أي: (أمري حنان)؛ أَي: رحمة.
ومنها: أَن تسمع من يذم زيدًا فتقول: (من أنت زيدٌ؟)، فـ (زيد): خبر لمحذوف، والتّقدير: (من أنت مذكورك زيد).
ومنها: حذفه فِي قولك: (لا سيما زيدٌ)، إِذا رفعته، التّقدير: (لا سيما هو زيد).
ومنها: إذا كَانَ خبره مصدرًا مؤكدًا لنفسه؛ نحو: (لهُ عليَّ ألف أعترافٌ)؛ أَي: و (هذا اعترافٌ).
ويجوز حذف المبتدأ والخبر معًا لدليل، وفي القرآن: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ التّقدير: (واللّائي لم يحضن فعدتهن كذلك)، قاله الفارسي ومن وافقه.
وقال الأخفش: الأولَى أَن يكونَ حُذِفَ الخبر فقط؛ أَي: (واللّائي لم يحضن كذلك).
وإذا دار الأمر بين كون المحذوف مبتدأ أَو خبرًا .. فالأولَى: أَن يكونَ المحذوف مبتدأ؛ لَأنَّ الخبر محط الفائدة، قاله الواسطي.
وقيل عكسه.
واللَّه الموفق
ص:
١٣٨ - وَبَعْدَ لَولَا غَالِبًا حَذْفُ الْخَبر ... حَتْمٌ وَفِي نَصِّ يَمِينٍ ذَا اسْتقَرْ (١)
стр. 360
ش:
إِذا وقع المبتدأ بعد (لولا) و (لوما) .. وجب حذف خبره إِن كَانَ الخبر كونًا
مطلقًا؛ نحو: (لولا زيدٌ لأكرمتك)، التّقدير: (لولا زيد موجود لأكرمتك)، فحذف الخبر للعلم به.
فإن كانَ كونًا مقيدًا ولَا دليل عليه .. وجب ذكره عند المصنف والرّماني
وابن الشّجري والشلوبين؛ نحو: (لولا زيد سالمنا ما سلم) فَلَا يحذف (سالمنا).
وفي الحديث: "لولا قومك حديثوا عهد بكفر لبنيت الكعبة علَى قواعد إِبراهيم"، فلم يحذف الخبر، وهو (حديثوا عهدٍ)؛ إِذ لو حذف .. لم يعلم.
ومنه أيضًا قولُ الشّاعرِ:
لولا ابنُ أَوْسٍ نَأَى ما ضِيمَ صاحِبُهُ ................ (١)
فلو حذف (نأى) .. لم يعلم.
وقولُ الآخرِ:
لَولَا زُهَيرٌ جَفَانِي كُنتُ مُنتَصِرًا ................ (٢)
стр. 361
فلو حذف (جفاني) .. لم يُعلَم.
وقولُ الآخرِ:
وَلَولَا بَنُوهَا حَولَهَا لَخَبَطْتُهَا ................ (١)
فلو حذف (حولها) .. لم يُعلَم.
ومن أمثلة الرّماني: (لولا زيد في داره .. لكان كذا)، قال: لا يجوز حذف (فِي داره)؛ لأنه لم يعلم.
وقد لحَّنوا المعريَّ فِي قولِهِ:
................... فَلَولَا الغِمدُ يُمْسِكُهُ لَسَالا (٢)
стр. 362
ولَا لحن فيه عند المتقدم ذكرهم، لأنه كون خاص.
وقوله: (فِي نصِّ يَمينٍ ذَا اسْتقَرْ): معناه: أَن المبتدأ إِذا كَانَ نصًا فِي اليمين .. وجب حذف خبره؛ نحو: (لعمرك لأفعلن)، التّقدير: لعمرك قسمي.
فـ (لعمرك): مبتدأ، و (قسمي): خبره حذف وجوبًا، وسد جواب القسم مسده.
ولَا يجوز أَن يكونَ المحذوف مبتدأ، و (لعمرك): خبر؛ لأنه مصاحب للام الابتداء، وحقها أَن تدخل علَى المبتدأ.
ومثله فِي حذف الخبر: (أيمن اللَّه ليقومن زيد)، التّقدير: (أيمن اللَّه قسمي).
