ش:
يقول: إن (أعلم)، و (أرَى) إن تعديا لواحد قبل الهمزة؛ كما إِذا كانت (علم) بمعنَى (عرف)، و (رأى) بمعنَى (أبصر) .. تعديا بعد دخول الهمزة إِلَى مفعولين؛ نحو: (أعلمت زيدًا الحقَّ)، و (أريت زيدًا الهلالَ).
بمعنَى: (عرفته الحق)، و (صيرته ينظر الهلال).
والثّاني من هذين المفعولين: كالثاني من مفعولي (كسا)، و (أعطى) فِي قولك: (كسوت زيدًا جبةً)، و (أعطيت زيدًا درهمًا) فهو مثله:
١ - فِي كونه غير الأول فِي المعنَى.
٢ - وفي عدم الإخبار به عن الأول.
* فَلَا يقال: (زيدٌ الحقُّ) ولَا (زيدٌ الهلالُ)، كما لا يقال: (زيد جبة)، ولَا (زيد درهم).
* ويجوز حذف الثّاني منهما وإبقاء الأول؛ نحو: (أعلمت زيدًا)، و (أريت عمرًا) كما يجوز فِي باب (كسا) و (أعطى)، وفي القرآن: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾.
* ويجوز حذف الأول وإبقاء الثّاني؛ نحو: (أعلمت الحق)، و (أريت الهلال) كما يقال: (أعطيت درهمًا)، و (كسوت جبة).
ومن حذف الأول وإبقاء الثّاني فِي باب (أعطَى): قوله تعالَى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾؛ أَي: يعطوكم الجزية.
* ويجوز حذفهما معًا؛ نحو: (أعلمت)، و (أريت) كما تقول: (كسيت) و (أعطيت).
ومن حذفهما مع (أعطَى): قوله تعالَى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ الآية.
وقول الشّيخ: (فهوَ بهِ فِي كُلِّ حُكمٍ ذُو ائتِسا): يقتضي أَن الثّاني لا يعلق العامل عنهُ كما كَانَ ذلك فِي (ثَانِي اثنَى كَسَا).
والظّاهر: خلافه.
فمن التّعليق مع (أرَى)، فِي القرآن ﴿أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾؛ فجملة (تحيي الموتَى): فِي محل نصب علَى المفعول الثّاني؛ لأنَّ العامل معلق لـ (كيف)، و (كيف) فِي
стр. 632
الآية الكريمة: فِي محل نصب (تحيي)؛ لأنَّ الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله علَى المشهور.
والله الموفق
ص:
٢٢٤ - وَكَأَرَي السَّابِقِ نَبَّا أَخْبَرَا ... حَدَّثَ أَنْبأَ كَذَاكَ خبَّرَا (١)
ش:
الأفعال المتعدية إِلَى ثلاثة مفاعيل سبعة.
تقدم منها (أعلم)، و (أرَى)
وذكر هنا الخمسة، وهي: (نَبَّأ)، و (أخبر)، و (حدَّث)، و (أنبأَ)، و (خَبَّر). وَلَم يذكر سيبويه: سوَى (نبَّأ).
وذكر الفارسي: (أنبأ).
والسّيرافي: (حدَّثَ)، و (أخبر)، و (خَبَّر).
وحكَى: أنها تتعدَّى إِلَى واحد بنفسها، وإِلَى آخر بحرف الجر، نحو: (أنبأتك عن زيد)، ويجوز حذف الحرف والنّصب؛ نحو: (أنبأتك زيدًا).
وقوله: (وكأرَى السّابقِ) يشير به إِلَى أَن هذه الخمسة مثل: (أرَى) الّذي ذكره فِي البيت الأول فِي هذا الباب، وهو الّذي يتعدَّى إِلَى ثلاثة مفاعيل.
فخرج بذلك (أرَى) المتعدية لاثنين الّتي أشار إِليها فِي قوله: (وإن تعديا لواحد بِلَا همز فلاثنين به توصلا) فتقول: (نبأت زيدًا عمرًا كريمًا)، ومنه قوله:
نُبِّئْتُ زُرْعَةَ والسَّفَاهَة كاسْمِهَا ... يُهْدِي إِلَيَّ غَرَائِبَ الأَشْعَارِ (٢)
стр. 633
فـ (التاء): فِي (نُبِّئتُ) نائب الفاعل، وهو المفعول الأول، و (زرعة): مفعول ثان، وجملة (تهدي): فِي موضع المفعول الثّالث.
وتقول: (أنبأت زيدًا خالدًا كريمًا)، ومنه قولُهُ:
وَأُنْبئْتُ قَيسًا ولَمْ أَبْلهُ ... كَمَا زَعَمُوا خَيرَ أهْلِ اليَمَنْ (١)
стр. 634
فـ (التاء): نائب الفاعل، وهو المفعول الأول، و (قيسًا): مفعول ثان، و (خيرَ) مفعول ثالث.
ونحو: (أخبرت زيدًا كريمًا)، ومنه قولُهُ:
وَمَا عَلَيكِ إِذَا أُخبِرتِنِي دنفًا ... ........................ (١)
فـ (التّاء): مفعول أول، و (الياء): مفعول ثان، و (دنفًا): مفعول ثالث.
وقال الآخر:
وَخُبِّرتُ سَوْدَاءَ الغَميم مَرِيضَةً ... ...................... (٢)
стр. 635
فـ (التاء): هو الأول، و (سوداء): هو الثّاني، و (مريضة): الثّالث.
والغميم: من بلاد غطفان.
فكل ما ثبت لـ (أعلم) , و (أرَى) المعتديين إِلَى ثلاثة مفاعيل .. يثبث لهذه الخمسة.
تنبيه:
أَجازَ أبو الحسن الأخفش: فِي أخوات (علم)، و (رأَى) من الأفعال القلبية الثّلاثية .. أَن تتعدَّى إِلَى ثلاثة مفاعيل بعد دخول الهمزة، فسوَى بَينَ (علم)، و (وأَى) وغيرهما، فتقول علَى مذهبه: (أظننت زيدًا بكرًا قائمًا) و (أزعمته خالدًا منطلقًا).
والمعتمد: خلافه نص عليه المصنف ﵀؛ لأنَّ المسموع فِي ذلك إِنما هو (علم)، و (رأَى) فقط.
وقوله: (كأرَى): خبرًا عن نبأ، و (السّابق): صفة لأرَى، وما بعد (نبأ): معطوف عليه بترك العاطف ضرورة.
