وإذا اجتمعت الهاء والكاف .. امتنعت اللام؛ كما قال: (وَاللامُ إنْ قَدَّمْتَ "هَا" مُمْتَنِعَهْ).
* فلا تقول: (هذالك).
* بل: (هذاك)؛ لأَنَّ الهاء لل تنبيه ، واللام كذلك عَلَى ما قيل، فلا يجتمع تنبيهان.
وفي "البسيط": لَا يقال: (هذالك)، لأَنَّ اللام عوض من حرف التنبيه، فلا يجمع بَينَ العوض والمعوض.
وقيل: كراهة الاستطالة.
والمشهور: أن هذه اللام دليل البعد.
وقيل: عماد.
ويجوز فصل هاء التنبيه بضمير الشأن؛ (ها أنت ذا، ها أنتما ذان)، ﴿هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾.
تنبيه:
الكاف اللاحقة لاسم الإشارة تختلف باختلاف المخاطب:
* فإذا أشرت إِلَى واحد بعيد وخاطبت مفردًا مذكرًا .. قلت: (اضرب ذلكَ الشخص) بفتح الكاف، قال تعالَى: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾.
* وإن خاطبت مثنَّى .. قلت: (اضربا ذلكما الشخص)، منه في القرآن: ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾.
стр. 212
* وإن كان جمعًا مذكرًا .. قلت: (ذلكم الشخص)، منه في القرآن: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾.
* وإن كان مفردًا مؤنثًا .. قلت: (اضربي ذلكِ الشخص) بكسر الكاف، منه في القرآن: ﴿قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾.
* وإن كان مثنَّى .. فكما مر في المثنَّى المذكر.
* وإن كان جمعًا مؤنثًا .. قلت: (اضربن ذلكن الشخص)، منه في القرآن: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ والمخاطب نسوة، والمشار إِليه يوسف ﵊.
وتقول: (اضرب يا زيد تلك المرأة، واضربا يا زيدان تلكما المرأة)، قال تعالَى: ﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾.
ويجوز أن يقال للذكور: (اضربوا ذلكَ الشخص) بفتح الكاف، منه في القرآن: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾، وهي لغة بعض العرب.
وقال بعضهم في: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾: إنه أريد واحد من الجماعة لجلالته بالخطاب، والمراد: (له ولهم).
وتقول: (اضرب ذينك الرجلين يا زيد، واضرب تينك المرأتين يا بكر، واضربوا أولئكم الرجال يا زيدون، واضربوا أولئكن النسوة)، وقس عليه ما لم يذكر.
والكاف في: (ذلكما) للخطاب كما سبق، والميم والألف: علامة التثنية.
والكاف في: (ذلكم) للخطاب، والميم علامة الجمع.
وفي (أولئكم) كذلك.
والكاف أيضًا حرف في: (أولئكن)، والنون علامة الجمع المؤنث.
والمشار إِليه عند المصنف: رتبتان، قربى، وبعدى.
والجمهور: ثلاث رتب، قربى، ووسطى، وبعدى.
* فيشار للقريب عندهم -غير المصنف- بما ليس فيهِ كاف ولا لام؛ نحو: (ذا، وتا).
كـ (اجلس هنا)، ويسبقها هاء التنبيه (ههنا).
وربما جاءت في الزمان؛ كَقولِهِ تعالَى: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ﴾، أَي: يوم الأحزاب.
﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ﴾؛ أَي: يوم القيامة.
ومنه قولُ الشَّاعرِ:
وَإَذَا الأُمُورُ تَشَابَهَتْ وَتَعَاظَمَتْ ... فَهُنَاكَ يَعْتَرِفُونَ أَينَ المَفْرَعُ (١)
وللبعيد عند الشيخ ﵀: (هنالك)، أَو: (هناك).
والجمهور: (هناك) للمتوسط، و (هنالك) للبعيد كما علم.
* وِمن أسماء الإشارة: (ثَمَّ) للبعيد، قال اللَّه تعالَى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾.
وهو ظرف، وغلط من أعربها مفعولا في هذه الآية.
