المحسنون وأنت نائم، ليت شعري من غرني بك يا رياح، قال: وقامت الربع الباقي. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٢٨٢].
• وعن إبراهيم بن عقبة قال: سمعت أم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص رحمها الله تقول لنسائها في الليل: أحلُلْنَ عقد الشيطان، ليس هذا ساعة نوم. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٣١٠].
• وعن إبراهيم النحفي: أن أم الأسود رحمها الله قعدت من رجليها فجزعت ابنة لها، فقالت: لا تجزعي، اللهم إن كان خيرًا فزد. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٤٣٨].
• وكان عند بعض القرشِّيين: امرأةٌ عربيّةٌ، ودَخَل عليها خصيٌّ لزوجها وهي واضعةٌ خِمَارَها، فحلقتْ رأسَها وقالت: ما كان ليَصْحَبَنِي شعْرٌ نَظَر إليه غيرُ ذي مَحْرَمٍ. [عيون الأخبار ٤/ ٣٧٤].
• وعن محمد بن حنيف قال: كان غزل أخته - أي أخت بشر بن الحارث رحمها الله - فيما ذكر أنها قصدت أحمد بن حنبل فقالت: إنا قوم نغزل بالليل ومعاشنا منه، وربما يمر بنا مشاعل بني طاهر، ولاة بغداد، ونحن على السطح فنغزل في ضوئها الطاقة والطاقتين، أفتحله لنا أم تحرمه؟ فقال لها: من أنت؟ قالت: أخت بشر. فقال: آه يا آل بشر، لا عدمتكم، لا أزال أسمع الورع الصافي من قبلكم. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ٩٩].
стр. 142
أطفال السلف
• عن ابن عباس ﵄ قال: كان عمر ﵁ يدخلني مع أشياخ بدر، فقال بعضهم: لم تدخل هذا الفتى معنا، ولنا أبناء مثله؟ فقال: إنه ممن قد علمتم، قال: فدعاهم ذات يوم، ودعاني معهم، وما رأيته دعاني يومئذ إلا ليريهم مني. فقال: ما تقولون: ﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] حتى ختم السورة؟ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله تعالى ونستغفره، إذا جاء نصر الله وفتح علينا. وقال بعضهم: لا ندري؟ ولم يقل بعضهم شيئًا. فقال لي: يا ابن عباس كذاك تقول؟ قلت: لا، قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه الله، ﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ فتح مكة، فذاك علامة أجلك. ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ٣] فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تعلم. [رواه البخاري رقم: ٤٠٤٣].
• وقال أسلم: بينا أنا مع عمر بن الخطاب ﵁ وهو يَعُسّ المدينةَ إذْ عيِيَ فاتَّكأ إلى جانب جدار في جوف الليل، فإذا امرأة تقول لابنتها: يا ابنتاه قُومي إلى ذلك اللَّبن فامذُقيه بالماء، فقالت لها: يا أُماه أو ماعلمتِ ما كان من عزْمة أمير المؤمنين اليوم؟ قالت: وما كان من عَزمته يا بنيّة؟ قالت: إِنّه أمر مناديه فنادَى: أن لا يُشابَ اللَّبن بالماءِ. فقالت لها: يا بنيَة قُومي إلى ذلك اللّبن فامذُقيه بالماءِ، فإنّك بموضعٍ لا يراكِ عُمر ولا مُنادِي عمر، فقالت الصبية لأمها: يا أمَّاه والله ما كنتُ لأطيعه في الملأ وأعْصِيه في الخلاءِ. [صفة الصفوة ٤/ ٥٩٣].
• ومرّ عمر بن الخطّاب ﵁ بالصبيان وفيهم عبد الله بن الزبير ﵁، ففرّوا ووقف، فقال له عمر: ما لك لم تَفِرّ مع أصحابك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، لم أَجْرِم فأخافَك، ولم يكن بالطريق ضِيقٌ فأُوسعَ لك. [عيون الأخبار ٢/ ٥٩٥].
стр. 143
• وعن سنان بن سلمة ﵀ قال: كنت في غِلمة بالمدينة تلتقط البَلَح، فأبصرنا عمر ﵁، وسعى الغلمان وقمت، فقلت: يا أمير المؤمنين إنما هو ما ألقت الريح، قال: أرني أنظر، فلما أرَيْته قال: انطلق.
قال: قلت: يا أمير المؤمنين ولِّ هؤلاء الغلمان، إنك لو تواريت انتزعوا ما معي، قال: فمشى معي حتى بلغت مأمني. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٨/ ٦٤].
• وعن أيوب، عن أبي قلابة، عن عمرو بن سلمة ﵀. قال (١): قال لي أبو قلابة: ألا تلقاه فتسأله؟ قال فلقيته فسألته فقال: كنا بماء ممر الناس، وكان يمر بنا الركبان فنسألهم: ما للناس، ما للناس؟ ما هذا الرجل؟ فيقولون: يزعم أن الله أرسله، أوحى إليه. أو: أوحى الله بكذا، فكنت أحفظ ذلك الكلام، وكأنما يقر في صدري، وكانت العرب تلوم بإسلامهم الفتح، فيقولون: اتركوه وقومه، فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق، فلما كانت وقعة أهل الفتح، بادر كل قوم بإسلامهم، وبدر أبي قومي بإسلامهم، فلما قدم قال: جئتكم والله من عند النبي ﷺ حقا، فقال: (صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلوا كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآنا). فنظروا فلم يكن أحد أكثر قرآنا مني، لما كنت أتلقى من الركبان، فقدموني بين أيديهم، وأنا ابن ست أو سبع سنين، وكانت علي بردة، كنت إذا سجدت تقلصت عني، فقالت امرأة من الحي: ألا تغطون عنا إست قارئكم؟ فاشتروا فقطعوا لي قميصا، فما فرحت بشيء فرحي بذلك القميص. [رواه البخاري رقم: ٤٠٥١].
• وقدم إياس بن معاوية ﵀ الشام وهو غلام فقدّم خصماً له إلى قاض لعبد الملك بن مروان وكان خصمه شيخًا كبيرًا. فقال له القاضي: أتقدّم شيخًا كبيرًا؟ فقال له إياس: الحق أكبر منه. قال: اسكت. قال: فمن ينطق بحجتي؟ قال: ما أظنك تقول حقًا حتى تقوم. قال: أشهد أن لا إله إلا الله. فقام القاضي فدخل على عبد الملك فأخبره بالخبر فقال: اقضِ حاجتَه وأخرجه من الشام لا يفسدْ عليَّ الناس. [عيون الأخبار ١/ ١١٢].
стр. 144
• وقدم وفد على عمر بن عبد العزيز ﵀ من العراق، فنظر إلى شاب منهم يتحَوّز يريد الكلام، فقال عمر: كبِّروا. فقال الفتى: يا أمير المؤمنين إن الأمر ليس بالسن، ولو كان كذلك كان في المسلمين من هو أسنّ منك. قال: صدقتَ فتكلّم. [عيون الأخبار ١/ ٢٦٤].
• وعن مطرف ﵀ قال: كنا نأتي زيد بن صوحان وكان يقول: يا عباد الله أكرموا وأجملوا، فإنما وسيلة العباد إلى الله بخصلتين: الخوف والطمع؛ فأتيته ذات يوم وقد كتبوا كتابًا فنسقوا كلامًا من هذا النحو: إن الله ربنا ومحمد نبينا والقران إمامنا ومن كان معنا كنا وكنا له، ومن خالفنا كانت يدنا عليه وكنا وكنا، قال: فجعل يعرض الكتاب عليهم رجلاً رجلاً، فيقولون: أقررت يا فلان حتى انتهوا إليّ. فقالوا: أقررت يا غلام؟ قلت: لا قال: لا تعجلوا على الغلام، ما تقول يا غلام؟ قال: قلت: إن الله قد أخذ علي عهدًا في كتابه فلن أحدث عهدًا سوى العهد الذي أخذه الله عليّ! قال: فرجع القوم من عند آخرهم ما أقر به أحد منهم.
قال: قلت لمطرف كم كنتم؟ قال: زهاء ثلاثين رجلاً. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٣٦٢].
• وعن مسلم بن خالد قال للشافعي: ﵀ أفت يا أبا عبد الله، فقد والله آن لك أن تفتي. وهو ابن خمس عشرة سنة. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ١٢٠].
• وقال أبو محمد اليزيدي: كنت أؤدب المأمون ﵀، فأتيته يومًا وهو داخل، فوجهت إليه بعض خدمه يعلمه بمكاني، فأبطأ عليَّ، ثم وجهت آخر فأبطأ عليّ، فقلت لسعيد: إن هذا الفتى ربما تشاغل بالبطالة وتأخر. فقال: أجل، ومع هذا إذا فارقك عزم على خدمه، ولقوا منه أذى شديدًا، فقَوِّمْهُ بالأدب، فلما خرج أمرت بحمله فضربته سبع درر. قال: فإنه ليدلك عينه من البكاء إذ قيل: هذا جعفر بن يحيى قد أقبل، فأخذ منديلاً، فمسح عينيه، وجمع ثيابه، وقام إلى فراشه، فقعد عليه متربعًا وقال: ليدخل. فدخل، فقمت إلى المجلس، وخفت أن يشكوني إليه، فألقى منه ما أكره، فأقبل عليه بوجهه وحدثه حتى أضحكه، وضحك إليه، فلما همَّ بالحركة دعى بدابته، وأمر
стр. 145
غلمانه فسعوا بين يديه، ثم سأل عني، فجئت فقال: خذ عليَّ ما بقي من جزئي، فقلت: أيها الأمير، أطال الله بقاءك، لقد خفت أن تشكوني إلى جعفر بن يحيى، ولو فعلت ذلك لتنكر لي. فقال: أتراني يا أبا محمد كنت أطلع الرشيد على هذا، فكيف بجعفر بن يحيى حتى أطلعه أني أحتاج إلى أدب، أَدِّبْ يغفر الله لك بُعد ظنك، خذ في أمرك، فقد خطر ببالك ما لا تراه أبدًا، ولو عدت كل يوم مائة مرة. [المنتظم ١٠/ ٥٠].
• وعن الطالقاني أنه قال: قال الرشيد لأبي معاوية الضرير وهشيم: إني أسمع من ابني هذا - يعني المأمون - كلامًا لست أدري أمن تلقين القيم عليه هو أم من قريحة؟ فادخلا إليه، فناظراه واسمعا منه، وأخبراني بما تقفان عليه. فدخلا عليه وهو في أثواب صباه، فقالا له: إن أمير المؤمنين أمرنا بالدخول عليك ومناظرتك، فأي العلوم أحب إليك؟ قال: أمتعها لي. قالا: وما أمتعها لك. قال: أثبتها عن ثقة، وأقربها من أفهام مستمعيها. فقال له هشيم: جئناك لنعلمك فتعلمنا. ثم أخبرا الرشيد فقالا: إن هذا شيء أوله لحقيق أن يرجى آخره، ثم أعتق عنه مائة عبد وأمة، وألزمها خدمته. [المنتظم ١٠/ ٥٠].
