والكوفيون: أن فعل الأمر معرب؛ لأنه مقتطع من المضارع، وهو عندهم مجزوم باللام المحذوفة.
والمعتمد: ما سبق.
* فيبنى الأمر الصحيح الآخر: على السكون؛ نحو: (كلْ، واشربْ).
* والمعتل الآخر: على الحذف؛ نحو: (اغزُ، واخشَ، وارمِ).
وتثبت الياء في الضرورة كقولِهِ:
ثُمَّ نَادِي إِذَا دَخَلْتَ دِمَشْقَا ... يَا يَزِيدُ بْنَ خَالِدِ بْنِ يَزيدَا (١)
* ويبنى على حذف النون في نحو: (اضربا واضربوا)، لأنه مقتطع من المضارع كما سبق، وهو معرب لمشابهته الاسم كما سيأتي، فلما اقتطع الأمر من المضارع المشبه الاسم وانفصل منه .. بعُدَ عن شبه الاسم، ورجع إلى البناء الذي هو الأصل في الأفعال، على الصحيح.
* وهو في نحوْ (اضربْنَ، واغزِيْنَ، واخشَيْنَ، وارمِيْنَ يا هندات) مبني على السكون.
وسيأتي الكلام على نحو: (تعالَين) في أسماء الأفعال.
стр. 72
[إعراب المضارع وبناؤه]:
ولا يعرب المضارع إلا إن عري من:
* نون التوكيد المباشرة.
* ومن نون الإناث.
وإلا .. فهو مبني على الفتح مع نون التوكيد.
وعلى السكود مع نون الإناث؛ لبعده عن شبه الاسم للحاق النونين؛ إذ: نون النسوة لا تلحق الاسم.
ونون التوكيد لا تلحقه إلا شذوذًا.
وفتح مع نون التوكيد، لتركُّبه معها: تركيب (خمسةَ عشر) كما سيأتي في العدد.
وسكن مع نون النسوة، حملا على الماضي، كـ (قُمْنَ وخَرجْنَ).
وحكى ابن إياز: أنه معرب مع نون التوكيد عند ابن الدهان.
وذهب ابن طلحة وتلميذه السهيلي وابن درستويه: إلى أنه معرب مع نون الإناث، والحركة مقدرة.
ولما كانت نون الإناث لا تكون إلا مباشرة للفعل متصلة به دون فصل؛ نحو: (يرعن ويعطين) .. لم يحتج إلى قيد.
وقيد نون التوكيد بقوله: (مُبَاشِر)؛ لأنها تارة تباشر المضارع فيبنى نحو: (هل تضربنَّ)، وتارة يفصل بينها وبينه بضمير بارز أو مقدر فيعرب.
فالأول: نحو: (هل تضربانِّ يا زيدان؟) ففصلت الألف بينه وبين نون التوكيد المشددة.
والثاني: نحو: (هل تضربُنَّ يا زيدون) بضم الباء و (هل تضربن يا هند) بكسر الباء فالفاصل في الأول واو محذوفة، وفي الثاني باء.
والفعل في هذه الأمثال مرفوع، علامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، والأصل تضربان، وتضربون، وتضربين، بنون الرفع كما ذكر ثم جيء بنون التوكيد، فحذفت نون الرفع، وسيأتي إن شاء اللَّه تعالى مبسوطًا في نوني التوكيد.
والنونُ في قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾: ضميرُ النسوة، والفعل معها مبني على السكون، والواو لام الفعل بمنزلة الباء الموحدة في (يضربن)، و (أن) هنا: لم تنصب المضارع لفظًا؛ لأنه مبني مع النون، فهي عاملة في المحل.
стр. 73
وأما نحو: (الرجا ل يعفون) .. فأصله: (يعفوون) بواوين، فحذفت الأولى التي هي لام الفعل، وثبتت واو الضمير، فحصل (يعفون) بواو.
ويقال في النصب هنا: (أن يعفوا).
وإنما أعرب المضارع.
* لموافقته الاسم في الحركة والسكون، كموافقة (يضرب) لـ (ضارب).
* أو: لأنه اشترك مع الاسم في قبول المعاني.
تنبيه:
دليل انقسام الأفعال إلى ثلاثةٍ: السماعُ، منه في القرآن: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ ... الآية، فـ (خلقني): ماض، و (يهدين) وما بعده: مراد به الحال والذي أطمع أن يغفر لي): مستقبل.
ونحو قول الشَّاعرِ:
وَأَعْلَمُ مَا في اليَومِ وَالأَمْسِ قَبْلَهُ ... وَلَكِنَّنِيْ عَنْ عِلْمِ مَا في غَدٍ عَمِ (١)
والدليلُ من جهة العقل أيضًا: أن المخبر بفعلٍ:
* إن تقدم وجود الفعل على الإخبار .. فماضٍ؛ كـ (قام زيدٌ).
وإن تقدم الإخبار به على وجوده .. فمستقبلٌ كـ (سيقوم زيد).
стр. 74
* وإن كان وجود الفعل مقارنًا الإخبار .. فحالٌ؛ نحو: (زيد يقوم الآن).
وبعضهم قال: لا وجود للحال.
واللَّه الموفق
ص:
٢١ - وَكلُّ حَرْفٍ مُستَحِقٌّ لِلبِنَا ... وَالأصلُ في المَبنِيِّ أن يُسَكَّنَا (١)
٢٢ - وَمِنهُ ذُو فَتحٍ وَذُوُ كَسرٍ وَضَمّ ... كَأَينَ أَمْسِ حَيثُ وَالسَّاكِنُ كَمْ (٢)
ش:
[الكلام على الحرف]:
الحرف لغة: طرف الشيء.
واصطلاحًا: كلمة دلت على معنى في نفسها -كما صرح به النحاس- مفتقرة لغيرها، في مقترنة بزمان.
وعلامته: عدم قبول شيء من علامات الاسم والفعل.
والحروف مبنية.
وسبق تعريف البناء.
стр. 75
والأصل في المَبْني: السكون؛ اسما كان المَبْني أو غيره.
وقد يخرج عنه:
فمن المَبْني على الفتح للخفة وهو اسم: (أين)، بُنِيت لشبه الهمزة في الاستفهام، ولشبه (إِنْ) في الشرط، ولو بنيت على الكسر .. لانضاف نقل الكسرة إلى نقل الياء والهمزة.
