ش:
أخذ يذكر القسم الّذي يجب فيه الرّفع, فيجيب رفع الاسم السّابق إِذا تلا ما يختص بالابتداء:
-كـ (إِذا الفجائية)؛ نحو: (خرجت فإِذا زيد يضربه عمرو).
وأَجازَ بعضهم نصبه، وَلَم يعتمد.
وبعضهم لا يعد ذلك من باب الاشتغال؛ محتجًا بأن الضّمير لو حذف. . لنُصب الاسم السّابق؛ نحو: (زيدًا ضربت).
وإِذا الفجائية لا يتأتَى معها ذلك؛ إِذ الفعل لا يليها علَى المشهور.
وسأل ابن جني أبا الحسن الزّعفراني: هل يجوز: (إِذا زيدًا ضربته) يعني علَى كونها فجائية؟
قال: نعم.
وعلل ذلك بأن الفعل فِي هذا الباب لازم الحذف، فاغتفر ذلك؛ إِذ يغتفر فِي المقدر ما لا يغتفر فِي الملفوظ به.
وأشار بقوله: (كذا إِذَا الفِعلُ تَلا):إِلَى أنه يجب رفع الاسم السّابق أيضًا:
- إِذا وقع بينه وبين الفعل أداة، لايعمل ما بعدهما فيما قبلها، وهو المراد بقوله: (ما لم يَرِد مَا قبلُ مَعمُولًا لِمَا وُجِدَ بعدَهُ):
كأدوات الشّرط، وما النّافية، وأدوات الاستفهام إِلَّا الهمزة، فتقول: (زيدٌ إن جاءك فاضربه)، و (زيدٌ ما رأيته)، و (زيدٌ هل ضربته؟)، أَو (كم ضربته؟) بالرّفع لا غير؛ لأنَّ هذه الأدوات لها صدر الكلام، فَلَا يعمل ما بعدها فيما قبلها، وما لا يعمل: لا يفسر عاملًا.
لكن أَجازَ الكسائي أَن يعمل ما بعد (إن) الشّرطية فيما قبلها؛ نحو: (زيدًا إن لقيت فأكرمه)، فالظّاهر: جواز النّصب عنده علَى الاشتغال فِي نحو: (إن زيدٌ لقيته فأكرمه)؛ لأنَّ ما صح أَن يعمل. . صح أَن يفسر.
- وكذا: يجب الرّفع إذا وقع الفعل بعد ما التّعجبية؛ نحو: (زيد ما أحسنه).
- أَو كَانَ صلة؛ كـ (زيد الّذي ضربته).
- أو مضافًا إِليه؛ كـ (زيدٌ يوم تراه فافرح).
стр. 703
- أَو صفة؛ نحو: (كلُّ رجل صحبته أكرمني) برفع (كلُّ) وجوبًا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾.
- أَو كَانَ الفعل بعد أداة التحضيض؛ نحو: (زيدٌ هلا ضربته).
- أَو بعد حرف ناسخ؛ نحو: (زيد إنك تحبه).
- لأنَّ ما بعد ما التّعجبية، والموصول، والمضاف إِليه، والصّفة، وأداة التّخصيص، والحرف النّاسخ. . لا يعمل فيما قبله أيضًا، فَلَا يفسر عاملًا.
- كذا لام الابتداء و (إِلا) فِي الاستثناء.
وندر عمل ما بعد (ما النّافية) فيما قبلها؛ كقوله:
. . . . . . . . . . . ... وَنَحْنُ عَن فَضلِكَ ما استَغنَينا (١)
ويمكن تعلقه بمحذوف، أَو توسع فِي المجرور.
ومتَى كَانَ النّافي (لا). . جازَ الوجهان فِي الاسم السّابق؛ نحو: (زيد لا أضربه).
وقيل: هي مثل (ما).
وبعضهم: التّحقيق: أنه لا يجب الرّفع إِلَّا إِذا ذكر القسم؛ نحو: (زيدٌ واللَّه لا أضربه)؛ إِذ لا يلزم تصدير (لا) إِلَّا فِي جواب القسم كما سبق فِي الفاعل، وفي باب ظننت.
وابن الطّراوة وتلميذه السّهيلي: أَن ما بعد حرف التّنفيس لا يعمل فيما قبله كما سبق فِي الفاعل؛ فعلَى هذا: لا يجوز (زيدًا سأضربه) بالنّصب؛ لأنَّ ما لا يعمل. . لا يفسر، وقد استثنوا مسألة: يعمل فيها المضاف إِليه فِي المتقدم علَى المضاف، وستأتي فِي آخر الإِضافة.
تنبيه:
اختلف فِي إِذا الفجائية السّابق ذكرها:
فالأخفش: حرف.
стр. 704
والمبرد والفارسي: ظرف مكان.
والزّجاج وابن خروف والزّمخشري والشلوبين: ظرف زمان.
فإِذا قلت: (خرجت فإِذا زيدٌ). . صح كونها خبرًا عن (زيد) إن قدرت ظرف مكان، والتّقدير: (خرجت فبالحضرة زيدٌ)؛ فظرف الزّمان لا يخبر به عن الجثة.
وتقول: (خرجت فإِذا زيد قائمًا) فـ (زيد): مبتدأ، وما قبله: خبر كما ذكر؛ أَي: (فبالحضرة زيد قائمًا)، و (قائمًا): حال، وعامله: (إِذا)، وصاحب الحال ضمير فِي الطّرف المذكور.
ويجوز رفع (قائمٌ) خبرًا عن (زيد)، هنا تفصيل:
- فإِن قدرت (إِذا) ظرف مكان. . فالعامل فيها (قائم)، وليست مضافة للجملة بعدها؛ إِذ لا يضاف للجمل من الظّروف المكانية إلا (حيث).
- وإِن قدرت ظرف زمان. . فهي مضافة للجملة، والعامل فيها: (قائم) أيضًا.
قيل: والأَولَى: أَن تكونَ (إِذا الفجائية) حرفًا، ويؤيده: (خرجت فإِذا إنَّ زيدًا بالباب)؛ لأنَّ (إنَّ) لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، والظّروف لا بد لها من عامل، والمفاجأة: حضور الشيء مع الإِنسان فِي وصف من أوصافه، والمعنَى: خرجت فإِذا حضور زيد معي فِي صفة خروجي.
وقد تشاركها إِذ فِي المفاجأة؛ كقولهِ:
. . . . . . . . . . . ... فبَيْنَمَا العُسْرُ إِذْ دَارَتْ ميَاسِيرُ (١)
والفاء مع (إِذا الفجائية): زائدة لازمة.
ومحمد أبو بكر مبرمان تلميذ المبرد: إنها عاطفة لجملة المفاجأة علَى ما قبلها.
стр. 705
وإِبراهيم أبو إِسحاق الزّجاج: إنها للسببية المحضة.
وبعضهم: يجعل واو الحال كـ (إِذا الفجائية) فِي وجوب رفع الاسم بعدها؛ نحو: (جاء زيد وهندٌ يضربها عمرو) برفع (هند)، ولهذا عدها ابن بابشاذ من أحرف الابتداء.
