١٦٧ - وَأَلْزَمُوا اخْلَوْلَقَ أَنْ مِثْلَ حَرَى ... وَبَعْدَ أَوْشَكَ انْتِفَا أَنْ نَزُرَا (١)
ش:
(حرى): مثل (عسَى) في الدّلالة علَى الرّجاء كما سبق، ويجب اقتران خبرها بـ (أن)؛ نحو: (حرَى زيد أَن يقوم)، قال الشّاعرُ:
.................... ... فحَرَى أَنْ يَكونَ ذاك وَكَانَا (٢)
وَلَم يرِد مجردًا منها أصلًا.
و (اخلولق): كذلك، ومن أمثلة سيبويه: (اخلولقت السّماء أَن تمطر).
والغالب فِي (أوشك): اقتران خبرها بـ (أن)؛ كقولِهِ:
وَلَو سُئِل الناسُ التُّرابَ لأَوشَكُوا ... إِذَا قِيلَ هَاتوا أَن يَمَلُّوا وَيَمنَعُوا (٣)
стр. 460
ونزر انتفاؤها من الخبر كما قال الشّيخ؛ أَي: قلَّ.
ومنه قولهُ:
يُوشِكُ مَن فَرَّ مِن مَنِيَّتِهِ ... فِي بَعضِ غِرَّاتِهِ يُوَافِقُها (١)
جمع غرة: وهي الغفلة.
واللَّه الموفق
стр. 461
ص:
١٦٨ - وَمِثلُ كَادَ في الأَصَحِّ كَرَبَا ... وَتَرْكُ أَنْ مَعْ ذِي الشُّرُوعِ وَجَبَا (١)
١٦٩ - كَأَنْشَأَ السَّائِقُ يَحْدُو وَطَفِقْ ... كَذَا جَعَلْتُ وَأَخَذْتُ وَعَلِقْ (٢)
ش:
(كرِبَ) مثل (كاد) في: الدّلالة علَى القرب كما سبق، وقلة اقتران الخبر بـ (أن).
وقوله: (فِي الأَصَحِّ): فيه التّعريض:
لسيبويه؛ حيث نفَى اقتران خبرها بـ (أن) فيما نقل عنهُ.
ولابن الحاجب أيضًا؛ حيث عدها من أفعال الشّروع.
كما عد منها: (أوشك) أيضًا.
فمن التّجرد من (أَن) قولُ الشّاعرِ:
كَرَبَ القَلبُ مِن جَوَاهُ يَذُوبُ ... حِينَ قَالَ الوُشَاةُ هِندٌ غَضُوبُ (٣)
стр. 462
وشى به: إذا نمَّ عليه.
ومن القليل قولهُ:
............................. ... وَقَد كَرَبَتْ أَعنَاقُهَا أَن تَقَطَّعَا (١)
стр. 463
والمشهور فِي (كَرب): فتح الرّاء.
وحكي كسرها.
ويجب ترك أَن مع أفعال الشّروع؛ لأنَّ (أَن) تقتضي الاستقبال كما علم وفعل الشّروع يقتضي الحال فتنافيا، ولهذا قال المصنف ﵀: (وتركُ أَنْ معْ ذِي الشّروعِ وَجَبَا).
قال تعالَى: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾.
ونحو قول الشّاعرِ:
وقَد جعلتُ إِذا ما قُمتُ يُثقِلُني ... ................... (١)
وسبق فيه شاهد آخر، وقس ما بقي من أفعال الشّروع؛ كـ (أنشأ السائق يحدو)، و (علق عمرو يعدو)، و (هلهل زيد يقرأ)، و (هبَّ يدعو).
قال الشّاعرُ:
أَرَاكَ عَلِقتَ تَظلمُ مَن أَجَرنَا ... .................... (٢)
стр. 464
وقالَ آخرُ:
................... ... هَلْهَلْتُ أَثْأَرُ مالكًا أو صِنْبِلا (١)
بضم الواو: الأرض المتوحِّشَةُ، وبفتحها: كصبور وشكور، يستوي فيه المذكر والمؤنث. و (اليباب) بالياء آخر الحروف بعدها موحدة قبل الألف: الأرض الخراب، هذا ما ذكره الشّيخ هنا.
