• والصّفة المشبهة؛ كـ (زيد حسن الوجه).
• واسم التّفضيل؛ كـ (زيد أحسن من عمرو).
• فخرج: المشتق الّذي لا يجري مجرَى الفعل؛ كاسم الآلة نحو: (هذا مفتاح)، فـ (مفتاح): خبره، وهو مشتق من الفتح، ومع هذا لا ضمير فيه.
• وخرج أيضًا (مفعَل) المقصود به الزّمان والمكان؛ نحو: (هذا مجلس زيد ومرمَى عمرو)، تريد: مكان جلوسه ورميه.
ثم إن المشتق الجاري مجرَى الفعل لا يتحمل الضّمير إِلَّا إِذا لم يرفع ظاهرًا؛ نحو: (زيد قائم).
فإِن رفع ظاهرًا .. لم يتحمل الضّمير؛ نحو: (زيد قائم أبوه).
وإِن كَانَ الخبر العفرد جامدًا فَلَا يتحمل ضميرًا عند البصريين؛ فـ (زيد آسد) فيه ثلاثة أوجه:
الأول: أَن يجعل زيد أسدًا مبالغة من غير التفات إِلَى التّشبيه.
الثّاني: أَن يقصد التّشبيه فيقدر مضاف؛ أَي: مثل الأسد، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إِليه مقامه؛ ففي هذين الوجهين: لا ضمير، فيه لجموده وعدم تأوله بمشتق.
الثّالث: أَن يؤول أسد بصفة وافيةٍ من الأسودية بمعنَى شجاع، فيتحمل الضّمير حينئذ، ولك أَن ترفع به الظّاهر حينئذ إِذا جرَى علَى غير من هو لهُ، كما تفعل ذلك بالصّفات الجارية مجرَى الفعل، وكما تقول: (زيد قائم أبوه) .. تقول أيضًا: (زيد أسد أبوه).
والحاصل: أَن المفرد الجامد فارغ.
وإن أول الحفرد بمشتق .. تحمّل ضميرًا مستكنًا؛ أَي: مستترًا.
وعن الكسائي: أَن الجامد يتحمل الضّمير، ونقله ابن العلج عن الكوفيين والرّماني تلميذ ابن السّراج من البصريين.
стр. 319
وقوله: (والمفرد): مبتدأ مقصود به الجنس، و (الجامد): مبتدأ ثان، و (فارغ): خبر الثّاني، والجملة: خبر الأول، والرّابط محذوف؛ أَي: الجامد منه.
والضمير فِي (يشتق): عائد علَى المفرد المقصود به الجنس، قال الشّاطبي ﵀: وهو أحسن ما قيل هنا.
واللَّه الموفق
ص:
١٢٢ - وَأَبْرِزَنْهُ مُطْلَقًا حَيثُ تَلَا ... مَا لَيْسَ مَعْنَاهُ لهُ مُحَصَّلَا (١)
ش:
الخبر المشتق إن تلا مبتدأ هو لهُ .. استتر الضّمير فِي ذلك الخبر؛ كـ (زيد قائم).
فإِن قلت: (زيد قائمٌ هو) .. كَانَ هذا الضّمير توكيدًا للمستتر.
فإِن تلا الخبر مبتدأ وليس معنَى الخبر محصلًا لذلك المبتدأ- يعني لم يكن
стр. 320
الخبر للمبتدأ- وجب إِبراز الضّمير؛ سواء كَانَ فِي الكلام لَبسٌ أم لا.
فالَّذي فيه اللّبس: (زيد عمرو ضاربه)؛ إِذ يحتمل: أَن يكونَ زيد ضارب عمرو، وعكسه.
فإِذا برز الضّمير نحو: (زيد عمرو ضاربه هو) .. عُلِم أَن الضّارب زيد، فـ (زيد): مبتدأ، و (عمرو): مبتدأ ثاني، و (ضاربه): خبر عن (عمرو)، مع أَن الضّرب لم يقع إِلَّا من زيد، والهاء فِي (ضاربه) ضمير عمرو، وحينئذ تلا الخبر مبتدأ ليس هو له؛ لأنَّ (عمرو) لم يقع منه ضرب كما ذكر، فوجب إِبراز الضّمير؛ أعني: (هو)، و (ضارب) حينئذ لا ضمير فيه؛ لأنَّ (هو) فاعل به؛ حيث برز منه، وهذا العمل إِنما هو مجرد اصطلاح، لأنه لا مانع من أَن يجعل عمرو هو الضّارب ويكون الضّمير بعده توكيدًا للضمير المستتر فيه، أَو للهاء فِي (ضاربه)، وهي حينئذ لزيد؛ كما تقول فِي التّوكيد: (مررت به هو).
والَّذي ليس فيه لبس: (زيد هند ضاربها)، فـ (زيد): مبتدأ، و (هند): مبتدأ ثان، و (ضاربها): خبر عن (هند)، وليس الخبر لها أيضًا، لأَنَّها لم تضرب والجملة: خبر عن زيد كما سبق، فيجب أيضًا إِبراز الضمير؛ نحو: (زيد هند ضاربها هو).
ولو حذف .. لكان معلومًا، إِلَّا أَن البصريين أوجبوا ذكره مطلقًا؛ ليجري الباب علَى سنن واحد.