ويؤيده: رفع النّكرة بعدها علَى الابتداء كما سبق فِي محله.
وعد أيضًا من ذلك: (إِنَّما) بكسر الهمزة وفتحها و (ليتما)، و (لعلما)، و (كأنما)، و (لكنما)، و (أمَّا التّفصيلية)، و (لولا الامتناعية)، و (أمَا، وألا الاستفتاحيين)، و (حتَّى) فِي أحد أقسامها.
قال: وسميت بذلك لكثرة وقوع الابتداء بعدها.
و (السّابقُ) فاعل، و (مَا): مفعول، و (مَا لَمْ يَرِد): مفعول بـ (تَلا)، و (مَا قَبلُ): فاعل بـ (يَرِدْ)، (مَعمُولا): حال من هذا الفاعل، و (قَبلُ وبَعْدُد) فِي البيت: مبنيان علَى الضّم.
واللَّه الموفق
ص:
٢٦٠ - وَاخْتِيرَ نَصْبٌ قَبْلَ فِعْلٍ ذِي طَلَبْ ... وَبَعْدَ مَا إِيَلاؤُهُ الْفِعْلَ غَلَبْ (١)
٢٦١ - وَبَعْدَ عَطِفٍ بِلَا فَصْلٍ عَلَى ... مَعْمُوْلِ فِعْلٍ مُسْتَقِرٍّ أَوَّلَا (٢)
ش:
هو القسم الثّالث الذي يجوز فيه الوجهان، ويُختَارُ النّصب، فمنه:
• إِذا وقع الاسم قبل فعل طلب؛ كـ (زيدًا اضربه)، أو (امرر به).
стр. 706
• منه: ما قبل (لا النّاهية)؛ كـ (زيدًا لا تضربه).
• ولام الأمر؛ كـ (زيدًا ليضربه بكر).
• وفعل الدّعاء؛ نحو (يا اللَّه ذنوبنا اغفرها)، وكذا: (زيدًا ﵀؛ لأنه فِي معنَى الطّلب.
وليس منه: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ وإِن كَانَ يفهم أنه من قبيل (زيدًا اضرب أخاه)؛ فـ (السّارق): مبتدأ علَى حذف مضاف، والخبر محذوف؛ أَي: (ومما يتلَى عليكم حكم السّارق والسّارقة)، وأما (فاقطعوا): فجواب محذوف؛ أَي: (وإِذا كَانَ كذلك فاقطعوا أيديهما).
وقيل: الخبر (فاقطعوا)؛ لأنَّ الفاء تدخل فِي خبر الموصول كما سبق ذكره مفصلًا فِي الابتداء عند قوله: (أَو كَانَ مُسَندًا).
وقرأ عيسَى بالنّصب.
وفصل ابنا السّيد وبابشاذ: فِي الواقع قبل الطّلب، فيُختار الرّفع في العموم كالآية، والنّصب فِي الخصوص؛ كـ (زيدًا اضربه).
ونازع فيه ابن خروف بأن النّصب مختار فِي: (كل رجل يأتيني فاضربه)، وفيه معنَى العموم والإِبهام.
ولَا يجوز النّصب قبل الطّلب ما فِي نحو: (زيدٌ اضربنه).
قال الرّضي: لأنَّ الفعل المؤكد بالنّون لا يعمل فيما قبله، وما لا يعمل لا يفسر.
ويشكل عليه: جعل الشّيخ خالد قول المصنف فِي الحكاية والعلم (احيكنَّه) أنه من الاشتغال، وكذا: (والمُضمَرَ احذِفنَّه) فِي نوني التّوكيد، ونحو ذلك.
ولا نصب في: (زيدٌ أحسن به)؛ لأن معناه الخبر وإن كان على صورة الأمر، ولأن المجرور في محل رفع على الفاعلية.
ومن قال إنه أمر. . فلا يمتنع.
• ومنه إِذا وقع الفعل بعد أداةٍ يغلب أَن يليها الفعل؛ كهمزة الاستفهام؛ نحو: (أزيدًا ضربته؟)، ومنه فِي القرآن: ﴿أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ﴾.
وقد لا يليها الفعل للتشاكل؛ لقوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾، فتقدير
стр. 707
الفعل بعد الهمزة هنا: فيه عطف اسمية علَى فعلية.
فإِن فصلت الهمزة. . اختير الرّفع نحو: (أأنت زيدٌ تضربه؟).
ويغتفر الظّرف؛ نحو: (أفِي الدّار زيدًا تضربه؟).
وابن الطّراوة: إن كَانَ الاستفهام عن الفعل. . فكما سبق، وإِن كَانَ عن الاسم. . وجب الرّفع؛ نحو: (أزيد ضربته أم عمرو؟).
وكالهمزة فِي اختيار النّصب: (حيث)، و (ما ولَا وإنْ النّافيات)؛ كـ (حيث زيدًا رأيته، وما زيدًا ضربته).
• منه إِذا وقع الاسم بعد عاطف سبق بجعلة فعلية بشرط عدم الفصل بَينَ العاطف والاسم كما قال: (وبعد عاطف. . .) إِلَى آخر البيت؛ نحو: (جاء زيد وعمرًا أكرمته).
• وكذا شبه العاطف؛ نحو: (ما أكرمت زيدًا؛ لكن عمروًا أكرمته)، و (أكرمتهم حتَّى زيدًا أكرمته).
وإِنما قالوا: (شبه العاطف)؛ لأنَّ هذين لا يعطفان الجمل، فكلاهما حرف ابتداء.
والمقصود بِحَتَّى: (الابتدائية) ونحوها أَن يكونَ فِي ابتداء الكلام، سواء تلاها مبتدأ أَو فعل، ولهذا هي عند بعضهم حرف ابتداء أبدًا.
قال ابن الخباز فِي "شرح لمع ابن جني": وإِذا كانت حرف ابتداء. . وقع بعدها الجملتان الاسمية والفعلية.
وقال القواس فِي "شرح ألفية بن معطي": علامة الابتدائية: أَن يكون بعدها الجملة الاسمية.
ويجب الرفع فِي: (أكرمت القوم؛ لكن زيدٌ أهنته)، و (أكرمت زيدًا حتَّى خالد أكرمته)؛ لعدم الشّبه بالعاطف؛ إِذ لا يعطف بـ (لكن) فِي الإِيجاب، ولَا بـ (حتَّى) إِلَّا بعضٌ علَى كلٍّ كما سيأتي.
وإِنما اختير النّصب فِي نحو: (جاء زيد وعمروًا أكرمته) يعني فِي حالة العطف بلَا فصل علَى معمول الفعل؛ لأنَّ فيه عطف فعلية علَى مثلها، ولهذا كَانَ تقدير النّصب أولَى فِي: (الموتَى) من قوله تعالَى: ﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ للتشاكل كما ذكر.