وحكَى الأخفش: مضارعًا ومصدرًا لطفق؛ نحو: (طفق يطفق)، و (طفق طفوقًا وطَفَقًا) أيضًا كفرح فرحًا.
والكسائي: مضارع جعل.
وعبد القاهر: عسَى يعسَى فهو عاس.
وجاء اسم الفاعل من (كرب) فِي قولهِ:
أَبُنَيَّ إِنَّ أَبَاكَ كَارِبُ يَومِهِ ... ................. (١)
стр. 468
وقال الجوهري: هو من (كرب) التّامة الَّتي لا خبر لها: كقولهم: (كرب الشتاء)؛ أَي: قرب.
وحكَى ابن أفلح: (كرَب يكرُب) بالضّم كنصر ينصر.
وجاء (١) اسم الفاعل من (كاد) فِي قول الآخر:
أَمُوتُ أَسىً يَومَ الرِّجَامِ وَإِنَّنِي ... يَقِينًا لَرَهْنٌ بِالَّذِي أَنَا هُوَ كَائِدُ (٢)
стр. 469
وجزم ابن السّكيت: بأن الرّواية (كابد) بالموحدة، فَلَا شاهد.
والرّجام بالرّاء والجيم: اسم موضع.
وحكَى أبو علي قطرب مصدر (كاد)؛ نحو: (كاد: كودًا، وكيدًا، ومكادًا، وكيدودة).
ويقال: (كُدت) أفعل بضم الكاف، حكاه سيبويه.
واللَّه الموفق
ص:
١٧١ - بَعْدَ عَسَى اخْلَوْلَقَ أَوْشَكَ قَدْ يَرِدْ ... غِنًى بِأَنْ يَفْعَلَ عَنْ ثَانٍ فُقِدْ (١)
ش:
يقع (أَن) والفعل بعد (عسَى)، و (اخلولق)، و (أوشك) .. فتسد مسد الجزأين؛
стр. 470
كما تسد مسد مفعولي (ظن).
وقيل: استغنَى بالمرفوع عن الثّاني كما فِي (كَانَ التّامة)؛ نحو: قوله تعالَى: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا﴾، وكقولك: (عسَى أَن يفعل)، و (اخلولق أَن يفعل)، و (أوشك أَن يفعل)، فهو فاعل، والتّقدير: (قرب فعله)، أَو (دنَا فعله).
والخضراوي: لا يجوز ذلك فِي (اخلولق).
وقوله: (غنَىً): فاعل (يَرِدْ)، والمعنَى: قَدْ يرد الاستغناء بـ (أن يفعل) بعد هذه الثّلاثة عن الجزء الثّاني.
فإِن ذكر اسم بعد (أَن يفعل)؛ نحو: (عسَى أَن يفعل زيد):
فالمبرد والفارسي والسّيرافي والشلوبين: أَن (زيدٌ) فاعل بالفعل قبله، و (أنْ) والفعل فِي تقدير فاعل بـ (عسَى)، وهي تامة لا خبر لها.
فتقول علَى هذا المذهب: (عسَى أَن يخرج الزّيدان)، و (عسَى أَن يخرج العمرون)، و (عسَى أَن يخرج الهندات)، وليس فِي (يخرج) ضمير؛ لأنه رفع الاسم الظّاهر بعده علَى الفاعلية أيضًا، و (أن يخرج): فاعل بعسَى كما ذكر.
وأَجازَ الثّلاثة دونَ الشلوبين فِي (عسَى أَن يفعل زيد): أن يكون (زيدٌ) مرفوعًا بـ (عسَى) اسمًا لها وهي ناقصة، و (أنْ والفعل): فِي موضع نصب خبرًا علَى التّقديم والتّأخير، وفي (يفعل): ضمير يعود علَى (زيد) وإِن كَانَ متأخرًا؛ لأنه فِي نية التّقديم.