والكوفيون يجيزون حذفه هنا؛ لعدم اللّبس، محتجين بقولِهِ:
قَوْمِي ذُرَى المَجْدِ بَانُوهَا وَقَدْ عَلِمَتْ ... بِكُنْهِ ذَلِكَ عَدْنَانٌ وقَحْطَانُ (١)
стр. 321
فـ (قومي): مبتدأ، و (ذرى المجد): مبتدأ ثان، و (بانوها): خبر الثّاني، والجملة: خبر الأول وَلَم يبرز الضّمير لعدم اللّبس؛ كـ (زيد هند ضاربها)، ولو أبرز لقال: (بانوها هم).
وهذا الحكم ثابت للضمير إِذا:
• جرَى متحملة علَى غير من هو لهُ خبرًا كما مر.
• أَو نعتًا؛ كـ (مررت بالرّجل والحائط الواقف هو عليها).
• أَو صلة؛ نحو: (جاء زيد والمرأة الَّتي ضربها هو).
أَو حالًا.
وقس علَى ما سبق.
والضّمير فِي قوله: (وَأَبرزَنْهُ) يرجع للضمير السّابق فِي قوله: (فهوَ ذُوْ ضَميرٍ مُسْتَكِنْ)، وفاعل (تَلا): يعود علَى الخبر، و (مَا): موصولة صفة لمحذوف، و (الهاء) فِي قوله: (مَعنَاهُ): عائدة علَى الخبر أيضًا، والتّقدير: وأبرز الضّمير مطلقًا إن تلا الخبر مبتدأ ليس معنَى الخبر محصلًا لذلك المبتدأ، والضمير فِي (لَهُ): يعود علَى المبتدأ الموصوف بقوله: (مَا لَيسَ).
стр. 322
وفي هذا البيت بعض تعسُّف، وبيته فِي "الكافية" أسهل من هذا قال:
وَإِن تَلَا غَيرُ الّذِي تَعَلَّقَا ... بِهِ فَأَبرِزِ الضّمِيرَ مُطْلَقَا
ثم استحسن مذهب الكوفيين فقال:
فِي المَذهَبِ الكُوفِيِّ شَرطُ ذَاكَ أَنْ ... لَا يُؤمَنَ اللّبْسُ وَرَأيُهُم حَسَنْ
تنبيه:
كثيرًا ما يقع الامتحان بقولِ الشّاعرِ:
لَيسَ يَخفَى عَنكِ مَا حَلَّ بِنَا ... أنا أَنتِ الضَّارِبِي أَنتِ أَنَا
ومعناه: أنت قتلتني، فـ (أنا): مبتدأ، و (أنت): مبتدأ ثان، و (آل): مبتدأ ثالث وهي نفس أنا، وصلتها -أعني قاتل-: نفس أنت الّذي هو المبتدأ الثّاني.
فلما رفعت الصّلة ضميرًا يعود علَى غير (أل) .. برز الضّمير وانفصل وهو (أنت) المذكور ثانيًا؛ لأنَّ اسم الفاعل جرَى علَى غير من هو لهُ.
و (أنا) الأخير: خبر عن (أل) فِي القاتلي.
وخبره: خبر عن أنت الأول.
و (أنت) الأول وخبره: خبر عن (أنا) الأول (أنا) المذكور آخرًا.
وعائد المبتدأ الثّاني: (أنت) المذكور ثانيًا.
والعائد علَى (أل): الياء فِي اسم الفاعل باعتبار المتكلم.
ولو حمل علَى اللّفظ .. لقال: (القاتلة)؛ كما تقول: (أنا الّذي ضربتني يازيد)، أَو: (أنا الّذي ضربته يا زيد) كما سبق في آخر الموصول.
واللَّه الموفق
ص:
١٢٣ - وَأَخْبَرُوا بِظَرْفٍ أو بِحَرْفِ جَرّ ... نَاوِيْنَ مَعْنَى كَاِئِنٍ أَوِ أسْتَقَرْ (١)
стр. 323
ش:
يقع الخبر ظرفًا؛ كـ (زيد عندك).
ومجرورًا؛ كـ (زيد فِي الدّار).
وكلاهما متحمل لضمير منتقل إِليه من الخبر الأصلي المحذوف العامل فِي الظّرف والمجرور، وهو الكون العام الّذي لا يجوز إِظهاره، مكانيًا كَانَ الظّرف كما سبق، أَو زمانيًا؛ كـ (السفر غدًا).
وهو مفرد، تقديرُهُ:
(كائن)، مِن (كَانَ التّامة).
أَو: (مستقر)، وقد صرح بالمحذوف شذوذًا فِي قولِهِ:
لكَ العِزُّ إِنْ مَوْلاكَ عَزَّ وَإِن يَهُن ... فَأَنتَ لَدَى بُحْبُوحَةِ الهُونِ كَائِنُ (١)
стр. 324
وكان القياس: حذف (كائن)؛ لأنه كون عام، فـ (أنت): مبتدأ، و (كائن): خبر صرح به شذوذًا، وفيه الضّمير والظّرف حينئذ فارغ؛ أعني قوله: (لدى بحبوحة الهون).
وبحبوحة كل شيء: وسطه. والهون بالضّم: الذّل والهوان.
وكما يجب حذف العامل فِي الظّرف والمجرور إِذا وقعا خبرًا .. يجب أيضًا:
إِذا وقعا صفة لنكرة؛ كـ (مررت برجل عندك)، أَو: (علَى حائط).
فَلَا يقال: (كائن عندك)، ولَا: (مستقر علَى حائط).
وكذا إِذا وقعا حالًا من معرفة؛ كـ (مررت بزيد عندك)، أَو: (فِي الدّار).