وقرئ: (إِلينا مرجعُهم ثَمَّ اللَّهُ شَهيدٌ)؛ أَي: هنالك اللَّه شهيد.
* ومثلها: (هَنَّا) بفتح الهاء وكسرها وتشديد النون.
стр. 215
ولا يلحقهما كاف ولا لام.
تنبيه:
قَد تتصل هذه الكاف الحرفية بـ (أرأيت) ونحوه؛ كقولك: (أرأيتَكَ يا زيد، وأرأيتَكِ يا هند، وأرأيتَكما يا زيدان، وأرأيتَكم يا زيدون)، فتبقَى هذه التاء مفتوحة دائمًا، وتختلف الكاف باختلاف المخاطب، وفي القرآن: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ﴾ .. الآية.
فالبصريون: أن التاء فاعل، والكاف حرف جيء بها لتوكيد الخطاب لَا موضع لها، ولهذا قال أبو الفتح في: (أرأيتك زيدًا ما صنع؟) أن (زيدًا) هو المفعول الأول، و (ما صنع؟) في موضع المفعول الثاني.
ولا تكون الكاف اسمًا، لأَنَّ السؤال إِنما هو عن زيد في صفته، ولست تسأل عن المخاطب ما صنع. انتهَى.
والفراء: أن التاء حرف خطاب، وليست باسم، والكاف: هي الفاعل.
والكسائي: أن الكاف مفعول، ويلزمه أَن يكونَ المعنَى: (أرأيتك نفسك).
قال الزمخشري: وهو خُلْفٌ.
وقال مكي: لو كان الكاف اسمًا في (أرأيتك زيدًا ما صنع؟) .. لوجب أَن يكونَ معناه: (أرأيتك نفسك زيدًا ما صنع؟)؛ لأَنَّ الكاف هي المخاطب، وهذا الكلام محال في المعنَى، ومتناقض في الإعراب. انتهَى.
وقال ابن بابشاذ: ليست التاء للخطاب، والخطاب: في الكاف، ويدل عَلَى تجرد التاء من الخطاب: إِفرادُها عَلَى كل حال، وإلزامها الفتح مطلقًا. انتهى.
وندرت الكاف في: (هنّاك) بتشديد النون في الإشارة للبعيد.
وأندر منه: اتصالها في نحو: (نعمّك الرجل زيد، وكلّاك، وليسك).
واللَّه الموفق
* * *
وقال بعضهم: لَا تكون موصولة، وأعربها شرطية، فقال: حذف مفعول ﴿يَوَدُّ﴾ في الآية، وحذف أيضًا جواب ﴿لَوْ﴾، والتقدير: يود أحدهم التعمير لو يعمر .. لسره ذلك، واللَّه أعلم بمراده.
* وتوصل (ما) بماض منصرف، أَو بمضارع منفي؛ فهي: مصدرية في نحو: (يعجبني ما ضربت)، ومصدرية ظرفية في نحو: (لَا أكلمك ما لم تضرب زيدًا)؛ أَي: في مدة عدم ضربك زيدًا.
وقلَّ: وصلها بالمضارع المثبت؛ كَقولِهِ:
أُطَوِّفُ مَا أُطَوِّفُ ثُمَّ آوِيْ ... ......................... (١)
ص:
٩٠ - وَالنُّوْنُ مِنْ ذَيْنِ وَتَيْن شُدِّدَا ... أَيْضًا وَتَعْوِيضٌ بِذَاكَ قُصِدَا (١)
ش:
تشدد النون أيضًا في المثنَّى من أسماء الإشارة نحو: (ذانّ، وتانّ)، وقرئ: (فذانِّك برهانان من ربك) بالتشديد.
ويجوز مع الياء عند الكوفيين؛ نحو: (ذينّ، وتينّ)، وهذا التشديد لغة قيس وتميم، والمقصود به: التعريض عن المحذوف كما سبق.
وقد عُلِم: أن المحذوف من اسم الإشارة: لام الكلمة كما سبق في محله.