فتقول علَى هذا المذهب: (عسَى أَن يقوما الزّيدان)، و (عسَى أَن يذهب العمرون)، و (عسَى أَن يقمن الهندات)، فتبرز الضّمير؛ لأنَّ (الزّيدان، والعمرون، والهندات) ليس فاعلًا بمدخول أَن، بَلْ هو اسم عسَى، و (أنْ والفعل): فِي موضع نصب علَى الخبرية علَى التّقديم والتّأخير كما سبق.
ويتعين أَن تكود عسَى تامة علَى القول الأول فِي قوله تعالَى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ إِن جعل نصب (مقامًا) بالفعل المذكور علَى أنه ظرف أَو غير ذلك؛ فإِن (يبعثك): فِي تقدير فاعل، و (الاسم الكريم): فاعل يبعث.
فإِن انتصب (مقامًا): بمحذوف علَى المصدر؛ أَي: (فيقوم مقامًا) .. جاز أَن
стр. 471
تكونَ التّامة، وأن تكون ناقصة علَى التّقديم والتّأخير كما علم.
ولو جعلت ناقصة عند انتصاب (مقامًا) بالفعل المذكور .. لزم الفصل بأجنبي بَينَ العامل الّذي هو (يبعث) والمعمول الّذي هو (مقامًا)؛ لأنَّ (الاسم الكريم) حينئذ يصير اسم (عسَى) لا فاعلًا بـ (يبعث).
واللَّه الموفق
ص:
١٧٢ - وَجَرِّدَنْ عَسَى أَوِ ارْفَعْ مُضْمَرَا ... بِهَا إذَا اسمٌ قَبْلَهَا قَدْ ذُكِرَا (١)
ش:
إِذا ذكر اسم قبل (عسَى) .. جاز عند تميم أَن يجعل فيها ضمير عائد علَى ذلك الاسم المتقدم، ويكون هذا الضّمير اسم (عسَى)، و (أنْ والفعل): فِي موضع نصب علَى الخبر؛ نحو:
(زيد عَسَى أَن يفعل)، و (هند عست أَن تفعل)، و (الزّيدان عسيا أَن يفعلا)، و (الزّيدون عسوا أَن يفعلوا)، و (الهندات عسين أَن يفعلن).
وجردها الحجازيون من الضّمير نحو: (هند عسَى أَن تقوم)، و (الزّيدون عسَى أَن يقوموا)، و (الهندات عسَى أَن يقمن)، و (أن والفعل) عندهم: فِي موضع رفع بـ (عسَى)، وهو قائم مقام الاسم والخبر.
وقال البعلي: إنه اسمها، وبلغتهم نزل القرآن العظيم، قال تعالَى: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ
стр. 472
مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾.
وظاهر كلام الشّيخ ﵀: أَن ذلك مختص بـ (عسَى).
وأكثر شراح هذا الكتاب أنه جائز فِي (اخلولق)، و (أوشك)؛ نحو: (الزّيدان اخلولق أَن يقوما)، و (اخلولقا أَن يقوما).
وأما غير هذه الثّلاثة من أفعال هذا الباب .. فمتَى تقدمه اسم: وجب أَن يؤتَى فيه بضمير مطابق لذلك الاسم المتقدم؛ نحو: (الزّيدان جعلا يقرآن)، و (الهندات أخذن يبكين).
واللَّه الموفق
ص:
١٧٣ - وَالْفَتْحَ وَالْكَسْر أَجِزْ فِي السِّيْنِ مِن ... نَحْوِ عَسَيْتُ وَانْتِقَا الْفَتْحِ زُكِنْ (١)
ش:
إن جردت عسَى فالسّين مفتوحة لا غير.
ومتَى اتصل بها ضمير مرفوع لمتكلم أَو مخاطب أَو نون إناث .. جاز الفتح والكسر أشهر، وهو المختار.
وانتقاء الفتح (زُكن)؛ أَي: (واختيار الفتح عُلِم).
ومنع من الكسر أبو عبيدة، وهو محجوج بقراءة نافع: (قال هل عسِيتم)؛ فـ (هل عسِيتم) بكسر السّين.
وابن السّراج: أَن (عسَى) ترج بمنزلة (لعل).
ونسب أيضًا للكوفيين.
والصّحيح: فعل كما سبق.
