قائمًا، وبنبيه ﷺ في خفض الجناح والرأفة متشبها، وأسأل الله تعالى أن يسكن على أمير المؤمنين دهماء هذه الأمة، ويرزقه رحمتها، فإن سايحة المشركين غلبت عام أول، وموطئهم حريم المسلمين، واستنزالهم العواتق والذراري من المعاقل والحصون، وكان ذلك بذنوب العباد، وما عفا الله عنه أكثر، فبذنوب العباد استنزلت العواتق والذراري من المعاقل والحصون، لا يلقون لهم ناصرًا، ولا عنهم مدافعًا، كاشفات عن رؤوسهن وأقدامهن، وكان ذلك بمرأى ومسمع، وحيث ينظر الله إلى خلقه، وإعراضهم عنه، فليتق الله أمير المؤمنين وليتبع بالمفاداة بهم من الله سبيلاً، وليخرج من محجة الله تعالى، فإن الله تعالى قال لنبيه: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾ (١) [النساء: ٧٥].
والله يا أمير المؤمنين ما لهم يومئذ فيء موقوف، ولا ذمة تؤدي خراجًا إلا خاصة أموالهم، وقد بلغني عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إني لأسمع بكاء الصبي خلفي في الصلاة فأتجوز فيها مخافة أن تفتتن أمه) فكيف بتخليتهم يا أمير المؤمنين في أيدي عدوهم يمتهنونهم، ويتكشفون منهم ما لا نستحله نحن إلا بنكاح؟ وأنت راعي الله، والله تعالى فوقك ومستوف منك، يوم توضع ﴿الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، فلما وصل إليه كتابه أمر بالفداء. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٢٨٤].
• وعن محمد بن بشار اليشكري أنه قال: لما قدم أبو عون مصر وقتل بها من قتل واستولى على البلد أرسل على حيوة بن شريح ﵀: ائتني، قال: فجاء فدخل عليه فقال: إنَّا معشر الملوك لا نُعصى، فمن عصانا قتلناه، قد وليتك القضاء، قال: أو آمر أهلي، قال: اذهب، قال: فجاء إلى أهله، فغسل
стр. 107
رأسه ولحيته ونال شيئًا من الطيب، ولبس أنظف ما قدر عليه من الثياب قال: ثم جاء فدخل عليه فقال: من جعل السحرة أولى بما قالوا منا، اقض ما أنت قاض لست أتولى لك شيئًا. قال: فأذن له فرجع. [المنتظم ٨/ ١٦٩].
• وعن سفيان الثوري ﵀ قال: أُدخلت على المهدي بمنى، فسلَّمْت عليه بالإِمرة، فقال: أيُّها الرجل! طلبناك، فأعجزْتَنا، فالحمدُ لله الذي جاء بك، فارفع إلينا حاجتَك. فقلت: قد ملأتَ الأرض ظُلمًا وجورًا، فاتَّقِ الله، وليكن منك في ذلك عِبرة. فطأطأ رأسه. ثم قال: أرأيتَ إن لم أستطع دفعه؟ قلتُ: تُخلِّيه وغيرك. فطأطأ رأسه، ثم قال: ارفع إلينا حاجتَك. قلت: أبناءُ المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بإحسان بالبَاب، فاتق الله، وأوصِل إليهم حقوقهم. فطأطأ رأسه، فقال: أبو عُبَيْد الله أيُّها الرَّجل! ارفع إلينا حاجتَك. قلت: وما أرفع: حدثني إسماعيل بن أبي خالد، قال: حج عُمر، فقال لخازنه: كم أنفقت؟ قال: بضعةَ عشرَ درهمًا. وإني أرى ها هنا أمورًا لا تُطيقها الجِبَال. [السير (تهذيبه) ٢/ ٦٩٨].
• وعن الفريابي قال: سمعت سفيان الثوري ﵀ يقول: أدخلت على أبي جعفر بمنى فقلت له: اتق الله فإنما أنزلت هذه المنزلة وصرت في هذا الموضع بسيوف المهاجرين والأنصار، وأبناؤهم يموتون جوعًا. حج عمر بن الخطاب فما أنفق إلا خمسة عشر دينارًا، وكان ينزل تحت الشجر. فقال لي: أتريد أن أكون مثلك؟ قلت: لا تكون مثلي، ولكن كن دون ما أنت فيه، وفوق ما أنا فيه. فقال لي: اخرج. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٣١٩].
• وعن عيسى بن يونس قال: ما رأينا في زماننا مثل الأعمش ﵀، ولا الطبقة الذين كانوا قبلنا، ما رأينا الأغنياء والسلاطين في مجلس قط أحقر منهم في مجلس الأعمش وهو محتاج إلى درهم!! [الحلية (تهذيبه) ٢/ ١٣٨].
• وعن عيسى بن يونس قال: بعث عيسى بن موسى بألف درهم إلى الأعمش ﵀ وصحيفة ليكتب له فيها حديثًا، فأخذ الأعمش الألف درهم وكتب في الصحيفة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ حتى ختمها، وطوى الصحيفة وبعث بها إليه، فلما نظر فيها بعث إليه يا ابن الفاعلة
стр. 108
ظننت أني لا أحسن كتاب الله؟ فكتب إليه الأعمش: أفظننت أني أبيع الحديث؟ ولم يكتب له وحبس المال لنفسه. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ١٣٨].
• وعن أحمد بن أبي الحواري، حدثني بعض أصحابنا. قال: جاء عبد الله بن أبي العباس الطرسوسي - وكان واليًا بمرو - إلى منزل عبد الله بن المبارك ﵀ بالليل، ومعه كاتبه والدواة والقرطاس معه، قال: فسأله عن حديث، فأبى أن يحدثه، ثم سأله عن حديث، فأبى أن يحدثه - ثلاث مرار - فقال لكاتبه: اطو قرطاسك، ما أرى أبا عبد الرحمن يرانا أهلاً أن يحدثنا، فلما قام يركب مشى معه ابن المبارك إلى باب الدار فقال له: يا أبا عبد الرحمن لم لم ترنا أهلاً أن تحدثنا، وتمشي معنا؟ فقال: إني أحببت أن أذل لك بدني ولا أذل لك حديث رسول الله ﷺ .
قال أحمد: فحدثت به محمد بن أبي شيبة ابن أخت ابن المبارك فقال: ما حفظ الذي حدثك، لم يمش معه، إنما قام ذلك ليركب وقام خالي إلى قاعة الدار يبول. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ٣٩].
• وقيل للإمام مالك ﵀: إنك تدخلُ على السلطان، وهم يظلمون، ويجورون، فقال: يرحمك الله، فأين المكلِّم بالحق. [السير (تهذيبه) ٢/ ٧٣٦].
• وعن علي بن الجعد أنه قال: لما أحضر المأمون أصحاب الجوهر، فناظرهم على متاع كان معهم، ثم نهض المأمون لبعض حاجته، ثم خرج فقام له كل مَنْ كان في المجلس إلا ابن الجعد ﵀، فإنه لم يقم، فنظر إليه المأمون كهيئة المغضب، ثم استخلاه، فقال له: يا شيخ، ما منعك أن تقوم لي كما قام أصحابك؟ قال: أجللت أمير المؤمنين للحديث الذي نأثره عن النبي ﷺ ، قال: وما هو؟ قال علي بن الجعد: سمعت المبارك بن فضالة يقول: سمعت الحسن يقول: قال النبي ﷺ : "مَنْ أحب أن يتمثل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار".
قال: فأطرق المأمون مفكرًا في الحديث، ثم رفع رأسه، فقال: لا يُشترى إلا من هذا الشيخ. قال: فاشترى منه ذلك اليوم بقيمة ثلاثين ألف دينار. [المنتظم ١١/ ١٦٠، ١٦١].
стр. 109
• وعن أبي عثمان الرازي قال: جاء رجل من أصحاب المعتضد إلى إبراهيم الحربي ﵀ بعشرة آلاف درهم من عند المعتضد، يسأله عن أمر أمير المؤمنين تفرقة ذلك، فرده فانصرف الرسول، ثم عاد فقال له: إن أمير المؤمنين يسألك أن تفرقه في جيرانك: فقال: عافاك الله، هذا مال لم نشغل أنفسنا بجمعه، فلا نشغلها بتفرقته، قل لأمير المؤمنين: إن تركتنا وإلا تحولنا من جوارك. [المنتظم ١٢/ ٣٨٣].
• وعن نمير المدني أنه قال: قدم علينا أمير المؤمنين المنصور المدينة، ومحمد بن عمران الطلحي ﵀ على قضائه وأنا كاتبه، فاستعدى الحمالون على أمير المؤمنين في شيء ذكروه، فأمرني أن أكتب إليه كتابًا بالحضور معهم وإنصافهم، فقلت: اعفني من هذا فإنه يعرف خطي، فقال: اكتب، فكتبت ثم ختمه، وقال: لا يمضي به والله غيرك، فمضيت به إلى الربيع وجعلت أعتذر إليه، فقال: لا تفعل، فدخل عليه بالكتاب ثم خرج الربيع فقال للناس وقد حضر وجوه أهل المدينة والأشراف وغيرهم: إن أمير المؤمنين يقرأ عليكم السلام ويقول لكم: إني قد دعيت إلى مجلس الحكم فلا أعلمن أحدًا قام إليّ إذا خرجت أو بدأني بالسلام.
قال: ثم خرج المسيب بين يديه والربيع وأنا خلفه في إزار ورداء، فسلم على الناس، فما قام إليه أحد، ثم مضى حتى بدأ بالقبر فسلم على الرسول ﷺ ، ثم التفت إلى الربيع، فقال: يا ربيع، ويحك أخشى إن رآني محمد بن عمران أن يدخل قلبه هيبة فيتحول عن مجلسه، وتا الله لئن فعل لا وَلِي لي ولاية أبدًا.
قال: فلما رآه - وكان متكئًا - أطلق رداءه على عاتقه ثم احتبى به ودعى بالخصوم وبالحمالين، ثم دعا بأمير المؤمنين ثم ادعوا وحكم عليه لهم، فلما دخل الدار قال للربيع: إذهب فإذا قام وخرج من عنده من الخصوم فادعه، فقال: يا أمير المؤمنين، ما دعا بك حتى تفرغ من أمر الناس جميعًا، فدعاه، فلما دخل عليه سلم، فقال: جزاك الله عن دينك وعن بنيك وعن حسبك وعن خليفتك أحسن الجزاء، قال: قد أمرت لك بعشرة آلاف دينار فاقبضها، فكانت عامة أموال محمد بن عمران الطلحي من تلك الصلة. [المنتظم ٨/ ١٨١، ١٨٢].
стр. 110
• وقال ابن أبي ذئب ﵀ للمنصور ذات يوم: يا أمير المؤمنين، قد هلك الناس، فلو أعنتهم بما في يديك من الفيء؟ قال: ويلك لولا ما سددت من الثغور وبعثت من الجيوش لكنت تؤتى في منزلك وتذبح. فقال ابن أبي ذئب: فقد سدَّ الثغور وَجيَّش الجيوش، وفتح الفتوح، وأعطى الناس أعطياتهم مَنْ هو خير منك. قال: ومن هو ويلك؟ قال: عمر بن الخطاب: فنكس المنصور رأسه، والسيف بيد المسيب والعمود بيد مالك بن الهيثم ولم يعرض له والتفت إلى محمد بن إبراهيم الإمام، قال: هذا الشيخ خير أهل الحجاز. [المنتظم ٨/ ٢٣٢، ٢٣٣].
• وعن محمد بن خلاد قال: لما حجَّ المهدي دخل مسجد رسول الله ﷺ فلم يبق أحد إلا قام، إلا ابن أبي ذئب ﵀ فقال له المسيب بن زهير: مَنْ هذا أمير المؤمنين؟ فقال ابن أبي ذئب: إنما يقوم الناس لرب العالمين، فقال المهدي: لقد قامت كل شعرة في رأسي. [المنتظم ٨/ ٢٣٤].