والمحذوف من الموصول: الياء، كما عُلم.
وإنما ذكر المصنف: (ذين، وتين) في هذا الباب؛ لاشتراكهما مع (اللَّذَين، واللَّتَين) في جواز التشديد.
وقيل: إِنما شددت النون في اسم الإشارة؛ نحو: (ذانّ)؛ للفرق بينها وبين النون التي تحذف للإضافة في نحو: (جاء غلاماك).
وقيل غير ذلك.
واللَّه الموفق
стр. 226
ص:
٩١ - جَمْعُ الَّذِي الأُلَى الَّذِيْنَ مُطْلَقَا ... وَبَعْضُهُمْ بِالْوَاوِ رَفْعًا نَطَقَا (١)
٩٢ - بِاللَّاتِ وَاللَّاءِ الَّتِي قَد جُمِعَا ... وَاللَّاءِ كَالَّذِيْنَ نَزْرًا وَقَعَا (٢)
ش:
يقول: إِن (الأُلى، والذين) جمعان للذي، وهو اصطلاح لغوي؛ لأَنَّ (الأُلى) اسم جمع، وَكذَا: (الذين)، واسم الجمع: لَا واحد له من لفظه؛ كـ (قوم، ورهط).
فـ (الذين): للذكور العقلاء؛ كـ (جاء الذين فعلوا).
و (أُلى) كـ (جاء الأُلى فعلوا).
وقد يجيء (الأُلى) في المؤنث الَّذي لَا يعقل؛ كقولِهِ:
وَتُبلِي الأُلَى يَستَلْئِمُونَ عَلَى الأُلَى ... تَرَاهُنَّ يَوْمَ الرَّوعِ كَالْحِدَأِ القُبْلِ (٣)
стр. 227
فالتي بدأ بها: للذكور العقلاء عَلَى الأصل؛ بدليل: (يستلئمون)؛ أَي: يلبسون اللأمة في الحرب وهي الدرع، والثانية: وقعت موقع اللاتي، والمراد بها: خيول الحرب.
والحدإ: جمع حدأة وهو الطائر المعروف. والقُبْلِ: بضم القاف: التي في عينها قَبَل بفتحتين.
وقوله: (مُطْلَقَا) معناه: أن لفظ (الذين) بالياء في الأحوال الثلاث.
وبنو هذيل وأسد يقولون في الرفع: (اللذون) وفي غيره: (الذِينَ)؛ لأنهم يشبهونه بصفات من يعقل؛ قال شاعرهم:
نَحْنُ اللَّذُونَ صَبَّحُوا الصَّبَاحَا ... ................ (١)
стр. 228
وإليه أشار بقوله: (وَبَعْضُهُمْ بِالْوَاوِ رَفْعًا نَطَقَا).
وبعض بني هذيل يستعمله في: (اللائين) وهو جمع (اللاء) بمعنَى: (الذين عندهم).
وقيل: جمع (الَّذي) فيقولون: (اللاؤون) رفعًا، و (اللائين) نصبًا وجرًا.
وبعضهم يقول: (اللائين) مطلقًا.
والجمع المؤنث له: (اللائي)، و (اللاء) بإثبات الياء وحذفها؛ كـ (جاء اللائي واللاء فعلن).
وفي القرآن: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾.
وكلاهما جمع (التي) جمعا لغويًا كما سبق، وهذا معنَى قوله: (بِاللاتِ وَاللَّاءِ الَّتِي قد جُمِعَا).
* وجاء (اللاء) في الشعر بمعنَى (الذين) نزرًا؛ أَي: قليلا؛ كقولِهِ:
стр. 229
فَمَا آبَاؤُنَا بِأَمَنَّ مِنهُ ... عَلَينَا الـ ءِ قَد مَهَدُوا الحُجُورَا (١)
ولو أُريدَ المؤنث .. لقيل: (مهدنَ الحُجورا).
* و (اللوات) بمعنَى: (اللات، واللاء).
وقد يقال:
* (اللَّوَا، واللَّا) مقصورين.