стр. 473
تنبيه:
إِذا قلت: (كاد زيد يقوم) .. فمقاربة القيام: موجودة، والقيام: منتف.
وإِن قلت: (ما كاد زيد) .. فالمقاربة: منتفية، والقيام: منتف أبعد من انتفائه فِي المثال الأول.
قال تعالَى: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ .. فهو أبلغ من نفي الرّؤية من أَن يقال: (لم يره).
ووهم بعضهم فِي (كاد)، فظن أَن إِثباتها نفي وعكَسَهُ، وعمل لغزًا وهو قولهُ:
أَنَحوِيُّ هَذَا العَصرِ مَا هِيَ لَفظَةٌ ... جَرَتْ فِي لِسَانَي جُرْهُمٍ وَثَمُودِ (١)
إِذَا اسْتُعمِلَت فِي صُورَةِ الجَحْدِ أُثبِتَتْ ... وَإِنْ أُثْبِتَتْ قَامَتْ مَقَامَ جُحُودِ
وليس بشيء؛ إِذ حكمها كحكم سائر الأفعال؛ فمعناها منفي إِذا صحبت نفيًا، وثابت إِذا لم تصحبه.
وأما قوله تعالَى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ .. فكلام يتضمن كلامين، ومضمون كل واحد منهما فِي وقت غير وقت الآخر، والتّقدير: (فامتنعوا من ذبحها فِي زمن، ثم بدا لهم بعد ذلك ذبحها)؛ فهو علَى حد قولك: (ولدت هند وَلَم تكد تلد)، قال ذلك المصنف ﵀.
ويجوز حدف الخبر فِي هذا الباب للقرينة، وجعل منه المصنف: ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا﴾؛ أَي: (يمسح مسحًا)، وفيه حذف عامل المؤكد، وهو لا يراه كما سيأتي فِي المفعول المطلق.
وحديث: "من تأنَى .. أصاب أَو كاد، ومن عجل .. أخطأ أو كاد". وحديث: "حتَّى إِذا استغنى أو كرب .. استعف".
стр. 474
وقال الشّاعرُ:
..................... ... بِمُحِبٍّ قَدْ مَاتَ أَو قِيلَ كَادَا (١)
أَي: (كاد يموت).
وقيل: ولَا يتقدم الخبر علَى الاسم؛ لأنَّ الخبر الفعلي لا يتقدم علَى المبتدأ كما علم؛ فَلَا يقال: (يقوم زيد) علَى المبتدأ والخبر .. فكذلك أيضًا مع النّاسخ، إِلَّا ما أجازه المبرد ومن وافقه فِي نحو: (عسَى أَن يفعل زيد) كما سبق.
وقيل: منع تقديم الخبر الفعلي خاص بباب المبتدأ؛ لأنَّ الخبر فيه صريح، فليس المبتدأ بالفاعل، وأما مع النّاسخ؛ كـ (كان وكاد) .. فَلَا لبس.
وجعل من تقديمه فِي هذا الباب قوله تعالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾.
وجعل بعض البصريين منه فِي باب (كَانَ) قوله تعالَى ﴿وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ﴾.
ومَن منع التّقديم .. قدر ضمير الشّأن فِي (كاد): اسمًا لها، و (تزيغ): خبرها، وحينئذ يصير (قلوب فريق منهم): فاعلًا، وهو لا ينهض؛ لما عُلم أَن خبر أفعال هذا الباب لا ترفع ظاهرًا إِلَّا مع عسَى خاصة.
وكذا يقدر فِي (كَانَ) ضمير عائد علَى (ما)؛ أَي: (ودمرنا الّذي كَانَ يصنع فرعون)؛ أَي: يصنعه، وحذف العائد.
وقيل: إن (كاد)، وَ (كَانَ): صلة، ومعناهما مراد، فَلَا عمل لهما.
стр. 475
ويؤيد دعوَى الزّيادة قراءة ابن مسعود: (من بعدما زاغت قلوب فريق منهم).
وأَجازَ الكوفيون أيضًا: كونها صلة فِي: ﴿يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾.
والأخفش أيضًا: فِي: ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾.
