← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17505

حياة السلف بين القول والعمل

أحمد بن ناصر الطيار

Полный текст (920 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

لأنظر في أمورها، قال: بل نقطعك إقطاعًا، فقال: يا أمير المؤمنين ما أريد من هذا شيئًا بل تكون في يدي لأمير المؤمنين، فلا يجري علي حيف العمال وأعز بذلك فقال: لك ذلك، وأمر أن يكتب له ويسجل بما قال، وخرج من بين يدي أمير المؤمنين بجميع الجوائز والخلع والخادم، وأمرت زبيدة له بضعف ما أمر به الرشيد، فحمل إليه واستأذن في الرجوع إلى مصر فحمل مكرمًا أو كما قال. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٤٤٩]. • وعن أبي مسهر. قال: سأل المأمون مالك بن أنس ﵀: هل لك دار؟ فقال: لا، فأعطاه ثلاثة آلاف دينار وقال: اشتر لك بها دارًا، قال: ثم أراد المأمون الشخوص وقال لمالك: تعال معنا فإني عزمت أن أحمل الناس على الموطأ كما حمل عثمان الناس على القرآن، فقال له: مالكَ إلى ذلك سبيل، وذلك أن أصحاب النبي ﷺ افترقوا بعده في الأمصار، فحدثوا، فعند كل أهل مصر علم، ولا سبيل إلى الخروج معك، فإن النبي ﷺ قال: (والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون) وقال: (المدينة تنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد) وهذه دنانيركم فإن شئتم فخذوه، وإن شئتم فدعوه. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٣٥٩]. • وعن عبد الله بن عبد الحكيم قال: سمعت مالك بن أنس يقول: شاورني هارون الرشيد في ثلاث؛ في أن يعلق الموطأ في الكعبة ويحمل الناس على ما فيه، وفي أن ينقض منبر النبي ﷺ ويجعله من جوهر وذهب وفضة، وفي أن يقدم نافع بن أبي نعيم إمامًا يصلي في مسجد رسول الله ﷺ . فقلت: يا أمير المؤمنين؛ أما تعليق الموطأ في الكعبة فإن أصحاب رسول الله ﷺ اختلفوا في الفروع وتفرقوا في الآفاق، وكل عند نفسه مصيب، وأما نقض منبر رسول الله ﷺ ، واتخاذك إياه من جوهر وذهب وفضة، فلا أرى أن تحرم الناس أثر النبي ﷺ وأما تقدمتك نافعًا إمامًا يصلي بالناس في مسجد رسول الله ﷺ ، فإن نافعًا إمام في القراءة، لا يؤمن أن تندر منه نادرة في المحراب فتحفظ عليه، قال: وفقك الله يا أبا عبد الله. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٣٦٠].

стр. 72

• وعن الربيع أنه قال: كان الشافعي ﵀ عند مالك وعنده سفيان بن عيينة والزنجي فأقبل رجلان، فقال أحدهما: أنا الربيع القماري وقد بعت هذا قمريًا، وحلفت له بالطلاق أنه لا يهدأ من الصياح، فلما كان بعد ساعة أتاني فقال: قد سكت فردّ علي دراهمي، وقد حنثت، فقال مالك: بانت منك امرأتك. فمرّ الشافعي، فقال للبائع: أردت أنه لا يهدأ أبدًا أو أن كلامه أكثر من سكوته؟ فقال: قد علمت أنه ينام ويأكل ويشرب، وإنما أردت كلامه أكثر من سكوته، فقال: ردّ عليك امرأتك، فأخبر مالكًا، فقال للشافعي: من أين قلت؟ فقال: حديث فاطمة بنت قيس قالت لرسول الله ﷺ : إن معاوية وأبا جهم خطباني فقال: إن معاوية صعلوك، وإن أبا جهم لا يضع عصاه عن عاتقه. وقد كان ينام ويستريح، وإنما خرج كلامه على الأغلب، فعجب مالك فقال الزنجي: أفت فقد آن لك أن تفتي، وهو ابن خمس عشرة سنة. [المنتظم ١٠/ ١٣٦]. • وعن خلف بن سالم قال: كنا في مجلس يزيد بن هارون، فمزح يزيد مع مستمليه، فتنحنح أحمد بن حنبل ﵀ وكان في المجلس - فقال يزيد: من المتنحنح؟ فقيل له: أحمد بن حنبل، فضرب بيده على جبينه، وقال: ألا أعلمتموني أن أحمد هاهنا حتى لا أمزح. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ١٣٩]. • وعن الفضيل بن غانم أنه قال: كان أبو يوسف ﵀ مريضًا شديد المرض، فعاده أبو حنيفة ﵀ مرارًا، فصار إليه آخر مرة فرآه ثقيلاً فاسترجع وقال: كنت أؤملك للمسلمين بعدي، ولئن أصيب الناس بك ليموتَنّ معك علم كثير، ثم رزق الله أبا يوسف العافية، وأُخبر بقول أبي حنيفة فيه، فارتفعت نفسه، وانصرفت وجوه الناس إليه، فعقد لنفسه مجلسًا في الفقه، وقصر عن لزوم مجلس أبي حنيفة، فسأل عنه فأخبر أنه قد عقد لنفسه مجلسًا، وأنه بلغه كلامك فيه، فدعا رجلاً كان له عنده قدرٌ فقال: صر إلى مجلس يعقوب فقل له: ما تقول في رجل دفع إلى قصَّار (١) ثوبًا ليقصره بدرهم فصار إليه بعد أيام في طلب الثوب، فقال له القصَّار: مالك عندي شيء. وأنكره، ثم إن رب

стр. 73

الثوب رجع إليه، فدفع له الثوب مقصورًا، أله أجرة؟ فإن قال: له أجرة، فقل: أخطأت. وإن قال: لا أجرة له فقل: أخطأت، فصار إليه فسأله فقال له أبو يوسف: له الأجرة، فقال: أخطأت، فنظر ساعة ثم قال: لا أجرة له. فقال: أخطأت. فقام أبو يوسف من ساعته، فأتى أبا حنيفة فقال له: ما جاء بك إلا مسألة القصّار؟. قال: أجل، قال: سبحان الله، مَنْ قعد يفتي الناس وعقد مجلسًا يتكلم في دين الله وهذا قدره لا يحسن أن يجيب في مسألة من الإجارات! فقال: يا أبا حنيفة، علمني. فقال: إن قصره بعد غصبه فلا أجرة له؛ لأنه قصره لنفسه، وإن كان قصره قبل أن يغصبه فله الأجرة لأنه قصره لصاحبه، ثم قال: مَنْ ظن أنه يستغني عن التعلم فليبك على نفسه. [المنتظم ٨/ ١٣٠]. • وعن أبي يوسف ﵀ أنه قال: توفي أبي وخلفني صغيرًا في حجر أمي، فأسلمتني إلى قصّار أخدمه، فكنت أدع القصَّار وأمر إلى حلقة أبي حنيفة ﵀، فأجلس فأستمع، وكانت أمي تجيء خلفي إلى الحلقة فتأخذ بيدي، وتذهب بي إلى القصَّار، وكان أبو حنيفة يُعنى بي، لما يرى من حرصي على التعلم، فلما كثر ذلك على أمي قالت لأبي حنيفة: ما لهذا الصبي فساد غيرك، هذا صبي يتيم لا كسب له، وأنا أطعمه من مغزلي، وآمل أنه يكسب دانقًا يعود به على نفسه. فقال لها أبو حنيفة: مُرِّي يا رعناء، ها هو ذا يتعلم أكل الفالوذج بدهن الفستق. فانصرفت وقالت له: أنت شيخ قد خرفت وذهب عقلك. ثم لزمته، فنفعني الله بالعلم، ورفعني حتى تقلَّدت القضاء، وكنت أجالس الرشيد، وآكل معه على مائدته، فلما كان في بعض الأيام قدَّم إليَّ هارون فالوذجة بدهن فقال لي هارون: يا يعقوب، كل منه، فليس كل يوم يعمل لنا مثله. فقلت: وما هذه يا أمير المؤمنين؟ فقال: هذه فالوذجة بدهن الفستق، فضحكت. فقال لي: مم تضحك؟ فقلت: خيرًا، أبقى الله أمير المؤمنين. فقال: لتخبرني وألحَّ عليَّ، فأخبرته بالقصة من أولها إلى آخرها، فتعجب من ذلك، وقال: لعمري إن العلم يرفع وينفع دنيا وآخرة. وترحَّم على أبي حنيفة، وقال: كان ينظر بعين عقله ما لا يرى بعين رأسه. [المنتظم ٩/ ٧٣].

стр. 74

• وقال عبدُ الله بن محمد بن أسد، سمعتُ حمزةَ الكنانيَّ ﵀ يقول: خرَّجت حديثًا واحدًا عن النبي ﷺ من نحو مائتي طريق، فداخلني لذلك من الفرح غيرُ قليل، وأعجبت بذلك، فرأيتُ يَحيى بن معين ﵀ في المنام، فقلت: يا أبا زكريا، خرَّجتُ حديثًا من مائتي طريق، فسكتَ عنِّي ساعة، ثم قال: أخشى أن تدخلَ هذه تحت ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: ١]. [السير (تهذيبه) ٣/ ١٢٨٠]. • وعن جعفر بن يحيى بن خالد أنه قال: ما رأينا مثل عيسى بن يونس ﵀، أرسلنا إليه فأتانا بالرّقة، فاعتل قبل أن يرجع، فقلنا له: يا أبا عمر، قد أُمر لك بعشرة آلاف. فقال: هيه. فقلت: هي خمسون ألفًا. فقال لي: لا حاجة لي فيها. فقلت: ولم؟ أما والله لا هنيتكها، هي والله مائة ألف. قال: لا والله لا يتحدث أهل العلم أني أكلت للسنّة ثمنًا، ألا كان هذا قبل أن ترسلوا إليّ؟ فأما على الحديث فوالله لا شربة ماء ولا أهليلجة! [المنتظم ٩/ ١٩٦]. • وعن محمد بن سهل أنه قال: كنت بالمصيصة وبها المأمون أمير المؤمنين، فأذن يومًا للناس فقام إليه شاب وبيده محبرة، فقال: يا أمير المؤمنين، صاحب حديث منقطع به، فقال له المأمون: أي شيء تحفظ من باب كذا؟ فلم يذكر الفتى شيئًا، فما زال المأمون يقول: حدّثنا هشيم، وحدثنا أبو الأحوص، وحدثنا وكيع، حتى ذكر الباب، ثم قال: وإيش تحفظ في باب كذا؟ فلم يذكر الفتى شيئًا، فما زال المأمون يقول: حدثنا حجاج بن محمد، وحدثنا فلان وفلان، حتى ذكر الباب، ثم التفت إلى الفضل، فقال: أحدهم يطلب الحديث ثلاثة أيام ثم يقول أنا من أصحاب الحديث، أعطوه ثلاثة آلاف درهم. [المنتظم ١٠/ ٥٣، ٥٤]. • وعن أبي القاسم علي بن الحسن بن أبي عثمان أنه قال: أن عضد الدولة كان قد بعث القاضي أبا بكر الباقلاني ﵀ في رسالة إلى ملك الروم، فلما ورد مدينته عرف الملك خبره وبين له محله في العلم، فأفكر الملك في أمره وعلم أنه لا يفكر له إذا دخل عليه كما جرى رسم الرعية أن يقبل الأرض

стр. 75

بين يدي الملوك، ثم نتجت له الفكرة أن يضع سريره الذي يجلس عليه وراء باب لطيف لا يُمَكِّن أحدًا أن يدخل منه إلا راكعًا ليدخل القاضي منه على تلك الحال عوضًا من تكفيره بين يديه، فلما وضع سريره في ذلك الموضع أمر بإدخال القاضي من الباب، فسار حتى وصل إلى المكان فلما رآه تفكر فيه ثم فطن بالقصة، فأدار ظهره وحنى رأسه ودخل من الباب، وهو يمشي إلى خلفه وقد استقبل الملك بدبره حتى صار بين يديه، ثم رفع رأسه ونصب ظهره وأدار وجهه حينئذ إلى الملك، فعجب من فطنته ووقعت له الهيبة في نفسه. [المنتظم ١٥/ ٩٦]. (ز) ما قيل في كتم بعض العلم للمصلحة، وعدم بثه لكل أحد: • قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: بحسب المرء من الكذب أن يحدث بكل ما سمع. [رواه مسلم في مقدمته]. • وعن أبي هريرة ﵁، قال: حفظتُ من رسول الله ﷺ وعاءين: فأمَّا أحدهما، فبثثتُه في الناس، وأما الآخرُ، فلو بَثَثْتُه، لقُطِعَ هذا البلعوم. [رواه البخاري: ١١٧]. • وعن مكحُول قال: كان أبو هريرة يقول: رُبَّ كيسٍ عند أبي هريرة لم يَفتحه. يعني من العلم. قال الذهبي ﵀: هذا دالّ على جواز كتمان بعضِ الأحاديث التي تحرك فتنةً في الأصول، أو الفروع، أو المدح والذم. أما حديثٌ يتعلق بحل أو حرام، فلا يحلُ كتمانهُ بوجه، فإنه من البينات والهدى. وفي صحيح البخاري: قول الإمام عليٍّ ﵁: حدِّثُوا الناس بما يعرفون، ودعوا ما يُنكرون، أتُحبُّون أن يُكذب الله ورسوله! وكذا لو بثَّ أبو هريرة ذلك الوعاء، لأوذي، بل لقُتل، ولكن العالم قد يؤديه اجتهادُه إلى أن ينشُر الحديث الفلاني إحياءً للسنة، فله ما نوى وله أجر - وإن غلط - في اجتهاده. [السير (تهذيبه) ١/ ٣٠٩]. • وقال الشعبي ﵀: لا تمنعوا العلم أهله فتأثموا، ولا تحدثوا به غير أهله فتأثموا. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ١١٦].