* و (اللواء): بالمد، و (اللات): بكسر التاء.
* أَو معربًا إِعراب (اللات)؛ كما في "التسهيل".
وقد يمد (الألى) بمعنَى (الذين)، قال الشَّاعر:
أَبَى اللَّهُ للشُّمِّ الأُلَاءِ كَأَنَّهُم ... ................... (٢)
стр. 230
وقد يحذف "أل" من (لَذين)، وسمع أبو عمرٍو أعرابيًا يقرأ: (صراط لذين أنعمت عليهم).
تنبيه:
يجوز استعمال (التي) في موضع جمعِهِ؛ كـ (قام الهنود التي في الدار)؛ لأَنَّ جمع التكسير بمنزلة المفرد.
ويقع (الَّذي) موقع (الذين) كثيرًا، وفي القرآن: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾.
ونحوَ قولِ الشَّاعرِ:
وإِنَّ الَّذِي حَانَت بِفَلجٍ دِمَاؤُهُم ... هُمُ القَومُ كُلَّ القَوْمِ يَا أُمَّ مَالِكِ (١)
стр. 231
وحانت: بالمهملة؛ أَي: هلكت وفلج: اسم موضع.
وقيل: إن الموصول في نحو هذا: أريد به الجنس، فلفظه: مفرد، ومعناه: الجمع.
وقيل: حذف الموصوف؛ أَي: الفريق الَّذي، أَو القوم الَّذي.
وقيل: إن هذا لَا يكونَ إِلَّا إِذا أريد به الجزاء والتخصيص بالحكم، فلما حانت بفلج دماؤهم .. جُوْزوا بأن قيل في حقهم: (هم القوم كل القوم) ونحو ذلك.
وفي "سر الصناعة": الأصل (الذين)، فحذفت النون، واستَشهَدَ بقولِ الشَّاعرِ:
إِلَّا الَّذِيْ قَامُوا بأَطْرَافِ المَسَدْ ... ........................... (١)
يريد: (الذين).
стр. 232
وقولِ الآخرِ:
أُولئِكَ أَشيَاخِي الَّذيْ تَعرِفُونَهُم ... لُيُوثٌ سَعَوا يَومَ النَّبِيِّ بِفَيلَقِ (١)
يريد (الَّذين تعرفونهم).
وقال العيني: إنها لغة هذيل.
وبعضهم يجعله ضرورة؛ لأَنَّ بعض الكلمة يحذف في الشعر:
مَيسُورةٌ قَضَاؤُهَا مِنهُ وَمِنْ ... .................. (٢)
أَي: ومنِّي.
وقولِ الآخرِ:
ش:
من الموصولات: أسماء تستعمل بمعنى (الَّذي، والتي) وتثنيتهما وجمعهما، فتساوي جميع ما مر، وهي: (مَن، وما، وأل).
نحو: (جاءني مَن أخذ، ومَن أخذَتْ، ومَن أخذا، ومَن أخذتا، ومَن أخذوا، ومَن أخذن).
وتقول في (ما): كذلك؛ نحو: (جاءني ما أخد، وما أخذَتْ) ... إِلَى آخره.
وَكذَا: نحو: (جاءني الآخذ، والآخذة، والآخدان، والآخذتان).
والصحيح: أن (أل) هذه: اسم موصول يعود الضمير عليها؛ كـ (جاء الضاربها)، وهو لابن السراج والرماني وابن معط.
وذهب المازني والأخفش والفارسي: إِلَى أنها حرف موصول؛ لأَنَّ العامل يتخطاها في نحو: (جاء الضارب، ومررت بالضارب) فلا يعمل فيها، وإنما يعمل في مدخولها.
وقد يجاب: بأن (أل) لما لم يظهر فيها إِعراب لكونها عَلَى صورة الحرف .. جعل إِعرابها فيما بعدها.
وقيل: هي عندهم حرف تعريف.
وبعضهم: لَا يكونَ حرف تعريف إِلَّا إِذا كان مدخولها مقتضيًا للدوام والاستمرار؛ كـ (الحسن الوجه).