وقد يتصل بعسَى الضّمير الموضوع لغير الرّفع؛ نحو: (عساك أَن تفلح)، و (عساه أَن يأتي).
قال الشّاعر:
.......................... ... يَا أَبَتَا عَلَّكَ أَوْ عَسَاكَا (١)
فذهب سيبويه: إِلَى أَن الضّمير فِي محل نصب، و (أن يفعل): فِي موضع رفع إِلحاقًا لعسَى بـ (لعل) كما ألحقت (لعل) بـ (عسَى) فِي قول الشّاعر:
لَعَلَّكَ يَومًا أَنْ تُلِمَّ مُلِمَّةٌ ... ................. (٢)
стр. 476
وأبو العباس المبرد: أَن (عسَى) علَى ما كانت عليه، إِلَّا أَن ما كَانَ اسمًا: جعل خبرًا، وما كَانَ خبرًا: جعل اسمًا؛ فالضّمير: فِي محل نصب علَى أنه خبر (عسَى)، و (أن مدخولها): فِي محل رفع علَى أنه اسم لها.
وفيه الإخبار بالعين.
والأخفش: أنها علَى ما كانت عليه أيضًا، إِلَّا أَن ضمير النّصب ناب عن ضمير الرّفع؛ كما فِي قول الشّاعرِ:
يَا ابْنَ الزُّبَيرِ طَالَ مَا عَصَيكَا ... .......................... (١)
أراد: عصيت.
واختاره المصنف.
واللَّه الموفق
* * *
стр. 477
إِنَّ وأخَواتُها
ص:
١٧٤ - لإِنَّ أَنَّ لَيْتَ لكِنَّ لَعَلّ ... كَأَنَّ عَكْسُ مَا لِكَانَ مِنْ عَمَلْ (١)
ش:
هذه الأحرف السّتة تدخلِ علَى المبتدأ والخبر فتنصب المبتدأ اسمًا لها وترفع الخبر خبرًا لها؛ فهي مثل (كَانَ) فِي نسخ عمل الابتداء، وعكسها فِي عمل الرّفع والنّصب.
* فـ (إِنَّ)، و (أنَّ): للتوكيد ونفي الشّك.
* و (ليت): للتمني، ويكون فِي:
الممكن: كـ (ليت زيدًا حاضر).
وغيره: كـ (ليت الشّباب يعود).
* و (لعل) للترجي، ولَا يكون إِلَّا في الممكن؛ كالمحبوبات نحو: (لعل اللَّه يرحمنا).
وتأتي للإِشفاق فِي المكروه؛ نحو: (لعل العدو يقدم)، وجعل منه قوله تعالَى: ﴿وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾؛ أَي: خفن.
﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾؛ أي: قاتلها.
والإشفاق في المكروه يتعدى بـ (مِن)؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾؛ أَي: خِفنَ.
وفي غيره يتعدَى بـ (علَى)؛ كأشفقت عليه.
وعن الأخفش: تكون للتعليل، كقولِهِ تعالَى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ
стр. 478
يَخْشَى﴾.
وفي "الإِتقان": حكَى البغوي عن الواقدي: أنها فِي القرآن للتعليل، إِلَّا: ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾.
وعن الكوفيين: يُستفهَم بها، وسُمِع: (لعلك تشتمنا فأقوم إِليك؟).
وتكون حرف جر، وسيأتي فِي محله.
وتأتي عسَى بمعناها عند سيبويه إن كَانَ اسمها ضميرًا؛ نحو:
.... عَسَاهَا نَارُ كَأسٍ ... ........................ (١)
كما سبق فِي المقاربة.
وفيها عشر لغات: (لعلَّ، وعلَّ، ولعنَّ، وعنَّا بالمهملة، ولغنَّ، وغنَّا، بالمعجمة، ولِأَنَّ، وأنّا، ورعنّ بالرّاء قبل مهملة أو معجمة) (٢).
والنّون مشددة فِي الجميع.
* وأما (لكن):
فحرف استدراك، تقع بَينَ جملتين متغايرتين؛ نحو: (ما جاء زيد؛ لكن عمرًا جاءَ)، و (زيد شجاع لكنه بخيل).