- وكذا فِي الصّلة؛ كـ (الذي عندك)، أَو: (فِي الدّار).
ولكن صلة الموصول لا تكون إِلَّا جملة، فالمحذوف هنا: (استقر)، لا (كائن، ولَا مستقر).
وليس (مُسْتَقِرًّا) هو الكون العام فِي قوله تعالَى: ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾؛ إِذ لو كَانَ كذلك .. لقيل: فلما رآه عنده، فلفظ (مستقرًا) هنا: معناها: ثابت غير متقلقل.
стр. 325
تنبيه:
الفارسي والزّمخشري وابن الحاجب علَى تقدير الفعل فِي نحو: (زيد عندك)، قالوا: لأنه الأصل فِي العمل، وتقدير المفرد أولَى؛ إِذ لا يصلح تقدير الفعل فِي نحو: (أما فِي الدّار فزيد)؛ لأنَّ (أما) لا يليها الفعل، فالتّقدير: أما مستقر فِي الدّار فزيد.
وكذا نحو: (خرجت فإِذا بالباب زيد)؛ التّقدير: فإِذا مستقر بالباب زيد. ولَا يحسن تقدير الفعل هنا؛ لأنَّ إذأ المفاجأة لا يليها الفعل علَى الأصح، قال تعالَى: ﴿إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا﴾، التّقدير واللَّه أعلم بمراده: إِذا حاصل لهم مكر.
وقيل: فعل، ولكن يقدر مؤخرًا.
واعلم: أَن الظّرف والمجرور فِي نحو: (زيد عندك) فِي موضع نصب بـ (كائن)، أَو (مستقر)، فالمحذوف هو الخبر حقيقة، والظّرف أَو المجرور فِي محل نصب به.
وتسمية الظّرف أَو المجرور خبرًا إِنما هو مجاز والشائع.
• وأيده ابن كيسان فقال: إِن الخبر هو العامل المحذوف.
• ونحا الشّيخ موفق الدّين بن يعيش الحلبي فِي "شرح المفصل" نحو هذا.
• وأبو الفتح وشيخه الفارسي: أن الظّرف والمجرور خبر فِي الحقيقة،
فهو فِي موضع رفع حقيقة، وأن العامل صار نسيًا منسيًا، ذكره السّيوطي فِي "همع الهوامع".
• حكَى الفارسي عن شيخه محمد بن السَّراج: أَن نحو: (زيد فِي الدّار) قسم برأسه لا من قبيل الخبر المفرد ولَا من الجملة.
• قال بعضهم: وقد لا يصلح تقدير الكون؛ كقولِهِ تعالَى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ﴾ فالتّقدير هنا: (تقتل بالنّفس)، أَو: (مقتولة بالنّفس)، فَلَا يصلح كائنة ولَا مستقرة.
ونقل عن السّيرافي: أَن الضّمير محذوف، مع أَن الكون العام فِي نحو: (زيد عندك)، والظّرف حينئذ فارغ ليس فيه ضمير.
стр. 326
والمعتمد: خلافه، ولَا يجوز حذف الكون الخاص فَلَا تقول: (زيد خلفك) تريد: (ضاحك خلفك)؛ إِذ لو حذف .. لم يعلم كونه ضاحكًا.
• ولَا يقع الظّرف المقطوع عن الإِضافة خبرًا؛ كـ (قبل وبعد)، وسيأتي فِي الإِضافة.
• ولَا يقع ظرف الزّمان حالًا، ولَا صلة، ولَا صفة لجثة، ولَا خبرًا عن اسم العين؛ بخلاف اسم المعنَى، كـ (السفر غدًا)، كما سبق.
وتقول: (زيدٌ حيثُ عمروٌ)، فـ (زيد،: مبتدأ، و (حيث): ظرف مكان فِي موضع رفع خبر زيد، و (عمرو): مبتدأ، وخبره محذوف لدلالة المعنَى عليه، والتّقدير: (زيد مستقر حيث عمرو مستقر)، ذكر ذلك أبو حيان.
وإِعرابه هذا مبني علَى أَن (حيثُ) ظرف مكان وهو المشهور.
قيل: وهي ظرف زمان في قول بعضهم:
لِلفَتَى عَقْلٌ يَعِيشُ به ... حَيْثُ تَهْدِي سَاقَهُ قَدَمُهْ (١)
واللَّه الموفق
стр. 327
ص:
١٢٤ - ولَا يَكُوْنُ اسْمُ زَمَانٍ خَبَرًا ... عَنْ جُثَّةٍ وَإِن يُفِدْ فَأَخبِرَا (١)
ش:
١. اسم المكان يخبر به عن اسم العين وعن اسم المعنَى.
فالأول: (زيد عندك)، فـ (عندك): اسم مكان وقع خبرًا عن الجثة وأفاد.
والثّاني: (المعروف عندك)، فوقع أيضًا خبرًا عن اسم المعنَى وأفاد أيضًا.
٢. وأما اسم الزّمان فيجوز أَن يقع خبرًا عن اسم المعنَى؛ نحو: (السّفر يوم الإِثنين) بنصب (يوم) علَى الظّرفية، أو تقول: (فِي يوم الإِثنين)، وفي القرآن: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾.
• ولَا يخبر به عن اسم العين، كما قال: (ولَا يكونُ اسمُ زَمانِ خبرًا عَن جُثَّةٍ)، فَلَا تقول: (زيد غدًا)، ولَا (زيد اليوم).