وقيل: يجوز هنا أَن يكونَ (قسمي): مبتدأ، وخبره: (أيمن اللَّه).
فإِن كانَ المبتدأ ليس نصًا فِي اليمين جاز إِثبات الخبر وحذفه، كقولك: (عهد اللَّه علَي لأفعلن)، فـ (عهد): مبتدأ، و (علي): خبره، ويجوز: (عهد اللَّه لأفعلن)، وسيأتي بسطه فِي حروف الجر.
стр. 363
تنبيه:
أبو الحسن بن الطّراوة: أَن الخبر: (لأكرمتك) فِي نحو: (لولا زيد لأكرمتك).
والكسائي: أَن (زيد) مرفوع بمضمر، أَي: (لولا حضر زيد لأكرمتك).
والفراء وابن كيسان: أنه مرفوع بنفس (لولا) ذكر ذلك أبو حيان فِي شرح هذا الكتاب.
واعلم: أَن قولهم: (عمرك اللَّه)، أصله: (أسألك بتعميرك اللَّه)، فهو مصدر مضاف لمفعوله.
والاسم الكريم: قيل: أصله (بعمرك اللَّهُ تعميرًا) فاعل، فحذف حروف الجر وزوائد المصدر، فحصل: (عمرَك اللَّه) بنصب (عَمْر) علَى نزع الخافض، ورفع الاسم الكريم.
وقيل: أصله: (عمرك اللَّه تعميرًا)، تحلفه باللَّه وتسأله بطول عمره أَن يفعل، فلما حذف الزّوائد .. انتصب (عَمر) انتصاب المصادر.
فإِد ذكرت اللّام .. رفع علَى الابتداء، نحو: (لعمر اللَّه)، والخبر محذوف؛ أَي: (قسمي) كما سبق.
ومعنى لعمر اللَّه: أحلف ببقاء اللَّه ودوامه .
وقيل: يجوز نصب الاسم الكريم مفعول، والمعنَى: أما عمرت الله تعميرًا؛ أَي: أقررت لهُ بالدّوام ووصفته بذلك.
والأحسن: رفعه علَى أنه فاعل كما تقدم.
وقيل: معنَى (عمرك الله): أذكرك اللّه تذكيرًا يعمر القلب.
وقوله: (ذا): مبتدأ، والإِشارة به إِلَى الحذف. وقوله: (استقر) فِي موضع رفع خبر عنهُ، وفي البيت تقديم معمول الخبر الفعلي علَى المبتدأ، وكثيرًا ما يرفض؛ فلو قال: (وفي نص يمين استقر) .. لكان أولَى، وفاعل (استقر) حينئذ: يعود علَى الحذف.
واللَّه الموفق
стр. 364
ص:
١٣٩ - وَبَعْدَ وَاوٍ عَيَّنَتْ مَفهُوْمَ مَعْ ... كَمِثلِ: [كُلُّ صَانِع وَمَا صَنَعْ] (١)
ش:
إِذا عطف اسم بالواو علَى مبتدأ وكانت الواو بمعنى (مع) .. وجب حذف خبر ذلك المبتدأ؛ نحو: (كلُّ صانع وصنعتُه)، و (كلُّ رجل وصنعتُه).
فـ (كل صانع): مبتدأ كلام إِضافي، و (صنعتُه): معطوف علَى المبتدأ، والخبر محذوف وجوبًا لأنه معلوم، فذكره عبث، والتّقدير: (كل صانع وصنعته مقترنان).
وكذا: (كل رجل وصنعته)، و (كل كريم وسماحته)، و (كل ثوب وقيمته).
وكذا بعد دخول النّاسخ؛ كقولِهِ:
فَدَع عَنكَ لَيلَى إِنَّ لَيلَى وَشَأْنْهَا ................ (٢)
стр. 365
والكوفيون والأخفش وأبو الحسن بن خروف: أَن هذا كلام تام لا يحتاج إِلى تقدير خبر، وأن المعنَى: (كل صانع مع صنعته)، و (كل ثوب مع قيمته)، ونحو ذلك.