стр. 708
فإِن فصل بَينَ العاطف والاسم. . كانَ الاسم السّابق كما لو لم يقدمه شيء؛ كـ (جاء زيد وأما عمرٌو فأكرمتُه)؛ لأن الكلام بعد (أما): مستأنف مقطوع عما قبله، ما لم يوجد طلب؛ نحو: (أما زيدًا فاضربه).
ويُختَارُ النّصب أيضًا إِذا أوهمت الجملة أَن تكون صفة؛ كقولِهِ تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾؛ لأنَّ الرّفع يوهم أَن يكونَ (خلقناه): صفة لـ (شيء) والمجرور خبر. . فَلَا يدل ذلك علَى عموم الخلق.
وقرأ أبو السّماك بالرّفع.
فالأولَى أَن يكونَ ﴿خَلَقْنَاهُ﴾ خبرًا.
- ويختار النّصب أيضًا فِي جواب الاستفهام؛ كـ (زيدًا ضربته) فِي جواب: (أيهم؟) للمطابقة.
وتقول: (صمت الأيام حتَّى يوم الخميس صمته).
بالنّصب: علَى الاشتغال، أَو عطفًا علَى (الأيام)، و (صمته): توكيد.
وبالرفع: مبتدأ، و (صمته): خبر.
بالجر: علَى أَن (حتَّى) حرف جر، و (صمته): توكيد.
تنبيه:
سبق أنه يختار النّصب فِي: (أما زيدًا فاضربه) لأنه قبل الطّلب، والنّاصب هنا محذوف فسره المذكور وإِن كَانَ بعد الفاء؛ لأنَّ الفاء يعمل ما بعدها فيما قبلها إِذا وقعت فِي غير موضعها؛ نحو: (أما زيدًا فاضرب)، وإِذا عمل. . جاز أَن يفسر فِي نحو: (أما زيدًا فاضربه).
والدّليل علَى أنها وقعت فِي غير موضعها: أَن الأصل: (مهما يكن من شيء فزيدًا اضرب)، فحذف (مهما يكن من شيء) برمته، وجيء بـ (أما)، فحصل: (أما فزيدًا اضرب)، فزحلقت الفاء عن موضعها لإِصلاح اللّفظ، فحصل: (أما زيدًا فاضرب)، فعمل ما بعد الفاء فيما قبلها لذلك.
أَو: لأنَّ الحاجة تدعو للفصل بَينَ (أمّا) والفعل؛ إِذ الفعل لا يليها، ففصل بمعمول الفعل.
стр. 709
والحاصل: أَن الاسم فِي نحو: (أما زيدًا فاضربه): منصوب بمحذوف بعده، والتّقدير: (أما زيدًا فاضرب اضربه) فحذف المفسَّر بفتح السّين وهو الناصب لـ (زيدًا)، ثم زحلقت الفاء منه إِلَى المفسِّر بكسر السّين، فحصل: (أما زيدًا فاضربه).
وكذا قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾، بنصب (ثمود) نقلًا عن عاصم والأعمش.
وظاهر كلام مكي: أَن الفعل مقدر قبل (ثمود)، وأن (أما) يليها الفعل؛ لأَنَّها نائبة عنهُ، قال: وتقدير النّصب: (مهما يكن من شيء فهدينا ثمود هديناهم).
والظّاهر: أنه لا يلزم من كونها نائبة عن الفعل: أَن يليها الفعل:
فيقال: (مهما يكن من شيء فاضرب زيدًا).
ولَا يقال: (أما فاضرب زيدًا).
بَلْ يشرع فِي عمل آخر، وهو تقديم (زيدًا) علَى (اضرب)؛ نحو: (أما زيدًا فاضرب) علَى ما سبق ذكره.
لكن يجوز أَن يقال: إنَّه قَدْ يليها الفعل؛ لأنه ملتزم الحذف، وهم يغتفرون فِي المقدر ما لا يغتفرون فِي الملفوظ به، كما عُلم.
وسبق كلام ابن هشام فِي الفاعل فِي قوله تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾، وأنه فِي معنَى: (مهما يكن من شيء فربك كبر).
ولَا يجوز: (أما زيدًا فإِني ضارب)؛ لأنَّ ما بعد (إِنَّ) لا يعمل فيما قبلها، خلافًا للمبرد.
وتعمل (أما) فِي الظّرف؛ نحو: (أما اليوم فإِني ذاهب)؛ لأنَّ فيها معنَى الفعل الّتي نابت عنهُ.
وتوسع الفراء: فجعل العامل فيها (ذاهب)؛ لأنه ظرف؛ كما جعل بعضهم اللّام فِي قوله تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ متعلقة بـ ﴿فَلْيَعْبُدُوا﴾، والحال: أنه بعد الفاء مع غير (أما) ونحوها، والتّقدير: (فليعبدوا لإِيلافهم)؛ أَي: من أجل إلفِهِم.
والزّجاج: أنها متعلقة بـ ﴿فَجَعَلَهُمْ﴾ من سورة الفيل؛ لأنهما فِي مصحف أبيٍّ رضي اللَّه تعالَى عنهُ سورة واحدة بِلَا فصل.
والأخفش: متعلقة بـ (اعجبوا) محذوفًا.
واللَّه الموفق
стр. 710
ص:
٢٦٢ - وَإِنْ تَلَا الْمَعْطُوْفُ فِعْلًا مُخْبَرَا ... بِهِ عَنِ اسْمٍ فَاعْطِفَنْ مُخَيَّرَا (١)]
ش:
هو القسم الخامس الّذي يستوي فيه الرّفع والنّصب، وهو أَن يقع الاسم بعد جملة ذات وجهين، وهي ما صدرها مبتدأ غير ما التّعجبية، وعجزها فعل رافع لضمير ذلك المبتدأ؛ كـ (زيد خرج وعمرو أكرمته) برفع (عمرو) ونصبه علَى السّواء.
فالرّفع: مراعاة لصدر الجملة، فيعطف مبتدأ وخبر علَى مثله.
والنّصب: مراعاة لعجزها، فكأنه عطف جملة فعلية علَى مثلها.
ورجح الأخفش: الرّفع.
وقيل: اسم الفاعل بمعنَى الحال أَو الاستقبال كذلك؛ كـ (زيد ضارب عمرًا وسعدٌ ضربته) برفع (سعد) ونصبه علَى السّواء.
ومثله: (زيد شروبُ العسل وسعد أكرمته).
وشرط بعضهم فِي هذا القسم الخامس: أَن يكونَ فِي الجملة الثّانية ضمير يعود علَى الاسم السّابق؛ كـ (زيد خرج وعمرًا أكرمته فِي داره).
أَو يكون العطف بالفاء؛ لسدها مسد الضّمير؛ نحو: (زيد خرج فعمرًا أكرمته).
وَلَم يشترطه الأكثرون.
فلو كَانَ المبتدأ ما التّعجبية؛ نحو: (ما أحسن زيدًا وسعدٌ ضربته). . كَانَ (سعد) كما لو لم يتقدمه شيء؛ لأنَّ العطف هنا لا أثر لهُ، فيرفع سعد علَى الابتداء مستأنفًا، لا علَى أنه معطوف علَى (ما)، أَو ينصب بمحذوف لا بالعطف علَى (أحسن).
