Полный текст (585 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
الصلاة (١) - فإن فعل أجزأت -؛ إلا أن يكون في بلدٍ لا فقراء فيه؛ فيفرقها في أقرب البلاد إليه (٢) .
فإن كان في بلدٍ وماله في آخر: أخرج زكاة المال في بلده، وفطرته في بلدٍ هو فيه.
ويجوز تعجيل الزكاة لحولين فأقل (٣) ، ولا يستحب (٤) . الحواشي
(١) قال بعض العلماء: يجوز نقلها إلى البلد البعيد أو القريب للحاجة أو للمصلحة ...
وهذا القول هو الصحيح.
وحكم زكاة الفطر حكم زكاة المال بالنسبة للنقل إذا كان هناك حاجةٌ أو مصلحةٌ.(٢) سبق أن قلنا: إن الراجح في هذه المسألة أنه يجوز نقلها للحاجة أو المصلحة.(٣) لكن بشرط أن يكون عنده نصابٌ، فإن لم يكن عنده نصابٌ وقال: (سأعجل زكاة مالي؛ لأنه سيأتيني مالٌ في المستقبل) فإنه لا يجزئ إخراجه.(٤) لكن نفي الاستحباب لا يقتضي عدم ثبوته لسببٍ شرعي؛ مثل أن تدعو الحاجة للتعجيل؛ كمعونة مجاهدين، أو لحاجة قريبٍ - أو ما أشبه ذلك -؛ فهنا استحباب تعجيلها ليس لذاته، وإنما لغيره.стр. 177
باب أهل الزكاة
ثمانيةٌ:
الفقراء، وهم: من لا يجدون شيئًا، أو يجدون بعض الكفاية.
والمساكين: يجدون أكثرها أو نصفها.
والعاملون عليها: وهم جباتها وحفاظها (١) .
الرابع: المؤلفة قلوبهم؛ ممن يرجى إسلامه، أو كف شره (٢) ، أو يرجى بعطيته قوة إيمانه.
الخامس: الرقاب: وهم المكاتبون - ويفك منها الأسير المسلم -.
السادس: الغارم لإصلاح ذات البين (٣) - ولو مع غنى -، أو لنفسه مع الفقر. الحواشي
(١) والقاسمون لها [أيضًا]: الذين يقسمونها في أهلها.
فالزكاة تحتاج إلى ثلاثة أشياء: جبايةٌ، وحفظٌ، وتقسيمٌ؛ فالذين يشتغلون في هذه هم العاملون عليها.
أما الرعاة فهم من العاملين فيها، وليسوا من العاملين عليها، ولذلك لا يعطون على أنهم من أهل الزكاة، ولكن يعطون من الزكاة بكونهم أجراء.(٢) إن استطعنا كف شره بالقوة فلا حاجة إلى إعطائه.(٣) ينبغي التفصيل، فيقال: يعطى من الزكاة في حالين: - إذا لم يوف من ماله؛ فهنا ذمته مشغولةٌ، فلا بد أن نفكه.
- إذا وفى من ماله بنية الرجوع على أهل الزكاة لأجل ألا نسد باب الإصلاح ...
وفي حالين لا يعطى فيهما من الزكاة:
- إذا دفع من ماله بنية التقرب لله؛ لأنه أخرجه لله؛ فلا يجوز الرجوع فيه.
- إذا دفع من ماله ولم يكن بباله الرجوع على أهل الزكاة.стр. 178
السابع: في سبيل الله: وهم الغزاة (١) المتطوعة الذين لا ديوان لهم (٢) .
الثامن: ابن السبيل: المسافر، المنقطع به، دون المنشئ للسفر من بلده؛ فيعطى ما يوصله إلى بلده (٣) .
ومن كان ذا عيالٍ: أخذ ما يكفيهم.
ويجوز صرفها إلى صنفٍ واحدٍ.
ويسن إلى أقاربه الذين لا تلزمه مؤونتهم. الحواشي
(١) أما قول المؤلف أنهم الغزاة، وتخصيصه بالغزاة: ففيه نظرٌ.
والصواب: أنه يشمل الغزاة وأسلحتهم وكل ما يعين على الجهاد في سبيل الله، حتى الأدلاء الذين يدلون على مواقع الجهاد لهم نصيبٌ من الزكاة.(٢) ظاهر كلامه: أن من لهم ديوانٌ لا يعطون من الزكاة.
وهذا حق إذا كان العطاء يكفيهم، وأما إذا كان لا يكفيهم فيعطون من الزكاة ما يكفيهم؛ بل لو قال قائلٌ: (يعطون من الزكاة مطلقًا) لكان له وجهٌ.(٣) ظاهره: أنه يعطى ما يوصله إلى غاية سفره ثم رجوعه ... ، وليس ما يرجعه فقط؛ لأنه يفوت غرضه إذا قلنا: يرجع.стр. 179
فصلٌ
ولا تدفع إلى: هاشمي (١) ، ومطلبي (٢) ، ومواليهما (٣) ، ولا إلى فقيرةٍ تحت غني منفقٍ، ولا إلى فرعه وأصله (٤) ، ولا إلى عبدٍ (٥) وزوجٍ (٦) . الحواشي
(١) قال بعض أهل العلم: يجوز أن يعطوا من الزكاة إذا لم يكن خمسٌ، أو وجد ومنعوا منه ... ، فإذا منعوا أو لم يوجد خمسٌ - كما هو الشأن في وقتنا هذا -؛ فإنهم يعطون من الزكاة دفعًا لضرورتهم إذا كانوا فقراء وليس عندهم عملٌ، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو الصحيح.
وأما صدقة التطوع فتدفع لبني هاشمٍ، وهو قول جمهور أهل العلم، وهو الراجح؛ لأن صدقة التطوع كمالٌ، وليست أوساخ الناس.
والقول الثاني: لا تحل لهم صدقة التطوع؛ لأن صدقة التطوع من أوساخ الناس ...
وهذا القول مال إليه الشوكاني وجماعةٌ من أهل العلم.(٢) هذا الذي مشى عليه المؤلف: روايةٌ عن الإمام أحمد ﵀.
والصحيح: الرواية الأخرى - وهي المذهب -: أنه يصح دفع الزكاة إلى بني المطلب؛ لأنهم ليسوا من آل محمدٍ.(٣) إذا قلنا بدفع الزكاة لبني المطلب؛ جاز دفع الزكاة إلى مواليهم.(٤) القول الراجح الصحيح: أنه يجوز أن يدفع الزكاة لأصله وفرعه ما لم يدفع بها واجبًا عليه، فإن وجبت نفقتهم عليه فلا يجوز أن يدفع لهم الزكاة؛ لأن ذلك يعني أنه أسقط النفقة عن نفسه.(٥) ويستثنى من هذا: المكاتب [كما سبق] ...
واستثنى بعض العلماء: ما إذا كان العبد عاملًا على الزكاة؛ فإنه يعطى على عمالته كما لو كان أجيرًا.(٦) الصواب: جواز دفع الزكاة إلى الزوج إذا كان من أهل الزكاة.стр. 180
وإن أعطاها لمن ظنه غير أهلٍ فبان أهلًا - أو بالعكس -: لم يجزه؛ إلا لغني ظنه فقيرًا فإنه يجزئه (١) .
وصدقة التطوع مستحبةٌ، وفي رمضان وأوقات الحاجات أفضل.
وتسن بالفاضل عن كفايته ومن يمونه، ويأثم بما ينقصها. الحواشي
(١) ذهب بعض أهل العلم إلى أنه إذا دفعها إلى من يظن أنه أهلٌ بعد التحري فبان أنه غير أهلٍ فإنها تجزئه حتى في غير مسألة الغنى - أي: عمومًا -؛ لأنه اتقى الله ما استطاع ...
وهذا القول أقرب إلى الصواب.стр. 181
كتاب الصيام
يجب صوم رمضان برؤية هلاله.
فإن لم ير مع صحو ليلة الثلاثين: أصبحوا مفطرين.
وإن حال دونه غيمٌ أو قترٌ: فظاهر المذهب: يجب صومه (١) .
وإن رئي نهارًا: فهو لليلة المقبلة (٢) . الحواشي
(١) [في المسألة أقوالٌ] ... ، وأصح هذه الأقوال: هو التحريم، ولكن إذا رأى الإمام وجوب صوم هذا اليوم، وأمر الناس بصومه فإنه لا ينابذ، ويحصل عدم منابذته بألا يظهر الإنسان فطره، وإنما يفطر سرا.
والمسألة - هنا - لم يثبت فيها دخول الشهر، أما لو حكم ولي الأمر بدخول الشهر فالصوم واجبٌ.(٢) المؤلف لم يرد الحكم بأنه لليلة المقبلة، ولكنه أراد أن ينفي قول من يقول: إنه لليلة الماضية.