فإِن لم تكن الواو نصًا فِي المعية .. جار حذف الخبر وذكره، ومن ذكره قول الشّاعر:
................... وَكلُّ امْرِئٍ وَالمَوتُ يَلتَقِيانِ (١)
فصرح بـ (يلتقيان)، لأنَّ الواو ليست نصًّا فِي المعية كما ذكر.
وكذا: (زيد وعمرو كالأخوين)، أَو: (زيد وعمرو قائمان)، فهذه الواو يجوز أَن تكون بمعنَى (مع)، وأن لا تكون كذلك .. فليست نصًّا فِي المعية.
واللَّه الموفق
стр. 366
ص:
٦٤٠ - وَقَبْلَ حَالٍ لَا يَكُوْنُ خَبَرَا ... عَنِ الَّذي خَبَرُهُ قَدْ أُضْمِرَا (١)
٦٤٦ - كضَرْبِيَ الْعَبْدَ مُسِيئًا وَأَتَمّ ... تَبْيِينيَ الْحَق مَنُوْطًا بِالحِكَم (٢)
ش:
يجب أيضًا حذف الخبر قبل الحال الَّتىِ لا تصلح أَن تكون خبرًا؛ بشرط:
• أَن يكونَ المبتدأ مصدرًا عاملًا فِي مفسر صاحب الحال.
• أَو يكونَ المبتدأ أفعل تفضيل وهو مضاف للمصدر.
فمثال الأول: قول الشّيخ: (ضربي العد مسيئًا)؛ فـ (ضربي): مبتدأ، وهو مصدر مضاف، و (العبد): مفعول عمل فيه المصدر المضاف للفاعل، و (مسيئًا): حال من الضّمير فِي كَانَ المحذوفة، وهو عائد علَى العبد، والتّقدير: (ضربي العبد ثابت أَو موجود إِذا كَانَ مسيئًا)، فـ (ثابت)، أَو (موجود): هو الخبر، و (إِذا): ظرف مضاف لكان، وهو متعلق بـ (ثابت) أَو (موجود)، وقد سدّت الحال مسد الخبر.
стр. 367
وَكانَ هنا تامة ولَا يجوز أَن تكون ناقصة، و (مسيئًا) خبرها، لأنَّ المنصوب بعد (كَانَ) هذه ملتزم فيه التّنكير، والخبر لا يلزم فيه ذلك، وقس علَى هذا المثال ما كَانَ مثله، فالمبتدأ فيه مصدر كما ذكر -وهو الضّرب- وقد عمل فِي مفسر صاحب الحال وهو (العبد)، لأنَّ صاحب الحال هو الضمير المتقدم ذكره، و (العبد) مفسر لذلك الضّمير؛ لأنَّ الضّمير للعبد.
وعن الكوفيين: أنهم يقدرون الخبر فِي هذه المسألة بعد الحال.
وذهب الأخفش: إِلَى أَن الخبر ليس مقدرًا لشيء ممَّا ذكر، وإِنما هو مقدر بمصدر مضاف لصاحب الحال، فالتّقدير عنده: (ضربي العبد ضربه مسيئًا).
وقيل: (ضربي): فاعل لمحذوف، أَي: (ثبت ضربي العبد مسيئًا).
وقيل: مبتدأ لا خبر لهُ.
ويقال فِي الاستقبال: (إِذا كَانَ مسيئًا)، وفي الماضي: (إِذ كَانَ مسيئًا).
والمثال الثّاني: كقولِهِ: (أتمُّ تبيينيَ الحقَّ مَوطًا بِالحِكَم)، فـ (أتم): أفعل تفضيل مبتدأ، و (تبييني): مضاف إِليه وهو مصدر أيضًا مضاف للياء، و (الحق): منصوب بالمصدر المضاف للياء، و (منوطًا): حال من الضمير فِي كَانَ المحذوفة كما سبق.
ومثله: (أخطب ما يكونَ الأمير قائمًا).