واللَّه الموفق
стр. 711
ص:
٢٦٣ - وَالرَّفْعُ فِي غَيْرِ الَّذِي مَرَّ رَجَحْ ... فَمَا أُبِيْحَ افْعَلْ وَدَعْ مَا لَمْ يُبَحْ (١)
ش:
هو القسم الرّبع الّذي يجوز فيه الوجهان ويختار الرّفع؛ كـ (زيدٌ ضربته) برفع زيد.
- فلم يجب النّصب؛ لأنه لم يقع بعد أداة شرط.
- وَلَم يجب الرّفع؛ لأنه لم يقع بعد إِذا الفجائية ونحوها.
- وَلَم يترجح النّصب؛ لأنه لم يقع قبل طلب.
- وَلَم يستو الأمران؛ لأنه لم يقع بعد فعل مخبر به عن اسم.
فالرّفع أولَى كما ذكر؛ لأنَّ النّصب فيه تقدير فعل، وعدم التّقدير أرجح، بَلْ منع بعضهم النّصب؛ لكلفة التَّقدير، وهو محجوج بقراءة عيسَى بالنّصب فِي: (سورةً أنزلناها)، ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ﴾، ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾.
وقول الشّاعر:
فَارِسًا مَا غَادَرُوهُ مُلْحَمَا ... غيرَ زُمَّيْل ولَا نِكْسٍ وَكِلْ (٢)
الظّالمين.
وقرئ: (والظّالمون) علَى الابتداء.
• وتارة يفصل بينهما بمضاف؛ كـ (زيد ضربت أخاه).
• وتارة بحرف الجر والمضاف؛ كـ (زيد أحسنت لأخيه).
والحاصل:
أَن الفعل المشغول بحرف جر، أَو بإِضافة، أَو بهما معًا. . يجري مجرى الفعل المتصل بلفظ الضّمير فِي جميع ما تقدم.
- فكما يجب النّصب فِي: (إِن زيدًا ضربته). . يجب أيضًا في المشغول بحرف جر؛ نحو: (إن عمرًا مررت به أكرمك) أَي: (جاوزت عمرًا مررت به أكرمك).
وكذا: المشغول بالإِضافة؛ نحو: (إن بشرًا ضربت أخاه أكرمك)؛ أَي: (أهنت بشرًا).
وكذا: المشغول بحرف الجر والإِضافة؛ نحو: (إن خالدًا أحسنت لأخيه أكرمك)؛ أَي: (فرَّحت خالدًا).
- وكما يجب الرّفع فِي: (خرجت فإِذا زيد يضربه عمرو). . يجب أيضًا فِي المشغول عنهُ بحرف الجر أَو بالإِضافة أَو بهما معًا كما سبق.
- وكما يختار النّصب فِي: (أزيدًا ضربته؟)، و (ما زيدًا لقيته). . يختار النّصب أيضًا فِي هذه.
- وكما يختار الرّفع فِي: (زيد ضربته).
ويستوي الأمران فِي نحو: (زيد قام وبكرًا أكرمته). . يكون كذلك أيضًا إِلَى آخره.
تنبيه:
إِذا قلت: (زيد ذُهِبَ به) بالبناء للمفعول. . لا يجوز فِي (زيدٌ) إِلَّا الرّفع؛ لأنَّ الجار والمجرور فِي محل رفع (يُذهَب)، و (ذُهِب) لا يفسر إِلَّا فعلًا رافعًا مثله، فَلَا يجوز نصب الاسم السّابق، خلافًا لابن السّراج والسّيرافي، وَلَم يوافقهما المصنف فِي "الكافية".
стр. 714
ووجه النّصب عندهما: أنهما يجعلان نائب الفاعل فِي (ذُهب) ضميرًا يعود علَى المصدر الّذي هو الذّهاب، فيصير الجار والمجرور فِي محل نصب علَى المفعولية؛ فإِذا انتصب الاسم السّابق. . ينتصب بفعل محذوف عامل فِي ضمير يعود علَى المصدر كما كَانَ ذلك فِي الفعل المذكور، فينصب (زيدًا) علَى المفعولية كما كَانَ ذلك فِي الجار والمجرور.
واللَّه الموفق
ص:
٢٦٥ - وَسَوِّ فِي ذَا الْبَابِ وَصْفًا ذَا عَمَلْ ... بِالْفِعلِ إِنْ لَمْ يَكُ مَانِعٌ حَصَلْ (١)
ش:
تقدم أَن الوصف العامل يجري مجرَى الفعل فِي هذا الباب فِي جميع ما تقدم.
والمراد بالوصف العامل هنا: اسم الفاعل، واسم المفعول، لا نحو الصّفة المشبهة وأفعل التّفضيل وأفعل التّعجب؛ فإِن ذلك لا يعمل فيما قبله، وما لا يعمل لا يفسر عاملًا.
فقوله: (وصفًا) يحترز به ممَّا يعمل عمل الفعل وليس وصفًا؛ كاسم الفعل؛ فإِنه لا يعمل فيما قبله علَى الصّحيح، فَلَا يفسر عاملًا، فَلَا تقول: (زيدًا عليكه)؛ أَي: ألزمه.
وأَجازَ الكسائي: تقديم معمول اسم الفعل عليه، فتجوز عنده المسألة.
وكالمصدر النّائب مناب فعله؛ نحو: (زيدًا ضربًا أخاه)، علَى القول بعدم تقديم معمول المصدر عليه.
وعلَى القول بالجواز -وهو مذهب المبرد والسّيرافي والمصنف- لا تمتنع المسألة، والتّقدير: (أهن زيدًا ضربًا أخاه).
стр. 715
واحترز بقوله: (ذا عمل) من اسم الفاعل بمعنَى الماضي، فَلَا يجوز النّصب فِي نحو: (زيد أنا ضاربه أمس)؛ لأنَّ اسم الفاعل لا يعمل إِذا كَانَ ماضيًا علَى الصّحيح، وما لا يعمل لا يفسر عاملًا.
وتجوز المسألة أيضًا عند الكسائي وابن مضاء؛ لأنَّ اسم الفاعل يعمل ماضيًا عندهما.
واحترز بقوله: (إنْ لَم يكُ مانعٌ حَصَل) من اسم الفاعل المقرون بأل الموصولة، فَلَا يجوز النّصب فِي نحو: (زيد أنا الضّاربه)؛ لأنَّ ما بعد الموصول لا يعمل فيما قبله فَلَا يفسر عاملًا، فحصل فيه المانع، واستوَى حينئذ بالصّفة وأفعل التّفضيل فِي عدم الإعمال كما سبق.
فمثال اسم الفاعل العامل: (خالدًا أنا ضاربه الآن أَو غدًا).
ومثال اسم المفعول: (الدّرهم أنت معطاه الآن أَو غدًا)، فيجوز فِي: (خالد)، و (الدّرهم) الرّفع والنصب.
فالرّفع: علَى أنه مبتدأ، وما بعده: خبر.