وللتوكيد؛ كـ (لو قام زيد أكرمته، لكنه لم يقم).
стр. 479
وأما ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ فالأصل: (لكن أنا هو اللَّه ربى)، بتخفيف (لكن)، فحذفت الهمزة وأدغمت النّون فِي النّون.
وظاهر قول الفارسي: أنها (لكنَّ) المشددة وخففت بحذف أحد النّونين، والضّمير اسمها؛ كما تقول: (لكنا مسلمون).
وإِنما قيل: (ربي) وَلَم يقل: (ربنا)؛ لأنه روعي فيه حال المتكلم؛ كما قال الشّاعرُ:
أَلَم تَرَنِي فِي يَومِ جَوِّ سَوَيقَةٍ ... بَكَيتُ فَقَالَت لِي هُنَيدَةُ مَالِيَا؟ (١)
لأنها قالت لهُ: (ما لك؟)، فهو كالالتفات.
وقرئ: (لكن أنا هو اللَّه ربي)، وهو الأصل علَى القول الأول.
* وَ (كَأنَّ) للتشبيه.
والزّجاجِ: لا تكون للتشبيه إِلَّا إن كَانَ الخبر جامدًا؛ نحو: (كَأنَّ زيدًا أسدٌ)؛ فإِن كَانَ مشتقًا؛ نحو: (كأنه قائم) .. فهي للشك؛ إِذ لا يشبه الشّيء بنفسه.
قال البعلي: وأجيب بأن المعنَى: (كأنه رجل قائم)، فحذف الموصوف وأقيمت صفته مقامه، وجعلت هذه الصّفة كأنها الخبر باعتبار النّسبة، فعاد الضّمير لاسم (كَأنَّ)؛ كما تقول: (كأنك تقوم) بالخطاب، والأصل: (كأنك رجل يقوم) بالغيبة.
وذكر ابن فرحون: أنها قَدْ تكون: للتحقيق، والظّن، والتّقريب.
تنبيه:
إِنما عملت هذه الأحرف؛ لاختصاصها بالأسماء، وَكَانَ القياس أَن تعمل الجر الّذي هو مختص بما اختصت به، ولكن نصبت ورفعت:
стр. 480
* لشبهها بالماضي فِي بناء الآخر علَى الفتح واتصال نون الوقاية بها.
* ولأَنَّ معانيها كمعاني الأفعال؛ فـ (إِنَّ) بمعنَى: أكّدتُ، و (كَأنَّ) بمعنَى: شبَّهتُ، و (ليت) بمعنَى: تمنَّيتُ، و (لعل): ترجَّيتُ، و (لكنَّ): استدركتُ.
والكوفيون: أن (لكنَّ) مركبة من: (لا) و (إنَّ) المكسورة، والكاف زائدة، والهمزة محذوفة بعد نقل كسرتها للكاف.
والقواس: الصّحيح أنها مفردة؛ كَـ (إنَّ)، و (أنَّ)، و (ليت).
وقيل: إن (كَأنَّ) مركبة من الكاف و (إنَّ) المكسورة، ولكن فتحت للتركيب.
وقد دخلت (إنَّ) علَى ما خبره نهي فِي قولهِ:
إِنّ الَّذينَ قَتَلتُم أَمْسِ سَيِّدَهُم ... لا تَحْسِبُوا لَيلَهُم عَنْ لَيلِكُم نَامَا (١)
وسبق فِي باب (كَانَ): ما لا يجوز دخول النّاسخ عليه.