واحترز بقوله: (لا يكونَ خَبرًا): عن الحال الَّتي يجوز أَن تكونَ خبرًا عن المبتدأ، نحو: (زيدٌ قائمًا)، فـ (قائمًا): حال من الضّمير الّذي فِي الخبرِ المحذوف جوازًا" أَي: (زيد ثبت قائمًا)، فَلَا يجب حذف هذا الخبر؛ لأن هذه الحال صالحة لأن تكون خبرًا هنا؛ كما تقول: (زيد قائم) كقولهم: (حكمك مسمطًا)؛ أَي: حكمك لك مسمطًا، فحذف الخبر جوازًا؛ إِذ يصح أَن يقول: (حكمك مسمطًا)؛ أي: ثابت.
ومنه قراءة علي ﵁ (ونحن عصبةً)، أَي: ونحن معه عصبة، أَو تثبت عصبة، فحذف الخبر وسدت الحال مسده.
وقول بعض الصّحابة: (كانوا يصلون مع رسول الله ﷺ وهم عاقدي أزرهم)؛ أَي: وهم متزرون عاقدي أزرهم، فَلَا يجب حذف الخبر إِلَّا إِذا لم يصلح الحال أَن
стр. 368
يكونَ خبرًا، كـ (ضربي العبد مسيئًا)، ف (مسيئًا): حال لا يكونَ خبرًا هنا، إِذ لا يقال: (ضربي مسيء)، بَلْ: (زيد مسيء).
وتسد الجملة المقرونة بواو الحال مسد الخبر، كقولِهِ ﵊: "أقرب ما يكونَ العبد من ربه وهو ساجد".
وهو حجة علَى سيبويه فِي منعه أَن يكونَ الحال هنا جملة.
وقالَ الشّاعرُ:
خيْرُ اقْتِرابي مِنَ الْمَوْلى حَلِيْفَ رِضَا ... وَشَرُّ بُعْدِيَ عنهُ وَهْوَ غَضْبَانُ (١)
فشطره الأول: نظير قوله: (أتم تبييني الحق منوطًا).
و (شر بعدي): مبتدأ، وقوله: (وهو غضبان): جملة فِي موضع الحال كما فِي الحديث، وسدت مسد الخبر.
وأَجازَ الكسائي مجيئها بغير واو.
стр. 369
وأَجازَ المصنف وقوع الحال فعلا فِي نحو: (ضربي العبد مسيئًا) لضربي العبد يسرق.
ومنعه الفراء.
وأَجازَ الأخفش: (أخطب ما يكونَ الأمير قائمٌ)، علَى أَن (قائم): خبر عن (أخطب)، وفيه مجاز، لأنَّ قائم من صفات الأعيان ووقع خبرًا عن (أخطب).
وكلذا يجب حذف الخبر فِي نحو: (زيد سيرًا سيرًا)، التّقدير: (يسير يسيرًا)، فحذف الخبر لقيام التكرير مقامه.
واللَّه الموفق
ص:
١٤٢ - وَأَخبَرُوا بِاثنَين أَوْ بِأَكْثَرا ... عَن وَاحِدٍ كَهُمْ سَرَاةٌ شُعَرَا (١)
ش:
منع ابن عصفور وجماعة من المغاربة تعدد الخبر لمبتدأ واحد، لأنَّ الخبر مُشبةٌ للفاعل؛ إِذ كل واحد منهما جزء ثان من الجملة، والفاعل لا يكونَ إِلَّا واحدًا.
والصّحيح خلافه.
أَجازَ سيبويه: (هذا رجل منطلق)، على أنهما خبران، فيخبر باثنين أَو أكثر عن المبتدأ الواحد.
* فالتّعدد فِي اللّفظ والمعنَى: كقولِهِ تعالَى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾.
وقولِك: (زيد كاتب شاعر حاسب)، وقول الشّاعر:
стр. 370
مَنْ يَكُ ذَا بتٍّ فَهَذا بَتِّي ... مُقَيِّظ مُصَيِّفٌ مُشَتِّي (١)
والمانعون يقدرون لكل واحد مبتدأ؛ أَي: (هذا مقيظ، هذا مصيف، هذا مشتي).
ويجوز العطف هنا علَى الصّحيح بالواو؛ كـ: (زيد كاتب وشاعر وحاسب).
و (البت): الكساء الغليظ.