والله الموفق
* * *
стр. 636
الفَاعِل
ص:
٢٢٥ - الْفَاعِلُ الَّذِي كَمَرْفُوعَي أَتَى ... زَيْدٌ مُنِيْرًا وَجْهُهُ نِعْمَ الْفَتَى (١)
ش:
[تعريف الفاعل]
الفاعل: ما أسند إليه فعل تام أصلي الصّيغة، أَو ما أُوِّل به، مقدمًا عليه.
فخرج:
* بالفعل: الخبر؛ فِي نحو: (زيد قام)؛ إِذ فيه ضمير (زيد)، فهو جملة.
* وبالتام: اسم كَانَ النّاقصة علَى الصّحيح.
* وبأصلي الصّيغة: نائب الفاعل، (فِي ضُرِب العبد)؛ لأنَّ الفعل قَدْ تغيرت صيغته للنيابة، ومثله (أمضروب العبد؟)؛ إِذ حكمه حكم (ضُرِب العبدُ).
* وبمقدمًا عليه: المبتدأ، فِي نحو: (زيد قام)، فَلَا يسمَى فاعلًا.
ودخل:
* نحو: (قام زيد)، ومثله (أتى زيد)، و (نعم الفتَى)؛ ونحو: (أقائم الزّيدان)، و (منيرًا وجهه)، و (زيدٌ حسنٌ وجهه).
* ومثله المصدر؛ كـ: (يعجبني الضّرب زيد عمرًا) تقديرُهُ: (إن ضرَبَ زيدٌ عمرًا).
* واسم الفعل: نحو: (هيهات العقيق).
* وكذا المرفوع بالظّرف أَو المجرور: نحو: (فِي الدّار زيد).
كل ذلك ممَّا يشبه الفعل، أعني: اسم الفاعل، والصّفة، والمصدر، واسم الفعل، ونحو ذلك.
стр. 637
[حكم الفاعل]
وحكمه: الرّفع.
لقوته، وعدم استغناء الفعل عنهُ.
ولأنه: قبِلَ المفعول لفظًا ومعنىً.
ولكونه عمدة.
فجعل لهُ أول الحركات وأقواها.
[أنواع الفاعل]
ويكون اسمًا صريحًا كما سبق.
ومؤَوّلًا به، كـ (يعجبني أَن تقوم) , قال تعالَى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا﴾؛ أَي: (إنزَالُنا).
تنبيه:
سبق أَن الفاعل يرفع بالظّرف والمجرور؛ لما فيهما من معنَى (مستقر)، أو (استقر)، بشرط: أَن يكونا خبرًا، أَو صفة، أَو يسبقهما نفي، أَو استفهام؛ نحو: (زيد عنده أخوه)، و (زيد فِي الدّار أخوه)، و (مررت برجل عنده أخوه)، و (رأيت زيدًا عنده أخوه)، ونحو: (ما عندي شيء)، و (هل عندك شيء؟).
قال أبو الفتح: والّذي يدل علَى شبَهِ الظّرف والمجرور بالفعل: عطف الفعل عليه فِي: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ فعطف (ينزل) علَى (عنده).
والوجه: أَنَّ (ينزِّل) معطوف علَى (السّاعة) و (أنْ) مقدرة؛ أَي: (عنده علم السّاعة، وعلم إنزال الغيث).
وقيل: إن الفاعل بعدهما موفوع بالمتعلق، لا بالظّرف نفسه.
وأَجازَ الأخفش: أَن يعملا من غير اعتماد علَى نفي ونحوه؛ نحو: (فِي الدّار زيدٌ)، على أن (زيدٌ) فاعل.
وعلَى هذا المذهب قال بعضهم فِي: (كيف ذلك الرّجل؟): يجوز أَن يكونَ اسم الإِشارة فاعلًا بـ (كيف) علَى القول بأنها ظرف.
стр. 638
والمشهور: أنها خبر مقدم فِي هذا المثال، واسم الإِشارة: مبتدأ.
وقيل: (كيف): هي المبتدأ، ولَا يضر كونها نكرة؛ لأنَّ فيها معنَى العموم باعتبار أنها تناولت جميع أحوال المسؤول عنهُ، فهو علَى حد قول سيبويه فِي (كم جريبًا أرضك؟)، و (كم مالك؟).
والكثير:
* أَن يصدُرَ الفعلُ من الفاعل؛ كـ (قام زيد)
* وقد يقوم به الفعل؛ كـ (مات زيدٌ)، ولهذا قيل: (الفاعل ما أسند إِليه فعل علَى جهه قيامه به أَو صدوره منه).
والبصريون: لا يقدم الفاعل علَى فعله باقيًا علَى الفاعلية؛ لأنه كالجزء من الفعل، وجزء الفعل لا يتقدم.
وأجازه بعض الكوفيين؛ تمسكًا بنحو قول الشّاعر:
فَظِلٌّ لنَا يَومٌ لَذِيذٌ بِنِعمَةٍ ... فَقِلْ في مَقِيلٍ نَحسُهُ مُتَغَيَبِّ (١)
برفع (نحسُه)، وجر (متغيبِ)، علَى أَن الأصل: (مقيل متغيب نحسه)، فهو فاعل (متغيب)؛ كما تقول: (مررت برجل كريم أبوه).
وأجيب: بأنه أراد (متغيبي) فحذف ياء النّسب واكتفَى بالكسرة، فيكون (نحسه): مبتدأ، و (متغيبي): خبر.
ذكر ذلك القواس، وفيه تكلف.
وقول الآخر:
لَسْنَ بِأَنيَابٍ وَلَا حَقَائِقِ ... وَلَا ضِعَافٍ مُخُّهنَّ زَاهِقِ (٢)
стр. 639
برفع (مخُّهن)، وجر (زاهقِ)، علَى أَن الأصل: (ولَا ضعاف زاهق مخهن)؛ فهو فاعل بالصّفة كالذي قبله، وقدم.
وأجيب: بأن (مخهن): بدل من الضّمير فِي (ضعاف).
ذكره ابن الخباز فِي "شرح لمع ابن جني".
وقول الآخر:
مَا لِلجَمَالِ مَشْيُهَا وَئيدَا ... أَجَنْدَلًا يَحْمِلنَ أَمْ حَدِيدَا (١)
стр. 640
علَى أَن (مشيها): فاعل (وئيدا)، والأصل: (ما للجمال وئيدٌ مشيُها)، فقُدِّم علَى الصّفة كما سبق.
وأجيب: بأن (مشيها): مبتدأ حذف خبره، و (وئيدا): معمول للخبر المحذوف، والتّقدير: (مشيُها يوجد وئيدًا) أَو نحو ذلك.
وقيل: روي بتثليث (مشيها).
* فالرّفع: علَى ما ذكر.