[وهو الصحيح]، اللهم إلا إذا رئي بعيدًا عن الشمس بينه وبين غروب الشمس مسافةٌ طويلةٌ؛ فهذا قد يقال: إنه لليلة الماضية، ولكنه لم ير فيه لسببٍ من الأسباب، لكن مع ذلك لا نتيقن هذا الأمر.
وقوله: (لليلة المقبلة): ليس على إطلاقه - أيضًا -؛ لأنه إن رئي تحت الشمس بأن يكون أقرب للمغرب من الشمس فليس لليلة المقبلة قطعًا، والهلال لا يكون هلالًا إلا إذا تأخر عن الشمس.стр. 182
وإذا رآه أهل بلدٍ: لزم الناس كلهم الصوم (١) .
ويصام برؤية عدلٍ (٢) - ولو أنثى -.
فإن صاموا بشهادة واحدٍ ثلاثين يومًا فلم ير الهلال (٣) ، أو صاموا لأجل غيمٍ (٤) : لم يفطروا.
ومن رأى وحده هلال رمضان ورد قوله، أو رأى هلال شوالٍ: صام (٥) . الحواشي
(١) القول الثاني: لا يجب إلا على من رآه أو كان في حكمهم بأن توافقت مطالع الهلال، فإن لم تتفق فلا يجب الصوم ...
وهذا القول هو القول الراجح ...
وعمل الناس اليوم على أنه إذا ثبت عند ولي الأمر؛ لزم جميع من تحت ولايته أن يلتزموا بصومٍ أو فطرٍ.
وهذا من الناحية الاجتماعية قولٌ قويٌ، حتى لو صححنا القول الثاني الذي نحكم فيه باختلاف المطالع فيجب على من رأى أن المسألة مبنيةٌ على المطالع ألا يظهر خلافًا لما عليه الناس.(٢) ويشترط مع العدالة: أن يكون قوي البصر ... ؛ لأنه إن كان ضعيف البصر وهو عدلٌ فإننا نعلم أنه متوهمٌ.(٣) قال بعض أهل العلم: بل إذا صاموا ثلاثين يومًا بشهادة واحدٍ؛ لزمهم الفطر؛ لأن الفطر تابعٌ للصوم ومبني عليه ....
وهذا القول هو الصحيح.(٤) على القول الصحيح لا ترد هذه المسألة؛ لأنه لن يصام لأجل الغيم؛ فهذه المسألة إنما ترد على قول من يلزمهم بالصيام لأجل الغيم.(٥) اختار شيخ الإسلام ﵀ في هاتين المسألتين أنه يتبع الناس والذي يظهر لي في مسألة الصوم أول الشهر: ما ذكره المؤلف أنه يصوم، وأما في مسألة الفطر فإنه لا يفطر تبعًا للجماعة، وهذا من باب الاحتياط؛ فنكون قد احتطنا في الصوم والفطر؛ ففي الصوم قلنا له: (صم)، وفي الفطر قلنا له: (لا تفطر؛ بل صم).стр. 183
ويلزم الصوم لكل مسلمٍ مكلفٍ قادرٍ (١) .
وإذا قامت البينة في أثناء النهار: وجب الإمساك والقضاء على كل من صار في أثنائه أهلًا لوجوبه (٢) ، وكذا حائضٌ ونفساء طهرتا، ومسافرٌ قدم مفطرًا (٣) .
ومن أفطر لكبرٍ، أو مرضٍ لا يرجى برؤه: أطعم لكل يومٍ مسكينًا (٤) . الحواشي
(١) الشرط الرابع: أن يكون مقيمًا، ولم يذكره المؤلف ﵀ اعتمادًا على ما سيذكره في حكم الصوم في السفر، فإن كان مسافرًا فلا يجب عليه الصوم ... ، لكن يلزمه القضاء - كالمريض - ...
والشرط الخامس: الخلو من الموانع، وهذا خاص بالنساء؛ فالحائض لا يلزمها الصوم، والنفساء لا يلزمها الصوم ... ، ويلزمها قضاؤه - إجماعًا -.(٢) [قولٌ آخر]: يلزمهم الإمساك دون القضاء، وذكر روايةً عن أحمد، و [هو] اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو مذهب مالكٍ، وهو الراجح.(٣) يعبر عن هذه المسائل بما إذا زال مانع الوجوب في أثناء النهار؛ فهل يجب الإمساك والقضاء؟
أما القضاء فلا شك في وجوبه.
وأما الإمساك؛ فكلام المؤلف ﵀ يدل على وجوبه - وهو المذهب -، وعن أحمد روايةٌ أخرى: لا يلزمهم الإمساك ... ، وهذا القول هو الراجح.(٤) إذا أعسر المريض الذي لا يرجى برؤه أو الكبير؛ فإنها تسقط عنهما الكفارة؛ لأنه لا واجب مع العجز، والإطعام - هنا - ليس له بدلٌ.стр. 184
ويسن لمريضٍ يضره (١) ، ولمسافرٍ يقصر (٢) .
وإن نوى حاضرٌ صيام يومٍ ثم سافر في أثنائه: فله الفطر (٣) .
وإن أفطرت حاملٌ أو مرضعٌ خوفًا على أنفسهما: قضتاه فقط، وعلى ولديهما: قضتاه وأطعمتا لكل يومٍ مسكينًا (٤) .
ومن نوى الصوم ثم جن، أو أغمي عليه جميع النهار ولم يفق جزءًا منه: لم يصح صومه، لا إن نام جميع النهار، ويلزم المغمى عليه القضاء فقط (٥) .
ويجب تعيين النية من الليل لصوم كل يومٍ واجبٍ (٦) . الحواشي
(١) الصحيح: أنه إذا كان الصوم يضره فإن الصوم حرامٌ، والفطر واجبٌ.(٢) المسافر له ثلاث حالاتٍ:
الأولى: أن لا يكون لصومه مزيةٌ على فطره، ولا لفطره مزيةٌ على صومه؛ ففي هذه الحال يكون الصوم أفضل له ...
الثانية: أن يكون الفطر أرفق به؛ فهنا نقول: الفطر أفضل ...
الثالثة: أن يشق عليه مشقةً شديدةً غير محتملةٍ؛ فهنا يكون الصوم في حقه حرامًا.(٣) الصحيح: أنه لا يفطر حتى يفارق القرية.(٤) [قولٌ آخر]: يلزمهما القضاء فقط دون الإطعام، وهذا القول أرجح الأقوال عندي.(٥) قال صاحب «الفائق» - أحد تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية، ويسمى ابن قاضي الجبل، وله اختياراتٌ جيدةٌ -: إن المغمى عليه لا يلزمه القضاء؛ كالإنسان الذي أغمي عليه في أوقات الصلاة؛ فإن جمهور العلماء لا يلزمونه بالقضاء، وقال: إنه لا فرق بين الصلاة والصوم.(٦) أي [- على كلام المؤلف -]: يجب أن ينوي كل يومٍ بيومه؛ فمثلًا: في رمضان يحتاج إلى ثلاثين نيةً. وبناءً على ذلك: لو أن رجلًا نام بعد العصر في رمضان ولم يستيقظ من الغد إلا بعد طلوع الفجر لم يصح صومه في ذلك اليوم؛ لأنه لم ينو صومه من ليلته ...
وذهب بعض أهل العلم إلى أن ما يشترط فيه التتابع تكفي النية في أوله ما لم يقطعه لعذرٍ فيستأنف النية ... ، وهذا هو الأصح.стр. 185
لا نية الفرضية (١) .
ويصح النفل بنيةٍ من النهار قبل الزوال أو بعده (٢) .
ولو نوى: (إن كان غدًا من رمضان فهو فرضي): لم يجزه (٣) .
ومن نوى الإفطار: أفطر. الحواشي
(١) الأفضل: أن ينوي صوم رمضان على أنه قائمٌ بفريضةٍ؛ لأن الفرض أحب إلى الله من النفل.(٢) لكن بشرط ألا يأتي مفطرًا من بعد طلوع الفجر، فإن أتى بمفطرٍ فإنه لا يصح.(٣) الرواية الثانية عن الإمام أحمد: أن الصوم صحيحٌ إذا تبين أنه من رمضان، واختار ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ...