واللَّه الموفق
ص:
١٧٥ - كَإِنَّ زَيْدًا عالِمٌ بِأَنِّي ... كُفءٌ وَلكِنَّ ابْنَهُ ذُو ضِغْنِ (٢)
ش:
لما ذكر أَن هذه الأحرف عكس كَانَ فِي العمل .. أخذ يمثل، فقال: كـ (إنَّ زيدًا عالم)، والأصل: (زيد عالم)، فلما دخلت (إنَّ) .. نصبت المبتدأ اسمًا لها، ورفعت
стр. 481
الخبر خبرًا لها، وليست هي فِي قولِ الشّاعرِ:
إِنَّ هِندُ المَلِيحَةُ الحَسْناءَ ... وَأْيَ مَن أَضْمَرَتْ لِصَبٍّ وَفَاءَ (١)
بضم (هندُ) و (المليحةُ)، ونصب (الحسناءَ)، بَلْ هذه فعل أمرٍ مؤكد بالنّون، والأصل: (إي)، بمعنَى: (عِدِي) ثم أُكِّدَ بالنّون الثّقيلة، فحذفت الياء من فعل الأمر لالتقاء السّاكنين، فحصل: (إِنَّ).
يقال: (وأى يأي)؛ كوعد يعد، والأمر للواحد: (إِ)؛ مثل: (قِ) من الوقاية، و (عِ) من الوعي (٢).
стр. 482
و (هندُ) منادَى حذفت منه الأداة، و (المليحةُ): صفة (هند) مرفوعة علَى اللّفظ، و (الحسناءَ) صفة ثانية منصوبة علَى محل المنادَى.
وقوله: (وَأْيَ): منصوب علَى أنه مصدر مؤكد للفعل المذكور، والمعنَى (عدي يا هند وعد من يفي).
والياء فِي قوله: (بِأَنِّي) اسم (أَنَّ) المفتوحة، و (كفؤٌ): خبرها، و (ابنَهُ): اسم (لكنَّ)، و (ذُو ضِغنِ): خبرها.
والكفؤ: المثل. والضّغن: الحقد.
وإِذا حصلت الفائدة .. جاز أَن يكونَ الأول نكرة؛ كقولِهِ:
فَإِنَّ حَرامًا أَن أَخُونَ أَمانَةً ... وَآمَنَ نَفسًا لَيسَ عِندِي ضَمِيرُهَا (١)
وقولِ الآخرِ:
حَتّى رَأَيتُهُم كَأَنَّ سَحابَةً ... صابَت عَلَيهِم وَدقُها لَم يُشمَلِ (٢)
стр. 483
والخليل وسيبويه: تكون (أَنَّ) بمعنَى (نعم) فَلَا تعمل.
وأنكره أبو عبيدة، قال الشّاعرُ:
لَيتَ شِعرِيَ هَلْ لِلمُحِبِّ شِفَا ... مِن جَوَى حُبِّهِنَّ أَنَّ اللِّقَا (١)
برفع (اللّقا)؛ أَي: (نعم، شفاؤه اللّقاءُ).
وقولُ الآخرِ: (قالوا: خفت؟ فقلت: إِنَّ).
وحكي: أَن شاعرًا قال لابن الزّبير: (لعن اللَّه ناقةً حملتني إِليك)، فقال: (إنَّ، وراكبَها)، يريد: (نعم وراكبها).
وكذا قيل: إنها بمعنَى (نعم) فِي قوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾.
وقيل: اسم (إِن) ضمير شأن؛ أَي: (إنه هذان لساحران).
وعلَى القولين: تكون اللّام صلة فِي خبر المبتدأ وهو قليل.
وقيل: جاء علَى لغة الحارث وهي لزوم الألف فِي الأحوال الثّلاث كما علم.
وتستعمل (أَنَّ) المفتوحة:
* فعلًا ماضيًا من الأنين.
* ومصدرًا.
والمكسورة أصل المفتوحة علَى الصّحيح.
وقيل عكسه.
وقيل: هما أصل.
واللَّه الموفق
стр. 484
ص:
١٧٦ - وَرَاعِ ذَا التَّرْتِيْبَ إلَّا فِي الَّذِي ... كَلَيْتَ فِيْهَا أَوْ هُنَا غَيْرَ البَذِي (١)
ش:
يقول: راع هذا التّرتيب المذكور فِي البيت قبل هذا، وهو: كون الاسم مقدمًا علَى الخبر فِي هذا الباب؛ فَلَا يقدم علَى الاسم ولَا الحرف؛ لأنَّ هذه الأحرف لا تتصرف فِي نفسها، فَلَا تتصرف فِي معمولاتها.
