التّنازع فِي العمل
ص:
٢٧٨ - إِنْ عَامِلَانِ اقْتَضَيَا فِي اسْمٍ عَمَلْ ... قَبْلُ فَلِلْوَاحِدِ مِنْهُمَا الْعَمَلْ (١)
٢٧٩ - وَالثَّانِ أَوْلَى عِنْدَ أَهْلِ البَصْرَهْ ... وَاخْتَار عَكْسًا غَيْرُهُمْ ذَا أُسْرَهْ (٢)
ش:
التّنازع: عبارة عن أن يتأخر اسم, ويقدم عليه عاملان، كل منهما طالب لهُ.
وهما:
١. إما فعلان متصرفان.
٢. أَو اسمان يشبهانهما.
٣. أَو فعل متصرف، واسم يشبهه.
* فالأول: منه فِي القرآن: ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾، وكقولك: (ضربت وأكرمت زيدًا)، فكل من (ضربت)، و (أكرمت) يطلب (زيدًا) مفعولًا.
فيجوز: أَن يعمل الأول ويهمل الثّاني، وعكسه، وهذا هو معنَى قوله: (فَلِلْوَاحِدِ مِنْهُمَا الْعَمَلْ).
стр. 737
وإِذا عمل أحدهما. . أعمل المهمل فِي ضمير المتنازع فيه، علَى ما سيأتي ذكره.
وقال البصريون: إعمال الثّاني أولَى؛ لقربه من المتنازع فيه، ولسلامته من الفصل.
والكوفيون: على عكس ذلك؛ لسبق الأول.
وقوله: (ذا أسره)؛ أَي: (ذا قوة)، يعني به كثرة القائلين: بأن إعمال الأول أولى، و (أسرة الرّجل): رهطه.
واحتج الكوفيون بقول الشّاعر:
فَلَوْ أنَّ ما أَسْعَى لأَدْنَى مَعِيشَةٍ ... كفَانِي، ولم أَطْلُبْ قَلِيلٌ من المال (١)
стр. 738
فقالوا: أعمل الأول مع إِمكان إعمال الثّاني.
وأجاب البصريون: بأن هذا ليس من التّنازع؛ لفساد المعنَى، وذلك أَن مدخول (لو) إن وقع مثبتًا. . كَانَ منفيًا، وعكسه، وجوابها كذلك، ولَا شك أَن الشّرط هنا مثبت، والجواب كذلك، فمعناهما النّفي لِمَا ذُكر، والتقدير: (انتفى سعيي لأدنى معيشة، فلم يكفني قليل من المال)، وقوله: (وَلَم أطلب): معطوف علَى الجواب، وهو منفي، فمعناه الإِثبات؛ لما تقدم من القاعدة؛ لأنَّ المعطوف علَى الجواب حكمه حكمِ الجواب فِي القاعدة المذكورة، ومتَى كَانَ مثبتًا. . لزم مخالفته لما عطف عليه؛ لأنَّ المعطوف عليه معناه: (لم يكفني قليل من المال)، والمعطوف هنا معناه: (أطلب قليلًا) وهذا متناقض؛ لأنه لا يطلب مالًا يكفيه، فمفعول الثّاني ليس ضميرًا لقليل، بَل التّقدير: (لم أطلب الملك أَو المجد).
والشلوبين: إن قدرت الواو للحال. . جاز كونه من التّنازع؛ لأنَّ (لم أطلب) يصير منفيًا علَى بابه، فيصير المعنَى: (انتفَى سعيي لأدنَى معيشة، فلم يكفني قليل من المال وَلَم أطلبه).
وكذا: إن جعلت الواو للاستئناف، وفي كليهما نظر؛ لأنَّ الواو الحالية أَو الاستئنافية غير عاطفة، فَلَا يكون بَينَ عاملي التّنازع ارتباط.
ومن إعمال الثّاني: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ﴾، ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾، ولو أعمل الأول. . لقيل: (وكذبوا بها بآياتنا)، (يستغفر لكم إِلَى رسول اللَّه)، (يفتيكم فيها فِي الكلالة) كما ستعرفه.
وقول الشّاعر:
. . . . . . . . . . . ... جَرَى فوقَها واسْتَشْعَرَتْ لَوْنَ مُذْهَبِ (١)
стр. 739
ولو أعمل الأول. . رفع (لون).
* ومن إعمال الاسمين قوله:
عُهِدْتَ مُغِيثًا مُغنِيًا مَنْ أَجَرْتَهُ ... . . . . . . . . . . . (١)
стр. 740
ولو أعمل الأول. . لقال: (مغنيًا لهُ).
ويمكن حذفه للضرورة.
* ومن إعمال الفعل والاسم: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾.
و (هاؤم): اسم فعل بمعنَى (خذوا).
ولو أعمل الأول. . لقيل (قرأوه).
وقول الشّاعر:
. . . . . . . . . . . ... لَحِقتُ فلم أَنْكُلْ عَنِ الضَّربِ مِسْمَعَا (١)
стр. 741
فتنازع (لحقت) و (الضّرب) في (مِسمع) بكسر أوله: اسم رجل.
ولو أعمل الأول. . لقال: (عن الضّرب لهُ).
ويروى (كررت) بدل (لحقت).
ولو أعمله أيضًا. . لقال: (عن الضّرب لهُ علَى مسمع وَلَم أنكل)؛ أَي: (لم أعجز).
وأنشد ابن فلاح: على إعمال الأول:
أَلَمْ تَسأَلْ فَتُخْبِركَ الدّيَارَا ... عَنِ الرَّكبِ المُوَجَّهِ أَينَ سَارَا (١)
وقوله: (عَامِلَانِ اقْتَضَيَا): يخرج ما إِذا اقتضَى العملَ أحدُهما فقط.
كقولِه:
. . . . . . . . . . . ... أتاكِ أتاكِ اللّاحقونَ احْبسِ احبسِ (٢)
стр. 742
فالثّاني: توكيدٌ للأول.
قال بعضهم: لو كَانَ تنازعًا. . لقال: (أتوك أتاك) علَى إعمال الثّاني، أَو: (أتاك أتوك) علَى إعمال الأول.
وقيل: يحتمل كونه تنازعًا وأضمر فِي الفعل.
حكى سيبويه: (ضربني وضربت قومك)، فأُضمِر فِي الفعل ضميرٌ مفرد وإِن كَانَ ما يعود عليه جمعًا.
وعلم من قوله: (قبلُ) أنه:
• لا تنازع مع تأخير العاملين.
خلافًا لبعض المغاربة: واستقرَ بَهُ أبو حيان.
قل: ومنه قوله تعالى: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.
• ولَا مع التّوسط؛ كـ (ضربت زيدًا وأكرمت).
خلافًا للفارسي.
• وكذا لا تنازع مع فعلين جامدي.