وعلى هذا: ينبغي لنا إذا نمنا قبل أن يأتي الخبر ليلة الثلاثين من شعبان، أن ننوي في أنفسنا أنه إن كان غدًا من رمضان فنحن صائمون - وإن كانت نية كل مسلمٍ على سبيل العموم أنه سيصوم لو كان من رمضان، لكن تعيينها أحسن، فيقول في نفسه: (إن كان غدًا من رمضان فهو فرضي) -، فإذا تبين أنه من رمضان بعد طلوع الفجر؛ صح صومه.стр. 186
باب ما يفسد الصوم ويوجب الكفارة
من أكل، أو شرب (١) ، أو استعط، أو احتقن (٢) ، أو اكتحل بما يصل إلى حلقه (٣) ، أو أدخل إلى جوفه شيئًا من أي موضعٍ كان (٤) - غير الحواشي
(١) يلحق بالأكل والشرب ما كان بمعناهما؛ كالإبر المغذية التي تغني عن الأكل والشرب.(٢) الاحتقان: هو إدخال الأدوية عن طريق الدبر.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: لا فطر بالحقنة ... ، [وهو] القول الراجح.(٣) ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إلى أن الكحل لا يفطر ولو وصل طعم الكحل إلى الحلق، وقال: إن هذا لا يسمى أكلًا وشربًا، ولا بمعنى الأكل والشرب، ولا يحصل به ما يحصل بالأكل والشرب، وليس عن النبي ﷺ حديثٌ صريحٌ يدل على أن الكحل مفطرٌ.
وما ذهب إليه ﵀ هو الصحيح.
وبناءً على هذا: لو أنه قطر في عينه وهو صائمٌ، فوجد الطعم في حلقه فإنه لا يفطر بذلك، أما إذا وصل طعمها إلى الفم وابتلعها فقد صار أكلًا وشربًا.(٤) [على كلام المؤلف]: فلو أن الإنسان أدخل منظارًا إلى المعدة حتى وصل إليها فإنه يكون بذلك مفطرًا.
والصحيح: أنه لا يفطر إلا أن يكون في هذا المنظار دهنٌ - أو نحوه - يصل إلى المعدة بواسطة هذا المنظار ...
ولو أن الإنسان كان له فتحةٌ في بطنه وأدخل إلى بطنه شيئًا عن طريق هذه الفتحة؛ فعلى المذهب: يفطر بذلك ...
والصحيح: أنه لا يفطر بذلك إلا أن تجعل هذه الفتحة بدلًا عن الفم بحيث يدخل الطعام والشراب منها لانسداد المريء أو تقرحه - ونحو ذلك -، فيكون ما أدخل منها مفطرًا كما لو أدخل من الفم، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية.стр. 187
إحليله (١) -، أو استقاء، أو استمنى، أو باشر فأمنى، أو أمذى (٢) ، أو كرر النظر فأنزل (٣) ، أو حجم، أو احتجم وظهر دمٌ (٤) ؛ عامدًا ذاكرًا لصومه: فسد. الحواشي
(١) القول الراجح - كما سبق -: أن المفطر هو الأكل والشرب، وما أدخل من طريق الإحليل فإنه لا يسمى أكلًا ولا شربًا، وإذا كانت الحقنة - وهي التي تدخل عن طريق الدبر - لا تفطر على القول الراجح؛ فما دخل عن طريق الإحليل من باب أولى.(٢) الصحيح: القول الثاني: أنه لا يفطر.(٣) [حكم الاستمرار في النظر بنظرةٍ واحدةٍ كحكم التكرار في النظر]؛ بل قد يكون أقوى منه في استجلاب الشهوة والإنزال.
وأما التفكير - بأن فكر حتى أنزل - فلا يفسد صومه ... ؛ إلا إن حصل معه عملٌ يحصل به الإنزال؛ كعبثٍ بذكره - ونحوه -.(٤) هذه المسألة اختلف عليها العلماء كثيرًا، وهي من مفردات الإمام أحمد؛ فأكثر أهل العلم يرون أن الحجامة لا تفطر، ويستدلون بالآثار والنظر ...
واستدل القائلون بالإفطار بحديث شداد بن أوسٍ - وغيره - أن النبي ﷺ قال: «أفطر الحاجم والمحجوم».
وهذا الحديث ضعفه بعض أهل العلم ... ، ومن العلماء من صححه؛ كالإمام أحمد وشيخ الإسلام ابن تيمية - وغيرهما من الحفاظ -، وعلى هذا يكون الحديث حجةً.
فإذا كان حجةً وقلنا: إنه يفطر بالحجامة الحاجم والمحجوم، فما الحكمة؟ ...
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن إفطار الصائم بالحجامة له حكمةٌ: أما المحجوم فالحكمة هو أنه إذا خرج منه هذا الدم أصاب بدنه الضعف الذي يحتاج معه إلى غذاءٍ لترتد عليه قوته؛ لأنه لو بقي إلى آخر النهار على هذا الضعف فربما يؤثر على صحته في المستقبل؛ فكان من الحكمة أن يكون مفطرًا، وعلى هذا: فالحجامة للصائم لا تجوز في الصيام الواجب إلا عند الضرورة .... ، وأما إذا كان الصوم نفلًا فلا بأس بها؛ لأن الصائم نفلًا له أن يخرج من صومه بدون عذرٍ، لكنه يكره لغير غرضٍ صحيحٍ.
أما الحكمة بالنسبة للحاجم؛ فيقول شيخ الإسلام ﵀: إن الحاجم عادةً يمص قارورة الحجامة، وإذا مصها فإنه سوف يصعد الدم إلى فمه، وربما من شدة الشفط ينزل الدم إلى بطنه من حيث لا يشعر، وهذا يكون شربًا للدم، فيكون بذلك مفطرًا، ويقول: هذا هو الغالب، ولا عبرة بالنادر ...
والذي يظهر لي - والعلم عند الله -: أن ما ذهب إليه شيخ الإسلام أولى؛ فإذا حجم بطريقٍ غير مباشرٍ ولا يحتاج إلى مص فلا معنى للقول بالفطر؛ لأن الأحكام الشرعية ينظر فيها إلى العلل الشرعية.стр. 188
لا: ناسيًا، أو مكرهًا (١) ، أو طار إلى حلقه ذبابٌ أو غبارٌ، أو فكر فأنزل، أو احتلم، أو أصبح في فيه طعامٌ فلفظه، أو اغتسل، أو تمضمض، أو استنثر، أو زاد على الثلاث، أو بالغ فدخل الماء حلقه: لم يفسد.
ومن أكل شاكا في طلوع الفجر: صح صومه (٢) ، لا: إن أكل شاكا في غروب الحواشي
(١) مقتضى كلام المؤلف: أنه لا يشترط أن يكون عالمًا؛ لأنه لم يذكر إلا شرطين: العمد والذكر، فإن كان جاهلًا فإنه يفطر.
والصحيح: اشتراط العلم؛ لدلالة الكتاب والسنة عليه؛ فتكون شروط المفطرات ثلاثةً: العلم، والذكر، والعمد.(٢) حتى لو تبين له بعد ذلك أن الفجر قد طلع؛ فصومه صحيحٌ؛ بناءً على العذر بالجهل في الحال.
وأما على المذهب: فإذا تبين أن أكله كان بعد طلوع الفجر فعليه القضاء بناءً على أنه لا يعذر بالجهل، والصواب: أنه لا قضاء عليه ولو تبين له أنه بعد الصبح؛ لأنه كان جاهلًا.стр. 189
الشمس (١) ، أو معتقدًا أنه ليلٌ فبان نهارًا (٢) .
فصلٌ
ومن جامع في نهار رمضان في قبلٍ أو دبرٍ: فعليه القضاء، والكفارة (٣) .
وإن جامع دون الفرج فأنزل، أو كانت المرأة معذورةً (٤) ، أو جامع من نوى الصوم في سفره: أفطر، ولا كفارة. الحواشي
(١) إن علمنا أن أكله كان بعد الغروب؛ فلا قضاء عليه.(٢) القول الراجح: أنه لا قضاء عليه.(٣) ذهب بعض العلماء إلى أن من أفسد صومه عامدًا بدون عذرٍ فلا قضاء عليه، وليس عدم القضاء تخفيفًا، لكنه لا ينفعه القضاء.
وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ...
ونقول - على هذا الرأي -: تكون المفطرات نافعةً فيما إذا جاز الفطر لعذرٍ، أما إذا كان لغير عذرٍ فإن هذه المفطرات تفسد صومه ولا يلزمه القضاء، لكن جمهور أهل العلم على أنه يلزمه القضاء ولو تعمد الفطر، بخلاف الرجل الذي لم يصم ذلك اليوم أصلًا وتركه متعمدًا؛ فإن الراجح ما ذهب إليه شيخ الإسلام من أنه لا ينفعه القضاء.(٤) ظاهر قوله ... : أنه لو كان الرجل هو المعذور فإن الكفارة لا تسقط عنه، وهذا المشهور من المذهب.
والصحيح: أن الرجل إذا كان معذورًا بجهلٍ أو نسيانٍ أو إكراهٍ؛ فإنه لا قضاء عليه ولا كفارة، وأن المرأة كذلك إذا كانت معذورةً بجهلٍ أو نسيانٍ أو إكراهٍ؛ فليس عليها قضاءٌ ولا كفارةٌ.
والمذهب: أن عليها القضاء وليس عليها الكفارة.стр. 190
وإن جامع في يومين، أو كرره في يومٍ ولم يكفر: فكفارةٌ واحدةٌ في الثانية وفي الأولى اثنتان.