ومن المَبْني على الكسر وهو اسم أيضًا: (أمسِ)، بُني لتضمنه حرف التعريف؛ لأنه يوصف بما فيه (أل)؛ نحو: (لقيته أمسِ الدابر)، فلولا أنه معرف بـ (أل) تقديرًا .. لما وُصِف بما فيه (أل).
والذي يدل على أنه معرف بـ (أل) تقديرًا: كونه ليس عَلَمًا، ولا مضافًا لمعرفة، ولا اسم إشارة، ولا موصولا، ولا منادى معرفًا، ولا مضمرًا، فلم يبق من أقسام المعرفة إلا المعرف بالأداة.
والمبرد: بُنِي لشبه الحرف في الافتقار" إذ هو مفتقر إلى اليوم الذي بعده، فجرى مجرى الحرف الذي لا يدل على معنى إلا في غيره.
ولا يبنى إلا إذا أريد به اليوم الذي قبل يومك، من غير فصل.
قال بعضهم: ويعرب إن:
صُغِّر؛ كـ (أُمَيس).
أو جُمِع كـ (أُموس).
أو أضيف كـ (أمسكم).
وقيده ابن بابشاذ: بغير (أمسِ) المذكورة.
قال في "شرح الجمل": (أمسِ) المَبْنية على الكسر لا تبنى، ولا تجمع، ولا تصغر، لقلة تمكنها، أما على إعرابها .. فتجمع. انتهى.
وكذا يعرب المصاحب لـ (أل) كـ (الأمس).
قيل: مبني في حالة التصغير، وبني على أصل التقاء الساكنين؛ إذ الأصل فيهما تحريك الثاني بالكسر.
стр. 76
وبعض تميم: يعربه بالضمة رفعًا، ويبنيه على الكسر جرًا ونصبًا.
وحكى الكسائي: أن بعضهم يعربه إعراب ما لا ينصرف؛ للتعريف والعدل عما فيه (أل)، فيجري مجرى (سَحَر) المعدول، وعلى هذه اللغة جُرَّ بالفتحة في قولِهِ:
لَقَدْ رَأَيتُ عَجَبًا مُذْ أَمْسَا ... .................. (١)
والزجاجي: أنه في هذا الشاهد مبني على الفتح.
ورُفِع بالضمة في قول الآخرِ:
стр. 77
اِعتَصِمْ بالرَّجَاءِ إِنْ عَنَّ بَأسٌ ... وَتَنَاسَ الَّذِي تَضَمَّنَ أَمْسُ (١)
ومن نصبه على الظرفية مع (أل) قولُهُ:
وَإِنِّيْ وَقَفْتُ اليوَمَ وَالأَمْسَ قَبْلَهُ ... بِبَابِكَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ (٢)
стр. 78
قال السيوطي في "الأشباه والنظائر": لما عرف باللام الظاهرة .. زال عنه تضمنها فأعرب، وروي بالكسر على البناء المعهود، واللام حينئذ زائدة فيه، وهو معرف بلام أخرى.
مراده: وهذه إنما زيدت للتوكيد.
وعن الخليل: أنه أجاز في نحو: (لقيته أمس) أن يكون التقدير: (بالأمس)، فحذف (الباء وأل)، والكسرة حينئذ كسرة إعراب.
* ومن المَبْني على الضمة وهو اسم أيضًا: (حيثُ):
بنيت؛ لافتقارها إلى جملة على الصحيح.
وعلى الضمة؛ لمشابهة (قبلُ وبعدُ) في حالة حذف المضاف إليه ونية معناه، وذلك أن الأصل في (حيث) أن تضاف لمفرد، فمُنِعَتْهُ وأُلزمت الإضافة للجمل، وقد منع أيضًا كل واحد من (قبل وبعد) أن يذكر معه المضاف إليه في حالة بنائهما على الضم؛ يعني: عند حذف المضاف إليه ونيَّةِ معناه، فلما أشبهتهما (حيث) في المنع خاصة .. بُنِيت على الضم كما ذكر.
وبعضهم: بناها على الفتح تخفيفًا.
وبعضهم: على الكسر على أصل التقاء الساكنين.
وأعربها فقعس، وجعل منه قراءة: (سنستدرجهم من حيثِ لا يعلمون) بالجر على الإعراب.
ولغة طيء: إبدال يائها واوًا؛ لقولهم: (حوث) بتثليث الثاء.
وقد يقال: (حاث) بتثليث الثاء أيضًا (١).
وندر جرها بـ (إلى) في قولِ الشَّاعرِ:
стр. 79
......... ... إِلَى حَيْثُ أَلقَتْ رَحْلَهَا أُمُّ قَشْعَمِ (١)
قاله في "همع الهوامع" (٢).
وعن الزجاج: أنها موصولة، لأنها مفتقرة إلى جملة كما ذكر.
* ومن المَبْني على السكون، وهو اسم: (كم).
بنيت؛ لشبهها الحرف في الوضع.
أو لشبه الهمزة في الاستفهام.
* وكذا: (هل) و (لم)، وهما حرفان.
*ومن المَبْني على الفتح أيضًا: (أنَّ) و (ليتَ) وهما حرفان.
* و (كيفَ)، وهي اسم استفهام، بنيت على الفتح للخفة، ويستفهم بها عن حال الشيء، فهي:
* خبر في: (كيف زيد؟).
* وحال في: (كيف جاء زيد؟)، وكذا: (كيت كان زيد؟)، إن جعلت (كان) تامة، وإلا .. فهي خبر (كان).
* ومفعول في قوله تعالى: ﴿وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ﴾؛ فهي في موضع نصب بـ (فعلنا).
وبعض الكوفيين: أن جملة (كيف فعلنا): فاعل لـ (تبين)؛ لأنه يجيز كون
стр. 80
الفاعل جملة.
والصحيح: أنه محذوف؛ لدلالة الكلام عليه؛ أي: حالهم، ولأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله.
وقال البعلي تلميذ المصنف: الفاعل: مضمونُ كيف فعلنا؛ كأنه قيل: وتبين لكم كيفية فعلنا بهم.