خلافًا للمبرد: فِي فعلي التّعجب؛ كـ (ما أحسن وأجمل زيدًا) علَى إعمال الثّاني.
أَو: (ما أحسن وأجمله زيدًا) علَى إعمال الأول، و (أحسن وأجمل به بزيد) علَى إعمال الأول.
стр. 743
وأبو حيان فِي "الشّرح": أجازه غير المبرد بشرط إعمال الثّاني، حتَّى لا يفصل بَينَ الأول ومعموله.
• ولَا مع أسمين جامدين.
خلافًا للفارسي والجرجاني فِي قولهِ:
فَهَيهَاتَ هَيْهَاتَ العَقِيقُ وَمَن بِهِ ... . . . . . . . . . . . . (١)
وأجيب: بأن الثّاني توكيد.
قال بعضهم: لأنَّ المهمل منهما يحتاج إِلَى ضمير، و (هيهات) لا يرفع ضميرًا. انتهَى.
وقال البعلي: هو من التّنازع، وأعمل الثّاني وأضمر فِي الأول.
وأَجازَ أبو البقاء: أَن يكونَ الفاعل ضميرًا فِي قوله تعالَى: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾.
• ولَا مع فعل وحرف.
стр. 744
ونقله ابن عمرون، لكن فِي (لعل وعسَى)؛ نحو: (لعل وعسَى زيدًا أَن يخرج) علَى إعمال الثّاني، أَو: (لعل وعسَى زيدًا) أَن يخرج علَى إعمال الأول.
• ولَا مع حرفين.
خلافًا لابن العلج: فِي نحو: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾.
قال بعضهم: ورُدَّ بأن الأول يطلب مثبتًا، والثّاني يطلب منفيًا، فَلَا يصح المعنَى. انتهَى.
وللفارسي: أيضًا فِي قول الشّاعر:
حَتَّى تَرَاهَا وكَأَنَّ وكَأَنْ ... أَعْناقَهَا مُشَدَّداتٌ بِقَرَنْ (١)
ومنع التّوكيد للعطف بـ (الواو)؛ إِذ التّوكيد لا يكون بالعطف، إِلَّا إِذا كَانَ العاطف (ثم) مع جملة كما سيأتي.
• ولَا فِي السّببي: كـ (زيد قام وقعد أبوه)، أَو (زيد قائم وقاعد أبوه)؛ لأنك تضمر فِي المهمل ضمير المتنازع فيه فقط، فيخلو من ضمير يربطه بالمبتدأ، نص عليه
стр. 745
ابن خروف.
والسّببي: ما لا ليس فيه ضمير يعود علَى الاسم السّابق كما ذكر، ومنه النّعت السّببي (١)؛ كـ (مررت برجل كريم أبوه)، ومن ثم قيل: ليس من التّنازع قولُه:
. . . . . . . . . . . ... وعزَّةُ مَمْطُولٌ مُعَنَّى غَرِيمُهَا (٢)
стр. 746
سواء رفع (غريمُها) بالأول أو بالثّاني؛ لخلو المهمل منهما من ضمير يعود علَى المبتدأ، وهو (عزة)، فـ (غريمها): مرفوع، بـ (ممطول)، و (مُعنَّى): حال من غريمها.
وقال بعضهم: لا يصح رفع (غريمُها) بـ (ممطول)، وعلل بكونه وصف بقوله (معنَّى)، والوصف إِذا نعت. . لا يعمل، فيكون (غريمها): مبتدأ، و (ممطول) و (معنَى): خبران عنهُ.
وأَجازَ المصنف فِي "توضيحه علَى البخاري": أَن يتنازع فِي منصوبٍ واحدٍ فِعلا فاعلين مختلفين؛ كـ (أطعم زيد وسقى عمرو جعفرًا)، ومنه قول الشّاعر:
أَصْبَتْ سُعَادُ وَأَضْنَتْ زَينبٌ عُمَرَا ... وَلَم يَنَل مِنهُمَا عَينًا وَلَا أَثَرَا (١)
تنبيه:
• يجوز أَن يتنازع ثلاثة عوامل.
قيل: وَلَم يسمع أكثر.
• وقد يكون المتنازع فيه متعددًا.
وفي الحديث: (تسبحون، وتكبرون، وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين) فنازع الثّلاثة فِي: (دبرَ كل صلاة)، وهو ظرف، وفي: (ثلاثًا وثلاثين)، وهو مفعول مطلق.
• ويجوز التّنازع فِي الضّمير المنفصل.
قال أبو حيان: وهو الأظهر؛ نحو: (زيد ما ضربت وأكرمت إِلَّا إِياه).
• والجلال السّيوطي ﵀ فِي "المطالع السّعيدة": لا تنازع فِي الحال، ولَا فِي التّمييز، ولَا فِي المفعول لهُ. انتهَى.
стр. 747
• وأجاز يحيى بن معطي: التّنازع فِي الحال؛ نحو: (زرني أزرك واغبًا) علَى إعمال الثّاني.
أَو (زرني أزرك) فِي هذه الحالة (راغبًا) علَى إعمال الأول.
قال ابن هشام: ويشترط فِي صحة التّنازع: أَن يكونَ بَينَ العاملين ارتباط، فَلَا تنازع فِي نحو: (قام قعد زيد) بغير عطف. انتهَى.
فإِن كَانَ المنع من جهة حذف العاطف. . فَلَا أعلم أحدًا ذكر ذلك.
وإن كَانَ من جهة أنه لا يمكن القيام والقعود فِي آن واحد. . فمسلَّم.
واللَّه الموفق
ص:
٢٨٠ - وَأَعْمِلِ الْمُهْمَلَ فِي ضَمِيْرِ مَا ... تَنَازَعَاهُ وَالْتَزِمْ مَا الْتُزِمَا (١)
٢٨١ - كَيُحْسِنَانِ وَيُسِئُ ابْنَاكَا ... وَقَدْ بَغَى وَاعْتَدَيَا عَبْدَاكَا (٢)
ش:
إذا أعمل أحد العاملين في الظّاهر. . أعمل المهمل فِي ضمير ذلك الظّاهر ونحوه، كما سبق ذكره.
ويلتزم حينئذ ما التزموه من مطابقته الضّمير للظاهر، أَو من حذف الضّمير من الأول فِي بعض الأحوال ونحو ذلك، علَى ما سيأتي، فتقول:
(قام وقعد زيد)، ويجعل فِي المهمل ضمير زيد، و (قاما وقعد أخواك) إن أعملت
стр. 748
الثّاني، ومنه: (يحسنان ويسيءُ ابناكا).
و (قاما وقعدا أخواك) إن أعملت الأول، ومنه: (بَغَا واعتدَيا عَبدَاك).
و (قاموا وقعد الزّيدون) إن أعملت الثاني.