وإن جامع ثم كفر ثم جامع في يومه: فكفارةٌ ثانيةٌ (١) ، وكذا من لزمه الحواشي
(١) ذكر المؤلف ﵀ مسألتين:
المسألة الأولى: إذا جامع في يومين بأن جامع في اليوم الأول من رمضان وفي اليوم الثاني؛ فإنه يلزمه كفارتان، وإن جامع في ثلاثة أيامٍ فثلاث كفاراتٍ ...
وقيل: لا يلزمه إلا كفارةٌ واحدةٌ إذا لم يكفر عن الأول، وهو وجهٌ في مذهب الإمام أحمد، وهو مذهب أبي حنيفة ...
وهذا القول وإن كان له حظ من النظر والقوة، لكن لا تنبغي الفتيا به؛ لأنه لو أفتي به انتهك الناس حرمات الشهر كله، لكن لو رأى المفتي - الذي ترجح عنده عدم تكرر الكفارة - مصلحةً في ذلك؛ فلا بأس أن يفتي به سرا؛ كما يصنع بعض العلماء فيما يفتون به سرا - كالطلاق الثلاث -.
المسألة الثانية: إذا جامع في يومٍ واحدٍ مرتين؛ فإن كفر عن الأول لزمه كفارةٌ عن الثاني، وإن لم يكفر عن الأول أجزأه كفارةٌ واحدةٌ ...
ومذهب الأئمة الثلاثة - وهو قولٌ في المذهب -: لا يلزمه عن الثاني كفارةٌ؛ لأن يومه فسد بالجماع الأول؛ فهو في الحقيقة غير صائمٍ وإن كان يلزمه الإمساك، لكن ليس هذا الإمساك مجزئًا عن صومٍ؛ فلا تلزمه الكفارة ...
وهذا القول له وجهٌ من النظر - أيضًا -.
مثاله: رجلٌ جامع في أول النهار بعد طلوع الشمس بربع ساعةٍ، ثم كفر بعتق رقبةٍ، ثم جامع بعد الظهر؛ فعلى المذهب: يلزمه كفارةٌ ثانيةٌ؛ لأنه كفر عن الأولى، وهو الآن وإن كان ليس صائمًا صومًا شرعيا لكنه يلزمه الإمساك، وعلى القول الثاني: لا تلزمه الكفارة؛ لأن الجماع لم يرد على صومٍ صحيحٍ وإنما ورد على إمساكٍ فقط، وإذا تأملت وجدت أن القول الثاني أرجح، وأنه لا يلزمه بعد أن أفسد صومه كفارةٌ.стр. 191
الإمساك إذا جامع (١) .
ومن جامع وهو معافى، ثم مرض أو جن أو سافر: لم تسقط.
ولا تجب الكفارة بغير الجماع في صيام رمضان (٢) ، وهي عتق رقبةٍ، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين (٣) ، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا، فإن لم يجد سقطت. الحواشي
(١) القول الثاني: لا يلزمه الإمساك ... ، وهذا هو القول الراجح.(٢) نزيد شرطين آخرين: أحدهما: أن يكون الصيام أداءً، والثاني: أن يكون ممن يلزمه الصوم.(٣) إلا لعذرٍ شرعي - كالحيض والنفاس بالنسبة للمرأة، وكالعيدين وأيام التشريق -، أو حسي - كالمرض، والسفر للرجل والمرأة بشرط ألا يسافر لأجل أن يفطر، فإن سافر ليفطر انقطع التتابع -.стр. 192
باب ما يكره ويستحب، وحكم القضاء
يكره جمع ريقه فيبتلعه (١) ، ويحرم بلع النخامة (٢) ، ويفطر بها فقط إن وصلت إلى فمه (٣) .
ويكره: ذوق طعامٍ بلا حاجةٍ، ومضغ علكٍ قوي (٤) ، وإن وجد طعمهما في حلقه أفطر (٥) . الحواشي
(١) ليس فيه دليلٌ يدل على أن جمع الريق يفطر إذا جمعه إنسانٌ وابتلعه ... ، وعلى هذا نقول: لو جمع ريقه فابتلعه فليس بمكروهٍ، ولا يقال: إن الصوم نقص بذلك؛ لأننا إذا قلنا: إنه مكروهٌ لزم من ذلك أن يكون الصوم ناقصًا لفعل المكروه فيه.(٢) بلع النخامة حرامٌ على الصائم وغير الصائم؛ وذلك لأنها مستقذرةٌ، وربما تحمل أمراضًا خرجت من البدن.(٣) وفي المسألة قولٌ آخر في المذهب: أنها لا تفطر - أيضًا - ولو وصلت إلى الفم وابتلعها، وهذا القول أرجح.(٤) القوي: هو الشديد الذي لا يتفتت؛ لأنه ربما يتسرب إلى بطنه شيءٌ من طعمه إن كان له طعمٌ، فإن لم يكن له طعمٌ فلا وجه للكراهة، ولكن مع ذلك لا ينبغي أن يمضغه أمام الناس؛ لأنه يساء به الظن إذا مضغه أمام الناس؛ فما الذي يدريهم أنه علكٌ قوي أو غير قوي، أو أنه ليس فيه طعمٌ أو فيه طعمٌ.(٥) خالف في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وقال: ليس هناك دليلٌ يدل على أن مناط الحكم وصول الطعم إلى الحلق، وهو واضحٌ؛ لأنه - أحيانًا - يصل الطعم إلى الحلق ولكن لا يبتلعه ولا ينزل، ويكون منتهاه الحلق؛ فمثل هذا لا يمكن أن نتجاسر ونقول: إن الإنسان يفطر بذلك، ثم إنه - أحيانًا - عندما يتجشأ الإنسان يجد الطعم في حلقه لكن لا يصل إلى فمه، ومع ذلك يبتلع الذي تجشأ به ولا نقول: إنه أفطر؛ لأنه ربما يتجشأ ويخرج بعض الشيء، لكن لا يصل إلى الفم؛ بل ينزل وهو يحس بالطعم.стр. 193
ويحرم العلك المتحلل إن بلع ريقه.
وتكره القبلة لمن تحرك شهوته (١) .
ويجب اجتناب: كذبٍ، وغيبةٍ، وشتمٍ.
وسن: لمن شتم قوله: (إني صائمٌ)، وتأخير سحورٍ (٢) ، وتعجيل فطرٍ على رطبٍ - فإن عدم فتمرٌ، فإن عدم فماءٌ (٣) -، وقول ما ورد. الحواشي
(١) [أما] الذي إذا قبل تحركت شهوته لكن يأمن على نفسه [من الإنزال]؛ فالصحيح أن القبلة لا تكره له، وأنه لا بأس بها ...
إذن: القبلة في حق الصائم [عند المؤلف] تنقسم إلى ثلاثة أقسامٍ: قسمٌ جائزٌ، وقسمٌ مكروهٌ، وقسمٌ محرمٌ.
والصحيح أنها قسمان: قسمٌ جائزٌ، وقسمٌ محرمٌ.
فالقسم المحرم: إذا كان لا يأمن فساد صومه.
والقسم الجائز له صورتان:
الصورة الأولى: ألا تحرك القبلة شهوته إطلاقًا.
الصورة الثانية: أن تحرك شهوته، ولكن يأمن على نفسه من فساد صومه.(٢) لكن يؤخره ما لم يخش طلوع الفجر، فإن خشي طلوع الفجر فليبادر.(٣) قال بعض العوام: إذا لم تجد شيئًا فمص أصبعك، وهذا لا أصل له ...
وقال آخرون: بل (الغترة) ثم مصها ... ، وهذا لا أصل له - أيضًا -. بل نقول: إذا غابت الشمس وليس عندك ما تفطر به؛ تنوي الفطر بقلبك.стр. 194
ويستحب القضاء متتابعًا، ولا يجوز إلى رمضانٍ آخر من غير عذرٍ، فإن فعل فعليه مع القضاء إطعام مسكينٍ لكل يومٍ - وإن مات ولو بعد رمضانٍ آخر - (١) .
وإن مات وعليه صوم (٢) ، أو حج، أو اعتكاف أو صلاة نذرٍ: استحب لوليه قضاؤه (٣) . الحواشي
(١) الصحيح في هذه المسألة: أنه لا يلزمه أكثر من الصيام الذي فاته؛ إلا أنه يأثم بالتأخير.(٢) فإن لم يفعل [وليه]؛ قلنا: أطعم عن كل يومٍ مسكينًا؛ قياسًا على صوم الفريضة.(٣) قال بعض العلماء: إن الصلاة والاعتكاف المنذورين لا يقضيان؛ لأنهما عبادتان بدنيتان لا يجبان بأصل الشرع.стр. 195
باب صوم التطوع
يسن صيام: أيام البيض (١) ، والاثنين والخميس (٢) ، وست من شوالٍ، وشهر المحرم - وآكده: العاشر ثم التاسع -، وتسع ذي الحجة - وآكده: يوم عرفة لغير حاج بها -.