فإن حصلت فائدةٌ جازَ ذلك؛ لكن بتقدير مضاف غالبًا، كقولهم: (الرّطبُ تموزُ)؛ أَي: الرّطب فِي تموز، و (اللّيلةُ الهلالُ) فـ (الهلال): مبتدأ، و (اللّيلة): ظرف زمان مخبر به عن الجثة أيضًا، والتّقدير اللّيلةُ طلوع الهلالِ، وقالَ الشّاعرُ:
أكُلَّ عامٍ نَعَمٌ تَحْوُونَهْ ... يُلْقِحُه قَوْمٌ وتَنْتِجونَهْ؟ (٢)
стр. 328
فقوله: (نَعَمٌ): مبتدأ واقع هنا علَى الإِبل والبقر، وقوله: (كلَّ عام): ظرف زمان وهو خبر مقدم، والتّقدير: (أكلُّ عام إِحرازُ نعمٍ تحوونه؟).
وحكَى أبو الفتح: رفع (نعمٌ) بمحذوف.
وحكَى الأخفش: نصبه علَى الاشتغال، حكَى ذلك القواس ﵀.
و (كلَّ) فِي البيت منصوبة علَى الظّرفية؛ لأنَّ (كل وبعض) ينصبان علَى الظّرفية إِذا أضيفا للظرف كما فِي الشّاهد، وكقولك: (أكلَّ يوم ثوب تلبسه؟) ونحو ذلك.
وتقول: (زيد فِي يوم طيب)، و (نحن فِي زمان كذا).
ولَا يقدر المضاف إِلَّا أَن احتيج إِليه فِي الكلام.
وقوله: (يُلقحه) بضم الياء آخر الحروف، من: (ألقح الفحل النّاقة)، و (تَنتِجونه): بفتح التّاء من نتج ينتج.
وأَجازَ بعضهم: أَن يخبر عن اسم العين بظرف الزّمان الّذي فيه معنَى الشّرط؛ كقولِك: (الرّطبُ إِذا جاء الحرُّ).
واللَّه الموفق
стр. 329
ص:
١٢٥ - وَلَا يَجُوز الابْتِدَا بِالنَّكِرَةْ ... مَا لَمْ تُفِدْ كَعِنْدَ زَيْدٍ نَمِرَةْ (١)
١٢٦ - وَهَل فَتىً فِيْكُم فَمَا خِلُّ لَنَا ... وَرَجُلٌ مِنَ الْكِرَامِ عِنْدَنَا (٢)
١٢٧ - وَرَغْبَةُ فِي الْخَيْرِ خَيْرُ وَعَمَلْ ... بِرٍّ يَزِيْنُ وَلْيُقَسْ مَا لَمْ يُقَلْ (٣)
ش:
المبتدأ: محكوم عليه، والحكم علَى الشيء لا يكون إِلَّا بعد معرفته، فمن ثَمَّ لا يبتدأ بنكرة إِلَّا إِذا حصلت بها فائدة.
[مسوغات الابتداء بالنكرة]:
والمسوغ للابتداء بالنكرة وجوه:
стр. 330
١. منها: أَن يتقدم عليها الخبر الظّرفي؛ نحو: (فِي الدّار رجل)، و (عندي امرأة).
ويشترط كون الظّرف والمجرور مختصين كما مثل.
• فَلَا يقال: (عند رجل مال)، و (لرجل صدقة)؛ لعدم اختصاص الأول بالمال، والثّاني بالصّدقة.
٢. ومنها: أَن تسبق باستفهام؛ نحو: (هل فتى فيكم؟)، فـ (فتَى): مبتدأ، و (فيكم): خبره.
٣. ومنها: أَن تسبق بنفي؛ نحو: (ما رجل عندي)، و (ما خِلٌّ لنا).
٤. ومنها: أَن توصف النّكرة وتذكر الصّفة؛ كقولِهِ تعالَى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ﴾، وقول الشيخ: (رجل من الكرام عندنا).
• ويجوز حذف الصّفة للعلم بها؛ نحو: (اللّحمُ رطلٌ بدرهمٍ)؛ فـ (رطل): مبتدأ، و (بدرهم): خبره، والوصف مقدر؛ أَي: (رطل منه بدرهم).
٥. ومنها: أَن تكون النّكرة عاملة فيما بعدها؛ نحو: (أمرٌ بمعروف صدقةٌ) فـ (أمرٌ): مبتدأ، وهو مصدر عامل فِي المجرور النّصب محلًا، و (صدقةٌ): خبر، ومثله: (رغبةٌ فِي الخيرِ خيرٌ)، ونحو: (خير منك زيد).
وعن سيبويه: أنه يجعل (زيدٌ) مبتدأ فِي هذا المثال؛ لأنَّ الأصل عنده تعريف المبتدأ، إِلَّا فِي نحو: (ما، وكم) فِي الاستفهام، فيرَى أَن يكونَ كل منهما مبتدأ وإِن كَانَ نكرة؛ لأنه لم يقصد به معين.
وسبق مذهب ابن كيسان فِي ذلك فِي أول النّكرة والمعرفة.
٦. ومنها: أَن تكون النّكرة مضافة؛ كقوله ﷺ : "خمسُ صلوات كتبهنَّ الله"، ومنه قول الشيخ: (عملُ بِرِّب يزين).
وهذه ستة ذكرها الشّيخ هنا.