* والنّصب: أَن (مشيها) مصدر؛ أَي: (ما للجمال تمشي مشيَها وئيدا).
* والخفض: أنه بدل اشتمال من (الجمالِ).
ومن العجب أَن الرّضي ادعَى الإجماع علَى منع تقديم الفاعل علَى الفعل؛ وقد ثبت عن الكوفيين: جواز تقديمه علَى الصّفة عندهم؛ فتقديمه علَى الفعل أولَى؛ لأنَّ الفعل أصل فِي العمل، والصّفة فرع عليه حتَّى عندهم، إِذ هم لا يقولون: إن الصّفة أقوَى فِي العمل من الفعل.
قال الشّيخ جمال الدّين بن إياز فِي "شرح أصول بن معط" رحمهما الله: وتقديم الفاعل علَى الفعل غير جائز، وهذا إِنما هو علَى رأي البصريين، فأما الكوفيون فمذهبهم جواز التّقديم. انتهى.
وقد يجر الفاعل بالمصدر؛ نحو: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ﴾.
وباسم المصدر، وسيأتي فِي إعمال المصدر.
وبـ (مِن) أَو بـ (الباء):
فالأول: يشترط كونه نكرة بعد النّفي أَو شبهه؛ نحو: (ما جاءني من أحد)، و (لَا يقم من أحد)، و (هل عندك من شيء).
стр. 641
والثّاني: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾.
وكقول الشّاعر:
مَهْمَا لِيَ اللَّيْلَةَ مَهْمَا لِيَهْ ... أَوْدَى بِنَعْلَيَّ وَسِرْبَاليَهْ (١)
التقدير: (أَودى نعلاي).
والباء في (كفى بالله): زائدة لازمة، فَلَا تتعلق بشيء.
وأبو بكر بن السّراج: ليست زائدة، وهي متعلقة بمصدر محذوف، والمعنَى: (كفَى الاكتفاء بالله).
واعترض: بأن المصدر لا يعمل النّصب محذوفًا.
ويجوز: أَن تَرفَعَ علَى محل الفاعل المجرور إِذا وصفتَ أَو عطفتَ؛ نحو: (ما جاءني من أحد ظريفٌ)؛ برفع (ظريفٌ)، علَى المحل، و (ما جاءني من كبيرٍ ولَا صغيرٌ)، برفع (صغيرٌ) علَى الموضع كما سبق.
стр. 642
وقرئ: (وما تسقط من ورقة إِلَّا يعلمها ولَا حبةٌ) برفع (حبة) علَى موضع ووقة؛ لأنَّ المعطوف عليه مجرور بحرف زائد، وسيأتي مبسوطًا فِي إعمال المصدر.
والله الموفق
ص:
٢٢٦ - وَبَعْدَ فِعْل فَاعِلٌ فَإِنْ ظَهَرْ ... فَهْوَ وَإِلَّا فَضَمِيْرٌ اسْتَتَرْ (١)
ش:
يُذكَر الفاعل بعد الفعل كما سبق؛ فإِن ظهر ما هو الفاعل فِي المعنَى؛ كـ (قمت) , و (قام زيد)، و (الزّيدان قاما)، و (الزّيدون قاموا)، و (الهندات قمن) .. فهو الفاعل فِي الاصطلاح, ولَا حذف ولَا استتار.
وإِن لم يظهر لفظه .. فهو مضمر بشرطه، راجع:
* إما لمذكور؛ كـ (زيد قام)، و (هند قامت).
* أَو لما دل عليه فعله؛ كقولِهِ ﵊: "لا يزني الزّاني حين يزني وهو مؤمن، ولَا يشرب الخمر وهو يشربها وهو مؤمن" ففاعل (يشرب): ضمير فيه، يرجع للشارب الّذي دل عليه يشرب.
وقوله تعالَى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ﴾؛ ففاعل (بدا): ضمير راجع إِلَى المصدر الّذي هو البداء؛ أي: (ثم بدا لهم بداء).
وقيل: ضمير (السَّجن) بفتح السّين مصدر: (سجنه)، ودل عليه (ليسجننه)، واختاره أبو حيان قال: وحينئذ يكون (ليسجننه): جواب قسم محذوف.
стр. 643
وأما قول الشّاعر:
فإن كان لا يُرْضِيك حتَّى تَرُدَّني ... إلى قَطَرِيٍّ لا إخالُك راضِيَا (١)
فقالوا: إن الفاعل المحذوف فيه هو: اسم (كَانَ) المذكورة.
والّذي يظهر: أَن اسم (كَانَ): ضمير الشّأن، و (لَا يرضيك): خبرها، وفاعل (يرضيك) محذوف؛ أَي: (فإن كَانَ لا يرضيك ما تشاهده مني)، فحذف الفاعل لدلالة الكلام والحالِ المشاهدة ولَا يكون الفاعل جملة.
خلافًا: لثعلب، وهشام، وغيرهما من الكوفيين، وجعل منه قوله تعالَى: ﴿وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ﴾ علَى أَن (كيف فعلنا): فاعل (تبين) كما سبق فِي المعرب والمبني.
وقال أبو حيان فِي "النّهر": من أَجازَ أَن يكونَ الفاعل جملة .. فيكون (ليسجننه) فِي
стр. 644
موضع الفاعل. انتهَى.
يشير إلى الآية المتقدمة.
وقال البعلي تلميذ المصنف فِي "شرح الجرجانية": الفاعل مضمونُ (كيف فعلنا بهم)؛ كأنه قيل: (وتبين لكم كيفية فعلنا بهم).
ونظيره فِي التّأويل بالمصدر دونَ الحرف المصدري: قوله تعالَى: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ ... الآية؛ أَي: (سواء عليهم الإِنذار وعدمه).
وإِنما قلت: (فهو مضمر بشرطه) .. ليخرج الفعل المذكور توكيدًا فِي نحو: (قام قام زيد)؛ فَلَا ضمير فيه، خلافًا لبعضهم.
* وقد علم: أَن بعض الأفعال لا فاعل لهُ؛ ومنه: (قلَّما) المقصود بها النّفي؛ نحو: (قلَّما تأتينا).
ويحتمل أَن تكونَ (ما) مصدرية، وهي الفاعل؛ أَي: (قلّ إتيانك)، فتكون للتقليل لا للنفي.
وقد يقع الاسم بعد (قلَّما)، قال الشّاعر:
صَدَدْتِ فَأَطْوَلتِ الصُّدُودَ وقَلّمَا ... وِصَالٌ عَلَى طُولِ الصُّدُودِ يَدُومُ (١)
стр. 645
فسيبويه: أَن (ما): اسم فِي موضع رفع بـ (قلَّ)، و (وصالٌ): مبتدأ، وما بعده خبر، والجملة: صلة (ما)، والمعنَى عنده: (وقلَّما يدوم وصال).