• وقال ابن الجوزي ﵀: بلغنا أن أم جعفر عاتبت الرشيد على تقريبه المأمون دون ابنها محمد، فدعا خادمًا بحضرتها، وقال له: وجّه إلى عبد الله ومحمد خادمين حصيفين يقولان لكل واحد منهما على الخلوة: ما يفعل به إذا أفضت الخلافة إليه؟. فأما محمد فقال للخادم الذي مضى إليه: أقطعك وأوليك وأبلغ لك. وأما المأمون فرمى الخادم بالدواة وقال: يا ابن اللخناء تسلني ما أفعل بك بموت أمير المؤمنين؟ بل نكون جميعًا فداء له. فرجع بالخبر كل منهما. فقال لأم جعفر: كيف ترين ما أقدم ابنك إلا متابعة لرأيك وتركًا للجزع، وقد كان المأمون يعنى بالعلم قبل ولايته كثيرًا حتى جعل لنفسه مجلس نظر. [المنتظم ١٠/ ٥٠، ٥١].
стр. 146
الجهاد والتضحية في سبيل الله
• عن ابن شوذب قال: جعل أبو عبيدة بن الجراح يتصدى لابنه أبي عبيدة ﵁ يوم بدر، فجعل أبو عبيدة يحيد عنه، فلما أكثر قصده أبو عبيدة فقتله. فأنزل الله تعالى فيه هذه الآية حين قتل أباه ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾ الآية [المجادلة: ٢٢]. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٩٩].
• وعن محمد بن إسحاق قال: لما خرج النبي ﷺ إلى بدر استشار الناس، فقام المقداد بن عمرو ﵁ فقال: يا رسول الله امض لما أمرك الله به فنحن معك، والله ما نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﵇: ﴿فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون، والله الذي بعثك بالحق نبيًا لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه. فقال له رسول الله ﷺ خيرًا ودعا له. [الحلية (تهذيبه) ١/ ١٤٨].
وعن أبي رافعٍ، قال: وجّه عُمرُ ﵁ جيشا إلى الروم، فأسروا عبد الله بن حُذَافَة ﵁، فذهبوا به إلى ملكهم، فقالوا: إن هذا من أصحاب محمد. فقال: هل لك أن تَتَنَصَّر وأعطيَكَ نصفَ ملكي؟ قال: لو أعطيتني جميع ما تَملكُ، وجميع ملك العرب، ما رجعت عن دين محمد طرفةَ عين، قال: إذًا أقتلَك. قال: أنت وذاك. فأمر به فصُلِبَ. وقال للرُّمَاة: ارمُوهُ قريبًا من بدَنِهِ، وهو يَعرِضُ عليه، ويأبى، فأنزله. ودعا بقدْر، فصب فيها ماء حتى احترقت، ودعا بأسيرَيْن من المسلمين، فأمر بأحدهما، فأُلقي فيها، وهو يَعرِضُ عليه النصرانية، وهو يأبى. ثم بكى. فقيل للملك: إنَّهُ بكى، فظنَّ أنَّه قد جزع، فقال: رُدُّوه. ما أبكاك؟ قال: قلت: هي نفس واحدَةٌ تُلقى الساعةَ
стр. 147
فتَذهبُ، فكنت أشتهي أن يكون بعدد شعري أنفسٌ تُلقى في النار في الله. فقال له الطاغية: هل لك أن تقبِّل رأسي وأخلِّي عنك؟ فقال له عبد الله: وعن جميع الأسارى؟ قال: نعم. فقبَّلَ رأسَه، وقدم بالأُسارى على عُمر، فأخبرَه خبره. فقال عمر: حقٌّ على كل مسلم أن يقبّل رأسَ ابن حُذافَةَ، وأنا أبدأ، فَقبَّل رأسَه. [السير (تهذيبه) ١/ ٢١١].
• وعن محمد بن كعب، عن عبد الله بن أنيس الجهني ﵁؛ أن رسول الله ﷺ قال: (من لي بخالد بن نبيح) رجل من هذيل، وهو يومئذ قبل عرفة بعرنة، قال عبد الله بن أنيس: أنا يا رسول الله انعته لي، قال: (إذا رأيته هبته) قال: يا رسول الله والذي بعثك بالحق، ما هبت شيئًا قط.
قال: فخرج عبد لله بن أنيس، حتى أتى جبال عرفة فلقيه قبل أن تغيب الشمس، قال عبد الله: فلقيت رجلاً فرعبت منه، حين رأيته، فعرفت حين قريت منه أنه ما قال رسول الله، فقال لي: من الرجل؟ فقلت: باغي حاجة هل من مبيت؟ قال: نعم فالحق، فرحت في أثره فصليت العصر ركعتين خفيفتين وأشفقت أن يراني، ثم لحقته فضربته بالسيف، ثم خرجت فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته
• قال محمد بن كعب: فأعطاه رسول الله ﷺ مخصرة فقال: (تخصَّر بهذه حتى تلقاني بها يوم القيامة، وأقل الناس المتخصِّرون) قال محمد بن كعب: فلما توفي عبد الله بن أنيس، أمر بها فوضعت على بطنه وكفن ودفن ودفنت معه. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٢٥٥].
• وعن ابن عمر قال: فقدنا جعفر بن أبي طالب ﵁ يوم مؤتة فطلبناه في القتلى، فوجدنا به بين طعنة ورمية بضعًا وتسعين، ووجدنا ذلك فيما أقبل من جسده. [الحلية (تهذيبه) ١/ ١١١]. وعن عباد حدثني أبي - الذي أرضعني - وكان في تلك الغزوة غزوة مؤتة قال: والله لكأني أنظر إلى جعفر، حين اقتحم عن فرس له شقراء، ثم عقرها ثم قاتل حتى قتل. وقال: قال فأنشأ جعفر يقول:
يا حبذا الجنة واقترابها … طيبة وبارد شرابها
стр. 148
والروم روم قد دنا عذابها … عليَّ إن لا قيتها ضرابها
وقال محمد بن إسحاق: وحدثني ابن عباد بن عبد الله بن الزبير حدثني أبي الذي أرضعني - وكان في تلك الغزاة - قال: لما قتل زيد وجعفر، أخذ ابن رواحة ﵁ الراية، ثم تقدم بها وهو على فرسه فجعل يستنزل نفسه، ويردد بعض التردد ثم قال:
أقسمت يا نفس لتنزلنه … لتنزلنه أو لتكرهنه
إذ جلب الناس وشدوا الرنه … مالي أراك تكرهين الجنه
لطالما قد كنت مطمئنه … هل أنت إلا نطفة في شنه
ثم نزل فلما نزل أتاه ابن عمي بعظم من لحم فقال: شد بهذا صلبك، فإنك قد لاقيت من أيامك هذه ما قد لقيت. فأخذه من يده! ثم انتهش منه نهشة ثم سمع الحطمة في ناحية الناس. فقال: وأنت في الدنيا ثم ألقاه من يده، ثم أخذ سيفه فتقدم فقاتل حتى قتل رضي الله تعالى عنه. [الحلية (تهذيبه) ١/ ١١١ - ١١٣].
• وقال ابنُ الزُبير ﵁: هجم علينا جُرجير في عشرين ومئة ألف، فأحاطوا بنا ونحن في عشرين ألفًا - يعني: نوبة إفريقية.
قال: واختلفَ الناسُ على ابن أبي سَرحٍ، فدخل فُسطاطه، فرأيتُ غِرَّةً من جرجير، بَصرْتُ به خَلْفَ عساكرهِ على بِرْذَوْنٍ أشْهَبَ، معه جاريَتان تُظلِّلَانِ عليه بريش الطَواويس، بينَهَ وبينَ جيشه بيضاءُ، فأتيتُ أميرَنا ابنَ أبي سرحٍ، فندَبَ لي الناسَ، فاخترتُ ثلاثين فارسًا، وقلتُ لسائرهم: البثوا على مَصَافِّكم، وحملتُ وقلتُ لهم: احمُوا ظهري، فخرقتُ الصف إلى جرجير وخرجت صامدًا، وما يحسِبُ هو ولا أصحابُه إلا أني رسولٌ إليه، حتى دنَوتُ منه فعرفَ الشرَّ فثابرَ برذونُه مولِّيًا، فأدركتُه، فطعنتُه، فسقط، ثم احتززتُ رأسَه فنصبتُه على رمحي، وكبَّرتُ، وحمل المسلمونَ، فارفضَّ العدوُّ ومنح الله أكتافَهم. [السير (تهذيبه) ١/ ٣٩٥].
• وعن جعفر بن عبد الله بن أسلم، قال: لما كان يوم اليمامة، واصطفّ الناس كان أول من جُرح أبو عَقِيل ﵁، رُمي بسهم، فوقع بين منكبيه وفؤاده
стр. 149
في غير مقتل، فأخرج السهم ووهَن له شقُّه الأيسر في أول النهار، وجُرّ إلى الرحل.
فلما حميَ القتال، وانهزم المسلمون، وجاوزوا رحالهم، وأبو عَقيل واهن من جرحه، سَمِع معن بن عدي يصيح: يا للأنصار! اللهَ الله، والكرّة على عدوكم. قال عبد الله بن عمر: فنهض أبو عقيل يريد قومه، فقلت: ما تريد: ما فيك قتال. قال: قد نوَّه المنادي باسمي. قال ابن عمر: فقلت له: إنما يقول: يا للأنصار، ولا يعني: الجرحى، قال أبو عقيل: أنا من الأنصار وأنا أجيبه، ولو حَبْوًا. قال ابن عمر: فتحزَّم أبو عقيل، وأخذ السيف بيده اليمنى، ثم جعل ينادي: يا للأنصار! كرّةً كيوم حُنين، فاجتمعوا رحمكم الله جميعًا، تقدّموا، فالمسلمون دريئة دون عدوهم. حتى أقحموا عدوّهم الحديقة، فاختلطوا، واختلفت السيوف بيننا وبينهم.
قال ابن عمر: فنظرت إلى أبي عَقيل وقد قُطعت يده المجروحة من المنكب فوقعت إلى الأرض، وبه من الجراح أربعة عشر جرحًا كلّها قد خلصت إلى مَقتل، وقتل عدو الله مسيلمة.
قال: فوقفت على أبي عقيل وهو صريع بآخر رمق فقلت: يا أبا عقيل! قال: لبيك - بلسان ملتاث - لمن الدَّبَرة؟ قلت: أبشر قد قتل عدو الله، فرفع إصبعه إلى السماء يحمد الله. ومات ﵀. [صفة الصفوة ١/ ٢١٤].
• وقال خالد بن الوليد ﵁: ما مِن ليلة يُهدى إليَّ فيها عروسٌ أنا لها مُحِبٌّ أَحبّ إِليَّ من ليلة شديدةِ البرد، كثيرةِ الجليد في سريَّةٍ أُصبّحُ فيها العَدُوَّ. [السير (تهذيبه) ١/ ١٧٩].
• وقال قيس بن أَبي حازم: سمعت خالد بن الوليد ﵁ يقول: منعني الجهادُ كثيرًا مِن القراءة، ورأيته أتي بِسُمٍ، فقالُوا: ما هذا؟ قالوا: سُمٌّ، قال: باسم الله. وشربه. قلت: هذه والله الكرامة، وهذه الشجاعةُ. [السير (تهذيبه) ١/ ١٧٩].