وقال الشلوبين ما معناه: أنها لو كانت اسمًا .. لكانت فاعلا في نحو: (جاء الضارب) ولم يتأثر مدخولها بالعامل؛ حملا عَلَى: (جاء الَّذي يضرب).
وقد يجاب أيضًا: بأن (الضارب) مفرد في اللفظ، فتأثر بالعامل، بخلاف (يضرب).
أَو لأنها صارت كبعض أح. رف الكلمة، وإذا امتزج الحرف بالكلمة حتَّى
стр. 235
صار كبعض أحرفها .. تخطاه العامل:
* كأداة التعريف في نحو: (جاء الرجل).
* وما المزيدة؛ نحو: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾.
* وهاء التنبيه؛ نحو: (مررت بهذا).
و (من، وما) اسمان في هذا الباب كما ذكر.
واختلف في (ما المصدرية):
فالأخفش وابن السراج: أنها اسم، وهي موصولة.
ويردُّه: أنه لم يَعُدْ عليها ضمير في نحو: (أعجبني ما قمت، وسرني ما ذهبت)، ولم يُسمع: (أعجبني ما قمته، وسرني ما ذهبته).
والأكثرون: أنها حرف.
* وأكثر ما تستعمل (مَن) في العاقل؛ كقوله تعالَى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾؛ ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ﴾.
وتكون في غيره قليلا؛ كقول الشَّاعر:
أَسِربَ الَقطَاهَل مَن يُعِيرُ جَنَاحَهُ ... لَعَلِّي إِلَى مَن قَد هَوِيْتُ أَطِيرُ (١)
стр. 236
فلما خاطبه .. نزّله منزلة من يعقل.
وأجازه قطرب بلا شرط.
واستحسنوها في غير العاقل إِن كان تفصيلا من جملة، ومنه: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾.
* والكثير في (ما) أن تكون:
لغير العاقل، وفي القرآن: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾.
أَو للمبهم أمرُهُ؛ نحو: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾.
وقد يجيء في العاقل، وفي القرآن: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾.
وإذا اختلط العاقل مع غيره .. فلك الخيار؛ نحو: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
وفي "الإتقان": إنه لما كانت (ما) أكثر وقوعًا في الكلام، وما لَا يعقل أكثر ممن يعقل .. فأعطوا ما كثر للكثير، وما قل للقليل؛ للمشاكلة.
* و (أل) للعاقل وغيره.
وإذا روعي معنَى (مَن) .. أعيد الضمير فيها مطابقًا؛ كَقولِهِ تعالَى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾، ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ﴾.
ونحو قولِ الشَّاعرِ:
................... ... نَكُنْ مِثْلَ مَن يَا ذِئبُ يَصطَحِبَانِ (١)
ولو راعَى اللفظ .. لقال: (يصطحب).
стр. 237
وإذا روعي اللفظ .. أعيد الضمير مفردًا؛ كقولك في المثنَّى أَو الجمع: (أعط من قام).
فإن روعي المعنَى .. قيل: (من قاما ومن قاموا).
وأشار بقوله: (وَهكَذَا ذُو عِنْدَ طَيِّئٍ شُهِرْ) إِلَى أن (ذو) من الموصولات أيضًا عند طيء، للعاقل وغيره.
وأكثر ما يستعملونها: مبنية لازمة الواو في الأحوال الثلاث، بلفظ واحد في الإفراد والتثنية والجمع؛ كـ (جاءني ذو ضرب، وذو ضربَتْ، وذو ضربا، وذو ضربتا، وذو ضربوا، وذو ضربنَ).