٧. ومنها: أَن يكونَ فِي النّكرة معنَى الحصر؛ كقولهم: (شرٌّ آهرَّ ذا ناب)؛ أَي: (ما أهر ذا ناب إلا شر).
وقيل: المسوغ هنا: الوصف المحذوف، والتّقدير: (شيء عظيم أهر ذا ناب)،
فـ (ثوبٌ): مبتدأ، و (نسيتُ): خبر، وا لعائد محذوف؛ أَي: نسيته.
و (ثوب) الثّاني: مبتدأ، وخبره: (أجر)، والمسوغ: التّنويع كما فِي الآية الكريمة.
وقولُ الآخرِ:
فَيْومٌ عَلينَا ويَومٌ لَنا ... وَيَوم نُسَاءُ وَيَومٌ نُسَرّ (١)
١١. ومنها: أَن تعتمد النّكرة علَى موصوف مقدر؛ نحو: (فمؤمنٌ خيرٌ من كافر)؛ أَي: (رجل مؤمن خير من كافر).
١٢. ومنها: أن تكون جوابًا؛ كقولك: (رجل) لمن قال: (مَن عندك؟) أَي: رجل عندي.
стр. 333
ولَا يقدر الخبر هنا إِلَّا مؤخرًا؛ لأنَّ الجواب يسلك به مسلك السّؤال، والمقدم فِي السّؤال: مبتدأ.
١٣. ومنها: أَن تكون النّكرة مصغرة؛ نحو: (رُجَيلٌ فِي الدّار)؛ لأنَّ التّصغير فيه معنَى الوصف، وكأنه قيل: (رجل حقير فِي الدّار).
١٤. ومنها: أَن تكون النّكرة اسم شرط؛ نحو: (مَن يقم أقم معه).
١٥. أَو: اسم استتفهام؛ نحو: (مَن جاءك؟).
١٦. ومنها. أَن يكونَ فِي النّكرة معنى الدّعاء؛ كقولِهِ تعالَى: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾، ونحو قولك: (ويلٌ لزيد).
١٧. ومنها: أَن تقع قبلها واو الحال؛ نحو: (سرت ورجل ينظرني)، ومنه قول عائشة ﵂: "دخل رسول اللَّه ﷺ وبرمةٌ علَى النّار"، و (دخل وحبلٌ ممدود)، وقولُ الشّاعرِ:
سَرَيْنَا وَنَجمٌ قَدْ أَضَاءَ فَمُذْ بَدَا ................. (١)
стр. 334
١٨. ومنها: أن يكون فيها معنى التّعجب؛ نحو: (بقرةٌ تكلمت)، و (شجرةٌ سجدت)، وقوله:
عَجَبٌ لِتِلْكَ قَضِيَّةً وَإِقَامَتِي ... فِيْكُمْ عَلَى تِلْكَ القَضِيَّة أَعْجَبُ (١)
فـ (عجب): مبتدأ، و (لتلك): خبره.
١٩. ومنها: أن تكون النّكرة عامة؛ نحو: (كلٌّ يموت).
٢٠. ومنها: أَن تكونَ للحقيقة من حيث هي؛ نحو: (رجلٌ خيرٌ من امرأة)،
стр. 335
و (سيفٌ أقوى من عصا).
ومنه قول ابن عباس رضي اللَّه تعالَى عنهُما: (تمرة خير من جرادة).
٢١. ومنها: أَن تدخل عليها لام ألابخداء نحو: (لرجلٌ قائم).
٢٢. ومنها: أَن لا يراد بها معين؛ كقولِهِ:
مُرسَّعَةٌ بَينَ أَرسَاغِهِ ................ (١)
стр. 336
و (المرسَّعة): التّميمة تعلق علَى الرّأس.
٢٣. ومنها: أَن تقع بعد (لولا)؛ كقولِهِ:
لَولَا اصطِبارٌ لَأودَى كُلُّ ذِي مِقَةٍ ................. (١)
стр. 337
أَي: لهلك كل ذي محنة فـ (اصطبار): مبتدأ، والخبر: محذوف لأنه بعد (لولا) كما سيأتي.
٢٤. ومنها: أَن تكون النّكرة (كم) إن كَانَ ما بعدها منصوبًا أَو مجرورًا؛ كقولِهِ:
كَمْ عَمّةٌ لَكَ يا جَرِيرُ وَخَالَةٌ ... فَدْعَاءَ قَدْ حَلَبَتْ عَلَيَّ عِشَارِي (١)
стр. 338
فـ (كم): مبتدأ علَى رواية جر (عمةٍ) ونصبِها و (قد حلبت): خبره.
ويروَى برفع (عمةٌ)، فتكون (عمة): مبتدأ، وقوله: (لك): فِي موضع الصّفة لهُ، و (قد حلبت): خبره، وكم حينئذ فِي محل نصب علَى الظّرفية، والتّقدير: (كم من عمة لك قَدْ حلبت).
والفدعاء: الَّتي إصبعها معوجَّة من كثرة حلبها.
وأما نحو: (كم مالُك؟) .. فـ (كم): مبتدأ، و (مالك): خبره، والمميز محذوف؛ أَي: (كم دينارًا مالُك؟)، هذا مذهب سيبويه.
وعكس الأخفش.
وعلَى قولى سيبويه يكون المسوغ للابتداء بـ (كم): ما فيها من معنَى العموم.
٢٥. ومنها: أَن تقع النّكرة بعد فاء الجزاء؛ كقولهم: (إن ذهب عِيرٌ فعيرٌ في
стр. 339
الرباط).