• ولما خرج أبو بكر ﵁ إلى أهل الردة كان خالد بن الوليد ﵁ يحمل لواءه، فلما تلاحق الناس به استعمل خالدًا، ورجع إلى المدينة وكان خالد يقول: ما أدري من أي يومي أفرّ؟ من يوم أراد الله أن يهدي لي فيه
стр. 150
شهادة أو من يوم أراد الله أن يهدي لي فيه كرامة؟. [صفة الصفوة ١/ ٣١٣]
• وعن أبي هريرة ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ عشرة رهط عينًا وأمَّر عليهم عاصمًا بن ثابت الأنصاري ﵁ جد عاصم بن عمر بن الخطاب. فانطلقوا حتى إذا كانوا بالهدة، بين عسفان ومكة، ذُكروا لحي من هذيل يقال لهم بنو لحيان، فنفروا إليهم بقريب من مائة رجل رام، فاقتصوا آثارهم حتى وجدوا مأكلهم التمر في منزل نزلوه. قالوا: نوى يثرب، فاتبعوا آثارهم، فلما أحس بهم عاصم وأصحابه، لجؤوا إلى فدفد فأحاط بهم القوم، وقالوا لهم: انزلوا وأعطوا بأيديكم، ولكم العهد والميثاق لا نقتل منكم أحدًا. فقال عاصم بن ثابت أمير القوم: أما أنا والله لا أنزل في ذمة كافر، اللهم أخبر عنا نبيك، فرموهم بالنبل فقتلوا عاصمًا في سبعة، ونزل إليهم ثلاثة نفر على العهد والميثاق منهم خبيب الأنصاري ﵁، وزيد بن الدثنة ﵁، ورجل آخر، فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم فربطوهم بها فقال الرجل الثالث: هذا أول الغدر والله لا أصحبكم إن لي بهؤلاء أسوة - يريد القتلى - فجرَّوه وعالجوه فأبى أن يصحبهم فقتلوه، وانطلقوا بخبيب وزيد حتى باعوهما بمكة بعد وقعة بدر، فابتاع بنو الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف خبيبًا، وكان خبيب هو قتل الحارث بن عامر يوم بدر، فلبث خبيب عندهم أسيرًا حتى أجمعوا قتله، فاستعار من بعض بنات الحارث موسى يستحد بها، فأعارته إياها، فدرج بني لها حتى أتاه قالت: وأنا غافلة فوجدته مجلسه على فخذه والموسى بيده. قالت: ففزعت فزعة عرفها خبيب فقال: أتخشين أن أقتله ما كنت لأفعل ذلك. قالت: والله ما رأيت أسيرًا قط خيراً من خبيب، والله لقد وجدته يومًا يأكل قطفًا من عنب في يده وإنه لموثق في الحديد وما بمكة من ثمرة. وكانت تقول: إنه لرزق رزقه الله خبيبًا فلما خرجوا به من الحرم ليقتلوه في الحلّ قال لهم خبيب:
دعوني أركع ركعتين، فتركوه ثم قال: والله لولا أن تحسبوا أن ما بي جزع لزدت. اللهم أحصهم عددًا، واقتلهم بددًا، ولا تبق منهم أحدًا ثم قال:
فلست أبالي حين أقتل مسلمًا … على أي جنب كان في الله مصرعي
стр. 151
وذلك في ذات الإله وإن يشأ … يبارك على أوصال شلو ممزع
ثم قال إليه أبو سروعة عقبة بن الحارث فقتله، وكان خبيب أول من سنّ لكل مسلم قتل صبرًا الصلاة. [رواه البخاري. رقم: ٣٧٦٧].
- قال ابن إسحاق: قال خبيب ﵁ حين بلغه أن القوم قد أجمعوا لصلبه:
لقد جمَّع الاحزاب حولي وألّبو … قبائلهم واستجمعوا كلَّ مجمع
وقد جمّعوا أبناءهم ونساءهم … وقربت من جزع طويل ممنع
إلى الله أشكو كربتي بعد غربتي … وما جمّع الاحزاب لي حول مصرعي
فذا العرش صَبِّرني على ما يراد بي … فقد بضَّعوا لحمي وقد ياس مطمعي
وقد خيروني الكفر والموت دونه … وقد ذرفت عيناي من غير مجزع
وما بي حذار الموت إني ميت … ولكن حذاري جحم نار ملفح
وذلك في ذات الإله وإن يشا … يبارك على أوصال شلو ممزع
فلست أبالي حين أقتل مسلمًا … على أي جنب كان في الله مصرعي
[الحلية (تهذيبه) ١/ ١٠٦].
• وعن إسحاق بن سعد بن أبي وقاص: حدثني أبي أن عبد الله بن جحش ﵁ قال له يوم أحد: ألا تدعو الله، فخلوا في ناحية فدعا عبد الله بن جحش فقال: يا رب إذ لقيت العدو غدًا فلقني رجلاً شديدًا بأسه شديدًا حرده، أقاتله فيك ويقاتلني، ثم يأخذني فيجدع أنفي وأذني، فإذا لقيتك غدًا قلتَ: يا عبد الله من جدع أنفك وأذنك؟ فأقول: فيك وفي رسولك، فتقول: صدقت. قال سعد: فلقد رأيته آخر النهار وإن أنفه وأذنه لمعلقتان في خيط. [الحلية (تهذيبه) ١/ ١٠٤].
• وعن أنس أن أبا طلحة الأنصاري ﵁ قرأ سورة براءة فلما أتى على هذه الآية: ﴿انفرُوا خِفَافَا وَثِقَالاً﴾ [التوبة: ٤١] قال: أرى ربنا يستنفرنا شيوخًا وشبانًا جهزوني أي بني، فقال بنوه: يرحمك الله قد غزوت مع رسول الله ﷺ حتى مات ومع أبي بكر حتى مات ومع عمر ﵄ فنحن نغزو عنك، فأبى فجهزوه فركب البحر فمات فلم يجدوا له جزيرة يدفنوه فيها إلا بعد سبعة أيام فلم يتغير فدفنوه فيها. [الزهد للإمام أحمد / ٤٢٩ - ٤٣٠].
стр. 152
• وعن سعد بن إبراهيم قال: مَرُّوا برجل يوم القادسية وقد قطعت يداه ورجلاه وهو يضحك، ويقول: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً﴾. [النساء: ٦٩] فقيل: ممن أنت رحمك الله؟ قال: امرؤ من الأنصار. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٤/ ٤١].
• وعن هشام بن محمد: أن زيد بن صوحان ﵀ أصيبت يده في بعض فتوح العراق، فتبسم والدماء تشخب، فقال له رجل: ما هذا موضع تبسم!
فقال زيد: ألم حل هونه ثواب الله عليه، أفأردفه بألم الجزع الذي لا جدوى فيه ولا دريكة لفائت معه؟ وفي تبسمي عزيَّة لبعض المؤتسين من المؤمنين. فقال الرجل: أنت أعلم بالله مني. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٤/ ٤١].
• وعن مسعر قال: مُرَّ برجل يوم اليمامة وقد نثر قُصْبُه - أي أمعاؤه - في الأرض، وهو يقول لبعض من مر به: ضم إلي منه لعلي أدنو قيد رمح أو رمحين في سبيل الله!!. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٤/ ٤١].
• وقال إسحاق بن إبراهيم: نظر يونس بن عبيد ﵀ إلى قدميه عند موته، فبكى، فقيل له: ما يبكيك يا أبا عبد الله؟ قال: قدمَايَ لم تُغْبَرّا في سبيل الله . [صفة الصفوة ٣/ ٢١٧].
• وقال الأصمعي: لما صافَّ قتيبةُ بنُ مسلم ﵀ للترك، وهاله أمرُهم سأل عن محمد بن واسع. فقيل: هو ذاك في الميمنة جامح على قوسه يُبصبصُ بأصبعه نحوَ السماء. قال: تلك الأصبعُ أحبُّ إلى من مئة ألف سيف شهيرٍ وشاب طرير. [السير (تهذيبه) ٢/ ٦٣٨].
• وعن محمد بن إبراهيم بن أبي سُكَينة، قال: أملى عليَّ ابنُ المبارك ﵀ سنة سبع وسبعين ومئة، وأنفذها معي إلى الفُضيل بن عياض من طرَسُوس:
يا عَابدَ الحَرمين لَوْ أبْصَرتَنَا … لَعَلِمْتَ أنَّكَ في العبَادةِ تَلْعَبُ
مَن كانَ يَخضِبُ جيدَه بِدُمُوعِه … فنحورُنا بدمائِنا تتخضَّبُ
стр. 153
أو كانَ يُتعِبُ خيله في باَطلٍ … فَخُيولُنا يَومَ الصَّبيحَةِ تَتعَبُ
ريحُ العَبيرِ لكم ونحنُ عبيرُنا … رهجُ السَّنابِكِ والغُبارُ الأطيبُ
وَلَقد أتاناَ من مَقَالِ نَبيِّنا … قولٌ صحيحٌ صادقٌ لا يُكذَبُ
لا يَستوي وغُبَارُ خيل الله في … أنفِ امرئ ودُخانُ نار تلهبُ
هذا كِتَابُ الله ينطقُ بَيننَا … ليس الشهيدُ بميتٍ لا يُكذَبُ
فلقيت الفُضيل بكتابه في الحرم، فقرأ وبكى، ثم قال: صدق أبو عبد الرحمن ونصح. [السير (تهذيبه) ٢/ ٧٧٠].
• وقال خالد بن معدان ﵀: كانوا لا يفضلون على الرباط شيئًا. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ١٨٨].
• ونظر يونس بن عُبيد ﵀ عند موته إلى قدميه فبكى فقيل له: ما يبكيك؟ قال: ذكرت أنهما لم تغبرا في سبيل الله!. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ٣٥٨].
• وقال ابن كثير ﵀: اعتمد السلطان ألْب أرْسلان ﵀ في الوزارة على نظام الملك، وكان وزير صدق، يُكرم العلماء والفقراء، ولما عصى الملك شهاب الدولة قُتُلْمش، وخرج عن الطاعة، وطمع في أخذ الملك من ألب أرسلان فجمع وحشد له ألب أرسلان، فقال له الوزير: أيها الملك، لا تخف؛ فإني قد استخدمت لك جندًا ليليًّا يدعون لك وينصرونك بالتوجه في صلواتهم وخلواتهم، وهم العلماء والصلحاء، فطابت نفسه بذلك، فحين التقى مع قُتلْمش لم ينتظره أن كسره، وقتل خلقًا من جنوده، وقُتل قتلْمش في المعركة، واجتمعت الكلمة على ألْب أرسلان. [البداية والنهاية ١٢/ ١٦٢، ١٦٣].
стр. 154
الدعوة إلى الله
• عن أنس ﵁ أن أبا طلحة خطب أم سليم ﵂، فقالت، يا أبا طلحة ألست تعلم أن إلهك الذي تعبده خشبة نبتت من الأرض نَجَرَها حبشيُّ بني فلان؟ قال: بلى. قالت: أفلا تستحيي أن تعبد خشبة من نبات الأرض نجرها حبشي بني فلان؟ لئن أنت أسلمت لم أُرِد منك من الصداق غيره. قال: حتى أنظر في أمري، فذهب ثم جاء فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. قالت: يا أنس زوّج أبا طلحة.
قال ثابت: فما سمعنا بمهرٍ قطُّ كان أكرم من مَهر أم سليم: الإسلام. [صفة الصفوة ٢/ ٤٢٧].
• وقال ابن كثير ﵀: لما مرض الشِّبْلِيُّ ﵀ بعث إليه المقتدر طبيبا نصرانيا، فقال له الطبيبُ: فلو علمتُ أن قطع بعض جسدي يشفيك لقطعتُه. فقال له: يشفيني قطع ما هو أيسر عليك من ذلك. فقال: وما هو؟ قال: قطع زنّارك. فقطعه وأسلم، فبلغ ذلك الخليفة فقال: بعثنا طبيبًا إلى عليل، فإذا هو عليلٌ إلى طبيب. [البداية والنهاية ١١/ ٢٩٦].
