد تُهْدَى النَّصِيحَة بِالمَغِيبِ
أَحَظِّي كَانَ سِلْسِلَةً وَقَيْدًا ... وَغِلًا وَالبَيَانُ لَدَى الطَّبِيبِ
أتَاكَ بِأَننِي قَد طَالَ حَبْسي ... فَلَم تَسْأَم لِمَسْجُون غَريبِ
وَبَيْتي مُقْفِرُ الأرْجَاءِ فِيهِ ... أَرَامِل قَدْ هَلَكْنَ مِنَ النَّحِيبِ
يُبَادِرْنَ الدُّمُوعَ عَلى عدي ... كَشِنٍّ خَانَهُ خَرْزُ الرَّبِيبِ
يُحَاذِرْنَ الوُشَاةَ عَلَى عدي ... وَمَا قَرَفوا عَلَيْهِ مِنَ الذُّنُوبِ
فَقَد أَضْحَى إِلَيْكَ كَمَا أَرَادُوا .... وَقَد ترجى الرَّغَائب مِ المُثيبِ
فَإِن أَخطَأتُ أَو أوهمْتُ أمرًا ... فَقَد يَهِمُ المصَافِي بِالحَبِيبِ
وَإِن أَظلم فَقَد عَاقَبْتُمُونِي .... وَإِن أُظلَم فَذَلِكَ مِن نَصِيبِي
فَهَل لَكَ أَن تدارِك مَا لَدَيْنَا ... وَلَا تَغلِب عَلَى الرَّأيِ المُصِيبِ
فَإِنِّي قَد وَكلتُ اليَومَ أَمْرِي ... إِلَى رَبٍّ قَريبٍ مُستَجِيبِ
стр. 1755
وابن خروف: على أن (كان) الثانية: محذوفة؛ أي: (لو كان حلقي شرق)، فاسم (كان): ضمير الشأن، و (حلقي شرق): جملة في موضع الخبر.
والفارسي: أن (حلقي) فا عل لمحذوف، و (شرق): خبر لمحذوف، أي: (لو شرق حلقي بغير الماء فهو شرق)، وفيه وقوع جوابها جملة اسمية.
وبه قال أبو البقاء: في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾، فـ (لَمَثُولَةٌ): مبتدأ، و (مِّنْ عِندِ اللهِ): في موضع الصفة له، و (خَيْرٌ):
فلما بعث إلى النعمان بأشعاره .. رق له وندم على ما جاء منه، فخشي أن يخلي عنه فيمكر به، وقد عرف ذنبه إليه، فتركه حتى جاءه كتاب من كسرى في أمر عدي فقطع به، فأمر حرس السجن بقتل عدي فقتلوه، وقال: إنه كان يتشكى.
وأمر رسولي كسرى أن يدخلا السجن، فدخلا عليه وهو ميت، وأعطاهما النعمان ذهبًا ليحسنا عذره عند كسرى، ففعلا.
وكان لعدي بن زيد ولد يقال له: زيد بن عدي، وكان أديبًا عاقلًا، فتوصل زيد بن عدي إلى كسرى حتى أحله محل أبيه، ثم جعل زيد بن عدي يذكر نساء آل المنذر بالجمال والأدب، ويصفهن لكسرى ويرغبه فيهن، حتى اشتاق إلى النكاح منهن، فقال زيد بن عدي: ابعث أيها الملك إلى النعمان في نكاح بعض بناته، وما أظنه يجيبك إلى ذلك احتقارًا لك.
فكتب كسرى إلى النعمان كتابًا في بعض بناته، وأرسل رسولين، ومعهما زيد بن عدي.
فلما دخلوا على النعمان .. قرأ الكتاب، فقال له النعمان: وما يصنع الملك بنسائنا؟ وأين هو عن مها السواد؟ - وَالمَهَا: البقر الوحشية. والعرب تشبه النساء بِالمَهَا.
فحرف زيد القول وقال: إنه قال: أين هو عن البقر لا ينكحهن.
فطلب كسرى النعمان، فهرب منه حينًا، ثم بدا له أن يأتيه بالمدائن، فأتاه. فلقيه زيد بن عدي، فقال له: انج نُعيم، بالتصغير.
فقال النعمان: لألحقنك بأبيك: قال زيد بن عدي: إني قد شددت لك أخية لا يقطعها المُهر الأرن.
فأمر كسرى، فصف له ثمانية آلاف جارية صفين، فلما صار بينهن .. قلن: أما للملك فينا غنى عن بقر السواد.
فعلم النعمان أنه غير ناج منه، ثم أرسل إليه: أنت القائل: عليك ببقر السواد؟
فأرسل إليه النعمان يعتذر، فأبى أن يقبل منه، وأمر به فبطح في ساباط الفيلة، فوطئته حتى مات. فقال الأعشى يذكر أبرويز:
هو المُدخل النعمان بيتًا سماؤه ... نحور فيولٍ بعد بيت مسردق
وفني ملك آل المنذر، وولي كسرى إياس بن قبيصة الطائي، فوليها ثمانية أشهر، ثم مات إياس بعين التمر، واضطرب آل كسرى وضعف ملكهم، وظهر الإسلام.