وهي بمعنى:
* (الَّذي) في قولِهِ:
وَمِن حَسَدٍ يَجُورُ عَلَيَّ قَومِي ... وَأَيُّ الدَّهْرِ ذُو لَم يَحْسُدُونِي (١)
* وبمعنَى (التي) في قولِهِ:
стр. 238
فَإِنَّ المَاءَ مَاءُ أَبِيْ وَجَدِّيْ ... وَبِئْريْ ذُوْ حَفَرْتُ وَذُوْ طَوَيْتُ (١)
وحكَى ابن جني في "المحتسب"، وابن درستويه في "الإرشاد": أن بعضهم يعربها إِعراب (ذو بمعنَى صاحب) قالَ الشَّاعرُ:
فَإِمَّا كِرَامٌ مُوسِرُون رَأَيتُهُمْ ... فَحَسْبِيَ مَن ذِيْ عِندَهُمْ مَا كَفَانِيَا (٢)
стр. 239
ومن البناء: قول بعضهم: (لَا وذو في السماءِ عرشُهُ)؛ أَي: (لَا والذي في السماء عرشه).
وروي: (لَا وذي في السماء عرشه) عَلَى الإعراب.
стр. 240
وحكي أنها تثنَّى وتجمع: كـ (جاءني ذوا قاما)؛ أَي: اللذان قاما، و (ذوو قاموا)؛ أَي: اللذين قاموا.
وأشار بقوله: (وَكَالَّتِي أيضًا لَدَيْهِمْ ذَاتُ) ... إِلَى آخره: إلى أن مِن طَيّءٍ من يقول:
في المفرد المؤنث: (ذات).
وفي الجمع المؤنث: (ذوات).
ومنه: (والكرامة ذات فضلكم اللَّه بَهْ) بفتح الموحدة وسكون الهاء، فـ (ذات) موصولة بمعنَى (التي).
والأصل: (التي فضلكم اللَّه بها) فحذف الألف وحركت الباء بحركة الهاء وهي الفتحة.
قال في "الكافية" وهي من لغة طيء أيضًا.
ومن ورود (ذوات) بمعنَى (اللاتي) قولُهُ:
جَمَعتُها مِنْ أَيْنُقٍ مُوَارِقِ ... ذَوَاتَ يَنهَضْنَ بِغَيرِ ساَئِقِ (١)
وتستعمل (ذاتُ، وذواتُ) بالبناء عَلَى الضم وهو المشهور.
стр. 241
وحكي إِعرابهما إِعراب (ذات، وذوات) بمعنَى صاحبة وصاحبات، فيرفعان بالضمة، ويجران بالكسرة، وتنصب ذات بالفتحة، وذوات بالكسرة؛ كمسلمات.
وتقول في التي بمعنَى صاحبة: (هند ذاتُ مال، والهندان ذواتا مال)، عَلَى اللفظ.
والأول هو الأصل، قال تعالَى: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾.
واللَّه الموفق
ص:
٩ - وَمِثلُ (مَا): (ذَا) بَعْدَ مَا اسْتِفْهَامِ ... أَوْ (مَنْ) إذَا لَمْ تُلْغَ فِي الْكَلَامِ (١)
ش:
لفظة (ذا) تكون مثل (ما الموصولة) إِن وقعت بعد (ما، أَو مَن الاستفهاميتين) ولم يقصد إِلغاؤها.
فإن قصد إِلغاؤها .. كانت (ماذا) كلها كلمة استفهام.
وبالجملة: أن (ماذا) عَلَى خمسة أوجه:
الأول: أن تكون كلمة استفهام برمَّتها عَلَى التركيب.
الثاني: أن تكون كلها اسم جنس بمعنَى شيء؛ كَقولِه:
стр. 242
دَعِي مَاذَا عَلِمتُ سَأَتَّقِيهِ ... ................ (١)
أَي: دعي شيئًا علمتُه.
الثالث: أن تكون كلها موصولة، وتجوز أن تكون هي في الشاهد، أَي: دعي الَّذي علمت.
الرابع: أن تكون (ما) استفهامًا و (ذا) اسم إِشارة؛ نحو: (ما ذا التواني؟).
فـ (ما) مبتدأ، و (ذا) اسم إِشارة خبره، و (التواني) صفة لاسم الإشارة.