والمبرد: أَن (ما) صلة ملغاة، و (وصالٌ): مرتفع بـ (قلَّ)، وكأنه قال: (وقل وصال يدوم علَى طول الصّدود).
وقيل: (ما): ظرف بمعنَى الحين؛ أَي: (وقل وقت يدوم فيه وصال).
وقيل: زيدت (ما) مع (قلَّ)؛ ليصلح دخوله علَى الفعل، وأما قوله: (وقلَّما وصالٌ) .. فضرورة.
والله الموفق
ص:
٢٢٧ - وَجَرِّدِ الْفِعْلَ إِذَا مَا أُسْنِدَا ... لاِثْنَيْنِ أَوْ جَمْعٍ كَفَازَ الشُّهَدَا (١)
٢٢٨ - وَقَدْ يُقَالُ سَعِدَا وَسَعِدُوا ... وَالْفِعْلُ لِلظَّاهِرِ بَعْدُ مُسْنَدُ (٢)
стр. 646
ش:
إِذا أسند الفعل إِلَى فاعل مثنى كَانَ أَو جمعًا .. جُرِّدَ الفعل من علامة التثنية والجمع؛ نحو: (قام الزّيدون)، و (فاز الشُّهداء).
وفي القرآن: ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ﴾.
ومن العرب من يولي الفعل (ألفًا) فِي التثنية، و (واوًا) فِي الجمع المذكر، و (نونًا) فِي الجمع المؤنث؛ كـ (قاما الزّيدان)، و (قاموا الزّيدون)، و (قُمنَ الهندات).
و (الألف)، و (الواو)، و (النّون) عند هؤلاء: أحرف تدل علَى حال الفاعل الآتي بعدها؛ كما تدل التّاء علَى تأنيث الفاعلة فِي: (خرجَتْ هندٌ).
وإِلَى هذه اللّغة أشار بقوله: (وقَد يُقَالُ سَعِدَا وَسَعِدُوا) إِلَى آخره.
فتثبت الألف والواو ونحوها مع كون الفعل مسندًا للاسم الظّاهر؛ كـ (قاموا الزّيدون)
والنّحويون يجعلون كلًا من الألف والواو والنّون فاعلًا، والاسم الظّاهر بدل منه.
أَو أَن الاسم: مبتدأ مؤخر، والفعل: خبر مقدم.
وهذا إِنما هو علَى لغة غير هؤلاء الطّائفة؛ لأنَّ هذه الطّائفة يقصدون أَن يكونَ الظّاهر فاعلًا، لا بدلًا ولَا مبتدأ، ومن ذلك قوله تعالَى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، وقوله ﵊: "يتعاقبون فيكم ملائكةٌ باللّيل"، ونحو قولِ الشّاعرِ:
أُلْفِيَتَا عَيْنَاكَ عِنْدَ الْقَفَا ... .................... (١)
وبعض النّحويين: منع كون الثّاني مبتدأ، واقتصر علَى البدل أَو الفاعل.
ونائب الفاعل: كالفاعل فيما تقدم؛ كـ (ضُرِب العبدان)، و (أُكرِم الزّيدون).
ومنه: (ألفيتا عيناك) كما فِي الشّاهد المتقدم.
ومنع محمد بن هشام الخضراوي تلميذ عَلِيّ بن خروف: لحاق هذه الأحرف مع العطف، فَلَا يجيز: (قاما زيد وعمرو)، ولهذا نوقش أبو البقاء حيث جَعلَ من ذلك قولَه تعالَى: ﴿إِمَّا يبلغان عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾ فِي قراءة بعضهم.
وأما نحو: (أقائمٌ زيدٌ). . فسبق فِي الابتداء.
فائدة:
حكَى أحمد بن الخباز خمسة عشر قولًا فِي قوله تعالَى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾.
١. أَن (الذّين) بدل من (النّاس).
٢. أَو من الضّمير فِي (حسابهم).
٣. أَو من (هم).
٤. أَو من (معرضون).
٥. أَو من الضّمير فيه.
٦. أَو من الضّمير فِي (يأتيهم).
٧. أَو من الضّمير فِي (استمعوه).
٨. أَو من (هم).
٩. أَو من الواو فِي (يلعبون).
١٠. أَو من الهاء والميم فِي (قلوبهم).
١١. أَو من الواو فِي (أسروا).
١٢. أَو مبتدأ خبره (أسروا).
١٣. أو خبرٌ لمحذوف.
١٤. أَو فاعل بـ (النّجوَى).
١٥. أَو فاعل (أسروا).
واللَّه الموفق
стр. 650
ص:
٢٢٩ - وَيَرْفَعُ الفَاعِلَ فِعْلٌ أضمِرَا ... كَمِثْلِ زَيْدٌ فِي جَوَابِ مَنْ قَرَا (١)
ش:
يجوز أَن يحذف الفعل لدليل ويبقَى فاعله؛ كَأنَ يقال: (من قرأ؟)، فتقول: (زيدٌ)؛ أَي: (قرأ زيد).
والأحسن كون (زيد): مبتدأ حذف خبره؛ أَي: (زيد قرأ)؛ لأنَّ السّؤال جملة اسمية، فيطابق السّؤال الجواب.
وذكر بعضهم: أَن العرب تقصد فِي مثل هذه الصّورة: أَن يكونَ (زيدٌ) فاعلًا؛ لأنَّ الجملة الاسمية متَى كَانَ فيها فعل. . فحقه فِي الجواب أَن يتقدم، ويدل علَى ذلك: ظهور الفعل فِي مواضع؛ كقولِهِ تعالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ , ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، ﴿قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾.
ويحذف الفعل جوازًا للقرينة كما سبق فِي مواضع:
منها: أَن يجاب به استفهام أَو نفي.
وكذا: المدلول عليه بفعل قبله.
فالأول: قوله : (يسبَّح لهُ فيها بالغدو والآصال رجالٌ) بفتح الباء الموحدة فِي قراءة ابن عامر وشعبة بن عاصم؛ فـ (رجال): مرفوع لـ (يسبِّح) بكسر الباء محذوفًا، دل عليه المذكور.
ونحو قولِ الشّاعرِ:
لِيُبْكَ يَزيدُ ضارعٌ لخُصومةٍ ... . . . . . . . . . . (٢)
стр. 651
فاللّام فِي (لِيبْكَ): لام الأمر، و (يزيدُ) نائب الفاعل، و (ضارعٌ) مرفوع لمحذوف، وكأنه لما قيل: (لبيك يزيد). . قيل لهُ: (من يبكيه؟)، فقال: (يبكيه ضارعٌ لخصومة).