و (قام وقعدوا الزّيدون) إن أعملت الأول.
ولَا يجوز عند البصريين: ترك الإِضمار فِي هذه المواضع؛ لأنَّ الضّمير فيها فاعل، والفاعل: عمدة.
والكسائي، وهشام، والسهيلي: أَن الأول إن كَانَ طالبًا لضمير مرفوع. . فيجب حذفه، فتقول: علَى هذا إن أعملت الثّاني: (قام وضرب الزّيدون) واستدلوا بقولهِ:
تَعَفَّقَ بِالأرْطَى لَهَا وَأَرَادَهَا ... رِجَالٌ فبذَّتْ نَبْلَهُم وكَلِيبُ (١)
فتنازع (تعفق) و (أراد) فِي (رجالٌ) وأعمل الثّاني.
стр. 749
ولو أضمر فِي الأول لقال: (تعفقوا).
وأجيب: بأن الضمير مستتر فِي (تعفق) وهو مفرد فِي النّية، فهو من إِضمار المفرد موضع الجمع.
ومنه حكاية سيبويه: (ضربني وضربت قومَك) بالنّصب كما سبق.
وجعل منه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ مع أنه يعود علَى (الأنعام) فهو باعتبار المذكور كما سبق.
وقيل: (الأنعام) تذكر وتؤنث، نقل عن يونس.
وقيل غير ذلك.
ومن مجيء الضّمير باعتبار المذكور أيضًا قولهُ تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ وَلَم يقل: (منها).
ومن الإفراد فِي موضع التّثنية: ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ (فجعل الطّعام والشّراب كشيء واحد)؛ لاحتياج أحدهما إِلَى الآخر.
وقيل غير ذلك.
و (تعفق): بالفاء والقاف، معناه: استتروا. و (الأرطى): شجر. و (بذت): بالمعجمتين؛ أَي: غلبت بالبناء للمفعول. و (كليب): اسم جمع، وقيل: جمع كلب.
ويَرِد علَى هؤلاء الجماعة فِي منع إِضمار المرفوع فِي الأول قولُهم: (ضربوني وضربت قومك) علَى إعمال الثّاني.
وقولُ الشّاعر:
جَفَوْني، ولم أَجفُ الأَخِّلاءَ، إِنَّني ... . . . . . . . . . . . (١)
٢٨٣ - بَلْ حَذْفَهُ إِنْ يَكُنْ غَيْرَ خَبَرْ ... وَأَخِّرَنْهُ إِنْ يَكُنْ هُوَ الْخَبَرْ (١)
سبق أنه يضمر فِي المهمل ضمير المتنازع فيه؛ نحو: (قام وقعدا أخواك)، و (قاما وقعد أخواك).
والتّنازع: إما أَن يكونَ فِي الفاعلية كما ذكر، أَو غيرها؛ كـ (ضربت وأكرمت زيدًا)، و (مررت به ومر بي زيد)، و (ضربت وضربني زيد).
والحاصل: أنه إذا أهمل الأول وَكَانَ طالبًا لضمير غير مرفوع. . لم يجز الإضمار؛ نحو: (ضربت وضربني زيد) و (مررت ومر عمرو) فَلَا يقال: (ضربته وضربني زيد)، و (لا مررت به ومر بي عمرو)؛ لأنه فضله فَلَا حاجة إِلى الإِضمار قبل الذّكر، وإِنما أضمر الفاعل قبل الذّكر؛ لأنه عمدة.
وشذ إِضمار الفضلة قبل الذّكر فِى قولِه:
إذا كُنْتَ تُرْضِيهِ، وَيُرْضيكَ صاحبٌ ... . . . . . . . . . . . (٢)
стр. 752
فإن كان غير المرفوع عمدةً في الأصل كالخبر. . ذكر مؤخرًا؛ لأنه كَان مطلوبًا للأول كما سبق.
والمراد به: خبر (كَانَ) وثاني مفعولي (ظننت)؛ لأنه خبر فِي الأصل، فتقول: (كنت وَكَانَ زيد صديقًا إِياه)، و (ظنني وظننت زيدًا قائمًا إِياه) فـ (إِياه) الأول: خبر كَانَ الأولى، و (إِياه) الثّاني: مفعول ثاني لظنني.
ولَا يحذف عند البصريين.
ولَا يقدم عند الجميع.
وكذا اسم (كَانَ) والمفعول الأول فِي (باب ظن).
стр. 753
وقوله: (الخَبَرْ) يشمل هذين؛ لأنه محمول علَى ما كَانَ عمدة خبرًا أَو مبتدأ.
مثاله مع كَانَ: أَن تقول: (كَانَ قائمًا وَكَانَ زيد قائمًا أنا)، فـ (أنا): اسم كَانَ الأولَى لم يحذف؛ لأنه مبتدأ فِي الأصل، فجيء به مؤخرًا.
ومثاله مع ظن: أنه تقول: (ظننت منطلقة وظنني منطلقًا هند إِياها)، فـ (إِياها): مفعول أول، وهو مبتدأ فِي الأصل، فَلَا يحذف كما سبق، و (منطلق): مفعوله الثّاني.
فإن كان العامل الثّاني طالبًا للضمير. . أتي به؛ سواء كَانَ فضلة، أَو عمدة.
فالفضله: (ضربني وضربته زيد)،و (مر بي ومررت به زيد).
والعمدة: (ظننت وظنَّنيِه عمرًا قائمًا).
ويجوز فصل الهاء فتقول: (وظنني إِياه)، فتضمر فِي الثّاني إِذا أعملت الأول كما ذكر.
ولَا يضر الإِضمار قبل الذّكر هنا؛ لأنَّ (زيدٌ) فِي المثالين فاعل، فهو فِي نية التّقديم وإِن كَانَ متأخرًا لفظًا؛ إِذ الأصل اتصال الفاعل بفعله، ولما كانت (الهاء): فِي ظننته خبرًا فِي الأصل لا يسوغ حذفها. . اغتفر كذلك عودها علَى المتأخر.
وأَجازَ السّيرافي وجماعة: حذف الضّمير المنصوب والمجرور من الثّاني إِذا أعمل الأول، بشرط كونه فضلة، واستدلوا بقول الشّاعر:
بَعُكاظَ يُعْشِي النَّاظِريـ ... ـنَ، إذا هُمُ لَمَحُوا، شُعاعُهْ (١)
стр. 754
فتنازع (يعشي) و (لمحوا) فِي: (شعاعه)، فأعمل الأول، ولو أضمر فِي الثّاني. . لقال: (لمحوه).
وقيل: ضرورة.
و (عكاظ): موضع بقرب مكة شرفها اللَّه تعالَى.
وقوله: (هو): ضمير فصل لا محل لهُ، و (الخبر) منصوب علَى أنه خبر، قوله: (يكن).