وأفضله: صوم يومٍ وفطر يومٍ (٣) .
ويكره: إفراد رجبٍ، والجمعة (٤) ، والسبت، والشك (٥) .
ويحرم: صوم العيدين - ولو في فرضٍ -، وصيام أيام التشريق إلا عن دم متعةٍ وقرانٍ. الحواشي
(١) لو عبر المؤلف بتعبيرٍ أعم، فقال: يسن صيام ثلاثة أيامٍ من كل شهرٍ، والأفضل: أن تكون في أيام البيض؛ لكان أحسن.(٢) وصوم الاثنين أوكد من الخميس.(٣) لكن هذا - أي: صوم يومٍ وفطر يومٍ - مشروطٌ بما إذا لم يضيع ما أوجب الله عليه، فإن ضيع ما أوجب الله عليه كان هذا منهيا عنه؛ لأنه لا يمكن أن تضاع فريضةٌ من أجل نافلةٍ.(٤) إذا أفرد يوم الجمعة بصومٍ لا لقصد الجمعة، ولكن لأنه اليوم الذي يحصل فيه الفراغ؛ فالظاهر - إن شاء الله - أنه لا يكره، وأنه لا بأس بذلك.(٥) الصحيح: أن [يوم الشك] صومه محرمٌ إذا قصد به الاحتياط لرمضان.стр. 196
ومن دخل في فرضٍ موسعٍ: حرم قطعه (١) ، ولا يلزم في النفل (٢) ولا قضاء فاسده إلا الحج (٣) .
وترجى ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان، وأوتاره آكد، وليلة سبعٍ وعشرين أبلغ، ويدعو فيها بما ورد. الحواشي
(١) لكن يستثنى: ما إذا كان لضرورةٍ، أو [للإتيان بما هو أكمل].(٢) لكن العلماء يقولون: لا ينبغي أن يقطع [النفل] إلا لغرضٍ صحيحٍ.(٣) لم يذكر المؤلف العمرة ... ، والعمرة تسمى حجا أصغر ... ، وعليه: فالعمرة مثل الحج: إذا شرع في نفلها لزمه الإتمام، وإن أفسده لزمه القضاء.стр. 197
باب الاعتكاف
هو: لزوم مسجدٍ لطاعة الله - تعالى -.
مسنونٌ (١) .
ويصح بلا صومٍ.
ويلزمان بالنذر.
ولا يصح إلا في مسجدٍ يجمع فيه (٢) ؛ إلا المرأة ففي كل مسجدٍ؛ سوى مسجد بيتها.
ومن نذره، أو الصلاة في مسجدٍ غير الثلاثة - وأفضلها: الحرام، فمسجد المدينة، فالأقصى -: لم يلزمه فيه (٣) . الحواشي
(١) لا يسن الاعتكاف - أي لا يطلب من الناس أن يعتكفوا - إلا في العشر الأواخر فقط، لكن من تطوع وأراد أن يعتكف في غير ذلك فإنه لا ينهى عن ذلك؛ استئناسًا بحديث عمر ﵁، ولا نقول: إن فعله بدعةٌ، لكن نقول: الأفضل أن تقتدي بالرسول ﷺ .(٢) لو اعتكف إنسانٌ معذورٌ بمرضٍ - أو بغيره مما يبيح له ترك الجماعة - في مسجدٍ لا تقام فيه الجماعة؛ فلا بأس.(٣) الصحيح في هذه المسألة: أن غير المساجد الثلاثة إذا عينه لا يتعين إلا لمزيةٍ شرعيةٍ؛ فإنه يتعين لأن النذر يجب الوفاء به، ولا يجوز العدول إلى ما دونه.стр. 198
وإن عين الأفضل: لم يجز فيما دونه، وعكسه بعكسه.
ومن نذر زمنًا معينًا: دخل معتكفه قبل ليلته الأولى وخرج بعد آخره.
ولا يخرج المعتكف إلا لما لا بد له منه، ولا يعود مريضًا، ولا يشهد جنازةً (١) إلا أن يشترطه (٢) ، وإن وطئ في فرجٍ: فسد اعتكافه (٣) .
ويستحب: اشتغاله بالقرب، واجتناب ما لا يعنيه. الحواشي
(١) لكن لو فرض أنه تعين عليه أن يشهد جنازةً بحيث لم نجد من يغسله أو من يحملها إلى المقبرة؛ صار هذا من الذي لا بد منه.(٢) هذا لا ينبغي، والمحافظة على الاعتكاف أولى؛ إلا إذا كان المريض أو من يتوقع موته له حق عليه؛ فهنا الاشتراط أولى؛ بأن كان المريض من أقاربه الذي يعتبر عدم عيادتهم قطيعة رحمٍ؛ فهنا يستثنى، وكذلك شهود الجنازة.
[وأما] الخروج لما له منه بد وليس فيه مقصودٌ شرعي؛ فهذا يبطل به الاعتكاف؛ سواءٌ اشترطه أم لا؛ مثل: أن يخرج للبيع والشراء، والنزهة، ومعاشرة أهله - ونحو ذلك -.(٣) [حتى لو اشترط ذلك عند دخوله في المعتكف فإنه لا يصح اشتراطه]؛ لأنه محللٌ لما حرم الله.стр. 199
كتاب المناسك
الحج والعمرة واجبان (١) على المسلم الحر المكلف القادر في عمره مرةً (٢) على الفور.
فإن زال الرق (٣) والجنون والصبا في الحج بعرفة، وفي العمرة قبل طوافها: صح فرضًا.
وفعلهما من الصبي والعبد: نفلًا.
والقادر: من أمكنه الركوب (٤) ، ووجد زادًا وراحلةً صالحين لمثله (٥) بعد الحواشي
(١) لكن ليس وجوب العمرة كوجوب الحج؛ لا في الآكدية، ولا في العموم والشمول.(٢) [فما زاد عن مرةٍ فهو تطوعٌ]؛ إلا لسببٍ كالنذر، فمن نذر أن يحج وجب عليه أن يحج.(٣) وقيل: إنه لا يكون فرضًا إلا من حين العتق.(٤) أما في زمن الإبل فتعذر الركوب كثيرٌ ...
وأما في وقتنا الحاضر - وقت الطائرات والسيارات -؛ فالذي لا يمكنه الركوب نادرٌ جدا، ولكن مع ذلك فبعض الناس تصيبه مشقةٌ ظاهرةٌ في ركوب السيارة والطائرة والباخرة؛ فربما يغمى عليه أو يتعب تعبًا عظيمًا أو يصاب بغثيانٍ وقيءٍ؛ فهذا لا يجب عليه الحج وإن كان صحيح البدن قويا.(٥) ذهب بعض العلماء إلى أنه من وجد زادًا وراحلةً يصل بهما إلى المشاعر ويرجع؛
لزمه الحج، ولم يقيدوا ذلك بكونهما صالحين لمثله، وهذا أقرب إلى الصواب.стр. 200
قضاء الواجبات والنفقات الشرعية والحوائج الأصلية.
وإن أعجزه كبرٌ، أو مرضٌ لا يرجى برؤه: لزمه أن يقيم من يحج ويعتمر عنه (١) من حيث وجبا (٢) . الحواشي
(١) لكن لا بد أن يكون على الصفة التي يجزئه فيها حج الفرض؛ فلو أقام عنه صبيا لم يجزئه؛ لأن الصبي لا يصح حجه الفرض عن نفسه، فعن غيره أولى، ولو أقام رقيقًا - على القول بأن الحج لا يجزئه - لم يجزئه أيضًا ...
ويشترط لهذا النائب الذي ناب عن غيره ألا يكون عليه فرضٌ - أي: فرض الحج -، فإن كان عليه فرض الحج فإنه لا يجزئ أن يكون نائبًا عن غيره، فلو أقام فقيرًا يحج عنه لأجزأ؛ لأنه ليس عليه فرض الحج؛ فهو كالغني الذي أدى الحج عن نفسه، وإن أقام عنه غنيا لم يؤد الفرض عن نفسه فإنه لا يجزئه.
والدليل على ذلك: حديث ابن عباسٍ ﵄ أن النبي ﷺ سمع رجلًا يلبي يقول: لبيك عن شبرمة، فقال له النبي ﷺ : «أحججت عن نفسك؟»، قال: لا، قال: «حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة» ...
وهذا الحديث اختلف العلماء في رفعه ووقفه، واختلفوا في تصحيحه وتضعيفه ...
ولكن نقول: لا شك أن الأولى والأليق ألا يكون نائبًا عن غيره فيما هو فرضٌ عليه حتى يؤدي فرضه أولًا؛ سواءٌ صح هذا الحديث مرفوعًا أو صح موقوفًا أو لم يصح؛ فإن النظر يقتضي أن يقدم الإنسان نفسه على غيره؛ لعموم: «ابدأ بنفسك»، ونفسك أحق من غيرك.