стр. 76

• وعن يزيد بن ميسرة ﵀ قال: لا تبذل علمك لمن لا يسأله، ولا تنثر اللؤلؤ عند من لا يلتقطه، ولا تنشر بضاعتك عند من يكسدها عليك. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ١٩٣]. • وقال مالك بن دينار ﵀: يا هؤلاء إن الكلب إذا طرح إليه الذهب والفضة لم يعرفهما، وإذا طرح إليه العظم أكب عليه، كذلك سفهاؤكم لا يعرفون الحق. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٤١٩]. • وعن الإمام مالك ﵀ قال: ذلٌّ وإهانةٌ للعلم أن يتكلم الرجل بالعلم عند من لا يطيعه. [السير (تهذيبه) ٢/ ٧٣٥]. • وعن إسحاق قال: سمعت مالك بن أنس ﵀ يقول: سمعت من ابن شهاب أحاديث لم أحدث بها إلى اليوم، قلت: لم يا أبا عبد الله؟ قال: لم يكن العمل عليها فتركتها. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٣٥٦]. • وعن ابن وهب؛ قال: قال لي مالك بن أنس ﵀: اعلم أنه ليس يسلم رجل حدث بكل ما سمع. ولا يكون إماما أبدا، وهو يحدث بكل ما سمع [رواه مسلم في مقدمته]. • وقال عبد الرحمن بن مهدي ﵀: لا يكون الرجل إماماً يقتدى به حتى يمسك عن بعض ما سمع. [رواه مسلم في مقدمته]. • وقال الشيخُ علمُ الدِّينِ: وفي يومِ الخميسِ منتصف ربيعٍ الأوَّلِ اجتَمع قاضي القُضاةِ شمس الدِّين ابنُ مُسَلمٍ بالشيخِ الإمام العَّلامَةِ تَقيِّ الدِّين ابنِ تَيْميَّة ﵀، وأشار عليه بتَرْكِ الإفتاءِ في مسألةِ الحَلفِ بالطَّلاقِ، فقبِل الشيخُ نصيحتَه، وأجابَ إلى ما أشار به؛ رعايةً لخاطرِه وخواطرِ الجماعَةِ المُفتين، ثم ورَد البريدُ في مُستَهلِّ جُمادى الأُولَى بكتابٍ مِن السلطان فيه مَنْعُ الشيخِ تقيِّ الدَّينِ مِن الإفتاءِ في مسألةِ الحلفِ بالطلاقِ، وعُقِدَ في ذلك مجلسٌ، وانفَصَل الحالُ على ما رسَم به السلطانُ، ونودِيَ به في البلدِ، وكان قبلَ قُدُومِ المرسُوم قد اجتَمع بالقاضي ابنِ مُسَلَّمٍ الحَنْبَلِيِّ جماعةٌ مِن المفتِينَ الكبارِ، وقالوا له أن يَنصَح الشيخَ في تركِ الإفتاءِ في مسألةِ الطَّلاقِ، فعَلِمَ الشيخ نصيِحتَه، وأنَّه إنَّما قصَد بذلك ترْكَ ثَورَانِ فتْنَةٍ وشرٍّ. [البداية والنهاية ١٤/ ١٦٣].

стр. 77

(حـ) ما نُقل عن العلماء من سعة وسرعة الحفظ: • قال الشَّعْبيّ ﵀: لو أن رجلاً حفِظ ما نَسِيتُ كان عالمًا. [عيون الأخبار ٢/ ٥٢٩]. • وعن عبيد الله بن عمر القواريري قال: أملى علي عبد الرحمن بن مهدي ﵀ عشرين ألف حديث حفظًا. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ١١٠]. • وعن علي بن المديني قال: كان علم عبد الرحمن بن مهدي ﵀ في الحديث كالسحر. وقال نعيم بن حماد: قلت لابن مهدي: كيف تعرف صحيح الحديث من سقيمه؟ قال: كما يعرف الطبيب المجنون. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ١١٢]. • وعن أبي أحمد بن عدي الحافظ قال: سمعت عدة مشايخ يحكون أن محمد بن إسماعيل البخاري ﵀ قدم إلى بغداد فسمع به أصحاب الحديث فاجتمعوا وعمدوا إلى مائة حديث قلبوا أسانيدها ومتونها وجعلوا متن هذا لإسناد آخر وإسناد هذا لمتن آخر، ودفعوها إلى عشرة أنفس إلى كل رجل عشرة أحاديث، وأمروهم إذا حضروا المجلس يلقون ذلك على البخاري، فحضروا فانتدب رجل من العشرة فسأله عن حديث من تلك الأحاديث، فقال: لا أعرفه. فسأله عن آخر، فقال: لا أعرفه. فما زال يلقي عليه واحدًا بعد واحد، حتى فرغ من العشرة، والبخاري يقول: لا أعرفه. فكان بعض الفهماء يقول: الرجل فهم. وبعضهم يقضي عليه بالعجز. ثم انتدب رجل آخر فسأله عن حديث من الأحاديث وهو يقول في الحديث: لا أعرفه حتى فرغ من عشرته، ثم الثالث، ثم الرابع، إلى تمام العشرة، والبخاري لا يزيدهم على: لا أعرفه، فلما فرغوا التفت البخاري إلى الأول وقال: أما حديثك الأول فهو كذا، والحديث الثاني كذا، والثالث كذا، حتى أتى على تمام العشرة، فردَّ كل متن إلى إسناده، وكل إسناد إلى متنه، وفعل بالآخرين مثل ذلك فأقر له الناس بالحفظ، وأذعنوا له بالفضل. وكان ابن صاعد إذا ذكره يقول: الكبش النطَّاح! [المنتظم ١٢/ ١١٧، ١١٨]. • وعن أبي زرعة ﵀ أنه قال: إن في بيتي ما كتبته منذ خمسين سنة،

стр. 78

ولم أطالعه منذ كتبته، وإني أعلم في أي كتاب هو، وفي أي ورقة هو، في أي صفحة هو، في أي سطر هو، وما سمعت أذني شيئًا من العلم إلا وعاه قلبي، وإني أمشي في سوق بغداد فأسمع من الغرف صوت المغنيات فأضع إصبعي في أذني مخافة أن يعيه قلبي. [المنتظم ١٢/ ١٩٤]. وعن أبي العباس محمد بن جعفر الرازي أنه قال: سئل أبو زرعة الرازي ﵀ عن رجل حلف بالطلاق أن أبا زرعة يحفظ مائتي ألف حديث هل حنث؟ قال: لا. ثم قال أبو زرعة: أحفظ مائتي ألف حديث كما يحفظ الإنسان ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]، وفي المذاكرة ثلاثمائة ألف حديث. [المنتظم ١٢/ ١٩٤]. • وعن أحمد بن إبراهيم بن شاذان قال: خرج أبو بكر بن أبي داود ﵀ إلى سجستان في أيام عمرو بن الليث، فاجتمع إليه أصحاب الحديث، وسألوه أن يحدثهم فأبى، وقال: ليس معي كتاب، فقالوا له: ابن أبي داود وكتاب؟ قال: فأثاروني، فأمليت عليهم ثلاثين ألف حديث من حفظي، فلما قدمت بغداد قال البغداديون: مضى ابن أبي داود إلى سجستان، ولعب بالناس ثم فَيَّجُوا فيجًا اكتروه بستة دنانير إلى سجستان لأكتب لهم النسخة، فكتبت، وجيء بها إلى بغداد، وعرضت على الحفاظ، فخطئوني في ستة أحاديث منها ثلاثة أحاديث حدثت بها كما حدثت، وثلاثة أحاديث أخطأت فيها. [المنتظم ١٣/ ٢٧٥، ٢٧٦]. (ط) فوائد أخرى: • عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه. أنه قال: الناس ثلاثة؛ عالم، ومتعلم، والثالث همج لا خير فيه. [الحلية (تهذيبه) ١/ ١٦٩]. • وقال كعب الأحبار ﵀: يوشك أن تروا جهال الناس يتباهون بالعلم، ويتغايرون عليه، كما يتغاير النساء على الرجال، فذلك حظهم من العلم. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٢٥٠]. • وقال الثَّوْرِيّ ﵀: مَن طلب الرِّياسة بالعلم سريعًا فاته عِلْمٌ كثيرٌ. [عيون الأخبار ٢/ ٥٢٣].

стр. 79

• وعن مجاهد ﵀ قال: إن هذا العلم لا يتعلمه مستح ولا متكبر. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ١٢]. • وقال أبو العالية ﵀: لا يتعلم مستحي ولا متكبر. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٣٦٩]. • وقال وهيب بن الورد ﵀: ضُرب لعلماء السوء مثل، فقيل: إنما مثل عالم السوء كمثل الحجَر في الساقية، فلا هو يشرب الماء، ولا هو يخلّي الماء إلى الشجر، فيحيا به. [صفة الصفوة ٢/ ٥٣٣]. • وعن محمد بن يزيد بن خنيس قال: قال وهيب بن الورد ﵀: عجبًا للعالم كيف تجيبه دواعي قلبه إلى ارتياح الضحك، وقد علم أن له في القيامة روعات، ووقفات وفزعات، قال: ثم غشي عليه. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ٣٠]. • وقال سفيان بن عيينة ﵀: إنما منزلة الذي يطلب العلم ينتفع به بمنزلة العبد يطلب كل شيء يُرضي سيده، يطلب التحبب إليه، والتقرب إليه، والمنزلة عنده لئلا يجد عنده شيئًا يكرهه. [صفة الصفوة ٢/ ٥٤١]. • وقال أيضًا ﵀: قال عيسى ﵇: إن للحكمة أهلاً فإن وضعتها في غير أهلها ضيعت، وإن منعتها من أهلها ضيعت، كن كالطبيب يضع الدواء حيث ينبغي. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٤٢٧]. • وقال أيضًا ﵀: كان عيسى ويحيى ﵉ يأتيان القرية، فيسأل عيسى عن شرار أهلها، ويسأل يحيى عن خيار أهلها، فقال له يحيى: لم تنزل على شرار الناس؟ قال: إنما أنا طبيب أداوي المرضى. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٤٢٧]. • وقال بلال بن أبي بُرْدَة ﵀: لا يَمنعنَّكم سوءُ ما تعلمون منا أن تَقْبلوا أحسنَ ما تسمعون. (١) [عيون الأخبار ٢/ ٥٢٣]. • وقال الخليل بن أحمد ﵀: لا يعرِفُ الرَّجلُ خطأ معلِّمه، حتى يُجَالِسَ غيره. [السير (تهذيبه) ٢/ ٧١٣].