والثّاني: كقولك: (بلى زيد) لمن قال: (ما قام أحد)، التّقدير: (بلى قام زيد).
والثّالث: قول الآخر:
غَدَاةَ أحَلَّتْ لابنِ أَصْرَمَ طَعْنَةٌ ... حُصَيْنٍ عَبِيطَاتِ السَّدَائِفِ والخَمْرُ (١)
برفع (الخمرُ)؛ أَي: (وحلت لهُ الخمر)، دل عليه: (أحلت) المذكور فِي البيت، فيجتمع هذا الشّاهد مع ما قبله فِي الحذف للقرينة، ويفترق فِي أنه لم يجب به استفهام ولَا نفي.
стр. 652
والعبيطات: الطريُّ من اللّحم. والسّديف: سقف السّنام.
وقيل: لا يقاس علَى نحو: (ضارعٌ لخصومة).
وقيل: إنه ممَّا أضمر فيه المبتدأ، والتّقدير: (الباكي ضارع)، و (المسبِّح رجالٌ).
ويجب الحذف إذا فسر بفعل مذكور بعد الفاعل؛ كقولِهِ تعالَى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، التقدير واللَّه أعلم بمراده: (وإن استجارك أحد استجارك)، و (إذا انشقت السّماء انشقت).
خلافًا لمن يجيز وقوع المبتدأ بعد أداة الشّرط.
واللَّه الموفق
ص:
٢٣٠ - وَتَاءُ تَأْنِيْثٍ تَلِي الْمَاضِي إِذَا ... كَانَ لأُنْثَى كَأَبَتْ هِنْدُ الأَذَى (١)
٢٣١ - وَإِنَّمَا تَلْزَمُ فِعْلَ مُضْمَرِ ... مُتَّصِلٍ أَوْ مُفْهِمٍ ذَاتَ حِرِ (٢)
ش:
إِذا أسند الفعل الماضي إِلَى مؤنث. . لحقته التاء لتدل علَى تأنيث الفاعلة؛ كـ (قامت هند)، و (طلعت الشّمس)، وقوله: (أَبَت هِندُ الأَذَى).
• وتلزم الفعل لمؤنث حقيقي؛ كـ (هند قامت)، و (النّعجة خرجت).
стр. 653
• أو مجازي؛ كـ (الشمس طلعت)، و (السّماء أمطرت).
• فَلَا يجوز: (هند قام)، ولَا (الشّمس طلع)؛ إِذ يوهم أَن فاعل الفعل يأتي بعد ذلك؛ أَي: (الشّمس طلع ضوؤها)، و (هند قام أبوها).
ولَا فرق بَينَ الفعل والصّفة؛ نحو: (هند قائمة)، و (الشّمس طالعة).
• ولَا يجوز: (هند قائم)، ولَا (الشّمس طالع).
وأما قوله تعالَى: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾. . فقيل: (السّماء): تذكر وتؤنث، أَو هو علَى النّسب؛ أَي: (ذات انفطار).
• فإن أختص الوصف بالنّساء؛ كـ (حائض). . فلا تاء.
• وكذا: إن رفع الفعلُ ضميرًا منفصلا؛ كـ (هند ما قام إِلَّا هي).
وتلزم أيضًا: إن كَانَ الفاعل ظاهرًا حقيقي التّأنيث؛ كـ (قامت هند)، و (خرجت نعجة).
وفي القرآن: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾.
وإِليه أشار بقوله: (أو مفهمٍ ذاتَ حِرِ)؛ أَي: فرج.
وأصله: (حرح)؛ بدليل:
قول الشّاعر:
إِنَّي أَقُودُ جَملًا مِمْرَاحَا ... ذا قُبَّةٍ مَملُوءَةٍ أَحْرَاحَا (١)
والحاصل:
• أن (التاء) تلزم الفعل مع المؤنث إِذا رفع ضميرًا متصلًا؛ كـ (هند خرجت)، وكذا الصّفة؛ كـ (الشمس طالعة).
• وتمتنع إن كان الضّمير منفصلًا؛ كـ (هند ما قام إِلَّا هي)، كـ (هند ما قائم إِلَّا هي) أيضًا.
стр. 654
• وتلزم إِذا رفع الفعل ظاهرًا حقيقيَّ التّأنيث؛ كـ (قامت هند).
وقيل: يختص بذات العقل؛ فيجوز: (قام النّاقة)، و (قامت النّاقة) نقله فِي "المصباح" وَلَم يشتهر.
• وأما الظّاهر المجازي التّأنيث فيجوز فيه الوجهان؛ كـ (طلعت الشّمس)، و (طلع الشّمس). والتّذكير والتّأنيث إِنما هو مع الفعل والصّفة، فَلَا يقال: (هذا الشّمس)، ولَا (هو الشمس)، إِلَّا بتأويل الكوكب ونحوه؛ كما فِي قوله تعالَى: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ﴾ والمشار إِليه: (اليد والعصا).
وقولِ الشّاعرِ:
. . . . . . . . . ... سائِل بني أَسَدٍ مَا هَذِهِ الصَّوْتُ (١)
ويشترط: أَن يكون الفاصل غير (إِلَّا).
فإِن كَانَ الفاصل (إِلَّا). . فقد أشار إِليه بقوله:
ص:
٢٢٣ - وَالْحَذْفُ مَعْ فَصْلٍ بِإِلَّا فُضِّلَا ... كَمَا زَكَا إِلَّا فَتَاةُ ابْنِ الْعَلَا (١)
ش:
أَي: يُختار الحذفُ مع الفصل بـ (إلا)؛ نحو: (ما جاء إِلَّا هند).
ومقتضاه: أنه يجوز (ما قامت إِلَّا هند)، وهو للكوفيين.
وبعضهم: قوله تعالَى: (إن كانت إِلَّا صيِحةٌ واحدة) بالرّفع فِي قراءة أبي جعفر.
وعن الأخفش: أَن إثباتها خاص بالنظم؛ كقوله:
. . . . . . . . . ... فَما بَقِيَت إِلا الضلوع الجَراشِعُ (٢)
стр. 657
قالوا: وإِنما تحذف؛ لأنَّ الفعل فِي التّقدير مسند إِلَى مذكر؛ فنحو (ما قام إِلَّا هند) تقديرُهُ: (ما قام أحد إلا هند).