لكن على المذهب: يشترط هذا الشرط، وهو أن يكون النائب قد أدى فرض الحج، فإن لم يؤد فرض الحج فإن ذلك لا يصح، ويكون الحج لهذا الذي حج، ويرد النفقة التي أخذها لمن وكله.(٢) هذا القول ضعيفٌ ... ، والقول الراجح: أنه لا يلزمه أن يقيم من يحج عنه من مكانه، وله أن يقيم من يحج عنه من مكة، ولا حرج عليه في ذلك؛ لأن السعي إلى مكة مقصودٌ لغيره.стр. 201
ويجزئ عنه - وإن عوفي بعد الإحرام (١) -.
ويشترط لوجوبه على المرأة: وجود محرمها (٢) ، وهو: زوجها، أو من تحرم عليه على التأبيد بنسبٍ أو سببٍ مباحٍ (٣) .
وإن مات من لزماه: أخرجا من تركته (٤) . الحواشي
(١) إذا علم النائب بأن المنيب قد عوفي قبل أن يحرم؛ فما فعله بعد ذلك فهو على نفقته؛ لأنه علم أنه لا يجزئه حجه عن منيبه، وأما ما أنفقه قبل ذلك من النفقات فإنه على المنيب.(٢) وإذا حجت المرأة بدون محرمٍ؛ صح حجها ولكنها تأثم؛ لأن المحرمية لا تختص بالحج.(٣) قوله: (سببٌ مباحٌ) ... : مثل: أم المزني بها، وأم الملوط به وبنته - على القول بأنه يوجب التحريم -.
ولكن القول الراجح: أن أم المزني بها ليست حرامًا على الزاني، وأن بنت المزني بها ليست حرامًا على الزاني ... ، فإذا تاب من الزنا جاز له أن يتزوج أم المزني بها وبنتها، ومن باب أولى حل أم الملوط به وبنته.
أما الموطوءة بشبهةٍ ... ؛ فالصحيح: التفريق بينهما، وأن أم الموطوءة بشبهةٍ وبنتها من محارم الواطئ؛ لأنه وطئ وهو يظن أنه وطءٌ حلالٌ.(٤) ذهب ابن القيم ﵀ مذهبًا جيدًا، وهو: أن كل من فرط في واجبه فإنه لا تبرأ ذمته ولو أدي عنه بعد موته، وعلى هذا: فلا يحج عنه ويبقى مسؤولًا أمام الله ، لكن الجمهور على خلاف كلام ابن القيم، لكن كلامه هو الذي تقتضيه الأدلة الشرعية.стр. 202
باب المواقيت
وميقات أهل المدينة: ذو الحليفة.
وأهل الشام ومصر والمغرب: الجحفة (١) .
وأهل اليمن: يلملم.
وأهل نجدٍ: قرنٌ.
وأهل المشرق: ذات عرقٍ.
وهي: لأهلها ولمن مر عليها من غيرهم.
ومن حج من أهل مكة: فمنها (٢) ، وعمرته من الحل. الحواشي
(١) لما خربت (الجحفة) وصارت مكانًا غير مناسبٍ للحجاج؛ جعل الناس بدلها (رابغًا)، ولا يزال الآن ميقاتًا، وهو أبعد منها قليلًا عن مكة، وعلى هذا: فمن أحرم من رابغٍ فقد أحرم من الجحفة وزيادةً.(٢) لقول النبي ﷺ حين وقت المواقيت: «ومن كان ذلك فمن حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة» ...
ونأخذ من هذا الحديث: أن من كان دون هذه المواقيت فإنه يحرم من مكانه ...
وانظر إلى هذا التعبير النبوي؛ حيث قال: «من حيث أنشأ»، ولم يقل: «من بلده»؛ لأن بلده قد يكون دون المواقيت ولكنه في مكانٍ آخر غير بلده، فينشئ العمرة أو الحج منه، فنقول: أحرم من حيث أنشأت. والمكي إذا كان خارج مكة لغرضٍ، ثم رجع إلى مكة في أيام الحج وهو ينوي الحج في هذه السنة؛ فلا يلزمه أن يدخل بعمرةٍ لأنه رجع إلى بلده ولم يرجع لقصد العمرة.стр. 203
وأشهر الحج: شوالٌ، وذو القعدة، وعشرٌ من ذي الحجة (١) . الحواشي
(١) قوله: (عشرٌ من ذي الحجة): هذا المشهور عند الإمام أحمد ﵀، وبه أخذ أصحابه ...
والصواب: ما ذهب إليه الإمام مالكٌ ﵀ من أن أشهر الحج ثلاثةٌ - كما هو ظاهر القرآن -: شوالٌ، وذو القعدة، وذو الحجة.стр. 204
باب الإحرام
الإحرام: نية النسك.
سن لمريده: غسلٌ، أو تيممٌ لعدمٍ (١) ، وتنظفٌ (٢) ، وتطيبٌ (٣) ، وتجردٌ من مخيطٍ في إزارٍ ورداءٍ أبيضين (٤) ، وإحرامٌ عقب ركعتين (٥) . الحواشي
(١) ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إلى أن الطهارة المستحبة إذا تعذر فيها استعمال الماء فإنه لا يتيمم لها ... ، وهذا أقرب للصواب.(٢) المراد بالتنظيف: أخذ ما ينبغي أخذه؛ مثل: الشعور التي ينبغي أخذها؛ كالعانة والإبط والشارب، وكذلك الأظافر ...
وإذا لم تكن طويلةً في وقت الإحرام ولا يخشى أن تطول في أثناء الإحرام فيحتاج إلى أخذها؛ فإنه لا وجه لاستحباب ذلك؛ لأن العلة خوف أن يحتاج إليها في حال الإحرام ولا يتمكن.(٣) أطلقه المؤلف، والمراد: التطيب في البدن ...
أما تطييب الثوب - أي: ثوب الإحرام - ... ؛ فقال بعض العلماء: لا يجوز لبسه إذا طيبه ... ، وهذا هو الصحيح.(٤) المقصود: أن يكون تجرده في إزارٍ ورداءٍ أبيضين، وإلا فتجرده من المخيط واجبٌ.
والمؤلف تبع غيره في العبارة، ولو قال: (تجرده من ملبوسٍ محظورٍ) لكان أولى.
ويشترط في هذا التجرد: ألا يستلزم كشف العورة أمام الناس، فإن استلزم ذلك كان حرامًا.(٥) ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إلى أن ركعتي الإحرام لا أصل لمشروعيتهما ... ، لكن إن كان في الضحى فيمكن أن يصلي صلاة الضحى ويحرم بعدها، وإن كان في وقت الظهر نقول: الأفضل أن تمسك حتى تصلي الظهر ثم تحرم بعد الصلاة، وكذلك صلاة العصر.
وأما صلاةٌ مستحبةٌ بعينها للإحرام؛ فهذا لم يرد عن النبي ﷺ ، وهذا هو الصحيح.стр. 205
ونيته شرطٌ.
ويستحب قول: (اللهم إني أريد نسك كذا فيسره لي، وإن حبسني حابسٌ فمحلي حيث حبستني) (١) . الحواشي
(١) قوله: (اللهم إني أريد نسك كذا فيسره لي): الاستحباب يحتاج إلى دليلٍ، ولا دليل على ذلك، ولم يكن الرسول ﷺ إذا أراد أن يحرم بالحج أو العمرة يقول: (اللهم إني أريد العمرة) أو (اللهم إني أريد الحج).
ومعلومٌ أن العبادات مبناها على الاتباع وعلى الوارد ...
ولهذا كان الصحيح في هذه المسألة أن النطق بهذا القول كالنطق بقوله: (اللهم إني أريد أن أصلي فيسر لي الصلاة)، أو (أن أتوضأ فيسر لي الوضوء)، وهذا بدعةٌ، فكذلك في النسك لا تقل هذا؛ قل ما أرشد إليه النبي ﷺ حين استفتته ضباعة بنت الزبير ﵂ أنها تريد الحج وهي شاكيةٌ، قال: «حجي واشترطي، وقولي: اللهم محلي حيث حبستني»، ولم يقل: (قولي: اللهم إني أريد نسك كذا وكذا) ...
وظاهر كلام المؤلف: أن قوله: (وإن حبسني حابسٌ فمحلي حيث حبستني): ... يشمل من كان خائفاً، ومن لم يكن خائفاً ...
وهذه المسألة فيها خلافٌ بين العلماء:
القول الأول: أنه سنةٌ مطلقًا.
القول الثاني: ليس بسنةٍ مطلقًا. القول الثالث: أنه سنةٌ لمن كان يخاف المانع من إتمام النسك، غير سنةٍ لمن لم يخف، وهذا القول هو الصحيح، وهو الذي تجتمع به الأدلة.стр. 206
وأفضل الأنساك: التمتع (١) .
وصفته: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، ويفرغ منها، ثم يحرم بالحج في عامه، وعلى الأفقي: دمٌ (٢) .
وإن حاضت المرأة فخشيت فوات الحج: أحرمت به وصارت قارنةً.
وإذا استوى على راحلته؛ قال: الحواشي
(١) قال شيخ الإسلام: لا نقول: إن التمتع أفضل مطلقًا، ولا القران أفضل مطلقًا، ولا الإفراد أفضل مطلقًا، فيقال: من ساق الهدي فالأفضل له القران ...
وأفادنا [المؤلف]﵀ أنه يجوز ما سوى التمتع، وأن التمتع ليس بواجبٍ، وهذا رأي جمهور أهل العلم، وذهب بعض العلماء إلى أن التمتع واجبٌ.
والصحيح: ما ذهب إليه شيخ الإسلام ... : أنه واجبٌ على الصحابة، وأما من بعدهم فهو أفضل وليس بواجبٍ.(٢) ظاهر كلام المؤلف: أن غير المتمتع لا يلزمه دمٌ؛ لأنه قال في سياق التمتع: (وعلى الأفقي دمٌ) ...
وهذا الظاهر من كلام المؤلف هو ما ذهب إليه داود الظاهري ...
وظاهر القرآن مع الظاهري أن الدم يجب على المتمتع دون المفرد والقارن.
ولكن مع هذا نقول: الأحوط للإنسان والأكمل لنسكه أن يهدي؛ لأن من هدي الرسول ﵊ الإهداء التطوعي، فكيف بإهداءٍ اختلف العلماء في وجوبه؟! وأكثر العلماء على الوجوب، وهو لا شك أولى وأبرأ للذمة، وأحوط، فإن كان قد وجب فقد أبرأت ذمتك، وإن لم يكن واجبًا فقد تقربت إلى الله به.стр. 207
(لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك)؛ يصوت بها الرجل وتخفيها المرأة.
стр. 208
باب محظورات الإحرام
وهي تسعةٌ: حلق الشعر (١) ، وتقليم الأظافر (٢) - فمن حلق أو قلم ثلاثةً؛ فعليه دمٌ (٣) -. الحواشي
(١) لا يحرم إلا حلق الرأس فقط ... ، ولو أن الإنسان تجنب الأخذ من شعوره - كشاربه وإبطه وعانته - احتياطًا لكان هذا جيدًا، لكن أن نلزمه ونؤثمه إذا أخذ مع عدم وجود الدليل الرافع للإباحة؛ فهذا فيه نظرٌ.(٢) تقليم الأظافر لم يرد فيه نص - لا قرآني ولا نبوي -، لكنهم قاسوه على حلق الشعر بجامع الترفه.
وإذا كان داود [الظاهري] ينازع في حلق بقية الشعر الذي بالجسم في إلحاقها بالرأس فهنا من باب أولى.
ولهذا ذكر في «الفروع» أنه يتوجه احتمال ألا يكون من المحظورات؛ بناءً على القول بأن بقية الشعر ليس من المحظورات.
لكن نقل بعض العلماء الإجماع على أنه من المحظورات، فإن صح هذا الإجماع فلا عذر في مخالفته؛ بل يتبع، وإن لم يصح فإنه يبحث في تقليم الأظافر كما بحثنا في حلق بقية الشعر.(٣) اختلف العلماء ﵏ في القدر الذي تجب فيه الفدية، على أقوالٍ:
القول الأول - وهو المذهب -: أنه ثلاثةٌ فأكثر.
القول الثاني: إذا حلق أربع شعراتٍ؛ فعليه دمٌ.
القول الثالث: إذا حلق خمس شعراتٍ؛ فعليه دمٌ.
القول الرابع: إذا حلق ربع الرأس؛ فعليه دمٌ. القول الخامس: إذا حلق ما به إماطة الأذى؛ فعليه دمٌ.
وأقرب الأقوال إلى ظاهر القرآن: هو الأخير؛ إذا حلق ما به إماطة الأذى؛ أي: يكون ظاهرًا على كل الرأس، وهو مذهب مالكٍ؛ أي: إذا حلق حلقًا يكاد يكون كاملًا يسلم به الرأس من الأذى؛ لأنه هو الذي يماط به الأذى.стр. 209
ومن غطى رأسه بملاصقٍ: فدى (١) .
وإن لبس ذكرٌ مخيطًا: فدى (٢) . الحواشي
(١) ظاهر كلام المؤلف ﵀: أن تغطية الوجه ليست حرامًا ولا محظورًا ...
وهذه محل خلافٍ بين العلماء؛ فمنهم من قال: لا يجوز ... ؛ بناءً على صحة اللفظة الواردة في حديث ابن عباسٍ ﵄ في الرجل الذي وقصته ناقته: «ولا وجهه»؛ ففي «الصحيحين» أن النبي ﷺ قال: «لا تخمروا رأسه» فقط، وروى مسلمٌ أنه قال: «ولا وجهه» ...
فمن كانت عنده صحيحةً قال: لا يجوز ... ، ومن ليست عنده صحيحةً قال: يجوز.
وابن حزمٍ ﵀ قال: إنه يجوز في حال الحياة أن يغطي وجهه، ولا يجوز في حال الموت.(٢) الدليل على هذا: حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄، أن النبي ﷺ سئل: ما يلبس المحرم؟ قال: «لا يلبس القميص، ولا السراويل، ولا البرانس، ولا العمائم، ولا الخفاف».
فذكر خمسة أشياء لا تلبس ... ومعنى هذا: أنه يلبس المحرم ما سوى هذه الخمسة.
وعبر [المؤلف لذلك] بلبس المخيط، ولكن النبي ﷺ الذي أعطي جوامع الكلم لم يعبر بلبس المخيط مع أنه أعم مما عينه، وإنما ذكر أشياء معينةً عينها بالعد ...
ويذكر أن أول من عبر بلبس المخيط: إبراهيم النخعي ﵀، وهو من فقهاء التابعين ولما كانت هذه العبارة ليست واردةً عن معصومٍ؛ صار فيها إشكالٌ:
أولًا: من حيث عمومها.
والثاني: من حيث مفهومها.
لأننا إذا أخذنا بعمومها حرمنا كل ما فيه خياطةٌ؛ لأن المخيط اسم مفعولٍ بمعنى مخيوطٍ، ولأن هذه العبارة توهم أن ما جاز لبسه شرعًا في الإحرام إذا كان فيه خياطةٌ فإنه يكون ممنوعًا ... ، وهذا ليس بحرامٍ؛ بل هو جائزٌ.
فالتعبير النبوي أولى من هذا؛ لأن فيه عدا وليس حدا، وليس فيه إيهامٌ.стр. 210
وإن طيب بدنه أو ثوبه، أو ادهن بمطيبٍ (١) ، أو شم طيبًا (٢) ، أو تبخر بعودٍ - ونحوه -: فدى.
وإن قتل صيدًا مأكولًا بريا (٣) أصلًا ولو تولد منه ومن غيره، أو تلف في يده (٤) : فعليه جزاؤه. الحواشي
(١) بشرط أن يكون هذا الذي ادهن به قد ظهر فيه رائحة الطيب.(٢) هذه المسألة - وهي شم الطيب -: في تحريمها نظرٌ؛ لأن الشم ليس استعمالًا، ولهذا قال بعض العلماء: إنه لا يحرم الشم، لكن إن تلذذ به فإنه يتجنبه خوفًا من المحذور الذي يكون بالتطيب، أما شمه ليختبره - مثلًا - هل هو طيبٌ جيدٌ أو وسطٌ أو رديءٌ؛ فهذا لا بأس به.(٣) أما ما يعيش في البر والبحر فإلحاقه بالبري أحوط؛ لأنه اجتمع فيه جانب حظرٍ وجانب إباحةٍ، فيغلب جانب الحظر.(٤) ظاهر كلام المؤلف: أنه يحرم عليه إمساكه ولو كان قد ملكه قبل الإحرام، ولكن الصواب: أن الصيد الذي في يد المحرم إن كان قد ملكه بعد الإحرام فهو حرامٌ، ولا يجوز له إمساكه، وإن كان قد ملكه قبل الإحرام وأحرم وهو في يده فهو ملكه، وملكه إياه تام.стр. 211
ولا يحرم: حيوانٌ إنسي، ولا صيد البحر، ولا قتل محرم الأكل، ولا الصائل.
ويحرم عقد نكاحٍ، ولا يصح، ولا فدية، وتصح الرجعة.
وإن جامع المحرم قبل التحلل الأول: فسد نسكهما، ويمضيان فيه، ويقضيانه ثاني عامٍ (١) .
وتحرم المباشرة، فإن فعل فأنزل لم يفسد حجه، وعليه بدنةٌ (٢) ، لكن يحرم من الحل لطواف الفرض (٣) .
وإحرام المرأة كالرجل إلا في اللباس، وتجتنب: البرقع (٤) ، والقفازين، وتغطية وجهها (٥) . الحواشي
(١) هذه ثلاثة أحكامٍ، وبقي حكمان: الإثم، والفدية - وهي بدنةٌ -.(٢) الصحيح: أن المباشرة لا تجب فيها البدنة؛ بل فيها ما في بقية المحظورات.(٣) يظهر أن هذا سبق قلمٍ من الماتن ﵀؛ لأن هذا الحكم المستدرك لا ينطبق على المباشرة؛ بل ينطبق على الجماع بعد التحلل الأول ...
فهذه العبارة: الأصح أن تنقل إلى الجماع بعد التحلل الأول.(٤) لو قال المؤلف: (البرقع والنقاب)، أو قال: (النقاب) فقط؛ لكان أحسن، وإنما اقتصر على البرقع فقط لأن البرقع للزينة، والنقاب للحاجة.
فالنقاب تستعمله المرأة فتغطي وجهها، وتفتح فتحةً بقدر العين لتنظر من خلالها، والبرقع تجملٌ؛ فهو يعتبر من ثياب الجمال للوجه؛ فهو - إذن - نقابٌ وزيادةٌ، وعلى هذا: النقاب حرامٌ على المحرمة.(٥) هذا هو المشهور من المذهب، وذكروا هنا ضابطًا: أن إحرام المرأة في وجهها.
وهذا ضعيفٌ، فهذا إن أرادوا به أنه المحل الذي يمنع فيه لباسٌ معينٌ فهذا صحيحٌ، وإن أرادوا به التغطية فهذا غير صحيحٍ؛ لأنه لم يرد عن النبي ﷺ نهي المرأة عن تغطية الوجه لكون النقاب لباس الوجه، فكأن المرأة نهيت عن لباس الوجه كما نهي الرجل عن لباس الجسم والرأس.стр. 212
الحواشي
(١) لكن يجب أن تستر الحلي عن الرجال، فإذا كانت وحدها في البيت أو مع نساءٍ أو مع زوجٍ أو مع محارم وعليها الحلي؛ فلا بأس.стр. 213
باب الفدية
يخير بفدية حلقٍ، وتقليمٍ، وتغطية رأسٍ، وطيبٍ، ولبس مخيطٍ: بين صيام ثلاثة أيامٍ أو إطعام ستة مساكين - لكل مسكينٍ مد بر، أو نصف صاع تمرٍ أو شعيرٍ (١) -، أو ذبح شاةٍ (٢) . الحواشي
(١) ظاهره: أن الفدية في الإطعام محصورةٌ في هذه الأصناف الثلاثة: البر والتمر والشعير.
وهذا غير مرادٍ؛ لأن المراد ما يطعمه الناس من تمرٍ أو شعيرٍ أو رز أو ذرةٍ أو دخنٍ - أو غيره -، والمؤلف - هنا - فرق بين البر وغير البر؛ فالبر مد، وغير البر نصف صاعٍ ... ، والمد: ربع الصاع، وفي باب الفطرة لم يفرق المؤلف بين البر وغيره؛ ففي باب الفطرة: صاعٌ من بر أو صاعٌ من تمرٍ أو صاعٌ من شعيرٍ - أو غير ذلك مما يخرج منه -؛ فالفقهاء - رحمهم الله تعالى - يفرقون بين البر وغيره في جميع الكفارات والفدية إلا في صدقة الفطر، ولهذا قرر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ قاعدةً، وقال: إن البر على النصف من غيره؛ ففي الفطرة نصف صاعٍ عند شيخ الإسلام، ولكن مذهبنا في الفطرة مذهب أبي سعيدٍ الخدري ﵁؛ فإنه لما قدم معاوية ﵁ المدينة، وقال: أرى مدا من هذه يساوي مدين من الشعير، قال أبو سعيدٍ: «أما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه على عهد النبي ﷺ »، ونحن نقول كما قال أبو سعيدٍ ﵁.
وكذلك مذهبنا هنا: أن لا فرق بين البر وغيره؛ لأن النبي ﷺ قال لكعب بن عجرة ﵁: «أطعم ستة مساكين، لكل مسكينٍ نصف صاعٍ»، فعين المقدار، وأطلق النوع؛ فظاهر الحديث: أن الفدية نصف صاعٍ لكل مسكينٍ؛ سواءٌ من البر أو من غيره.(٢) سواءٌ كانت خروفًا أم أنثى، معزًا أم ضأنًا؛ بل أو سبع بدنةٍ، أو سبع بقرةٍ مما يجزئ في الأضحية، ويوزعها على الفقراء، ولا يأكل منها شيئًا؛ لأنها دم جبرانٍ.стр. 214
وبجزاء صيدٍ بين مثلٍ إن كان، أو تقويمه بدراهم يشتري بها طعامًا (١) فيطعم كل مسكينٍ مدا، أو يصوم عن كل مد يومًا، وبما لا مثل له: بين إطعامٍ وصيامٍ.
وأما دم متعةٍ وقرانٍ فيجب الهدي، فإن عدمه فصيام ثلاثة أيامٍ - والأفضل: كون آخرها يوم عرفة (٢) -، وسبعةٍ إذا رجع إلى أهله (٣) . الحواشي
(١) هذا على سبيل المثال، وليس على سبيل التعيين؛ فله أن يقومه بدراهم، ثم يخرج من الطعام الذي عنده ما يساوي هذه الدراهم.(٢) قالوا: وفي هذه الحال ينبغي أن يحرم بالحج في اليوم السابع ... ؛ ليكون صومه الأيام الثلاثة في نفس الحج.
وفي هذا نظرٌ من جهتين: من جهة تقديم الإحرام بالحج، ومن جهة كون آخرها يوم عرفة.
أما الأول: فإن تقديم إحرام الحج على اليوم الثامن خلاف هدي النبي ﷺ ...
وأما الثاني ... ؛ ففيه نظرٌ - أيضًا -؛ لأن النبي ﷺ نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة ...
فالصواب: خلاف ما عليه الأصحاب في هذه المسألة من الوجهين ...
والذي يظهر لي ... : أن الصحابة ﵃ كانوا يصومونها في أيام التشريق؛ لقول عائشة وابن عمر ﵃: «لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لا يجد الهدي».
فظاهر هذا النص: أن الصحابة كانوا يصومونها في أيام التشريق، وصومها في أيام التشريق صومٌ لها في أيام الحج؛ لأن أيام التشريق أيامٌ للحج ...
فلو ذهب ذاهبٌ إلى أن الأفضل أن تصام الأيام الثلاثة في أيام التشريق لكان أقرب إلى الصواب.(٣) قال كثيرٌ من العلماء: لو صامها بعد فراغ أعمال الحج كلها فلا بأس؛ لأنه جاز له الرجوع إلى الأهل، فجاز له صومها.стр. 215
والمحصر إذا لم يجد هديًا: صام عشرةً ثم حل (١) .
ويجب بوطءٍ في فرجٍ في الحج: بدنةٌ، وفي العمرة شاةٌ، وإن طاوعته زوجته لزماها.
فصلٌ
ومن كرر محظورًا من جنسٍ ولم يفد: فدى مرةً (٢) ؛ بخلاف صيدٍ.
ومن فعل محظورًا من أجناسٍ: فدى لكل مرةً (٣) - رفض إحرامه أو لا (٤) -.
ويسقط بنسيانٍ (٥) : فدية لبسٍ وطيبٍ وتغطية رأسٍ (٦) ، دون وطءٍ وصيدٍ الحواشي
(١) المحصر يلزمه الهدي إن قدر، وإلا فلا شيء عليه.(٢) لكن بشرط ألا يؤخر الفدية؛ لئلا تتكرر عليه؛ بحيث يفعل المحظور مرةً أخرى، فيعاقب بنقيض قصده؛ لئلا يتحيل على إسقاط الواجب.(٣) القاعدة الشرعية في هذا: أنه إذا كان الموجب واحدًا فلا يضر اختلاف الأجناس .... لكن لعل الفقهاء ﵀ قالوا: احترامًا للإحرام والنسك وتعظيمًا لشعائر الله نلزمه عن كل جنسٍ بكفارةٍ.(٤) اللهم إلا أن يكون غير مكلفٍ؛ كالصغير؛ فإن الصغير إذا رفض إحرامه حل منه؛ لأنه ليس أهلًا للإيجاب.(٥) ومثله: الجهل، والإكراه.(٦) ولكن عليه متى ذكر: [فإنه يخلع اللبس إذا لبس، أو غطاء الرأس إذا فعل، وأن يبادر بغسل الطيب إذا تطيب].следующие страницы →