стр. 80

• وقال أيضًا ﵀: [عيون الأخبار ٢/ ٥٢٣]. اعمل بعملي ولا تنظر إلى عملي … ينفعك قولي ولا يضررك تقصيري • وقال أَيّوب ﵀: لا يَعرِف الرجلُ خطأَ مُعلِّمه حتّى يعرِفَ الاختلاف. [عيون الأخبار ٢/ ٥٢٦]. • وعن حماد بن زيد قال: كان رجل قد لزم أيوب ﵀ وسمع منه. ففقده أيوب. فقالوا: يا أبا بكر إنه قد لزم عمرو بن عبيد. قال حماد: فبينا أنا يوماً مع أيوب وقد بكرنا إلى السوق. فاستقبله الرجل. فسلم عليه أيوب وسأله. ثم قال له أيوب: بلغني أنك لزمت ذاك الرجل. قال حماد: سماه، يعني عمراً. قال: نعم. يا أبا بكر إنه يجيئنا بأشياء غرائب. قال: يقول له أيوب: إنما نفر أو نفرق من تلك الغرائب. [رواه مسلم في مقدمته]. • وعن الزهري ﵀ قال: إنما يذهب العلم النسيان وترك المذاكرة. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٢٤]. • وعن شريح ﵀ أنه قيل له: بأي شيء أصبت هذا العلم، قال: بمقاومة العلماء، آخذ منهم وأعطيهم. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٦٨]. • وقال الأعمش ﵀: العلم في لمَ؟ [الحلية (تهذيبه) ٢/ ١٣٨]. • وقال جعفر بن محمد ﵀: الفقهاء أمناء الرسل، فإذا رأيتم الفقهاء قد ركبوا إلى السلاطين فاتهموهم. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٥١٢]. • وقال عبد الله بن ضُرَيس: قيل لعبد الله بن المبارك ﵀: يا أبا عبد الرحمن إلى متى تكتب هذا الحديث؟ فقال: لعل الكلمة التي أنتفع بها ما كتَبْتُها بعدُ. [صفة الصفوة ٤/ ٣٧٥]. • وقال الأوزاعي ﵀: كنا نضْحك ونمزَح، فلما صِرنا يُقتدى بنا خشيتُ أن لا يسعنا التَّبَسُّم. [السير (تهذيبه) ٢/ ٦٨٥]. • وعن الأعْمش قال: كان إسماعيلُ بن رَجَاء ﵀ يَجمع صِبْيانَ الكُتَّاب فيُحدِّثهم كيلا يَنْسَى حَدِيثَه. [عيون الأخبار ٢/ ٥٣٣]. • وعن مكحول ﵀ قال: لا يؤخذ العلم إلا عن من شُهد له بالطلب. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ١٨١].

стр. 81

• وعن أبي بكر بن عياش ﵀ قال: الدخولُ في العلم سهلٌ، لكن الخروج منه إلى الله شديدٌ. [السير (تهذيبه) ٢/ ٧٨٧]. • وعن عبيد بن عمير ﵀ قال: إن الله يبغض القاري، إذا كان لباسًا ركابًا ولاجًا خراجًا. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٩]. • وعن موسى الجهني قال: كان طلحة بن مصرف ﵀ إذا ذكر عنده الاختلاف قال: لا تقولوا الاختلاف، ولكن قولوا السعة. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ١٣٢]. • وقال سفيان الثوري ﵀: لو لم يأتني أصحاب الحديث لأتيتهم في بيوتهم. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٣٦٣]. • وعن يوسف بن أسباط قال: سئل سفيان الثوري ﵀ عن مسألة وهو يشتري شيئًا فقال: دعني فإن قلبي مع درهمي. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٣٩٩]. • وعن أبي يزيد البسْطامِي ﵀ قال: ما وجدتُ شيئًا أشدَّ علي من العِلم ومتابعتِه، ولولا اختلاف العلماء لتعبت (١)، واختلاف العلماء رحمة إلا في تجريد التوحيد (٢). [الحلية (تهذيبه) ٣/ ٢٤٧]. • وقال عبد الله بن المبارك ﵀: أول منفعة الحديث أن يفيد بعضهم بعضًا. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ٣٨]. • وقال الفضيل بن عياض ﵀: لو كان مع علمائنا صبر ما غدوا لأبواب هؤلاء، يعني الملوك. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ١٢].

стр. 82

• وعن محمد بن الطفيل قال: رأى فضيل بن عياض ﵀ قومًا من أصحاب الحديث، يمزحون ويضحكون، فناداهم: مهلاً يا ورثة الأنبياء، مهلاً ثلاثًا، إنكم أئمة يقتدى بكم. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ١٧]. • وعن سلم بن جنادة قال: جالست وكيع بن الجراح ﵀ سبع سنين، فما رأيته بزق، وما رأيته مس والله حصاة بيده، وما رأيته جلس مجلسه فتحرك، وما رأيته إلا مستقبل القبلة، وما رأيته يحلف بالله. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ١٠٦]. • وعن الحسين بن أبي زيد قال: صاحبت وكيع بن الجراح ﵀ إلى مكة، فما رأيته متكئا، ولا رأيته نائمًا في محمله. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ١٠٦]. • وقال ابن المبارَك: ما رأيتُ أحدًا ارتفعَ مثل مالك بن أنس ﵀، ليس له كثيرُ صلاة ولا صِيام، إلا أن تكونَ له سريرةٌ. • قال الذهبي ﵀: ما كان عليه من العلم ونَشْرِه أفضلُ مِن نوافل الصومِ والصلاة لمن أراد به الله. [السير (تهذيبه) ٢/ ٧٣٣]. • وعن يونس بن عبد الأعلى قال: كان الشافعي ﵀ يكلمنا بقدر ما نفهم عنه، ولو كلمنا بحسب فهمه ما عقلنا عنه. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ١٣٢]. • وعن الفضيل بن زياد عن أحمد بن حنبل ﵀ قال: هذا الذي ترون كله أو عامته من الشافعي، وما بت منذ ثلاثين سنة إلا وأنا أدعو للشافعي. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ١٢١]. • وقال الذهبي ﵀: من بلغ رُتبةَ الاجتهاد، وشهد له بذلك عِدَّةٌ من الأئمة، لم يَسُغْ له أن يُقلِّدَ (١)، كما أن الفقيه المُبتدئَ والعاميَّ الذي يحفظ القرآن أو كثيرًا منه لا يَسوغُ له الاجتهاد أبدًا، فكيف يَجتهدُ وما الذي يقول؟ وعلام يَبني؟ وكيف يَطيرُ ولَمَّا يُرَيّشْ؟ (٢) والقِسم الثالث: الفقيه المنتهي اليَقِظُ الفَهِمُ المُحدِّث، الذي قد حفظ مختصرًا في الفروع، وكتابًا في قواعد الأصول، وقرأ النحو، وشارك في الفضائل مع حفظه لكتاب الله وتشاغله

стр. 83

بتفسيره وقوة مناظرته، فهذه رتبة من بلغ الاجتهادَ المُقيَّد، وتأهَّلَ للنظر في دلائلِ الأئمة، فمتى وَضح له الحقُّ في مسألة، وثَبت فيها النص، وعَمِلَ بها أحدُ الأئمة الأعلامِ كأبي حنيفة مثلاً، أو كمالك، أو الثوريِّ، أو الأوزاعيِّ، أو الشافعيّ وأبي عبيد، وأحمدَ، وإسحاق، فلْيَتَّبِعْ فيها الحقَّ ولا يَسْلُكِ الرُّخصَ ولْيتَورَّع، ولا يسعُه فيها بعد قيامِ الحجةِ عليه تقليدٌ، فإن خاف ممن يُشغِّب عليه من الفقهاء فَلْيَتكتَّم بها ولا يتراءى بفعلها، فربّما أعجبته نفسُه، وأحب الظهور، فيعاقَب، ويدخل عليه الداخلُ من نفسه، فكم من رجلٍ نطق بالحقِّ، وأمر بالمعروف، فَيُسلِّطُ الله عليه من يُؤذيه لسوء قصده، وحُبِّه للرئاسة الدينية، فهذا داءٌ خفيٌّ سارٍ في نفوس الفقهاء كما أنه داءٌ سارٍ في نفوس المنفقين من الأغنياء وأربابِ الوقوفِ والتُّربِ المزخرفة وهو دَاء خفيٌّ يسري في نفوس الجند والأُمراء والمجاهدين، فتراهم يَلتقون العدوَّ، ويصطدمُ الجمعان وفي نفوس المجاهدين مُخَبّآتٌ وكمائنُ من الاختيال وإظهار الشجاعةِ. [السير (تهذيبه) ٣/ ١٤٠٠].

стр. 84

العمل بالعلم وتبليغه • قال سَلْمان الفارسي ﵁: علمٌ لا يُقال به ككنز لا يُنْفَق منه. [عيون الأخبار ٢/ ٥٢٥]. • وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: " إن الناس قد أحسنوا القول، فمن وافق قوله فعله فذاك الذي أصاب حظه، ومن لا يوافق قولُه فعله فذاك الذي يوبخ نفسه". [صفة الصفوة ١/ ١٨٩]. • وقال ﵁: تعلموا العلم فإذا علمتم فاعملوا. [الحلية (تهذيبه) ١/ ١١٩]. • وعن عبد الله بن عكيم قال: سمعت ابن مسعود ﵁ في هذا المسجد - يبدأ باليمين قبل الكلام. فقال: ما منكم من أحد إلا أن ربه تعالى سيخلو به، كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر، فيقول يا ابن آدم ما غرَّك بي؟ ابن آدم ماذا أجبت المرسلين، ابن آدم ماذا عملت فيما علمت؟. [الحلية (تهذيبه) ١/ ١٢٠]. • وقال أبو الدرداء ﵁: إن من شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة عالمًا لا ينتفع بعلمه. [الحلية (تهذيبه) ١/ ١٧٨]. • وقال أيضًا ﵁: أخوف ما أخاف أن يقال لي يوم القيامة: أعلمت أم جهلت؟ فإن قلتُ علمت. لا تبقى آية آمرة أو زاجرة إلا أُخذتُ بفريضتها، الآمرة هل ائتمرت، والزاجرة هل ازدجرت، فأعوذ بالله من علم لا ينفع، ونفس لا تشبع، ودعاء لا يُسمع (رواه الإمام أحمد). [صفة الصفوة ١/ ٣٠٠]. • وقال أيضًا ﵁: إنما أخشى على نفسي أن يقال لي على رؤوس الخلائق: يا عويمر هل علمت؟ فأقول: نعم. فيقال: ماذا عملت فيما علمت؟. [صفة الصفوة ١/ ٣٠٠].

стр. 85

• وقال جندب البجلي ﵁: مثل الذي يعظ الناس وينسى نفسه مثل المصباح يضيء لغيره ويحرق نفسه. [الزهد للإمام أحمد / ٣٣٠]. • وقال معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه: اعلموا ما شئتم أن تعلموا، فلن يؤجركم الله بعلم حتى تعملوا. [الحلية (تهذيبه) ١/ ١٨٥]. • وعن ميمون بن مهران قال: تكلم عمر بن عبد العزيز ﵀ ذات يوم، وعنده رهطٌ من إخوانه، فصح له منطقٌ وعظة حسنة، فنظر إلى رجل من جلسائه، وهو يَخذِفُ دمعته، فقطع دمعته، فقلت له: يا أمير المؤمنين، امض في منطقك فإني أرجو أن يمن الله على من سمعه أو بلغه. قال: إليك عني، فإن في القول فتنة، والفعال أولى بالمؤمن من القول. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ١٨١]. • وجاء في كتاب الشكر لا بن أبي الدنيا: أخبرنا الشيخ ناصر الدين أبو نصر محمد بن عربشاه، قيل له: أخبركم الشيخ أبو الفضل جعفر بن أبي الحسن بن أبي البركات الهمداني، قراءةً عليه وأنت تسمع سنة خمس وثلاثين وستمائة، قال: أنا الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد السلفي، قراءة عليه وأنا أسمع سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، قيل له: أخبركم الشيخان؛ الشريف أبو الفضل محمد بن عبد السلام الأنصاري، وأبو سعد محمد بن خشيش؛ قال الشريف: أنبأ أبو علي الحسن بن شاذان؛ قال: أنبأ أبو بكر أحمد بن سلمان النجاد، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي الدنيا، قال: حدثنا الجروي، قال: حدثني عمرو بن أبي سلمة، قال: حدثنا أبو عبدة الحكم بن عبدة، قال: حدثني حيوة بن شريح، عن عقبة بن مسلم، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن الصنابحي، عن معاذ ﵁، قال: قال لي … النبي ﷺ : (إني أحبك، فقل: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك). قال الصنابحي: قال لي معاذ: إني أحبك، فقل هذا الدعاء، قال أبو عبد الرحمن: قال لي الصنابحي: وأنا أحبك، فقل؛ قال عقبة: قال لي أبو عبد الرحمن: وأنا أحبك فقل؛ قال حيوة: قال لي عقبة: وأنا أحبك فقل؛ قال أبو عبدة: قال لي حيوة: وأنا أحبك فقل؛ قال عمرو: فقال لي أبو عبدة: وأنا أحبك فقل؛ قال لي حسن يعني الجروي: وأنا أحبك فقل، قال