واللَّه الموفق
ص:
٢٣٤ - وَالْحَذْفُ قَدْ يَأْتِي بِلَا فَصْلٍ وَمَعْ ... ضَمِيْرِ ذِي الْمَجَازِ فِي شِعْرٍ وَقَعْ (١)
ش:
يعني أَن حذف التّاء المؤنث الحقيقي قَدْ يأتي بدون فصل؛ كقولِ بعضهم: (قال فلانة) حكاه سيبويه، وأجازه بعضهم.
قال المازني: التّذكير أصل، فَلَا يبعد العود إِليه، والمشهور: أنه لا يقاس عليه.
وقوله: (ومِع ضَمِيِر ذِي الْمَجَازِ فِي شِعْرٍ وَقَعْ): يشير به إِلَى أَن التّاء حذفت من فعل وفع ضميرًا متصلًا عائدًا علَى مؤنث مجازي؛ كَقَولِ الشَّاعرِ:
. . . . . . . . . ... ولا أرضَ أبقَلَ إبقالَها (٢)
стр. 658
والأصل: (أبقلت)، فحذفت التّاء ضرورة، وهو جائز فِي الشّعر؛ كـ (الأرض أبقل)، و (الشّمس طلع).
وأجازه ابن كيسان فِي النّثر.
وروي: (إبقالُها) بالرّفع علَى أنه فاعل (أبقل). . فَلَا شاهد.
وقيل: لا شاهد علَى النّصب أيضًا، والتّقدير: (ولَا مكان أرض أبقل)، فـ (أبقل) حينئذ: رافع لضمير المكان، لا ضمير الأرض.
واللَّه الموفق
ص:
٢٣٥ - وَالتَّاءُ مَعْ جَمْعٍ سِوَى السَّالِمِ مِنْ ... مُذكَرٍ كَالتَّاءِ مَعْ إِحْدَى اللَّبِنْ (١)
стр. 659
ش:
حكم التّاء مع كل جمع -خلا جمع المذكر السّالم- حكمها مع واحدة اللّبن؛ فكما تقول: (سقطت اللّبنة)، و (سقط اللّبنة) تقول: (قام الرّجال)، و (قامت الرّجال)، و (قام البنون)، و (قام البنون)، و (قامت الهنود).
وكذا اسم الجمع؛ كـ (قام النّاس)، و (قامت النّاس)، و (جاء النسوة)، و (جاءت النسوة).
فإِثباتها: لتأوله بالجماعة.
وعدمها: لتأوله بالجمع.
ولَا تثبت مع جمع المذكر السّالم، فتقول: (قام الزّيدون)، و (جاء المسلمون)؛ لأنَّ جمع التّصحيح كمفرده، كما تقول: (قام زيد)، و (جاء مسلم).
وأَجازَ الكوفيون وابن بابشاذ: (قامت الزّيدون)؛ نظرا إِلَى الجماعة.
وحكى الزّمخشري: أَن الجموع كلها مؤنثة، ويلزم منه جواز ذلك.
• وظاهر كلام الشّيخ هنا: أنه يجوز حذف التَّاء مع جمع المؤنث السّالم؛ كـ (قام الهندات).
وهو مذهب الفارسي والكوفيين.
• ومنعه البصريون؛ لسلامة الواحد فيه.
وادعى بعضهم: أَن هذا البيت ممَّا حذف فيه نقيض الشّيء للعلم به، وأن التّقدير: (سواءً السّالم من مذكر ومؤنث)؛ كما فِي قوله تعالَى: ﴿تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾؛ أَي: والبرد.
وتثبت التّاء فى نحو: (جاءت امرأتان) , وشذ قوله:
تَمنى ابْنَتايَ أنْ يَعِيشَ أبُوهُمَا ... . . . . . . . . . . (١)
стр. 660
ودخله القبض (١).
وتقول: (الزّيدون خرجوا)، ويجوز: (تخرج)، أَو (خرجت) بالتّاء، علَى تأويله بالجماعة، قال تعالَى: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾.
وفي "التّسهيل": يجوز علَى قلة: (الرّجال تقوم بالتّحية)، علَى تأويلهم يفهم الجمع.
وقولك: (الهندات خرجن) و (ضربتهن) أولَى من: (خرجت) و (ضربتها).
• وتقول فِي اسم الجمع: (الرّهط خرجوا)، و (الرَّكب سافروا)، أَو (خرج)، و (سافر).
• وتقول فِي الجمع غير العاقل: (النّجوم طلعت).
ويجوز: (طلعن) بالنّون، والأولى أولى.
ما لم يكن جمع قلة؛ فـ (الأجذاع انكسرن) أولى من: (الأجذاع انكسرت).
ومتَى وجبت التّاء فِي فعلت. . وجبت فِي تفعله؛ فكما تقول: (خرجت هند)، و (هند خرجت)، و (الشمس طلعت) وجوبًا. . تقول أيضًا: (تخرج هند)، و (هند تخرج)، و (الشّمس تطلع) بالتّاء وجوبًا.
وكما تقول: (طلع الشّمس)، و (طلعت الشّمس) بالإِثبات وعدمه. . تقول أيضًا:
стр. 661
(تطلع الشّمس) بالفوقية أَو بالتّحتية.
تنبيه:
تقدم أَن (النّاس) اسم جمع.
قال سيبويه: أصله: (أناس)، و (أل) عوض من الهمزة، والهمزة أصلية؛ لأنه من (الأُنس) ضد الوحشة؛ فوزنه: (فُعَال)، ولَا يجمع بَينَ (الهمزة) و (أل) إِلَّا فِي الشّعر؛ كقولهِ:
إن المنَايا يَطَّلِعْـ ... ـنَ على الأُناسِ الآمِنِينَا (١)
وابن يعيش: أنهما لا يجتمعان أصلًا، وأن هذا الشّاهد لا يعرف قائله.
وقيل: أصله (الأناس)، فسهلت الهمزة الثانية وحذفت ثم أدغم.
وقيل: إنه مقلوب، والأصل: (نسي) بالياء، فقدمت إِلَى موضع العين، فحصل: (نيس)، فقلبت الياء ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فحصل: (ناس).
والكسائي: أَن النّاس لغة مفردة، وهو اسم تام، وألفه مقلوبة عن واو، واستدل بتصغيرهم علَى: (نويس)؛ إِذ لو كَانَ أصله (أناسًا). . لصغر علَى (أنيس)؛ لأنَّ التّصغير يرد الأشياء إِلَى أصولها.
وأجاب أبو علي: بأنه لما كثر فيه (ناس). . صار كأنه اسم تام، وأشبهت ألفه ألف
стр. 662
(ضارب)، فقيل: (نويس)؛ كما قيل: (ضويرب).