تنبيه:
سبق أَن الأول إِذا أهمل لا يؤتي معه بضمير نصب فضلة، وهذا محله إن لم يكن لبس؛ فإِن وجد لبس. . جيء بالضّمير مؤخرًا؛ نحو: (استعنت واستعان علَى زيد به)؛ فلو حذف الضّمير هنا. . لتوهم أَن زيدًا استعنت عليه واستعان عليك، والحال أنك استعنت به، وهو استعان عليك.
واعترض المصنف: ابنه في: (بَلْ حذفه الزم إن يكن غير خبر).
وقال: كلامه يوهم أَن ذلك مخصوص بالمفعول الثّاني، ونظم بيتًا علَى ما قيل وهو:
وَاحذِفهُ إِنْ لَم يَكُ مَفعُولَي حَسِبْ ... وَإِنْ يَكُن ذَاكَ فَأَخِّرهُ تُصِبْ
ويحتمل أَن يكونَ ليس نظمه؛ فقد حكى السّيوطي: فِي "طبقات النّحاة": أنه كَانَ لا يقدر علَى نظم بيت واحد بخلاف أبيه.
وقد رد هذا البيت أيضًا بأنه يفوت اسم (كَانَ) وخبرها، ومسألة اللّبس.
الزّيدين أخوين)؛ فالأصل: (أظن ويظنني الزّيدين أخوين).
فتنازع (أظن ويظنني): (الزّيدين أخوين)، فـ (أظن) يطلب (الزّيدين) مفعولًا أولًا، و (يطلب أخوين): مفعولًا ثانيًا.
و (يظنني) يطلب (الزيدين): فاعلًا، و (يطلب أخوين): مفعولًا، فأعمل الأول فأخذ مفعوليه وهما (الزّيدين أخوين).
وأضمر المهمل ضمير التّثنية، فجعل (يظناني)، وهو يحتاج أيضًا إِلَى مفعولين.
فالأول: هو (الياء) المتصلة به.
وأما الثّاني: فَلَا يجوز حذفه؛ لأنه خبر فِي الأصل كما علم.
بَلْ ولو كَانَ فضلة لم يحذف؛ حيث كَانَ معمولًا للثاني كما سبق.
والحاصل: أنك إن جئت به ضميرًا مفردًا وقلت: (أظن ويظناني إِياه الزّيدين أخوين). . حصلت مطابقة (إِياه) للياء من جهة أَن (الياء): مبتدأ فِي الأصل، و (إِياه): خبره.
وقد اتفقا فِي الإِفراد؛ لكن فاتت مطابقة المفسِّر للمفسَّر؛ فإِن (المفسِّر) بكسر السّين: (أخوين)، وهو مثنى، و (المفسَّر) بفتحها قولك: (إِياه)، وهو مفرد.
وإِن قلت: (يظناني إِياهما). . حصلت مطابقة المفسِّر للمفسَّر؛ إِذ كلاهما مثنى، وفاتت مطابقة (إِياهما) للياء؛ لأنَّ (الياء): مبتدأ فِي الأصل كما علم، وهو مفرد، فَلَا يكون (إِياهما): خبرًا عنه.
فلما تعذر الإِضمار. . وجب الإِظهار؛ نحو: (أظن ويظناني أخا الزّيدين أخوين) فحصلت مطابقة (أخا) للياء؛ إِذ كلاهما مفرد.
وحيث كَانَ (أخًا) اسمًا ظاهرًا. . فَلَا يحتاج إِلَى شيء يفسره، فَلَا يضر مخالفته لـ (الأخوين) فِي كونه مفردًا و (الأخوين) مثنى؛ لأنَّ (الأخوة) تعلم به ولو لم يذكر (الأخوين) مثلًا.
وأَجازَ الكوفيون: الإِضمار؛ نحو: (أظن ويظناني إِياه الزّيدين أخوين)؛ لأنهم يراعون جانب المخبر عنهُ وهو المبتدأ.
وأجازوا أيضًا الحذف؛ نحو: (أظن ويظناني الزّيدين أخوين)، ومثل: (أظن
стр. 757
وأظناني أخا الزّيدين أخوين).
قول الشّيخ ﵀: (أظنُّ ويَظُنَّاني أَخَا زَيدًا وَعَمرًا أَخَوَين)؛ فإِن (زيدًا): مفعول أول بـ (أظن)، و (عمرًا): معطوف عليه، و (أخوين): مفعوله الثّاني، و (الياء) في يظناني: مفعول أول، و (أخا): مفعوله الثّاني.
تنبيه:
اختلف فِي الأفعال المتعدية إِلَى ثلاثة مفاعيل، هل تستعمل فِي هذا الباب أو لا؟
فأبو عثمان المازني والأكثرون: علَى الجواز.
ومنعه صالح بن إِسحاق الجرمي وجماعة، قالوا: لأنَّ التّنازع خارج عن القياس، وَلَم يسمع منها شيء فِي هذا الباب، وإِن ورد شيء. . يحفظ ولَا يقاس عليه.
فعلَى القول بالجواز؛ إن أعمل الثّاني. . يقال: (أعلمني وأعلمت زيدًا عمرًا قائمًا إِياه إياهٌ).
وإِن أعمل الأول. . يقال: (أعلمني وأعلمته إِياه إِياه زيد عمرًا قائمًا)، و (أعلمت وأعلمني إِياه إِياه زيدًا عمرًا قائمًا).
حكى ذلك أبو حيان: فِي شرح هذا الكتاب.
واللَّه الموفق
* * *
стр. 758
المفعول المُطْلَق
ص:
٢٨٦ - الْمَصْدَرُ اسْمُ مَا سِوَى الزَّمَانِ مِنْ ... مَدْلُوْلَي الفِعْلِ كَأَمْنٍ مِنْ أَمِنْ (١)
ش:
المفاعيل خمسة:
مفعول مطلق: وهو المراد هنا.
ومفعول به: وقد مر فِي تعدي الفعل ولزومه فِي قوله: (تدبَّرتُ الكُتُب).
ومفعول فيه: ومفعل لهُ، ومفعول معه وسيأتي الكلام أن شاء اللَّه تعالَى عليها.
وزاد أبو بكر السّيرافي: مفعولًا منه واستشهد بقوله تعالَى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾؛ أَي: من قومه.
والوجه: أَن اختار يتعدى لاثنين أحدهما بحرف الجر وقد حذف، والتّقدير: (واختار موسى من قومه سبعين رجلًا).
وقال الشّاعر:
اختَرْتُكَ النّاسَ إِذْ رَثَّت خَلائِقُهُم ... . . . . . . . . . . . (٢)
أَي: اخترتك من النّاس.
وقيل غير ذلك.