стр. 86

لنا أبو بكر بن أبي الدنيا: وأنا أحبكم فقولوا، قال لنا أبو بكر النجاد: وأنا أحبكم فقولوا، قال لنا الشريف: قال لنا الحرقي: وأنا أنا أحبكم فقولوا، وقال ابن خشيش: وقال لنا ابن شاذان: وأنا أحبكم فقولوا: وقال لنا الشريف وابن خشيش: ونحن نحبكم فقولوا، وقال لنا الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد: وأنا أحبكم فقولوا: وقال لنا شيخنا أبو الفضل جعفر: وأنا أحبكم فقولوا، وقال لنا شيخنا نصر الدين أبو نصر محمد بن عربشاه: وأنا أحبكم فقولوا. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٥٠١، ٥٠٢]. • وروي عن حبيب بن أبي ثابت أنه قال: قال لي سعيد بن جُبير ﵀: لأن أَنشرَ علمي أحبُّ إليَّ من أن أذهب به إلى قبري. [السير (تهذيبه) ٢/ ٥٠٦]. • وعن الزهري ﵀ قال: العلم يقبض قبضًا سريعًا، فنشر العلم ثبات الدين والدنيا، وفي ذهاب العلم ذهاب ذلك كله. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٢٦]. • وقال أيضًا ﵀: إياك وغلول الكتب، قلت: وما غلولها؟ قال: حبسها عن أهلها. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٢٥]. • وعن منصور ﵀ قال: نبئت أن بعض من يلقى في النار، يتأذى أهل النار بريحه. فيقال له: ويلك ما كنت تعمل؟ أما يكفينا ما نحن فيه من النتن، حتى ابتلينا بك وبنتن ريحك، فيقول: كنت عالمًا فلم أنتفع بعلمي. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٤٥٠]. • وقال سُفيان الثوري ﵀: ما بلغني عن رسول الله ﷺ حديثٌ قَطُّ إلا عملتُ به ولو مَرَّة. [السير (تهذيبه) ٢/ ٦٩٦]. • وقال أيضًا ﵀: يَهتف العلم بالعمل فإن أجابه وإلاّ ارتحل. [عيون الأخبار ٢/ ٥٢٣]. • وقال أيضًا ﵀: كان الرجل إذا أراد أن يكتب الحديث تأدب وتعبد قبل ذلك بعشرين سنة. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٣٦٢]. • وعن عبد الله بن المبارك. قال: سئل سفيان الثوري ﵀: طلب العلم أحب إليك يا أبا عبد الله أو العمل؟ فقال: إنما يراد العلم للعمل، لا تدع

стр. 87

طلب العلم للعمل، ولا تدع العمل لطلب العلم. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٣٧٨]. • وعن الأوزاعي قال: قدم عطاء الخراساني على هشام فنزل على مكحول، فقال لمكحول: ها هنا أحد يحركنا؟ قال: نعم! يزيد بن ميسرة ﵀، فأتوه فقال عطاء: حركنا رحمك الله، قال: نعم! كانت العلماء إذا علموا عملوا، فإذا عملوا شُغلوا، فإذا شغلوا فُقدوا، فإذا فقدوا طُلبوا، فإذا طلبوا هَربوا. قال: أعد عليّ، فأعاد عليه فرجع عطاء ولم يلق هشامًا!! [الحلية (تهذيبه) ٢/ ١٩٣]. • وعن أبي وائل، عن علقمة ﵀ قال: وقيل له: ألا تقص علينا؟ قال: إني لأكره أن آمركم بما لا أفعل. [الزهد للإمام أحمد / ٣٧٢]. • وعن الشعبي ﵀ قال: يشرف أهل الجنة في الجنة على قوم في النار فيقولون: ما لكم في النار، وإنما كنا نعمل بما تعلمونا؟ فيقولون: إنا كنا نعلمكم ولا نعمل به. [الزهد للإمام أحمد / ٦١٢]. • وقال أيضًا ﵀: ما من خطيب يخطب إلا عُرضت عليه خطبته يوم القيامة. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٧/ ٧٩]. • وقال أيضًا ﵀: ليتني لم أكن علمتُ من ذا العلم شيئا. قال الذهبي: لأنه حجة على العالم، فينبغي أن يعملَ به، وينبِّه الجاهلَ، فيأمرُه وينهاه، ولأنَّه مَظِنَّةُ أن لا يخلصَ فيه، وأن يَفْتَخرَ به ويُماري به، لينالَ رئاسةً ودُنيا فانيَةً. [السير (تهذيبه) ٢/ ٥٠٢]. • وعن هشام الدستوائي ﵀ قال: كان عيسى ابن مريم ﵇ يقول: يا معشر العلماء، مثلكم مثل الدفلي (١) يعجب ورده من نظر إليه، ويقتل طعمه من أكله، كلامكم دواء ولم يبرئ الداء، وأعمالكم داء لا تقبل الدواء، الحكمة تخرج من أفواهكم، وليس بينها وبين آذانكم إلا أربع أصابع، ثم لا تعيها قلوبكم!! معشر العلماء إن الله إنما يبسط لكم الدنيا لتعملوا، ولم يبسط

стр. 88

لكم لتطغوا!! معشر العلماء كيف يكون من أهل العلم من يطلب الكلام ليخبر به ولا يطلب ليعمل به؟ العلم فوق رؤوسكم، والعمل تحت أقدامكم، فلا أحرار كرام، ولا عبيد أتقياء؟! [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٣٤٠]. • وعن شعبة قال: ما أقول لكم إن أحدًا طلب الحديث يريد وجه الله تعالى إلا هشامًا الدستوائي، وإن كان يقول: ليتنا ننجو من هذا الحديث كفافًا لا لنا ولا علينا. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٣٤٠]. • وعن إبراهيم النخعي ﵀ قال: كانوا إذا أتوا الرجل ليأخذوا عنه نظروا إلى صلاته، وإلى هدْيه، وإلى سَمْته. [صفة الصفوة ٢/ ٥٥٣]. • وقال أبو قلابة ﵀: إذا أحدث الله لك علمًا فأحدِثْ له عبادة. [صفة الصفوة ٣/ ١٨٦]. • وعن مالك بن دينار ﵀ قال: إن العالم إذا لم يعمل بعلمه زلت موعظته عن القلوب كما يزل القطر عن الصفا. [الزهد للإمام أحمد / ٥٣٩]. • وقال أيضًا ﵀: كنت مولعًا بالكتب أنظر فيها، فدخلت ديرًا من الديارات ليالي الحجاج، فأخرجوا كتابا من كتبهم فنظرت فيه، فإذا فيه: يا ابن آدم لم تطلب علم ما لم تعلم، وأنت لا تعمل بما تعلم. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٤٢٧]. • وقال أيضًا ﵀: من طلب العلم للعمل وفقه الله، ومن طلب العلم لغير العمل يزداد بالعلم فخرًا. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٤٢٧]. • وقال أيضًا ﵀: إنك إذا طلبت العلم لتعمل به كسَرك العلم، وإذا طلبته لغير العمل به لم يزدْك إلا فخْرًا. [صفة الصفوة ٣/ ٢٠٢]. • وقال أيضًا ﵀: تلقى الرجل وما يلحن حرفًا، وعمله كله لحن. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٤٢٩]. • وعن أبي العالية ﵀، قال: كنتُ أرحَلُ إلى الرجل مسيرَة أيامٍ لأسمع منه، فأتفقَّد صَلاتَه، فإن وجَدتُه يُحسِنها، أقمتُ عليه، وإنْ أجِدْهُ يُضيِّعُها، رحلت ولم أسمع منه، وقلتُ: هو لِما سواها أضْيَع. [السير (تهذيبه) ١/ ٤٧٩]. • وقال عمرو بن قيس ﵀: إذا سمعت بالخير، فاعمل به ولو مرة

стр. 89

واحدة. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ١٥٥]. • وقال ابن السَّمَّاك ﵀: كم من شيءٍ إذا لم ينفع لم يضرَّ، لكن العلمَ إذا لم ينفع، ضَرَّ. [السير (تهذيبه) ٢/ ٧٦١]. • وعن إبراهيم التيمي ﵀ قال: ما عرضتُ عَمَلي على قولي، إلا خشيت أن أكون مكذِّبًا. [صفة الصفوة ٢/ ٥٨٠]. • وعن عطاء الخراساني ﵀ قال: إن أوثق عملي في نفسي نشري العلم. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ١٨٦]. • وقال أبو عثمان الحيري ﵀: ذهابُ الإسلام من أربعة: لا يعملونَ بما يَعلَمون، ويعملونَ بما لا يَعلَمون، ولا يَتَعلَّمون مالا يَعْلَمون، ويَمنَعون النَّاس من العلم. قال الذهبي ﵀: هذه نعوتُ رؤوس العرب والتُّرك، وخلق من جهلة العامة، فلو عملوا بيسير ما عرفوا، لأفلحوا، ولو وقفوا عن العمل بالبدع لوُفِّقوا ولو فَتَّشوا عن دينهم وسألوا أهل الذِّكر - لا أهل الحِيَلِ والمكر - لسَعِدوا، بل يُعرِضون عن التعلُّم تيهًا وكَسَلَا، فواحدة من هذه الخِلال مُردِيَة، فكيف بها إذا اجتمعت؟! فما ظنُّك إذا انضم إليها كِبْر، وفجورٌ، وإجرامٌ وتَجَهْرُمٌ على الله! نسأل الله العافية. [السير (تهذيبه) ٢/ ٧٢٣]. • وعن سفيان بن عيينة ﵀ قال: إنما أرباب العلم الذين هم أهله الذين يعملون به. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٤٢٦]. • وقال أيضًا ﵀: كان رجل عالم وآخر عابد. فقال العالم للعابد: مالك لا تأتيني والناس يأتوني ويحتاجون إلى علمي؟ قال: أنا أحسن شيئًا قليلاً وأنا أعمل به، فإذا فني أتيتك. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٤٣٤]. • وعن الحسن البصري ﵀ قال: إذا كنت آمرًا بالمعروف فكن من آخذ الناس به وإلا هلكت، وإذا كنت ممن ينهى عن المنكر فكن من أنكر الناس له وإلا هلكت. [الزهد للإمام أحمد / ٤٤٤]. • وعن حفص بن حميد قال: سألت داود الطائي ﵀ عن مسألة فقال

стр. 90

داود: أليس المحارب إذا أراد أن يلقى الحرب، أليس يجمع له آلته؟ فإذا أفنى عمره في جمع الآلة، فمتى يحارب؟ إن العلم آلة العمل، فإذا أفنى عمره فيه فمتى يعمل؟! [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٤٥٨]. • وعن عيسى بن حازم قال: قلت لإبراهيم بن أدهم ﵀: مالك لا تطلب الحديث؟ فقال: إني لا أدعه رغبة عنه، ولا زهادة فيه، ولكني سمعت منه شيئًا فأنا أريد العمل به. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٤٩٠]. • وقال الفضيل بن عياض ﵀: أي حسرة على امرئ أكبر من أن يؤتيه الله علمًا فلم يعمل به، فسمعه منه غيره فعمل به، فيرى منفعته يوم القيامة لغيره. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ٢٧]. • وقال بشر بن الحارث ﵀: لا تسأل عن مسائل تعرف بها عيوب الناس، لا تقع في ألسنة الناس، إذا سألت عن مسألة فاعمل، فإن لم تطق فاستعن بالله. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ٩٩]. • وقال وهيب بن الورد ﵀: لا يكن همّ أحدكم في كثرة العمل، ولكن ليكنْ همّه في إحكامه وتحسينه، فإن العبد قد يصلّي وهو يعصي الله في صلاته، وقد يصوم وهو يعصي الله في صيامه. [صفة الصفوة ٢/ ٥٣٥]. • وقال المروذي: قال لي أحمد بن حنبل ﵀: ما كتبتُ حديثًا إلا وقد عملتُ به حتى مرَّ بي أن النبيَّ ﷺ ، احْتَجَم وأعطى أبا طيْبَة دينارًا، فأعطيتُ الحجَّام دينارًا حين احتجمتُ. [السير (تهذيبه) ٢/ ٩٢٩]. • وقال الذهبي ﵀: من طلب العلمَ للعمل كسره العلمُ، وبكى على نفسه، ومن طلب العلم للمدارس والإفتاء والفخر والرياء، تحامق، واختال، وازدرى بالناس وأهلكه العُجْبُ، ومقتَتْهُ الأنفس ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٩، ١٠]؛ أي: دسَّسَها بالفُجور والمعصية. قُلِبتْ فيه السينُ ألفًا. [السير (تهذيبه) ٣/ ١٤٠١].

стр. 91

حال السلف مع ولاة الأمور (أ) طاعتهم والدعاء لهم، والحث على لزوم الجماعة: • عن عبد الله بن سلام قال لمن حضر تشحط عثمان ﵁ في الموت حين ضربه أبو رومان الأضحى: ماذا كان قول عثمان وهو يتشحط؟ قالوا: سمعناه يقول: اللهم اجمع أمة محمد، اللهم اجمع أمة محمد، اللهم أجمع أمة محمد، ثلاثا، قال: والذي نفسي بيده لو دعا الله على تلك الحال أن لا يجتمعوا أبدا ما اجتمعوا إلى يوم القيامة. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ٣١٤]. • وعن أبي قتادة قال: دخلت على عثمان ﵁ وهو محصور أنا ورجل من قومي، نستأذنه في الحج، فأذن لنا، فلما خرجت استقبلني الحسن بن علي بالباب، فدخل وعليه سلاحه، فرجعت معه فدخل، فوقف بين يدي عثمان، وقال: يا أمير المؤمنين ها أنا ذا بين يديك فمرني بأمرك، فقال له عثمان: يا ابن أخي وصَلّتْك رحم، إن القوم ما يريدون غيري ووالله لا أتوقى بالمؤمنين، ولكن أوقِّي المؤمنين بنفسي، فلما سمعت ذلك منه قلت له: يا أمير المؤمنين إن كان من أمرك كون فما تأمر؟ قال: انظروا ما أجمعت عليه أمة محمد، فإن الله لا يجمعهم على ضلالة، كونوا مع الجماعة حيث كانت. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ٣١٥]. • وكتبَ رجل إلى ابن عُمر ﵁ أن اكتُبْ إليَّ بالعلم كله. فكتب إليه: إنَّ العلم كثير، ولكن إن استطعتَ أن تَلْقَى الله خفيفَ الظهر من دماءِ الناسِ، خَمِيصَ البطنِ من أموالهم، كافَّ اللسان عن أعراضهم، لازمًا لأمْرِ جَمَاعتهم، فافعل. [السير (تهذيبه) ١/ ٣٧٠]. • وقال الحسن بن علي ﵁: أربعة من الإسلام إلى السلطان: الحُكْم والفيء والجمعة والجهاد. [عيون الأخبار ١/ ٤٧، ٤٨].