واللَّه الموفق
ص:
٢٣٦ - وَالْحَذْفَ فيِ نِعْمَ الْفَتَاةُ اسْتَحْسَنُوا ... لأَنَّ قَصْدَ الجِنْسِ فِيْهِ بَيِّنُ (١)
ش:
الأجود: إِثبات التّاء فِي: (نعمت الفتاة)، و (بئست المرأة).
وحذفها. حسنٌ؛ نحو: (نعم الفتاة)؛ لأنَّ الفاعل هنا مراد به الجنس؛ فهو كجمع التّكسير فِي أَن المقصود به متعدد، وكأنه قيل: (نعم جنس الفتاة)، هذا هو المشهور، وسيأتي فِي محله.
تنبيه:
لا يوصف الفعل ولَا الحرف بتأنيث، فـ (التّاء) فِي نحو: (قامت): لتأنيث الفاعل لا لتأنيث الفعل، ولَا لتأنيث الحرف فِي (ثمَّت) و (ربَّت).
قال أبو الفتح: وإذا سمي بشيء من ذلك. . أجري مجرَى (طلحة)؛ للمشابهة فِي اللّفظ، فيمنع للعلميّة والتّأنيث اللّفظي حينئذ فِي: (ضرَبَتْ)، و (ثمت)، و (ربت) أعلامًا.
ويوقف بالهاء كـ (ثُمَّه)، و (رُبَّه).
واللَّه الموفق
стр. 663
ص:
٢٣٧ - وَالأَصْلُ فِي الفَاعِلِ أَنْ يَتَّصِلَا ... وَالأَصْلُ فِي المَفْعُولِ أَنْ يَنْفَصِلَا (١)
٢٣٨ - وَقَدْ يُجَاءُ بِخِلافِ الأَصْلِ ... وَقَدْ يَجِي المَفْعُولُ قَبْلَ الْفِعْلِ (٢)
ش:
الفاعل كالجزء من فعله، فالأصل: أَن يليه؛ كـ (قام زيد).
قال تعالَى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾.
والأصل فِي المفعول أَن ينفصل من الفعل؛ كما فِي الآية الكريمة.
ويجوز تقديم المفعول علَى الفاعل؛ كـ (ضرب العبد ربه).
وعلى نفس الفعل؛ كـ (العبد ضرب زيد).
وإِليه أشار بقوله: (وَقَد يَجِى) إِلَى آخره.
ويجب تقديم المفعول علَى الفعل إن اقترن الفعل بالفاء وَلَم يكن لهُ منصوب مقدم سوَى ذلك المفعول؛ نحو: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ﴾، ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾، هكذا قرره ابن هشام.
وعبارة السّيوطي: أَو ينصبه فعل أمر دخلت عليه الفاء؛ نحو: (زيدًا فاضرب).
وبعضهم: الأصل فيه: (تنبَّه فاضرب زيدًا)، فـ (الفاء): عاطفة، ثم حذف (تنبَّه)، فحصل: (فاضرب زيدًا)، فلما وقعت الفاء صدرًا. . قُدِّم الاسم لإصلاح اللّفظ، فصح أَن يعمل ما بعد الفاء فيما قبلها؛ لأَنَّها واقعة فِي غير موضعها.
والأخفش والفارسي: زائدة فِي نحو: (زيدًا فاضرب).
стр. 664
والفراء والكسائي: أَن (زيدًا) منصوب بمحذوف، وبه قالا فِي: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ﴾؛ أَي: (بَل اعبد اللَّه فاعبد).
وقيل: إن (أمَّا) مقدرة، والفاء: فاء الجواب؛ أي: (وأما ربك فكبر).
وكذا يجب التّقديم إِذا كَانَ المفعول اسم شرط أَو أستفهام؛ لأنَّ لهما الصّدارة.
أو كَانَ ضميرًا منفصلًا لو لتأخر. . لزم اتصاله، أَو لرد فى الخطأ فِي التّعيين.
فالأول: (أيًّا ضرب. . أضرب).
قال تعالَى: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾.
والثاني: (أيَّهم لقيت)، و (أيّما رجل ضربت)، ومع الإضافة؛ نحو: (غلام من رأيت).
والثّالث: (إِياك نعبد يا اللَّه)؛ فلو أخَّر. . لقيل: (نعبدك).
ولَا يفصل إِلَّا فِي الشّعر؛ كقوله:
. . . . . . . . . . . . ... إلَيكَ حَتَّى بَلَغَتَ إيّاكَا (١)
стр. 665
فإن قدم المنفصل وعمل الفعل في ضمير آخر؛ كقوله تعالَى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾. . انتصب المنفصل بفعل بعده؛ أَي (إياي ارهبوا فارهبون).
وقدره ابن عطية: قبل المنفصل؛ أَي: (فارهبوا إياي فارهبون).
قال فِي "النّهر": وهو ذهول عن القاعدة.
والرّابع: (زيدًا ضربت)، لمن اعتقد غيره.
ولَا يلزم الاتصال إِذا تأخر المتعدي إِلَى اثنين؛ كـ (الدرهم أعطيتكه)، أو (أعطيتك إِياه).
وتقديم المفعول يفيد الاختصاص، خلافًا لابن الحاجب وأبي حيان.
واللَّه الموفق
ص:
٦٣٩ - وَأَخِّرِ الْمَفْعُولَ إِنْ لَبْسٌ حُذِرٌ ... أَوْ أُضْمِرَ الْفَاعِلُ غَيْرَ مُنْحَصِرْ (١)
ش:
إذا لم يُعلَم الفاعل من المفعول. . أُخِّر المفعول؛ كـ (رأى موسَى عيسَى)، (وزارت سُعدَى سلمَى).
فَلَا يُعلم الفاعل هنا لخفاء الإِعراب، فوجب الأصل؛ ليقوم التّرتيب مقام الإِعراب فِي الدّلالة.
فإن علم. . جاز الوجهان؛ نحو: (أكل الكمثرى موسَى)، و (أخذ العصا يحيى).
وقال أبو البقاء فِي قوله تعالَى: ﴿فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾: يجوز أَن يكونَ (إحداهما): فاعلًا، وعكسه، ولَا لبس.
стр. 666
وخير الزّجاجي فِي: ﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ﴾؛ فـ (تلك): اسمها، و (دعواهم): الخبر، أَو عكسه.
وقيل: اسم زال وخبرها. . لا يقضي علَى الفاعل والمفعول.
وأَجازَ ابن الحاج تقديم المفعول فِي: (ضرب موسَى عيسَى)؛ محتجًا بأن العرب لها غرض فِي الإلباس، وأنهم يجيزون تصغير (عمرو) و (عمر)، مع أنه إِذا قيل (عُمَير). . لا يدوى هل صغر (عمرو) أَو (عمر)، بَلْ ولو كتب أيضًا؛ لأنَّ (عمرًا) إِذا صغر، أو انتصب، أَو أضِيفَ لضمير، أَو وقع فِي آخر بيت. . لا تكتب واوه.