وقولُ الآخِر:
يَنَامُ بإِحدَى مُقلتَيهِ وَيتَّقِي ... بِأُخرَى المَنايَا فَهوَ يَقظَان هَاجعُ (٢)
стр. 371
• والتعدد في اللفظ فقط، كـ (المان حلو حامض) ولَا عطف فيه، لأنهما كالشيء الواحد، والمعنَى: (الرّمان مز)، فهو مفرد حكمًا.
وأَجازَ الفارسي العطف؛ نظرًا إِلَى تغاير اللّفظ، وتبعه العكبري، قال فِي قوله تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ﴾، (الَّذين): مبتدأ، و (صم بكم): الخبر؛ مثل: (حلو حامض)، والواو لا تمنع من ذلك. انتهَى.
واختلف فِي الضّمير الرّابط هنا:
فقيل: فِي الأول.
وقيل: فِي الثّاني.
وأبو حيان: فِي كل منهما ضمير.
وقيل: الضّمير يعود من معنَى الكلام، وكأنه قيل: (هذا مز).
ولَا يفصل بينهما مطلقًا، ولَا يقدمان علَى المبتدأ، ولَا يتقدم الحامض علَى الحلو؛ خلافًا لبعضهم، ومثله: (زيد أعسر أيسر)؛ أَي: (أضبطُ): يعمل بكلتا يديه.
ويتعدد الخبر بتعدد صاحبه حقيقة؛ كـ (إِخوتك كاتب وحاسب وشاعر).
قال محمد بن أبي الفتح البعلي تلميذ المصنف فِي "شرح جمل عبد القاهر الجرجاني": ومنه قولُ الشّاعرِ:
стр. 372
يداكَ يدٌ خَيرُها يُرتَجَى ... وأُخرَى لأعدَائِها غائظة (١)
وقال ابن قيم الجوزية فِي شرح هذا الكتاب: والاستشهاد به علَى تعدد الخبر لمبيدأٍ واحدٍ وهمٌ (٢).
واستشهد به بعضهم علَى أنه ممَّا تعدد فيه المبتدأ حكمًا لا حقيقة والحقيقة أظهر، فهو مبتدأ، و (يد): خبر، و (يرتجَى خيرها): صفة ليد، و (أخرى) خبرٌ ثانٍ عطفَ علَى يد، و (غائظة): صفة لـ (أخرَى).
وقيل: تقديرُهُ: (هاتان يداك، إِحداهما يد يرتجَى خيرها، والأخرَى غائظة للأعداء).
وأما تعدده حكمًا .. فكقوله تعالَى: ﴿أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ﴾.
وكَقَولِ الشَّاعرِ:
فأفرد الخبر.
ويغني فيه الواحد عن الاثنين، كقولِهِ:
وَعَينٌ لَها حَدرةٌ بَدرَةٌ ... وَشُقَّت مَآقِيهمَا مِن أُخَر (١)
فأوقع (عين) موقع (عينين)، بدليل: (مآقيهما).
و (هُمْ): مبتدأ، و (سَرَأةٌ): خبر، و (شُعَرا): خبر ثان.
والسّراة: جمع سري، وهو السّخي ذو المروءة.
واللَّه الموفق
* * *
ش:
نواسخ الابتداء: أفعال وحروف.
فالحروف: إن وأخواتها، وما وأخواتها، ولَا التبرئة.
والأفعال: كَانَ وأخواتها، وأفعال المقاربة، وظننت وأخواتها.
والمبتدأ مع خبره جملة، ودخول الأفعال علَى الجمل علَى خلاف القياس؛ لأنَّ الأفعال تناسب معانيها للمفردات، بخلاف الحروف، كـ (هل زيد قائم؟)، و (ليت عمرًا فِي الدّار)، وإِن كَانَ كل منهما ناب عن فعل، لأنَّ الأول ناب عن (أسأل)، والثّاني عن (أتمنَى)، فجيء بالحرفِ قصدًا للاختصار، وترك الأول، ولكن توسعت العرب فِي بعض الأفعال، فأجروها مجرَى الحروف، وسميت نواسخ الابتداء؛ لأنَّ المبتدأ مرفوع بالابتداء كما علم، فلما دخلت هذه الأفعال .. نسخت عمله، وصار العمل لها، فترفع المبتدأ اسمًا لها، وتنصب الخبر خبرًا لها.