وجُعِل منه قراءة الأعرج: (فإِن خفتم أَن لا تعدلوا فوحدةٌ) بالرّفع؛ أَي: تجزئ أَو تكفي.
ومنه علَى أحد الأوجه: قوله تعالَى: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾؛ فـ (آخران): مبتدأ، و (يقومان): الخبر.
وقيل: (آخران): خبر لمحذوف؛ أَي: فالشّاهدان آخران.
وقيل: التّقدير: فليشهد آخران.
وقيل: (آخران): مبتدأ، والخبر: (الأوليان).
[وقيل: (الأوليان]: مبتدأ، و (آخران): خبر مقدم.
وقيل: (الأوليان) خبر لمحذوف؛ أَي: هما هما الأوليان، والجملة: خبر الآخران.
وقيل: (الأوليان): صفة لى (آخران)، وجاز ذلك؛ لأنَّ النكرة قَدْ وصفت، وهو للأخفش؛ لأنَّ النكرة إِذا تخصصت .. يجوز نعتها بالمعرفة عنده، ونائب الفاعل فِي (استحق) ضمير يعود علَى الاسم المتقدم ذكره.
وقيل: إن نائب الفاعل (عليهم)؛ لأنَّ (استحق عليهم) فِي معنى: (جنَى عليهم) بالجيم والنّون.
وقيل: (علَى) بمعنَى (فِي) ويقرأ استحق بفتح التاء علَى التّسمية الفاعل، وفيه وفيما تقدم كلام طويل.
والحامل علَى بسط الكلام فِي هذا ونحوه: تقوية الطّالب.
٢٦. وصرح ابن إِياز فِي "قواعد المطارحة" بجواز الابتداء بالنكرة إن كَانَ الخبر ظرفًا مضافًا لمعرفة؛ نحو: (رجل خلفك)، و (رجل عندك).
٢٧. ومنها: أَن تقع النّكرة بعد إِذا الفجائية؛ نحو: (خرجت فإِذا رجل بالباب).
٢٨. ومنها: أَن يقصد بها المناقضة؛ نحو: (رجل قام) لمن ظن أَن امرأة قامت.
٢٩. ومنها: أَن يقصد بها الأمر؛ نحو: (وصيةٌ لأزواجهم) علَى قراءة الرّفع.
стр. 340
وَلَم يشترط سيبويه والجرجاني وابن السراج فِي الابتداء بالنّكرة إِلَّا حصول الفائدة.
وقال الحسن بن الدّهان تلميذ السّيرافي: إذا حصلت الفائدة فأخبر عن أَي نكرة شئت.
واللَّه الموفق
ص:
١٢٨ - وَالْأصْلُ فِي الأَخْبَارِ أَنْ تُؤخَّرَا ... وَجَوَّزُوا التَّقْدِيْمَ إِذْ لَا ضَرَرَا (١)
ش:
الأصل فِي الخبر: التّأخير؛ لأنه يشبه الصّفة فِي موافقة ما قبله فِي الإِعراب لا من كل وجه؛ إِذ يجوز تقديم الخبر حيث لا ضرر فِي تقديمه، فتقول: (قائم زيد)، و (في الدّار بكر).
ومنه قولك: (مشنوءٌ مَن يشنؤك)، و (تميميٌّ أنا).
وقوله:
قَدْ ثَكِلَت أُمُّهُ مَنْ كُنتَ وَاحِدَهُ ...................... (٢)
стр. 341
فـ (مَن): مبتدأ، و (قد ثكلت): خبر مقدم، ودخله الطي (١).
ومن تقديم الخبر أيضًا: قوله تعالَى: ﴿وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾؛ فـ (ما كانوا): مبتدأ، و (باطل): خبر.
وقرئ: (باطلًا) بالنّصب، والعامل فيه: (يعملون)، و (ما): زائدة.
واجتمع التّقديم وعدمه فِي قوله ﵊: "ملعون من لعب بالشّطرنج، والنّاظر إِليها كالآكل لحم الخنزير"، ذكره السّيوطي فِي "الجامع الصغير".
واللَّه الموفق
ص:
١٢٩ - فَامْنَعْهُ حِيْنَ يسْتَوِي الْجُزْءان ... عُرْفًا وَنُكْرًا عَادِمَيْ بَيَانِ (٢)
стр. 342
ش:
الخبر مع المبتدأ باعتبار تقديمه وتأخيره علَى ثلاثة أقسام:
١. قسم يجوز فيه الوجهان.
٢. وقسم يجب فيه تأخير الخبر.
٣. وقسم يجب فيه تقديم الخبر.
فالأول: تقدم ذكره.
والثاني: هو المراد هنا وفيما يأتي، فهنا صورتان:
الأولَى: إِذا استوَى المبتدأ والخبر فِي التّعريف.
الثّانية: إِذا استويا فِي التّنكير.
وقوله: (الجُزءَانِ)؛ يعني: المبتدأ والخبر.
فاستواؤهما في التّعريف: (زيد أخوك)؛ فلو قيل: (أخوك زيد) .. لجاز أَن يكونَ (أخوك): مبتدأ، و (زيد): خبر، والحال أنك تريد أَن أخوك هو الخبر، وحينئذ لم يعلم هل أخوك خبر مقدم أو مبتدأ.