والنّصب: علَى تقدير (أنا ضارب خالدًا ضاربه الآن)، و (أنت معطى الدّرهم أنت معطاه الآن). . فينصب الاسم السّابق بالمضمر كما تقدم فِي (زيدًا ضربته).
واللَّه الموفق
ص:
٢٦٦ - وَعُلْقَةٌ حَاصِلَةٌ بِتَابِعِ ... كَعُلْقَةٍ بِنَفْسِ الاسْمِ الْوَاقِعِ (١)
ش:
سبق أَن الفعل المتصل بلفظ الضّمير؛ كـ (زيد ضربته).
стр. 716
يساوى به ما فصل بحرف جر؛ كـ (زيد مررت به).
أَو بإِضافة؛ كـ (زيد ضربت غلامه).
أَو بالحرفِ والإِضافة؛ كـ (زيد أحسنت لأخيه).
وذكر الشّيخ هنا: أَن العلقة الحاصلة بتابع شاغل كالعلقة الحاصلة بنفس الشاغل.
العلقة: هي الضّمير العائد علَى الاسم السّابق.
فإِذا قلت: (زيد ضربت أخاه). . كَانَ (أخاه) شاغلًا للفعل عن الاسم السّابق، والعلقة هنا: حاصلة بنفس الاسم الواقع شاغلًا؛ بمعنَى: أنها ملابسة لهُ.
ومثال العلقة الحاصلة بتابع الشّاغل: (زيد ضربت رجلًا يحبه)، فـ (رجلًا) هو الشّاغل للفعل، وجملة (يحبه): نعت لـ (رجل)، وهي تابع الشّاغل؛ لأنَّ النّعت تابع للمنعوت، فالعلقة هنا: حصلت بتابع الشّاغل؛ يعني: أنها ملابسة للتابع.
والحاصل: أنك تنزل (زيدًا ضربت رجلًا تحبه) منزلة (زيدًا ضربت أخاه).
فقوله: (وعُلقَةٌ حَاصلةٌ بِتَابِعِ) مثاله: (زيد ضربت رجلًا يحبه)، وقوله: (كعُلقَةٍ بِنَفسِ الوَاقِعِ) شاغلًا، مثاله: (زيد ضربت أخاه).
والمراد بالتّابع هنا:
- النّعت كما سبق.
- وعطف البيان؛ نحو: (زيدًا ضربت عمرًا أخاه)؛ فإِن قدرت (أخاه) بدلًا. . لم يجز النّصب؛ لأنَّ العامل فِي البدل غير العامل فِي المبدل منه علَى المشهور، فتبطل المسألة كما ذكر؛ لأنَّ (عمرًا) منصوب بـ (ضربت) المذكور، و (أخاه): منصوب بـ (ضربت) محذوفًا، فالكلام حينئذ تقديرُهُ: (زيدٌ ضربت عمرًا ضربت أخاه)، وهذا فيه خلو الجملة الأولَى من الرّابط بَينَ المبتدأ والخبر.
وعلَى القول بأن العامل فِي البدل والمبدل منه واحد: يجوز الوجهان فِي الاسم السّابق.
- وكذا عطف النّسق بالواو خاصة؛ لأَنَّها تقتضي الجمع؛ نحو: (خالدًا ضربت عمرًا وأخاه)، والهاء تعود علَى (خالد).
فلو قلت: (ثم أخاه)، ورفعت (خالدًا) مثلًا علَى الابتداء. . خلت الجملة الواقعة
стр. 717
خبرًا عنهُ من الضّمير الرّابط؛ لأنك عطفت بـ (ثم).
وهي تجعل الثّاني بعد الأول بمهلة، بخلاف: (زيد ضربت عمرًا وأخاه)، فكأنك قلت: (مع أخيه).
وقد علم من هذا كله:
أنك تُنزَّل (زيد ضربت رجلًا يحبه)، و (زيد ضربت عمرًا أخاه)، و (زيد ضربت عمرًا وأخاه) منزلةَ (زيد ضربت أخاه) فِي جواز رفع الاسم السّابق ونصبه.
فـ (بكرًا ضربت رجلًا يحبه) تقديرُهُ: (أهنت بكرًا)، و (خالدًا ضربت رجلًا يكرهه) تقديرُهُ: (نَصَرتُ خالدًا)، فيقدر فِي كل محل ما يناسبه.
وقال بعضهم: لا يضر وجود العُلقة فِي الصّلة؛ نحو: (زيدٌ أكرمت الّذي يحبه) برفع زيد ونصبه علَى تقدير: (نصرت زيدًا، أكرمت الّذي يحبه).
تنبيه:
يجوز حذف الضّمير فِي هذا الباب؛ قرأ بعض السّلف: (أفحكمُ الجاهليَّةِ يَبغون) بالرَّفع علَى الابتداء، و (يبغون): خبر علَى إِرادة الهاء؛ أَي: يبغونه، ونسبت لابن وثاب والنّخعي والسّلمي.
وقال الشّاعر:
. . . . . . . . . . . ... فثَوْبٌ لَبِستُ وثَوْبٌ أَجُرّ (١)
وسبق فيه شاهد آخر.
وفي "شرح المفصل" للفخر الرّازي: (زيدٌ ضربته) علَى إِرادة الهاء.
واللَّه الموفق
* * *
стр. 718
تَعَدّي الفِعل وَلزومه
ص:
٢٦٧ - عَلَامَةُ الْفِعْلِ الْمُعَدَّى أَنْ تَصِلْ ... هَا غَيْرِ مَصْدَرٍ بِهِ نَحْوُ عَمِلْ (١)
ش:
الفعل علَى ثلاثة أقسام:
- قسم لا يوصف بتعدٍّ ولَا بلزوم.
- وقسم متعد.
- وقسم لازم.
فالأول: (كَانَ وكاد) ونحوهما.
والثّاني: لهُ علامتان:
الأولَى: أَن يتصل به هاء تعود علَى غير المصدر؛ كـ (زيد ضربته).
• ولَا يرد نحو: (فرسخًا سرته) فِي كونه لازمًا واتصلت به هاء غير مصدر؛ لأنَّ هذا ونحوه ممَّا توسع فيه.
• ولَا نحو: (كنته)؛ لأنَّ هذه الهاء ليست مفعولًا علَى الصّحيح، بَلْ هي خبر.
والثّانية: أَن يبنى منه اسم مفعول تام؛ (كضربته فهو مضروب)، بخلاف اللّازم كما سيأتي.
واحترز بـ (هاء غير مصدر): من الهاء الّتي تعود علَى المصدر، فَلَا تدل علَى تعدي الفعل؛ لاتصالها بالمتعدي واللّازم؛ نحو: (الضّرب ضربته، والقعود قعدته، والقيام قمته).
стр. 719
وسيأتي القسم الثّالث.
و (ها) مفعول، و (غير): صفة لهُ.
واللَّه الموفق
ص:
٢٦٨ - فَانْصِبْ بِهِ مَفْعُولَهُ إِنْ لَمْ يَنُبْ ... عَنْ فَاعِلٍ نَحْوُ تَدَبَّرْتُ الْكُتُبْ (١)
ش:
المتعدي ينصب مفعوله بنفسه؛ (كتدبرت الكتب، وضربت زيدًا).