стр. 759
وفي "الأشباه والنّظائر" للسيوطي ﵀: قال الخوارزمي:
المفاعيل فِي الحقيقة ثلاثة: فأما المنصوب بمعنَى (اللّام) وبمعنَى (مع) فليسا مفعولين. انتهَى.
وبعضهم: أنكر المفعول لأجله فقط؛ لدخوله عنده فِي المفعول المطلق، وسيأتي مفصلًا فِي محله.
ثم إن الفعل لهُ مدلولان: (الحدث)، و (الزّمان).
والمصدر: اسم لما سوَى الزّمان من هذين المدلولين.
وما سوى الزّمان: هو الحدث؛ فالمصدر: اسم الحدث؛ كـ (الضرب) اسم الحدث. والحدث: أحد مدلولي (ضربت).
و (الأمن) اسم الحدث، والحدث: أحد مدلولي (أمنت) كما علم.
والحاصل:
أَن المفعول المطلق مصدر، أو جارٍ مجراه، يذكر من جهة صدوره عن الفاعل.
- فينتصب مؤكدًا لفاعله: كـ (ضربت ضربًا)، فخرج المؤكد المرفوع ونحوه، كقولك: (إِنما شأنك سيرٌ سيرٌ).
- أو ينصب مبينًا للنوع: كـ (ضربت ضربًا شديدًا)، فخرج المبين للنوع غير المنصوب؛ نحو: (ضربُك ضربُ الأمير).
- أَو ينصب مبينًا للعدد: كـ (ضربت ضربتين)، و (ضربته ثلاثين)، فخرج المبين للعدد غير المنصوب؛ نحو: (لهُ ضربتان).
وسمي مفعولًا مطلقًا. . لصدق المفعولية عليه من غير قيد بحرف جرٍّ ونحوه، فهو المفعول حقيقة؛ لأنَّ (ضربت زيدًا) معناه: (فعلت الضّرب بزيد)، فأحدثت الضّرب، و (زيد) ونحوه: كالمحل للمفعول، ولهذا يقدر علَى غيره من المفاعيل.
وأما غيره فَلَا يصدق عليه المفعولية. . إِلَّا بقيد؛ كـ (المفعول فيه)، و (المفعول لهُ)، و (المفعول معه) فتذكر الصّلة وهي (فيه)، أو (له)، أَو (به)، أَو (معه).
بخلاف المطلق: فيصدق عليه أنه مفعول بِلَا شيء يصحبه.
وقوله: (مِنْ مَدْلُوْلَي الفعْلِ): فِي موضع الحال من الضّمير الّذي فِي صلة (ما)،
стр. 760
والعامل فِي الصّلة: استقر، وهو العامل فِي الحال.
تنبيه:
ابن هشام فِي "شرح اللّمحة" لأبي حيان: إن المصدر؛ اسم دال بالأصالة علَى معنَى مجرد، صادر من فاعل أو قائم به.
فاسم: يخرج الفعل.
ودال بالأصالة: يخرج اسم المصدر؛ إِذ دلالته بطريق النّيابة.
ومجرد: يخرج الوصف؛ لأنه دال علَى الحدث.
ومن قام به وقائم به: مدخل لنحو: (العلم، والجهل، والحسن، والقبح)؛ لأنَّ نحو هذه إِنما يقوم بمن اتصف به، لا أنه فاعل لهُ.
بخلاف نحو: (الضّرب)، و (الأكل) فيكون فاعلًا لهما.
واللَّه الموفق
ص:
٢٨٧ - بِمِثلِهِ أَو فِعْلٍ أوْ وَصْفٍ نُصِبْ ... وَكَونُهُ أَصْلًا لِهَذَينِ انتُخِبْ (١)
ش:
ينصب المصدر:
- بمثله فِي اللّفظ؛ كقولِهِ تعالَى؛ ﴿فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا﴾.
- أَو فِي المعنَى: كـ (تعجبني قيامك وقوفًا) وسيأتي.
- وبالفعل: كـ (ضربت ضربًا).
стр. 761
وابن الطراوة والسهيلي: أَن النّصب بمحذوف وجوبًا؛ أَي: (فعلت وقوفًا)، و (ضربت ضربًا).
ويستثنى (فعك التّعجب)، (وَكَانَ النّاقصة)، (والفعل الملغي) فَلَا ينصب مصدرا، فَلَا يقال: (ما أحسنه حسنًا)، و (لَا كَانَ كونًا)، و (لَا زيد قائمًا ظننت ظنًا).
وحكى ابن فلاح: أَن بعضهم أَجازَ (ما أحسنه حسنًا) علَى سبيل المبالغة.
- وينصب المصدر أيضًا بالوصف؛ نحو: (هو ضارب ضربًا)، و (مضروب ضربًا).
إِلَّا الصّفة المشبهة، وأفعل التّفضيل، فَلَا يقال: (حسُن وجهُهُ حسنًا)، ولَا (أقوم منك قيامًا).
وأما قوله:
أَمَّا المُلُوكُ فَأنتَ اليَوْمَ أَلأَمُهُمْ ... لُؤْمًا وَأَبْيَضُهُمْ سِرْبَالَ طَبَّاخِ (١)
فـ (لؤمًا): منصوب بمحذوف.
والبصريون: أَن المصدر أصل، والفعل والوصف مشتقان منه، كما قال الشّيخ: (وَكَوْنُهُ أَصْلًا لِهَذَيْنِ انتُخِبْ)؛ أَي: اختير.
فلما صدرا عنهُ. . سمي مصدرًا.
والكوفيون: الفعل أصل، والمصدر مشتق منه.
ورُدَّ بأن الفرع لا بد أَن يكونَ فيه معنَى الأصل وزيادة، والفعل يدل علَى المصدر والزّمان، فهو فرع، والمصدر يدل علَى المصدرية فقط.
стр. 762
والّذي يثبت به فرعية الفعل. . يثبت به فرعية الصّفات؛ كـ (ضارب) ونحوه.
وعنهم أيضًا: أَن المصدر أصل، والفعل مشتق منه، والوصف مشتق من الفعل، فالوصف: فرع الفرع.
واختاره ابن الحاجب.
وعنهم: أَن الفعل أصل للوصف والمصدر.
وعبد اللَّه بن طلحة شيخ الزّمخشري: أَن كل واحد من المصدر والفعل أصل برأسه غير مشتق، قال: لأنا وجدنا مصادر لا أفعال لها، كـ (الأمومة)، وأفعالًا لا مصادر لها، كـ (عسَى)، و (بئس)، فدل علَى عدم الأصلية والفرعية، ويعضده من قال: إن الكلام كله أصل، وليس شيء اشتق من شيء.
ولكن المشهور: أَن بعض الكلام مشتق، وبعضه غير مشتق.