فإِن وجدت قرينة جاز التّقديم، كقولهم: (أبو حنيفة أبو يوسف)، فقدم الخبر هنا مع استوائهما فِي التّعريف؛ لعدم اللّبس، والأصل: (أبو يوسف أبو حنيفة) فلم يضر تقديم الخبر هنا؛ لأنَّ المراد تشبيه أبي يوسف بأبي حنيفة، فمعلوم أَن (أبو يوسف): هو المبتدأ، سواء قدم أَو أخر.
ومثله: (زيد اللّيث)، و (اللّيث زيد)؛ لأنَّ المراد تشبيه زيد باللّيث غالبًا.
ومنه قولُ الشّاعرِ:
بَنُونَا بَنُو أَبْنَائِنَا، وبَنَاتُنَا ... بَنُوهُنَّ أَبْنَاءُ الرِّجَالِ الأَبَاعِدِ (١)
стр. 343
فقدم الخبر وهو (بنونا)، والأصل: (بنو أبنائنا بنونا)؛ لأنَّ المراد تشبيه بني الأبناء بالأبناء.
وخير الفارسي فِي (زيد الظّريف).
ومثال استوائهما فِي التّنكير: (أفضل منك أفضل من زيد)، فـ (أفضل منك): مبتدأ. و (أفضل من زيد): خبر، ولَا يجوز تقديم الخبر هنا؛ إِذ قصدك أَن تعلمه أَن الشّخص الّذي هو أفضل منه هو أفضل من زيد.
وإِذا قدمت الخبر وقلت: (أفضل من زيد أفضل منك) جاز أَن يكونَ:
(أفضل من زيد): مبتدأ؛ كونه عاملًا فيما بعده.
أَو: (أفضل منك): خبره وهذا فيه عكس المراد.
والمسوغ لكون أفعل التّفصيل هنا مبتدأ: كونه عاملًا فيما بعده، علَى حد قولك: (رغْبَةٌ في الْخَيْرِ خَيْرٌ).
فلو وجدت قرينة .. جاز أيضًا التّقديم.
والحاصل: أنه يقول: امنع تقديم الخبر إن استوى الجزءان فِي التّعريف والتّنكير وَلَم يوجد قرينة.
واللَّه الموفق
стр. 344
ص:
١٣٠ - كذَا إِذَا مَا الْفِعْلُ كاَنَ الْخَبَرَا ... أَوْ قُصِدَ اسْتِعَمَالُهُ مُنْحَصِرَا (١)
ش:
فِي هذا البيت صورتان لا يجوز تقديم الخبر فيهما أيضًا.
الأولَى: إِذا كَانَ المبتدأ مفردًا وخبره فعلًا رافعًا للضمير [المستتر] (٢) العائد علَى ذلك المبتدأ؛ كـ (زيد قام)، و (العبد ضُربَ).
فلو قدم الخبر وقيل: (قام زيد)، و (ضُرِبَ العبدُ) .. كَانَ (زيد): فاعلًا، و (العبد) نائب الفاعل.
فرافعًا للضمير المستتر: يخرج الفعل الرّافع للضمير الظّاهر؛ كـ (الزيدان قاما) فيجوز هنا تقديم الخبر؛ كـ (قاما الزيدان).
ومنعها بعضهم؛ لأن (الزيدان) عنده: فاعل بـ (قاما) على لغة "أكلوني البراغيث".
ويخرج أيضًا: الفعل الرافع لظاهر؛ كـ (زيد قام أبوه)، فيجوز فيه تقديم الخبر؛ كـ (قام أبوه زيد)، ولا يضر عود الضمير هنا على (زيد)، لأن المبتدأ وإن تأخر لفظًا .. فهو مقدم رتبة على الخبر.
الثانية: إذا كان الخبر محصورًا بـ (إنما)، أوبـ (إلا)، فتقول: (إنما زيد شاعر)، و (ما زيد إلا شاعر)، فحصرت الخبر في الشعر؛ يعني: ليس لزيد خبر من الأخبار إلا كونه شاعرًا.
стр. 345
وبعضهم يقول: المراد بالخبر المحصور: أن يكون المبتدأ محصورًا في الخبر. وكلاهما صحيح؛ فلو قيل: (إنما شاعر زيد)، و (ما شاعر إلا زيد) .. لزم أن الشعر لا يحسنه إلا زيد؛ لأن الشعر حينئذ يكون محصورًا في زيد، وهو ممنوع.
ومن حصر الخبر أيضًا قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾؛ فلو قدم الخبر .. لانعكس الترتيب، وصار الخبر محصورًا في المبتدأ، وهذا يلزم عليه عدم رسالة غير نبينا محمد ﷺ .
وشذ تقديم الخبر المحصور في قوله:
فَيَا ربِّ هَلْ إلا بِكَ النَّضْرُ يُرْتَجَى ... عَلَيهِم وَهَلْ إلا عَلَيكَ المعُوَّلُ (١)
стр. 346
فقدم الخبر في الموضعين؛ لأن (النصر): مبتدأ، و (بك): خبره متعلق بالاستقرار، والأصل: هل النصر إلا بك مرجوًا.
و (المعول): مبتدأ أيضًا، وخبره: عليك، والأصل: هل المعول إلا عليك؟
وقوله: (مُنْحَصِرَا):
يجوز فيه فتح الصاد على أنه اسم مفعول، وفي الكلام حذف، والمعنى: (أو قصد استعمال الخبر منحصرًا فيه صفات زيد وأخباره).
ويجوز فيه الكسر على أن الخبر الاصطلاحي نفسه محصور في الشعر من نحو: (ما زيد إلا شاعر).
و (الْفِعْلُ): فاعل بـ (كان) المحذوفة، يفسرها المذكورة.