وهشام: النّاصب لهُ الفاعل.
والفواء: الفعل والفاعل معًا.
ورُدَّ الأول بنحو: (عجبت من ضربٍ زيدًا) بتنوين المصدر؛ إِذ ليس هنا فاعل مذكور حتَّى ينصب.
ورُدَّ الثّاني بنحو: (عجبت من ضرب زيدًا عمرو)؛ لأنَّ العامل لا يعمل حتَّى يتم.
وقال ابن بابشاذ: ويلزمهما أنهما ينصبان باللّازم؛ نحو: (مررت زيدًا)؛ لأنَّ هشام ينصبه بالفاعل وقد وجد.
الأصل: (علَى حَبِّ العراق).
قاله أبو الفتح.
وحكَى: (مررت زيدًا)، وهو شاذ، أَو علَى معنَى: (جاوزت زيدًا).
وجعل بعضهم من حذف الحرف ونصب المعمول: قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾؛ قال الأخفش؛ أَي: بحسبان.
و ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾؛ أَي: بظلم وزرو.
﴿أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا﴾، قال فِي "النّهر": أَي: (فِي أرض).
﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ﴾، قال مكي: (علَى صراطك).
وأبو حيان: (لألزمن لهيم صراطك).
وقد يحذف الحرف يبقَى عمله شذوذًا؛ كقولِ الشَّاعرِ:
إِذَا قِيلَ أَيُّ النّاسِ شَرُّ قَبيلَةٍ ... أشَارَتْ كُلَيْبٍ بالأَكُفِّ الأصابعُ (١)
стр. 727
التقدير: (إِلَى كليب).
وفي "سرّ الصّناعة": قيل لرؤبة: (كيف أصبحت؟)، قال: (خيرٍ عافاك اللَّه).
فحذف الحرف وأبقى عمله.
والخدف مع (أَنْ)، المصدية و (أنَّ)، المشددة قياسي مطرد, كما قال: (وفي أَنَّ وَأَنْ يَطَّرِدُ)؛ لكن مع أمن اللّبس؛ كـ (عجبت أن يدو)، و (عجبت أنك تقوم)؛ أَي: (مِن أَن يعطوا الدّية)، و (مِن أنك تقوم).
قال تعالَى: ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾؛ أَي: (مِن أَن جاءهم).
ولَا حذف مع اللّبس، فتقول: (رغبت فِي أَن تقوم)، ولَا تقول: (أَن تقوم)؛ لاحتمال أَن يكونَ المحذوف (عن).
وأجيب عن الحذف فِي: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ بأنه للقرينة.
قال البعلي: لأنَّ إِتيانهن ما كتب لهن إِنما يكون بعد الرّغبة فِي نكاحهن.
وقيل لإِيهام الأمر علَى من يرغب فيهن بجمالهن أَو مالهن، وغير ذلك.
واختلف في الحرف المحذوف من: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾.
فقيل: (مِن)؛ أَي: (لا منع من أنهم خسروا)، أَو (لا منع فِي خسرانهم).
وقيل: لا جرم بمعنَى (حق) فِي موضع رفع بالابتداء، والخبر: (أنهم).
وقيل: كلمتان ركِّبتا، ومعناهما: حقًا، و (أنَّ): فاعل بـ (حقًا)؛ أَي: (حقًا خسرانُهم).
وقيل: إن (لا) صلة، و (جرم) بمعنَى (اكتسب)؛ أَي: (كسب لهم عملهم النّدامة والخسران)، فما بعد جرم: فِي موضع نصب إِذن.
واختلف فِي موضع (إنَّ)، و (أَنْ) بعد حذف الحرف:
فعن الأخفش والفراء: نصب.
والخليل والكسائي: جر.
ونقل جواز الوجهين عن سيبويه.
ويشهد للجرِّ قولُهُ:
стр. 728
وَمَا زُرتُ لَيلَى أَنْ تَكُونَ حَبِيبَةً ... إِلَيّ وَلَا دَينٍ بِهَا أَنَا طَالِبُه (١)
بجر (دينٍ) عطفًا علَى محل (أَنْ).
ويطرد الحذف أيضًا مع (كي)؛ كقولِهِ تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً﴾؛ أَي: لكيلا.
وعن الأخفش الصّغير: جواز الحذف مع غير (أَنَّ، وأنْ) قياسًا بشرط تعين الحذف ومكانه؛ نحو: (بريت القلمَ السّكينَ)، و (خُطت الثّوب إبرة)؛ أَي: بالسّكين وبإِبرةٍ.
فإِن جهل الحذف أَو مكانه. . لم يحذف:
كـ (رغبت فِي زيد)، فَلَا يحذف (فِي) لاحتمال أَن يكونَ المحذوف (عن).
والثّاني: كـ (اخترت القوم من قريش)؛ فلو حذف. . لم يعلم هل اختير القوم من قريش أَو عكسه.
تنبيه:
(زاد)، و (نقص) لازمان ومتعديان إِلَى مفعولين.
стр. 729
ومن الثّاني: ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾.
وما يدل علَى المفاعلة من الجانبين لازم غالبًا؛ كـ (تضارب، وتشارك) بالتّاء.
فإِن تعدَّى قبل التّاء إِلَى مفعولين. . تعدَّى بعدها إِلَى واحد؛ كـ (نازعته الأمر)، و (تنازعته).
ويكون للتكلُّف فيعرى عن المفاعلة ويكون لازمًا؛ نحو: (تغافل) إِذا أظهر الغفلة من نفسه، يعني لم تكن فيه، وإِنما تكلف إِلَى إِظهارها.
ومثله: (تجاهل، وتصامم).
وكذا: لا مفاعلة فِي المطاوع؛ كـ (باعدته فتباعد)، وهو لازم هنا.
ولَا فِي نحو: (ظاهر زيد من هند)، ونحو (عاقبت اللّص).
فائدة:
سبق فِي الشّواهد:
. . . . . . . . . . . ... عَسَلَ الطَّريقَ الثَّعْلَبُ (١)
وفيه تسامح؛ لأنَّ العَدْوَ عامٌّ، والعسلان: للذئب خاصة، نص عليه السّيوطي فِي "المزهر".
قال:
١. والوَكَر: عام، والأدْحِيُّ: للنَّعَام خاصة.
٢. والرّائحة عام, والقتار: للشواء خاصة.
٣. والهَرَب عام، والإِباق للعبد خاصة.
٤. والحديث عام، والسّمر ليلًا خاصة.
٥. والذَّنَب عام، والذُّنابى للفرس خاصة.
٦. والصّراخ عام، والواعية علَى الميت خاصة.
٧. والنّظر عام، والشَّيم للبرق خاصة.
стр. 730
٨. والخدمة عام، والسِّدانة للكعبة خاصة (١).