ما لم يكن الخبر ظرفًا أَو مجرورًا فيجوز تقديمه علَى الاسم؛ للتوسع فِي الظّرف والمجرور.
أَو لأنه ليس معمولًا لهذه الأحرف فِي الحقيقة كما علم من باب المبتدأ والخبر فِي وقوع الظّرف خبرًا.
قال تعالَى: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا﴾، ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾ فقدم الظّرف فِي الأول والمجرور فِي الثّاني.
ويجب التّقديم فِي نحو: (إنَّ فِي الدّار صاحبَها)؛ لئلا يعود الضّمير علَى متأخر فِي اللّفظ والرّتبة.
ويجوز تقديم معمول الخبر علَى الاسم ظرفًا أَو مجرورًا؛ نحو: (إنَّ عندك زيدًا مقيم).
قال الشّاعرُ:
стр. 485
فَلا تَلْحَنِي فِيهَا فَإِن بِحُبِّهَا ... أخَاكَ مُصَابُ الْقَلْبِ جَمٌّ بَلَابِلُهْ (١)
أي: وساوِسُه.
ومنعه بعضهم.
ولَا يقدم غير الظّرف والمجرور؛ فَلَا يقال: (إن طعامك زيد آكل).
وأَجازَ بعضهم تقديم الحال؛ نحو: (إن ضاحكًا زيدًا قائم).
تنبيه:
يجوز حذف الخبر فِي هذا الباب للقرينة، ولَا يشترط حينئذ أَن يكونَ اسمها نكرة.
خلافًا للكوفيين؛ محتجين بأن خبر النّكرة أعم منها، فجاز حذفه لدلالة عموم النّكرة عليه، قال تعالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾؛ أي: يعذبون.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أَي: هلكوا.
стр. 486
وقيل: الخبر ﴿يصدون﴾، والواو: صلة، ذكره منصور بن فلاح فِي "مغنيه".
وقول عمر بن عبد العزيز لرجل ذكر لهُ حاجة: (إنَّ ذلك)، ثم ذكر حاجة أخرَى فقال: (لعل ذلك) يريد: إن ذلك لصحيح، ولعل الّذي طلبته حاصل.
وقال الشّاعرُ:
إِنَّ مَحَلا وَإِنَّ مُرتَحِلا ... ........................ (١)
أَي: إن لنا فِي الدّنيا محلًا، وإِن لنا عنها مرتحلًا.
وقولُ الآخرِ:
ش:
أفعال القلوب يجب معها فتح (أَنَّ)؛ كـ (ظننت أَن زيدًا قائم).
* لكن إِذا علق الفعل باللّام الواقعة فِي خبر (أَنَّ) وجب كسر (إنَّ)، ويكون الفعل المعلق باللّام عاملًا فِي محل الجملة؛ كـ (ظننت إن زيدًا لقائم)، ولَا تفتحه هنا؛ لأنَّ اللّام لا تقع فِي خبر المفتوحة كما سيأتي.
ومن المعلق باللّام أيضًا قوله تعالَى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾، ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾.
* وكذا ما يعمل عمل الفعل؛ نحو: (أنا عالم إِنك لفاضل).
* وتكسر إِذ وقعت خبرًا عن اسم عين؛ نحو: (زيد إِنه كريم)؛ لأنَّ فتحها فِي تأويل المصدر، والمصدر لا يخبر به عن اسم العين إِلَّا فِي نحو: (زيد عدل).
* وكذا إن وقعت صفة؛ كـ (مررت برجل إِنه كريم).
* أَو بعد حرف إِيجاب؛ نحو: (نعم وبلَى)، ذكره فِي "اللّب".
* أَو بعد حرفي الاستفتاح؛ لأنهما حرفا ابتداء؛ فهي مبتدأ بها حكمًا كما سبق.
منه فِي القرآن: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
وكقولك: (أمَا إن زيدًا صالح).
فإن قدرت (أمَا) بمعنَى (حقًا) .. وجب الفتح؛ نحو: (أما إِنك ميت)؛ أَي: (حقًا أنك ميت).
* وتكسر بعد حيث وإِذا؛ نحو: (اجلس حيث إن زيدًا جالس)، و (جئتك