стр. 92

• وقال الفضيل بن عياض ﵀: لو أنَّ لي دعوةً مستجابة ما جعلتها إلا في إمامٍ، فصلاحُ الإمام صلاحُ البلاد والعباد. (١) [السير (تهذيبه) ٢/ ٧٧٧]. • وعن عُمَر بن الفضل قال: سألت أبا العلاء ﵀ والحجاج في عِبَائه (٢) - فقلت: يا أبا العلاء أسب الحجاج؟ فقال: ادع له بالصلاح فإن صلاحه خير لك. [الزهد للإمام أحمد / ٤٢٢]. • وعن عبد الله بن القاسم قال: جلست إلى سعيد بن المسيب ﵀ فقال: إنه قد نهي عن مجالستي قال: قلت: إني رجل غريب قال: إنما أحببت أن أعلمك. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٣٤٨]. • وعن قتادة عن سعيد بن المسيب ﵀ أنه كان إذا أراد الرجل أن يجالسه قال: إنهم قد جلدوني، ومنعوا الناس أن يجالسوني. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٣٤٨]. • وعن عبد الحميد بن عبد الله بن مسلم، أنَّ السجَّان قال لابن سيرين ﵀: إذا كان اللَّيل فاذهب إلى أهلك، فإذا أصبحت فتعالَ. قال: لا والله، لا أكونُ لَكَ عونًا على خيانةِ السُّلطان. [السير (تهذيبه) ٢/ ٥٦٩]. (ب) استعمال الحكمة والمداراة معهم: • عن عكرمة، عن ابن عُمر ﵁، قال: دخلتُ على حفصةَ فقلت: قد كانَ من الناس ما تَرَين، ولم يُجعل لي من الأمر شيءٌ، قالت: فالحق بهم فإنهم ينتظرونك، وإني أخشى أن يكون في احتباسك عنهم فُرقةٌ، فلم يَرعه حتى ذهب. قال: فلما تفرَّق الناس، خطب معاويةُ، فقال: من كان يُريد أن

стр. 93

يتكلَّم في هذا الأمر، فليُطلعْ إليَّ قرنه، فنحنُ أحقُّ بذلك منه ومن أبيه (١). قال حبيبُ بنُ مسلمة: فهَلاَّ أجبته فِداكَ أبي وأمي؟ فقال ابنُ عمر: حلَلْتُ حبوتي، فهممتُ أن أقول: أحقُّ بذلك منك من قاتَلكَ وأباكَ على الإسلام فخشيتُ أن أقولَ كلمة تُفرِّق الجمع، ويُسْفَكُ فيها الدَّمُ، فذكرتُ ما أعدَّ الله في الجنان. [رواه البخاري: ٣٨٨٢]. • وعن سعيد بن حبان قال: جمع المختار رباع أهل الكوفة على صحيفة مختومة يبايعون على ما فيها ويقرون بها. فقلت: لأنظرن ما يصنع الحارث بن سويد ﵀، فلما دعيت إذا هو بين يدي القوم فمشيت إلى جنبه، فقلت: يا أبا عائشة أتدري ما في هذه الصحيفة؟ قال: إليك عني، فإني سمعت عبد الله بن مسعود ﵁ يقول: ما كنت لأدع قولاً أقوله أدرأ به عني سوطين. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٦٧]. • وعن عبد الله بن سلمويه، قال: أسر مصعب بن الزبير ﵀ رجلاً فأمر بضرب عنقه، فقال: أصلح الله الأمير، ما أقبح بمثلي أن يقوم يوم القيامة فأتعلق بأطرافك الحسنة، وبوجهك الذي يستضاء به، فأقول: يا رب سل مصعبًا فيم قتلني؟ فقال: يا غلام، أعف عنه، فقال: أصلح الله الأمير، إن رأيت أن تجعل ما وهبت لي من حياتي في عيشٍ رخي، قال: يا غلام، أعطه مائة ألف، فقال: أيها الأمير، فإني أشهد الله وأشهدك أني قد جعلت لابن قيس الرقيات منها خمسين ألفًا، فقال له: ولِمَ؟ قال: لقوله فيك: إنما مصعب شهاب من اللـ … ـه تجلت عن وجهه الظلماء [المنتظم ٦/ ١١٥، ١١٦]. • وعن هشام بن عروة ﵀: أنه دخل على أبي جعفر المنصور، فقال: يا أمير المؤمنين، اقض عني ديني. قال: وكم دينك؟ قال: مائة ألف. قال: وأنت في فضلك وفهمك تأخذ دينًا مائة ألف وليس عندك قضاؤها؟ قال: يا أمير المؤمنين، شب فتيان من فتياننا، فأحببت أن أبوئهم وخشيت أن ينتشر

стр. 94

عليَّ من أمرهم ما أكره فبوأتهم واتخذت لهم منازل وأولمت عنهم ثقة بالله وبأمير المؤمنين (١) قال: فرد عليه مائة ألف استعظامًا لها، ثم قال: قد أمرنا لك بعشرة آلاف. قال: يا أمير المؤمنين، فأعطني ما أعطيت وأنت طيب النفس، فإني سمعت أبي يُحدّث عن رسول الله ﷺ أنه قال: " من أعطى عطية وهو بها طيب النفس بورك للمُعطِي وللمُعطَى " قال: فإني بها طيب النفس. [المنتظم ٨/ ١٠١]. • وعن الفضل بن الربيع عن أبيه قال: حج أبو جعفر سنة سبع وأربعين ومائة، فقدم المدينة وقال: ابعثْ إلى جعفر بن محمد ﵀ من يأتينا به تعِبًا، قتلني الله إن لم أقتله. فتغافل عنه الربيع لينساه، ثم أعاد ذكره للربيع وقال: أرسل إليه من يأتي به متعبًا، فتشاغل عنه، ثم أرسل إلى الربيع برسالة قبيحة في جعفر، وأمره أن يبعث إليه ففعل. فلما أتاه قال له: يا أبا عبد الله اذكر الله، فإنه قد أرسل إليك التي لا سِوى لها. قال جعفر: لا حول ولا قوة إلا بالله. ثم أعلَم أبا جعفر حضورَه، فلما دخل أوعده وقال: أيْ عدوّ الله اتخذك أهل العراق إمامًا يجبون إليك زكاة أموالهم، وتلحد في سلطاني وتبغيه الغوائل؟ قتلني الله إن لم أقتلك. فقال: يا أمير المؤمنين إن سليمان ﵇ أُعطي فشكر، وإن أيوب ابتُلي فصبر، وإن يوسف ظُلم فغفر، وأنت من ذلك السِّنْخ، فقال له أبو جعفر: إليّ وعندي، أبا عبد الله، البريء الساحة، السليم الناحية، القليل الغائلة، جزاك الله من ذي رحمٍ أفضلَ ما جَزى ذوي الأرحام عن أرحامهم. ثم تناول يده فأجلسه معه على فراشه، ثم قال: عليَّ بالمِنجفَة، فأُتيَ بدُهن فيه غالية، فغلفه بيده حتى خِلتُ لحيته قاطرة، ثم قال: في حفظ الله وفي كلاءته. ثم قال: يا ربيع ألحِق أبا عبد الله جائزتَه وكسوتَه، انصرفْ أبا عبد الله في حفظ الله وفي كنفه، فانصرف ولحقتُه، فقلت له: إني قد رأيت قبل ذلك ما لم تره، ورأيت بعد ذلك ما قد رأيت، فما قلت يا أبا عبد الله

стр. 95

حين دخلت؟ قال: قلت: اللهم احْرُسْني بعينك التي لا تنام، واكنُفني بركْنِك الذي لا يُرام، واغفر لي بقُدْرَتك عليّ لا أهلك وأنت رجائي. اللهم إنك أكبر وأجلّ ممن أخاف وأَحذر، اللهم بك أدفع في نحره، وأستعيذ بك من شرّه. [صفة الصفوة ٢/ ٤٩٨]. • وعن إبراهيم بن أبي عبلة ﵀ أنه قال: بعث إليّ هشام بن عبد الملك، فقال: يا إبراهيم، إنا قد عرفناك صغيرًا وخبرناك كبيرًا، ورضينا بسيرتك وحالك، وقد رأيت أن أخلطك بنفسي وبخاصتي، وأشركك في عملي، وقد وليتك خراج مصر، فقال: أما الذي عليه رأيك يا أمير المؤمنين فالله يجزيك ويثيبك وكفى به جازيًا ومثيبًا، وأما الذي أنا عليه فمالي بالخراج تصرف، ومالي عليه قوة. فغضب حتى اختلج وجهه، ثم قال: لَيلِيَنَّ طائعًا أو لَيلِينَّ كارهًا، فأمسكت عن الكلام حتى رأيت غضبه قد انكسر وثورته قد طفئت، فقلت: يا أمير المؤمنين، أأتكلم؟ فقال: نعم، فقلت: إن الله سبحانه قال في كتابه: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً﴾ الآية [الأحزاب: ٧٢]. والله يا أمير المؤمنين ما غضب عليهن إذ أَبَيْنَ، ولا أَكْرههن إذْ كَرِهن، وما أنا بحقيق أن تغضب عليّ إذ أبيت ولا تكرهني إذ كرهت، فضحك وقال: يا إبراهيم، أبيت إلا رفقًا فقد أعفيناك ورضينا عنك. [المنتظم ٨/ ١٥٦]. (جـ) الصدع بالحق وعدم المداهنة في النصح لهم: • عن محمد بن سيرين، قال: كنا عند عمران بن حصين ﵁ في حلقته في المسجد، إذ مر بنا الحكم بن عمرو الغفاري وقد عقد له زياد بن أبي سفيان على خراسان، فقيل لعمران: هذا الحكم استعمل على خراسان، فقال: عليّ به. فلما جاء قال: يا حكم، أتذكر حديثًا سمعته أنا وأنت من رسول الله ﷺ قال: وما هو؟ قال: سمعناه يقول: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. قال: نعم، قال: إذا شئت فقم. قال: فأتى خراسان فأصاب بها غنائم كثيرة، فكتب إليه زياد: أما بعد،

стр. 96

فإن أمير المؤمنين كتب إليّ أن أصطفي له البيضاء والصفراء، ولا أعلمن ما قسمت بين الناس ذهبًا ولا فضة. فلما جاءه الكتاب قال للناس: اغدوا على غنائمكم فخذوها، ثم كتب إلى زياد: جاءني كتاب الأمير يذكر أن أمير المؤمنين كتب إليه أن يصطفي بالصفراء فلا يعلمن ما قسمت بين الناس ذهبًا ولا فضة، وإني وجدت كتاب الله قد سبق كتاب أمير المؤمنين، ووالله الذي لا إله إلا هو لو أن السماوات والأرض كانتا رتقًا على عبد اتقى الله لجعل له من ذلك مخرجًا، والسلام. [المنتظم ٥/ ٢٢٩، ٢٣٠]. • وعن نافع الطاحي قال: مررت بأبي ذر ﵁ فقال لي: مِمَّن أنت؟ قلت: من أهل العراق. قال: أتعرف عبد الله بن عمَّار؟ قلت: نعم. قال: فإنه كان يقرأ معي ويلزمني، ثم طلب الإمارة، فإذا قدمت البصرة فتراء له، فإنه سيقول: لك حاجة؟ فقل: أخلني وقل له: أنا رسول أبي ذر إليك، وهو يقرئك السلام ويقول لك: إنا نأكل من التمر، ونشرب من الماء، ونعيش كما تعيش. فلما قدمت تراءيت له، فقال: لك حاجة؟ قلت: أخلني أصلحك الله. ففعل، فقلت: أنا رسول أبي ذر إليك - فلما قلتها خشع قلبه - وهو يقرأ عليك السلام ويقول: إنا نأكل من التمر، ونروي من الماء، ونعيش كما تعيش. قال: فحلّ إزاره ثم أدخل رأسه في جيبه ثم بكى حتى ملأ جيبه بالبكاء. [المنتظم ٥/ ٣١٣، ٣١٤]. • وعن جبير بن نفير، قال: أخرج معاوية غنائم قبرس إلى طرسوس من ساحل حمص، ثم جعلها هناك في كنيسة يقال لها كنيسة معاوية، ثم قام في الناس فقال: إني قاسم غنائمكم على ثلاثة أسهم، سهم لكم، وسهم للسفن، وسهم للقبط، فإنه لم يكن لكم قوة على عدو البحر إلا بالسفن والقبط، فقام أبو ذر ﵁ فقال: بايعت رسول الله ﷺ على أن لا تأخذني في الله لومة لائم، أتقسم يا معاوية للسفن سهمًا وإنما هي فيئنا، وتقسم للقبط سهمًا وإنما هم أجراؤنا؟! فقسمها معاوية على قول أبي ذر. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ١٦٦]. • وعن سويد الكلبي؛ أن زر بن حبيش ﵁ كتب إلى عبد الملك بن مروان كتابًا يعظه، وكان في آخره:

стр. 97

ولا يطمعك يا أمير المؤمنين في طول الحياة ما يظهر من صحتك فأنت أعلم بنفسك، واذكر ما تكلم به الأولون: إذا الرجال وُلُدت أولادُها … وبَليت مِن كبر أجسادها وجعلت أسقامها تعتادها … تلك زروعٌ قد دنا حصادها فلما قرأ عبد الملك الكتاب بكى حتى بل طرف ثوبه، ثم قال: صدق زر لو كتب إلينا بغير هذا كان أرفق. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٨٢]. • وعن ابن شوذب قال: كان محمد بن واسع ﵀، مع يزيد بن المهلب بخراسان غازيًا، فاستأذنه للحج فأذن له، فقال له: نأمر لك قال: تأمر به للجيش كلهم! قال: لا، قال: لا حاجة لي به. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٤١٥]. • وعن زيد بن أسلم قال: كنت مع أبي حازم ﵀ في الصائفة فأرسل عبد الرحمن بن خالد إلى أبي حازم أن ائتنا حتى نسائلك وتحدثنا. فقال أبو حازم: معاذ الله، أدركت أهل العلم لا يحملون الدين إلى أهل الدنيا، فلن أكون بأول من فعل ذلك، فإن كان لك حاجة فأبلغنا. فتصدى له عبد الرحمن وسأل منه وقال له: لقد ازددت علينا بهذا كرامة. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٥٢٥]. • وعن عبد العزيز بن أبي حازم قال: بعث سليمان بن عبد الملك إلى أبي حازم ﵀، فجاءه، فقال له: يا أبا حازم مالنا نكره الموت؟ قال: لأنكم أخربتم آخرتكُم وعمَرتُم دنياكم، فأنتم تكرهون أن تنتقِلوا من العمران إلى الخراب، قال: صدقت، فكيف القدوم على الله ؟ قال: أما المحسن فكالغائب يقدم على أهله، وأما المسيء فكالآبق (١) يقدم على مولاه، فبكى سليمان، وقال: ليت شعري مالنا عند الله يا أبا حازم؟ قال: اعرض نفسك على كتاب الله فإنك تعلم مالك عند الله، قال: يا أبا حازم وأنّى أصيب ذلك؟ قال: عند قوله ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣، ١٤]. فقال سليمان: فأين رحمة الله؟ قال: ﴿قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦]. قال: ما تقول فيما نحن فيه؟ قال: أعفني

стр. 98

عن هذا. قال سليمان: نصيحةٌ تلقيها. قال أبو حازم: إن أناسًا أخذوا هذا الأمر عنوةً من غير مشاورة من المسلمين ولا اجتماعٍ من رأيهم، فسفَكوا فيه الدماء على طلب الدنيا، ثم ارتحلوا عنها، فليت شعري ما قالوا وما قيل لهم؟ فقال بعض جلسائه: بئس ما قلتَ يا شيخ. قال أبو حازم: كذبتَ، إن الله تعالى أخذ على العلماء ليبيننّه للناس ولا يكتُمونه. قال سليمان: اصحبْنا يا أبا حازم تُصِبْ منّا ونُصِبْ منك. قال: أعوذ بالله من ذلك. قال: ولم؟ قال: أخاف أن أركَن إليكم شيئًا قليلاً، فيذيقَني ضعْفَ الحياة وضعْفَ الممات. قال: فأَشِر علي. قال: اتّق الله أن يراك حيث نهاك، وأن يفقدَك حيث أمرك. قال: يا أبا حازم ادعُ لنا بخير، قال: اللهم إن كان سليمان وليّك فَيَسِّرْه للخير، وإن كان عدوَّك فخذ إلى الخير بناصيته. فقال: يا غلام هات مائةَ دينار. ثم قال: خذها يا أبا حازم. فقال: لا حاجة لي فيها إني أخاف أن يكون لِما سمعتَ من كلامي. [صفة الصفوة ٢/ ٤٩]. • وعن أحمد بن عمرو بن المقدام الرازي قال: وقع الذباب على المنصور فذَبَّه عنه، فعاد فذَبَّه حتى أضجره. فدخل جعفر بن محمد ﵀، فقال له المنصور: يا أبا عبد الله لِمَ خلق الله الذباب؟ قال: ليُذِلّ به الجبابرة. [صفة الصفوة ٢/ ٤٩٨]. • وقال ابن الجوزي: كان سعيد بن جبير ﵀ فيمن خرج على الحجاج من القُرّاء، وشهد دَير الجماجم، فلما انهزم أصحاب ابن الأَشعث هرب، فلحق بمكة، فأخذه بعد مدَّة طويلة خالدُ بن عبدِ الله القَسْري، وكان والي الوليد بن عبد الملك على مكة، فبعث به إلى الحجاج. وعن الحسن قال: لما أُتي الحجاج بسعيد بن جبير ﵀ قال: أنت الشقيّ بن كُسَير؟ قال: بل أنا سعيد بن جبير. قال: بل أنت الشقيّ بن كسير قال: كانت أمّي أَعْرف باسمي منك، قال: ما تقول في محمد؟ قال: تعني النبي ﷺ قال: نعم. قال: سيد ولد آدم، المصطفى، خير مَن بَقي وخير مَن مضى .. قال: فما تقول في أبي بكرٍ الصديق؟ قال: الصدّيق خليفة رسول الله ﷺ ،

стр. 99

مضى حميدًا، وعاش سعيدًا، ومضى على منهاج نبيه ﷺ لم يغيّر ولم يبدّل. قال: فما تقول في عمر؟ قال: عمر الفاروق خيرة الله وخِيرة رسوله، مضى حميدًا على منهاج صاحبيه لم يغيّر ولم يبدّل. قال: فما تقول في عثمان؟ قال: المقتول ظُلمًا، المجهّز جيشَ العُسرة الحافر بئر رومة، المشتري بيتَه في الجنة، صهْر رسول الله ﷺ على ابنتيه، زوّجه النبي ﷺ بوحْي من السماء. قال: فما تقول في عليّ؟ قال: ابن عم رسول الله ﷺ ، وأول من أسلم، وزوج فاطمة وأبو الحسن والحسين. قال: فما تقول فيَّ؟ قال: أنت أعلم بنفسك، قال: بُثّ بعلمك قال: إذًا نَسوءك ولا نسرّك، قال: بُثَّ بعلمك. قال: أعفني. قال: لا عفا الله عنّي إن أعفيتك. قال: إني لأعلم أنك مخالفٌ لكتاب الله، ترى من نفسك أمورًا تريد بها الهيبة، وهي التي تُقحمك الهلاك، وستَرِدُ غدًا فتعلم، قال: أَما والله لأقتلنّك قِتلةً لم أقتلها أحدًا قبلك، ولا أقتلها أحدًا بعدك. قال: إذًا تُفسد عليّ دنياَيَ، وأفسد عليك آخرتك. قال: يا غلام السيفَ والنّطْع، فلما ولّى ضحك. قال: قد بلغني أنك تضحك. قال: قد كان ذلك قال: فما أضحكك عند القتل؟ قال: من جُرأتك على الله ومن حلِم الله عنك. قال: يا غلام اقتله، فاستقبل القبلة فقال: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٩]. فصرف وجهه عن القبلة، فقال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ [البقرة: ١١٥]. قال: اضربْ به الأرض. قال: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥]. قال: اذبح عدوّ الله، فما أنزَعه لآيات القرآن منذ اليوم. [صفة الصفوة ٣/ ٥٥]. • وقال الأصمعي: دخل عطاءُ بن أبي رباح ﵀ على عبد الملك بن مروان، وهو جالس على السرير، وحولَه الأشرافُ، وذلك بمكة في وقت حجِّه في خلافته، فلمَّا بَصُر به عبدُ الملك، قام إليه فسلَّم عليه، وأجلسه معه على السرير، وقعَدَ بين يديه، وقال: يا أبا محمد: حاجَتَك؟ قال: يا أميرَ المؤمنين! اتَقِ الله في أولادِ المهاجرين والأنصارِ، فإنك بهم جلستَ هذا

стр. 100

المجلس، واتَّق الله في أهل الثغور، فإنهم حِصنُ المسلمين، وتفقد أمورَ المسلمين، فإنَّك وحدك المسؤولُ عنهم، واتَّقِ الله فيمن على بابك، فلا تَغْفُل عنهم، ولا تُغْلِقْ دونهم بابَك، فقال له: أفعل، ثم نهض وقام، فقبضَ عليه عبدُ الملك وقال: يا أبا محمد! إنما سألتنا حوائجَ غيرك، وقد قضيناها، فما حاجَتُك؟ قال: مالي إلى مخلوق حاجة، ثم خرج، فقال عبد الملك: هذا وأبيك الشرفُ، هذا وأبيك السُّؤدُدُ. [السير (تهذيبه) ٢/ ٥٨٣]. • وعن علقمة بن مرشد قال: لما ولي عمر بن هبيرة العراق، أرسل إلى الحسن البصري ﵀ وإلى الشعبي، فأمر لهما ببيت وكانا فيه شهرًا - أو نحوه - ثم إن الخصي غدا عليهما ذات يوم فقال: إن الأمير داخل عليكما، فجاء عمر يتوكأ على عصًا له فسلم، ثم جلس معظمًا لهما، فقال: إن أمير المؤمنين يزيد بن عبد الملك، ينفذ كتبًا أعرف أن في إنفاذها الهلكة، فإن أطعته عصيت الله، وإن عصيته أطعت الله فهل تريا لي في متابعتي إياه فرجًا؟ فقال الحسن: يا أبا عمرو أجب الأمير (١)، فتكلم الشعبي فانحط في حبل ابن هبيرة. فقال: ما تقول أنت يا أبا سعيد؟ فقال: أيها الأمير قد قال الشعبي ما قد سمعت، قال: ما تقول أنت يا أبا سعيد؟. فقال: أقول يا عمر بن هبيرة، يوشك أن ينزل بك ملك من ملائكة الله تعالى، فظ غليظ، لا يعصي الله ما أمره، فيخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك، يا عمر بن هبيرة، إن تتق الله يعصمك من يزيد بن عبد الملك ولا يعصمك يزيد بن عبد الملك من الله يا عمر بن هبيرة لا تأمن أن ينظر الله إليك على أقبح ما تعمل في طاعة يزيد بن عبد الملك نظرة مقت، فيغلق بها باب المغفرة دونك، يا عمر بن هبيرة لقد أدركت ناسًا من صدر هذه الأمة، كانوا والله على الدنيا وهي مقبلة، أشد إدبارًا من إقبالكم عليها وهي مدبرة، يا