الخامس: وهو المراد هنا: أن (ذا) تكون مثل (ما الموصولة) فى كونها تستعمل في موضع (الَّذي والتي) وفروعهما؛ بشرط: أن تسبق بـ (ما) أو بـ (مَن) كما سبق؛ كقولِ الشَّاعرِ:
أَلَا تَسْأَلُونَ المَرْءَ مَاذَا يُحُاوِلِ ... ................ (٢)
أي: (من ذا الَّذي يعزي الحزينا؟).
ولا تكون (ذا) موصولهَ إِلَّا إِذا لم يقصد إِلغاوها:
كانت (ماذا) برمتها: اسم استفهام، أَو نكرة، أَو موصولة عَلَى التركيب كما سبق.
أَو تكون (ما) استفهامًا وحدها، و (ذا) زائدة حكاه فى "الإتقان".
ويعرف كونها موصولة أَو ملغاة بجواب المجيب:
فإن كانت موصولة في نحو: (ما ذا صنعت؟) .. فالجواب: (خير)؛ أَي: الَّذي صنعته خير، فالسؤال: جملة اسمية، والجواب كذلك.
وإن كانت ملغاة .. كانت (ماذا) كلها اسم استفهام، مفعولا مقدم في محل نصب، والجواب: (خيرًا) بالنصب؛ أَي: صنعت خيرًا، فالسؤال جملة فعلية، والجواب كذلك.
ولهذا رفع الجواب لما كانت موصولة في قوله تعالَى: (ويسألونك ما ذا ينفقون قل العفوُ)؛ أَي: (الَّذي تنفقون العفو) في قراءة أبى عمرو، فالجواب جملة اسمية كالسؤال.
وقرأ غيرُه بالنصب عَلَى أن (ماذا) كله اسم استفهام في محل نصب (ينفقون)؛ أَي: (أنفقوا العفو).
وعلَى الوجهين: أعرب قوله تعالَى: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا﴾.
فـ (ما) مبتدأ، و (ذا) موصولة وهو خبر.
أَو أن (ماذا) اسم استفهام مبتدأ، و (عليهم) خبر.
وأما قوله تعالَى: ﴿فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ .. فيجوز في (ما) أن تكون اسم استفهام مبتدأ، و (ذا) موصول خبره، والجملة في محل نصب بـ (انظر).
وأَجازَ الكوفيون أن تكون (ذا) موصولة من غير أن يسبقها استفهام، وأنشدوا قولَهُ:
عَدَسْ مَا لِعَبَّادٍ عَلَيكِ إِمَارَةٌ ... أَمِنتِ هَذَا تَحمِلِينَ طَلِيقُ (١)
стр. 245
أي: والذي تحملينه طليق.
والبصريون: أنه اسم إِشارة مبتدأ، و (طليق) خبره، و (تحملين) حال؛ أَي: وهذا طليق محمولا.
وعدس: كلمة يزجر بها البغل.
وقيل: اسم للبغل هنا.
والأصل: يا عدس.
وجعل الفراء اسم الإشارة موصولا أيضًا في قوله تعالَى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى﴾؛ أَي: (وما التي بيمينك)، وهو من أكابر الكوفيين.
стр. 246
وقال المانعون: (ما) مبتدأ، و (تلك) خبره، و (بيمينك) حال، والعامل فيها معنَى اسم الإشارة؛ لأنه بمعنَى أسير؛ كما سيأتي في الحال.
واللَّه الموفق
ص:
٩٦ - وَكُلُّهَا يَلْزَمُ بَعْدَهُ صِلَة ... عَلَى ضَمِيْرٍ لَائِقٍ مُشْتَمِلَة (١)
ش:
كل موصول لَا بد له من صلةٍ بعده -لأنه اسم ناقص مفتقر لها- مشتملةٍ عَلَى ضمير لائق بالموصول؛ كـ (الذي أكرمته، واللذان أكرمتهما، والذين أكرمتهم، والتي أكرمتها، واللتان أكرمتهما، واللاتي أكرمتهن، والذين أكرمتهم).
ويراعَى لفظ (مَن، وما)، فيفرد الضمير العائد عليهما، أَو يراعَى المعنَى فيطابق كما سبق ذكره.