والكوفيون: لم تعمل شيئًا، والمرفوع بعدها باق علَى رفعه، والمنصوب حال، وهذه الأفعال غير حقيقية؛ لدلالتها علَى الزّمان دونَ الحدث، فـ (كان زيد قائمًا) بمنزلة (قام زيد) فِي الدّلالة علَى قيامِ فِي زمان ماض دونَ الحدث، فلما كانت غير حقيقية .. أطلق علَى معمولها ما يطلقَ علَى معمول الحروف؛ من كون الأول اسمًا، والثّاني خبرًا، ولما سلبت الدّلالة علَى الحدث .. عوضت الخبر، ولهذا لا تؤكد، فَلَا يقال: (كَانَ زيد قائمًا كونًا)؛ لجعل خبرها عوضًا منه -كما ذكر- ولأَنَّ معانيها فِي غيرها، فإِنها وضعت لتقرير الخبر للمبتدأ.
ومِن هنا قال عبد الرّحمن الزّجاجي: هي حروف.
وهذا فِي غير كَانَ التامة، فإِن التّامة: فعل حقيقي يدل علَى الحدث والزّمان.
ونازع المصنف فِي أَن النّاقصة لا تدل علَى الحدث؛ لأَنَّها لو جردت عن الحدث .. ما صيغ منها أمر لأنَّ الأمر لا يُبنَى ممَّا لا دلالة للحدث عليه.
стр. 377
ورُبَّما سمي المرفوع فِي هذا الباب: فاعلًا، ووقع ذلك فِي عبارة المبرد.
ويدخل النّاسخ علَى كل مبتدأ إلا.
ما له الصّدد؛ كاسم الشّوط؛ والاستفهام، وما أُضيفَ لهُ، كـ (غلام أيهم عندك؟).
وما لزم عدم التّصرف فِي كونه لا يستعمل إِلَّا مبتدأً؛ كـ (طوبَى للمؤمن).
والمبتدأ الواقع بعد إِذا الفجائية، كـ (خرجت فإِذا الأسد).
والمخبر عنهُ بجملة طلبية، ويشمل: النّهي؛ نحو: (زيدٌ اضربه)، و (زيدٌ لا تضربه).
أَو بماض؛ كـ (زيد قام) كما سيأتي.
والواقع بعد "لولا"؛ كـ (لولا زيد لأكرمتك).
أَو بعد "حبذا"،كـ (حبذا زيدٌ) إن أعرب مبتدأ.
والمبتدأ الواجب الحذف مع النّعت المقطوع.
ومنع ابن عصفور دخول (كَانَ النّاقصة) علَى ما سدّت الحال مسد خبره؛ كـ (ضربي العبد مسيئًا).
وخالفه السّيرافي وشيخه ابن السّراج.
وهذه الأفعال علَى ثلاثة أقسام:
١. ما يعمل بلا شرط، كـ (كان، وظل، وبات، وأضحَى، وأصبح، وأمسَى، وصار، وليس)، نحو: (كان زيد قائمًا) ... إِلَى آخره.
ويكون ما دلت عليه (كَانَ):
• منقطع المضي؛ نحو: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾.
• وبمعنَى الحال؛ نحو: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾.
• والاستقبال، نحو: ﴿يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾.
وكَقَولِ الشَّاعرِ:
стр. 378
فَأَدرَكتُ مَا قَدْ كَانَ قَبلِي وَلَمْ أَدَعْ ... لِمَنْ كَانَ بَعدِي فِي القَصَائِدِ مَصنَعَا (١)
أي: يكونَ بعدي.
• وهي بمعنَى الأزل والأبد فِي نحو: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
• ولَا يقال: (كَان زيد قام) -كما سبق- لأنَّ تعيين الزّمان قَدْ علم من (كَانَ).
• بخلاف (إن يكن زيد قام) .. فيجوز.
وأما قوله تعالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ﴾ .. فهو فِي معنَى المستقبل؛ لكونه شرطًا، فالمعنى: (إن يكن).