• وعن مبارك بن فضالة ﵀ قال: إني يومًا لعند أبي جعفر إذ أتي برجل فأمر بقتله، فقلت في نفسي: يقتل رجل من المسلمين وأنا حاضر، فقلت: يا أمير المؤمنين، ألا أحدّثك حديثًا سمعته من الحسن قال: وما هو؟ قلت: سمعته يقول: قال رسول الله ﷺ : إذا كان يوم القيامة جمع الله الناس في صعيد حيث يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر فيقوم منادٍ من عند الله تعالى فيقول: ليقومنَّ مَنْ له على الله يد فلا يقوم إلا من عفا.
فأقبل عليّ فقال: آلله سمعته من الحسن؟ فقلت: آلله سمعته من الحسن، فقال: خليا عنه. [المنتظم ٨/ ٢٧٦].
• وقال ابن كثير ﵀: ومن مناقبه - أي فرج بن فضالة التنوخي ﵀ أنَّ المنصور دخل يومًا إلى قصر الذهب، فقام الناس إلا فرج بن فضالة، فقال له وقد غضب عليه: لِمَ لَم تقم، قال: خفت أن يسألني الله عن ذلك، ويسألك لِمَ رضيت بذلك، وقد كره رسول الله ﷺ القيام للناس، قال: فبكى المنصور، وقربه، وقضى حوائجه. [البداية والنهاية].
• وعن المدائني قال: نظر مالك بن دينار ﵀ إلى رجل قد اشترى
стр. 111
سمكة بستة دراهم، وثيابه تساوي ثلاثة دراهم، فقال: ياهذا، اشتريت سمكة بستة دراهم وثيابك لعلها تساوي ثلاثة دراهم، فقال له: يا أبا يحيى لست أريدها لنفسي إنما اشتريتها للأمير الظالم الذي يطالبنا بما لا نطيق - وذكر له بلال بن أبي بردة - قال: فامض معي إليه، فمضى فاستأذن فأذن له، فقال له: يا ذا الرجل، أزل عن الناس ما تعتمده من الظلم، ولا تعرض لهذا البائس، قال: قد أزلت عنه المظلمة لمكانك يا أبا يحيى، ادع الله لي دعوة، قال: وما ينفعك أن أدعو لك وعلى بابك مائتان يدعون عليك. [المنتظم ٧/ ١٨٧].
• وعن الفضيل بن الربيع أنه قال: حج أمير المؤمنين هارون الرشيد، فأتاني فخرجت مسرعًا، فقلت: يا أمير المؤمنين لو أرسلت إليَّ أتيتك. فقال: ويحك! قد حك في نفسي شيء، فانظر لي رجلاً أسأله. فقلت: هنا سفيان بن عيينة. فقال: امض بنا إليه. فأتيناه فقرعت الباب، فقال: من ذا؟ قلت: أجب أمير المؤمنين. فخرج مسرعًا، فقال: يا أمير المؤمنين، لو أرسلت إليَّ أتيتك، فقال له: خذ لما جئناك له رحمك الله. فحدثه ساعة، ثم قال له: عليك دين؟ قال: نعم. قال: أبا العباس، اقض دينه.
فلما خرجنا قال: ما أغنى عني صاحبك شيئا، انظر لي رجلاً أسأله. قلت: هنا عبد الرزاق بن همام. قال: امض بنا إليه. فأتيناه، فقرعت الباب فقال: مَنْ هذا؟ قلت: أجب أمير المؤمنين. فخرج مسرعًا فقال: يا أمير المؤمنين، لو أسلت إليَّ أتيتك. قال: خذ لما جئناك له. فحادثه ساعة، ثم قال: هل عليك دين؟ قال: نعم. قال: أبا عباس، اقض دينه.
فلما خرجنا قال: ما أغنى عني صاحبك شيئًا، انظر لي رجلاً أسأله. قلت: هنا الفضيل بن عياض ﵀ قال: مرَّ بنا إليه. فأتيناه، فإذا هو قائم يصلي، يتلو آية من القرآن، يرددها، فقال: اقرع الباب. فقرعت الباب. فقال: مَنْ هذا؟ فقلت: أجب أمير المؤمنين. فقال: ما لي ولأمير المؤمنين. فقلت: سبحان الله، أماعليك طاعة، أليس قد رُوي عن النبي ﷺ أنه قال: (ليس للمؤمن أن يذل نفسه)؟ فنزل ففتح الباب ثم ارتقى إلى الغرفة، فأطفأ المصباح، ثم التجأ إلى زاوية من زوايا البيت، فدخلنا فجعلنا نجول عليه
стр. 112
بأيدينا، فسبقت كف هارون قبلي إليه، فقال: يا لها من كف، ما ألينها، إن نجت غدًا من عذاب الله تعالى. فقلت في نفسي: ليكلمنه الليلة بكلام من قلب نقي. فقال له: خذ لما جئناك له رحمك الله.
قال: إن عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة دعا سالم بن عبد الله، ومحمد بن كعب القرظي، ورجاء بن حيوة. فقال لهم: إني قد ابتليت بهذا الأمر فأشيروا عليَّ.
فقال سالم بن عبد الله: إن أردت النجاة غدًا من عذاب الله فصُم عن الدنيا، وليكن إفطارك فيها الموت.
وقال محمد بن كعب: إن أردت النجاة من عذاب الله فليكن كبير المسلمين عندك أبًا، وأوسطهم أخًا، وأصغرهم عندك ولدًا، فوقّر أباك، وأكرم أخاك، وتحنن على ولدك.
وقال له رجاء بن حيوة: إن أردت النجاة غدًا من عذاب الله فأحب للمسلمين ما تحب لنفسك، واكره لهم ما تكره لنفسك، ثم مُتْ إذا شئت، وإني أقول لك إني أخاف عليك أشد الخوف، يومًا تزل فيه الأقدام، فهل معك - رحمك الله - مَنْ يشير عليك بمثل هذا؟
فبكى بكاءً شديدًا حتى غشي عليه، فقلت: أرفق بأمير المؤمنين فقال: يا بن أم الربيع، تقتله أنت وأصحابك وأرفق أنا به؟ ثم أفاق فقال له: زدني رحمك الله. فقال: يا أمير المؤمنين، بلغني أن عاملاً لعمر بن عبد العزيز شكى إليه، فكتب إليه عمر:
يا أخي، أذكرك الله طول سهر أهل النار في النار مع خلود الأبد، وإياك أن ينصرف بك من عند الله فيكون آخر العهد منك وانقطاع الرجاء.
فلما قرأ الكتاب طوى البلاد حتى قدم على عمر بن عبد العزيز فقال: ما أقدمك؟
قال: خلعت قلبي بكتابك، لا أعود إلى ولاية حتى ألقى الله قال: فبكى هارون بكاءً شديدًا، ثم قال: زدني رحمك الله.
стр. 113
فقال: يا أمير المؤمنين، إن العباس عم المصطف ﷺ جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أمِّرْني على إمارة، فقال له النبي ﷺ : (إن الإمارة حسرة وندامة يوم القيامة، فإن استطعت أن لا تكون أميرًا فافعل).
قال: فبكى هارون بكاءً شديدًا، وقال له: زدني رحمك الله.
قال: يا حسن الوجه أنت الذي يسألك الله عن هذا الخلق يوم القيامة، فإن استطعت أن تقي هذا الوجه من النار فإياك أن تصبح وتمسي وفي قلبك غش لأحد من رعيتك، فإن النبي ﷺ قال: (من أصبح غاشًا لرعيته لم يرح رائحة الجنة).
فبكى هارون وقال له: عليك دين؟ قال: نعم، دين لربي لم يحاسبني عليه، فالويل لي إن سألني، والويل لي إن ناقشني، والويل لي إن لم ألهم حجتي. قال: أعني من دين العباد. قال: إن ربي لم يأمرني بهذا، أمرني أن أوحده وأطيع أمره، فقال : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].
فقال له: هذه ألف دينار خذها أنفقها على عيالك، وتقوّ بها على عبادتك. فقال: سبحان الله، أنا أدلك على طريق النجاة وأنت تكافئني بمثل هذا؟ سلَّمك الله ووفقك. ثم صمت، فلم يكلمنا، فخرجنا من عنده، فلما صرنا على الباب قال: أبا العباس، إذا دللتني على رجل فدلني على مثل هذا، هذا سيد المسلمين.
فدخلت عليه امرأة من نسائه فقالت له: يا هذا، قد ترى ما نحن فيه من ضيق الحال، فلو قبلت هذا المال فانفرجنا به. فقال لها: مثلي ومثلكم كمثل قوم كان لهم بعير يأكلون من كسبه، فلما كثر (١) نحروه فأكلوا لحمه.
فلما سمع هارون هذا الكلام قال: ندخل فعسى أن يقبل المال، فلما علم الفضيل خرج فجلس على السطح على باب الغرفة، فجلس هارون إلى
стр. 114
جنبه، فجعل يكلمه فلا يجيبه، فبينا نحن كذلك إذ خرجت جارية سوداء فقالت: يا هذا، قد أذيت الشيخ منذ الليلة، فانصرف رحمك الله. فانصرفنا. [المنتظم ٩/ ١٤٩ - ١٥٢].
• وعن سعيد بن سليمان أنه قال: كنت بمكة في رواق الشطوى وإلى جنبي عبد الله بن عبد العزيز العمري ﵀، وقد حجّ هارون الرشيد، فقال لي إنسان: يا أبا عبد الرحمن، هو ذا أمير المؤمنين يسعى، قد أخلي له المسعى. قال العمري للرجل: لا جزاك الله عني خيرًا، كلفتني أمرًا كنت عنه غنيًا. ثم تعلق نعليه وقام، فتبعته، فأقبل هارون الرشيد من المروة يريد الصفا فصاح به: يا هارون قال: فلما نظر إليه، قال: لبيك يا عم. قال: ارق الصفا. فلما رقيه قال: ارم بطرفك إلى البيت، قال: قد فعلت. قال: كم هم؟ قال: ومن يحصيهم؟ قال: فكم في الناس مثلهم؟ قال: خلق لا يحصيهم إلا الله، قال: اعلم أيها الرجل أن كل واحد منهم يسأل عن حاجته نفسه، وأنت تسأل وحدك عنهم كلهم، فانظر كيف تكون. قال: فبكى هارون، وجلس وجعلوا يعطونه منديلاً منديلاً للدموع.
قال العمري: وأخرى أقولها لك، قال: قل يا عم. قال: والله إن الرجل ليسرع في ماله فيستحق الحجر عليه، فكيف بمن أسرع في مال المسلمين؟ ثم مضى وهارون يبكي. [المنتظم ٩/ ٩٩].
• وعن أبي الثناء شكر العضدي قال: دخل عضد الدولة إلى بغداد، وقد هلك أهلها قتلاً وحرقًا وجوعًا للفتن التي اتصلت فيها بين الشيعة والسنة، فقال: آفة هؤلاء القصاص يغرون بعضهم ببعض ويحرضونهم على سفك دمائهم، وأخذ أموالهم، فنادى في البلد لا يقص أحد في جامع ولا طريق، ولا يتوسل متوسل بأحد من أصحاب رسول الله ﷺ ومن أحب التوسل قرأ القرآن، فمن خالف فقد أباح دمه. فرفع إليه في الخبر أن أبا الحسين بن سمعون ﵀ الواعظ جلس على كرسيه يوم الجمعة في جامع المنصور، وتكلم على الناس، فأمرني أن أنفذ إليه من يحصله عندي، ففعلت فدخل علي رجل له هيبة، وعلى وجهه نور، فلم أملك أن قمت إليه، وأجلسته إلى جانبي، فلم
стр. 115
ينكر ذلك وجلس غير مكترث، وأشفقت والله أن يجري عليه مكروه على يدي، فقلت: أيها الشيخ، إن هذا الملك جلد عظيم، وما كنت أوثر مخالفة أمره، وتجاوز رسمه، والآن فأنا موصلك إليه، فكما تقع عينك عليه، فقبل التراب وتلطف في الجواب إذا سألك، واستعن الله عليه فعساه يخلصك منه. فقال: الخلق والأمر لله فمضيت به إلى حجرة في آخر الدار قد جلس فيها الملك منفردًا خيفة أن يجري من أبي الحسين بادرة بكلام فيه غلظ، فتسير به الركبان، فلما دنوت من الحجرة وقفته وقلت له: إياك أن تبرح من مكانك حتى أعود إليك، وإذا سلمت فليكن بخشوع وخضوع.
ودخلت لأستأذن له، فالتَلفَتُّ فإذا هو واقف إلى جانبي، قد حوَّل وجهه نحو دار بختيار (١)، واستفتح وقرأ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٨]. ثم حول وجهه نحو الملك، وقال: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ١٤] وأخذ في وعظه فأتى بالعجب فدمعت عين الملك، وما رأيت ذلك منه قط، وترك كمه على وجهه، وتراجع أبو الحسين، فخرج ومضى إلى حجرتي فقال الملك: امض إلى بيت المال، وخذ ثلاثة آلاف درهم، وإلى خزانة الكسوة وخذ منها عشرة أثواب، وادفع الجميع إليه، فإن امتنع فقل له: فرقها في فقراء أصحابك، فإن قبلها فجئني برأسه، فاشتد جزعي وخشيت أن يكون هلاكه على يدي، ففعلت وجئته بما أمر، وقلت له: مولانا يقرئك السلام، وقال لك: استعن بهذه الدراهم في نفقتك، والبس هذه الثياب، فقال لي: إن هذه الثياب التي عليَّ مما قطعه لي أبي منذ أربعين سنة، ألبسها يوم خروجي إلى الناس، وأطويها عند انصرافي عنهم وفيها متعة وبقية ما بقيت، ونفقتي من أجرة دار خلفها أبي، فما أصنع بهذا؟ قلت: هو يأمرك بأن تصرفه في فقراء أصحابك. فقال: ما في أصحابي
стр. 116
فقير، وأصحابه إلى هذا أفقر من أصحابي، فليفرقه عليهم. فعدت فأخبرته، فقال: الحمد لله الذي سلمه منا، وسلمنا منه. [المنتظم ١٤/ ٢٥٤، ٢٥٥].
• وقال ابن الجوزي ﵀: كتب أبو الوفاء بن عقيل ﵀ إلى الوزير ابن جهير إحراق العوام بالشريعة في بناء السور (١)، كان فيه مما نقلته من خطه: لولا اعتقادي صحة البعث، وأن لنا دارًا أخرى لعلي أكون فيها على حال أحمدها لما بغضت نفسي إلى مالك عصري وعلى الله أعتمد في جميع ما أورده بعد أن أشهده أني محب متعصب، لكن إذا تقابل دين محمد ودين بني جهير فوالله ما أزن هذه بهذه، ولولا ذلك لكنت كافرًا (٢)،
فأقول: إن كان هذا الخرق الذي جرى بالشريعة عن عمد لمناصبة واضعها فما بالنا نعتقد الختمات ورواية الأحاديث، وإذا نزلت بنا الحوادث تقدمنا مجموع الختمات والدعاء عقيبها ثم بعد ذلك طبول وسواني ومخانيث وخيال وكشف عورات الرجال مع حضور النساء إسقاطًا لحكم الله، وما عندي يا شرف الدين أن فيك أن تقوم لسخطة من سخطات الله، ترى بأي وجه تلقى محمدًا ﷺ ، بل لو رأيته في المنام مقطبًا كان ذلك يزعجك في يقظتك، وأيُّ رمةٍ تبقى لوجوهنا وأيدينا وألسنتنا عند الله إذا وضعنا الجباه ساجدة، ثم كيف نطالب الأجناد تقبيل عتبة ولثم ترابها، ونقيم الحد في دهليز الحريم صباحًا ومساءً على قدح نبيذ مختلف فيه، ثم تمرح العوام في المنكر المجمع على تحريمه، هذا مضاف إلى الزنا الظاهر بباب بدر، ولبس الحرير على جميع المتعلقين والأصحاب، يا شرف الدين اتق سخط الله فإن سخطه لا تقاومه سماء ولا أرض فإن فسدت حالي بما قلت، فلعل الله يلطف بي ويكفيني هوائج الطباع، ثم لا تلمنا على ملازمة البيوت والاختفاء عن العوام، لأنهم إن سألونا لم نقل إلا ما يقتضي الإعظام لهذه القبائح، والإنكار لها والنياحة على الشريعة، أترى لو جاءت معتبة من الله سبحانه في منام، أو على لسان نبي لو كان قد بقي للوحي
стр. 117
نزول، أو أُلقي إلى روع مسلم بإلهام، هل كانت إلا إليك، فاتق الله تقوى من علم مقدار سخطه، فقد قال: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف: ٥٥] وقد ملأتكم في عيونكم مدائح الشعراء، ومداجاة المتمولين بدولتكم، الأغنياء الأغبياء الذين خسروا الله فيكم فحسنوا لكم طرائقكم، والعاقل مَنْ عرف نفسه، ولم يغيره مدح مَنْ لا يخبرها. [المنتظم ١٧/ ١٦، ١٧].
• وقال ابن كثير ﵀: كان أبو عبد الله البالسي يومَ قازان في جملة من كان مع الشيخ تقي الدين ابن تيمية ﵀ لمَّا تكلم مع قازان، فحكى عن كلام شيخ الإسلام تقي الدين لقازان، وشجاعته، وجرأته عليه، وأنه قال لترجمانه: قل لقازان: أنت تزعم أنك مسلم، ومعك مؤذنون، وقاضي، وإمام، وشيخ على ما بلغنا، فغزوتنا، ودخلت بلادنا على ماذا؟ وأبوك وجدك هولاكو كانا كافرين، وما غزوا بلاد الإسلام بل عاهدوا قومنا، وأنت عاهدت فغدرت، وقلت فما وفَّيت، قال: وجرت له مع قازان وقُطْلوشاه وبولاي أمورٌ ونُوَب، قام ابن تيمية فيها كلها لله، وقال الحق ولم يخش إلا الله قال: وقُرِّب إلى الجماعة طعام، فأكلوا منه إلا ابن تيمية، فقيل له: ألا تأكل؟ فقال: كيف آكل من طعامكم، وكلُّه مما نهبتم من أغنام الناس، وطبختموه بما قطعتم من أشجار الناس، قال: ثم إن قازان طلب منه الدعاء، فقال في دعائه: اللهم إن كان هذا عبدك محمود إنما يقاتل لتكون كلمتك هي العليا، وليكون الدين كله لك فانصره، وأيده وملِّكه البلاد والعباد، وإن كان إنما قام رياء، وسمعة، وطلبًا للدنيا، ولتكون كلمته هي العليا، وليذل الإسلام، وأهله فاخذْله، وزلزله، ودمِّره، واقطع دابره، قال: وقازان يؤمِّن على دعائه، ويرفع يديه، قال: فجعلنا نجمع ثيابنا خوفًا من أن تتلوث بدمه إذا أمر بقتله، قال: فلمَّا خرجنا من عنده قال له قاضي القضاة نجم الدين ابن صصرى وغيره: كدت أن تهلكنا وتهلك نفسك، والله لا نصحبك.
فقال: وأنا والله لا أصحبكم، قال: فانطلقنا عصبة وتأخَّر هو في خاصة نفسه، ومعه جماعة من أصحابه فتسامعت به الخواتين والأمراء من أصحاب قازان، فأتوه يتبركون بدعائه، وهو سائر إلى دمشق، وينظرون إليه، قال: والله ما وصل إلى دمشق إلا في نحو ثلاثمائة
стр. 118
فارس في ركابه، وكنت أنا من جملة من كان معه، وأما أولئك الذين أبَو أن يصحبوه، فخرج عليهم جماعة من التتر فشلحوهم عن آخرهم. هذا الكلام أو نحوه. وقد سمعت هذا الحكاية من جماعة غيره. [البداية والنهاية ١٤/ ١٦٦].
• وقال أبو الفرج بنُ الجوزي ﵀: أقام جوهر - القائد لأبي تميم صاحب مصرَ - أبا بكر النَّابُلسي ﵀، وكان ينزل الأكواخ فقال له: بلغنا أنك قلت: إذا كان مع الرجل عشرةُ أسهم، وجب أن يَرميَ في الرُّوم سَهمًا، وفينا تسعة، قال: ما قلتُ هذا، بل قلت: إذا كان معه عشرةُ أسهم، وجب أن يرميكم بتسعة وأن يرميَ العاشر فيكم أيضًا، فإنكم غيرتم الملَّة، وقَتَلْتُم الصَّالحين وادَّعيتُم نورَ الإلهية، فشهرهُ ثم ضربه، ثم أمر يهوديًا فَسَلَخَه وحُشِيَ تِبنًا، وصُلب.
قال معمر بنُ أحمد الصُّوفي: أخبرني الثقة، أن أبا بكر سُلخ من مفرق رأسه حتَّى بلغ الوجه، فكان يذكر الله ويصبر حتى بلغ الصدر فرحمه السلاَّخ، فوكزه بالسِّكين موضع قلبه فقضى عليه، وأخبرني الثقةُ أنه كان إمامًا في الحديث والفقه، صائمَ الدَّهرِ، كبيرَ الصولةِ عند العامَّة والخاصَّة، ولما سُلخ كان يُسمع من جسده قراءةُ القرآن.
قال الذهبي ﵀: لا يوصف ما قلبَ هؤلاء العُبَيْدِيَّةُ الدِّينَ ظهرًا لبطن واستَولَوا على المغرب، ثمَّ على مصرَ والشام، وسَبُّوا الصحابة.
حكى ابنُ السّعساع المصريّ، أنه رأى في النوم أبا بكر بن النابلسي بعدما صلب وهو في أحسن هيئة، فقال: ما فعل الله بك؟ فقال:
حباني مالِكي بدَوامِ عزِّ … وَوَاعَدَني بقُربِ الانتصارِ
وقرَّبَني وأدناني إليه … وقال: انعم بعيشٍ في جِواري
[السير (تهذيبه) ٣/ ١٢٧٦].
(د) توجيهات ونصائح السلف لمن أراد الدخول معهم:
• وعن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: إياكم ومواقف الفتن. قيل وما مواقف الفتن يا أبا عبد الله؟ قال: أبواب الأمراء، يدخل أحدكم على الأمير،
стр. 119
فيصدّقه بالكذب ويقول ما ليس فيه. [صفة الصفوة ١/ ٢٩٢].
• وقال مسلم بن عمرو ﵀: ينبغي لمن خدم السلطان ألا يغترَّ بهم إذا رَضُوا عنه ولا يتغيرَ لهم إذا سخطوا عليه ولا يستثقلَ ما حمَّلوه ولا يلحف في مسألتهم. [عيون الأخبار ١/ ٦٢].
(هـ) أقوال وآراء العلماء عنهم وعن الظالمين منهم:
• عن سعيد بن المسيِّب ﵀ قال: لا تملؤوا أعينَكم من أعوان الظَّلمة إلا بإنكار من قلوبكم، لكَيلا تحبَطَ أعمالُكم. [السير (تهذيبه) ١/ ٤٨٥].
• وعن ابن القاسم ﵀ قال: ليس في قرب الولاةِ ولا في الدُّنوِّ منهم خير. [السير (تهذيبه)].
• وعن محمد بن واسع ﵀ قال: لقضم القصب وسف التراب، خير من الدنو من السلطان. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٤١٤].
• وعن موسى بن إسماعيل قال: سمعت حماد بن سلمة ﵀ يقول لرجل: إن دعاك الأمير أن تقرأ عليه قل هو الله أحد فلا تأته. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٣٣٦].
• وعن آدم بن إياس قال: شهدت حماد بن سلمة ﵀ ودعوه - يعني السلطان - فقال: أحْمِل لحية حمراء لهؤلاء؟! لا والله لا فعلت. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٣٣٦].
• وقال سفيان الثوري ﵀: إذا لم يكن لله في العبد حاجة، نبذه إليهم - يعني السلطان. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٣٧١].
• وقال أيضًا ﵀: لو خيرت بين ذهاب بصري وبين أن أملأ بصري منهم لاخترت ذهاب بصري!! [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٣٧١].
• وقال أيضًا ﵀: النظر إلى وجه الظالم خطيئة، ولا تنظروا إلى الأئمة المضلين إلا بإنكار من قلوبكم عليهم، لئلا تحبط أعمالكم. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٣٨٨].
стр. 120
• وقال أيضًا ﵀: ولا تنظروا إلى دورهم ولا إليهم إذا مروا على المراكب. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٣٨٧].
• وقال أيضًا ﵀: والله ما يمنعني من إتيانهم أني لا أرى لهم طاعة، ولكني رجل أحب الطعام الطيب فأخاف أن يفسدوني. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٣٩٣].
• وقال أيضًا ﵀: من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يعص الله. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٣٩٣].
• وعن يحيى بن سليم الطائفي قال: بعث محمد بن إبراهيم الهاشمي إلى سفيان الثوري ﵀ بمائتي دينار فأبى أن يقبلها. فقلت: يا أبا عبد الله كأنك لا تراها حلالاً. قال: بلى، ما كان آبائي وأجدادي إلا في العطية ولكن أكره أن أذل لهم. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٣٨٩].
• وعن أبي شهاب قال: كنت ليلة مع سفيان الثوري ﵀ فرأى نارًا من بعيد فقال: ما هذا؟ فقلت: نار صاحب الشرطة، فقال: اذهب بنا في طريق آخر لا نستضيء بنارهم أو قال: بنورهم. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٣٨٩].
• وعن داود، عن أبيه قال: كنت مع سفيان الثوري ﵀ فمررنا بشرطي نائم، وقد حان وقت الصلاة، فذهبت أحركه فصاح سفيان: مه، فقلت: يا أبا عبد الله يصلي، فقال: دعه لا صلى الله عليه، فما استراح الناس حتى نام هذا. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٣٨٩].
• وعن حيان قال: قال ابن المبارك: قيل لسفيان الثوري ﵀: لو دخلت عليهم؟ قال: إني أخشى أن يسألني الله عن مقامي ما قلت فيه، قيل له: تقول وتتحفظ، قال: تأمروني أن أسبح في البحر ولا تبتل ثيابي؟ قال حيان: وبلغني أنه قال: ليس أخاف ضربهم، ولكني أخاف أن يميلوا علي بدنياهم، ثم لا أرى سيئتهم سيئة. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٣٩٠].
• وعن وهب بن إسماعيل الأسدي قال: كنا عند سفيان الثوري ﵀، فجاءه رجل فسأله عن مسألة، وعلى رأسه قلنسوة سوداء، فنظر إليه فأعرض عنه، ثم سأله الثانية فنظر إليه فأعرض عنه، فقال له: يا أبا عبد الله! يسألك
стр. 121
الناس فتجيبهم، وأسألك فتنظر إلي ثم تعرض عني؟ فقال: هذا الذي تسألني أي شيء تريد به؟ قال: السنة.
قال: فهذا الذي على رأسك أي شيء هو من السنة؟ هذه سنة سنها رجل سوء يقال له: أبو مسلم، لا تستن بسنته، قال: فنزع الرجل قلنسوته، فوضعها، ثم لبث قليلاً ثم قام فذهب. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٣٩٧].
• وعن يحيى بن يمان قال: سمعت سفيان الثوري ﵀ يقول: أبغض ما يكون إليّ إذا رأيتهم قيامًا يصلون. قال: ورأى سفيان على رجل قلنسوة سوداء وذكر له أمر الحج، فقال: وضعك هذه يعدل حجة. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٣٩٧].
• وعن عبد الله بن خبيق قال: كنت عند يوسف بن أسباط ﵀، إذ جاء الأمير وعليه قلنسوة شاشية، فسأله عن مسألة فقال: إن أستاذي سفيان ﵀، كان لا يفتي من على رأسه مثل هذا، قال: فوضعه على الأرض فأفتاه. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ٥٩].
• وعن سندويه الفتال قال: قيل لداود الطائي ﵀: أرأيت رجلاً دخل على هؤلاء الأمراء فأمرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر، قال: أخاف عليه السوط قال: إنه يقوى، قال: أخاف عليه السيف؛ قال: إنه يقوى، قال: أخاف عليه الداء الدفين من العجب. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٤٦٧].
• وعن إبراهيم قال: سمعت الفضيل بن عياض ﵀ يقول: لأن يدنو الرجل من جيفة منتنة، خير له من أن يدنو إلى هؤلاء - يعني السلطان - وسمعته يقول: رجل لا يخالط هؤلاء، ولا يزيد على المكتوبة، أفضل عندنا من رجل يقوم الليل، ويصوم النهار ويحج، ويعتمر ويجاهد في سبيل الله ويخالطهم. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ١٧].
• ودعا بعض الأمراء شميطا العنسي ﵀ إلى طعام، فاعتل عليه ولم يأته، فقيل له في ذلك، فقال: فقد أكلة أيسر علي من بذل ديني لهم، ما ينبغي أن يكون بطن المؤمن أعز عليه من دينه. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٤/ ١١٥].
стр. 122
(و) عدم الخروج عليهم، وذم من فعل ذلك:
• عن طاووس ﵀ قال: ذُكر لابن عباس ﵄ الخوارج وما يصيبهم عند قراءة القرآن؟ فقال ﵁: " يؤمنون بمحكمه، ويضلون عند متشابهه، ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران: ٧]. [الشريعة / ٣٥].
• وعن عبد الله بن أبي يزيد قال: سمعت ابن عباس ﵄ وذكر له الخوارج، واجتهادهم وصلاحهم - فقال ﵁: ليسوا هم بأشد اجتهادًا من اليهود والنصارى، وهم على ضلالة. [الشريعة / ٣٥].
• وعن ثابت بن قطبة قال: إن عبد الله بن مسعود ﵁ قال في خطبته: ياأيها الناس، عليكم بالطاعة والجماعة، فإنها حبل الله الذي أمر به. وما تكرهون في الجماعة خير مما تحبون في الفرقة. [الشريعة / ١٩].
• وقال ابن عمر ﵁ حين أتته بيعة يزيد: إن كان خيرًا رضينا، وإن كان بلاء صبرنا. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٤/ ٦٠].
• وعن الشعبي ﵀ قال: كان يقال: من أراد بحبحة الجنة فعليه بجماعة المسلمين. [الشريعة / ١٩].
• وقال أيضًا ﵀: ما اختلفت أمة بعد نبيها إلا ظهر أهل باطلها على أهل حقها. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ١١٢].
• وعن أبي هاني المكتب قال: سئل عامر الشعبي ﵀ عن قتال أهل العراق وأهل الشام؟ فقال: لا يزالون يظهرون علينا أهل الشام؟ قال عامر: ذلك بأنهم جهلوا الحق واجتمعوا، وتفرقتم. ولم يكن الله ليظهر أهل فرقة على جماعة أبدًا. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ١١٣].
• وعن المعلى بن زياد قال: قيل للحسن البصري ﵀: يا أبا سعيد، خرج خارجي بالخريبة - محلة عند البصرة - فقال: المسكين رأى منكرًا فأنكره، فوقع فيما هو أنكر منه. (١)
[الشريعة / ٣٥].
стр. 123
(ي) فوائد أخرى:
• قال عمر بن الخطاب ﵁: إن هذا الأمر لا يصلح له إلا الليِّن في غير ضعف والقويُّ في غير عنف. [عيون الأخبار ١/ ٥٣].
• وقال أيضًا ﵁: ثلاثٌ من الفَوَاقر: جار مُقامةٍ إن رأى حسنة سَتَرها وإن رأى سيئة أذاعها، وامرأة إن دخلتَ عليها لَسَنَتْكَ وإن غبتَ عنها لم تَامنها، وسلطان إن أحسنت لم يحمدك وإن أسأت قتلك. [عيون الأخبار ١/ ٤٩].
стр. 124
• وأغْلظ رجلٌ على معاوية ﵁ فحلُم عنه فقيل له: أتحلُم عن هذا؟ فقال: إني لا أَحُول بين الناس وبين ألسنتهم ما لم يَحُولوا بيننا وبين سلطاننا. [عيون الأخبار ١/ ٥٤].
• وقال عبد الله بن مسعود ﵁: إذا كان الإمام عادلاً فله الأجر وعليك الشكر، وإذا كان جائرًا فعليه الوزر وعليك الصبر. [عيون الأخبار ١/ ٤٩].
• وقال حُذَيْفة بن اليمان ﵁: ما مشى قوم قط إلى سلطان الله في الأرض لُيذِلُّوه إلا أذلّهم الله قبل أن يموتوا. [عيون الأخبار ١/ ٦٦].
• وعن أسامة، أن الأعمش ﵀ عوتب في إتيانه أخًا ليقطين القائد. فقال: أنزلته منزلة الحش احتيج إليه فأتي. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ١٣٩].
• وقال عبد الملك بن مروان ﵀: أنصِفونا يا معشر الرعية، تريدون منا سيرة أبي بكر وعمر ﵄! ولا تسيرون فينا ولا في أنفسكم بسيرة رعية أبي بكر وعمر! نسأل الله أن يعين كلاًّ على كل. [عيون الأخبار ١/ ٥٣].
• وقال كعب ﵀: مَثَلُ الإسلامِ والسلطان والناسِ مَثَلُ الفُسطاطِ والعمودِ والأطنابِ والأوتادِ، فالفُسطاط الإسلام؛ والعمود السلطان، والأطناب والأوتاد الناس، لا يصلُح بعضه إلا ببعض. [عيون الأخبار ١/ ٤٨].
• وعن عمرو بن شرحبيل ﵀: قال: لا يزال الناس بخير ما لم يكن عليهم أمراء لا يرون لهم من الحق شيئا إلا ما شاؤوا. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٧/ ٤١٦].
• وعن محمد بن أبي جميلة قال: أرادني عبد الله بن عبد الملك على صحبته، فشاورت ابن أبي زكريا ﵀ فقال: أنت حر فلا تجعل نفسك مملوكًا. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ١٧١].
• وكان يقال: إذا جعلك السلطان أخا فاجعله أبا، وإن زادك فزدْه. [عيون الأخبار ١/ ٦٢].
• وعن ابن هشام أنه قال: قال لي المأمون ﵀: يا علي، الملوك تحتمل لأصحابها كل شيء خلا ثلاث خصال. قلت: وما هن يا أمير المؤمنين؟ قال: القدح في الملك، وإفشاء السر، والتعرض للحرمة. [المنتظم ١٠/ ٥٩].
стр. 125
علو الهمة (١)
• عن ابن عباس ﵁ قال: لما قُبِض رسول الله ﷺ قلت لرجل من الأنصار: هلمّ، فلنسأل أصحاب رسول الله ﷺ ، فإنهم اليوم كثير، فقال: واعجبًا لك يابن عباس! أترى الناس يفتقرون إليك وفي الناس من أصحاب رسول الله ﷺ من فيهم؟ قال: فتركت ذلك، وأقبلت أسأل أصحاب رسول الله ﷺ عن الحديث، فإن كان ليَبلُغني الحديث عن الرجل، فآتي بابه وهو قائل، فأتوسَّد التراب، فيخرج فيراني فيقول: يابن عمّ رسول الله، ما جاء بك؟ ألا أرسلت إلي فآتيك؟ فأقول: لا، أنا أحقّ أن آتيك فأسألك عن الحديث فعاش ذلك الفتى الأنصاري حتى رآني، وقد اجتمع الناس حولي يسألوني فيقول: هذا الفتى كان أعقل مني (أخرجه الطبراني). [صفة الصفوة ١/ ٣٦٩].
• وقال ﵁: ذَلَلْتُ طالبًا، فعزَزْتُ مطلوبًا، وكان يقول: وجدتُّ عامّة عِلْم رسول الله ﷺ عند هذا الحيّ من الأنصار، إنْ كنتُ لأَقِيل بباب احدهم
стр. 126
ولو شئتُ أُذِن لي، ولكن أبتغي بذلك طِيب نفسه. [عيون الأخبار ٢/ ٥١٩، ٥٢٠].
• ونظر رجل إلى معاوية ﵁ وهو غلام صغير فقال: إني أظن هذا الغلام سيسود قومه. فقالت هند ﵂: ثكلتُه إن كان لا يَسُود إلا قومَه. [عيون الأخبار ١/ ٢٥٦].
• وعن أبي الزناد قال: اجتمع في الحجر مصعب وعروة وعبد الله بنو الزبير، وعبد الله بن عمر، فقالوا: تمنوا. فقال عبد الله بن الزبير: أما أنا، فأتمنى الخلافة. وقال عروة: أما أنا، فأتمنى أن يؤخذ عني العلم، وقال مصعب: أما أنا، فأتمنى إمرة العراق والجمع بين عائشة بنت طلحة وسكينة بنت الحسين. قال عبد الله بن عمر: أما أنا فأتمنى المغفرة. قال: فنالوا ما تمنوا، ولعل ابن عمر غفر له. [صفة الصفوة ١/ ٢٦٧].
• وقال بعضهم: [البداية والنهاية ١١/ ٣٣٣].
إذا غامرت في شرف مرومٍ … فلا تقنعْ بما دونَ النجومِ
فطعمُ الموت في أمرٍ حقيرٍ … كطعم الموت في أمرٍ عظيم
• وعن الشعبي قال: خرج مسروق ﵀ إلى البصرة، إلى رجل يسأله عن آية، فلم يجد عنده فيها علما، فأخبر عن رجل من أهل الشام فقدم علينا ها هنا، ثم خرج إلى الشام إلى ذلك الرجل في طلبها. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٣٠٥].
• وعن سعيد بن جبير ﵀ قال: ربما أتيتُ ابنَ عباس، فكتبتُ في صحيفتي حتى أملأها، وكتبتُ في نعلي حتى أملأها، وكتبتُ في كفّي. [السير (تهذيبه) ٢/ ٥٠٧].
• وقال سعيد بن المسيب ﵀: إن كنت لأسير الأيام والليالي في طَلَبِ الحديث الواحد. [السير (تهذيبه) ١/ ٤٨٢].
• وقال معن بن عبد الرحمن: ما رأيت مسعرًا ﵀ في يوم إلا قلت: هو أفضل منه قبل ذلك. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٤٢٠].
• وقال عمر بن عبد العزيز ﵀: كانت لي نفس تواقة، فكنت لا أنال منها شيئًا إلا تاقت إلى ما هو أعظم، فلما بلغت نفسي الغاية، تاقت إلى الآخرة. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٢٣٧].
стр. 127
• وعن فرقد إمام مسجد البصرة قال: دخلوا على سفيان الثوري ﵀ في مرضه الذي مات فيه، فحدثه رجل بحديث فأعجبه، وضرب يده إلى تحت فراشه فأخرج ألواحًا له فكتب ذلك الحديث، فقالوا له: على هذه الحال منك؟ فقال: إنه حسن، إن بقيت فقد سمعت حسنًا، وإن مت فقد كتبت حسنًا. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٤٠٤].
• وقال مالك بن دينار ﵀: قال عيسى ﵇: بحق أقول لكم إن أكل الشعير، والنوم على المزابل مع الكلاب لقليل في طلب الفردوس. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٤٢٤].
• وقال بعضهم: [المنتظم ١٥/ ٢٣٢].
فكن رجلًا رجله في الثرى … وهامة همته في الثريا
• وقال السري السقطي ﵀: من عرف ما يَطلب هان عليه ما يَبذل. [صفة الصفوة ٢/ ٦٣٠].
• وعن أبي محمد بن أخت الشافعي. قال: قلت أمي: ربما قدمنا في ليلة واحدة ثلاثين مرة أو أقل أو أكثر المصباح إلى بين يدي الشافعي ﵀، وكان يستلقي ويتفكر، ثم ينادي يا جارية هلمي المصباح، فتقدمه ويكتب ما يكتب، ثم يقول: ارفعيه. فقلت لأبي محمد: ما أراد برد المصباح؟ قال: الظلمة أجلى للقلب. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ١٢٤].
• وقال مالك بن أنس ﵀: كان الرجل يختلف إلى الرجل ثلاثين سنة يتعلم منه. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٣٥٤].
• وعن محمد بن يوسف قال: كنت عند محمد بن إسماعيل البخاري ﵀ في منزله ذات ليلة، فأحصيت أنه قد قام وأسرج يستذكر أشياء يعلقها في ليلة ثماني عشرة مرة. [المنتظم ١٢/ ١١٥، ١١٦].
• وقيل للعتّابيّ ﵀: فلان بعيدُ الهمة. قال: إذن لا يكون له غاية دون الجنة. [عيون الأخبار ١/ ٢٦٧].
• وقال بعضهم: [عيون الأخبار ٢/ ٥٨٨].
стр. 128
والنفسُ راغبةٌ إذا رغَّبتَها … وإذا تُرَدُّ إلى قليل تَقْنَعُ
• وعن جعفر قال: دخلنا على أبي التياح ﵀ نعوده. فقال: والله إنه لينبغي للرجل المسلم أن يزيده ما يرى في الناس من التهاون بأمر الله أن يزيده ذلك جدًا واجتهادًا ثم بكى. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٤٥٩].
• وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم ﵀: كنا بمصرَ سبْعَة أشهر، لم نأكل فيها مرقة، كُلُّ نهارِنا مقسّم لمجالس الشُّيُوخ، وبالليل: النَّسْخُ والمقابلة. قال: فأتينا روما أنا ورفيق لي شيخا، فقالوا: هو عليل، فرأينا في طريقنا سمكة أعجبتْنا، فاشتريناه، فلما صرنا إلى البيت، حضر وقتُ مجلسٍ، فلم يُمْكِنَّا إصلاحُه، ومضَيْنا إلى المجلس، فلم نَزَلْ حتى أتى عليه ثلاثة أيام، وكاد أن يتغير، فأكلناه نِيْئًا، لم يكن لنا فراغ أن نُعْطِيَه من يشويه. ثم قال: لا يستَطاعُ العِلمُ براحةِ الجَسَد. [السير (تهذيبه) ٣/ ١٠٧٩].
• وقال أبو جعفر الطَّبريِّ ﵀ لأصحابه: هل تَنشَطُون لتاريخ العالم من آدمَ إلى وقتِنا؟ قالوا: كم قدرُه؟ فذكر نحو ثلاثينَ ألف ورقة، فقالوا: هذا مما تفنى الأعمارُ قبل تمامه! فقال: إنَّا لله! ماتت الهِمَمُ. فاختصر ذلك في نحو ثلاثة آلاف ورقة ولمَّا أن أراد أن يمليَ التفسير قال لهم نحوًا من ذلك، ثم أملاه على نحوٍ من قدر التاريخ. [السير (تهذيبه) ٣/ ١١٥١].
• وقال ابن حِبَّان ﵀ في أثناء كتاب " الأنواع": لعلَّنا قد كتَبنا عن أكثرَ من ألفي شيخ.
قال الذهبي ﵀: كذا فلتكن الهمم، هذا مع ما كانَ عليه من الفقهِ والعربيَّةِ، والفضائل الباهرة، وكثرة التصانيف. [السير (تهذيبه) ٣/ ١٢٦٩].
• وقال أبو حاتم الرازي ﵀ لابنه عبد الرحمن: يا بنيَّ، مشيتُ على قدمي في طلب الحديث أكثر من ألف فرسخ. [البداية والنهاية].
• وقال بعضهم: [البداية والنهاية ١١/ ٣٣٢].
وإذا كانت النفوسُ كبارًا … تعبت في مرادها الأجسامُ
• وقال أبو بكر محمد بنُ طرخان التركي: قال لي الإمام أبو محمد
стр. 129
عبد الله بن محمد - يعني والد أبي بكر بن العربي -: أخبرني أبو محمد بن حزم ﵀ أن سبب تعلمه الفقه أنه شهِد جِنازة، فدخل المسجدَ، فجلس ولم يركع، فقال له رجل: قُم فصلِّ تحية المسجد. وكان قد بلغ ستًّا وعشرين سنة. قال: فقُمتُ وركعتُ، فلما رجعنا من الصلاة على الجنازة، دَخَلْتُ المسجد، فبادرتُ بالركوع، فقيل لي: اجلس اجلس، ليس ذا وقت صلاة - وكان بعدَ العصر - قال: فانصرفتُ وقد حزِنت، وقلت للأستاذ الذي رباني: دلني على دار الفقيه أبي عبد الله بن دحون. قال: فقصدته، وأعلمته بما جرى، فدلني على "موطأ" مالك، فبدأتُ به عليه، وتتابعت قراءتي عليه وعلى غيره نحوًا من ثلاثة أعوام، وبدأتُ بالمناظرة. [السير (تهذيبه) ٣/ ١٤٠١].
• وقال ابن الآبَنُوسيِّ: كان الحافظُ الخطيب البغدادي ﵀ يمشي وفي يده جزءٌ يُطالعه. [السير (تهذيبه) ٢/ ١٤١٣].
• وقال ابن كثير ﵀: ذكر ابن خلكان في "الوفيات" أن سبب انتقال الطحاوي ﵀ إلى مذهب أبي حنيفة ورجوعه عن مذهب خاله المزني، أن خاله قال له يوما: والله لا يجيء منك شيءٌ. فغضب واشتغل على أبي جعفر بن أبي عمران الحنفيّ، حتى برع وفاق أهل زمانه، وصنف كتبا كثيرة منها "أحكام القرآن"، و"اختلاف العلماء"، و"معاني الآثار" و" التاريخ الكبير". [البداية والنهاية ١١/ ٢٤٨].
• وقال ثعلب: ما فقدت إبراهيم الحربي ﵀ من مجلس نحوٍ أو لغةٍ خمسين سنة. [المنتظم ١٢/ ٣٨١].
• وقال بعضهم: [البداية والنهاية ١١/ ٣٦٤].
يا خادم الجسم كم تشقى بخدمته … أتطلب الربح مما فيه خسران
أقبلْ على النفس واستكمل فضائلها … فأنت بالنفس لا بالجسم إنسانُ
• وعن أبي الحسن العروضي قال: كان يتردد ابن الأنباري ﵀ إلى أولاد الراضي، فسألته جارية عن تفسير رؤيا فقال: أنا حاقن، ثم مضى فلما كان من غد عاد وقد صار معبرًا للرؤيا وذلك أنه مضى من يومه، فدرس كتاب الكرماني وجاء. [المنتظم ١٣/ ٣٩٩].
стр. 130
• وعن عيسى المتوكلي ﵀ قال: مكثت ثلاثين سنة أشتهي أن أشارك العامة في أكل هريسة السوق فلا أقدر على ذلك، لأجل البكور إلى سماع الحديث. [المنتظم ١٤/ ٢٣٣].
• وعن عبد الله بن عمر القواريري ﵀ أنه قال: لم تكن تكاد تفوتني صلاة العتمة في جماعة فنزل بي ضيف فشغلت به، فخرجت أطلب الصلاة في قبائل البصرة، فإذا الناس قد صلوا.
فقلت في نفسي: قد رُوِيَ عن النبي ﷺ أنه قال: " صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ إحدى وعشرين درجة. وروي خمسًا وعشرين، وروي سبعًا وعشرين ". فانصرفت إلى منزلي فصليت العتمة سبعًا وعشرين مرة ثم رقدت، فرأيتني مع قوم راكبي أفراس وأنا راكب فرسًا كأفراسهم، ونحن نتجارى وأفراسهم تسبق فرسي، فجعلت أضربه لألحقهم، فالتفت إلي أحدهم فقال: لا تجهد نفسك، فلست تلاحقنا، قلت: ولمَ ذاك؟ قال: لأنا صلينا العتمة في جماعة. [المنتظم ١١/ ٢٣٢].
• وعن محمد بن الحارث المخزومي قال: دخل على عبد العزيز بن مروان ﵀ رجل يشكو صهرًا له، فقال: إن ختني فعل بي كذا وكذا، فقال له عبد العزيز: من خَتَنَك؟ فقال له: خَتَنَني الختان الذي يختن الناس، فقال عبد العزيز لكاتبه: ويحك، ما أجابني، فقال له: أيها الأمير، إنك لحنت وهو لا يعرف اللحن، كان ينبغي أن تقول له: من خَتَنُك، فقال عبد العزيز: أراني أتكلم بكلام لا يعرفه العرب، لا شاهدت الناس حتى أعرف اللحن. قال: فأقام في البيت جمعة لا يظهر ومعه من يعلمه العربية، قال: فصلى بالناس الجمعة وهو من أفصح الناس. [المنتظم ٦/ ٢٦٤].
стр. 131
الصدق مع الله
• قال مالك بن دينار ﵀: قولوا لمن لم يكن صادقًا لا يتعنّى. [صفة الصفوة ٣/ ٢٠١].
• وعن معروف الكرخي ﵀ قال: ما أكثر الصَّالحين، وما أقل الصّادقين. [السير (تهذيبه)].
• وقال وكيع بن الجراح ﵀: هذه بضاعة لا يرتفع فيها إلا صادق. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ١٠٧].
• وقال أبو يعقوب ﵀: الصِّدْقُ موافقَةُ الحقِّ في السرِّ والعلانية، وحقيقةُ الصدْقِ القولُ بالحقِّ في مواطن الهَلَكةِ. [السير (تهذيبه)].
стр. 132
ذم الكسل
• قال عبد الله بن مسعود ﵁: "إني لأبغض الرجل أن أراه فارغًا ليس في شيء من عمل الدنيا، ولا في عمل الآخرة" [(رواه الإمام أحمد)، صفة الصفوة ١/ ٢٠١].
• وقال محمد بن علي ﵀ لابنه: يا بني، إياك والكسل والضجر، فإنهما مفتاح كل شر. إنك إن كسلت لم تؤد حقًا، وإن ضجرت لم تصبر على حق. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٥٠٧].
• ومما كان مسعر ﵀ يُنشده له أو لغيره:
نَهارُك يا مَغْرُورُ سَهْوٌ وغَفْلَةٌ … ولَيْلُكَ نومٌ، والرَّدَى لك لازمُ
وتتعب فيما سوف تَكرَهُ غِبَّهُ … كَذَلِكَ في الدُّنيا تعيشُ البَهَائِمُ
[صفة الصفوة].
• وعن الأعمش قال: مرّ شريح ﵀ بقوم وهم يلعبون، فقال: مالكم؟ قالوا: فرغنا يا أبا أمامة، قال: ما بهذا أمر الفارغ (١). [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٦٨].
• وقال سُفيان الثوري ﵀: من أحبَّ أفخاذ النساء لم يُفْلحْ. [السير (تهذيبه) ٢/ ٦٢٧].
• وقال يحيى بن أبي كثير ﵀: لا يُستطاع العِلْمُ براحة الجسد. (٢) [السير (تهذيبه) ٢/ ٦٢٧].
стр. 133
وقال ابن فارس:
إذا كُنتَ تُؤذى بحرِّ المَصِيف … ويُبس الخريفِ وبَرْدِ الشِّتَا
ويُلْهِيكَ حُسْنُ زَمَانِ الرَّبيع … فأَخذُكَ لِلْعِلْمِ قُل لي مَتَى؟
[السير (تهذيبه) ٣/ ١٣٢٥].
стр. 134
نساء السلف
• عن أنس بن مالك ﵁ قال: مرض ابن لأبي طلحة من أم سليم ﵂، قال: فمات الصبي في المخدع فسجته، ثم قامت فهيأت لأبي طلحة إفطاره كما كانت تهيء له كل ليلة، فدخل أبو طلحة وقال لها: كيف الصبي؟ قالت: بأحسن حال، فحمد الله ثم قامت فقربت إلى أبي طلحة إفطاره، ثم قامت إلى ما تقوم إليه النساء فأصاب أبو طلحة من أهله، فلما كان السحر قالت: يا أبا طلحة ألم تر آل فلان استعاروا عارية فتمتعوا بها، فلما طلبت منهم شق عليهم، قال: ما أنصفوا. قالت: فإن ابنك كان عارية من الله وإن الله تعالى قد قبضه، فحمد الله واسترجع ثم غدا على رسول الله ﷺ فقال له رسول الله ﷺ : (يا أبا طلحة بارك الله لكما في ليلتكما) فحملت بعبد الله بن أبي طلحة. [مسند الإمام أحمد: ١٢٠٢٨].
• وعن أنس ﵁ قال: لما كان يوم أحد حاص أهل المدينة حَيْصة وقالوا: قُتل محمد. حتى كثرت الصَّوارخ في نواحي المدينة، فخرجت امرأة من الأنصار ﵂ فاستُقبلتْ بأخيها وأبيها وزوجها وابنها، لا أدري بأيّهم استُقبلت أوّلاً، فلما مرت على آخرهم، قالت: مَن هذا؟ قالوا: أخوكِ وأبوكِ وزوجُكِ وابنُكِ. قالت: فما فعل النبي ﷺ ؟ قالوا: أمامَك فذهبتْ إلى رسول الله ﷺ ، فأخذتْ بناحية ثوبه، ثم جعلت تقول: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لا أبالي إذا سَلِمْتَ من عطَب. [صفة الصفوة ٢/ ٤٣٣].
• وعن عطاء بن أبي رباح قال: قال لي ابن عباس ﵁: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت بلى! قال: هذه المرأة السوداء أتت رسول الله ﷺ فقالت: إني أصرع وإني أتكشف فادع الله لي. قال: (إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت أن يعافيك) قالت: أصبر ولكن ادع الله أن لا أتكشف. فدعا لها. [رواه البخاري: ٥٣٢٨].
стр. 135
• وقال الذهبي: أم عمارة ﵂ نَسيبَةُ بنت كعب بن عمرو الفاضلة المجاهدة الأنصارية.
شَهِدتْ أمُّ عمارة ليلة العقبة، وشهدت أُحدًا، والحديبية، ويوم حُنين، ويومَ اليمامة. وجاهدت، وفعلت الأفاعيل، وقُطعت يدُها في الجهاد.
وكان ضَمرةُ بن سعيد المازنيُّ يُحدث عن جَدَّتِه، وكانت قد شَهدت أُحدًا، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لمُقامُ نَسِيْبَةَ بنت كعبٍ اليوم خَيرٌ من مُقام فُلان وفُلان".
وكانت تَراها تُقاتلُ أشدَّ ما يكون القتال، وإنَّها لحاجزةٌ ثوبها على وسطها، حتى جرحت ثلاثةَ عشرَ جُرحًا، وكانت تقول: إني لأنظُر إلى ابن قمِئة وهو يضربُها على عاتقها وكان أعظم جراحها، فداوتهُ سنةً. ثم نادى منادي رسول الله ﷺ : إلى حَمراء الأسد. فشدَّت عليها ثيابَها، فما استطاعت من نزف الدم. ﵂ ورحمها.
وعن عُمارة بن غَزيَّة قال: قالت أُمُّ عمارة: رأيتُني، وانكشف النَّاسُ عن رسول الله ﷺ ، فما بقي إلا نُفَير ما يُتِمُّون عشرة، وأنا وابناي وزوجي بين يديه نَذُبُّ عنه، والناسُ يمرون به مُنْهزمين، ورآني ولا ترس معي، فرأى رجلاً موليًا ومعه تُرس، فقال: ألقِ تُرسكَ إلى مَن يقاتلُ، فألقاه فأخذتُهُ. فجعلت أُتَرِّسُ به عن رسولِ الله. وإنَّما فعل بنا الأفاعيل أصحابُ الخيل، لو كانوا رجَّالةً مثلَنا أصبناهم، إن شاء الله.
فيُقبلُ رجلٌ على فرسه فيضربُني، وترَّستُ له، فلم يصنع شيئًا، فأضربُ عُرقوب فرسه، فوقع على ظهره. فجعل النبيُّ ﷺ يصيح: يا ابن أُمَّ عُمارة، أُمَّكَ! أُمَّكَ! قالت: فعاونني عليه، حتى أوردتُه شعوب (١) ". [السير (تهذيبه) ١/ ٢٥٨، ٢٥٩].
روى عمر بن الخطاب ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: " ما التفتُّ يوم أُحد يمينًا ولا شمالاً إلا وأراها - أي أم عمارة - تقاتل دوني".
стр. 136
قال الواقدي ﵀: قاتلتْ - أي أم عمارة - يوم أُحد وجُرحت اثنتي عشرة جراحة، وداوت جرحًا في عنقها سنة، ثم نادى منادي رسول الله ﷺ إلى حمراء الأّسد فشدّت عليها ثيابها، فما استطاعت من نزف الدم.
وعن محمد بن إسحاق ﵀ قال: حضرتْ البيعة بالعقبة امرأتان قدْ بايعتا: إحداهما نَسِيبة بنت كعب (١)، وكانت تشهد الحرب مع رسول الله ﷺ ، شهدت معه أُحدًا، وخرجت مع المسلمين بعد وفاة رسول الله ﷺ في خلافة أبي بكر في الردة، فباشرت الحرب بنفسها حتى قتل الله مسيلمة، ورجعت وبها عشر جراحات من طعنة وضربة. [صفة الصفوة ٢/ ٤٢٦].
• وقال ابن الجوزي ﵀: قال علماء السير: فلم تزل الحرب إلى قبيل مقتل ابن الزبير (٢)، فتفرق عامة أصحابه وخذلوه، وخرج عامة أهل مكة إلى الحجاج في الأمان حتى ذُكر أن ولديه حمزة وحبيب أخذوا لأنفسهما أمانًا، فدخل عبد الله بن الزبير على أمه أسماء ﵂ حين رأى من الناس ما رأى من الخذلان، فقال لها: خذلتني الناس حتى ولدي وأهلي، فلم يبق معي إلا من ليس عنده من الدفع أكثر من ساعة والقوم يعطونني ما أردت من الدنيا، فما رأيك؟ فقالت: أنت والله يا بني أعلم بنفسك، إن كنت تعلم أنك على حق وإليه تدعو فامض له، وقد قتل عليه أصحابك، ولا تمكن من رقبتك فينقلب بها غلمان بني أمية، وإن كنت إنما أردت الدنيا فبئس العبد أنت، أهلكت نفسك وأهلكت من قتل معك. وإن قلت: كنت على الحق فلما وهن أصحابك ضعفت، فليس هذا فعل الأحرار ولا أهل الدين، وكم خلودك في الدنيا! القتل أحسن.
فدنا ابن الزبير فقبل رأسها وقال: هذا والله رأيي، والذي قمت به ما ركنت إلى الدنيا ولا أحببت الحياة فيها، وما دعاني إلى الخروج إلا
стр. 137
الغضب الله أن تستحل حرمته، ولكنني أحببت أن أعلم رأيك في مثل ذلك، فانظري يا أمي فإني مقتول في يومي هذا فلا يشتد حزنك، وسلمي الأمر الله ، فإن ابنك لم يتعمد إتيان منكر، ولا عمداً بفاحشة، ولم يجُرْ في حكم الله ، ولم يتعمد ظلم مسلم ولا معاهد ولم يبلغني ظلم عن عمالي فرضيت به بل أنكرته، ولم يكن شيء آثر عندي من رضا ربي ، اللهمَّ إني لا أقول هذا تزكية مني لنفسي، أنت أعلم بي، ولكن أقوله تعزية لأمي لتسلوَ عنِّي. فقالت: إني لأرجو من الله أن يكون عزائي فيك حسناً إن تقدمتني، أخرج حتى أنظر ما يصير أمرك، فقال: جزاكِ الله يا أماه خيراً، ولا تدعي الدعاء لي قبل وبعد. فقالت لا أدعه أبداً، فمن قتل على باطل فقد قتلت على حق. ثم قالت: اللهم ارحم طول ذلك القيام في الليل الطويل، ذلك النحيب في الظلماء، وذلك الصوم في هواجر المدينة ومكة، وبرّه بأبيه وبي، اللهم إني قد أسلمته لأمرك فيه ورضيت بما قضيت فأثبني في عبد الله ثواب الصابرين الشاكرين.
وفي رواية أخرى أنه دخل عليها وعليه الدرع والمغفر، فوقف فسلم ثم دنا فتناول يدها فقبلها، فقالت: هذا وداع فلا تقعد، فقال: جئت مودعاً، إني لأرى هذا آخر أيامي من الدنيا، واعلمي يا أماه أني إن قتلت فإنما أنا لحم لا يضرني ما صنع بي، قالت: صدقت يا بني، أتمم على نصرتك، ولا تمكن ابن أبي عقيل منك، ادن مني أودعك. فدنا منها فودعها وقبلها وعانقها، وقالت حيث مَسَّت الدرع: ما هذا صنيع من يريد ما تريد، قال: ما لبست هذا الدرع إلا لأشد منك، قالت: فإنه لا يشد مني. ثم انصرف وهو يقول:
إني إذا أَعْرِف يومِي أصبِرْ … إِذ بَعْضُهُمْ يَعْرِفُ ثم يُنكِرْ
[المنتظم ١٢٥/ ٦، ١٢٦].
• وعن سفيان بن عبد الرحمن الجمحي عن أمه، قالت: دخل عبد الله بن عمر ﵁ المسجد وابن الزبير ﵁ قد قتل وصلب، فقيل له: هذه أسماء بنت أبي بكر ﵂ في المسجد، فمال إليها وقال: اصبري فإن هذه الجثث ليست بشيء وإنما الأرواح عند الله، فقالت: وما يمنعني من الصبر وقد أهدي رأس
стр. 138
يحيى بن زكريا إلى بغي من بغايا بني إسرائيل. [المنتظم ٦/ ١٤١].
• وعن مسلم بن يسار؛ أنه قال: قدمت البحرين واليمامة على تجارة فإذا أنا بالناس مقبلين ومدبرين نحو منزل فقصدت إليه، فإذا أنا بامرأة جالسة في مصلاها عليها ثياب غليظة، وإذا هي كئيبة محزونة قليلة الكلام، وإذا كل من رأيت ولدها وخولها وعبيدها، والناس مشغولون بالبياعات والتجارات، فقضيت حاجتي ثم أتيتها وودعتها فقالت: حاجتنا إليك أن تأتيها إذا جئت إلينا بحاجة فتنزل بنا.
قال: فانصرفت فلبثت حينًا، ثم إني توجهت إلى بلدها في حاجة، فلما قدمتها لم أر دون منزلها شيئًا مما كنت رأيت، فأتيت منزلها فلم أر أحدًا، فأتيت الباب فاستفتحت فإذا أنا بضحك امرأة وكلامها ففتح لي، فدخلت فإذا أنا بها جالسة في بيت، وإذا عليها ثياب حسنة رقيقة، وإذا الضحك الذي سمعت كلامها وضحكها، وإذا امرأة ليس معها في بيتها شيء قط. فاستنكرت وقلت قد رأيتك على حالين فيهما عجب، حالك في قدمتي الأولى وحالك هذه.
قالت: لا تعجب، فإن الذي قد رأيت من حالتي الأولى، إني كنت فيما رأيت من الخير والسعة، وكنت لا أصاب بمصيبة في ولد ولا خول ولا مال ولا أوجه في تجارة إلا سلمت ولا يبتاع لي شيء إلا ربحت فيه، وتخوفت أن لا يكون لي عند الله خير، فكنت مكتئبة لذلك، وقلت: لو كان لي عند الله خير لابتلاني. فتوالت علي المصائب في ولدي الذي رأيت وخولي ومالي وما بقي لي منه شيء، فرجوت أن يكون الله قد أراد بي خيرًا فابتلاني وذكرني ففرحت لذلك وطابت نفسي.
فانصرفت فلقيت عبد الله بن عمر فأخبرته بخبرها. فقال: رحم الله هذه، ما فاتها أيوب النبي ﵇ إلا بقليل. (١) [الحلية (تهذيبه) ١/ ٣٩٦، ٣٩٧].
• وعن ثابت البناني: أن صلة بن أشيم كان في مغزًى له، ومعه ابن له
стр. 139
فقال: أيْ بنيّ تقدّم فقاتل حتى أحتَسبك، فحمل فقاتل حتى قُتل ﵀، ثم تقدّم فقتل، فاجتمعت النساء عند امرأته مُعاذة العَدَوِيّة رحمها الله، فقالت: مرحبًا، إن كنتنّ جئتُنّ لتهنّئْننيّ فمرحبًا بكم، وإن كنتُنّ جئتنّ لغير ذلك فارجعْن. [صفة الصفوة ٢/ ١٥٣].
• وقال عبيد الله بن عبد الخالق: سَبى الروم نساءً مسلماتٍ، فبلغ الخبر الرّقَّة وبها هارون الرشيد أمير المؤمنين، فَقِيل لمنصور بن عمَّار: لو اتَّخذت مجلسًا بالقُرْب من أمير المؤمنين، فحرّضت الناس على الغزو. فَفَعَل، فبينا هو يذكِّرهم ويحرّض إذا نحْن بخرقةٍ مَصْرورة مختومة قد طرِحت إلى منصور، وإذا كتاب مضموم إلى الصُّرّة فَفكَّ الكتابَ، فقرأه فإذا فيه: إني امرأة من أهل البيوتات من العرب، بلغني ما فَعَلَ الروم بالمسْلمات، وسمعت تحريضَك الناس على الغزو، وترغيبك في ذلك، فعمدت إلى أكرم شيءٍ مِن بدني وهما: ذُؤابتايَ فقطعتُهما وصَرَرْتُهما في هذه الخِرْقة المختومة، وأُناشِدُك بالله العظيم لما جعلتَهما قَيْدَ فرسٍ غازٍ في سبيل الله، فلَعَلَّ الله أن يَنْظُر إليَّ على تلك الحال نظرةً فيرحمني بها.
قال: فبكى وأبكى الناس، وأمر هارون أن ينادَى بالنَّفير، فغَزا بنفسه فأنكى فيهم وفتح الله عليهم.
قال ابن الجوزي ﵀: هذه امرأة حَسُنَ قَصدها وغلطَت في فعلها؛ لأنها جهلت أنَّ ما فعلَت مَنهيٌّ عنه، فليُنظر إلى قَصدها. [صفة الصفوة].
• وعن جويرية بنت أسماء رحمها الله قالت: أن إخوة ثلاثة من بني قطيعة شهدوا يوم تُستَر، فاستُشهِدوا، فخرجت أمهم يومًا إلى السوق لبعض شانها، فتلقَّاها رجل قد حضَر أمْرَ تُستَر فعرَفَته فسألته عن بَنيها، فقال: استشهدوا. فقالت: أمُقْبلين أم مُدْبرين؟ فقال: مُقْبِلين.
فقالت: الحمد لله نالوا الفوز وحاطُوا الذمارِ، بنفسي هم وأبي وأُمِّي. [صفة الصفوة ٤/ ٥٨٩].
• وعن السري بن بكير ﵀، قال: أدركت عواتق الحي يقمن بالليل. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٣١٩].
стр. 140
• وعن عبدة بنت أبي شوال قالت: كانت رابعة رحمها الله تصلي الليل كله فإذا طلع الفجر هجعت في مصلاها هجعة خفيفة حتى يسفر الفجر، قالت: فكنت أسمعها تقول إذا وثبت من رقدتها: ويلك يا نفس كم تنامين؟ وإلى كم لا تقومين؟ أوشك أن تنامي نومة لا تقومين منها إلا بصرخة يوم النشور، قالت: فكان هذا دأبها دهرها حتى ماتت. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٢٦٨].
• وعن أبي سلمة ﵀ قال: كانت لنا عجوز رحمها الله في الحي لم ندركها ولكن أدركها أشياخنا كان يقال لها منيرة، فكان إذا جاء الليل تقول: قد جاء الهول قد جاءت الظلمة، قد جاء الخوف، وما أشبه هذا بيوم القيامة؟ قال: ثم تقوم فلا تزال تصلي حتى تصبح. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٢٦٩].
• وقال ابن أبي الدنيا ﵀: حدثني أبو الوليد ﵀، قال: ربما رأيت فاطمة بنت بزيع رحمها الله تصلي من أول الليل إلى آخره.
وحدثني أبو الوليد، قال: ربما رأيت غضنة وعالية رحمهما الله تقوم إحداهما من الليل فتقرأ البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والنعام، والأعراف في ركعة. وكان محمد بن الحسين حدثني بهذه الأحاديث عن أبي الوليد فلقيت أبا الوليد فحدثني بها. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٢٧٠].
• وكانت أم طلق رحمها الله تصلي في كل يوم وليلة أربع مائة ركعة، وتقرأ من القرآن ما شاء الله. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٢٧٦].
• وعن الهيثم بن جمّار قال: كانت لي امرأة لا تنام الليل، وكنت لا أصبر معها على السهر، فكنت إذا نعست ترش علي الماء في أثقل ما أكون من النوم، وتنبهني برجلها وتقول، ما تستحي من الله! لِمَ هذا الغطيط، فوالله إن كنت لاستحي مما تصنع. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٢٨٢].
• وعن أبي يوسف البزاز قال: تزوج رياح القيسي امرأة فبنا بها، فلما أصبح قامت إلى عجينها، فقال: لو نظرتِ امرأةً تكفيك هذا، قالت: إنما تزوجت رياح القيسي لم أر أني تزوجت جبارًا عنيدًا، فلما كان الليل نام ليختبرها، فقامت ربع الليل ثم نادته: قم يا رياح، مضى الليل وعسكر
стр. 141
المحسنون وأنت نائم، ليت شعري من غرني بك يا رياح، قال: وقامت الربع الباقي. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٢٨٢].
• وعن إبراهيم بن عقبة قال: سمعت أم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص رحمها الله تقول لنسائها في الليل: أحلُلْنَ عقد الشيطان، ليس هذا ساعة نوم. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٣١٠].
• وعن إبراهيم النحفي: أن أم الأسود رحمها الله قعدت من رجليها فجزعت ابنة لها، فقالت: لا تجزعي، اللهم إن كان خيرًا فزد. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٤٣٨].
• وكان عند بعض القرشِّيين: امرأةٌ عربيّةٌ، ودَخَل عليها خصيٌّ لزوجها وهي واضعةٌ خِمَارَها، فحلقتْ رأسَها وقالت: ما كان ليَصْحَبَنِي شعْرٌ نَظَر إليه غيرُ ذي مَحْرَمٍ. [عيون الأخبار ٤/ ٣٧٤].
• وعن محمد بن حنيف قال: كان غزل أخته - أي أخت بشر بن الحارث رحمها الله - فيما ذكر أنها قصدت أحمد بن حنبل فقالت: إنا قوم نغزل بالليل ومعاشنا منه، وربما يمر بنا مشاعل بني طاهر، ولاة بغداد، ونحن على السطح فنغزل في ضوئها الطاقة والطاقتين، أفتحله لنا أم تحرمه؟ فقال لها: من أنت؟ قالت: أخت بشر. فقال: آه يا آل بشر، لا عدمتكم، لا أزال أسمع الورع الصافي من قبلكم. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ٩٩].
стр. 142
أطفال السلف
• عن ابن عباس ﵄ قال: كان عمر ﵁ يدخلني مع أشياخ بدر، فقال بعضهم: لم تدخل هذا الفتى معنا، ولنا أبناء مثله؟ فقال: إنه ممن قد علمتم، قال: فدعاهم ذات يوم، ودعاني معهم، وما رأيته دعاني يومئذ إلا ليريهم مني. فقال: ما تقولون: ﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] حتى ختم السورة؟ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله تعالى ونستغفره، إذا جاء نصر الله وفتح علينا. وقال بعضهم: لا ندري؟ ولم يقل بعضهم شيئًا. فقال لي: يا ابن عباس كذاك تقول؟ قلت: لا، قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه الله، ﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ فتح مكة، فذاك علامة أجلك. ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ٣] فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تعلم. [رواه البخاري رقم: ٤٠٤٣].
• وقال أسلم: بينا أنا مع عمر بن الخطاب ﵁ وهو يَعُسّ المدينةَ إذْ عيِيَ فاتَّكأ إلى جانب جدار في جوف الليل، فإذا امرأة تقول لابنتها: يا ابنتاه قُومي إلى ذلك اللَّبن فامذُقيه بالماء، فقالت لها: يا أُماه أو ماعلمتِ ما كان من عزْمة أمير المؤمنين اليوم؟ قالت: وما كان من عَزمته يا بنيّة؟ قالت: إِنّه أمر مناديه فنادَى: أن لا يُشابَ اللَّبن بالماءِ. فقالت لها: يا بنيَة قُومي إلى ذلك اللّبن فامذُقيه بالماءِ، فإنّك بموضعٍ لا يراكِ عُمر ولا مُنادِي عمر، فقالت الصبية لأمها: يا أمَّاه والله ما كنتُ لأطيعه في الملأ وأعْصِيه في الخلاءِ. [صفة الصفوة ٤/ ٥٩٣].
• ومرّ عمر بن الخطّاب ﵁ بالصبيان وفيهم عبد الله بن الزبير ﵁، ففرّوا ووقف، فقال له عمر: ما لك لم تَفِرّ مع أصحابك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، لم أَجْرِم فأخافَك، ولم يكن بالطريق ضِيقٌ فأُوسعَ لك. [عيون الأخبار ٢/ ٥٩٥].
стр. 143
• وعن سنان بن سلمة ﵀ قال: كنت في غِلمة بالمدينة تلتقط البَلَح، فأبصرنا عمر ﵁، وسعى الغلمان وقمت، فقلت: يا أمير المؤمنين إنما هو ما ألقت الريح، قال: أرني أنظر، فلما أرَيْته قال: انطلق.
قال: قلت: يا أمير المؤمنين ولِّ هؤلاء الغلمان، إنك لو تواريت انتزعوا ما معي، قال: فمشى معي حتى بلغت مأمني. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٨/ ٦٤].
• وعن أيوب، عن أبي قلابة، عن عمرو بن سلمة ﵀. قال (١): قال لي أبو قلابة: ألا تلقاه فتسأله؟ قال فلقيته فسألته فقال: كنا بماء ممر الناس، وكان يمر بنا الركبان فنسألهم: ما للناس، ما للناس؟ ما هذا الرجل؟ فيقولون: يزعم أن الله أرسله، أوحى إليه. أو: أوحى الله بكذا، فكنت أحفظ ذلك الكلام، وكأنما يقر في صدري، وكانت العرب تلوم بإسلامهم الفتح، فيقولون: اتركوه وقومه، فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق، فلما كانت وقعة أهل الفتح، بادر كل قوم بإسلامهم، وبدر أبي قومي بإسلامهم، فلما قدم قال: جئتكم والله من عند النبي ﷺ حقا، فقال: (صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلوا كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآنا). فنظروا فلم يكن أحد أكثر قرآنا مني، لما كنت أتلقى من الركبان، فقدموني بين أيديهم، وأنا ابن ست أو سبع سنين، وكانت علي بردة، كنت إذا سجدت تقلصت عني، فقالت امرأة من الحي: ألا تغطون عنا إست قارئكم؟ فاشتروا فقطعوا لي قميصا، فما فرحت بشيء فرحي بذلك القميص. [رواه البخاري رقم: ٤٠٥١].
• وقدم إياس بن معاوية ﵀ الشام وهو غلام فقدّم خصماً له إلى قاض لعبد الملك بن مروان وكان خصمه شيخًا كبيرًا. فقال له القاضي: أتقدّم شيخًا كبيرًا؟ فقال له إياس: الحق أكبر منه. قال: اسكت. قال: فمن ينطق بحجتي؟ قال: ما أظنك تقول حقًا حتى تقوم. قال: أشهد أن لا إله إلا الله. فقام القاضي فدخل على عبد الملك فأخبره بالخبر فقال: اقضِ حاجتَه وأخرجه من الشام لا يفسدْ عليَّ الناس. [عيون الأخبار ١/ ١١٢].
стр. 144
• وقدم وفد على عمر بن عبد العزيز ﵀ من العراق، فنظر إلى شاب منهم يتحَوّز يريد الكلام، فقال عمر: كبِّروا. فقال الفتى: يا أمير المؤمنين إن الأمر ليس بالسن، ولو كان كذلك كان في المسلمين من هو أسنّ منك. قال: صدقتَ فتكلّم. [عيون الأخبار ١/ ٢٦٤].
• وعن مطرف ﵀ قال: كنا نأتي زيد بن صوحان وكان يقول: يا عباد الله أكرموا وأجملوا، فإنما وسيلة العباد إلى الله بخصلتين: الخوف والطمع؛ فأتيته ذات يوم وقد كتبوا كتابًا فنسقوا كلامًا من هذا النحو: إن الله ربنا ومحمد نبينا والقران إمامنا ومن كان معنا كنا وكنا له، ومن خالفنا كانت يدنا عليه وكنا وكنا، قال: فجعل يعرض الكتاب عليهم رجلاً رجلاً، فيقولون: أقررت يا فلان حتى انتهوا إليّ. فقالوا: أقررت يا غلام؟ قلت: لا قال: لا تعجلوا على الغلام، ما تقول يا غلام؟ قال: قلت: إن الله قد أخذ علي عهدًا في كتابه فلن أحدث عهدًا سوى العهد الذي أخذه الله عليّ! قال: فرجع القوم من عند آخرهم ما أقر به أحد منهم.
قال: قلت لمطرف كم كنتم؟ قال: زهاء ثلاثين رجلاً. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٣٦٢].
• وعن مسلم بن خالد قال للشافعي: ﵀ أفت يا أبا عبد الله، فقد والله آن لك أن تفتي. وهو ابن خمس عشرة سنة. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ١٢٠].
• وقال أبو محمد اليزيدي: كنت أؤدب المأمون ﵀، فأتيته يومًا وهو داخل، فوجهت إليه بعض خدمه يعلمه بمكاني، فأبطأ عليَّ، ثم وجهت آخر فأبطأ عليّ، فقلت لسعيد: إن هذا الفتى ربما تشاغل بالبطالة وتأخر. فقال: أجل، ومع هذا إذا فارقك عزم على خدمه، ولقوا منه أذى شديدًا، فقَوِّمْهُ بالأدب، فلما خرج أمرت بحمله فضربته سبع درر. قال: فإنه ليدلك عينه من البكاء إذ قيل: هذا جعفر بن يحيى قد أقبل، فأخذ منديلاً، فمسح عينيه، وجمع ثيابه، وقام إلى فراشه، فقعد عليه متربعًا وقال: ليدخل. فدخل، فقمت إلى المجلس، وخفت أن يشكوني إليه، فألقى منه ما أكره، فأقبل عليه بوجهه وحدثه حتى أضحكه، وضحك إليه، فلما همَّ بالحركة دعى بدابته، وأمر
стр. 145
غلمانه فسعوا بين يديه، ثم سأل عني، فجئت فقال: خذ عليَّ ما بقي من جزئي، فقلت: أيها الأمير، أطال الله بقاءك، لقد خفت أن تشكوني إلى جعفر بن يحيى، ولو فعلت ذلك لتنكر لي. فقال: أتراني يا أبا محمد كنت أطلع الرشيد على هذا، فكيف بجعفر بن يحيى حتى أطلعه أني أحتاج إلى أدب، أَدِّبْ يغفر الله لك بُعد ظنك، خذ في أمرك، فقد خطر ببالك ما لا تراه أبدًا، ولو عدت كل يوم مائة مرة. [المنتظم ١٠/ ٥٠].
• وعن الطالقاني أنه قال: قال الرشيد لأبي معاوية الضرير وهشيم: إني أسمع من ابني هذا - يعني المأمون - كلامًا لست أدري أمن تلقين القيم عليه هو أم من قريحة؟ فادخلا إليه، فناظراه واسمعا منه، وأخبراني بما تقفان عليه. فدخلا عليه وهو في أثواب صباه، فقالا له: إن أمير المؤمنين أمرنا بالدخول عليك ومناظرتك، فأي العلوم أحب إليك؟ قال: أمتعها لي. قالا: وما أمتعها لك. قال: أثبتها عن ثقة، وأقربها من أفهام مستمعيها. فقال له هشيم: جئناك لنعلمك فتعلمنا. ثم أخبرا الرشيد فقالا: إن هذا شيء أوله لحقيق أن يرجى آخره، ثم أعتق عنه مائة عبد وأمة، وألزمها خدمته. [المنتظم ١٠/ ٥٠].
• وقال ابن الجوزي ﵀: بلغنا أن أم جعفر عاتبت الرشيد على تقريبه المأمون دون ابنها محمد، فدعا خادمًا بحضرتها، وقال له: وجّه إلى عبد الله ومحمد خادمين حصيفين يقولان لكل واحد منهما على الخلوة: ما يفعل به إذا أفضت الخلافة إليه؟. فأما محمد فقال للخادم الذي مضى إليه: أقطعك وأوليك وأبلغ لك. وأما المأمون فرمى الخادم بالدواة وقال: يا ابن اللخناء تسلني ما أفعل بك بموت أمير المؤمنين؟ بل نكون جميعًا فداء له. فرجع بالخبر كل منهما. فقال لأم جعفر: كيف ترين ما أقدم ابنك إلا متابعة لرأيك وتركًا للجزع، وقد كان المأمون يعنى بالعلم قبل ولايته كثيرًا حتى جعل لنفسه مجلس نظر. [المنتظم ١٠/ ٥٠، ٥١].