стр. 155
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
(أ) أهمية وفضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعاقبة من تركه:
• قرأَ أبو بكر ﵁ هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]. ثم قال: إن الناس يضعون هذه الآية على غير موضعها، ألا وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن القوم إذا رأوُا الظالم فلم يأخذوا على يديه، والمنكر فلم يغيروه، عمهم الله بعقابه). [موسوعة ابن أبي الدنيا ٢/ ١٩٣].
• عن يوسف بن أسباط، عن سفيان قال: قال حذيفة بن اليمان ﵁: إن الرجل ليدخل المدخل الذي يجب عليه أن يتكلم فيه لله، فلا يتكلم، فلا يعود قلبه إلى ما كان أبدًا. قال يوسف: فحدثت به أبا إسحاق الفزاري حين قدم من عند هارون فبكى، ثم قال: أنت سمعت هذا من سفيان؟. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٢/ ٢١٣].
• عن أبي الرقاد، قال: خرجت مع مولاي فانتهى إلى حذيفة ﵁ وهو يقول: إن كان الرجل ليتكلم بالكلمة على عهد رسول الله ﷺ فيصير بها منافقا، وإني لأسمعها من أحدكم اليوم في المقعد الواحد أربع مرات، لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتحاضن (١) على الخير، أو ليسحتنكم (٢) الله جميعا بعذاب، أو ليؤمرن عليكم شراركم، ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٢/ ١٩٧].
стр. 156
• وقال أبو الدرداء ﵁: ما تصدق مؤمن بصدقة أحب إلى الله من موعظة يعظ بها قومه، فيفترقون قد نفعهم الله بها. [صفة الصفوة ١/ ٣٠١].
• وعن أبي بكرة ﵁، قال: والله ما من نفس تخرج أحب إلي من نفسي هذه، ولا نفس هذا الذباب الطائر، ففزع القوم، فقالوا: لِمَ؟ فقال: إني أخشى أن أدرك زمانًا لا أستطيع أن آمر بمعروف، ولا أنهى عن منكر، وما خير يومئذ. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ٤٠٦].
• وعن علي بن الحسين ﵀ قال: التارك للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كنابذ كتاب الله وراء ظهره، إلا أن يتقي تقاة. قيل: وما تقاته؟ قال: يخاف جبارًا عنيدًا أن يفرط عليه أو أن يطغى.
• وقال أبو عبد الرحمن العُمريُّ الزاهدُ ﵀: إنَّ مِن غفلتك عن نفسك إعراضَك عن الله، بأن ترى ما يُسخطه فتجاوزَه، ولا تأمر، ولا تنهى خوفًا من المخلوق. من ترك الأمر بالمعروف خوف المخلوقين، نُزِعَتْ منه الهيبةُ، فلو أمر ولدَه، لا ستخفَّ به. [السير (تهذيبه) ٢/ ٧٦٥].
• وقال الفضيل ﵀: لم يدرك عندنا من أدرك بكثرة صيام ولا صلاة، وإنما أدرك عندنا بسخاء الأنفس، وسلامة الصدور، والنصح للأمة. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ٢٠].
• وقال ابن علية ﵀ في قول أبي بكر المزني: ما فاق أبو بكر ﵁ أصحاب محمد ﷺ بصوم ولا صلاة، ولكن بشيء كان في قلبه، قال: الذي كان في قلبه الحبّ لله والنصيحة في خلقه. [جامع العلوم والحكم / ١٠٧].
• وعن وُهَيْبِ بن الوردِ ﵀ قال: لقي عالم عالمًا هو فوقه في العلم، فقال: يرحمك الله، ما الذي أخفي من عملي؟ قال: ما يظن بك أنك لم تعمل حسنةً قط إلا أداء فرائض. قال: يرحمك الله، فما الذي أعلن من عملي؟ قال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنه دينُ الله الذي بعث الله به أنبياءه إلى عباده، وقد اجتمع الفقهاء على قول نبي الله ﷺ : (وجعلني
стр. 157
مباركًا أين ما كنت) ما بَرَكَتُهُ تلك؟ قال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أينما كان. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٢/ ١٩٧].
• وعن الضحاك ﵀ قال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فرائض الله ﵎. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٢/ ٢١].
• وعن عمر بن عبد العزيز ﵀ قال: كان يُقال: إن الله لا يعذِّبُ العامة بذنب الخاصة، ولكن إذا عمل المنكر جهارًا استحقُوا العقوبة كلُهم. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٢/ ٣١٢].
• وعن أبي هزان ﵀ قال: بعث الله ملكين إلى أهل قرية أن دمِّراها بمن فيها، فوجدا فيها رجلاً قائمًا يصلي في مسجد، فعمد أحدهما إلى الله : فقال: يا رب إنا وجدها فيها عبدك فلانًا يصلي في مسجده، فقال الله : دمِّراها ودمِّراه معها، فإنه ما معَّر وجهه فيّ قط. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٢/ ٣١١].
• وعن إبراهيم بن عمرو الصنعاني ﵀ قال: أوحى الله عزم وجل إلى يُوشع بن نون: أني مهلك من قومك أربعين ألفًا من خيارهم، وستين ألفا من شرارهم، قال: ياربً هؤلاء الأشرار، ما بال الأخيار؟ قال: إنهم لم يغضبوا لغضبي، وكانوا يؤاكلُونهم ويشاربونهم. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٢/ ٣١٢].
(ب) آداب وواجبات من يقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (١):
• عن يزيد بن الأصم أن رجلاً كان ذا بأس وكان يوفد إلى عمر بن
стр. 158
الخطاب ﵁ لبأسه وكان من أهل الشام، وإن عمر فقده فسأل عنه، فقيل له: تتابع في هذا الشراب! فدعا كاتبه فقال: اكتب من عمر بن الخطاب إلى فلان، سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، غافر الذنب وقابل التوب، شديد العقاب ذي الطول، لا إله إلا هو إليه المصير، ثم دعا وأمن من عنده ودعوا له أن يقبل الله بقلبه، وأن يتوب عليه، فلما أتت الصحيفة الرجل جعل يقرأها ويقول: غافر الذنب قد وعدني الله أن يغفر لي، وقابل التوب شديد العقاب. قد حذرني الله عقابه، ذي الطول والطول الخير الكثير، لا إله إلا هو إليه المصير. فلم يزل يرددها على نفسه، ثم بكى ثم نزع فأحسن النزع، فلما بلغ عمر أمره. قال: هكذا فاصنعوا إذا رأيتم أخًا لكم زل زلة، فسددوه ووفقوه وادعوا الله أن يتوب عليه، ولا تكونوا أعوانًا للشيطان عليه. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٥٧].
• وعن أبي قُلابة أن أبا الدرداء ﵁ مرّ على رجل قد أصاب ذنْبًا، فكانوا يسبّونه. فقال: أرأيتم لو وجدتموه في قليبٍ ألم تكونوا مستخرجيه؟ قالوا: بلى. قال: فلا تسبّوا أخاكم، واحمدوا الله الذي عافاكم. قالوا: أفلا تبغضه؟ قال: إنما أبغض عمله، فإذا تركه فهو أخي. [رواه الطبراني. صفة الصفوة ١/ ٣٠٤].
стр. 159
• وسئل ابن عباس ﵄ عن أمر السلطان بالمعروف، ونهيه عن المنكر، فقال: إن كنت فاعلاً ولا بدّ ففيما بينك وبينه. [جامع العلوم والحكم / ١٠٧، ١٠٨].
• وقال سعيد بن جبير ﵀: قلت لابن عباس ﵁: آمر السلطان بالمعروف وأنهاه عن المنكر؟ قال: إن خفت أن يقتلك فلا، قال: ثم عدت فقال لي مثل ذلك، ثم عدت فقال لي مثل ذلك، وقال: إن كنت لا بدّ فاعلاً، ففيما بينك وبينه. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٢/ ٢١٥، جامع العلوم والحكم / ١٠٨].
• وقال طاوس ﵀: أتى رجل ابن عباس ﵁ فقال: ألا أقوم إلى هذا السلطان فآمره وأنهاه؟ قال: لا تكن له فتنة، قال: أفرأيت إن أمرني بمعصية الله ؟ قال: ذلك الذي تريد، فكن حينئذٍ رجلاً. (١) [موسوعة ابن أبي الدنيا ٢/ ٢١٩، جامع العلوم والحكم / ١٠٨].
• وقال عبد العزيز بن أبي رواد ﵀: كان من كان قبلكم إذا رأى الرجل من أخيه شيئًا يأمره في رفق، فيؤجر في أمره ونهيه، وإن أحد هؤلاء يخرق بصاحبه فيستغضب أخاه ويهتك ستره. [جامع العلوم والحكم / ١٠٧، ١٠٨].
• وعن مغيرة قال: كان رجل على حال حسنة فأحدث - أو أذنب ذنبًا - فرفضه أصحابه ونبذوه، فبلغ إبراهيم النخعي ﵀ ذلك. فقال: تداركوه وعظوه ولا تدعوه. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٩٤].
• وقال الفضيل بن عياض ﵀: المؤمن يستر ويعظ وينصح، والفاجر يهتك ويعير ويفشي. (٢) [الحلية (تهذيبه) ٣/ ١٤].
стр. 160
• عن محمد بن أبي عثمان قال: رأى الفضيل ﵀ رجلاً يفقع أصابعه في صلاته فزبره ونهره، فقال له الرجل: يا هذا! ينبغي لمن قام لله بأمر أن يكون ذليلاً، فبكى الفضيل، وقال له: صدقت. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٢/ ٢١٠].
• وقال بشر بن الحارث ﵀: لا ينبغي أن يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، إلا من يصبر على الأذى. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ٩٠].
• وقال الإمام أحمد ﵀: الناس يحتاجون إلى مداراة، ورفق في الأمر بالمعروف، بلا غلظة، إلا رجلاً معلنًا بالفسق فإنه لا حرمة له. [الجامع المنتخب / ٦٨].
• وقال أيضًا ﵀: لا يتعرّض إلى السلطان فإن سيفه مسلول. [جامع العلوم والحكم / ٤٢٧].
• وقال ابن شبرمة ﵀: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كالجهاد، يجب على الواحد أن يصابر فيه الاثنين، ويحرم عليه الفرار منهما ولا يجب عليه مصابرة أكثر من ذلك. [جامع العلوم والحكم / ٤٢٧].
• وعن سلاّم بن مسكين قال: سألت الحسن ﵀ قُلتُ: يا أبا سعيد، الرجل يأمر والديه بالمعروف وينهاهما عن المنكر؟
قال: يأمرهما إن قبلا، وإن كرها سكت عنهما. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٢/ ٢٠٥].
• وقال الفُضيل بن عياض ﵀: إنما تأمر من يقبل منك، أرأيت إن لقيت سلطانًا أكنت تقول له: اتق الله، لو قلت هذا لأهلكتَ أهل بيتك ونفسك وجيرانك، ولكن احفظ نفسك وأخف مكانك. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٢/ ٢٠٨].
• وقال سليمان الخوَّاص ﵀: من وعظ أخاه فيما بينه وبينه فهي نصيحة، ومن وعظه على رؤوس الناس فإنما فضحه. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٢/ ٢٠٩].
• ومر طلحة بن مصرف ﵀ على حجر بن وائل، وهو جالس على باب داره، فأصغى إليه، ثم مضى، فقال حجر: جزاك الله خيرا ودعا له، ثم
стр. 161
قال: أتدرون ما قال؟ قال: رأيتك في الجمعة تلتفت، لا تفعل. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٢/ ٢١٠].