* وهي في محل نصب أيضًا بالفعل بعدها في ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾.
وقالوا: مفعول مطلق في سورة الفيل.
وسيبويه: أن (كيف) ظرف دائمًا.
ورُدَّ عليه، لكن قال المصنف ﵀: لما كانت تفسر بقولك: (على أي حال) .. سُمِّيت ظرفًا مجازًا.
وعلى القول بالظرفية. لا يفتقر إلى استقرار، قاله أحمد بن الخباز في "النهاية".
فنحو: (كيف جاء زيد؟):
على قول سيبويه: تقديره: (في أي حالة أتى زيد؟).
وعلى كونها أسماء عند الأخفش تقديره (على أي حال جاء زيد؟).
* وفي "الإتقان" ترِدُ شرطيَّةً، وخرَّج عليه: ﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾، وجوابها: محذوف؛ لدلالة ما قبلها عليه. انتهى.
* وسمع جرها بالحرف في قولهم: (على كيف تبيع الأحمرين)، و (انظر إلى كيف تضع).
* ومن المَبْني على الكسر أيضًا: (جيرِ) وهي حرف جواب بمعنى (نعم)، ولم تُبنَ على الفتح كـ (أينَ)؛ لأنها قليلة الاستعمال، فاغتفر نقل الكسرة بعد الياء، بخلاف (أينَ) كما مر؛ فإنها كثيرة الاستعمال، وفيها ثقل الهمزة والياء كما سبق.
* ولا تخرج (منذُ) عن البناء إن استعملت اسمًا، لتضمنها معنى الحرف في نحو: (ما رأيته منذُ يومين)؛ أي: من يومين.
* ويختص الاسم بالجر.
* والفعل بالجزم.
لأن الاسم خفيف والجر ثقيل، والفعل ثقيل والجزم خفيف، فأعطي الثقيل للخفيف، والخفيف للثقيل؛ لتحصيل المعادلة، وهو قول أبي علي عمر الشلوبين ﵀.
وقيل غير ذلك.
وألف (أَهَابَا) للإطلاق، وقوله: (وَالرَّفْعَ) مسموع بالنصب، وحكى الرضيُّ: أن الفعل المؤكد بالنون لا يعمل فيما قبله كما سيأتي إن شاء اللَّه تعالى في الاشتغال.
و (ما) في قوله: (كَمَا) مصدرية، والموصوف محذوف؛ أي: والاسم قد خصص بالجر اختصاصًا كاختصاص الفعل بالجزم.
واللَّه الموفق
ص:
٢٥ - فَارفَع بِضَمٍّ وانصِبَن فَتحًا وَجُر ... كَسرًا كذِكرُ اللهِ عَبدَهُ يَسُر (١)
٢٦ - واجزِم بِتَسكِينٍ وَغَيرُ ما ذُكِر ... يَنُوبُ نَحوُ (جَا أخُو بَنِي نَمِر) (٢)
стр. 83
ش:
الأصل في الإعراب. أن يكون بالحركات.
ففي الرفع: بالضمة.
وفي النصب: بالفتحة.
وفي الجر: بالكسرة.
والأصل في الحزم: أن يكون بالسكون.
والرفع والنصب والجر والجزم: ألقاب الإعراب.
والضم والفتح والكسر والسكون: ألقاب البناء.
ومن هنا قالوا: (ألقاب البناء: علامات الإعراب)؛ لأن الضمة مثلا لقب البناء في (حيثُ)، وعلامة الرفع في نحو: (قام زيدٌ) وحركة المُعْرَب وسكونه: بعامل، وحركة المَبْني وسكونه: لا بعامل.
وقد يطلق على المُعْرَب: أنه مضموم.
وعلى المَبْني: أنه مرفوع، واستعمله بعض الكوفيين.
وقد اجتمع في البيت الأول الحركاتُ الثلاثُ، فـ (ذِكرُ): مبتدأ مرفوع علامة رفعه الضمة، والاسم الكريم: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة، و (عَبْدَ) مفعولٌ نُصِب بالمصدر المضاف -وهو (ذِكْرُ) - وعلامة نصبه الفتحة، و (يَسُرْ): خبر المبتدأ.
للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو، يعود إلى ما الموصولة، والجملة لا محل لها من الإعراب صلة. ينوب: فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو، يعود إلى غير، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ. نحو: خبر لمبتدأ محذوف, أي: وذلك نحو. جا: فعل ماض قصر للضرورة. أخو: فاعل مرفوع بالواو لأنه من الأسماء الستة، وأخو مضاف. وبني: مضاف إليه مجرور بالياء لأنه جمع مذكر سالم، وبني مضاف. ونمر: مضاف إليه، مجرور بالكسرة الظاهرة، وسكن لأجل الوقف، والجملة من الفعل وفاعله في قوة مفرد مجرور بإضافة نحو إليه.
стр. 84
والمعنى: أن العبد إذا علم أن اللَّه تعالى يذكره .. يسره ذلك.
وأشار بقوله: (وَغَيْرُ مَا ذُكِرْ يَنُوْبُ): إلى ما خرج عن الأصل في الإعراب، وهو النوع الذي يعرب بالحروف نيابة عن الحركات، وذكر المثالين؛ فـ (أَخو) فاعل مرفوع علامة رفعه الواو نيابة عن الضمة وهو من الأسماء الستة الآتي ذكرها، و (بَنِي) مضاف إليه مجرور وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة، وأصله: (بنين) حذفت النون لإضافته، ونصب (فَتْحًا) و (كَسْرًا) على نزع الخافض؛ أي: وانصب بفتح وكسر.
واللَّه الموفق
ش:
أخذ في بيان ما يعرب بالحروف التي تنوب عن الحركات، فذكر في هذه الأبيات الأسماء الستة، فمعنى البيت الأول: (الذي أصفه لك من الأسماء الآتي ذكرها: اجعل علامة رفعه الواو، ونصبه الألف، وجره الياء).
• فمن ذلك: (ذو) بمعنى صاحب، ولهذا قال: (إن صحبة أبانا)؛ احترازًا من (ذو الموصولة) في لغة طيء؛ فإنها لا تبين صحبة، وستأتي إن شاء اللَّه تعالى في الموصول، فتقول: (جاءني ذو مال ورأيت ذا مال ومررت بذي مال)؛ أي: صاحب مال.