واللَّه الموفق
ص:
١٣١ - أَوْ كَانَ مُسْنَدًا لِذِي لَامِ ابْتِدَا ... أَوْلَا زِم الصَّدْرِ كَمَنْ لِي مُنْجِدَا (١)
ش:
يفول: إن كان الخبر مسندًا لمبتدأ مقترن بلام الابتداء، أو مسندًا لما له صدر الكلام .. امتنع تقديمه أيضًا.
فالأول: نحو: (لَزيدٌ قائم)، فلا يقدم الخبر؛ لأن لام الابتداء لها الصدر أيضًا.
стр. 347
وشذ قولُهُ:
خَالِيْ لأنتَ وَمَنْ جَرِيرٌ خَالُهُ ................ (١)
وكان القياس: (لأنت خالي).
قال أبو الفتح في "سر الصناعة": ويجوز أن يكون أراد: (لخالي أنت)، فأخر اللام ضرورة.
والثاني: نحو: (من لي منجدًا؟) فـ (مَن): اسم استفهام مبتدأ، و (لي): خبره، و (منجدًا): حال من الضمير المستتر في (لي) فلا يقدم الخبر؛ لأن الاستفهام له الصدر.
ومثله: (أيُّهم قائم؟)، و (كم مالُك؟).
وسبق أن (كم) هنا: خبر عند الأخفش.
стр. 348
ويجب تقديمها على الوجهين.
واسم الشرط كاسم الاستفهام، فتقول: (مَن يقم أقم معه)، فمن: اسم شرط مبتدأ، وما بعده: خبر.
وقيل: الخبر فعل الشرط فقط، وهو الصحيح، ولذا لو قدم على اسم الاستفهام أو اسم الشرط مضاف؛ كـ (غلام من في الدار) و (غلام من يقم أقم معه) .. فـ (غلام): مبتدأ في الموضعين، وخبر الأول: (في الدار)، وأما خبر الثاني .. فقد أغنى عنه جواب الشرط.
ويمتنع أيضًا تقديم الخبر في التعجب، نحو: (ما أحسن زيدًا،) ف (ما): مبتدأ، و (أحسن زيدًا): خبره على أحد الأوجه.
وكذا الخبر المقرون بالفاء؛ كقولك: (الذي يأتيني فله درهم)، فالموصول: مبتدأ، و (فله درهم): خبر.
ومثله: (رجل يسألني فيغنم)، ف (رجل): مبتدأ، و (يسألني): في موضع الصفة له، و (فيغنم): الخبر، فلا يقدم الخبر هنا؛ لأن الفاء تابعة لا متبوعة.
ودخول الفاء على الخبر جائز إن كان المبتدأ موصولًا أو نكره موصوفة كما سبق أو بالظرف.
ويجوز كون المبتدأ مضافًا لنكرة؛ كقولِ الشاعر:
................... وَكل خَيرٍ لَدَيهِ فَهوَ مَسؤُولُ (١)
نحو: (كل رجل في الدار فله درهم).
أو مضافا للموصول؛ نحو: (غلام الذي يأتيني فله درهم).
ويشترط أن يقصد العموم ويكون الفعل مستقبلا كما مثل، فدخلت الفاء في الخبر؛ لما في (الذي) من معنى الشرط.
стр. 349
واشترط الوصل أو الو صف بالفعل، لأن الشرط لا يكون إلا به.
وإنما جاز في الظرف؛ لأنه ينوب مناب الفعل.
ولما كان الشرط مبهمًا .. اشترط العموم، لأن فيه معنى الإبهام، فيمتنع: (الذي أبوه قائم فله درهم)، لفوات معنى الشرط بالجملة الاسمية.
ومنع القواس: (كل رجل كريم يأتيني فله درهم)، قال: لعدم العموم في النكرة (بغير)؛ لأنها اختصت بجنس الكريم.
ورُبَّما جاء الوصل بلفظ الماضي حقيقة، ومنه فِي القرآن: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾.
وأما قوله ﵊: "كل قرض جر منفعة فهو ربا" .. فإِنما وصفت فيه النّكرة بالماضي؛ لأنه فِي معنَى المستقبل.
وقد لا توصف النكرة مع (كل)، نحو: (كل نعمة فمن اللَّه) ذكره الشّيخ فِي "التّسهيل".
والَّذي سوغ دخول الفاء فِي خبر (إن) من قوله تعالَى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ كون الموصول صفة، فدخلت الفاء لما فِي (الّذي) من شبه الشّرط -كما سبق- وعلاقة التّشبيه بينهما: أَن كلًا من الشّرط والموصول سبب لما بعد الفاء.
وبعضهم اشترط فِي دخول الفاء: أَن يكونَ الموصول مبتدأ لا صفة.
وأجيب: بأن الصّفة والموصوف كالشيء الواحد، ولأَنَّ الموصول لا يكون إِلَّا صفة دائمًا، ولَا يجوز بقاء هذه الفاء فِي الخبر مع بعض نواسخ الابتداء كما سيأتي فِي آخر باب إِن وأخواتها.
وهل إِذا اقترن خبر الموصول بالفاء حملًا علَى الشرط يجوز أَن يجري مجرَى الشّرط فِي الجزم إِذا سقطت الفاء؟
منع ذلك البصريون فِي الاختيار.
وأَجازَ الكوفيون جزمه فِي الكلام، تشبيهًا لهُ بجواب الشّرط نحو: (الّذي