• وعن عبد العزيز بن أبي رواد ﵀ قال: كان من قبلكم إذا رأى من أخيه شيئاً يأمره في رفق، فيؤجر في أمره ونهيه، وإن أحد هؤلاء يخرق بصاحبه ويستعقب أخاه ويهتك ستره. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٢/ ٢١٠].
• وقيل للأوزاعي ﵀: آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، قال: مرْ من يقبل منك. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٢/ ٢١٦].
• وقال وهيب ﵀: لو أن علماءنا عفا الله عنا وعنهم نصحوا الله في عباده، فقالوا: يا عباد الله اسمعوا ما نخبركم عن نبيكم وصالح سلفكم من الزهد في الدنيا فاعلموا به، ولا تنظروا إلى أعمالنا هذه الفاسدة: كانوا قد نصحوا لله في عباده، ولكنهم يأبون إلا أن يجروا عباد الله إلى فتنهم وما هم فيه. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ١٤٢].
• وقال الذهبي ﵀: الصَّدعُ بالحق عظيم، يحتاج إلى قوة وإخلاص، فالمُخْلِص بلا قوة يعجِزُ عن القيام به، والقويُّ بلا إخلاص يُخْذَلُ، فمن قام بهما كاملاً، فهو صِدِّيق. ومن ضَعُفَ، فلا أقلَّ مِن التألم والإنكار بالقلب. ليس وراء ذلك إيمان، فلا قوة إلا بالله. [السير (تهذيبه) ٢/ ٩٣١].
(جـ) وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإن كان مقصرًا:
• قال عمر بن عبد العزيز ﵀: لو أن المرء لا يعظ أخاه حتى يحكم أمر نفسه، ويكمل الذي خلق له من عبادة ربه: إذن لتواكل الناس الخير، وإذن لرفع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقل الواعظون والساعون لله بالنصيحة في الأرض. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٢/ ٢٢٢].
(د) وجوب الأمر بالمعروف وإن لم يعمل بكل ما يقول:
• عن أبي الدرداء ﵁ قال: إني لآمركم بالأمر وما أفعله، ولكن لعلَّ الله يأجُرُني فيه. [السير (تهذيبه) ١/ ٢٧١].
стр. 162
• وقال مالك بن دينار ﵀: إني آمركم بأشياء لا يبلغها عملي، ولكني إذا نهيتكم عن شيء ثم خالفتكم إليه فأنا يومئذ كذاب. [الحلية (تهذيبه) / ٤٢٨].
(هـ) قصص ووقائع:
• عن عمرو بن مهاجر قال: قال لي عمر بن عبد العزيز ﵀: إذا رأيتني قد ملتُ عن الحق، فضع يدك في تلبابي، ثم هزَّني، ثم قل: يا عمر ما تصنع؟. [صفة الصفوة ٢/ ٤٦٧].
• وقال مالك بن دينار ﵀: كان حَبْر من أحبار بني إسرائيل، قال: فرأى بعضَ بنيه يومًا غَمَزَ النساء، فقال: مهلاً يا بنيّ. قال: فسقط من سريره، فانقطع نخاعه، فأسقَطت امرأته، وقُتل بنوه في الجيش، وأوحى الله تعالى إلى نبيّهم أنْ أخبر فلانًا الحبْر أنيّ لا أخرِج من صُلبك صِدِّيقًا أبدًا، ما كان غضبك لي إلا أن قلتَ: مهلاً يا بنيّ مهلاً. [صفة الصفوة ٣/ ١٩٥].
• وعن سفيان الثّوري ﵀ قال: إني لأرى الشيء عليَّ أن أتكلَّم فيه، فلا أفعل، فأبول دما. [السير (تهذيبه) ٢/ ٦٩٦]
• وقال شجاع بن الوليد: كنت أحجُّ مع سُفيان الثوري ﵀، فما يكادُ لسانهُ يفترُ من الأمر بالمعروف، والنَّهي عن المنكر، ذاهبًا وراجعًا. [السير (تهذيبه) ٢/ ٦٩٦].
• وعن ثابت البناني قال: كان صلة بن أشيم ﵀ يخرج إلى الجبانة فيتعبد فيها، فكان يمر على شباب يلهون ويلعبون فيقول لهم: أخبروني عن قوم أرادوا سفرًا فحادوا النهار عن الطريق وناموا بالليل متى يقطعون سفرهم. قال: فكان كذلك يمر بهم ويعظهم، فمر بهم ذات يوم فقال لهم هذه المقالة، فانتبه شاب منهم فقال: يا قوم إنه لا يعني بهذا غيرنا نحن بالنهار نلهو وبالليل ننام، ثم اتبع صلة فلم يزل يختلف معه إلى الجبانة فيتعبد معه حتى مات. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٣٧٥].
• وعن موسى بن إبراهيم قال: حضرت معروفًا الكرخي ﵀ وعنده رجل يذكر رجلاً وجعل يغتابه، وجعل معروف يقول له: اذكر القطن إذا وضعوه على عينيك. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ١٠٣].
стр. 163
• وقال أبو بكر الجلاء: كان النوري ﵀ إذا رأى منكرًا غيَّره، ولو كان فيه تَلَفُهُ، نزل يومًا، فرأى زورقًا فيه ثلاثون دنًّا، فقال للملاَّح: ما هذا؟ قال: ما يلزمك؟ فألحَّ عليه، فقال: أنت والله صوفيٌّ كثير الفضول، هذا خمر للمُعتضد، قال: أعطِني ذلك المِدْرى فاغتاظ وقال لأجيره: ناوِله حتى أبصرَ ما يصنع، فأخذه، ونزل فكسَّرها كلَّها غير دَنّ، فأُخِذَ وأدخلَ إلى المعتضد، فقال: مَن أنتَ ويلك؟ قال: محتسِب، قال: ومَن ولاَّك الحِسبَة؟ قال: الذي ولاَّك الإمامة يا أميرَ المؤمنين! فأطرق: وقال: ما حَمَلَك على فِعلك؟ قال: شفقة منِّي عليك! قال: كيف سَلِم هذا الدَّنّ؟ فذكر أنه كان يكسر الدنان ونفسُه مُخلِصَةٌ خاشِعةٌ، فلمَّا وصل إلى هذا الدَّنِّ أعجبَتْهُ نفسُه، فارتاب فيها، فتركه. [السير (تهذيبه) ٣/ ١١٣٤]
• ومرَّ محمد بن المنكدر ﵀ بشاب يقاوم امرأةً، فقال: يا بني، ما هذا جزاء نعمة الله عليك!؟. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٤٩١].
(و) فوائد أخرى:
• عن طارق بن شهاب قال: جاء عتريس بن عرقوب الشيباني إلى عبد الله بن مسعود ﵁ فقال: هلك من لم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر، قال: بل هلك من لم يعرف قلبه المعروف، وينكر قلبه المنكر. [الحلية (تهذيبه) ١/ ١٢٢].
• وعن قتادة ﵀ قال: إن في الجنة كوىً إلى النار، فيطلّع أهل الجنة من تلك الكُوى إلى النار فيقولون: ما بال الأشقياء؟ وإنما دخلنا الجنة بفضل تأديبكم! فقالوا: إنا كنا نأمركم ولا نأتمر، وننهاكم ولا ننتهي. [صفة الصفوة ٣/ ١٨٥].
• وقال سُفيان الثوري ﵀: إذا أثنى على الرجل جيرانه أجمعون، فهو رجل سوء، لأنه ربما رآهم يعصون، فلا ينكر، ويلقاهم ببشر. [السير (تهذيبه) ٢/ ٧٠٠].
• وقال معمر ﵀: كان يقال: أنصح الناس إليك من خاف الله فيك. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٢/ ٢١٠].
стр. 164
• وعن أبي العباس أحمد بن محمد البالوي قال: كان نصر بن زياد القاضي ﵀ يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويقول: لولا هذا لم أتلبس لهم بعمل لكني إذا لم ألي القضاء لم أقدر عليه، وكان يُحيي الليل، ويصوم الاثنين، والخميس، والجمعة، ولا يرضى من العمال حتى يؤدوا حقوق الناس إليهم، فدخل عليه أحمد بن حرب يومًا فوعظه، وأشار في موعظته بأن يستعفي مما هو فيه، فقال: يا أبا عبد الله، ما يحملني على ما أنا فيه إلا نصرة الملهوفين، والقدرة على الانتصار للمظلومين من الظالمين، ولعل الله قد عرف لي ذلك. [المنتظم ١١/ ٢٤٦، ٢٤٧].
стр. 165
عبادة السلف
(أ) الحث على العبادة والخشوع، وأقوالهم في ذلك (١):
• قال عمر بن الخطاب ﵁: الشتاء غنيمة العابدين. [الحلية (تهذيبه) ٧١/ ١].
• وقال عبد الله بن مسعود ﵁: من لم تأمره الصلاة بالمعروف وتنهه عن المنكر لم يزدد بها إلا بعدًا. [الزهد للإمام أحمد / ٢٩٤].
• وقال أيضًا ﵁: "ما دمتَ في صلاة فأنت تقرع باب الملك، ومن يقرع باب الملك يفتح له". [صفة الصفوة ١/ ١٩٠].
• وعن عبد الله بن عمر ﵁، أنه قال: كان إذا دخل الشتاء قال: يا أهل القرآن طال الليل لصلاتكم، وقصر النهار لصيامكم، فاغتنموا. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٣٢٣].
• وعن الحسن قال: سمعهم عامر بن عبد قيس ﵀ وما يذكرونه من أمر الضيعة في الصلاة، قال: أتجدونه؟ قالوا: نعم! قال: والله لأن تختلف الأسنة في جوفي، أحب إليّ من أن يكون هذا مني في صلاتي. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٣٠٣].
• وعن عطاء الخراساني ﵀ قال: ما من عبد يسجد لله سجدة في بقعة من بقاع الأرض، إلا شهدت له يوم القيامة، وبكت عليه يوم يموت. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ١٨٥].
стр. 166
• وقال بُرْدٌ مَولى ابن المسيِّب لسعيد بن المسيِّب ﵀: ما رأيتُ أحسنَ ما يصنع هؤلاء قال سعيد: وما يصنعون؟ قال: يُصلِّي أحدُهم الظهر، ثم لا يزالُ صافًّا رجليه حتى يُصَلِّي العصر. فقال: ويحك يا بُرد أما والله ما هِي بالعبادة، إنَّما العبادة التفكُّر في أمر الله، والكفُّ عن محارم الله. [السير (تهذيبه) ١/ ٤٨٨].
• وعن أبي عصمة بن عصام البيهقي قال: بتّ ليلةً عند أحمد بن حنبل ﵀، فجاء بالماء فوضعه. فلما أصبح نظر في الماء، فإذا هو كما كان، فقال: سبحان الله، رجل يطلب العلْم لا يكون له ورْد بالليل؟. [صفة الصفوة ٢/ ٦٠٥].
• وعن إبراهيم النخعي ﵀ قال: إذا رأيت الرجل يتهاون بالتكبيرة الأولى، فاغسلْ يدك منه. [صفة الصفوة ٣/ ٦٠].
• وعن مطرِّف بن عبد الله ﵀ أنه كان يقول: يا إخْوتاه اجتهدوا في العمل، فإن يكن الأمر كما نرجو من رحمة الله، وعفوه كانت لنا درجات في الجنة، وإن يكن الأمر شديدًا كما نخاف ونحاذر لم نقل: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر: ٣٧]. نقول: قد عملنا فلم ينفعنا ذلك. [صفة الصفوة ٣/ ١٥٨].