واحتج من قال: إن الفعل أصل المصدر، بأن الفعل يعمل فِي المصدر ويؤثر فيه، فكان أصلًا؛ لأنَّ القوة تجعل القوي أصلًا.
ورد: بأن الحرف يعمل فِي الاسم ويؤثر فيه.
والاشتقاق: اقتطاع فوع من أصل يدور فِي تصاريفه الأصل، كما قاله الرّماني.
ولَابد من موافقة الأصل والفرع فِي الحروف الأصول؛ نحو: (قال من القول)، و (مال من الميل).
بخلاف الاشتقاق الأكبر: فَلَا يشترط فيه ذلك كـ (البيع من الباع) إِذ الأول يائي والثّاني واوي.
وجعل بعضهم: منه قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾.
فالأول: من القول، والثّاني: من القلي وهو البعض.
والفرق بَينَ: المصدر، واسم المصدر:
أن الأول: اسم الحدث الجاري علَى أحرف فعله؛ يعني: يكون فيه أحرف فعله؛ كـ (ضربت ضربًا)، و (تدحرج تدحرجًا).
فخرج نحو: (اغتسل غسلًا)، فـ (غسلًا): اسم مصدر وكذا (أعطَى عطاء)؛ لأنه لم يستوعب أحرف فعله.
стр. 763
وقد يختص المصدر بزيادة قبل الآخر؛ كـ (أكرام إِكرامًا).
وإِنما لم يستوعب المصدر أحرف فعله؛ فِي نحو: (قدَّس تقديسًا)؛ لأنهم أبدلوا المدغم فيه بالثقل.
ولَا تكاد تثبت ألف فاعل فِي المصدر؛ نحو: (قاتل قتالًا)، وندر (قاتل قيتالًا) بثبوتها وقلبها ياء لوقوعها بعد كسرة.
واللَّه الموفق
ص:
٢٨٨ - تَوْكِيدًا أو نَوْعًا يُبِينُ أَوْ عَدَدْ ... كَسِرْتُ سَيْرَتَيْنِ سَيْرَذِي رَشَدْ (١)
ش:
سبق أَن المفعول المطلق: يكون مؤكدًا، ومبينًا للنوع، ومبينًا للعدد.
ومن المبين للعدد: (سرت سيرتين).
ومن المبين للنوع: (سير ذي رشد)؛ أَي: (سرت سير ذي رشد).
• ويجوز: (ضرتجط ضربًا ضربتين)، علَى أَن الأول مؤكد، والثّاني بدل منه.
• ولَا يصح (ضربت ضربتين ضربًا)، إِلَّا بوصف؛ نحو: (ضربًا شديدًا) ذكره أبو حيان.
واللَّه الموفق
ص:
٢٨٩ - وَقَدْ يَنُوبُ عَنْهُ مَا عَلَيْهِ دَلّ ... كَجِدَّ كُلَّ الجِدِّ وَافْرَح الْجَذَلْ (٢)
стр. 764
ش:
الكثير: كون المفعول المطلق مصدرًا.
وقد ينوب عنهُ: ما يجري مجراه.
١ - فمن ذلك: (كل) و (بعض) مضافين للمصدر؛ نحو: (جِدَّ كُلَّ الجِدِّ)، قال تعالى: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾، ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾.
وقال الشّاعر:
وقدْ يَجْمَعُ اللَّهُ الشَّتِيتَيْنِ بعْدَمَا ... يَظُنَّانِ كُلَّ الظَّنِّ أَنْ لا تَلاقِيَا (١)
وتقول: (ضربته بعض الضّرب)، أَو (يسير الضّرب) بالنّصب علَى المفعول المطلق.
стр. 765
٢ - ومنه المرادف لمصدر الفعل المذكور؛ كـ (قعدت جلوسا)، و (افرح الجذل)؛ لأنَّ (الجلوس): القعود، و (الجذل): الفرح، وجعل منه قوله تعالَى: ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾؛ لأن (الموري): هو القادح.
ونحو قول الشّاعر:
يُعْجبُهُ السَّخُونُ والبَرُودُ ... والتَّمْرُ، حُبًّا ما لَهُ مَزِيدُ (١)
فنصب (حُبًا): بـ (يعجبه)؛ لأنه فِي معنَى يحبه.
وقيل: إن نحو: (جلست قعودًا): منصوب بمحذوف كما سبق؛ أَي: (فعلت قعودًا)، و (قعدت قعودًا).
وأَجازَ الأخفش: الوجهين.
وتعريف هذا المصدر خطأ عند الكوفيين نحو: (قعدت الجلوس)، ما لم ينعت؛ كـ (الجلوسَ الحسنَ).
٣ - ومن ذلك أيضًا الضّميرِ؛ كـ (ضربته زيدًا)؛ أَي: (ضربت الضّرب زيدًا)، قال تعالَى: ﴿لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾؛ أَي: (لا أعذب التّعذيب أحدًا).
وقال الشّاعر:
هَذَا سُرَاقَةُ لِلقُرآنِ يَدْرُسُهُ ... . . . . . . . . . . (٢)
стр. 766
فـ (الهاء): للدرس، لا للقرآن؛ لأنَّ الفعل قد تعدى إِليه باللّام، وأنت لا تقول: (لزيد ضربته) علَى أَن الهاء لـ (زيد)؛ إِذ يصير الفعل لازمًا متعديًا فِي آن واحد.
٤ - ومنه العدد؛ كـ (ضربت العبد أربعين)، وفي القرآن ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾.
٥ - ومنه اسم الآلة؛ كـ (ضربته سوطًا).
وقيل: تقديرُهُ: (ضرب سوط)، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إِليه مقامه.
قيل: وهو الأولى.
٦ - ومنه وصف المصدر؛ كـ (سرت أحسن السّير)، و (ضربته أشد الضّرب)؛ أَي: (ضربًا أشد الضّرب)، و (ضربته أَيَّ ضربٍ) أي: (ضربًا أَيَّ ضرب).
وعن سيبويه: لا ينوب عن المصدر وصفه، ويعربه حالًا.
٧ - ومنه ما دل علَى نوع؛ كـ (رجعت القهقرى)؛ أَي: (إِلَى وراء).
(وقعد القرفصاء)؛ أَي: جلس علَى إِليتيه ونصب ساقيه وأدار يديه عليهما.
ونحو: (غدا البَشَكَى)؛ أَي: (غدوة فيها سرعة).
وقيل: إنها وصف؛ أَي: (الرّجعة القهقرى)، و (القعدة القرفصاء)، وهو للمبرد، وابن السّراج.
وقيل: نصب لمحذوف؛ أَي: (تقهقر القهقرى).
٨ - ومنه وقت المصدر؛ كقولِهِ:
أَلم تَغتَمِضْ عَينَاكَ لَيلَةَ أَرمَدَا ... . . . . . . . . . . (١)
стр. 767
أَي: اغتماض ليلة أرمد.