واللَّه الموفق
ص:
٩٧ - وَجُمْلَةٌ أوْ شِبْهُهَا الَّذِي وُصِلْ ... بِهِ كَمَنْ عِنْدِي الَّذِي ابْنُهُ كُفِلْ (٢)
стр. 247
ش:
صلة غير "أل": جملة، أَو شبهها.
فالجملة: تشمل: الاسمية والفعلية بشرطها كما سيأتي.
فالاسمية: كـ (جاء الَّذي أبوه صالح، والذي ابنه كفل).
والفعلية: كـ (جاء الَّذي يضرب عبده، وأكرمت الَّذي قام).
وشبه الجملة: هو الظرف، والمجرور هنا فعل وجوبًا؛ أَي: استقر، لَا نحو: مستقر وكائن؛ لأنه مفرد.
ويشترط: كون الظرف والمجرور: تامَّين، فخرج نحو: (الَّذي بك، والذي اليوم)، والظرف المقطوع عن الإضافة؛ كـ (جاء الَّذي من قبل) كما سيأتي في الإضافة.
ولا بد من كون الجملة: خبرية، مفيدة، معهودة، خالية من الطلب، والتعجب، والإنشاء، غير مفتقرة إِلَى كلام سابق.
فخرج بالمفيدة نحو: (جاء الَّذي حاجباه فوق عينيه).
ونحو: (جاء الَّذي أضربه)؛ لأنها طلبية.
ونحو: (ما أحسنه)؛ لأنها تعجبية.
ونحو: (بعتكه)؛ لأنها إِنشائية.
ونحو: (جاء الَّذي لكنه بخيل)؛ لأنها مفتقرة إِلَى كلام سابق.
فلو رددت ما افتقرت إِليه .. جاز؛ نحو: (جاء الَّذي هو شجاع، لكنه بخيل).
لأن التقدير: أقول لعلي.
ويحسن إبهام الجملة في:
مقام التهويل؛ كَقولِهِ تعالَى: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾.
أَو تعظيم الموصول؛ كَقولِهِ تعالَى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾.
ويجوز الوصل بصلتين مختلفتين في الزمان؛ نحو: (جاء الَّذي قتل زيدًا أمس، ويضرب بكرًا غدًا) ذكره بعضهم، وفيه عطف المضارع عَلَى الماضي، وليس الزمان واحدًا كما سيأتي في العطف.
وقوله: (الَّذِي وُصِلْ) مبتدأ، وقوله: (جُمْلَةٌ) خبر، والتقدير: الَّذي وصل به الموصولات: جملة أَو شبهها.
ولا ضمير في (وُصِلْ)؛ لأَنَّ المجرور بعده نائب الفاعل؛ حيث حذف المفعول به؛ أعني الموصولات.
واللَّه الموفق
ص:
٩٨ - وَصفَةٌ صَرِيْحَةٌ صِلَةُ (أَلْ) ... وَكَوْنُهَا بِمُعْرَبِ الأَفعَالِ قَلّ (١)
ش:
توصل (أل) بصفة صريحة، وهي: اسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشبهة؛ كـ (جاء الضارب زيدًا، والمضروب عبده، والحسن وجهه).
فإن دخلت عَلَى اسم جامد كـ (الرجل) .. فحرف تعريف.
стр. 250
وَكذَا: إِن دخلت عَلَى وصف يشبه الجامد؛ كـ (الأبطح، والأجرع، والصاحب، والراكب)؛ لأَنَّ الاسمية غلبت عَلَى هذه الأشياء لكثرة الاستعمال.
وقد وصلت (أل) بالفعل المضارع شذوذًا في قولِ الشَّاعرِ:
مَا أَنتَ بِالحَكَمِ التُّرضَى حُكُومَتُهُ ... ................ (١)
وهو المراد بقوله: (وَكَوْنُهَا بِمُعْرَبِ الأَفْعَالِ قَلْ).
وهو ضرورة عند النحويين إِلَّا المصنف، قال في "شرح الكافية الشافية": ليس