واللَّه الموفق
стр. 731
ص:
٢٧٤ - وَالأَصْلُ سَبْقُ فَاعِلٍ مَعْنًى كَمَنْ ... مِن (أَلْبِسَنْ مَنْ زَارَكُمْ نَسْجَ الْيَمَنْ) (١)
ش:
الأصل تقديم ما هو فاعل فِي المعنَى فِي باب (أعطَى وكسَا)؛ نحو: (أعطيت زيدًا درهمًا)، و (كسوت عمرًا جبة)؛ فـ (زيد): فاعل؛ لأنه الآخذ، و (عمرو) كذلك؛ لأنه اللّابس.
ومنه: (ألبس من زاركم نسج اليمن)، فـ (من): اسم موصول مفعول أول بـ (ألبسن)، وهو فِي المعنَى: فاعل مقدم علَى المفعول الثّاني، وهو (نسج اليمن)؛ كما قدم (زيد) علَى (الدّرهم)، و (عمرو) على (الجبة).
ومن تقديم الفاعل على الأصل أيضًا: قوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ﴾ ويجوز أَن يتأخر الفاعل المعنى؛ نحو: (أعطيت درهمًا زيدًا) قال تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى﴾.
واللَّه الموفق
ص:
٢٧٥ - وَيَلْزَمُ الأَصْلُ لِمُوجِبٍ عَرَا ... وتَرَكُ ذَاكَ الأَصْلِ حَتْمًا قَدْ يُرَى (٢)
стр. 732
ش:
قد عُلِمَ أَن الأصل تقديم الفاعل المعنَى.
وذكر هنا: أنه يلزم العمل به لموجب، وذلك فِي أشياء.
منها: خوف اللّبس؛ كـ (أعطيت زيدًا عمرًا) فَلَا يقدم المأخوذ؛ لاحتمال أَن يكونَ آخذًا.
ومنها: أَن يكونَ المأخوذ محصورًا؛ كـ (ما أعطيت زيدًا إِلَّا درهمًا).
أَو: يكون الآخذ ضميرًا متصلًا بالفعل؛ كـ (أعطيتك درهمًا).
وأشار بقوله: (وتَركُ ذاكَ الأصل) إِلَى أنه قَدْ يجب تأخير ما هو فاعل فِي المعنَى، وتقديم ما ليس فاعلًا؛ نحو: (أعطيت الدّرهم صاحبه)، فَلَا يقدم (صاحبه) وإِن كَانَ فاعلًا معنَى؛ لئلا يعود الضّمير علَى متأخر لفظًا ورتبة.
وقد يجوز علَى حد: (زَانَ نَورُهُ الشّجَر) كما سبق فِي الفاعل.
وكذا إن كَانَ الآخذ محصورًا؛ نحو: (ما أعطيت الدّرهم إِلَّا زيدًا)، فَلَا يقدم (زيد)؛ لأنه محصور، والمحصور يؤخر وإِن كَانَ فاعلًا مطلقًا.
واللَّه الموفق
ص:
٢٧٦ - وَحَذْفَ فَضْلَةٍ أَجِزْ إِنْ لَمْ يَضِرّ ... كَحَذْفِ مَا سِيْقَ جَوَابًا أَوْ حُصِرْ (١)
стр. 733
ش:
الفضلة: ما يُستغنَى عنهُ، كالمفعول به، والمجرور.
والعمدة: ما ليس كذلك؛ كالفاعل.
فيجوز حذف الفضلة؛ كقولك بعد (هل ضربت زيدًا): (ضربت).
وفي القرآن: ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾، ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ والحذف هنا لمناسبة رؤوس الآي.
ويكون الحذف:
لاحتقار المفعول؛ نحو: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ﴾؛ أَي: الكافرين.
أَو للهجنة؛ كقول عائشة: (ما رأى مني، ولَا رأيت منه)؛ أي: العورة.
ويدخل تحت الفضلة: الأول والثّاني فِي باب (أعطى)، و (كسا).
فحذف الأول: (أعطيت درهمًا)، ومنه فِي القرآن ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ ونحو: ﴿وَأَعْطَى قَلِيلًا﴾.
وحذف الثّاني: (أعطيت زيدًا)، ومنه فِي القرآن: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾.
وحذفهما معًا: قولك: (أعطيت)، ومنه: (أعطى) فِي قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾.
فإِن ضر الحذف. . امتنع؛ كما إِذا قيل: (من ضربت؟)، فتقول: (ضربت زيدًا)، ليحصل الجواب.
وكذا: إن كَانَ المفعول محصورًا؛ نحو: (ما ضربت إِلَّا زيدًا)؛ لأنَّ الحذف هنا يؤدي إِلَى نفي الضّرب مطلقًا، كما إذا قيل: (ما ضربت)، والمقصود: نفي عن غير زيد.
وكذا لا يحذف المفعول الواقع فِي المَثَل: كقولهم: (الصّيف ضيعت اللّبن)؛ لأنَّ الأمثال لا تغير.
قال أبو حيان: ولَا حذف إِذا كَانَ العامل محذوفًا؛ كقولِهِ تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾؛ أَي: (وإِياي ارهبوا فارهبون).
وجعل بعضهم من ذلك قولهم: (خيرًا لنا وشرًا لأعدائنا).
وقول الشّيخ: (يضِر) بكسر الضّاد وهو من: (ضار يضير)، قال تعالى: ﴿وَلَا يَضُرُّكُمْ
стр. 734
كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾.
واللَّه الموفق
ص:
٢٧٧ - وَيُحْذَفُ النَّاصِبُهَا إن عُلِمَا ... وَقَدْ يَكُونُ حَذْفُهُ مُلْتَزَمَا (١)
ش: يجوز حذف ناصب الفضلة لدليل؛ نحو: (زيدًا) فِي جواب: (مَن ضربت؟)؛ أَي: (ضَربتُ زيدًا).
(وذا الطّول) لمن قال: (من أسأل؟)؛ أَي: (اسأل ذا الطّول) وهو اللَّه.
ومنه: قوله ﵊: "اللَّهم حجة لا رياء فيها ولَا سمعة".
- ويكون الحذف للرد علَى النّافي؛ نحو: (بلَى زيدًا) لمن قال: (ما ضربت أحدًا).
- ومثله: النَّاهي؛ نحو: (بلى زيدًا)، لمن قال: (لا تضرب أحدًا).
- والأمر؛ كقولك: (بلى نحوًا)، لمن قال: (تعلم منطقًا)، وإِليه أشار بقوله: (وَيُحْذَفُ النَّاصِبُهَا إِنْ عُلِمَا).
- وقد يكون الحدف لازمًا؛ نحو: (إن خالدًا ضربته أكرمك) كما سبق فِي الاشتغال.
- ويجب الحذف أيضًا فِي التّحذير والإِغراء كما سيأتي فِي محله.
- وألحق بالتّحذير والإِغراء فِي وجوب الحذف أشياء:
- منها: قولهم: (أمرًا ونفسَه)، و (أحشفًا وسوء كيله؟)؛ أَي: دع امرأً، وأتبيع حشفًا.
- و (الكلابَ علَى البقر)؛ أي: أرسل الكلاب على البقر.