وبعضهم تجوَّز مع (قَدْ)، نحو: (كَانَ زيد قَدْ سافر).
وقد جاء بدون (قد) والشّرط؛ كقولِهِ تعالَى: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ﴾. وسهل ذلك ذكر (قَدْ) فِي الكلام.
• ولَا يجوز: (كَانَ زيد سيقوم)، لما بَينَ (كَانَ) و (السّين) من التّناقض. ومعنَى (كَانَ): وجد.
стр. 379
و (ظل): أقام نهارًا.
و (بات). أقام ليلًا.
و (أضحَى): دخل فِي الضُّحَى.
و (أصبح): دخل فِي الصّباح.
و (أمسَى): دخل فِي المساء.
و (صار): التّحول من صفة إِلَى أخرَى.
و (ليس): لنفي الحال، إن أطلق النّفي، نحو: (ليس زيد قائمًا)، أَي: الآن.
فإِن نفى غير الحال .. جيء بالقرينة، كـ (ليس زيد مسافرًا غدًا) و (ليس خلق الله مثله).
وابن السّراج: أنها حرف بمنزلة لا النّافية، لعدم تصرفها.
وأجازه سيبويه فِي: (ليس خلق الله مثله).
وأن تكون هنا فعلًا، واسمها ضمير الشّأن.
وأصلها (ليِس) بكسر الياء.
وسمع: (لُست قائمًا) بضم اللّام.
وحكَى الفراء: كسرها.
وأهملها التّميميون، حملًا علَى (ما)، لكن مع (إِلَّا)، كقولهم: (ليس الطّيب إِلَّا المسكُ) برفعهما.
والفارسي: اسمها ضمير الشّأن هنا، والجملة خبر.
قال ابن عقيل فِي "شرح التّسهيل": لو كَانَ كذلك .. لقيل: (ليس إِلَّا الطّيب المسك). انتهَى.
وكأنه فر من زيادة (إِلَّا) فِي خبر (الطّيب).
وقد يقال: إن الّذي سهّل زيادتها: وجود (ليس) فِي الكلام.
وقد قيل في (ما كَانَ زيد بقائم): إن اسم (كَانَ): ضمير الشّأن، و (زيد): مبتدأ،
стр. 380
و (قائم): خبره، والجملة: خبر (كَانَ)، وجاز دخول الباء، لوجود (ما النّافية)، لأنَّ الباء تدخل فِي خبر (ما).
وأبو الفتح: إن (الطّيب): مبتدأ، و (المسك): خبره، و (إِلا): زائدة أيضًا، وأَجازَ أَن يكونَ الأصل: (ليس إِلَّا الطّيب المسك)، وأخرت.
وقول الفارسي: "إن فيها ضمير الشّأن" .. يقتضي أنها فعل، وقال هو فِي "الحلبيات": إنها حرف، ويحتمل أَن يجيز فيها الإِضمار لقوة شبهها بالفعل.
ومن إِضمار الشّأن قولُهُ:
................... وَلَيسَ مِنها شِفَاءُ النَّفسِ مبذُوْلُ (١)
برفعهما.
برفع (كل)، و (السّبع)، أَو هو من لحن المتنبي؛ إِذ هو من المولَّدين.
[ما يستعمل استعمال "ليس" من الأفعال]
واستعمل العرب (ارتد)، و (استحال)، و (رجع)، و (عاد)، و (قعد)، و (حار)، و (تحول)، و (آض) بمعنَى (صار)؛ قال الله تعالَى: ﴿فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾.
وفي الحديث: "فاستحالت غربًا"، وحديث: "لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض".
وسمع من العرب: (أرهف شفرته حتَّى قعدت كأنها حربة)؛ أَي: (حتَّى صارت).
وحكَى سيبويه: (ما جاءت حاجتَك) بالرّفع والنّصب؛ فالنّصب علَى معنَى ما صارت حاجتك (١).
وقولُ الشّاعرِ:
وَمَا شَيءٌ إِذَا فَسَدَا ... تَحَوَّل غَيُّهُ رَشَدَ (٢)
стр. 383
وقولُ الآخرِ:
................... يَحُورُ رَمَادًا بَعدَ إِذ هُوَ سَاطِعُ (١)
وقد تستعمل (كَانَ)، و (ظل)، و (أضحَى)، و (أصبح): بمعنَى "صار"، قال تعالَى ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾، ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾.