فالأول: فاعل علامة رفعه الواو.
والثاني: مفعول علامة نصبه الألف.
والثالث: مجرور علامة جره الياء.
• ومنها (الفم إذا بان منه الميم)؛ أي: فارقه؛ نحو: (هذا فوك، ورأيت فاك، ونظرت إلى فيك).
فإن لم تفارقه الميم .. أعرب بالحركات؛ كقولِهِ:
................. ... يُصبِحُ ظَمآنَ وَفِي البَحرِ فَمُهْ (١)
وفاعله ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو، يعود إلى النقص. وقصرها: الواو عاطفة، قصر: مبتدأ، وقصر مضاف والضمير مضاف إليه. من نقصهن: من نقص: جار ومجرور متعلق بأشهر، ونقص مضاف والضمير مضاف إليه. أشهر: خبر المبتدأ.
стр. 87
وقد تثلث فاؤه منقوصًا؛ نحو: (فَمٌ، فُمٌ، فِمٌ).
أو مقصورًا؛ نحو: (فَمًا، فُمًا، فِمًا).
وقد تشدَّد الميم مع فتح الفاء وضمها، كقولِهِ:
يَا لَيتَهَا قَدْ خَرَجَتْ مِنْ فَمِّهِ ... ............. (١)
بالوجهين.
• ومنها: (أب)، و (أخ)، و (حم)، و (هن).
والحم: أبو زوج المرأة.
والهن: كناية عما يُستقبَح ذِكرُه.
وقيل: هو الفرج خاصة.
فتقول: (جاء أبو زيد، وأخو عمرو، وأبوك، وأخوك، وحموها).
стр. 88
و: (رأيت أباك، وأخاك، وحماها).
و: (مررت بأخيك، وأبيك، وحماها).
والنقص في (الهن) أحسن من الإتمام، والنقص: حذف لامه وهي الحرف الأخير، وإعرابه بالحركات؛ نحو: (هنُها قبيحٌ، وما رأيت هنَها، وما نظرت إلى هنِها).
ولهذا قال: (وَالنَّقْصُ في هذَا الأَخِيْرِ أَحْسَنُ).
ولا يمتنع إتمامه نحو (هنوها قبيح)، وأنكره.
وحكى الإتمام سيبويه.
ويندر النقص في (أب) وتالييه، وهما: (أخ وحم)؛ نحو: (هذا أبُك، ورأيت أبَك، ومررت بأبِك) (١).
ومعنى: (يَنْدُرُ): يقل.
ومنه قوله:
بِأَبِهِ اقتَدَى عَدِيٌّ في الكَرَمْ ... وَمَنْ يُشَابِهْ أَبَهُ فَمَا ظَلَمْ (٢)
وحكَى الفراء وأبو زيد: (هذا أخُك).
стр. 89
وحكى الفراء: (هذا حمُك).
وقوله: (وَقَصْرُهَا مِنْ نَقْصِهنَّ أَشْهَرُ) يشير به إلى أن قصر هذه الأسماء الأربعة (١) التي هي: (أب وأخ وحم): أشهر من النقص.
والقصر: لزوم الألف في الأحوال الثلاث، فتقدر الحركات الثلاث على الألف، نحو: (جاء أباك، ورأيت أباك، ومررت بأباك)؛ كما في (الفتى).
ومنهُ قولُ الشَّاعِرِ:
أَخَاكُ الَّذِي إِنْ تَدْعُهُ لِمُلِمَّةٍ ... يُجِبْكَ لِمَا تَبْغِي وَيَكْفِيْكَ مَنْ يَبْغِي (٢)
وقولُ عبد اللَّه بن مسعود لأبي جهل: (أنت أبا جهل؟) (٣)، وقولهم: (مكره
стр. 90
أخاك لا بطل) (١)، فـ (أخاك): مبتدأ، و (مكره): خبر مقدم. وقولهُ:
стр. 91
إِنَّ أَبَاهَا وَأَبَا أَبَاهَا ... قَدْ بَلَغَا في المَجْدِ غَايَتَاهَا (١)
والشاهد في (أبا)؛ الثالث حيث وقع مضافًا إليه وفيه الألف.
تنبيه:
قال أبو حيان في "الارتشاف": والصحيح: أن هذه الأسماء معربة بحركات مقدرة في الحروف.
стр. 92
والمازني: أنها معربة بالحركات التي قبل الحروف، والحروف إشباع.
والكسائي والفراء: معربة با لحركات والحروف معًا، فالضمة والواو عندهما إعرابان في نحو: (جاء أبوك).
قال بعضهم: لو كان كذلك .. لكان للكلمة إعرابان.
والأخفش: أن الأحرف دلائل إعراب، ولا إعراب فيها ظاهر ولا مقدر، وإنما الانقلاب فيها بمنزلة الإعراب.
وقرئ في الشاذ: (تبت يدا أبو لهب).
وفي طرس تميم الداري: (شهد بذلك أبو بكر بن أبو قحافة، وعلي بن آبو طالب).
وأجيب: بأنه من حكاية العَلَم أوَّلَ وضعه.
واختلف في واو (أبوك) ونحوها:
فقيل: واو الكلمة.
وقيل: غيرها.
والرضي: أن الصحيح هو الأول.
ويشكل: أن الإعراب أثر في آخر الكلمة، فكيف يكون الإعراب نفس الآخر على القول بأنها معربة بالحروف؟ وهذا لا يكون في (ذو) و (فو)؛ لأن لامهما محذوفة.
واللَّه الموفق
стр. 93
شُروطُ إعراب الأسماء الستة بالحروف
ص:
٣١ - وَشَرْطُ ذَا الإِعْرَابِ أن يُضَفْنَ لَا ... لِلْيَا كَجَا أَخُو أَبِيْكَ ذَا اعْتِلَا (١)
ش:
يشترط في إعراب هذه الأسماء بالحروف أن تكون:
مكبرة؛ مضافة، لغير ياء المتكلم؛ نحو: (هدا أخوكُ وحمو هند).
فإن صغرت، أو خلت من الإضافة، أو أضيفت لياء المتكلم .. أعربت بالحركات.
فالأول: (هذا أبيُّك) بالرفع، و (رأيت أبيَّك) بالنصب، و (مررت يأبيِّك) بالجر، والتشديد في الجميع.
والثاني: (هذا أخٌ)، و (رأيت أخًا)، و (مررت بأخ).
وفي "الأشباه والنظائر": قد يقال: (أخٌ وأخّة) بالتشديد عوضًا عن اللام
стр. 94
المحذوفة؛ لأن الأصل: (أخو وأخوة).
وذكر بعضهم بالتشديد كذلك.
وقد يقال: (أخْوٌ) معربًا بالحركات [ساكن الخاء]، وهو شاذ؛ كقولِ الشَّاعرِ:
مَا المَرْءُ أخْوَكَ إِنْ لَمْ تُلْفِه وَزَرَا ... ................ (١)
والثالث: نحو: (جاء أخي)؛ فهو مرفوع، علامة رفعه: ضمة مقدرة على ما قبل الياء، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة.
فمحل الضمة وهو الخاء: اشتغل بالكسرة؛ لتناسب الياء.
وتقدر الفتحة في نحو: (رأيت آخي).
والكسرة في: (مررت بأخي) على ما ذكر.
стр. 95
وفي إعراب المضاف لياء المتكلم أوجه، أشهرها: ما ذكر، وستأتي إن شاء اللَّه تعالى في المضاف إلى ياء المتكلم.
و (ذَا اعْتِلا): نصب على الحال من (أَخْو أَبِيْكَ)، و (لا): عاطفة على مجرور متعلق بـ (يُضَفْنَ)، والتقدير: أن يضفن لجميع الأسَماء ظاهرها ومضمرها، لا للياء.
واللَّه الموفق
* * *
стр. 96
المُثَنَّى وإعْرَابُه
٣٢ - بالأَلِفِ ارْفَعِ المُثَنَّى وَ (كِلا) ... إذَا بِمُضْمَرٍ مُضَافًا وُصِلَا (١)
٣٣ - (كِلْتَا) كَذَاكَ (اثْنَانِ) وَ (اثْنَتَانِ) ... كَابْنَيْنِ وابْنَتَيْنِ يَجْريَانِ (٢)
٣٤ - وتَخْلُفُ الْيَا في جَمِيْعِهَا الأَلِفْ ... جَرًّا وَنَصْبًا بَعْدَ فَتْحٍ قَد أُلِفْ (٣)
ش:
المثنى؛ إما: حقيقة، أو حكمًا.
• فالأول: اسم دال على اثنين، بزيادة في آخره، صالح للتجريد والعطف، بلا اختلاف معنى؛ كـ (رجلَين و زيدَين).
فخرج بزيادة في آخره: ما دل على اثنين بغير ذلك؛ نحو: (شفع، وزوج)؛ فهو اسم تثنية.
стр. 97
وبالتجريد: نحو: (اثنان، وكلا، وكلتا).
وحكي: (اثنٌ).
وقال البغداديون: (كلتا) واحدُها: (كِلتَ)، واستدلوا بقولِهِ:
فِيْ كِلْتَ رِجلَيهَا سُلَامَى وَاحِدَةْ ... ................. (١)
وأجيب بحذف الألف للضرورة.
وخرج أيضًا: ما كان على صورة التثنية والمراد به الجمع؛ كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾؛ لأن معناه: (كرَّات)؛ إِذ البصر لا ينقلب وهو حسير من كرتين.
ومنه: (حنانيك)؛ لأن المراد: (حنان بعد حنان دون انقطاع).
و [خرج بقوله]: بلا اختلاف: مثنّى (العُمَران والقَمَران)؛ فهذا صالح للتجريد، لكن يختلف فيه المعنى بالعطف؛ لأن المراد بالأول: أبو بكر وعمر، وبالثاني: الشمس والقمر.
ومنه: (المشرقين والمغربين) في المشرق والمغرب.
و (المروتين) في الصفا والمروة.
стр. 98
و (الأبوين) في الأب والأم.
و (الزهرمان) في زهرم وقيس.
و (الأقرعان) في الأقرع بن حابس وأخيه مرثد.
فغلب أحدهما على الآخر لخفته، أو لشرفه، أو لشهرته.
وهذا التعريف السابق هو الشائع في المثنى، وأحسن منه: اسم ناب عن اسمين، اتفقا في الحروف، بزيادة أغنت عن العاطف والمعطوف.
وأصل التثنية العطف، فعدلوا عنه اختصارًا؛ لأن (زيدَين) أخصر من: (زيد وزيد).
ويجوز في الضرورة؛ كقولِهِ:
لَيثٌ وَلَيث في مَحَلٍّ ضَنْكِ ... .................... (١)
وقول الآخرِ:
كأَنَّ بَينَ فَكِّهِ وَالفَكِّ ... .......................... (٢)
стр. 99
• والثاني: وهو المثنى حكمًا: نحو: (كلا، وكلتا، واثنين، واثنتين، والقمرين).
كل ذلك يكون فيه الألف علامة الرفع كالمثنى الحقيقي.
بشرط إضافة (كلا، وكلتا) خاصة لمضمر؛ كـ (جاء الزيدان كلاهما، والهندان كلتاهما).
ولهذا قال: (وَكلا إذَا بِمُضْمَرٍ مُضَافًا وُصلا كِلْتَا كَذَاكَ).
فإن أضيفا لظاهر .. أعربا كالمقصور، فيلزمان الألف، وتقدر الحركات عليهما؛ كـ (جاء كلا الرجلين، وكلتا المرأتين) (١).
وحكى الفراء: أن كنانة يجرون (كلا) مع الظاهر مجرى المضمر؛ نحو: (رأيت كلي الرجلين، ومررت بكلي (٢) الرجلين)، فيعرب بالياء نصبًا وجرًا مع الظاهر كما تعرب كذلك مع المضمرات؛ كـ (رأيت كليهما)، وسيأتي.
(زكك)؛ وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٢/ ٢٠١؛ وأسرار العربية ص ٤٧؛ وجمهرة اللغة ص ١٣٥.
اللغة: الفَكُّ: الحنك. المِسْك: نوع من الطيب، السّك: بالضم نوع من الطيب أيضًا. والفأرة (هنا): الوعاء الذي يجتمع فيه المسك. ذبحَتْ: (هنا): فُتِقَتْ، أو شُقَّتْ.
المعنى: وصف امرأة بطيب الفم، فريحَ المسك يخرج من فيها.
الإعراب: كأن: حرف مشبه بالفعل. بينَ: مفعول فيه ظرف مكان منصوب بالفتحة متعلق بخبر كأن.
فكه: مضاف إليه، وكذلك ها. والفك: الواو: حرف عطف. النك: معطوف على فكِّها مجرور مثله. فأرة اسم كأن منصوب. مسكٍ: مضاف إليه مجرور. ذُبِحَتْ: فعل ماضٍ مبني للمجهول مبني على الفتح، وتاء التأنيث: لا محلّ لها، ونائب الفاعل مستتر تقديره: هي. في سُك: جار ومجرور متعلقان بالفعل ذُبحَتْ.
وجملة (كأن بين فكها فأرة مسكٍ): ابتدائية لا محلّ لها من الإعراب. وجملة (ذُبِحَتْ): صفة لـ فأرة محلها النصب.
الشاهد: قوله: (بين فكّها والفك)؛ فقد كان القياس أن يقول: بين فكيها، لكنه أتى بالمتعاطفين للضرورة.
(١) وتقول: (رأيت كلا الرجلين وكلتا المرأتين، ومررت بكلا الرجلين وكلتا المرأتين).
(٢) في المخطوط (كلا) بالألف في الموضعين، وهو خطأ ظاهر.
стр. 100
والأشهر ما تقدم.
وتقول: (جاء اثنان واثنتان)؛ كما تقول: (ابنان وابنتان)، وكذا (بنتان) في لغة تميم.
فتُجري المثنى حكمًا مجرى المثنى حقيقة في الإعراب بالألف رفعًا.
وقوله: (وَتَخْلُفُ الْيَا في جَمِيْعِهَا الأَلِفْ)، معناه: أن الياء تخلف الألف في الجر والنصب في جميع ما ذكر، فتقول: (رأيت الرجلين، والقمرين، واثنين، واثنتين، وكليهما، وكلتيهما).
و (مررت بالرجلَين، والقمرَين) ... إلى آخره.
والحاصل: أن المثنى حقيقة أو حكمًا يرفع بالألف, وينصب ويجر بالياء، بعد فتح استوجبته الألف في حالة الرفع.
تنبيه:
من العرب من يجري المثنى مجرى المقصور، فيثبت ألفه في الأحوال الثلاث؛ كـ (جاء الزيدان، ورأيت الزيدان، ومررت بالزيدان)، فتقدر الحركات على الألف.
وعزيت للحارث وكنانة وبكر بن وائل وخثعم وهمدان وفزارة وبلعنبر، ومنه قولُ الشَّاعرِ:
تَزَوَّدَ مِنَّا يَينَ أُذْنَاهُ ضَربَةً ... ............. (١)
стр. 101
ومن العرب من يعرب المثنى على النون؛ إجراءً له مجرى المفرد، حكى الشيباني: (هما خليلانُ) بضم النون، ومنه قولُ الشَّاعرِ:
.................. ... مِن بَعدِهَا لَمْ تَنَمِ العَينَانُ (١)
والهاء ضمير متصل مبنيّ في محلّ جر بالإضافة. ضربة: مفعول به منصوب بالفتحة. دعته: فعل ماض، والتاء للتأنيث، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره هي، والهاء ضمير متصل مبني على الضم في محلّ نصب مفعول به. إلى: حرف جرّ. هابي: اسم مجرور، والجار والمجرور متعلقان بـ دعته، وهابي مضاف. التراب: مضاف إليه مجرور بالكسرة. عقيمِ: خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هي وقد جرّها الشاعر مُراعاة للقافية.
وجملة (تزوّد): ابتدائية لا محلّ لها من الإعراب، وجملة (دعته): في محلّ نصب صفة لطعنة، وكذلك جملة (هي عقيم).
الشاهد: قوله: (بين أذناه)؛ حيث استعمل المثنى بالألف في حالة الجر، وذلك على لغة بلحارث ابن كعب، وخثعم، وزبيد، وكنانة، وغيرهم، الذين يستعملون المثنى بالألف في جميع حالاته ويروى بين أذنيه، ولا شاهد في هذه الرواية.
(١) لم أجده فيما بين يدي من مراجع، والمحفوظ هنا ويستشهد به النحاة في هذا الموضع: هو قول الشاعر:
يا أَبَتَا أَرَّقَني القِذَّانُ ... فالنَّومُ لا تألَفُهُ العَيْنَانُ
التخريج: الرجز لرؤبة في ملحق ديوانه ص ١٨٦، وخزانة الأدب ١/ ٩ وبلا نسبة في الدرر ١/ ١٤٢ وشرح التصريح ١/ ٧ وهمع الهوامع ١/ ٤٩.
اللغة: أرقني: سهرني. القذان: البراغيث.
الإعراب: يا: حرف نداء. أبتا: منادى منصوب بالفتحة المقدرة على الياء المقلوبة ألفًا، وهو مضاف، والياء المقلوبة ألفًا ضمير متصل في محلّ جر بالإضافة. أرّقَني: فعل ماض مبني على الفتحة؛ والنون: للوقاية، والياء: ضمير في محلّ نصب مفعول به. القَذَّانُ: فاعل مرفوع بالضمة. فالنوم: الفاء: للتفريع، النوم: مبتدأ مرفوع بالضمة. لا: نافية. تألفه: فعل مضارع مرفوع بالضمة، والهاء: ضمير متصل مبني في محلّ نصب مفعول به. العينانُ: فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة على آخره على لغة من يعرب المثنى إعراب المفرد.
وجملة النداء: ابتدائية لا محلّ لها من الإعراب. وجملة (أرقني القذان): استئنافية لا محلّ لها من الإعراب. وجملة (النوم ... ): استئنافية لا محلّ لها من الإعراب. وجملة (تألفه): في محلّ رفع خبر المبتدأ.
الشاهد: قوله: (العينان)؛ حيث رفع المثنى بالضمة الظاهرة على النون؛ إجراء له مجرى المفرد، وهو لغة لبعض العرب.
стр. 102
وفي "شرح التسهيل" لابن عقيل: قالت فاطمة ﵂: (يا حسَنانُ، يا حُسَيْنَانُ) بالضم كذلك.
وأجاز الكسائي حذف النون في السعة؛ كـ (جاء الزيدا).
وقال الشَّاعرُ:
بَيضُكَ ثِنتَانِ وَبَيضِي مِأَتَا ... ................ (١)
أراد: (مأتان).
وإذا ثني المركَّب كـ (برق نحره، ومعدي كرب، وسيبويه) .. يقال: (جاء ذو برق نحره، وذو معدي كرب، وذو سيبويه).
ويفال في غير الرفع: (ذوَي) بفتح الواو.
وأما المركب الإضافي؛ كـ (عبد اللَّه) .. فيثنى فيه المضاف؛ كـ (جاءني عبدا اللَّه، ورأيت عبدَي اللَّه، ومررت بعبدَي اللَّه).
وسيأتي الكلام على الجمع.
ومنع أبو عثمان المازني تثنية المعدول وجمعه؛ نحو: (عمر وزفر).
• فلا يقال عنده؛ (العُمَران) ولا (العُمَرُون).
• بل: (رجلان كلاهما عُمَرُ)، و (رجال كلُّهم عُمَرُ).
• والصحيح: خلافه.
وإذا روعي لفظ (كلا) و (كلتا) .. أفرد الضَمير العائد عليهما؛ نحو: (كلا الرجلين أكرمني).
وإن روعي المعنى .. قيل: (أكرماني).
والوجهان في قولِهِ:
стр. 103
كِلَاهُمَا حِينَ جَدَّ الجَرْيُ بَينَهُمَا ... قَدْ أَقْلَعَا وَكِلَا أَنفَيهِمَا رَابِيْ (١)
راعى المعنى فقال: (أقلعا)، وراعى اللفظ فقال: (رابي)، ولو راعى المعنى لقال: (رابيان).
ويتعين مراعاة اللفظ في نحو: (كلانا محب لصاحبه)، فلا يقال: (محبان).
وألف (كلتا) منقلبة عن واو، وسيأتي إن شاء اللَّه تعالى في النسب.
ولا بد أن يقصد تنكير العَلَم قبل التثنية أو الجمع.
والتثنية والجمع من خصائص الأسماء؛ فلا يقال في نحو: (يفعلان) مثنى؛ إذ
стр. 104
لو كان كذلك .. لجاز أن يقال: (زيدٌ قاما) إذا قام مرتين.
ذكره السيوطي في "الأشباه والنظائر".
وقسم بعض الحداق التثنية فقال:
هي على ثلاثة أقسام:
• تثنية في اللفظ والمعنى، وهي الحقيقية؛ كالزيدان.
• وتثنية في المعنى دون اللفظ، وهي المعنوية؛ كأنتما، وهما، وقاما، وهذان، واللذان، وكلا، وكلتا.
• وتثنية في اللفظ دون المعنى، وهي اللفظية؛ كلبَّيك، وسعديك؛ فإن القصد بهذه تأكيد الإجابة، لا حقيقة التثنية، كما سيأتي في الإضافة.
وسيأتي إن شاء اللَّه تعالى في باب تثنية المقصور والممدود بعض أحكام تتعلق بالتثنية.
فائدة:
سبق في الكلام: (بلعنبر)، وقد تكلم الشيخ أبو الحسن طاهر بن بابشاذ على نحو (بلعنبر، وبلحارث) فقال: الأصل: (بنو العنبر، وبنو الحارث)، والحذف فيه للمتقاربين؛ أعني: النون واللام، فلما كان الحاجز بين النون واللام ساكنًا وساقطًا لالتقاء الساكنين .. حذف، فالتقى المتقاربان، فلم يدغم؛ إذ لا يدغم متحرِّك في ساكن، ولم تبق إلا الحذف، فلم تحذف اللام؛ لأنها حرف تعريف وهو أول الكلم، فحذفت النون.
ويستعمل كذا رفعًا ونصبًا وجرًا.
واللَّه الموفق
* * *
стр. 105
جَمْعُ المُذَكَّرِ السَّالِمِ وَإعْرَابُهُ
ص:
٣٥ - وَارْفَعْ بِوَاوٍ وَبِيَا اجْرُرْ وَانْصِبِ ... سَالِمَ جَمْعِ عَامِرٍ وَمُذْنِبِ (١)
ش:
تقدم مما يعرب بالحروف: الأسماء الستة، والمثنى وما حمل عليه، والكلام الآن على جمع المذكر السالم.
١ - وإعرابه بالحروف على المشهور، واختاره المصنف.
٢ - وقيل: بحركات مقدرة على الأحرف، ونسب إلى سيبويه حتى في المثنى.
ونفى ذلك عنه أبو الفتح بن جني، قال في "سر الصناعة" في حرف الألف الساكنة: وسيبويه لا يرى أنك إذا قلت: (هذان رجلان) أن في الألف تقدير الضمة، ولا إذا قلت: (رأيت رجلين) أن في الياء تقدير الفتحة، وهكذا إلى آخره.
وقيل: إنه رأي أصحاب سيبويه.
٣ - وقيل: الحركات مقدرة في الحرف الذي قبل الواو والألف والياء، وهذه الأحرف دليل على ذلك، وهو للأخفش الأوسط فيما نقل عنه.
٤ - وقيل: معربة بالتغيير والانقلاب في حالة النصب والجر، وبعدم ذلك في الرفع، وهو لصالح بن إسحاق والجرمي تلميذ يونس والأخفش.
٥ - وقيل: كلاهما مبني لتضمنه واو العطف؛ كخمسة عشر، وهو لأبي
стр. 106
إسحاق إبراهيم الزجاج.
وتعريف هذا الجمع: ما جمع بواو ونون في حالة الرفع وياء ونون في حالتي النصب والجر.
وهو على قسمين: جمع ذات وهو الجامد، وصفات وهي المشتقة.
• فالأول: يشترط كونه:
علَمًا، غير مركب، خاليًا من تاء التأنيث، لمذكر، عالم.