• وقيل لأبي مسلم الخولاني ﵀ حين كَبِرَ ورقَّ: لو قصرتَ عن بعض ما تصنع. فقال: أرأيتم لو أرسلتم الخيل في الحلبة ألستم تقولون لفارسها: دعْها وارفُق بها حتى إذا رأيتم الغاية لم تَسْتَبْقُوا منها شيئًا؟ قالوا: بلى قال: فإنِّي قد أبصرت الغاية، وإنَّ لكل ساعةٍ غايةً، وغايةُ كلّ ساعةٍ الموتُ، فسابقٌ ومسبوقٌ. [صفة الصفوة ٤/ ٤٢٧].
• وقال أبو سليمان الداراني ﵀: لَأَهلُ الطاعة في ليلهم ألذُّ من أهل اللهو بلَهوِهم، ولَولا الليل ما أحببت البقاءَ في الدنيا. [صفة الصفوة ٤/ ٤٤٥].
• وقال أحمد بن حرب ﵀: عبدتُ الله خمسين سنة، فما وجدت حلاوةَ العبادة حتى تركتُ ثلاثة أشياء: تركت رِضى الناس حتى قَدَرت أن أتكلم بالحق، وتركتُ صحبة الفاسقين حتى وجدت صحبةَ الصالحين، وتركت
стр. 167
حلاوةَ الدنيا حتى وجدت حلاوة الآخرة. [السير (تهذيبه) ٢/ ٩٠٦].
(ب) الصلاة وأهميتها:
• عن سليمان بن يسار، أن المسْور بن مَخْرَمَة أخبره خبر طعن عمر ﵁: أنه دخل عليه هو وابن عباس ﵄، فلما أصبح أفزعوه، فقالوا: الصلاة، الصلاة، فقال: نعم، ولا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة، فخرج والجرح يثعب دمًا. [الشريعة / ١٤١]
• وقال عمر ﵁: إذا رأيتم الرجل يضيع الصلاة، فهو والله لغيرها من حق الله أشد تضييعًا. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٣٤٠].
• وعن أبي بحرية قال: دخلت مسجد حمص فسمعت معاذ بن جبل ﵁ يقول: من سره أن يأتي الله وهو آمن، فليأت هذه الصلوات الخمس حيث ينادى بهن، فإنهن من سنن الهدى، ومما سنه لكم نبيكم ﷺ ، ولا يقل إن لي مصلى في بيتي فأصلي فيه، فإنكم إن فعلتم ذلك تركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم ﷺ لضللتم. [الحلية (تهذيبه) ١/ ١٨٤].
• وعن عمرو بن دينار، قال: كان ابنُ الزُّبير ﵁ يُصلي في الحِجْرِ والمِنْجنِيق يَصُبُّ تُوْبَهُ (١)، فما يلتفت، يعني: لما حاصروه. [السير (تهذيبه) ١/ ٣٩٥].
• وعن يحيى بن وثاب: أن ابن الزبير ﵁ كان يسجد حتى تنزل العصافير على ظهره لا تحسبه إلا جذم حائط. [الزهد للإمام أحمد / ٣٥٨].
• وعن أبي الحسين المجاشعي، أنه قال لعامر بن عبد قيس ﵀: أتحدِّث نفسك في الصلاة؟ قال: أحدِّثُها بالوقوف بين يدي الله، ومنصرفي. [السير (تهذيبه) ١/ ٤٣٣].
• وعن الحسن ﵀ قال: يابن آدم وماذا يعز عليك من دينك إذا هانت عليك صلاتك. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٣٤١].
стр. 168
• وعن عدي بن ثابت ﵀، قال: كان يقال: " قربان المتقين الصلاة ". [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٣٤٥].
• وعن هشام بن عروة أن أباه عروة ﵀ كان إذا دخل على أحد من أهل الدنيا فيرى من دنياهم ما يرى رجع إلى منزله فقرأ: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى * وَامُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣١، ١٣٢] ويقول: الصلاة الصلاة. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٣٤٥].
• وكان سَعيدُ بن عبد العزيز ﵀ إذا فاتَتْه صلاةُ الجماعة بكى. [السير (تهذيبه) ٢/ ٧٢٣]
• وقال بكر بن عبد الله المزني ﵀: مَن مثلك يابن آدم؟ خلّي بينك وبين المحراب والماء؟ كلما شئت دخلتَ على الله ليس بينك وبينه ترجمان. [صفة الصفوة ٣/ ١٧٦].
• وقال غسَّان: حدثني ابنُ أخي بشر بن منصور ﵀، قال: ما رأيت عمي فاتَتهُ التكبيرةُ الأُولى. [السير (تهذيبه) ٢/ ٧٦٤].
• وقال وكيع: كان الأعمش ﵀ قريبًا من سبعين سنة لم تفته التكبيرة الأولى، واختلفت إليه قريبًا من سنتين، فما رأيته يقضي ركعة. [المنتظم ٨/ ١١٣].
• وقال وكيع بن الجراح ﵀: من تهاون بالتكبيرة الأولى فاغسل يديك منه. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ١٠٧].
• وعن محمد بن سماعة القاضي ﵀ أنه قال: مكثت أربعين سنة لم تفتني التكبيرة الأولى إلا يومًا واحدًا ماتت فيه أمي، ففاتني فيه صلاة واحدة في جماعة، فقمت فصليت خمسًا وعشرين صلاة أريد بذلك التضعيف فغلبتني عيني، فأتاني آت فقال: يا محمد قد صليت خمسًا وعشرين صلاة ولكن كيف لك بتأمين الملائكة؟ [المنتظم ١١/ ١٩٧].
• وعن سعيد بن المُسيِّب ﵀ قال: ما فاتَتْني الصلاةُ في جماعة منذ أربعين سنة. [السير (تهذيبه) ١/ ٤٨٢].
стр. 169
• وقال أيضًا ﵀: ما أذَّن المؤذن منذ ثلاثين سنة إلا وأنا في المسجد. [السير (تهذيبه) ١/ ٤٨٢].
• وقال أيضًا ﵀: من حافظ على الصلوات الخمس في جماعة فقد ملأ البر والبحر عبادة. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٣٤٣].
• وعن ابن حرملة، عن سعيد بن المسيِّب ﵀ أنَّه اشتكى عينه فقالوا: لو خرجت إلى العقيق فنظرتَ إلى الخُضرة، لوجدت لذلك خِفَّةً، قال: فكيف أصنع بشهود العتمة والصبح. [السير (تهذيبه) ١/ ٤٨٨].
• وعن عمرو بن دينار ﵀، قال: كان يقال: الصلاة رأس العبادة. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٢٤٩].
• وعن ثابتًا البناني ﵀ قال: الصلاة خدمة الله في الأرض، ولو علم الله شيئًا أفضل من الصلاة ما قال: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ [آل عمران: ٣٩]. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٣٢٩].
(جـ) قيام الليل:
• عن أسلم، أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يصلي من الليل ما شاء الله حتى إذا كان من آخر الليل أيقظ أهله فيقول: الصلاة الصلاة ويتلو هذه الآية: ﴿وَامُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾ الآية [طه: ١٣٢]. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٣٤٤].
• وقال عمر ﵁: الساعة التي تنامون فيها أحب إلي من الساعة التي تقومون فيها. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٢٩٥].
• عن الحارث بن معاوية، أنه سأل عمر بن الخطاب ﵁ عن الوتر في أول الليل أو وسطه أو آخره، فقال: كل ذاك قد عمل به رسول الله ﷺ . [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٣٢٠].
• وقال عمر ﵁: الشتاء غنيمة العابدين. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٣٣٢].
• وعن ابن عمر ﵁ قال: كان الرجل في حياة رسول الله ﷺ إذا رأى رؤيا قصّها على النبي ﷺ قال: وكنت غلامًا عزبًا، فكنت أنام في المسجد على عهد رسول الله ﷺ . فرأيت في النوم كأن ملكين أخذاني، فذهبا بي إلى
стр. 170
النار فإذا هي مطوية كطي البئر وإذا لها قرنان، وأرى فيها ناسًا قد عرفتهم، فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار أعوذ بالله من النار. فلقيهما ملك آخر فقال لي: لن تُرعْ، فقصصتها على حفصة، فقصتها حفصة على رسول الله ﷺ فقال: "نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل"، قال سالم: فكان عبد الله بعد لا ينام من الليل إلا قليلاً. [رواه البخاري رقم: ١١٠٥].
• وعن نافع؛ أن ابن عمر ﵁: كان إذا فاتته صلاة العشاء في جماعة، أحيى بقية ليلته. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٢١٧].
• وعن نافع، عن عبد الله بن عمر ﵁ أنه كان يحيي الليل صلاةً، ثم يقول: يا نافع أسْحَرْنا؟ فأقول: لا فيعاود الصلاة، ثم يقول: يا نافع أسحرنا؟ فأقول: نعم. فيقعد، ويستغفر، ويدعو حتى يصبح. وعنه عن ابن عمر أنه كان يحيي ما بين الظهر إلى العصر. [صفة الصفوة ١/ ٢٧٣].
• وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: فضل صلاة الليل على صلاة النهار كفضل صدقة السر على صدقة العلانية. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٢٤٧].
• وقال أيضا ﵁ قال: يعجب الله من خصلتين يعملهما العباد: رجل قام من الليل فتوضأ فأحسن الوضوء، ثم قام إلى الصلاة، قال: فيقول الله: انظروا إلى عبدي هذا قام من بين أهل داره رغبة فيما عندي وشفقة مما عندي، ورجل لقي العدو في الزحف ففرَّ أصحابه وأقام، فيقول الله: انظروا إلى عبدي فر أصحابه وأقام رغبة فيما عندي وشفقة مما عندي. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٢٩٥].
• وقال أيضا ﵁: بحسب الرجل من الخيبة، أو قال: من الشر أن يبيت ليلته لا يذكر الله حتى يصبح، فيصبح وقد بال الشيطان في أذنه. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٣٢٨].
• وقال عمرو بن العاص ﵁: ركعةٌ بالليل خيرٌ من عشرين بالنهار. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٢٤٧].
• وعن أبي عثمان النهدي قال: تضيّفت أبا هريرة ﵁ سبعًا، فكان هو
стр. 171
وامرأته وخادمه يتعقبون الليل أثلاثًا، يصلي هذا، ثم يوقظ هذا، ويصلي هذا، ثم يوقظ هذا. [صفة الصفوة ١/ ٣٣٥].
• وعن محمد بن المنكدر، أن تميم الداري ﵁ نام ليلة لم يتهجد فيها حتى أصبح، فقام سنة لم ينم عقوبة للذي صنع. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٢٧٣].
• وقال مُجاهد: كان ابنُ الزُّبير ﵁ إذا قام إلى الصلاة كأنَّه عُود، وحدَّث أنَّ أبا بكر ﵁ كان كذلك. [السير (تهذيبه) ١/ ٣٩٥].
• وعن أصبغ بن زيد قال: كان أويس القرني ﵀ إذا أمسى يقول: هذه ليلة الركوع، فيركع حتى يصبح. وكان يقول إذا أمسى: هذه ليلة السجود، فيسجد حتى يصبح. وكان إذا أمسى تصدق بما في بيته من الفضل من الطعام والثياب ثم يقول: اللهم من مات جوعًا فلا تؤاخذني به، ومن مات عريانًا فلا تؤاخذني به. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٣٠٠].