стр. 101

عمر بن هبيرة، إني أخوفك مقامًا خوفكه الله تعالى فقال: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم: ١٤]، يا عمر بن هبيرة إن تك مع الله تعالى في طاعته، كفاك بائقة يزيد بن عبد الملك، وإن تك مع يزيد بن عبد الملك على معاصي الله، وكلك الله إليه. قال: فبكى عمر وقام بعبرته، فلما كان من الغد أرسل إليهما بإذنهما وجوائزها وكثر منه ما للحسن، وكان في جائزته للشعبي بعض الإقتار، فخرج الشعبي إلى المسجد فقال: يا أيها الناس من استطاع منكم أن يؤثر الله تعالى على خلقه فليفعل، فوالذي نفسي بيده ما علم الحسن منه شيئًا فجهلته، ولكن أردت وجه ابن هبيرة فأقصاني الله منه. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٣٣٥]. • وعن الهيثم بن الحجاج الطائي قال: حج سليمان بن عبد الملك. فخرج حاجبه ذات يوم فقال: إن أمير المؤمنين قال: ابعثوا إليّ فقيهًا أسأله عن بعض المناسك. قال: فمر طاووس ﵀ فقالوا: هذا طاووس اليماني، فأخذه الحاجب فقال: أجب أمير المؤمنين، فقال: أعفني فأبى قال: فأدخله عليه فقال طاووس: فلما وقفت بين يديه، قلت: إن هذا المجلس يسألني الله عنه، فقلت: يا أمير المؤمنين إن صخرة كانت على شفير جب في جهنم هوت فيها سبعين خريفًا حتى استقرت قرارها، أتدري لمن أعدها الله؟ قال: لا! ثم قال: ويلك لمن أعدها الله؟ قلت: لمن أشركه الله في حكمه فجار قال: فبكى لها. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٣٢]. • وعن سفيان قال: جاء ابن لسليمان بن عبد الملك فجلس إلى جنب طاووس فلم يلتفت إليه، فقيل له: جلس إليك ابن أمير المؤمنين فلم تلتفت إليه، قال: أردت أن يعلم أن لله عبادًا يزهدون فيما في يديه. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٣٣]. • وعن ابن طاووس قال: كنت لا أزال أقول لأبي: إنه ينبغي أن تخرج على هذا السلطان وأن تقعد به، قال: فخرجنا حجاجًا فنزلنا في بعض القرى، وفيها عامل لمحمد بن يوسف أو أيوب بن يحيى، يقال له: ابن نجيح، وكان من أخبث عمالهم، فشهدنا صلاة الصبح في المسجد، فإذا ابن نجيح قد أخبر

стр. 102

بطاووس، فجاء فقعد بين يديه، فسلم عليه فلم يجبه، فكلمه فأعرض عنه، ثم عدل إلى الشق الأيسر فأعرض عنه، فلما رأيت ما به قمت إليه فمددت بيده وجعلت أسأله، وقلت له: إن أبا عبد الرحمن لم يعرفك، قال: بلى، معرفته به فعل بي ما رأيت، قال: فمضى وهو ساكت لا يقول لي شيئا، فلما دخلت المنزل التفت إليّ فقال لي: يا لكع بينما أنت زعمت أن تخرج عليهم بسيفك لم تستطع أن تحبس عنهم لسانك. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٣٣]. • وعن صالح بن كيسان قال: لما حضر قدوم الوليد أمر عمر بن عبد العزيز عشرين رجلاً من قريش يخرجون معه، فخرجوا فلقوه بالسوَيْداء، فلما دخل إلى المدينة غدا إلى المسجد ينظر إلى بنائه، فأخرج الناس منه، فما تُرِكَ فيه أحدٌ، وبقي سعيد بن المسيب ﵀ ما يجترئ أحد من الحرس أن يخرجه، وما عليه إلا رَيْطتان ما تساويان خمسة دراهم في مصلاه، فقيل له: لو قمت، قال: والله لا أقوم حتى يأتي الوقت الذي كنت أقوم فيه، فقيل له: لو سلمت على أمير المؤمنين، فقال: لا والله لا أقوم إليه. قال عمر بن عبد العزيز: فجعلت أعدل بالوليد في ناحية المسجد رجاء ألا يرى سعيد بن المسيب حتى يقوم، فحانت من الوليد التفاتة - أو قال: نظرة - إلى القبلة، فقال: من ذلك الجالس؟ أهو الشيخ سعيد بن المسيب؟ فقال عمر: نعم يا أمير المؤمنين، من حاله ومن حاله … ولو علم مكانك لقام مسلمًا عليك، فدار في المسجد حتى وقف على سعيد بن المسيب، فقال: كيف أنت أيها الشيخ؟ فوالله ما تحرك سعيد ولا قام فقال: بخير والحمد لله، فكيف أمير المؤمنين وكيف حاله؟ فقال الوليد: بخير والحمد الله فانصرف وهو يقول لعمر: هذا بقية الناس، فقال: أجل يا أمير المؤمنين. [المنتظم ٦/ ٣٠٠، ٣٠١]. • وعن عبد الله ابن أخت ابن سيرين أنه كان مع محمد بن سيرين ﵀ لما وفد إلى ابن هبيرة، فلما قدم عليه قال: السلام عليكم، قال: وكان متكئًا فجلس فقال: كيف خلفت من وراءك؟ قال: خلفت الظلم فيهم فاشيًا، قال: فهمّ به فقال له أبو الزناد: أصلح الله الأمير إنه شيخ، فما زال به حتى سكن،

стр. 103

فلما أجازهم أتاه إياس بن معاوية بجائزة، فأبى أن يقبلها، فقال: أترد عطية الأمير، قال: أتتصدق عليّ فقد أغناني الله، أو تعطيني على العلم أجرًا، فلا آخذ على العلم أجرًا. [المنتظم ٧/ ١٤٠]. • وقال طاووس ﵀: بينا أنا بمكة بعث إلي الحجاج فأجلسني إلى جنبه واتكأني على وسادة إذ سمع ملبيًا يلبي حول البيت رافعًا صوته بالتلبية، فقال: عليّ بالرجل، فأتي به، فقال: ممن الرجل؟ قال: من المسلمين، قال: ليس عن الإسلام سألتك، قال: فعم سألت؟ قال: سألتك عن البلد، قال: من أهل اليمن، قال: كيف تركت محمد بن يوسف؟ - يريد أخاه - قال: تركته عظيمًا وسيمًا لبّاسًا ركّابًا خرّاجًا ولاّجًا، قال: ليس عن هذا سألتك، قال: فعم سألت؟ قال: سألتك عن سيرته، قال: تركته ظلومًا غشومًا، مطيعًا للمخلوق عاصيًا للخالق، فقال له الحجاج: ما حملك على أن تتكلم بهذا الكلام وأنت تعلم مكانه مني؟ قال الرجل: أتراه بمكانه منك أعز مني بمكاني من الله وأنا وافد بيته ومصدق نبيه وقاضي دينه، قال: فسكت الحجاج فما أجاب جوابًا، فقام الرجل من غير أن يؤذن له فانصرف. قال طاووس: فقمت في أثره وقلت: الرجل حكيم، فأتى البيت فتعلق بأستاره ثم قال: اللهم بك أعوذ وبك ألوذ، اللهم اجعل لي في اللهف إلى جودك، والرضا بضمانك مندوحة عن منع الباخلين وغنى عما في أيدي المستأثرين، اللهم فرجك القريب ومعروفك القديم وعادتك الحسنة. ثم ذهب الناس فرأيته عشية عرفة وهو يقول: اللهم إن كنت لم تقبل حجي وتعبي ونصبي فلا تحرمني الأجر على مصيبتي بتركك القبول. ثم ذهب في الناس فرأيته غداة جمع يقول: واسوءتاه منك والله وإن عفوت. يردد ذلك. [المنتظم ٧/ ١١٦]. • وعن عثمان بن عطاء الخراساني أنه قال: انطلقت مع أبي وهو يريد هشام بن عبد الملك، فلما قربنا إذا بشيخ أسود على حمار، عليه قميصٌ دنس، وجبّة دنسة، وقلنسوة لاطية دنسة، وركاباه من خشب، فضحكت وقلت لأبي: من هذا الأعرابي؟ قال: اسكت، هذا سيد فقهاء أهل الحجاز، هذا

стр. 104

عطاء بن أبي رباح. فلما قرب نزل أبي عن بغلته، ونزل هو عن حماره، فاعتنقا وتسالا (١)، ثم عادا فركبا فانطلقا حتى وقفا بباب هشام، فلما رجع أبي سألته، فقلت: حدثني ما كان منكما. قال: لما قيل لهشام عطاء بن أبي رباح بالباب أذن له، فوالله ما دخلت إلا بسببه. فلما رآه هشام قال: مرحبًا مرحبًا هاهنا هاهنا. فرفعه حتى مسّت ركبته ركبته، وعنده أشراف الناس يتحدثون، فسكتوا. فقال هشام: ما حاجتك يا أبا محمد؟ قال: يا أمير المؤمنين، أهل الحرمين، أهل الله، وجيران رسول الله ﷺ يقسم فيهم أعطياتهم وأرزاقهم، قال: نعم، يا غلام اكتب لأهل المدينة وأهل مكة بعطاءين وأرزاقهم لسنة، ثم قال: هل من حاجة غيرها يا أبا محمد؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، أهل الحجاز، وأهل نجد، أصل العرب، ترد فيهم فضول صدقاتهم قال: نعم، يا غلام اكتب بأن ترد فيهم صدقاتهم. قال: هل من حاجة غيرها يا أبا محمد؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، أهل الثغور يرمون من وراء بيضتكم، ويقاتلون عدوكم، قد أجريتم لهم أرزاقًا تدرها عليهم، فإنهم إن هلكوا أغرتم. قال: نعم، اكتب بحمل أرزاقهم إليهم يا غلام، هل من حاجة غيرها يا أبا محمد؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، أهل ذمتكم يحيى صغارهم ولا يتعتع كبارهم، ولا يكلفون إلا ما يطيقون. قال: نعم اكتب لهم ياغلام، هل من حاجة غيرها يا أبا محمد؟ قال: نعم ياأمير المؤمنين، اتق الله في نفسك، فإنك خلقت وحدك، وتموت وحدك، وتحشر وحدك، وتحاسب وحدك، ولا والله ما معك ممن ترى أحدًا. قال: فأكب هشام وقام عطاء، فلما كان عند الباب إذا رجل قد تبعه بكيس ما أدري ما فيه، أدراهم أم دنانير. فقال: إن أمير المؤمنين أمر لك بهذا. فقال: لا أسألكم عليه أجرًا إن أجري إلا على رب العالمين. قال: ثم خرج عطاء، فلا والله ما شرب عنده حسوة من ماء فما فوقه. [المنتظم ٧/ ١٦٨]. • وعن الأوزاعي ﵀ قال: بعث عبد الله بن علي إليَّ فاشَتدَّ ذلك علَيَّ

стр. 105

وقدمتُ، فدخلت، والناس سماطان (١) فقال: ما تقولُ في مخرجِنا وما نحنُ فيه؟ قلت: أصلح الله الأمير! قد كان بيني وبين داود بن عليٍّ (٢) مودَّة. قال: لَتُخْبِرَنِّي. فتفكرتُ ثم قلتُ: لأَصْدقَنَّه، واستبسلتُ (٣) للموت ثم رويتُ لهُ عن يحيى بن سعيد حديث (الأعمال) (٤) وبيده قضيب ينكُتُ به، ثم قال: يا عبد الرحمن: ما تقول في قتل أهل هذا البيت؟ قلت: حدثني محمد بن مروان، عن مطَرِّف بن الشِّخير، عن عائشة عن النبي ﷺ قال: " لا يَحِلُّ قَتْلُ المُسلِمِ إلا في ثلاثٍ … " وساقَ الحديثَ. فقال: أخبرني عن الخلافةِ، وصيَّةٌ لنا من رسول الله ﷺ ؟ فقلت: لو كانت وصيَّةً من رسول الله ﷺ ما ترك عليٌّ ﵁ أحدًا يتقدَّمُه. قال: فما تقولُ في أموالِ بني أميَّة؟ قلتُ: إن كانت لهم حلالاً فهي عليك حرام، وإن كانت عليهم حرامًا، فهي عليك أَحْرَمُ. فَأَمَرَني، فأخرجتُ. قلت: قد كان عبدُ الله بن عليٍّ ملكًا جبَّارًا، سفَّاكًا للدماء، صعبَ المراسِ، ومع هذا فالإِمامُ الأوزاعي يَصْدَعهُ بمُرِّ الحق كما ترى، لا كخَلْقٍ من عُلماء السُّوء، الذين يُحَسِّنُونَ للأُمراء ما يقتحمونَ به من الظُلم والعَسْف، ويقلِبُون لهم الباطل حقًا - قاتلهم الله - أو يسكتون مع القُدْرِة على بيان الحقِّ. [السير (تهذيبه) ٢/ ٦٨٣]. • وعن أبي سعيد الثعلبي قال: لما خرج إبراهيم ومحمد على أبي جعفر المنصور، أراد أهلَ الثغور أن يعينوه عليهما، فأبوا ذلك، فوقع في يد ملك الروم الألوف من المسلمين أسرى، - وكان ملك الروم يحب أن يفادي بهم ويأبى أبو جعفر - فكتب الأوزاعي ﵀ إلى أبي جعفر كتابًا: أما بعد فإن الله تعالى استرعاك أمر هذه الأمة لتكون فيها بالقسط

