← Фикх общий

Фикх общий · id 17503

الحجاب في الشرع والفطرة

عبد العزيز الطريفي

Полный текст (167 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

و أجمَعَ العلماءُ: أنَّ عورةَ الأَمَةِ ليست كعورةِ الحُرَّةِ ، وأنَّ ما يجبُ على الحرةِ مِن السَّتْرِ، لا يجبُ كُلُّه على الأمَةِ، حكى الإجماعَ جماعةٌ؛ كابنِ عبدِ البَرِّ، وغيرِه (١). و أجمَعَ العلماءُ: على التفريقِ بين عورةِ السَّتْرِ وعورةِ النظرِ ، وإنِ اختلَفُوا في حدودِ كلٍّ منهما، فعورةُ السترِ: عورةٌ في ذاتِها؛ ولذا تُسْتَرُ لذاتِها، وعورةُ النظرِ: تُسْتَرُ لأجلِ الناظرِ لها ولو لم تكن عورةً في ذاتِها. ومَن لم يُفَرِّقْ بين عورةِ الأَمَةِ وعورةِ الحُرَّةِ، وبين عورةِ السترِ وعورةِ النظرِ، اختَلَّ أصلُه؛ فاختلَّتْ تفريعاتُه تبغاً، ولم يَحْمِلْ كلامَ الفقهاءِ على ما أرادُوه. توظيفُ الخلافِ واستغلالُهُ لِهَدْمِ الأصولِ وخرقِ الإجماعِ: بعضُ الذين يكتُبُون حولَ الخلافيَّاتِ لا يُؤْمِنُونَ بالقطعِيَّاتِ والإجماعاتِ، ومَن لا يؤمِنُ بالإجماعِ ويُعظِّمُه، فدخولُه إلى الخلافِ هدىً، ولا يجوزُ للفقيهِ إدخالُه مِن

стр. 72

باب (سَعَةِ الخلافِ)؛ فهؤلاءِ كاللُّصُوصِ يَطرُقون الأبوابَ لتُفَتَحَ، ويَطْرُقون البابَ بأَدَبٍ؛ وذلك لأنَّ فتحَ البابِ عندَهم أهوَنُ مِن كَسْرِه، ولأنَّ كسرَهُ شاقٌّ، ومَن نظرَ إلى طريقةِ مَن لا يؤمِنُ بالإجماعِ، ويتظاهَرُ بطلبِ الإنصافِ عند الخلاف، يجدُ أنَّه يدخُلُ مِن أبوابِ الخلافِ ليصِلَ إلى ما وراءَه؛ فمِن الجَدَلِ مُناظَرةُ مَن يُحِلُّ الخمرَ في مسألةِ حِلِّ النَّبِيذِ، ومناظرةُ مَن يُحِلُّ المخدِّرَاتِ في مسألةِ حِلِّ الدُّخَانِ. وقد كثُرَ الكُتَّابُ اليومَ، وحَمَل القلمَ كلُّ أحَدٍ، واختَلَطَتْ على العامَّةِ وأكثرِ الخاصَّةِ مقاصدُ الكُتَّابِ في بحثِ المسائلِ الخلافيةِ وأهدافُهم وغاياتُهم. ومِمَّا يجبُ التأكيدُ عليه: أنَّ مِن وسائلِ معرفةِ المُتَتَرِّسِينَ بالخلافِ والمستَغِلِّينَ له؛ لإخلاءِ الطريقِ وإفساحِه لضربِ الأصولِ وخَرْقِ الإجماع: أنْ يُنظَرَ في سيرةِ الكاتبِ وموقِفِه مِن الإجماعِ والقطعياتِ. فمَن يبحَثُ باندفاعٍ وحماسٍ عن حِلِّ شربِ الدُّخَانِ والنبيذِ، وهو يُحِلُّ المخدِّراتِ أو الخمرَ أو يسكُتُ عنها وهي منتشرةٌ؛ فذلك دليلٌ على أنَّ له غايةً وراءَ الخلافِ! ومِن ذلك: مَن يبحَثُ باندفاعٍ عن جوازِ كشفِ

стр. 73

المرأةِ لوَجْهِها، وهو يُجالِسُ العارياتِ بلا نَكِيرٍ، أو يرى السُّفُورَ يَنْتشِرُ والحِشْمةَ تَنْحسِر، ويندفعُ بحماسٍ للتهوينِ مِن الفضيلةِ ويسكُتُ عن الرذيلةِ بحُجَّةِ الخلافِ؛ فهؤلاءِ يسلُكُون طرائقَ المنافقينَ السابقِينَ الذين يستغِلُّونَ مسائلَ الفروعِ وسيلةً لهدمِ الأصولِ وضربِها. فقد كان المُنافِقُونَ يَتكاسَلُونَ عنِ الصلاةِ جماعةً مع النبيِّ ﷺ ، ولا يذكُرُون اللهَ إلا قليلاً: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢]، ومع كَسَلِهم عن الفضائلِ، اندَفَعُوا لبناءِ مسجدٍ في المدينةِ، ورفَعُوا فيه الأذانَ بمواقيتِه، وأقامُوا الصلاةَ، وهذا العملُ فضيلةٌ في ذاتِهِ لو فعَلَهُ غيرُهم مِن أهلِ الحرصِ على الأصولِ وتعظيمِها، ولكنَّ النبيَّ ﷺ لم يَفصِلْ فضيلةَ بناءِ المسجدِ عن سياقاتِهِ وحالِ مَن بناهُ وسيرتِهم ومَواقِفِهم المُشابِهةِ، ولم ينظُرْ إليه نظرةً فرعيَّةً كمسجدَيْنِ متجاوِرَيْنِ في بلدٍ تحكُمُ قربَهما المصلحةُ؛ وإنما رآه مسجِدَ ضِرَارٍ، مع أنَّ في المدينةِ مساجدَ أُخرى أَذِنَ النبيُّ ﷺ ببنائِها وصلَّى هو فيها، ولكنَّ المنافقينَ اتَّخَذوا فعلَهم للفضيلةِ باباً لغايةٍ أُخرى مِن الرذيلةِ، وهي شقُّ صفِّ النبيِّ ﷺ ومَن حولَه، فنَظَرَ النبيُّ ﷺ إلى

стр. 74

الغاياتِ لا إلى الجزئياتِ، فحَوَّلَ الأمرَ مِن فضيلةٍ ظاهرةٍ تخدَعُ العامَّةَ، إلى شرٍّ، وأنزلَ اللهُ عليه: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [التوبة: ١٠٧]؛ وهذا في مسجدٍ وبيتٍ لله! وكذلك في مسائلِ خلافِ الفروعِ؛ يُدخَلُ فيها كثيراً مِن هذا البابِ، فسِيرَةُ القائمينَ والكُتَّابِ تحكُمُ أفعالَهم، وتغيِّرُ تعامُلَ العالِمِ معها؛ فإنَّ العلماءَ ما زالُوا يبحثونَ مسائلَ الفقهِ، ويتداوَلُون الأدلَّةَ في الكتبِ؛ في العباداتِ، والنِّكاحِ، والمعامَلاتِ، والحجابِ، والحدودِ، ويتناظَرُون، ويَرُدُّ بعضُهم على بعضٍ بإجلالٍ وتوقيرٍ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهم يبحَثُ الفروعَ، ويعرِفُ موقفَ الآخَرِ مِن الأصولِ، وحَمِيّتَهُ لها. وفي مسائلِ الحجاب ولباسِ المرأةِ، ظهَرَتْ كتاباتٌ لباحِثِين -عندما يُرَوِّجُ الإعلامُ والمنافقون أنَّ الحجابَ عادةٌ لا عبادة، وأنَّ تغطيةَ الوجهِ تقليدٌ لا دينٌ- كتَبُوا أن تغطيةَ الوجهِ ليست بواجبةٍ، ويتغافلُ -عن جهلٍ أو هوىً- عن أنَّ العلماءَ يجعلُون تغطيةَ الوجهِ مِنَ الدِّين، وهؤلاءِ يَفصِلُونها مِن الدينِ كلِّه؛ كمَن يُورِدُ أقوالَ بعضِ العلماءِ:

стр. 75

أنَّ صلاةَ العيدَيْنِ ليستْ بواجبةٍ، في سياقِ مَن ينفِيها مِن الدينِ كلِّه، أو مَن يسوقُ أقوالَ بعضِ العلماءِ: أنَّ زكاةَ الفِطْرِ ليستْ بواجبةٍ، في مَسَاقِ مَن يقولُ: إنها عادةٌ وتقليدٌ؛ فهؤلاءِ الباحثون لم يضرِبُوا الحقَّ؛ وإنَّما أعطَوُا الضارِبَ مِطْرَقةً! وربما ينقُلُ أحدُهم كلامَ الشافعيِّ في عَوْرةِ المرأةِ للصلاةِ، وأنَّه ليس منها الوجهُ والكَفَّانِ؛ ليَرمِيَها بيَدِ مَن يرى السفورَ مطلقاً، ثم يَرْمِيَها الآخَرُ حُجَّةً لمَن تبرُزُ في وسائلِ الإعلامِ سافرةً، مع أنَّ الشافعيَّ يمنَعُ المرأةَ أن تصعَدَ على الصَّفَا والمروةِ؛ حتى لا يَرَى شخصَها الناسُ وهي في حَرَمِ الله! الخلافُ وحقُّ الاختيارِ: يتوهَّمُ كثيرٌ مِن الناسِ أنَّ مجرَّدَ اختلافِ العلماءِ في مسألةٍ مِن المسائلِ، يبيحُ للمسلمِ أنْ يختارَ منها ما يَشْتَهِيه، وهذا -بإجماعِ أهلِ العلم المختلِفِين أنفُسِهم- خطأٌ؛ ونصَّ على هذا المعنى أئمَّةٌ؛ كَأحمدَ (١)، والبخاريِّ (٢)، والمُزَنِيِّ

стр. 76

صاحبِ الشافعيِّ (١)، وابنِ حزمٍ (٢)، وابنِ عبدِ البَرِّ، والشاطبيِّ (٣)، وأبي الفَرَجِ بنِ الجَوْزِيِّ (٤)، والخَطَّابِيِّ، وابنِ تيمِيَّةَ (٥)، وغيرِهم: قال ابنُ عبدِ البرِّ في «التمهيد»: «وقد أجمعَ المسلمونَ أنَّ الخلافَ ليس بحُجَّةٍ، وأنَّ عندَه يلزَمُ طلبُ الدليلِ والحُجَّةِ؛ لِيَتبيَّنَ الحقُّ منه (٦)، وقال في «الجامع»: «الاختلافُ ليس بحُجَّةٍ عند أحدٍ علمتُهُ مِن فقهاءِ الأُمَّةِ؛ إلا مَن لا بَصَرَ له، ولا معرفةَ عندَه، ولا حُجَّةَ في قولِه» (٧). وقال الخطابِيُّ: «ليس الاختلافُ حجةً، وبيانُ السُّنَّةِ حجةٌ على المختلِفَيْن» (٨).

стр. 77

ومَن زعمَ أنه لا يأخُذُ إلا بمسائلِ الإجماعِ، فليَعْلَمْ أنَّ مِن مسائلِ الإجماعِ: أنَّ الخلافَ لا يُسَوِّغُ تركَ الدليلِ البَيِّنِ تقليداً لفقيهٍ، وقد نصَّ على هذا الأئمةُ الأربعةُ؛ وذلك أنَّ هذا يجعَلُ مجرَّدَ ورودِ الخلافِ، كورودِ الدليلِ على الإباحةِ؛ كما لو جاء دليلٌ خاصٌ على أنَّ شيئاً مَّا مباحٌ أو حرامٌ! وهذا فهمٌ خطيرٌ للخلافِ؛ فأقوالُ الفقهاءِ في ذاتِها ليستْ في مقامِ الأدلَّةِ. وقد بلغَ ببعضِ الناسِ أنْ يجعلَ مِن وجودِ الخلافِ مسوِّغاً لتركِ الدليلِ البَيِّنِ، فجعَلُوه أقوى مِن الدليلِ، فعُكِسَتِ القاعدةُ الشرعيةُ؛ فبدلاً مِن أن يكونَ القرآنُ والسُّنَّةُ حاكمَيْنِ عندَ الاختلافِ، جُعِلَ الاختلافُ حاكماً عليهما! قال اللهُ: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠]، وقال اللهُ لنبيِّهِ ﷺ : ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥]؛ فلم يجعلْهُ يحكُمُ بما يرى مع وجودِ النصِّ، مع أنَّه نبيٌّ مؤيَّدٌ، ولَمَّا ذكَرَ اللهُ الاختلافَ، لم يأمُرِ العلماءَ والناسَ بالاختيارِ كما يُريدون؛ وإنَّما رجَعَهُمْ إلى النَّصِّ؛ فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩].

стр. 78

واللهُ لم يَرْجِعِ الناسَ إلى الخلافِ؛ لأنَّ كلَّ خلافٍ فهو حادثٌ بعدَ النبيِّ ﷺ ، وليس مِن الدِّينِ، ولكنَّ اللهَ يَعْذِرُ أقواماً غاب عنهم الدليلُ واجتهَدُوا، ولا يَعْذِرُ آخَرِينَ تساهَلُوا؛ فالتوسِعةُ مِن الله ليست على ذاتِ الخلافِ، وإنَّما على اجتهادِ المجتهدِ وأثرِه عليه، ولو كانتِ التوسعةُ في ذاتِ الخلاف بعينِه، لكان الأوْلَى للفقهاءِ أن يبحَثُوا عن مسوِّغاتٍ للخروجِ من الإجماعِ؛ ليحدُثَ خلافٌ؛ ليكونَ توسعةً ورحمةً؛ وهذا خطأٌ وضلالٌ. واللهُ تعالى أخبَرَ بوجودِ الاختلافِ قَدَراً، وعَذَرَ المجتهِدَ المستفرغَ لوُسْعِهِ رحمةً منه، لكنْ متى لاحَ له الدليلُ، وجبَ له أن يَرْجِعَ، ففَهْمُه مهزوزٌ، والدليلُ ثابتٌ، وفي زمنِ الفقهاءِ السابقينَ في القرنِ الثاني والثالثِ لم تُجْمَعِ الأحاديثُ والآثارُ في الكتبِ جمعاً محكَماً، كما هو عند المتأخِّرِين، فكان الفقيهُ إذا أفتى بقولٍ خطأٍ وهو مأجورٌ، تتابَعَ المتأخِّرُون على تقليدِه، وقد ظهَرَ لهم دليلٌ غابَ عنه، فيُعذَرُ الفقيهُ المجتهدُ المتقدِّمُ؛ لغيابِ دليلٍ عنه، وربما لا يُعْذَرُ المقلِّدُ؛ لأنَّ الفقيهَ المتقدِّمَ اجتَهَدَ، والمقلِّدَ المتأخِّرَ ترَكَ الدليلَ، وأخذ ما يشتَهِي ويهوَى فقطْ؛ ولهذا تجدُ كثيراً مِن الناس يقلِّدُ كلَّ فقيهٍ بما يشتهي حتى تجتمعَ فيه الشهوةُ في صورةِ فقهٍ!

стр. 79

وقد يخطئُ الفقيهُ، ويُصِيبُ فقيةٌ آخَرُ؛ فمَن ظهَرَ له دليلٌ، وجبَ عليه أنْ يأخُذَ به؛ لأنَّ اللهَ يسأَلُ الناسَ يومَ القيامةِ عن اتِّباع المرسَلِين؛ لا تقليدِ الفقهاءِ: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥]، واللهُ أنزَلَ الكتابَ؛ لِينزعَ به الخلافَ: ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣]. و العقلُ يدلُّ على أنَّ تتبُّعَ الرُّخَصِ يُمْرِضُ الأبدانَ والأديانَ ؛ فتتبُّعُ رُخَصِ العلماءِ يُفْسِدُ الدِّينَ، وتتبُّعُ رخصِ الأطباءِ يُفْسِدُ البدَنَ. ومَن يجعَلُ الشهوةَ والرغبةَ مُرَجِّحاً للاختيار، كمَن يجعَلُ حلاوةَ طعمِ دواءِ الطبيبِ مرجِّحاً لصلاحِ علاجِه، وكثيراً ما يحتاطُ الناسُ لأبدانِهم وليسوا أطبَّاءَ، ويتساهَلُون في احتياطِهم لأديانِهم؛ بحُجَّةِ أنَّهم مقلِّدُون وليسوا فقهاءَ! ويظهَرُ الهَوَى في تقليدِ الفقهاءِ عندَ كثيرٍ مِن الناسِ، مع أنَّهم يزعُمُون التحرِّيَ وتتبُّعَ الأرجَحِ؛ بينما لا يقَعُون إلا على الرخَصِ والتساهُلِ مِن أقوالِ الفقهاءِ؛ وهنا يظهَرُ الفرقُ بين الباحثِ عن الحقِّ، وبين الباحثِ عمَّا يوافِقُ هَوَاه.

стр. 80

القرآن لا تتعارَضُ آياته، بل تتوافقُ وتتعاضد: مِن المُهِمَّاتِ المسلَّماتِ: أنَّ القرآنَ يصدِّقُ بعضُه بعضاً، ويؤكِّدُ بعضُه بعضاً، ويفسِّرُ بعضُه بعضاً، لا يتعارَضُ إلا بنسخٍ مِن الوَحْيِ، وقد أنزلَ اللهُ آياتٍ في الحجابِ والسَّتْرِ كُلُّهُنَّ مُحْكَماتٌ بلا خلافٍ، ومَن أراد فَهْمَ معنىً مِن معانِيه، فيجِبُ عليه أنْ يجمَعَ آياتِ البابِ الواحدِ للموضوعِ الواحد، وينظُرَ فيها؛ فإنَّها تُزِيلُ ما يلتبِسُ عليه منها؛ قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزُّمَر: ٢٣]؛ صحَّ عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ قولُه: «يُشبِهُ بعضُه بعضاً، ويصدِّقُ بعضُه بعضاً، ويَدُلُّ بعضُه على بعضٍ» (١). وكثيرٌ ممن ينظُرُ في أحكامِ حجابِ المرأةِ وسترِها في القرآنِ والحديثِ، ينظُرُ إلى موضِعٍ مشتَبِهٍ، ويَحمِلُه على ما يفهَمُه، ولو قرَنَ به الموضِعَ الآخَرَ مِن الوحيِ، لفَهِمَ كلامَ اللهِ وكلامَ نَبِيِّه وحُكْمَهما، وتَصوَّرَ لهما معنىً سويّاً لا لَبْسَ فيه ولا قصورَ، خاصةً مع انتشارِ عُجْمةِ اللِّسان، وبُعْدِها عن لغةِ القرآن، حتى عندَ العربِ فضلاً عن العجَمِ المتعَرِّبِين، ومع بُعدِ العهدِ عن مُصطَلَحاتِ الصدرِ الأوَّلِ، وحدوثِ

стр. 81

مصطلحاتٍ جديدةٍ، لم يفهَمْ أكثرُ الناسِ معنَى استعمالِ القرآنِ لـ (الحِجَاب)، و (الجِلْبَاب)، و (الخِمَار)، وهذه ألفاظٌ قرآنيةٌ كان يعرِفُها أدنَى العربِ، نساءً ورجالاً، وقد حَلَّ محلَّها مصطلحاتٌ جديدةٌ واستعمالاتٌ لِلِباسِ المرأةِ، فوقَعَ الخلطُ عندَ العامَّةِ وكثيرٍ مِن الخاصَّةِ في هذا البابِ. ومِن وجوهِ الفَهْمِ لمعنى الألفاظِ والمصطلحاتِ: أنْ تَعْرِفَ ما يَحُدُّها مِن جميعِ جهاتِها مِن المعاني التي لا تدخُلُ فيها، حتى تعرِفَ المعنى الذي تريدُه، ولا تدخُلَ في حدودِ معانٍ لا تريدُها؛ فالعقلُ يدلُّ على أنَّ الإنسانَ يعرِفُ حدودَ أرضِه مِن حدودِ أرضِ جيرانِه مِن جهاتِه الأربعِ؛ ولذا فلن يفهَمَ الناظِرُ المتأخِّرُ أحكامَ حجابِ المرأةِ الشابَّةِ وسترِها مِن آيِ سورةِ (النُّور)، وآيِ سورةِ) الأحزاب)؛ حتى يعرِفَ حكمَ حجاب المرأةِ العجوزِ مِن سورةِ (النُّور)، ويُحكِمَ الفهمَ بالنظرِ إلى أحاديثِ النبيِّ ﷺ ، وآثارِ الصحابةِ في الباب، وجمعِها في سياقٍ واحدٍ؛ فبذلك يصحُّ الفَهْمُ، ويتجلَّى الحُكْمُ. أقوالُ الصحابةِ في حجابِ المرأةِ وسترِها، وأسبابُ الخطأِ فيها: لا بُدَّ للناظِرِ مِن جمعِ أقوالِ الصحابةِ في الآياتِ

стр. 82

جميعاً، وقَرْنِ القولِ بالآخَرِ، ومعرفةِ مواضِعِ كُلِّ قولٍ، حتى يَصِحَّ الفهمُ، ويستوِيَ الحكمُ على معنىً تَبْرَأُ به الذِّمَّةُ؛ فإنَّ الأصلَ في أقوالِ الصحابةِ المتعدِّدِين، الاتفاقُ في تفسيرِ القرآنِ، فاختلافُهم تنوُّعٌ لا تضادٌ؛ فكيفَ بالصحابيِّ الواحدِ يتعدَّدُ قولُه في الآيةِ الواحدةِ أوِ الآيتَيْنِ وموضوعُهما واحدٌ؟! فهو أوْلَى بالاتفاقِ؛ روى سعيدُ بنُ منصورٍ، عن سُفْيانَ؛ أنَّه قال: «ليس في تفسيرِ القرآنِ اختلافٌ؛ إنما هو كلامٌ جامعٌ يرادُ به هذا وهذا» (١). وقد نصَّ على هذا المعنَى ابنُ قتيبةَ في «تأويلِ مشكِلِ القراآن» (٢)، ومحمَّدُ بنُ نصرٍ المروزِيُّ في «السُّنَّة» (٣)، والشاطبيُّ في «الموافَقَات» (٤)، وابنُ تيميَّةَ في مواضِعَ (٥). ومَن أراد فهمَ أقوالِ الصحابةِ والتابعينَ في مسألةٍ واحدةٍ، فليَجْمَعْ أقوالَهم كلَّها في ذاتِ المسألةِ،

стр. 83

وما يُشابِهُها، وما يقرُبُ منها مما هو في معناها العامِّ، فللصحابةِ أقوالٌ في لباسِ المرأةِ؛ في الأَمَةِ والحُرَّةِ، وللشابَّةِ وللعجوزِ، وعند المحارِمِ وعند الأجانبِ، وعند الصغيرِ وعند الكبيرِ، ولها أحكامٌ في اللِّباسِ مخصوصةٌ في العباداتِ؛ كالصلاةِ والحجِّ، ولها أحكامٌ ليست مِن اللباسِ؛ وإنما تُحِيطُ بمعناه؛ كأحكامِ خروجِها لصلاةِ الجماعةِ، والعيدَيْنِ، فمَن جمَعَ هذه الأقوالَ في كلِّ بابٍ، ثم توسَّعَ فيها، عرَفَ مرادَه مِن عمومِ لفظِهِ في مواضعَ، ومِن خصوصِهِ في مواضعَ أخرى، وزال إشكالُه إن وُجِد. و مِن أسبابِ الأخطاءِ في فهمِ أقوالِ الصحابةِ في حجابِ المرأةِ وسَتْرِها أمورٌ: الأوَّلُ: أخذُ قولِ الصحابيِّ أو التابعيِّ في موضِعٍ مشتَبِهٍ، وتركُ المحكَمِ البيِّنِ في مواضعَ أُخرى في ذات المعنى، التي تُبيِّنُ له المرادَ وتفسِّرُ له المعنى المقصودَ في هذا الموضعِ وغيرِه، وقد رأيتُ مَن ينقُلُ عن بعضِ السلفِ، فيأخُذُ قولاً مجملاً لبعضِ السلفِ أنَّ زِينةَ المرأةِ الظاهرةَ هي الوجهُ والكَفَّانِ، ويحمِلُهُ على ظهورِه لعمومِ الناس، فأخَذَ القولَ المخصوصَ وعَمَّمَهُ بذِهْنِه على مَن يريدُ هو، وترَكَ أقوالاً له صريحةً أنه لا يجوزُ للمرأةِ أن

стр. 84

تُبْدِيَ وجهَها وكَفَّيْها للأجانبِ، وإنما للمحارِمِ؛ بل له أقوالٌ أًخرى يمنَعُ المرأةَ مِن الخروجِ حتى للصلواتِ والعيدَيْنِ، فيأخُذُ هذا ما يُرِيدُ بعمومِه، ويرى ما لا يُرِيدُ ويَدَعُه؛ وهذا شبيهٌ بمَن يأخُذُ عمومَ قولِه تعالى في المشرِكِين: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة: ٥]، ويترُكُ ما يُفَسِّرُ له المعنى، ولمَن يتوَجَّهُ. وعند الوقوفِ على آيةٍ، فلا بُدَّ مِن جمعِ ما يُشابِهُها في الحكمِ الخاصِّ، وما يُقارِبُها في الحكمِ العامِّ؛ فمَن أراد أن يَفهَمَ مرادَ المفسِّرِ مِن حجابِ الشابَّةِ وسَتْرِها، فليَنْظُرْ إلى قولِه في آيةِ لباسِ العجوزِ، فما أسقَطَه المفسِّرُ مِن الصحابةِ والتابعينَ عن العجوزِ، هو الذي يُبْقِيه في حجابِ الشابَّةِ، ويفسِّرُ بها المعنى في آيةِ لباسِها، ثم ينظُرُ ما يؤكِّدُ هذا المعنى في قولِ ذاتِ الصحابيِّ في الأحكامِ المقارِبةِ لآياتِ السترِ؛ كأحاديثِ الخروجِ للمساجدِ، والعيدَيْنِ، والحجِّ، ونحوِ ذلك، فمَن يأمُرُ المُحرِمةَ أن تغطِّيَ وجهَها عند الرجالِ، كيف يُجْعَلُ قولُه للمرأةِ أن تبدِيَ وجهَها وكفَّيْها للأجانبِ وهي غيرُ مُحرِمةٍ؟! فيأمُرُها أن تفعَلَ محظوراً في حَجِّها، ثم يأمُرُها أن تترُكَ فاضلاً في غيرِه!

стр. 85

الثاني: فصلُ قولِ الصحابيِّ في تفسيرِ القرآنِ عن مجموعِ أقوالِ الصحابةِ، وعدمُ جمعِها وتأليفِ بعضِها إلى بعضٍ لتُفْهَمَ، والأصلُ في أقوالِهم الاتفاقُ، وتفسيرُ بعضِها بعضاً. الثالث: فصلُ قولِ الصحابيِّ عن أقوالِ تلامذَتِهِ وفتاواهم مِن التابِعِين، الذين لا يخرُجُون غالباً عن قولِه؛ فإنَّ أقوالَ التابِعِين تفسِّرُ أقوالَ شيوخِهم مِن الصحابةِ. جمعُ الآياتِ الواردةِ في حجابِ المرأةِ وسَتْرِها، وبيانُ المرادِ منها: جاء في القرآنِ في حجابِ المرأةِ وسترِها صريحاً خمسةُ مواضعَ، وذِكْرُها في سياقٍ واحدٍ مِن الامتثالِ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزُّمَر: ٢٣]؛ أي: يؤكِّدُ بعضُه بعضاً، ويُصَدِّقُ بعضُه بعضاً، والمرادُ: أنَّ اللهَ يذكُرُ حكمَهُ في أكثَرَ مِن موضعٍ مكرَّراً؛ وهذا يزيدُ في إحكامِه، ويرفَعُ اللبسَ الواردَ عليه بعباراتٍ وحروفٍ في موضعٍ ليست في الآخَرِ؛ وأما الآياتُ الصريحةُ في حجابِ المرأةِ وسترِها، فهي: الآيةُ الأُولَى: قولُه تعالى للمؤمِنِين بشأنِ نساءِ

стр. 86

النبيِّ ﷺ : ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣]. تقدَّم الكلامُ على معنى الحجابِ في القرآنِ، وفي استعمالِ السَّلَفِ، ولا خلافَ عندَهم أنَّ المرادَ بالحجابِ في الآيةِ هو الفاصِلُ بين شيئَيْنِ مِن جدارٍ أو خشَبٍ أو سِتَارةٍ أو غيرِها، ومِن ذلك قولُه: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١]، وليس المرادُ بالآيةِ: اللباسَ الذي تَلْبَسُهُ النساءُ. وهذا الاصطلاحُ استعمَلَه الفقهاءُ المتأخِّرُون حتى شاعَ، حتى فسَّرَ بعضُهم القرآنَ باصطلاحِ الفقهاءِ، وجعلَ الحجابَ -وهو اللباسُ الساتِرُ- جلباباً وخماراً خاصّاً بأمهاتِ المؤمِيين! فابتدَعَ شيئاً لم يَقُلْ به أحدٌ مِن السَّلَفِ؛ إذْ إنَّهم يفرِّقُون بين حَجْبِ الشخوصِ، وسترِ الأبدانِ بثيابٍ؛ فاللهُ نهى المؤمِنِين عنِ النظَرِ إلى أزواجِ النبيِّ ﷺ ، ولو كُنَّ متستِّراتٍ لا تُرَى أظفارُهُنَّ، وأمَرَهُنَّ وأمرَهُم عندَ المحادَثَةِ أن يكونَ مِن وراءِ حائطٍ أو سِتَارٍ، حتى إنَّهن إنْ رَكِبْنَ الإبلِ وُضِعْنَ في هَوْدَجٍ، ثم حُمِلْن عليها. وإنَّما شدَّدَ اللهُ على نساءِ النبيِّ ﷺ تعظيماً للنبيِّ ﷺ ، وبقيَّةُ النساءِ يدخُلْنَ في هذا الحكمِ، لكنْ حكمُهُنَّ أخَفُّ؛

стр. 87

لأنَّ التَّبِعةَ عليهنَّ وعلى أزواجِهِنَّ أيسَرُ، وهذه الآيةُ تدلُّ على تحريمِ الاختلاطِ ومجالسةِ الجنسَيْنِ بعضِهما لبعضٍ بلا ضرورةٍ؛ لأنَّه ذكرَ علةً مشتَرَكَة لكلِّ النساءِ: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، وقال بعمومِ هذه الآيةِ ابنُ جريرٍ الطَّبَرِيُّ، وابنُ عبدِ البَرِّ وغيرُهما (١). وهذه الآيةُ جاءت في حكمِ الاحتجابِ عن الرجالِ في البيوتِ، ومثلُه التعليمُ والعمَلُ؛ لأنَّه يطولُ الحديثُ والقعودُ، فكانت آيةُ الحجابِ [الأحزاب: ٥٣] مبيِّنةً لحكمٍ، وآيةُ الجلابيبِ [الأحزاب: ٥٩] مبيِّنَةً لحكمٍ آخَرَ؛ وهو اللباسُ عند إرادةِ الخروجِ إلى الطُّرُقاتِ، والسُّوقِ، والمساجِدِ، وغيرِها. الآيةُ الثانيةُ: قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣]. أنزَلَ اللهُ هذه الآيةَ وصدَّر الأمرَ بها لنساءِ النبيِّ ﷺ ؛

стр. 88

لمكانةِ بيتِ النبوَّةِ في المسلِمِين وعلوِّ منزلَتِهم، وكونِهم قدوةً للناسِ في الدِّينِ، وهذه الآيةُ كسابقَتِها في التشديدِ على أزواجِ النبيِّ ﷺ ، ودخولِ غيرِهِنَّ، مع أنَّ غيرَهُنَّ أخفُّ وأيسرُ، واستَثْنَى خروجَ الحاجاتِ؛ فما نهاهُنَّ اللهُ عن الكلامِ مع الرجالِ لورودِ الحاجةِ؛ ولكنْ نَهَاهُنَّ عن الخضوعِ بالقولِ. وهذه الآيةُ تدلُّ على مباعَدةِ مواضعِ النساءِ عن الرجالِ؛ كما صحَّ عن مجاهِدِ بنِ جَبْرٍ في تفسيرِه لتبرُّجِ الجاهليةِ: «كانَتِ المرأةُ تخرُجُ تَمْشِي بين يدي الرجالِ، فذلك تبرُّجُ الجاهليةِ (١)، وقد ذكَرَ مقاتِلُ بنُ حَيَّانَ: أنَّ تبرُّجَ الجاهليةِ أنهنَّ كُنَّ يضَعْنَ الخمارَ على رؤوسِهِنَّ ولا يَشْدُدْنَه (٢). ورُوِيَ عن بعضِ السلفِ -كابنِ عباسٍ ﵄ أنَّ تبرُّجَ الجاهليةِ الأُولَى كان بين نُوحٍ وإدريسَ (٣)، وقال عكرمةُ: هي زَمَنَ ولادةِ إبراهيمَ (٤)، ورُوِيَ أنَّها بعدَ ذلك (٥).

стр. 89

ولو كان بعدَ نوحٍ تبرُّجٌ عامٌّ أشدُّ مِن هذا، لذكَرَهُ اللهُ مثالاً لسوئِه. وقد قال بعمومِ هذه الآيةِ على نساءِ النبيِّ ﷺ وغيرِهن جماعةٌ؛ كالجَصَّاصِ، وابنِ كثيرٍ (١)، وغيرِهما؛ ويدلُّ على ذلك أنَّ النبيَّ ﷺ كان يُبايِعُ النساءَ على عدمِ التبرُّجِ تبرُّجَ الجاهليةِ الأُولَى؛ كما صحَّ في «المسنَد» لَمَّا بايَعَتْهُ أُمَيْمةُ بنتُ رُقَيْقةَ كان مما قال لها: (وَلَا تَبَرَّجِي تَبَرُّجَ الجَاهِلِيَّةِ الأُولَى) (٢)؛ وله شاهِدٌ عنِ ابنِ عباسٍ ﵄؛ أخرَجَه الطبرانيُّ (٣). ولكنْ كُلَّما كان الرجُلُ أكثَرَ قدوةً مِن غيرِه في الناسِ مِن العلماءِ والمصلِحِين والأُمَراءِ، وجَبَ أن تكونَ نساؤهم أكثَرَ سَتْراً؛ لأنَّ الناسَ تقتَدِي بكُبَرائِها، فيأخُذُون أجورَ مَن تَبِعَهم بخيرٍ، ويأخُذُون إثمَ مَن تَبِعَهم بسوءٍ وشَرّ الآيةُ الثالثةُ: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ

стр. 90

يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٩]. وهذه الآيةُ وا لآيتانِ بعدَها [النور: ٣١، ٦٠] هي أصرَحُ الآياتِ وأوضَحُهُنَّ في حجابِ نساءِ المؤمِنِينَ عامَّةً؛ فهي لـ (نساءِ النبيِّ ﷺ ، و (بناتِه)، و (نساءِ المؤمِنِين)، أمَرَهُنَّ اللهُ أنْ يُدْنِين عليهن مِن جلابِيبِهِنَّ، وقد تقدَّمَ تعريفُ الجلابيبِ، وأنَّها ما يكونُ مِن لباسٍ فَضْفاضٍ فوقَ الخمارِ يستوعِبُ أعلَى البدنِ ووَسَطَه، ويُسْدَلُ فيُغَطَّى به الوجهُ والصدرُ؛ ففي «الصحيحين»، مِن حديثِ عائشةَ ﵂، قالت: «فَخَمَّرْتُ وَجْهِي بِجِلْبَابِي» (١). والجِلْبابُ قريبٌ مِن العَبَاءةِ اليومَ، لكنَّها غيرُ مفصَّلةٍ، وهو القِنَاعُ والمُلَاءةُ، والجِلْبابُ ليس غطاءً خاصّاً بالوجهِ وحدَه، ولكنَّه للوجهِ وغيرِه؛ ولذا قال: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾؛ يعني: تأخُذُ شيئاً مِن جلبابِها وتُنْزِلُه على وجهِها، والإدناءُ مِنَ الدُّنُوِّ وهو القُرْبُ، ويكونُ مِن مكانٍ عالٍ أو مُوَازٍ، والدُّنُوُّ نزولٌ؛ فيُسَمَّى أسفلُ الشيءِ وأقرَبُه: أدناهُ، ويقالُ للنازلِ الهابطِ بالنسبةِ للعالي: أدْنَى ودَانٍ؛ كما في قولِه: ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم: ٣].

стр. 91

والأمرُ في الآيةِ هو لتغطيةِ المرأةِ وجهَها، فالجلبابُ في الأعلَى، فأُمِرَتْ أن تُنزِلَهُ على وجهِها وتُرْخِيَه عليه؛ قال الزمخشريُّ: «يقالُ إذا زَلَّ الثوبُ عن وجهِ المرأةِ: أَدْنِي ثوبَكِ على وجهِكِ» (١). ويدلُّ على أنَّ الإدناءَ في الآيةِ يتضَمَّنُ القربَ مِن عُلُوٍّ: قولُ ابنِ عباسٍ ﵄: «يُدْلِينَ عليهنَّ مِن جلابِيبِهِنَّ»؛ كما عندَ الشافعيِّ والبيهقِيِّ (٢)؛ ففسَّرَ (الإدناءَ) بـ (الإدلاءِ)، والإدلاءُ يكونُ مِن الشيءِ العالي؛ ومنه قولُه: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٥ - ٩]، وهو قُرْبُ جبريلَ مِن النبيِّ ﷺ ، فكان عالياً ثم دَنَا فتدَلَّى إليه، ومنه سُمِّيَ الدَّلْوُ دَلْواً؛ لأنَّه يُدْلَى به مِن عُلْوٍ إلى أسفَلِ البِئْرِ. وقد فَسَّرَ إدناءَ الجلابيبِ بتغطيةِ الوجهِ في هذه الآيةِ وغيرِها مِن السُّنَّةِ والأثَرِ جماعةٌ مِن الصحابةِ؛ صحَّ عن

стр. 92

ابنِ عباسٍ ﵄، وعائشةَ ﵂، ومِن التابِعِين: عن عَبِيدةَ السَّلْمانيِّ، ومحمَّدِ بنِ سِيرِينَ، وابنِ عَوْنٍ، ولا أعلَمُ أحداً مِن الصحابةِ صحَّ عنه خلافُ هذا المعنى. أما ما جاء عنِ ابنِ عباسٍ، فقولُه: «أمَرَ اللهُ نساءَ المؤمِنِين إذا خَرَجْنَ مِن بيوتِهِنَّ في حاجةٍ أنْ يُغطِّينَ وجوهَهُنَّ مِن فوقِ رؤوسِهِنَّ بالجلابيبِ، ويُبْدِين عيناً واحدةً»، أخرَجَهُ ابنُ جريرٍ وابنُ أبي حاتِمٍ عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ (١)؛ وهي صحيفةٌ قوَّاها أحمدُ، واحتج بها البخاريُّ (٢). وأما ما جاء عن عائشةَ، فقولُها: «تَسْدُلُ المرأةُ جلبابَها مِن فوقِ رأسِها على وجهِها» (٣)؛ أخرَجَه سعيدُ بنُ منصورٍ في «سُنَنِه» بسندٍ صحيحٍ. وأما ما جاء عن عَبِيدةَ السَّلْمانيِّ، فما رواه ابنُ عونٍ،

стр. 93

عن محمَّدِ بنِ سيرينَ، قال: سألتُ عَبيدةَ السَّلْمانيَّ عن قولِ اللهِ تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩]؛ فغَطَّى وجهَهُ ورأسَهُ وأبرَزَ عينَه اليُسْرَى؛ وبهذا فسَّرَه ابنُ سيرينَ وابنُ عَوْنٍ؛ رواه ابنُ جريرٍ (١). وعلى هذا كان عَمَلُ نساءِ الصحابةِ جميعاً في الصدرِ الأوَّلِ، كما في «الصحيحين»، مِن حديثِ حفصةَ بنتِ سِيرِينَ، عن أُمِّ عَطِيَّةَ وغيرِها: أنَّ النبيَّ ﷺ لَمَّا أَمَرَ بحضورِ النساءِ للعيدَيْنِ، سُئِلَ: أعَلَى إحدانا بأس إذا لم يكنْ لها جِلْبابٌ ألَّا تَخْرُجَ؟ قال: (لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا، وَلْتَشْهَدِ الخَيْرَ وَدَعْوَةَ المُسْلِمِينَ) (٢). ويستَشْكِلُ بعضُهم ما جاء في الآيةِ الرابعةِ، وهي قولُه تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ

стр. 94

بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]. ومَن لم يَعْرِفْ أزمنةَ نزولِ آياتِ الحجابِ، ولم يَجْمَعْ أقوالَ الصحابةِ في آياتِ الحجابِ والسَّتْرِ بعضَها إلى بعضٍ، وينظُرْ في مذاهِبِهم فيما تعلَّقَ ببابِ لباسِ المرأةِ وسترِها وحجابِها -: أشكَلَ عليه ذلك، وضَرَبَ بعضَها ببعضٍ، على ما تقدَّمَ بيانُه؛ فآياتُ الحجابِ في سورةِ النُّورِ والأحزابِ لم تَنْزِلْ دَفْعَةً واحدةً، وأقوالُ الصحابةِ في التفسيرِ تتنوَّعُ حسَبَ الحالاتِ والمواضِعِ ولا تتعارَضُ، ومِن بابِ أَوْلَى أقوالُ الصحابيِّ في المسألةِ الواحدةِ، كما تقدَّمَ. فاللهُ تعالى ذكَرَ في الآيةِ الزِّينةَ، وجعلَها إجمالاً على نوعَيْن: الأوَّل: الزِّينةُ الباطِنةُ، التي يكونُ الأصلُ فيها عدمَ الظهورِ، وهذا في قولِه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾، ثم أتبَعَها بالاستثناءِ. الثاني: الزينةُ الظاهرةُ، التي تظهَرُ لمن خَصَّهُم اللهُ بها، بقولِه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾، وبعضُ الناظِرِين لتفسيرِ السلفِ لقولِه: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ يَحْمِلُ تفسيرَهم أنَّهنَّ يُظْهِرْنَهُ للأجانبِ غيرِ

стр. 95

المحارِمِ، فيَنْقُلُون عن جماعةٍ مِن الصحابةِ والتابِعِين قولَهم في: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ أنَّه: الكَفُّ والوَجْهُ؛ كما رُوِيَ عنِ ابنِ عباسٍ ﵄، وابنِ عُمَرَ ﵄، والضَّحَّاكِ، أو: الكُحْلُ والخِضَابُ والخَاتَمُ؛ كما رُوِيَ عنِ ابنِ عباسٍ، ومجاهِدٍ، وابنِ جُبَيْرٍ، أو: الكُحْلُ والخاتَمُ؛ كما رُوِيَ عن أنَسٍ ﵁، أو: الخِضَابُ والكُحْلُ؛ كما رويَ عن عطاءٍ، أو: الكُحْلُ؛ كما رُوِيَ عن الشَّعْبِيِّ، وقتادةَ، أو: الوجهُ والثيابُ؛ كما رُوِيَ عن الحسَنِ، وقتادةَ، أو: الوجهُ وثُغْرةُ النَّحْرِ؛ كما جاء عن عِكْرِمةَ، أو: الكُحْلُ والثيابُ؛ كما جاء عن الشَّعْبيِّ؛ وما سبقَ أصَحُّ ما جاء عن الصحابةِ والتابِعِين مِن تفسيرِ آيةِ الزِّينةِ (١). وكلامُ هؤلاءِ السلفِ كلُّه في الزينةِ الظاهرةِ للمحارِمِ مِن النَّسَبِ والرَّضَاعِ، وليستْ للأجانِبِ، ولمَّا كثُرَ السُّفُورُ والتعرِّي اليومَ يَسْتثقِلُ بعضُ الناسِ هذا الفهمَ، وهذا مِن أثرِ الواقعِ على النفوسِ؛ فإنَّ الصحابةَ والتابعينَ كانُوا على

стр. 96

قَدْرٍ شديدٍ مِن العفافِ والسترِ، حتَّى إنَّهم قَلَّما يَسْأَلُون عما تُبْدِيه الحُرَّةُ للرجلِ الأجنبيِّ. ويوضِّحُ أنَّ مرادَ الصحابةِ والتابِعِينَ بكشفِ الزينةِ الظاهرةِ: للمحارمِ لا الأجانبِ، نصوصُهم الأُخْرَى ونصوصُ غيرِهم الصريحةُ في ذلك؛ فهي لا تَتَّفِقُ وتجتَمِعُ إلا على هذا المعنى؛ وذلك مِن أربعةِ أوجُهٍ: الوجهُ الأوَّلُ: أنَّ جميعَ مَن صحَّ عنه تفسيرُ الزينةِ الظاهرةِ في آيةِ النُّورِ: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قد صَحَّ عنه ما يؤيِّدُ حملَ تفسيرِهِ على تخصيصِهِ للمحارِمِ صريحاً أو قرينةً قويةً في موضِعٍ آخَرَ: - أما عبدُ الله بنُ عبَّاسٍ: فصحَّ عنه أنَّه قال: «الزينةُ الظاهرةُ: الوجهُ، وكُحْلُ العينِ، وخِضَابُ الكفِّ، والخاتَمُ، فهذا تُظْهِرُه في بيتِها لمن دخَلَ عليها»، ثم قال صريحاً: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾، والزينةُ التي تُبْدِيها لهؤلاءِ الناسِ: قُرْطَاها، وقِلَادَتُها، وسوارَاها، فأمَّا

стр. 97

خَلْخَالُها، ومِعْضَدَتُها، ونحرُها، وشعرُها، فلا تُبْدِيه إلا لزَوْجِها»؛ أخرَجَه البيهقيُّ عن عليٍّ، عنِ ابنِ عباسٍ، وهو صحيحٌ (١). وصحَّ عنِ ابنِ عباسٍ أيضاً لَمَّا ذكَرَ المَحارِمَ: «الزِّينةُ التي تُبْدِيها لهؤلاءِ: قُرْطَاها وقِلَادَتُها، وسِوَارَاها، وأما خَلْخَالَاها ومِعْضَدَاها ونَحْرُها وشعرُها، فإنَّها لا تُبْدِيه إلا لزَوْجِها»؛ أخرَجَه ابنُ جَرِيرٍ عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ (٢)، وعلى هذا اتَّسَقَ جميعُ تفسيرِ ابنِ عباسٍ وأقوالِه في كلِّ أبوابِ الفِقْه؛ كالحَجِّ، وآيَةِ الأحزابِ، وفي آيَةِ القواعِدِ -العجائِزِ-: فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ [النور: ٦٠] قال: «الجلابِيب» (٣)، وهي التي على الشابَّةِ، كما صَحَّ عنِ ابنِ عباسٍ قولُه: «أمَرَ اللهُ نساءَ المؤمِنِين إذا خَرَجْنَ مِن بيوتِهِنَّ في حاجةٍ أن يُغَطِّينَ وجوهَهن مِنْ فوقِ

стр. 98

رؤوسِهِنَّ بالجلابيبِ، وُيبْدِينَ عَيْناً واحدةً» (١)، وصحَّ عنه أيضاً قولُه: «تُدْلِي الجلبابَ على وجهِها» (٢). وجميعُ أصحابِ ابنِ عباسٍ ﵄ الذين رُوِيَ عنهم ما يشابِهُ قولَه، لم يكونُوا يَسْأَلُونَ عن غيرِ المَحارِمِ، والسؤالُ عنهم غيرُ واردٍ؛ لوضوحِه وجَلَائِه، وقد كانُوا على نوعٍ مِن العفافِ والسَّتْرِ شديدٍ، فيُطْلِقُونَ إطلاقاتٍ لا يَفهَمُها مَن تأثَّرَ بواقعِ السفورِ والتعرِّي، حتى أصبحَ مِن النساءِ مَن تلبَسُ عندَ الأجانبِ ما لا تلبَسُهُ نساءُ السلفِ عندَ أَبِيها وأَخِيها وابْنِها، ومَن جمَعَ أقوالَ أُولئِكَ السلَفِ المفسِّرِينَ للزِّينةِ مِن أبوابِ السترِ والعوراتِ، ظهَرَ له مرادُهم جليّاً: - فأمَّا سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، فصَحَّ عنه: أنَّ تخفيفَ اللهِ عن القواعِدِ -العجائزِ- هو وضعُ الجلابيبِ فقط، قال سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ: «لا تتَبَرَّجْنَ بوضعِ الجلبابِ؛ أَن يُرَى ما عليها مِن الزِّينةِ» (٣)، والجلابيبُ: هي ما يستُرُ الوجوهَ كما تقدَّمَ بيانُه، فإنْ كانَتْ هذه هي الرخصةَ عند سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ للعجوزِ، فهي ليست رخصةً للشابَّةِ، وقد أجمَعَ العلماءُ:

стр. 99

أنَّه لا يحِلُّ للعجوزِ إظهارُ شعرِها؛ حَكَى الإجماعَ: الجَصَّاصُ وابنُ حزمٍ (١). - وأمَّا عطاءُ بنُ أبي رَبَاحٍ، فقد صحَّ عنه تفضيلُه سترَ الشعرِ عن المحارِمِ، فقد قال في الرجُلِ يرى مِن النساءِ -مِمَّا يحرُمُ عليه نكاحُهُنَّ- رؤوسَهُنَّ: «يَستَتِرْنَ أحبُّ إليَّ، وإنْ رأى فلا بأسَ»؛ أخرجَه ابنُ أبي شيبةَ، عن عبدِ الملِكِ، عن عطاءٍ، وهو صحيحٌ (٢). ثمَّ إنَّه قد صَحَّ عن عطاءٍ ما صحَّ عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ في العجوزِ؛ أنَّها تضَعُ جلبابَها، والجلبابُ: ما على الوجهِ. - وأمَّا مجاهِدُ بنُ جَبْرٍ، فصحَّ عنه أنَّه لا يرى وضعَ الخمارِ عند المرأةِ الكافرةِ؛ فكيف يُحمَلُ قولُه في الزِّينةِ الظاهرةِ: «الخَاتَمُ والخضابُ والكُحْلُ» أنَّها للرجالِ الأجانبِ مشرِكِين ومسلِمِين؟! فقد روَى لَيْثٌ عن مجاهِدٍ قال: «لا تَضَعِ المسلمةُ خمارَها عندَ مُشرِكَةٍ،

стр. 100

ولا تَقْبَلْها (١)؛ لأنَّ اللهَ تعالى يقولُ: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾؛ فليس مِن نسائِهِنَّ»؛ رواه البيهقيُّ عنه (٢)، وروايةُ ليثٍ عن مجاهِدٍ كتابٌ ونُسْخةٌ؛ ذكَرَه ابنُ حِبَّانَ (٣). وقد صَحَّ عن مجاهِدٍ -كما صَحَّ عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، وعطاءٍ- في العجوزِ، وأنَّ اللهَ رخَّص لها بوضعِ جلبابِها (٤)، وهذه خَصِيصةُ العَجُوزِ عندَه عن الشابَّةِ. - وأما قولُ عامِرٍ الشَّعْبيِّ: «الكُحْلُ والثِّيَابُ»، وقولُ عكرمةَ مولَى ابنِ عباسٍ: «الوَجْهُ وثُغْرَةُ النَّحْرِ»، فقد صحَّ عنهما أنَّهما كانا يَنْهَيَانِ أن تضَعَ المرأةُ خمارَها عند عَمِّها وخالِها، خلافاً لجمهورِ العلماءِ؛ فكيفَ يُحمَلُ قولُه في: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾: أنَّ المرأةَ تُبْدِي وجهَها ونَحْرَهَا وكُحْلَها للأجانبِ الأبعَدِينَ، وهما

стр. 101

يُشَدِّدَانِ في المحارِمِ غيرِ المَذْكُورِينَ في الآيةِ؟! فقد رَوَى داودُ، عن الشعبيِّ وعكرمةَ، في قولِه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾، حتى فَرَغَ منها؛ قالا: «لم يَذْكُرِ العَمَّ والخالَ؛ لأنَّهما يَنْعَتانِ لأبنائِهما، وقالا: لا تَضَعْ خمارَها عندَ العَمِّ والخَالِ»؛ أخرَجَه ابنُ أبي شيبةَ وابنُ جَرِيرٍ وابنُ المُنْذِرِ (١). ويَعْضُدُ هذا ما رواه جابِرٌ عن عامِرٍ الشَّعْبيِّ؛ أنَّه كَرِهَ أن ينظُرَ إلى شعرِ كلِّ ذي مَحْرَمٍ؛ أخرَجَه ابنُ أبي شيبةَ (٢). ثمَّ إنَّه قد صحَّ عن الشعبيِّ ما صحَّ عنِ ابنِ جُبَيْرٍ وعطاءٍ ومجاهِدٍ في العجوزِ (٣). - وأمَّا الحسَنُ البَصْرِيُّ: فإنَّه لا يَرَى أن يَرَى الأخُ أُخْتَه بلا خمارٍ على رأسِها؛ فقد صحَّ عن هشامٍ، عن

стр. 102

الحسَنِ؛ في المرأةِ تضَعُ خمارَها عندَ أَخِيها؟ قال: «واللهِ ما لها ذَاكَ»؛ أخرَجَه ابنُ أبي شيبةَ، وهو صحيحٌ (١)؛ وهذا دليلٌ أنه يقصِدُ المحارِمَ، وما كانوا يَسْأَلُونَ ولا يَقْصِدُونَ غيرَهم لشِدَّةِ وَرَعِهم. وقد صحَّ عنِ الحسَنِ البصريِّ، مثلُ ما صحَّ عند ابنِ جبيرٍ وعطاءٍ ومجاهِدٍ والشعبيِّ في العجوزِ، وأنَّ اللهَ خَصَّها بوضعِ الجلبابِ (٢). - وأمَّا الضَّحَّاكُ، فيدلُّ على أنَّه يتكلَّمُ عن المحارِمِ: ما رواه مُزَاحِمٌ عنه أنَّه قال: «لو دخَلْتُ على أُمِّي، لقُلْتُ: غَطِّي رأسَكِ»؛ أخرَجَه ابنُ أبي شيبةَ (٣). - وأمَّا قتادةُ، فصَحَّ عنه ما صَحَّ عند ابنِ جُبَيْرٍ وعطاءٍ ومجاهدٍ والشعبيِّ والحسَنِ في العجوزِ (٤). وعلى هذا المعنى لم يخرُجْ واحدٌ مِن أصحابِ ابنِ عباسٍ وغيرِهم مِن التابِعِين؛ فقد صحَّ عن عكرمةَ

стр. 103

وأبي صالحٍ: «أنَّ الزِّينةَ الظاهرةَ: ما فوقَ الدِّرْعِ» (١)، والدِّرْعُ: ثوبُ البيتِ لا ثوبُ الخروجِ كما هو معروفٌ؛ لأنَّ الدِّرْعَ يظهَرُ معه الشعرُ والنَّحْرُ، وهو محرَّمُ الكشفِ للأجانبِ بالإجماعِ. وصح تفسيرُ الزينةِ الظاهرةِ أيضاً بالدِّرْعِ عن إبراهيمَ النخعيِّ (٢). وصحَّ عن طاوسٍ: ما كان أكرَهَ إليه مِن أن يَرَى عورةً مِن ذاتِ مَحْرمٍ، قال: وكان يَكْرَهُ أنْ تَسلَخَ خمارَها عندَه؛ رواه عبدُ الرَّزَّاقِ، عن مَعْمَرٍ، عنِ ابنِ طاوسٍ، عن أَبِيه، وهو صحيحٌ (٣). - وأمَّا عبدُ الله بنُ عُمَرَ، فإنَّه قد صحَّ عنه أنَّه جعَلَ ما استَثْناه اللهُ للعجوزِ أن تكشِفَه هو جِلْبَابَها (٤)، ويتَّفِقُ العلماءُ أنْ لا خَصِيصةَ للعجوزِ في ذلك، فبَقِيَ جلبابُ الوجوهِ على الشابَّةِ، ولا يليقُ بفقهِ الصحابةِ ولا بعقولِهم

стр. 104

وفهمِهم، أنْ تُضرَبَ أقوالُهم بعضُها ببعضٍ في البابِ البَيِّنِ الواضِحِ؛ كحجابِ المرأةِ ولباسِها. وعلى هذا الجمعِ بوَّب البيهقيُّ في «سننه» فقد ترجَمَ على تفسيرِ ابنِ عباسٍ ﵄ لقولِه تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١]، فقال: «باب: ما تُبْدِي المرأةُ مِن زينَتِها للمَذْكُورِين في الآيةِ مِن محارِمِها»، ثم أورَدَ قولَ ابنِ عباسٍ الذي فيه: «والزِّينةُ الظاهرةُ: الوجهُ وكُحْلُ العينِ وخِضَابُ الكَفِّ والخاتَمُ؛ فهذا تُظْهِرُه في بيتِها لمن دخَلَ عليها» (١). ونصَّ على هذا ابنُ عبدِ البرِّ؛ فجعَلَ كشفَ الزينةِ وإظهارَها للمحارمِ لا للأجانبِ، فقال: «إنَّ ذَوِي المحارِمِ مِن النَّسَبِ والرضاعِ لا يُحتجَبُ منهم ولا يُستتَرُ عنهم إلا العَوْراتُ، والمرأةُ فيما عدَا وجهَها وكَفَّيْها عورةٌ» (٢). ومَن نظَرَ إلى تفسيرِ بقيةِ الصحابةِ في ذلك، وجَدَ أنه يتطابَقُ مع هذا المعنى ويوافِقُه؛ كما صحَّ عن عبدِ الله بنِ مسعودٍ ﵁؛ أنَّ الزينةَ الظاهرةَ: الثيابُ (٣)، وعلى هذا

стр. 105

جميعُ أصحابِه وغيرُهم مِن العراقِيِّين؛ كأبي الأحوَصِ والنَّخَعِيِّ والحسَنِ وابنِ سِيرِينَ وغيرِهم (١)، وقال به مجاهدٌ (٢)، ومرادُه بالثيابِ: التي تكونُ تحتَ الجلبابِ مما على الثيابِ الداخليةِ مِن زخرفةٍ وزينةٍ، فالجلبابُ يستُرُ زينةَ الملابسِ التي تحتَه ممّا يُلبَسُ في البيوتِ عادةً، فللمحارمِ رؤيةُ ذلك؛ لأنَّ الزينةَ تكونُ بالثيابِ كما في قولِه تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]؛ يعني: زينةَ ثيابِكم؛ وبهذا فسَّرَ أبو إسحاقَ السَّبِيعِيُّ قولَ ابنِ مسعودٍ ﵁؛ فقد تَلَا هذه الآيةَ: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ لَمَّا روى تفسيرَ ابنِ مسعودٍ، عن أبي الأحوَصِ، عنه (٣).

стр. 106

الوجهُ الثاني: أنَّ فِقْهَ السلفِ في غيرِ التفسيرِ في بقيةِ أبوابِ السترِ والنظَرِ، دالٌ على هذا المعنى؛ فقد صحَّ عنِ ابنِ شهابٍ الزُّهْرِيِّ قولُه: «لا بأسَ أن ينظُرَ الرجلُ إلى قُصَّةِ المرأةِ مِن تحتِ الخمارِ، إذا كان ذا مَحْرَمٍ، فأمَّا أنْ تسلَخَ خمارَها عندَه، فلا» (١). وقال الزهريُّ أيضاً في المرأةِ تسلَخُ خمارَها عند ذي مَحْرَمٍ: «أمَّا أنْ يَرَى الشيءَ مِن دونِ الخمارِ، فلا بأسَ، وأمَّا أن تسلَخَ الخمارَ، فلا»؛ أخرجَه عبدُ الرَّزَّاقِ عن مَعْمَرٍ، عنه، وهو صحيحٌ (٢). ومَن جَمَعَ أقوالَ السلَفِ في جميعِ الأبوابِ، ونظَرَ فيها في سياقٍ واحدٍ، أدرَكَ حجمَ وَرَعِهم وتحفُّظِ نسائِهم، وأدركَ أنهم يَدُورون في دائرةٍ أُخرى مِن العِفَّةِ والاحتياطِ على غيرِ ما يحمِلُه كثيرٌ مِن الكُتَّابِ عنهم؛ فإنَّهم لا يريدونَ مِن معنى الزينةِ التي تتعلَّقُ بالوجهِ وما حولَه للأجانبِ الأبعَدِين، وهم لا يختَلِفُون في جوازِ كشفِ المرأةِ لوجهِها للأقرَبِين، ولا يخوضونَ في ذلك؛ وإنَّما يذكُرُون الوجهَ اختصاراً لإجازةِ زينَتِه تبغاً مِن الكُحْلِ والقُرْطِ، ويذكُرُون

стр. 107

اليَدَ اختصاراً ليدخُلَ فيها زينَتُها مِن الخاتَمِ والخضابِ والسِّوَارِ، ولا يَعْنُون الوجهَ بذاتِه، ولا اليدَ بذاتِها؛ ومَن نظَرَ في مجموعِ تفسيرِهم، أدرَكَ ذلك يقيناً. ومِن المهمِّ بيانُه: أنَّ تفسيرَ الصحابةِ للزِّينةِ الظاهرةِ مِن بابِ شِدَّةِ العفافِ وغايةِ الاحتشامِ، والسترِ الذي هم عليه؛ ولا يظهر أنَّهم يُحَرِّمون على المرأةِ أن تُبْدِيَ شعرَها ويديها عندَ محارمِها، فهذا الذي خففت به الشريعةُ، وهو الذي نعتقِدُ، ولكنَّ المرادَ مِن بيانِ أقوالِهم ووضعِها في مواضعِها وسياقاتِها التي أوْرَدُوها فيها: أنَّ المعاصِرِين لمَّا بعَّدَ الزمانُ والواقعُ بينهم وبين ذلك الجيلِ، وضَعُوا أقوالَهم في غيرِ موضعِها، ولم تتصَوَّرْها نفوسُهم إلا كذلك؛ فكانت أقوالُ السلفِ في بيانِ الحكم احتياطاً، ثم وُضِعَت في غير موضعِها تفريطاً. الوجهُ الثالثُ: أنَّ اللهَ رخَّصَ في الآيةِ الخامسةِ مِن آياتِ الحجابِ للقواعِدِ أنْ يضَعْنَ ثيابَهُنَّ فقال: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٠]. واتَّفق المفسِّرُون مِن الصحابةِ والتابعينَ أنَّ الثيابَ التي رخَّصَ اللهُ بوضعِها للعجوزِ هي الجلابيبُ؛ جاء بسنَدٍ

стр. 108

صحيحٍ ذلك عن ابنِ عباسٍ وابنِ مسعودٍ وابنِ عُمَرَ ﵃ والشَّعْبيِّ وابنِ جُبَيْرٍ والحسَنِ ومجاهِدٍ وعطاءٍ وعِكْرِمةَ وقتادةَ وغيرِهم (١)، وهؤلاءِ كُلُّهم لهم تفسيرٌ للزينةِ الظاهرةِ كما تقدَّمَ، واتَّفَقُوا هنا على أنَّ ما تختَصُّ به العجوزُ عن الشابَّةِ رفعُ الجلبابِ فقطْ، والجلابيبُ: هي ما تختَصُّ بسترِ الوجهِ مِن بَشَرَةِ الجِسْمِ، وتكونُ فوقَ بقيَّةِ الثيابِ ثوباً على ثوبٍ، فالجلبابُ فوقَ الخمارِ؛ ويدلُّ على أنَّ الجلابيبَ: ما كانتْ تستُرُ الوجوهَ للشابَّةِ: جملةٌ مِن تفسيرِ أفصَحِ الناسِ وأقرَبِهم إلى الوحيِ، وهمُ الصحابةُ والتابِعُون: منها: قولُ عائشةَ ﵂: «تَسْدُلُ المرأةُ جلبابَها مِن فوقِ رأسِها على وجهِها»؛ أخرَجَه سعيدُ بنُ منصورٍ بسنَدٍ صحيحٍ (٢)، وقولُها في «الصحيحَيْن»: «فخَمَّرْتُ وَجْهِي بجِلْبَابِي» (٣). ومنها: قولُ ابنِ عباسٍ ﵄: «تُدْلِي الجلبابَ إلى وجهِها»؛ أخرَجَه أبو داودَ في «المسائِلِ» بسندٍ صحيحٍ، وتقدَّمَ

стр. 109

بطُولِه (١)، وقولُه: «أمَرَ اللهُ نساءَ المؤمِنِين إذا خرَجْنَ مِن بيوتِهِن في حاجةٍ أنْ يُغَطِّينَ وجوهَهُنَّ مِن فوقِ رُؤُوسِهِنَّ بالجلابيبِ، ويُبْدِين عَيْناً واحدةً»؛ رواه ابنُ جريرٍ بسندٍ صحيحٍ (٢). ومنها: ما رواه عاصِمٌ الأحوَلُ، قال: كُنَّا ندخُلُ على حفصةَ بنتِ سيرينَ، وقد جعَلَتِ الجلبابَ هكذا، وتَنقَّبت به، فنقولُ لها: رحمَكِ اللهُ! قال اللهُ تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ [النور: ٦٠]، وهو الجِلبابُ، قال: فتقولُ لنا: أيُّ شيءٍ بعدَ ذلك؟ فنقولُ: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ [النور: ٦٠]؛ فتقولُ: هو إثباتُ الجلبابِ (٣). وإذا اتَّفق الصحابةُ على أنَّ رخصةَ النساءِ العجائزِ وضعُ الجلابيبِ، وكشفُ الوجهِ مِن غيرِ زِينةٍ، فماذا يُحِلُّون للمرأةِ الشابَّةِ أمامَ الأجانِبِ؟! وقد حكَى الإجماعَ غيرُ واحدٍ مِن العلماءِ على أنَّه لا يجوزُ للعجوزِ أنْ تكشِفَ شَعْرَها للأجانِبِ مهما بلَغَ

стр. 110

سِنُّها، حكى الإجماعَ الجَصَّاصُ وابنُ حزمٍ وغيرُهما (١)، فشعرُ العجوزِ عورةٌ للأجانِبِ، كشعرِ الشابَّةِ؛ بلا خلافٍ. وإذا كان تفسيرُ ابنِ عُمَرَ وابنِ عباسٍ وابنِ جُبَيْرٍ وعكرمةَ والحسَنِ والشَّعْبيِّ والضَّحَّاكِ ومجاهِدٍ وقتادةَ لآيَةِ: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾: أنَّها الوجهُ والكَفَّانِ، ويرادُ بها: الأجانبُ، فما الفائدةُ مِن نزولِ آيةِ القواعدِ، والترخيصِ لها بوضعِ الجلبابِ؟! الوجهُ الرابعُ: أنَّ اللهَ نَهَى عن إظهارِ الزينةِ بقولِه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾، ثم استَثْنَى؛ فقال: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾، ثم أرادَ أن يبيِّنَ المعنِيِّينَ بإظهارِ الزينةِ لهم، مُفصِّلاً لمراتِبِهم بحسبِ قُرْبِهم؛ فقال: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ [لنور: ٣١]، وقد يَسْتشكِلُ البعضُ ذِكْرَ الزوجِ مع أنَّه لا يُستثنى دونَه شيءٌ، وإنما ذُكِرَ مع غيرِه مِنَ المحارِمِ مِن بابِ حصرِ المعنِيِّينَ حتى لا يُظَنَّ أنَّ الخطابَ للأَبْعَدِينَ، وليس المرادُ أنَّ الزينةَ له كالزِّينةِ لغيرِه؛ ولذا بدأَ به للخَصُوصِيَّةِ،
следующие страницы →