٩ - ومنه اسم الإشارة؛ كـ (ضربته ذلك الضّرب)، ولَا يشترط وصفه بالمصدر فمن أمثلة سيبويه: (ظننت ذلك)؛ أَي: ظننت الطن.
خلافًا لبعضهم.
١٠ - وقد ينوب عنهُ اسم العين؛ كقولِهِ تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾، ومنه: (ضربت العبد سوطًا) كما سبق.
وقيل: الأصل: (إِنباتًا)، فحذفت الهمزة.
وقيل: مصدر لفعل آخر؛ أَي: (فنبتم نباتًا)؛ كما فِي قوله تعالى: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾؛ لأنَّ التّبتيل مصدر (بتَّل)، كـ (التقديس): مصدر قدَّس.
وعلَى القول: أَن (نبات) مصدر. . فهو سماعي.
стр. 768
ولَا ينوب (أل) و (الفعل) عن المصدر، مع أنهما يدلان عليه. . فَلَا تقول: (ضربت أَن أضرب)؛ لأن (أَن) تخلص الفعل للاستقبال، فيصير مقصورًا علَى زمان واحد، بخلاف المصدر الصّريح. . فيصلح للأزمنة الثّلاثة.
وأجازه الأخفش.
وقد نظمت ما ناب عن المصدر فِي قولي:
وَعَن مَصدَرٍ قَدْ نَابَ وصفٌ وآلةٌ ... وَفَي ذَينِ وَاسمِ العَينِ خُلفُ مَنِ اجتَهَدْ
وَكُلٌ وَبَعضٌ ثُمَّ نَوعٌ وَمُضمَرٌ ... وَوَقتٌ وَنابَ اسمُ الإِشارَةِ وَالعَدَدْ
وَمَصدَر فِعْلٍ أُخِّرَ احفَظْ مُرَادِفَا ... كيُعجِبُهُ حُبًّا بِهِ شَاهِدٌ وَرَدْ
واللَّه الموفق
ص:
٢٩٠ - وَمَا لِتَوكِيدٍ فَوَحِّدْ أَبَدَا ... وَثَنِّ وَاجْمَعْ غَيْرَهُ وَأَفْرِدَا (١)
ش:
سبق كون المصدر مؤكدًا، ومبينًا للنوع، أَو العدد.
وذكر هنا أَن المصدر المؤكد لا يثنى ولَا يجمع، بَلْ يجب إِفراده، فتقول إِذا قصدت التّوكيد: (ضربت ضربًا)؛ لأنه يقع علَى القليل والكثير، فَلَا معنَى للتثنية ولَا جمعه.
أَو لأنَّ المصدر المؤكد بمثابة تكرير الفعل، والفعل لا يثنى، ولَا يجمع.
وإِنما دخلت عليه (أل) فِي نحو: (ضربت الضرب) وهي لَا تدخل علَى الفعل؛ لأَنَّها دخلت من جهة الاسمية الحاصلة.
стр. 769
وقوله: (وَثَنِّ وَاجْمَعْ غَيْرَهُ وَأَفْرِدَا)، يشير به إِلَى أَن المبين للعدد أَو النّوع. . تجوز فيه التّثنية والجمع.
فالأول: كـ (ضربته ضربتين وضربات) وهذا لا خلاف فيه.
وأما الثّاني: فعلَى مقتضى كلام الشّيخ ﵀: أنه يجوز فيه ذلك، فتقول إِذا قصدت النّوع: (سرت سيرين شديدين)، و (ضربت ضروبًا شديدة).
والمشهور: أنه لا يثنى ولَا يجمع إِلَّا إِذا اختلفت أنواعه؛ نحو: (سرت سيري زيد، الحسن والقبيح)، و (ضربت ضروب الأمير الشّديد والخفيف والمتوسط).
وظاهر كلام سيبويه: قصره علَى السّماع، واختاره علي الشّلوبين.
ومن الجمع فِي القرآن: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾، وقرئ (الظّنون) علَى الأصل.
وتثبت الألف فِي الأول تشبيهًا لهُ بآخر الآيات المطلقة، ذكره العكبري.
و (ما): مفعول، بـ (وحد)، من قبيل: (زيدًا فاضرب)، وسبق فِي الفاعل.
واللَّه الموفق
ص:
٢٩١ - وَحَذْفُ عَامِلِ المُوِكِّدِ امْتَنَعْ ... وَفِي سِوَاهُ لِدَلِيلٍ مُتَّسَعْ (١)
ش:
لا يحذف عامل المصدر الموكد؛ لأن المصدر المؤكد يقصد به تقرير عامله وتقوية معناه، والحذف ينافي ذلك.
ولهذا رد الفارسي علَى الزّجاج حيث قال فِي ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾، تقديرُهُ: (إن هذان لهما ساحران).
فقال: الحذف والتّوكيد باللّام متنافيان، فتقول: (ضربت ضربًا) ولَا تقول: (ضربًا)
стр. 770
على أنه مؤكد.
ونقل المصنف الجواز.
والظّاهر: خلافه؛ لما علم، ولما فيه أيضًا من توكيد المحذوف، وهو ممنوع عند الأخفش والفارسي وثعلب.
وأما المبين للنوع أو العدد. . فيجوز حذف عامله لدليل؛ كما قال: (وَفِي سِوَاهُ لِدَلِيْلٍ متَّسَعْ)؛ كقولك: (ضَربَ الأميرِ) لمن قال: (أَيَّ ضرب ضربت؟)، و (ضربتين) لمن قال: (كم ضربت زيدًا؟)؛ أَي: (ضربته ضرب الأمير)، و (ضربته ضربتين).
وتقول لمن قدم من سفره: (قدومًا مباركًا)، ولمن ختم درسه: (ختمًا عظيمًا)، ونحو ذلك ممَّا يدل عليه دليل مقالي أَو حالي.
وقد يجب حدف العامل؛ كما سيأتي إن شاء اللَّه تعالَى.
و (متَّسع): مصدر ميمي. مبتدأ، والخبر قوله: (فِي سِواهُ)؛ أَي: (وفي حذف سواه اتساع).
واللَّه الموفق
ص:
٢٩٢ - وَالْحَذْفُ حَتْمٌ مَعَ آتٍ بَدَلا ... مِنْ فِعْلِهِ كَنَدْلًا اللَّذْ كَانْدُلا (١)
ش:
يجب حذف عامل المصدر الواقع بدلًا من فعله:
ووقوعه موقع فعله مقيس فِي الأمر، والنّهي، والدّعاء، والاستفهام التوبيخي.