٢. ومنها ما يعمل بتقدم نفي أَو نهي أَو دعاء، وهي:
(زال) الَّتي مضارعها: (يزال)، لا: (يزول).
و (يرح)، و (فتئ)، و (انفك)؟ كما قال: (وهذي الأربعة لشبه نفي أَو لنفي متبعه)؛ نحو: (ما زال زيد قائمًا)، وقولِ الشّاعرِ:
والدّعاءُ؛ كقولِهِ:
................... وَلَا زَالَ مُنهَلا بَجَر عَائَكِ القَطرُ (١)
ولَا تدخل لفظة (إِلَّا) فِي غير هذه الأربعة، فَلَا يقال: (ما زال زيد إِلَّا مقيمًا).
بخلاف ما يقصد إِيجابه؛ نحو: (ما كَانَ زيد إِلَّا كريمًا).
стр. 387
وقد خطأ ذو الرّمة فِي قولِهِ:
حَرَاجِيجُ لَا تَنفَك إِلَّا مُنَاخَةً ................ (١)
بالنّصب.
وأبو الفتح: أن (إِلَّا) زائدة، وسيأتي.
وقد تستغني عن النّفي بـ (قلَّما)، كقولِهِ:
قَلَّمَا يَبرحُ المُطِيعُ هَوَاهُ ... وَجِلا ذَا كَآبَةٍ وَغَرَامِ (٢)
стр. 388
٣. ومنها: ما يعمل بشرط أَن يسبقه ما المصدرية، وهو (دام)؟ نحو: (أكرمُك ما دمت ملازمًا)، أَي: مدة دوام ملازمتك.
ومعنَى دام: بقي واستمر.
وإِذا قلت: (ما زال زيد كريمًا) .. فالمعنى: أنه ملازم للكرم؛ لأنَّ (ما): نافية، و (زال): نافية، ونفي النّفي: إِثبات.
واللَّه الموفق
ص:
١٤٧ - وَغَيْرُ مَاضٍ مِثلَهُ قَدْ عَمِلَا ... إِنْ كَانَ غَيْرُ الْمَاضِ مِنهُ اسْتُعْمِلَا (١)
стр. 389
ش:
غير الماضي من هذه الأفعال إن استعمل فِي كلام العرب .. عمل أيضا كالماضي.
وهذه الأفعال:
• متها: ما يتصرف تصرفًا تامًا، فيعمل منه: المضارع, والأمر، والمصدر، والصّفة، وهو: (كَانَ)، و (ظل)، و (بات)، و (أضحَى)، و (أصبح)، و (أمسَى)، و (صار)، قال تعالَى ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾، ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾، وأمن عمل، المصدر: قولُ الشّاعرِ:
بِبَذْلٍ وَحِلْمٍ سَادَ فِي قَومِهِ الْفَتَى ... وَكَوْنُكَ إِيَّاهُ عَلَيكَ يَسِيرُ (١)
فـ (كونك): مصدر مضاف لاسمه، و (إِيَّاه): خبرًا لـ (كون) علَى حذف مضاف، والأصل: (وكونك فاعله)، فحذف المضاف، فانفصلت الهاء، فحصل إِياه،
стр. 390
و (عليك يسير): خبر المبتدأ.
ومن اسم الفاعل: قولُهُ:
وَمَا كلُّ مَنْ يُبْدِي الْبَشَاشَةَ كائِنًا ... أَخَاكَ إِذَا لَمْ تُلْفِهِ لَكَ مُنْجِدَا (١)
• ومنها: ما يتصرف تصرفًا ناقصًا فَلَا يستعمل منه أمر ولَا مصدر، وهي: (زال)، و (برح)، و (فتئ)، و (انفك)، فإعمال اسم الفاعل فِي قولِهِ:
قَضَى اللَّهُ يا أَسماءُ أَن لَسْتُ زائِلا ... أُحِبُّكِ حتى يُغْمِضَ العَيْنَ مُغْمِضُ (٢)