• ويقدم أيضًا الفاعل إذا كَانَ ضميرًا غير محصور كما قال: (أَوْ أُضْمِرَ الْفَاعِلُ غَيْرَ مُنْحَصِرْ)؛ كـ (ضربت زيدًا)؛ إِذ لو أخر. . لانفصل؛ كـ (ضرب زيدًا أنا)، وهو خاص بالضّرورة كما علم.
• ولا يمتنع تقديم المفعول على الفعل والفاعل؛ كـ (زيدًا ضربت).
• فإن كان الفاعل محصورًا. . وجب تأخيره؛ نحو: (ما ضرب زيدًا إلَّا أنا).
ويؤخر المفعول:
- إن كان (إنَّ)، أَو (أَنْ)؛ كـ (عرفت إنك منطلق)، و (أحبُّ أَن تقوم).
-وفي التّعجب؛ كـ (ما أحسن زيدًا).
- ومع الفعل المقرون بلام الابتداء, أَو لام القسم، أَو (قد) ,أو (سوف)؛ نحو: (ليرضي زيد عمرًا)، و (لَأضربن زيدًا)، و (قد ضربت زيدًا)، و (سوف أضرب زيدًا).
ولا يقدم على الفعل فقط فِي نحو: (لم أضرب زيدًا)، بخلاف (زيدًا لم أضرب)، ذكر ذلك السّيوطي فِي "المطالع السّعيدة".
ووقع فِي هذا الكتاب تقديم المفعول علَى المقرون بـ (قد)، وجوزوا فِي قوله تعالَى: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ﴾ أَن ينتصب (رسلًا) بمحذوف فسره المذكور؛ فلو امتنع أَن يعمل. . امتنع أن يفسر.
وسوَى ابن الطّراوة والسّهيلي بَينَ (سوف)، و (السّين) فِي امتناع التّقديم عليهما.
- وكذا لا يقدم المفعول على (كي) , وسيأتي فِي إعراب الفعل.
стр. 667
وأَجازَ الزّجاج: (يعجبني زيدًا أَن ضربت) كما سبق فِي الموصول.
ومنع الأخفش الصّغير: (زيدًا لن أضرب).
والصّحيح: خلاف.
• ولا يقدم المعمول علَى (لا)، الواقعة في جواب القسم؛ فَلَا يقال: (واللَّه زيدًا لأضرب).
• ولا على الفعل المؤكد النون؛ فَلَا يقال: (زيدًا ضربن يا عمرو)، وقاله الرّضي وسيأتي فِي الاشتغال.
• ولَا علَى (ما النّافية)؛ لأنَّ لها الصّدر، فَلَا يعمل ما بعدها فيما قبلها.
وقُدِّم المجرورُ فِي الضّرورة كقولهِ:
. . . . . . . . . . . . ... وَنَحنُ عَن فَضلِكَ ما استَغنَينا (١)
تنبيه:
أَجازَ الفراء وأبو عبيدة: تقديم ما بعد لام القسم عليها.
وأَجازَ السمين تعلق الحرف بالفعل، قال تعالَى: ﴿قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾، إِلَّا أنه عزاه لهما.
قال: وبعضهم يفصِّل:
فإِن كَانَ ظرفًا أَو مجرورًا كما فِي الآية، وإِلا. . فَلَا.
وعلَى ما قاله الرّضي. . لا يصح؛ لأنَّ الفعل مؤكد بالنّون فِي الآية، فَلَا يعمل فِي ما قبله.
فائدة:
إِذا أطلق (الأخفش). . فهو سعيد بن مسعدة شيخ الجرمي، وتلميذ سيبويه، وهو الأوسط.
стр. 668
والأخفش الكبير: هو عبد الحميد، أبو الخطاب، شيخ سيبويه.
الصّغير: هو علي بن سليمان تلميذ المبرد.
وذكر السّيوطي فِي "المزهر": أنهم أحد عشر؛ منهم: الأخفش الأصبهاني، وليشكري، والبغدادي، والأندلسي، والفاطمي، والموصلي، واسمه: أحمد، أحد مشايخ ابن جني.
واللَّه الموفق
ص:
٢٤٠ - وَمَا بِإِلَّا أَوْ بِإنَّمَا انْحَصَرْ ... أَخِّرْ وَقَدْ يَسْبِقُ إِنْ قَصْدٌ ظَهَرْ (١)
ش:
أوجب البصريون تأخير المحصور بـ (إِلّا) , أو بـ (إنما) فاعلًا أو مفعولا.
واختاره الجزولي والشّلوبين.
- فإذا قصد الحصر في الفاعل. . يقال: (إِنما ضرب عمرًا زيد)، و (ما ضرب عمرًا إِلّا زيد).
- وإذا قصد فِي المفعول. . يقال: (إِنما ضرب زيدٌ عمرًا)، و (ما ضرب زيد إِلَّا عمرًا).
ففي المثالين السّابقين: لم يقع علَى عمرو ضرب إِلَّا من زيد، ويجوز كونه ضرب شخصًا آخر.
وفي الأخيرين: لم يقع من يزيد ضرب إِلَّا علَى عمرو، ويجوز كون عمرو مضروبًا لشخص آخر.
стр. 669
وعن بعض البصريين والفراء وابن الأنباري: جواز تقديم المفعول المحصور؛ لأنه فِي نية التّأخير.
وأَجازَه الكسائي مطلقًا.
وإليه أشار بقوله: (وَقَدْ يَسْبِقُ إِنْ قَصْدٌ ظَهَرْ)؛ لكن مع (إِلَّا)؛ لظهور القصد معها؛ كقولهِ:
فَلْم يَدْرِ إِلا اللَّهُ ما هَيَّجَتْ لَنا ... . . . . . . . . . . . . (١)
فقدم الاسم الكريم وهو فاعل محصوربـ (إلا)، و (ما هجيت): مفعول.
وقيل: نصب لمحذوف؛ أَي: (درى ما هجيت).
وقال آخر:
ما عابَ إلَّا لئيمٌ فِعلَ ذي كَرَمٍ ... . . . . . . . . . . . (٢)
стр. 670
فقدم فيه الفاعل، وأصله: (ما عاب فعلَ ذي كرم إِلَّا لئيمٌ)، وقد احتج به الكسائي.
وقولُ الآخرِ:
. . . . . . . . . . . . ... وَهَل يُعَذِّبُ إِلَّا اللَّهُ بِالنّارِ (١)