стр. 735
- (وشأنك والحج)، و (أهلك واللّيل)؛ أَي: الزم شأنك مع الحج، وألحق أهلك، وبادر اللّيل.
- ونحو: (أهلا وسهلًا ومرحبًا)؛ أَي: أتيت أهلًا لا أجانب، ووطئت سهلًا لا حزنًا، وأصبت رحبًا لا ضيقًا.
وقيل: هي مصادر لأفعال من ألفاظها.
وقيل: يجوز: (مرحبٌ وأهلٌ وسهلٌ)؛ أَي: لك مرحب، ونحو ذلك، ذكره القواس.
تنبيه:
حذف ناصب الفضلة فِي قوله تعالى: ﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا﴾، التّقدير: واللَّه أعلم بمراده: (أنزل خيرًا).
ومنه: ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ يقرأ: بفتح الأول والثّاني.
فالأول: منصوب بمحذوف؛ أَي: فأُحِقّ الحقَّ أَو فاذكر الحق.
والثّاني: منصوب بـ (أقول).
ويقرأ برفع الأول: علَى تقدير: (فأنا الحق)، أَو: (فالحق مني).
ويقرأ برفع الثّاني: علَى إِضمار مبتدأ؛ أَي: (قولي)، و (أمري)، ويكون (أقول) مستأنفًا متصلًا بما بعده؛ أَي: (أقول لأملأن جهنم).
وقيل: مبتدأ، و (أقول): خبر علَى إِرادة الهاء؛ أَي: (والحقُّ أقوله).
ومثله: (أفحكم الجاهلية يبغون)، علَى قراءة رفع (حكم)؛ أَي: (يبغونه)، وسبق فِي آخر الاشتغال.
فائدة:
يجوز حذف الجمل الكثيرة للعلم بها، ومنه فِي القرآن: ﴿فَأَرْسِلُونِ (٤٥) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا﴾؛ أَي: (فأرسلوني إلى يوسف لأستعبر الرّؤيا، ففعلوا، فأتاه فقال: يوسف أيها الصّديق أفتنا) الآية.
واللَّه الموفق
* * *
стр. 736
التّنازع فِي العمل
ص:
٢٧٨ - إِنْ عَامِلَانِ اقْتَضَيَا فِي اسْمٍ عَمَلْ ... قَبْلُ فَلِلْوَاحِدِ مِنْهُمَا الْعَمَلْ (١)
٢٧٩ - وَالثَّانِ أَوْلَى عِنْدَ أَهْلِ البَصْرَهْ ... وَاخْتَار عَكْسًا غَيْرُهُمْ ذَا أُسْرَهْ (٢)
ش:
التّنازع: عبارة عن أن يتأخر اسم, ويقدم عليه عاملان، كل منهما طالب لهُ.
وهما:
١. إما فعلان متصرفان.
٢. أَو اسمان يشبهانهما.
٣. أَو فعل متصرف، واسم يشبهه.
* فالأول: منه فِي القرآن: ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾، وكقولك: (ضربت وأكرمت زيدًا)، فكل من (ضربت)، و (أكرمت) يطلب (زيدًا) مفعولًا.
فيجوز: أَن يعمل الأول ويهمل الثّاني، وعكسه، وهذا هو معنَى قوله: (فَلِلْوَاحِدِ مِنْهُمَا الْعَمَلْ).
стр. 737
وإِذا عمل أحدهما. . أعمل المهمل فِي ضمير المتنازع فيه، علَى ما سيأتي ذكره.
وقال البصريون: إعمال الثّاني أولَى؛ لقربه من المتنازع فيه، ولسلامته من الفصل.
والكوفيون: على عكس ذلك؛ لسبق الأول.
وقوله: (ذا أسره)؛ أَي: (ذا قوة)، يعني به كثرة القائلين: بأن إعمال الأول أولى، و (أسرة الرّجل): رهطه.
واحتج الكوفيون بقول الشّاعر:
فَلَوْ أنَّ ما أَسْعَى لأَدْنَى مَعِيشَةٍ ... كفَانِي، ولم أَطْلُبْ قَلِيلٌ من المال (١)
стр. 738
فقالوا: أعمل الأول مع إِمكان إعمال الثّاني.
وأجاب البصريون: بأن هذا ليس من التّنازع؛ لفساد المعنَى، وذلك أَن مدخول (لو) إن وقع مثبتًا. . كَانَ منفيًا، وعكسه، وجوابها كذلك، ولَا شك أَن الشّرط هنا مثبت، والجواب كذلك، فمعناهما النّفي لِمَا ذُكر، والتقدير: (انتفى سعيي لأدنى معيشة، فلم يكفني قليل من المال)، وقوله: (وَلَم أطلب): معطوف علَى الجواب، وهو منفي، فمعناه الإِثبات؛ لما تقدم من القاعدة؛ لأنَّ المعطوف علَى الجواب حكمه حكمِ الجواب فِي القاعدة المذكورة، ومتَى كَانَ مثبتًا. . لزم مخالفته لما عطف عليه؛ لأنَّ المعطوف عليه معناه: (لم يكفني قليل من المال)، والمعطوف هنا معناه: (أطلب قليلًا) وهذا متناقض؛ لأنه لا يطلب مالًا يكفيه، فمفعول الثّاني ليس ضميرًا لقليل، بَل التّقدير: (لم أطلب الملك أَو المجد).
والشلوبين: إن قدرت الواو للحال. . جاز كونه من التّنازع؛ لأنَّ (لم أطلب) يصير منفيًا علَى بابه، فيصير المعنَى: (انتفَى سعيي لأدنَى معيشة، فلم يكفني قليل من المال وَلَم أطلبه).
وكذا: إن جعلت الواو للاستئناف، وفي كليهما نظر؛ لأنَّ الواو الحالية أَو الاستئنافية غير عاطفة، فَلَا يكون بَينَ عاملي التّنازع ارتباط.
ومن إعمال الثّاني: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ﴾، ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾، ولو أعمل الأول. . لقيل: (وكذبوا بها بآياتنا)، (يستغفر لكم إِلَى رسول اللَّه)، (يفتيكم فيها فِي الكلالة) كما ستعرفه.
وقول الشّاعر:
. . . . . . . . . . . ... جَرَى فوقَها واسْتَشْعَرَتْ لَوْنَ مُذْهَبِ (١)
стр. 739
ولو أعمل الأول. . رفع (لون).
* ومن إعمال الاسمين قوله:
عُهِدْتَ مُغِيثًا مُغنِيًا مَنْ أَجَرْتَهُ ... . . . . . . . . . . . (١)
стр. 740
ولو أعمل الأول. . لقال: (مغنيًا لهُ).
ويمكن حذفه للضرورة.
* ومن إعمال الفعل والاسم: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾.
و (هاؤم): اسم فعل بمعنَى (خذوا).
ولو أعمل الأول. . لقيل (قرأوه).
وقول الشّاعر:
. . . . . . . . . . . ... لَحِقتُ فلم أَنْكُلْ عَنِ الضَّربِ مِسْمَعَا (١)