- فالأمر: (ضربًا زيدًا)؛ فـ (ضربًا): ناب مناب (اضرب)، وانتصب بعامل
стр. 771
محذوف وجوبًا، تقديرُهُ: (اضرب)، ولَا يجوز إِظهاره؛ كيلا يجمع بَينَ العوض والمعوَّض، و (زيدًا): منصوب بـ (ضربًا) عند سيبويه والفارسي والزّجاج.
وقيل: بالفعل المحذوف العامل فِي المصدر، وهو للمبرد والسّيرافي.
وقيل: إن (ضربًا) منصوب بـ (التزم) لا بـ (اضرب) فيكون مفعولًا به، ومنه أيضًا قوله تعالى: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾؛ أَي: (فاضربوا الرّقاب).
وقولُ الشّاعرِ:
. . . . . . . . . . ... فنَدْلًا زُرَيقُ المالَ نَدلَ الثَّعالِبِ (١)
فـ (ندلا): ناب مناب (اندل)، وإِليه أشار بقوله: (كَنَدْلًا اللَّذْ كَانْدُلا).
و (النّدل): الخطف بسرعة. و (زريق): منادى حذفت منه الأداة. و (المال): مفعول به، والتّقدير: يا زويق اندل المال.
وخص ابن عصفور: وجوب الحذف بأن يتكرر المصدر؛ كقوله:
فَصبْرًا في مجالِ الْمَوتِ صَبْرًا ... . . . . . . . . . . (٢)
стр. 772
- والنهي؛ نحو: (قيامًا لا قعودًا)؛ أَي: (لا تقعد).
- والدّعاء؛ كقولهم: (سقيا لك ورعبًا).
وحكَى ابن إِياز عن أبي الحسن محمد الزّعفراني تلميذ علي بن عيسَى الرّبعي: أَن هذه اللّام لا تتعلق بشيء.
وقيل: تتعلق بمحذوف صفة لـ (سقيًا).
ورُدَّ: بأنه أقيم مقام الفعل، فَلَا يوصف كالفعل.
ونقل الأندلسي غلام أبي علي: أَن بعضهم يعلقه بـ (أعني) محذوفًا.
- والاستفهام التّوبيخي؛ كقولك: (ألهوًا وقد قرب الموت؟).
ومنه قولُ الشّاعرِ:
. . . . . . . . . . . ... ألُؤمًا لَا أَبَا لَكَ وَاغتِرَابَا؟! (١)
стр. 773
أي: (أتلؤُمُ لؤمًا، وتغترب اغترابًا؟).
وكذا المصدر الّذي لا فعل لهُ؛ نحو: (ويلَ الظّالم)، و (ويحَ الظالم الباغي)، بنصبهما بعامل محذوف من معناهما.
وقد يقام المصدر مقام فعله في الخبر؛ يعني فِي غير الطّلب:
كقولك عند حصول نعمة أَو تذكرها: (حمدًا وشكرًا لا كفرًا).
وعند الشّدة: (صبرًا لا جزعًا)؛ أَي: (أصبر صبرًا لا أجزع جزعًا).
وعند ظهور شيء يتعجب منه: (عجبًا)؛ أَي: (أعجب عجبًا).
ونحو: (زرني وكرامة)؛ أَي: وأكرمك كرامة.
وكذا: نحو: (غفرانك، ومعاذ اللَّه).
واللَّه الموفق
ص:
٢٩٣ - وَمَا لِتَفصِيْلٍ كَإِمَّا مَنَّا ... عَامِلُهُ يُحْذَفُ حَيْثُ عَنَّا (١)
стр. 774
ش:
إذا وقع المصدر تفصيلًا. . يجب أيضًا حذف عامله؛ كقولِهِ تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾؛ فـ (مَنّا وفداءً) مصدران وقعا تفصيلًا لعاقبة ما قبلهما؛ والتّقدير واللَّه أعلم بمراده: (فإما تمنون منا، أَو تفدون فداء)، وإلى هذه الآية الشّريفة أشار الشيخ بقوله: (كإِما مَنَّا).
وتقول: (اجلس فإما حديثًا أَو سكوتًا).
وقد يجوز الرّفع؛ كقول الشّاعر:
فَسِيرَا فَإِمَّا حَاجَةً تَقضِيَانِها ... وَإِمَّا مَقِيلٌ صَالِحٌ وَصَدِيقُ (١)
وقوله: (حَيْثُ عَنَّا)؛ أَي: حيث عرض.
واللَّه الموفق
ص:
٢٩٤ - كَذَا مُكَرَّرٌ وَذُو حَصْرٍ وَرَدْ ... نَائِبَ فِعْلٍ لِاسْمِ عَيْنٍ اسْتَنَدْ (٢)
ش:
- يجب أيضًا حذف عامل المصدر. . إن كَانَ المصدر مكررًا أَو محصورًا والعامل
стр. 775
خبرًا عن اسم عين.
فالأول: (زيد سيرًا سيرًا)؛ التّقدير: (يسير سيرًا)، فحذف الخبر لقيام التّكرير مقامه كما سبق فِي المبتدأ.
والثّاني: (إِنما أنت سيرًا)، و (ما زيد إِلَّا سيرُ الأمير)؛ التّقدير: (إِنما أنت تسير سيرًا)، (وما زيد إِلَّا يسير سير الأمير)، فحذف العامل أيضًا لما فِي الحصر من التّأكيد القائم مقام التكرير.
وأبو حيان: يجوز علَى جهة المبالغة: (إِنما أنت سير).
- ويجب الحذف أيضًا إِذا كَانَ المصدر مستفهمًا عنهُ استفهامًا عَلى بابه؛ نحو: (أأنت سيرًا؟).
فإِن لم يكن تقرير ولَا حصر ولَا استفهام ولَا عطف -كما سيأتي- لم يجب الحذف؛ نحو: (زيد سيرًا)، أَو (زيد يسير سيرًا)، هذا ما كَانَ من اسم العين.
وأما اسم المعنَى:
فقيل: يجب معه رفع المصدر؛ نحو: (أمرك سير).
والظّاهر: جواز نصبه مع استقامة المعنَى.
ويذكر العامل أَو يحذف.
ومن نصبه بعامل مقدر بعد اسم المعنَى: قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾؛ فـ (سلام): مبتدأ، و (قولا): مصدر انتصب بالخبر المحذوف، والتّقدير واللَّه أعَلم بمراده: (سلام يقال لهم قولًا).
وقيل: (من رب رحيم): هو الخبر، و (قولًا): منصوب بالفعل المقدر.
وقيل غير ذلك.
تنبيه:
العطف كالتكرير في وجوب حذف العامل؛ نحو: (أنت أكلًا وشربًا).
ويقدر لكل مصدر ما يناسبه؛ أَي: (أنت تأكل أكلًا، وتشرب شربًا)، وسيأتي فِي التّحذير والإغراء: أَن العطف كالتكرار فِي وجوب الحذف.
واللَّه الموفق