стр. 106

قائمًا، وبنبيه ﷺ في خفض الجناح والرأفة متشبها، وأسأل الله تعالى أن يسكن على أمير المؤمنين دهماء هذه الأمة، ويرزقه رحمتها، فإن سايحة المشركين غلبت عام أول، وموطئهم حريم المسلمين، واستنزالهم العواتق والذراري من المعاقل والحصون، وكان ذلك بذنوب العباد، وما عفا الله عنه أكثر، فبذنوب العباد استنزلت العواتق والذراري من المعاقل والحصون، لا يلقون لهم ناصرًا، ولا عنهم مدافعًا، كاشفات عن رؤوسهن وأقدامهن، وكان ذلك بمرأى ومسمع، وحيث ينظر الله إلى خلقه، وإعراضهم عنه، فليتق الله أمير المؤمنين وليتبع بالمفاداة بهم من الله سبيلاً، وليخرج من محجة الله تعالى، فإن الله تعالى قال لنبيه: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾ (١) [النساء: ٧٥]. والله يا أمير المؤمنين ما لهم يومئذ فيء موقوف، ولا ذمة تؤدي خراجًا إلا خاصة أموالهم، وقد بلغني عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إني لأسمع بكاء الصبي خلفي في الصلاة فأتجوز فيها مخافة أن تفتتن أمه) فكيف بتخليتهم يا أمير المؤمنين في أيدي عدوهم يمتهنونهم، ويتكشفون منهم ما لا نستحله نحن إلا بنكاح؟ وأنت راعي الله، والله تعالى فوقك ومستوف منك، يوم توضع ﴿الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، فلما وصل إليه كتابه أمر بالفداء. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٢٨٤]. • وعن محمد بن بشار اليشكري أنه قال: لما قدم أبو عون مصر وقتل بها من قتل واستولى على البلد أرسل على حيوة بن شريح ﵀: ائتني، قال: فجاء فدخل عليه فقال: إنَّا معشر الملوك لا نُعصى، فمن عصانا قتلناه، قد وليتك القضاء، قال: أو آمر أهلي، قال: اذهب، قال: فجاء إلى أهله، فغسل

стр. 107

رأسه ولحيته ونال شيئًا من الطيب، ولبس أنظف ما قدر عليه من الثياب قال: ثم جاء فدخل عليه فقال: من جعل السحرة أولى بما قالوا منا، اقض ما أنت قاض لست أتولى لك شيئًا. قال: فأذن له فرجع. [المنتظم ٨/ ١٦٩]. • وعن سفيان الثوري ﵀ قال: أُدخلت على المهدي بمنى، فسلَّمْت عليه بالإِمرة، فقال: أيُّها الرجل! طلبناك، فأعجزْتَنا، فالحمدُ لله الذي جاء بك، فارفع إلينا حاجتَك. فقلت: قد ملأتَ الأرض ظُلمًا وجورًا، فاتَّقِ الله، وليكن منك في ذلك عِبرة. فطأطأ رأسه. ثم قال: أرأيتَ إن لم أستطع دفعه؟ قلتُ: تُخلِّيه وغيرك. فطأطأ رأسه، ثم قال: ارفع إلينا حاجتَك. قلت: أبناءُ المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بإحسان بالبَاب، فاتق الله، وأوصِل إليهم حقوقهم. فطأطأ رأسه، فقال: أبو عُبَيْد الله أيُّها الرَّجل! ارفع إلينا حاجتَك. قلت: وما أرفع: حدثني إسماعيل بن أبي خالد، قال: حج عُمر، فقال لخازنه: كم أنفقت؟ قال: بضعةَ عشرَ درهمًا. وإني أرى ها هنا أمورًا لا تُطيقها الجِبَال. [السير (تهذيبه) ٢/ ٦٩٨]. • وعن الفريابي قال: سمعت سفيان الثوري ﵀ يقول: أدخلت على أبي جعفر بمنى فقلت له: اتق الله فإنما أنزلت هذه المنزلة وصرت في هذا الموضع بسيوف المهاجرين والأنصار، وأبناؤهم يموتون جوعًا. حج عمر بن الخطاب فما أنفق إلا خمسة عشر دينارًا، وكان ينزل تحت الشجر. فقال لي: أتريد أن أكون مثلك؟ قلت: لا تكون مثلي، ولكن كن دون ما أنت فيه، وفوق ما أنا فيه. فقال لي: اخرج. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٣١٩]. • وعن عيسى بن يونس قال: ما رأينا في زماننا مثل الأعمش ﵀، ولا الطبقة الذين كانوا قبلنا، ما رأينا الأغنياء والسلاطين في مجلس قط أحقر منهم في مجلس الأعمش وهو محتاج إلى درهم!! [الحلية (تهذيبه) ٢/ ١٣٨]. • وعن عيسى بن يونس قال: بعث عيسى بن موسى بألف درهم إلى الأعمش ﵀ وصحيفة ليكتب له فيها حديثًا، فأخذ الأعمش الألف درهم وكتب في الصحيفة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ حتى ختمها، وطوى الصحيفة وبعث بها إليه، فلما نظر فيها بعث إليه يا ابن الفاعلة

стр. 108

ظننت أني لا أحسن كتاب الله؟ فكتب إليه الأعمش: أفظننت أني أبيع الحديث؟ ولم يكتب له وحبس المال لنفسه. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ١٣٨]. • وعن أحمد بن أبي الحواري، حدثني بعض أصحابنا. قال: جاء عبد الله بن أبي العباس الطرسوسي - وكان واليًا بمرو - إلى منزل عبد الله بن المبارك ﵀ بالليل، ومعه كاتبه والدواة والقرطاس معه، قال: فسأله عن حديث، فأبى أن يحدثه، ثم سأله عن حديث، فأبى أن يحدثه - ثلاث مرار - فقال لكاتبه: اطو قرطاسك، ما أرى أبا عبد الرحمن يرانا أهلاً أن يحدثنا، فلما قام يركب مشى معه ابن المبارك إلى باب الدار فقال له: يا أبا عبد الرحمن لم لم ترنا أهلاً أن تحدثنا، وتمشي معنا؟ فقال: إني أحببت أن أذل لك بدني ولا أذل لك حديث رسول الله ﷺ . قال أحمد: فحدثت به محمد بن أبي شيبة ابن أخت ابن المبارك فقال: ما حفظ الذي حدثك، لم يمش معه، إنما قام ذلك ليركب وقام خالي إلى قاعة الدار يبول. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ٣٩]. • وقيل للإمام مالك ﵀: إنك تدخلُ على السلطان، وهم يظلمون، ويجورون، فقال: يرحمك الله، فأين المكلِّم بالحق. [السير (تهذيبه) ٢/ ٧٣٦]. • وعن علي بن الجعد أنه قال: لما أحضر المأمون أصحاب الجوهر، فناظرهم على متاع كان معهم، ثم نهض المأمون لبعض حاجته، ثم خرج فقام له كل مَنْ كان في المجلس إلا ابن الجعد ﵀، فإنه لم يقم، فنظر إليه المأمون كهيئة المغضب، ثم استخلاه، فقال له: يا شيخ، ما منعك أن تقوم لي كما قام أصحابك؟ قال: أجللت أمير المؤمنين للحديث الذي نأثره عن النبي ﷺ ، قال: وما هو؟ قال علي بن الجعد: سمعت المبارك بن فضالة يقول: سمعت الحسن يقول: قال النبي ﷺ : "مَنْ أحب أن يتمثل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار". قال: فأطرق المأمون مفكرًا في الحديث، ثم رفع رأسه، فقال: لا يُشترى إلا من هذا الشيخ. قال: فاشترى منه ذلك اليوم بقيمة ثلاثين ألف دينار. [المنتظم ١١/ ١٦٠، ١٦١].

стр. 109

• وعن أبي عثمان الرازي قال: جاء رجل من أصحاب المعتضد إلى إبراهيم الحربي ﵀ بعشرة آلاف درهم من عند المعتضد، يسأله عن أمر أمير المؤمنين تفرقة ذلك، فرده فانصرف الرسول، ثم عاد فقال له: إن أمير المؤمنين يسألك أن تفرقه في جيرانك: فقال: عافاك الله، هذا مال لم نشغل أنفسنا بجمعه، فلا نشغلها بتفرقته، قل لأمير المؤمنين: إن تركتنا وإلا تحولنا من جوارك. [المنتظم ١٢/ ٣٨٣]. • وعن نمير المدني أنه قال: قدم علينا أمير المؤمنين المنصور المدينة، ومحمد بن عمران الطلحي ﵀ على قضائه وأنا كاتبه، فاستعدى الحمالون على أمير المؤمنين في شيء ذكروه، فأمرني أن أكتب إليه كتابًا بالحضور معهم وإنصافهم، فقلت: اعفني من هذا فإنه يعرف خطي، فقال: اكتب، فكتبت ثم ختمه، وقال: لا يمضي به والله غيرك، فمضيت به إلى الربيع وجعلت أعتذر إليه، فقال: لا تفعل، فدخل عليه بالكتاب ثم خرج الربيع فقال للناس وقد حضر وجوه أهل المدينة والأشراف وغيرهم: إن أمير المؤمنين يقرأ عليكم السلام ويقول لكم: إني قد دعيت إلى مجلس الحكم فلا أعلمن أحدًا قام إليّ إذا خرجت أو بدأني بالسلام. قال: ثم خرج المسيب بين يديه والربيع وأنا خلفه في إزار ورداء، فسلم على الناس، فما قام إليه أحد، ثم مضى حتى بدأ بالقبر فسلم على الرسول ﷺ ، ثم التفت إلى الربيع، فقال: يا ربيع، ويحك أخشى إن رآني محمد بن عمران أن يدخل قلبه هيبة فيتحول عن مجلسه، وتا الله لئن فعل لا وَلِي لي ولاية أبدًا. قال: فلما رآه - وكان متكئًا - أطلق رداءه على عاتقه ثم احتبى به ودعى بالخصوم وبالحمالين، ثم دعا بأمير المؤمنين ثم ادعوا وحكم عليه لهم، فلما دخل الدار قال للربيع: إذهب فإذا قام وخرج من عنده من الخصوم فادعه، فقال: يا أمير المؤمنين، ما دعا بك حتى تفرغ من أمر الناس جميعًا، فدعاه، فلما دخل عليه سلم، فقال: جزاك الله عن دينك وعن بنيك وعن حسبك وعن خليفتك أحسن الجزاء، قال: قد أمرت لك بعشرة آلاف دينار فاقبضها، فكانت عامة أموال محمد بن عمران الطلحي من تلك الصلة. [المنتظم ٨/ ١٨١، ١٨٢].

стр. 110

• وقال ابن أبي ذئب ﵀ للمنصور ذات يوم: يا أمير المؤمنين، قد هلك الناس، فلو أعنتهم بما في يديك من الفيء؟ قال: ويلك لولا ما سددت من الثغور وبعثت من الجيوش لكنت تؤتى في منزلك وتذبح. فقال ابن أبي ذئب: فقد سدَّ الثغور وَجيَّش الجيوش، وفتح الفتوح، وأعطى الناس أعطياتهم مَنْ هو خير منك. قال: ومن هو ويلك؟ قال: عمر بن الخطاب: فنكس المنصور رأسه، والسيف بيد المسيب والعمود بيد مالك بن الهيثم ولم يعرض له والتفت إلى محمد بن إبراهيم الإمام، قال: هذا الشيخ خير أهل الحجاز. [المنتظم ٨/ ٢٣٢، ٢٣٣]. • وعن محمد بن خلاد قال: لما حجَّ المهدي دخل مسجد رسول الله ﷺ فلم يبق أحد إلا قام، إلا ابن أبي ذئب ﵀ فقال له المسيب بن زهير: مَنْ هذا أمير المؤمنين؟ فقال ابن أبي ذئب: إنما يقوم الناس لرب العالمين، فقال المهدي: لقد قامت كل شعرة في رأسي. [المنتظم ٨/ ٢٣٤]. • وعن مبارك بن فضالة ﵀ قال: إني يومًا لعند أبي جعفر إذ أتي برجل فأمر بقتله، فقلت في نفسي: يقتل رجل من المسلمين وأنا حاضر، فقلت: يا أمير المؤمنين، ألا أحدّثك حديثًا سمعته من الحسن قال: وما هو؟ قلت: سمعته يقول: قال رسول الله ﷺ : إذا كان يوم القيامة جمع الله الناس في صعيد حيث يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر فيقوم منادٍ من عند الله تعالى فيقول: ليقومنَّ مَنْ له على الله يد فلا يقوم إلا من عفا. فأقبل عليّ فقال: آلله سمعته من الحسن؟ فقلت: آلله سمعته من الحسن، فقال: خليا عنه. [المنتظم ٨/ ٢٧٦]. • وقال ابن كثير ﵀: ومن مناقبه - أي فرج بن فضالة التنوخي ﵀ أنَّ المنصور دخل يومًا إلى قصر الذهب، فقام الناس إلا فرج بن فضالة، فقال له وقد غضب عليه: لِمَ لَم تقم، قال: خفت أن يسألني الله عن ذلك، ويسألك لِمَ رضيت بذلك، وقد كره رسول الله ﷺ القيام للناس، قال: فبكى المنصور، وقربه، وقضى حوائجه. [البداية والنهاية]. • وعن المدائني قال: نظر مالك بن دينار ﵀ إلى رجل قد اشترى
следующие страницы →