• فخرج بالعَلَم: نحو: رجل وغلام.
• وبغير المركب: نحو: معدي كرب وسيبويه على المشهور.
• وخاليًا من تاء التأنيث: نحو: طلحة.
• وبالمذكر: نحو: هند.
• وبعالِم: نحو: واشق ولاحق لكلب وفرس.
فالمستكمل الشروط: (زيد، وعامر، وأحمد، ويوسف)؛ كـ (جاء الزيدون والعامرون) ... إلى آخره.
• والثاني: يشَترط كون مفرده:
صفة, لمذكر، عالِم، خالية من تاء التأنيث، صالحة لأن تقبلها، أو دالة على التفضيل.
• فخرج بصفة لمذكر: نحو: حائض، وقائمة، وسكرى.
• وبمِن تاء التأنيث: نحو: علَّامة وفهَّامة.
• وبصالحة لأن تقبل التاء: نحو: جريح، وصبور، وسكران.
بخلاف (سَيفَانُ) (١)؛ فإنه يقبلها فيقال: (سيفانون).
• وبدالة على التفضيل: نحو: أحمر، وأصفر.
فيقال: (القائمون، والأفضلون) رفعًا.
стр. 107
وفي النصب: (رأيت الزيدِين والأفضلِين).
وفي الجر: (مررت بالزيدِين واليوسفِين والأفضلِين والمذنبِين).
فالواو: علامة للرفع، والياء. علامة للنصب والجر.
وإذا صغر الجامد؛ كـ (رجل وغلام) .. جاز أن يجمع هذا الجمع؛ نحو: (رُجَيلُون وغُلَيمون)؛ لأن التصغير فيه معنى الوصف.
وتنازع (ارْفَعْ) و (اجْرُرْ) و (انْصِبِ، في قوله: (سَالِمَ).
وتعريف السالم: ما سلم فيه بناء مفرده؟ كسلامة لفظ (زيد) في: (زيدون)؛ إذ لم تتغير بشكل ولا بفصل أحرف.
بخلاف جمع التكسير كـ (زيود).
وإنما اشترط (عالم) دون (عاقل)؛ ليدخل نحو قوله تعالى: ﴿فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾؛ لأن اللَّه تعالى لا يطلق عليه لفظ عاقل.
[كيفية جمع المنقوص جمعَ مذكر سالم]:
وتقول في جمع المنقوص: (جاء القاضون)، والأصل: (القاضِيُون)، فاستثقلت الضمة على الياء فحذفت، فالتقى ساكنان، فحذف الأول ولم يحذف الثاني؛ لكونه عَلَامة، ثم قلبت كسرة الضاد ضمة؛ لمناسبة الواو.
وفي النصب والجر: (رأيت القاضِين)، والأصل: (القاضِيِيْن) بياءين، فاستثقلت الكسرة على الياء فحذفت، فالتقى ساكنان، فحذف الأول.
[كيفية جمع المقصور جمعَ مذكر سالم]:
وتحذف الألف من المقصور؛ كـ (جاء مصطفَون وموسَون، ورأيت مصطفَين وموسَين) بفتح ما قبل الواو، وبالياء، كما سيأتي في تثنية المقصور والممدود.
قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾.
ولو سميت رجلا بـ (حبلى) مما ألفه زائدة .. قلت: (حُبلَون) بفتح اللام كما في (مصطفَون).
стр. 108
وقال الكوفيون: (حبلُون) بضمها؛ كما يقال: (قاضُون) رفعًا، و (حبلِين) بكسرها كما في قاضين جرًا ونصبًا، نقل عنهم ذلك ولو لم تكن الألف زائدة.
ويجوز: (أبون، وأخون، وحمون)؛ إن أريد به العلَم.
تنبيه:
جُمِعَ بالواو والنون أسماء وصفات لم تستكمل الشروط، فتحفظ ولا يقاس عليها فمن ذلك:
(عانسون) جمع عانس من بلغ حد التزوج ولم يتزوج، ويستوي فيه المذكر والمؤنث؛ كصبور وقتيل وجريح.
ومنه: (أسودون، وأحمرون) جمع أسود وأحمر وصف لا يدل على التفضيل، بل هو من باب أفعل فعلاء كـ (أسود وسوداء، وأحمر وحمراء).
ونقل الرضي: جواز (أسودون، وأحمرون) عند محمد بن كيسان.
فإن كان أفعل مؤنثه بالهاء .. جُمِع بالواو والنون، فيقال: (رجال أرملون)، والمؤنثة: أرملة.
وبعض النحويين: يجمع المزجي المختوم بـ (ويه) هذا الجمع، فيقول في سيبويه: (جاء سيبويهون).
وبعضهم يحذف (ويه) كـ (جاء سِيْبَوُن).
وتقول أيضًا في الإضافي؛ كـ (غلام زيد) علَمًا: (جاء غلامو زيد، ورأيت غلامِيْ زيد، ومررت بغلامِي زيد).
وعن الكوفيين: جواز جمع الجزأين معًا؛ كـ (جاء غلامو الزيدِين، ورأيت غلامي الزيدِين، ومررت بغلامي الزيدِين).
والمعتمد: أنه إذا قصد جمع المركب من جملة؛ كـ (برق نحره، وتأبط، ويزيد) المنقول من (الماء يزيد)؛ أو المزجي؛ كـ (معدي كرب، وسيبويه) .. يقال: (جاء ذوو برق نحره، وذوِي معدي كرب، ومررت بذوِي برق نحره، وذوِي سيبويه) بكسر الواو في النصب والجر؛ أي: أصحاب هذا الاسم.
стр. 109
وأما نحو: (غلام زيد) علَمًا، و (عبد اللَّه) .. فيكسر صدر الكلمة؛ نحو: (غِلمان زيد، وعِباد اللَّه).
وأجاز الكوفيون أيضًا: أن يجمع بالواو والنون ما فيه التاء من الأعلام؛ نحو: (طلحون، وحمزون) في (طلحة وحمزة).
والصحيح: خلافه كما سبق.
ومما يحفظ ولا يقاس عليه: قراءة الحسن: (وما تنزلت به الشياطون).
واللَّه الموفق
* * *