• وقيل لحسان بن أبي سنان ﵀ في مرضه: كيف تجدك؟ قال: بخير إن نجوت من النار، قيل: فما تشتهي؟ قال: ليلةً بعيدةً ما بين الطرفين، أُحيي ما بين طرفيها. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ٣٤٧].
• وقال مسروق ﵀: ما من الدنيا شيء آسى عليه إلا السجود لله . [الزهد للإمام أحمد / ٥٧٩].
• وقالت امرأة مسروق ﵀: كان مسروق يصلّي حتى تورَّم قدماه، فربما جلستُ خلفه أبكي مما أراه يصنع بنفسه. [صفة الصفوة ٣/ ١٧].
• وعن أبي إسحاق، قال: حجَّ مسروقٌ ﵀ فلم ينم إلاَّ ساجدًا على وجهه حتَّى رجع. [السير (تهذيبه) ١/ ٤٤٥].
• وقال أبو مسلم الخولاني ﵀: لو قيل لي إن جهنم تسعر ما استطعت أن أزيد في عملي. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٣١٥].
• وعن مالك بن مغول قال: سئل مرة الهمداني ﵀: ما بقي من صلاتك - وكان قد كبر - قال: الشطر؛ خمسون ومائتا ركعة. [الزهد للإمام أحمد / ٥٧٨].
стр. 172
• وعن الهيثم قال: كان مرة بن الهمداني ﵀ يصلي كل يوم مائتي ركعة. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٧٥].
• وقال عطاء بن السائب: رأيت مُصلَّى مُرَّة الهمدانيّ ﵀ مثل مبركِ البعير. ونقل عطاء أو غيره أنَّ مُرَّة كان يُصلِّي في اليوم والليلة ستَّ مئة.
قال الذهبي ﵀: ما كان هذا الوليُّ يكاد يتفرغ لنشر العِلم، ولهذا لم تكثر روايتُه، وهل يُراد من العلم إلا ثَمَرتُه. [السير (تهذيبه) ١/ ٤٤٧].
• وعن أبي بكر بن عياش قال: رأيت حبيب بن أبي ثابت ﵀ ساجدًا، فلو رأيته قلت: ميت، يعني من طول السجود. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ١٤٢].
• وعن الحسن ﵀ قال: قيام الليل شرف المؤمنين، وعزهم الاستغناء عما في أيدي الناس. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٢٤٨].
• وقال رجل للحسن ﵀: يا أبا سعيد ما أفضل ما يتقرب به العبد إلى الله تعالى من الأعمال؟ قال: ما أعلم شيئًا يتقرب به المتقربون إلى الله أفضل من قيام العبد في جوف الليل إلى الصلاة. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٢٤٨].
• وعن عطاء الخرساني ﵀، قال: كان يقال: قيام الليل محياة للبدن، ونور في القلب، وضياء في البصر، وقوة في الجوارح، وإن الرجل إذا قام من الليل متهجدًا: أصبح فرحًا يجد لذلك فرحًا في قلبه، وإذا غلبته عيناه فنام عن حزبه: أصبح حزينًا منكسر القلب كأنه قد فقد شيئًا، وقد فقد أعظم الأمور له نفعًا. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٢٤٩].
• وقال وهب بن منبه ﵀: قيام الليل يشرف به الوضيع، ويعز به الذليل، وصيام النهار يقطع عن صاحبه الشهوات، وليس للمؤمن راحةٌ دون دخول الجنة. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٢٥٠].
• وعن يزيد الرقاشي ﵀ قال: بطول التهجد تقر عيون العابدين، وبطول الظمإ تفرح قلوبهم عند لقاء الله. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٢٥٠].
• وعن الضحاك ﵀، قال: أدركت أقوامًا يستحيون من الله في سواد هذا الليل أن يناموا من طول الضجعة. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٢٥٩].
стр. 173
• وقال الحسن بن صالح ﵀: إني لأستحي من الله أن أنام تكلفًا حتى يكون النوم هو الذي يصرعني، وكان يقال له: حية الوادي. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٢٦٠].
• وعن عثمان بن وكيع ﵀ قال: جاء رجل إلى بيت المقدس، فمد كساءه في ناحية المسجد، فكان فيه الليل والنار له طعيمة خلف ذلك الكساء الذي مده، فيبيت ليلته أجمع يصلي، فإذا طلع الفجر مد بصوت له عند الصباح يغبط القوم السرى، قال: وكان يقال له: ألا ترفق بنفسك؟ فيقول: إنما هي نفسي أبادرها أن تخرج. [موسوعة ابن أبي الدنيا. ١/ ٢٦٠].
• ولم يكن لعبد الله بن حنظلة ﵀ فراشٌ ينام عليه، إنما كان يلقي نفسه هكذا وهكذا، إذا أعيى من الصلاة توسد رداءه وذراعه ثم هجع شيئًا. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٢٦٢].
• وكان طاوس ﵀ يفرش فراشه، ثم يضطجع فيتقلى كما تتقلى الحبة على المقلى، ثم يثب فيتوضأ ويستقبل القبلة حتى الصباح فيقول: طيَّر ذكر جهنم نوم العابدين. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٢٦٥].
• وعن أبي إسحاق السبيعي ﵀ قال: ذهبت الصحة مني وضعفت ودق عظمي، وإني اليوم أقوم في الصلاة فما أقرأ إلا البقرة وآل عمران. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٢٦٦].
• وقال سفيان بن عيينة: كان أبو إسحاق ﵀ يقوم ليلة الصيف كله، فأما الشتاء فأوله وآخره وبين ذلك هجعة. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٢٦٦].
• وقال مسلم بن يسار ﵀: إن أنا نمت ثم استيقظت ثم عدت نائمًا فلا أرقد الله عيني. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٢٦٧].
• وعن محمد بن إسحاق، قال: قدم علينا عبد الرحمن بن الأسود ﵀ حاجًا فاعتلَّت إحدى قدميه، فقام يصلي حتى أصبح على قدم.
قال: فصلى الفجر بوضوء العشاء.
стр. 174
قال: وقدم علينا ليث بن أبي سليم ﵀ فصنع مثلها. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٢٦٧].
• وعن سفيان، قال: زار قيس بن مسلم محمد بن جحادة ﵀ ذات ليلة، قال: فأتاه وهو في المسجد بعد صلاة العشاء، قال: ومحمد قائم يصلي، قال: فقام قيس بن مسلم في الناحية الأخرى يصلي فلم يزالا على ذلك حتى طلع الفجر، قال: وكان قيس بن مسلم إمام مسجده، قال: فرجع إلى الحي فأمهم، ولم يلتقيا ولم يعلم محمد بمكانه، قال: فقال له أهل المسجد: زارك أخوك قيس بن مسلم البارحة فلم تنفتل إليه، قال: ما علمت بمكانه، قال: فغدا عليه، فلما رآه قيس بن مسلم مقبلاً قام إليه فاعتنقه ثم جلسا جميعًا فجعلا يبكيان. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٢٦٨].
• وكان منصور بن المعتمر ﵀ إذا جاء الليل اتزر إزارًا إن كان صيفًا، وإن كان شتاءً التحف فوق ثيابه، ثم قام إلى محرابه فكأنه خشبة منصوبةٌ حتى يصبح. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٢٧١].
• وكان ثابت البناني ﵀ يصلي في كل ليلة ثلاثمائة ركعة، فإذا أصبح طمرت قدماه فيأخذهما بيده فيعصرهما، ثم يقول: مضى العابدون وقطع بي، والهفاه. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٢٧٦].
• وكان ثابت البناني ﵀ يقوم الليل ويصوم النهار، وكان يقول: ما شيء أجده في قلبي ألذ عندي من قيام الليل. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٢٧٧].
• وكان طلق بن حبيب ﵀ يقول: إني لأحب أن أقوم لله حتى يشتكي ظهري، فيقوم، فيبتدئ بالقرآن حتى يبلغ الحجر، ثم يركع. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٢٧٩].
• وعن محمد بن مسعر ﵀ قال: كان أبي لا ينام حتى يقرأ نصف القرآن، فإذا فرغ من ورده لف رداءه، ثم هجع عليه هجعةً خفيفةً، ثم يثب كالرجل الذي قد ضل منه شيء فهو يطلبه، فإنما هو السواك والطهور، ثم يستقبل المحراب، فكذلك إلى الفجر، وكان يجهد علي إخفاء ذلك جدًّا. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٢٨٠].
стр. 175
• وعن أم سعيد بن علقمة النخعي قالت: كان بيننا وبين داود الطائي ﵀ حائط قصير أسمع حسه عامة الليل لا يهدأ. قالت: وربما سمعته يقول: همك عطل علي الهموم وخالف بيني وبين السهاد، وشوقي إلى النظر إليك أوبق مني الشهوات، وحال بيني وبين اللذات، فأنا في سجنك أيها الكريم مطلوب. قالت: وربما ترنم بالآية، فأرى أن جميع نعيم الدنيا جمع في ترنمه وكان يكون في الدار وحده، وكان لا يُصبَح فيها، أي كان لا يُسرج. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٢٨٠].
• وكان بلال العنسي ﵀ يقوم في شهر رمضان فيقرأ بهم الربع من القرآن، ثم ينصرف، فيقولون: قد خففت بنا الليلة. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٢٨٣].
• وعن عبد العزيز بن أبي رواد ﵀ قال: خُلُقان كريمان من أحسن أخلاق المرء المسلم: التهجد، والمداومة على السواك. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٢٨٥].
• وقالت جارية ابنة لجار منصور ﵀: يا أبه أين الخشبة التي كانت في سطح منصور؟ قال: يا بنية ذاك منصور كان يقوم الليل. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٢٧٢].
• وعن طلق بن معاوية، قال: قدم علينا رجل منا يقال له هند بن عوف ﵀ فمهدت له امرأته فراشًا، فنام عليه، وكان له ساعة من الليل يصليها، فنام عنها فحلف لا ينام على فراش أبدًا. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٢٧٣].
• وقال ابن أبي الدنيا ﵀: قرأت في كتاب أبي جعفر الآدمي يخطه قال: كنت باليمن فإذا رجل معه ابنٌ له شاب، فقال: إنَّ هذا أبي وهو من خير الآباء، وقد يصنع شيئًا أخاف عليه منه، قلت: وأي شيء يصنع؟ قال: لي بقر تأتيني مساءً فأحلبها، ثم أتي أبي وهو في الصلاة فأحب أن يكون عيالي يشربون فضله، ولا أزال قائمًا عليه والإناء في يدي، وهو مقبل على صلاته، فعسى أن لا ينفتل ويقبل عليَّ حتى يطلع الفجر، قلت للشيخ: ما تقول؟ قال: صدق، وأثنى على ابنه، وقال لي: أخبرك بعذري، إذا دخلت في الصلاة، فاستفتحت القرآن ذهب بي مذاهب، وشغلني حتى ما أذكره حتى أصبح، قال سلامة: فذكرت أمرهما لعبد الله بن مرزوق فقال: هذان يُدفع
стр. 176
بهما عن أهل اليمن، قال: وذكرت أمرهما لابن عيينة فقال: هذان يُدفع بهما عن أهل الدنيا. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٢٢٢].
• وعن الحسن ﵀ قال: صلوا من الليل، ولو قدر حلب شاة. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٣٢٨].
• وكان مرة الهمداني ﵀ يصلي كل يوم ستمائة ركعة، قال عطاء: ودخلوا عليه فرأوا موضع مسجده كأنه منزل البعير. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٣٣٢].
• ومكث منصور بن زاذان ﵀ يصلي الفجر بوضوء عشاء الآخرة قبل أن يموت عشرين سنة. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٣٣٤، ٣٣٥].
• ومكث هشيم ﵀ يصلي الفجر بوضوء عشاء الآخرة قبل أن يموت عشر سنين. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٣٣٥].
• وكان أيوب ﵀ يقوم من الليل فيخفي نفسه، فإذا كان قبيل الصبح رفع صوته.
• وقيل لبكر بن أيوب: يا أبا يحيى كان أيوب ﵀ يجهر بالقراءة في الليل؟ قال: نعم، جهرًا شديدًا، وكان يقوم من السحر الأعلى. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٣٣٨].
• وعن قتادة ﵀، قال: كان يقال: " قلما ساهرٌ بالليل منافق". [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٣٤١، ٣٤٢].
• وكان بالبصرة رجل يقال له: شداد، أصابه الجذام فتقطع فدخل عليه عواده من أصحاب الحسن فقالوا له: كيف تجدك؟ قال: بخير.
قال: أما إنه ما فاتني جزئي بالليل منذ سقطت، وما بي إلا أني لا أقدر على أن أحضر صلاة الجماعة. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٤٢٠]
• وصلى خليفة العبدي ﵀ حتى انشقت قدماه. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٢٨٩].
• وعن معاذة العدوية قالت: كان صلة بن أشيم ﵀ يقوم من الليل حتى يفتر، فما يجيء إلى فراشه إلا حبوًا. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٢٨٩].
стр. 177
• وقال سفيان ﵀: كانوا يقومون أول الليل، وينامون آخره. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٢٩٥].
• وعن مضر القارئ ﵀، قال: كان رجل من العباد ينام من الليل، قال: فغلبته عينه ذات ليلة فنام عن جزئه، قال: فرأى فيما يرى النائم كأن جارية وقفت عليه، كأن وجهها القمر المستتم قال: ومعها رق فيه كتاب فقالت: اتقرأ أيها الشيخ؟ قال: نعم قالت: فاقرأ لي هذا الكتاب قال: فأخذته من يدها ففتحته فإذا فيه مكتوب:
ألهتك لذة يوم عن خير عيش … مع الخيرات مع غرف الجنان
تعيش مخلدًا لا موت فيها … وتنعم في الخيام مع الحسان
تيقظ من منامك إن خيرًا … من النوم التهجد بالقرآن
قال: فوالله ما ذكرتها قط إلا ذهب عني النوم. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٢٩٥].
• وعن أزهر بن مغيث بن ثابت الثعلبي ﵀، حدثنا أبي وكان من القوامين لله في سواد هذا الليل المظلم، قال: رأيت في منامي امرأة لا تشبه نساء أهل الدنيا فقلت: من أنت؟ قالت: حوراء أمة الله، قال: قلت: زوِّجيني نفسك، قالت: اخطبني إلى سيدي وأمهرني، قال: قلت: وما مهرك؟ قالت: طول التهجد. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٢٩٦].
• وعن عبد الواحد بن زيد ﵀ قال: أصابني علة في ساقي فكنت أتحامل عليها للصلاة، قال: فقمت عليها من الليل فأجهدت وجعًا، فجلست ثم لففت إزاري في محرابي ووضعت رأسي عليه فنمت، فبينا أنا كذلك إذا بجارية تفوق الدمى حسنًا تخطر بين جوارٍ مزينات حتى وقفت علي وهن خلفها، فقالت لبعضهن: أرفعنه ولا تهجنه، قال: فأقبلن نحوي فاحتملنني عن الأرض وأنا أنظر إليهن في منامي، ثم قالت لغيرهن من الجواري الذين معها: افرشنه ومهدنه ووطئن له ووسدنه، قال: ففرشن تحتي سبع حشايا لم أر لهنّ في الدنيا مثلاً، ووضعن تحت رأسي مرافق حصرًا حسانًا، ثم قالت للذين حملنني: اجعلنه على الفرش رويدًا لا تهجنه، قال: فجعلت على تلك الفروش وأنا أنظر إليها وما تأمر به من شأني، ثم قالت: أحففنه بالريحان،
стр. 178
قال: فأتي بياسمين فحفت به الفرش، ثم قامت إلي فوضعت يدها على موضع علتي التي كنت أجد في ساقي، فمسحت ذلك المكان بيدها ثم قالت: قم شفاك الله إلى صلاتك غير مضرور، قال: فاستيقظت، والله وكأني قد أنشطت من عقال، فما اشتكيت تلك العلة بعد ليلتي تلك، ولا ذهبت حلاوة منطقها من قلبي: قم شفاك الله إلى صلاتك غير مضرور. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٢٩٦، ٢٩٧].
• وعن هرم بن حيان ﵀ قال: قمت من الليل فقرأت ثلاثًا من الحواميم، ثم غلبت فنمت، فإذا أنا في منامي بجوارٍ أربع قد وقفن علي مزينات، فقلن: يا هرم بن حيان ما كنت خليقا أن تفرق بيننا وبين أخواتنا قلت: ومن أنتن؟ قلن: نحن الأربع البواقي من الحواميم اللواتي لم تقرأنا، قال: فاستيقظت فزعًا. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٢٩٨].
• وقال عمر بن ذر ﵀: لما رأى العابدون الليل قد هجم عليهم ونظروا إلى أهل السآمة والغفلة قد سكنوا إلى فرشهم ورجعوا إلى ملاذهم من الضجعة والنوم: قاموا إلى الله فرحين مستبشرين مما قد وهب لهم من خير على السهر وطول التهجد، فاستقبلوا الليل بأبدانهم، وباشروا ظلمته بصفاح وجوههم، فانقضى عنهم الليل وما انقضت لذتهم من التلاوة، ولا ملت أبدانهم من طول العبادة، فأصبح الفريقان وقد ولى عنهم الليل بربحٍ وغبنٍ: أصبح هؤلاء قد ملوا النوم والراحة، وأصبح هؤلاء متطلعين إلى مجيء الليل للعبادة، شتان ما بين الفريقين، فاعملوا أنفسكم رحمكم الله في هذا الليل وسواده، فإنما المغبون من غبن خير الليل والنهار، والمحروم من حرم خيرهما، إنما جعل سبيل المؤمنين إلى طاعة ربهم وبالاً على الآخرين للغفلة عن أنفسهم فأحيوا أنفسكم فيه فإنما تحيا القلوب بذكر الله تعالى، كم من قائم لله تعالى في هذا الليل وقد اغتبط بقيامه في ظلمة حفرته، وكم من نائم في هذا الليل قد ندم على تطول نومه عندما يرى من كرامة الله للعابدين غدًا، فاغتنموا من الساعات والليالي والأيام رحمكم الله. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٣٠٣].
• وقال يحيى بن أبي كثير ﵀: والله ما رجل تخلى بأهله عروسًا، أقر
стр. 179
ما كانت نفسه وآنس ما كان بأشد سرورًا منهم بمناجاته إذا خلوا به. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٣٠٣].
• ورثى عباد بن تميم وذكر إخوانًا له متعبدين جاء الطاعون فاخترمهم، فرثاهم عباد، فقال:
فتية يُعْرفُ التخشع فيهم … كلُّهم أحْكَمَ القرآنَ غلامًا
قد برى جلده التهجدُ حتى … عاد جلدًا مُصْفَرًا وعِظامًا
يتجافي عن الفراش من الخو … ف إذا الجاهلون باتوا نيامًا
بأنينٍ وَعْبرةٍ ونَحِيْبٍ و … يَظَلُّون بالنهار صيامًا
يقرأون القرآن لا ريب فيها … ويبيتون سجدًا وقيامًا
[موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٣٠٤].
• وقال ابن المبارك ﵀:
إذا ما الليل أظلم كابدوه … فيسفر عنهم وهم ركوع
أطار الخوف نومهم وقاموا … وأهل الأمن في الدنيا هجوع
[موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٣٠٤].
• وعن وهب بن منبه ﵀ قال: لن يبرح المتهجدون من عرصة القيامة حتى يؤتوا بنجائب من اللؤلؤ قد نفخ فيها الروح فيقال لهم: انطلقوا إلى منازلكم من الجنة ركبانًا، قال: فيركبونها فتطير بهم متعالية، والناس ينظرون إليهم، يقول بعض لبعض: من هؤلاء الذين قد منَّ الله عليهم من بيننا؟ قال: فلا يزالون كذلك حتى ينتهي بهم إلى مساكنهم وأفنيتهم من الجنة. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٣٠٥].
• وعن سفيان، قال: كان محمد بن جحادة ﵀ من العابدين وكان يقال: إنه لا ينام من الليل إلا أيسره قال: فرأت امرأة من جيرانه كأن حُللاً فرقت على أهل مسجدهم، فلما انتهى الذي يفرقها إلى محمد بن جحادة دعا بسفطٍ مختوم فأخرج منه حلة خضراء قالت: فلم يقم لها بصري فكساه إياه وقال: هذه لك بطول السهر، قالت تلك المرأة: فوالله لقد كنت أراه بعد ذلك فأتخايلها عليها، يعني الحلة. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٣٠٦].
стр. 180
• وعن سفيان ﵀، قال: أدركت الجفاة وهم يقومون الليل. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٣١٩].
• وعن عمرو بن عبد الرحمن بن محيريز، قال: حدثتني جدتي، قالت: كان جدي ابن محيريز ﵀ يختم القرآن في كل سبع، وكان يفرش له فراشه فكان يوجد على حاله إذا أصبح. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٣٢٢].
• وكان أبو مسلم الخولاني ﵀ يعلق سوطًا في مسجده يخوف به نفسه، فإذا دخلته الفترة تناوله فضرب به ساقيه، ثم قال: أنت أحق بالضرب من دابتي، فإذا غلبه النوم قال: منك لا مني. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٣٢٢].
• وقال بعضهم: طول التهجد مهور الحور العين في الجنة. [الجامع المنتخب / ٦٩].
• وكان بعض السلف يحيي الليل بالصلاة ففتر عن ذلك، فأتاه آتٍ في منامه، فقال له: قد كنتَ يا فلان تدأب في الخطبة، فما الذي قصر بك عن ذلك؟ قال: وما ذلك؟ قال: كنت تقوم من الليل، أو ما علمت أن المجتهد إذا قام إلى تهجده، قالت الملائكة: قد قام الخاطب إلى خطبته. [الجامع المنتخب / ٦٩].
• ورأى بعضهم في منامه امرأة لا تشبه نساء الدنيا، فقال لها: من أنتِ؟ قالت: حوراء أَمَةُ الله، فقال لها: زوِّجيني نفسكِ، قالت: اخطبني إلى سيدي وامهرني، قال: وما مهرك؟ قالت: طول التهجد. [الجامع المنتخب / ٦٩].
• ونام بعض المتهجدين ذات ليلة، فرأى في منامه حوراء، تنشده:
أتَخْطبُ مِثْلِي وعنِّي تَنَامُ … ونَوْمُ المحبينَ عنّا حرامُ
لأنَّا خُلِقْناَ لكلِّ امْرِيءٍ … كثير الصَّلاة براهُ الصِّيامُ
[الجامع المنتخب / ٦٩].
• وكان لبعض السلف وِرْد من الليل فنام عنه ليلة، فرأى في منامه جارية كأنّ وجهها: القمرُ، ومعها رقّ فيه كتاب مكتوب، فقالت: أتقرأ؟ قال: نعم. فأعطته إياه، ففتحه فإذا فيه مكتوب: