← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17505

حياة السلف بين القول والعمل

أحمد بن ناصر الطيار

Полный текст (920 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

• وقال أبو يعقوب ﵀: الدنيا بحرٌ، والآخرةُ ساحلٌ. والمركبُ التَّقْوى، والناس سَفْرٌ. [السير (تهذيبه)]. • وقال شقيق البلخي ﵀: عملت في القرآن عشرين سنة، حتى ميزت الدنيا من الآخرة، فأصبته في حرفين وهو قوله - تعالى -:: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [القصص: ٦٠]. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٤٩٧]. • وقال أحمد بن عاصم ﵀: ليس شيء خيرًا من أن لا تمتحن بالدنيا - أي لا تتعرض لها. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ٢٠١]. • وقالت رابعة العدوية رحمها الله لسفيان: إنما أنت أيام معدودة، فإذا ذهب يومٌ ذهب بعضُك، ويُوشك إذا ذهب البعض أن يذهبَ الكلّ وأنت تعلم، فاعمل. [صفة الصفوة ٣/ ٢٩٣]. • وقال بعض الحكماء ﵀: أما يكفي أهل الدنيا ما يعانون من كثرة الفجائع، وتتابع المصائب في المال والإخوان، والنقص في القوى والأبدان. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ٨٣]. • وقال يحيى بن معاذ ﵀: ألا إن العاقل المصيب من عمل ثلاثًا: تركَ الدنيا قبل أن تتركه، وبنى قبره قبل أن يدخله، وأرضى ربه قبل أن يلقاه. [صفة الصفوة ٤/ ٣٤٣]. • وقال أيضًا ﵀: الدنيا أمير من طلبها، وخادم من تركها، الدنيا طالبة ومطلوبة فمن طالبها رفضته ومن رفضها طلبته، الدنيا قنطرة الآخرة فاعبروها ولا تعمروها، ليس من العقل بنيان القصور على الجسور، الدنيا عروس وطالبها ماشطتها، وبالزهد ينتف شعرها ويسود وجهها ويمزق ثيابها. ومن طلق الدنيا فالآخرة زوجته. فالدنيا مطلقة الأكياس لا تنقضي عدتها أبدًا، فخل الدنيا ولا تذكرها، واذكر الآخرة ولا تنسها، وخذ من الدنيا ما يبلغك الآخرة، ولا تأخذ من الدنيا ما يمنعك الآخرة. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ٢٦٠]. • وقال أيضًا ﵀: فكرتك في الدنيا تلهيك عن ربك وعن دينك فكيف إذا باشرتها بجميع جوارحك. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ٢٦١].

стр. 422

• وقال سعيد بن المسيب ﵀: إن الدنيا نذلة وهي إلى كل نذل أميل، وأنذل منها من أخذها بغير حقها، وطلبها بغير وجهها، ووضعها في غير سبيلها. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٣٤٦]. • وعن عبيد الله بن شميط ﵀ قال: سمعت أبي ﵁ إذا وصف أهل الدنيا، قال: دائم البطنة؛ قليل الفطنة، إنما همه بطنه وفرجه وجلده. يقول: متى أصبح فآكل وأشرب وألهو وألعب، ومتى أمسي فأنام، جيفة بالليل بطال بالنهار. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٤٧٨]. • وعن سفيان الثوري ﵀: مَنْ سُرَّ بالدُّنيا، نُزع خوفُ الآخرة من قلبه. [السير (تهذيبه) ٢/ ٦٩٩]. • وقال يحيى بن معاذ ﵀: أيها المريدون إن اضطُررتم إلى طلب الدنيا، فاطلبوها ولا تحبّوها، وأشغلوا بها أبدانكم وعلِّقوا بغيرها قلوبكم، فإنَّها دار مَمَرّ وليست بدار مقرّ، الزاد منها والمقِيل في غيرها. [صفة الصفوة ٤/ ٣٤٣]. • وقال أيضًا ﵀: الدنيا خمرُ الشيطانِ، مَن سكِرَ منها لا يُفيق إلا في عَسكر الموتى نادمًا بين الخاسرين. [صفة الصفوة ٤/ ٣٤١]. وقال أيضًا ﵀: يا ابن آدم لا يزال دينك متمزّقًا ما دام قلبك بحب الدنيا مُتعلقًا. [صفة الصفوة ٤/ ٣٤٢]. • وعن بلال بن سعد ﵀، قال: والله لكفى به ذنبًا أن الله يزهدنا في الدنيا ونحن نرغب فيها. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ٣٦، الحلية (تهذيبه) ١٩٠/ ٢]. • وعن عمران القصير ﵀ قال: ألا صابر كريم لأيام قلائل، حرام على قلوبكم أن تجدوا طعم الإيمان حتى تزهدوا في الدنيا. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٣٠٩]. • وقال عون بن عبد الله ﵀: الدنيا والآخرة في قلب ابن آدم ككفتي الميزان ترجح إحداهما بالأخرى. [صفة الصفوة ٣/ ٧١]. • وقال الشاعر: [موسوعة ابن أبي الدنيا ٦/ ٩٨]. أيا جامع الدنيا لغير بلاغة … لمن تجمع الدنيا وأنت تموت

стр. 423

• وعن سيار بن دينار ﵀ أنه قال: إن الفرح بالدنيا والحزن بالآخرة لا يجتمعان في قلب عبد، إذا سكن أحدهما القلب خرج الآخر. [المنتظم ٧/ ٢٢٢]. • وعن محمد بن سوقة ﵀ قال: أمران لو لم نعذب إلا بهما، لكنا مستحقين بهما العذاب، أحدنا يزداد في دنياه فيفرح فرحًا، ما علم الله منه قط أنه فرح بشيء قط زيد في دينه مثله، وأحدنا ينقص من دنياه، فيحزن حزنًا ما علم الله منه قط أنه حزن على شيء نقصه من دينه مثله. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ١٢٧]. • وقال رياح القيسي ﵀: كما لا تنظر الأبصار إلى شعاع الشمس، كذلك لا تنظر قلوب محبي الدنيا إلى نور الحكمة أبدًا. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٣١٣]. • وعن خزيمة أبي محمد ﵀؛ أن رجلًا أتى بعض الزهاد فقال له الزاهد: ما جاء بك؟ قال: بلغني زهدك، قال: أفلا أدلك على من هو أزهد مني؟ قال: ومن هو؟ قال: أنت قال: وكيف ذلك؟ قال: لأنك زهدت في الجنة وما أعد الله فيها، وزهدت أنا في الدنيا على فنائها وذم الله إياها، فأنت أزهد مني!! [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٣٤٤]. • وقال داود الطائي ﵀ لسفيان: إذا كنت تشرب الماء المبرد، وتأكل اللذيذ المطيب، وتمشي في الظل الظليل، فمتى تحب الموت والقدوم على الله؟ فبكى سفيان. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٤٦٢]. • وقال إبراهيم بن أدهم ﵀: ليس من أعلام الحب أن تحب ما يبغض حبيبك، ذم مولانا الدنيا فمدحناها، وأبغضها فأحببناها، وزهَّدنا فيها فآثرناها ورغبنا في طلبها، وعدكم خراب الدنيا فحصنتموها، ونهيتم عن طلبها فطلبتموها، وأنذرتم الكنوز فكنزتموها. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٤٨٧]. • وقال بشر بن السري ﵀: ليس من أعلام الحب، أن تحب ما يبغض حبيبك. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ٧٥]. • وقال الفضيل بن عياض ﵀: ليس من عبد أعطي شيئًا من الدنيا إلا كان نقصانًا له من الدرجات في الجنة، وإن كان على الله كريمًا. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ٨].

стр. 424

• وقال أيضًا ﵀: حزن الدنيا يذهب بهم الآخرة، وفرح الدنيا للدنيا، يذهب بحلاوة العبادة. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ١٧]. • وعن عبد الله بن المبارك ﵀ قال: حب الدنيا في القلب، والذنوب احتوشته، فمتى يصل الخير إليه؟ [الحلية (تهذيبه) ٣/ ٣٨]. • وقال أبو معاوية الأسود ﵀: الخلق كلهم برهم وفاجرهم، يسعون في أقل من جناح ذباب. فقال له رجل: ما أقل من جناح ذباب؟ قال: الدنيا. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ٦٧]. • وقال بشر بن الحارث ﵀: من سأل الله تعالى الدنيا، فإنما يسأله طول الوقوف. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ٩٠]. • وقال أيضًا ﵀: من هوان الدنيا على الله أن جعل بيته وعرًا. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ٩١]. • وقال أيضًا ﵀: ليس أحد يحب الدنيا، إلا لم يحب الموت، وليس أحد يزهد في الدنيا إلا أحبه الموت حتى يلقى مولاه. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ٩٨]. • وقال وهب بن منبه ﵀: قال عيسى ابن مريم ﵇ للحواريين: بحق أقول لكم - وكان عيسى كثيرًا ما يقول بحق أقول لكم -: أن أشدكم حبًا للدنيا أشدكم جزعًا على المصيبة. [الزهد للإمام أحمد / ١٤٤]. • وقال أبو سليمان الداراني ﵀: يكون في الطاعة يلذّ بها، فتخطر الدنيا على قلبه، فتنغص عليه أو تنكد عليه. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ١٩٢]. • وقال بعض السلف ﵀: احذروا أن [لا] (١) يغضب الله عليكم فيعطيكم الدنيا، فإنه غضب على عبد من عبيده إبليس فأعطاه الدنيا وقسم له منها. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ٢١٦]. • وقال أحمد بن أبي الحواري ﵀: من نظر إلى الدنيا نظر إرادة وحب لها، أخرج الله نور اليقين والزهد من قلبه. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ٢٤١].

стр. 425

• وقال أبو حفص ﵀: من إهانة الدنيا أني لا أبخل بها على أحد، ولا أبخل بها على نفسي، لاحتقارها واحتقار نفسي عندي. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ٣٥٢]. • وعن يونس بن عبيد ﵀ قال: ما شبهت الدنيا إلا كرجل نائم فرأى في منامه ما يكره وما يحب، فبينما هو كذلك إذ انتبه. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ٢٨]. • وقيل لبعض الحكماء ﵀: أي شيء أشبه بالدنيا؟ قال: أحلام النائم. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ٢٨]. • وذُكرت الدنيا عند الحسن البصري ﵀ فقال: أحلام نوم أو كظل زائل … إن اللبيب بمثلها لا يخدع [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ٢٩]. • ونزل أعرابي بقوم، فقدموا له طعاما فأكل ثم قام إلى ظل خيمة لهم فنام هناك، فاقتلعوا الخيمة، فأصابته الشمس، فانتبه وقام وهو يقول: ألا إنما الدنيا كظل بنيته … ولا بد يومًا أن ظلك زائل [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ٢٩]. • وعن ليث ﵀: أن عيسى بن مريم ﵇ رأى الدنيا في صورة عجوز هتماء، عليها من كل زينة، فقال لها: كم تزوجت؟ قالت: لا أحصيهم. قال: كلهم مات عنك أو كلهم طلقك؟ قالت: بل كلهم قتلت. فقال عيسى ﵇: بؤسا لأزواجك الباقين، ألا يعتبرون بأزواجك الماضين، كيف تهلكينهم واحدا واحدا ولا يكونون منك على حذر. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ٣٠]. • وعن أبي بكر بن عياش ﵀ قال: رأيت في النوم عجوزا شمطاء، مشوهة، تصفق بيديها، وخلفها خلق يتبعونها، ويصفقون ويرقصون، فلما كانت بحذائي أقبلت علي، فقالت: لو ظفرت بك صنعت بك ما صنعت بهؤلاء. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ٣١]. • وقال عيسى بن مريم ﵇: لا تتخذوا الدنيا ربا فتتخذكم الدنيا عبيدا، اكنزوا كنزكم عند من لا يضيعه، فإن صاحب كنز الدنيا يخاف عليه الآفة، وإن صاحب كنز الله لا يخاف عليه الآفة. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ٣٢].

стр. 426

• وعن الحسن ﵀ قال: أربع من أعلام الشقاء: قسوة القلب، وجمود العين، وطول الأمل، والحرص على الدنيا. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ٣٤]. • وقال سفيان الثوري ﵀: كان يقال: إنما سميت الدنيا لأنها دنية، وإنما سمي المال لأنه يميل بأهله. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ٤٣]. • وعن مالك بن دينار قال: قال لي عبد الله الرازي ﵀: إن سرك أن تجد حلاوة العبادة، وتبلغ ذروة سنامها: فاجعل بينك وبين شهوات الدنيا حائطا من حديد. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ٥٠]. • وكان يقال: مثل الذي يريد أن يجمع له الآخرة والدنيا: مثل عبد له ربان، لا يدري أيهما يرضى. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ٥١]. • وقال سعد التجيبي ﵀: إذا رأيت العبد دنياه تزداد، وآخرته تنقص، مقيما على ذلك، راضيا به، فذلك المغبون الذي يُلعب بوجهه وهو لا يشعر. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ٦٠]. • وعن الحسن ﵀ أنه كان إذا تلا هذه الآية: ﴿فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور﴾ [لقمان: ٣٣] قال: من قال ذا؟ من خلقها؟ ومن هو أعلم بها؟ وقال: إياكم وما شغل من الدنيا، فإن الدنيا كثيرة الأشغال، لا يفتح رجل على نفسه باب شغل إلا أوشك ذلك الباب أن يفتح عليه عشرة أبواب. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ٦٧]. • وعن وهب بن منبه ﵀ قال: مثل الدنيا والآخرة كمثل رجل له ضرتان، إن أرضى إحداهما أسخط الأخرى. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ٧١]. • وعن سيار أبي الحكم ﵀ قال: الدنيا والآخرة يجتمعان في قلب العبد، فأيهما غلب كان الآخر تبعًا له. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ٧٢]. • وقال الشاعر: [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ٨٢]. وكم نائم نام في غبطة … أتته المنية في نومته وكم من مقيم على لذة … دهته الحوادث في لذته

стр. 427

وكل جديد على ظهرها … سيأتي الزمان على جِدتَّه • وقال الفضيل بن عياض ﵀: خمسة من علامات الشقاء: قسوة القلب، وجمود العين، وقلة الخيار، والرغبة في الدنيا، وطول الأمل، وخمسة من السعادة: اليقين في القلب، والورع في الدين، والزهد في الدنيا، والحياء، والعلم. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ٨٣]. • وعن عبد الواحد بن زيد ﵀ قال: بالله لحرص المرء على الدنيا أخوف عليه عندي من أعدى أعدائه له. وقال: يا إخوتاه لا تغبطوا حريصا على ثروة، ولا سعة في مكسب ولا مال، وانظروا إليه بعين المقت له في فعله، وبعين الرحمة له في اشتغاله اليوم بما يرد به غدا في المعاد، ثم يبكي ويقول: الحرص حرصان: فحرص فاجع، وحرص نافع، فأما النافع: فحرص المرء على طاعة الله، وأما الفاجع: فحرص المرء على الدنيا، متعذب مشغول لا يسر، ولا يلذ بجمعه لشغله، ولا يفرغ من محبته الدنيا لآخرته كدًا كدًا لما يفنى، وعقله عما يدوم ويبقى. ثم يبكي. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ٨٤]. • وقال الشاعر: [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ٥٢٢]. وحسبك من صفات الوا … صفين بأن تعاينَها أليس جديدُها يبلى … ويفني الموتُ ساكنها • وقال الشاعر: [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ٨٥]. لا تغبطن أخا حرص على سعة … وانظر إليه بعين الماقت القالي إن الحريص لمشغول لشقوته عن … السرور بما يحوى من المال • وعن عبيد بن عمير ﵀ قال: الدنيا أمد، والآخرة أبد. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ٨٩]. • وعن عبد الله بن الفضل التميمي قال: آخر خطبة خطبها عمر بن عبد العزيز ﵀ أن صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإن ما

стр. 428

في أيديكم أسلاب الهالكين، وسيتركها الباقون كما تركها الماضون، ألا ترون أنكم في كل يوم وليلة تشيعون غاديا أو رائحا إلى الله، وتضعونه في صدع من الأرض، ثم في بطن صدع، غير ممهد ولا موسد، قد خلع الأسلاب، وفارق الأحباب، وأسكن التراب، وواجه الحساب، فقيرا إلى ما قدم أمامه، غنيا عما ترك بعده، أما والله إني لأقول لكم هذا وما أعرف من أحد من الناس مثل ما أعرف من نفسي. قال: ثم قال بطرف ثوبه على عينه فبكى، ثم نزل فما خرج حتى أخرج إلى حفرته. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ٩١]. • وقال عون بن عبد الله بن عتبة ﵀: ويحي كيف تشتد حاجتي إلى الدنيا وليست بداري، أم كيف أجمع لها وفي غيرها قراري وخلدي، أم كيف تعظم رغبتي فيها والقليل منها يكفيني، أم كيف آمن فيها ولا يدوم فيها حالي، أم كيف يشتد حرصي عليها ولا ينفعني ما تركت منها بعدي، أم كيف أوثرها وقد ضرت من آثرها قبلي، أم كيف لا أبادر بعملي من قبل أن تنصرم مدتي، أم كيف يشتد عجبي بها وهي منقطعة عني. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ٩٤]. • وقال إبراهيم التيمي ﵀: إن من كان قبلكم كانت الدنيا مقبلة عليهم وهم يفرون منها، ولهم من العزم مالهم، وإنكم تطلبون الدنيا وهي مدبرة عنكم، ولكم من الأحداث مالكم، فقيسوا أمركم وأمرهم. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ٩٥]. • وقال الشاعر: [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ١٠٠]. دع الدنيا لمفتتن … وإن أبدت محاسنها وخذ منها بأيسرها … وإن بسطت خزائنها فإن الدار دار بلى … حيال الموت آمنها وقد قلبت لك الأيا … م ظاهرها وباطنها وحسبك من صفات الوا … صفين بأنْ تُعاينها أليس جديدها يبلى … ويفني الموت ساكنها

стр. 429

• وقال الشاعر: [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ١٠٠]. هذه الدار مُلِّكها قبلنا … عصبةٌ بادوا وخلوها لنا فملكناها كما قد ملكوا … وسيملكها أناس بعدنا ثم تفنيهم وتفنى بعدهم … ليست الدنيا لحيِّ وطنا عجبًا للدار كم تخدعنا … حسرة يا حسرة يا حزنا • وقيل لبعض الحكماء: صف لنا قدر الدنيا ومدة البقاء؟ فقال: الدنيا وقتك الذي يرجع إليك فيه طرفك؛ لأن ما مضى عنك فقد فاتك إدراكه، وما لم يأت فلا علم لك به، الدهر يوم مقبل تنعاه ليلته، وتطويه ساعته، وأحداثه تتصل في الإنسان بالتغيير والنقصان، والدهر موكل بتشتيت الجماعات، وانخرام الشمل، وتنقل الدول، والأمل طويل، والعمر قصير، وإلى الله تصير الأمور. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ١٠٣]. • وعن عبد العزيز أبي مرحوم قال: دخلنا مع الحسن ﵀ على مريض نعوده، فلما جلس عنده قال: كيف تجدك؟ قال: أجدني أشتهي الطعام فلا أقدر أن أسيغه، وأشتهي الشراب فلا أقدر على أن أتجرعه، قال: فبكى الحسن، وقال: على الأسقام والأمراض أُسست هذه الدار، فهبك تصح من الأسقام، وتبرأ من الأمراض، هل تقدر على أن تنجو من الموت؟ قال: فارتج البيت بالبكاء. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ١٠٨]. • وعن الحسن البصري قال: مسكين ابن آدم رضي بدار حلالها حساب، وحرامها عذاب، إن أخذه من حله حوسب بنعيمه، وإن أخذه من حرام عذب به، ابن آدم يستقل ماله، ولا يستقل عمله، يفرح بمصيبته في دينه، ويجزع من مصيبته في دنياه. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ١١٠]. • وقال فضيل بن عياض ﵀: الدخول في الدنيا هين، لكن التخلص منها شديد. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ١١٥]. • وعن هشام بن إسماعيل ﵀ قال: كان ملك من الملوك لا يأخذ أحدا من أهل الإيمان إلا أمر بصلبه، فأُتي رجل من أهل الإيمان بالله فأمر

стр. 430

بصلبه، فلما قتل: أصابوا كتابا فيه ثلاث كلمات: إذا كان القدر حقا فالحرص باطل، وإذا كان الغدر في الناس طباعا فالثقة بكل أحد عجز، وإذا كان الموت بكل أحد راصدا فالطمأنينة إلى الدنيا حمق. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ١١٦]. • وعن عبد الله بن شوذب ﵀ قال: كان يقال: إن الله وسم الدنيا بالوحشة، وجعل أنس المطيعين به. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ١١٨]. • وخطب عمر بن عبد العزيز ﵀ فقال: أيها الناس إنكم خلقتم لأمر إن كنتم تصدقون به إنكم لحمقى، وإن كنتم تكذبون به إنكم لهلكى، إنما خلقتم للأبد، ولكنكم من دار إلى دار تنقلون. عباد الله إنكم في دار لكم فيها من طعامكم غُصص، ومن شرابكم شرِق، لا تصفو لكم نعمة تسرون بها إلا بفراق أخرى تكرهون فراقها، فاعملوا لما أنتم صائرون إليه، وخالدون فيه، ثم غلبه البكاء فنزل. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ١١٨]. • وقدم على معاوية رجل من نجران ﵀، يقولون: كان له يوم قدم عليه مائة سنة، فسأله عن الدنيا، فقال: سنوات بلاء، وسنوات رخاء، يوم ويوم، وليلة وليلة، يولد مولود، ويهلك هالك، فلولا المولود باد الخلق، ولولا الهالك ضاقت الدنيا بمن فيها. فقال له: سل، قال: عُمْر مضى فترده، أو أجل حضر فتدفعه. قال: لا أملك ذلك، قال: لا حاجة لي إليك، ثم قال: استرزق الله خيرًا وارضَيَنّ به … فبينما العسر إذ دارت مياسير وبينما المرء في الأحياء مغتبط … إذ صار رَمسا تعفيه الأعاصير [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ١٢٠]. • وكان سفيان الثوري ﵀ ينشد من قول ابن حطان: أرى أشقياء الناس لا يسأمونها … على أنهم فيها عراة وجوع

стр. 431

أراها وإن كانت قليلا كأنها … سحابة صيف عن قليل تقشع [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ١٢٠]. • وقال بعض الحكماء: عجبت ممن يحزن على نقصان ماله ولا يحزن على فناء عمره، وعجبت ممن الدنيا مولية عنه والآخرة مقبلة إليه، يشتغل بالمدبرة، ويعرض عن المقبلة. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ١٢٠]. • وقال داود الطائي ﵀: يا ابن آدم فرحت ببلوغ أملك، وإنما بلغته بانقضاء مدة أجلك، ثم سوفت بعملك، كأن منفعته لغيرك. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ١٢١]. • وكتب رجل عالم إلى عمر بن عبد العزيز: أما بعد: فإن الدنيا ليست بدار مقامة، وإنما أهبط آدم من الجنة إليها عقوبة، ومثلها مثل الحية مسها لين وفيها الموت، فكن فيها كالمريض الذي يُكره نفسه على الدواء رجاء العافية، وتدع ما تشتهي من الطعام رجاء العافية. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ١٢٣]. • وعن الحسن ﵀ قال: ما الدنيا كلها من أولها إلى آخرها إلا كرجل نام نومة، فرأى في منامه ما يحب ثم انتبه. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ١٢٣]. • وقال الشاعر: [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ٥٢٤]. عجبًا لأمنك والحياة قصيرة … وبفقد إلْف لا تزال تروع أفقدٌ رضيت بأن تُعلَّل بالمنى … وإلى المنية كلَّ يوم تدفع لا تخدعنك بعد طول تجارب … دنيا تكشّف للبلاء وتصرَع أحلام نوم أو كظل زائل … إن اللبيب بمثلها لا يخدع وتزودن ليوم فقرك دائبًا … ألغير نفسك لا أبالك تجمع • وقيل لكثير بن زياد ﵀ أوصنا، قال: بيعوا دنياكم بآخرتكم تربحونهما والله جميعا، ولا تبيعوا آخرتكم بدنياكم فتخسرونهما والله جميعا. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ١٣٠]. • وعن الحسن ﵀ قال: لا تخرج نفس ابن آدم من الدنيا إلا

стр. 432

بحسرات ثلاث: أنه لم يشبع مما جمع، ولم يدرك ما أمل، ولم يحسن الزاد لما قدم عليه. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ١٣٢]. • وقال عامر بن عبد قيس ﵀: الدنيا كل من فيها يجري على ما لا يريد، وكل مستقر فيها غير راض بها، وذلك شهيد على أنها ليست بدار قرار. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ١٣٢]. • وكان ابن السماك ﵀ يقول: من أذاقته الدنيا حلاوتها لميله إليها: جرعته الآخرة مرارتها بتجافيه عنها. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ١٣٢]. • وعن أبي سليمان الداراني ﵀ قال: لا يصبر عن شهوات الدنيا إلا من كان في قلبه ما يشغله من الآخرة. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ١٣٥]. • وعن بعض الحكماء قال: من زهد في الدنيا: ملكها، ومن رغب في الدنيا: حُرمها. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ١٣٥]. • وقال الشاعر: [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ١٣٩]. ما زالت الدنيا منغصة … لم ينج صاحبها من البلوى دار الفجائع والهموم ودا … ر البث والأحزان والشكوى بينا الفتى فيها يسر بها … إذا صار تحت ترابها ملقى تقفو مساوئُها محاسنَها … لا شيء بين النعيِّ والبشرى • وقال أبو حازم ﵀: يسير الدنيا يشغل عن كثير الآخرة. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ١٤١]. • وقال فضيل بن عياض ﵀: قيل: يا موسى أيحزن عبدي المؤمن أن أزوي عنه الدنيا وهو أقرب له مني، ويفرح أن أبسط له الدنيا وهو أبعد له مني؟. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ١٤٣]. • وقال الفضيل ﵀: ما رأيت أحدا عظم الدنيا فقرت عينه فيها، ولا انتفع بها، وما حقرها أحد إلا تمنع بها. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ١٤٤].

стр. 433

• وقال الحسن ﵀: أهينوا الدنيا فو الله ما هي لأحد بأهنأ منها لمن هانها. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ١٤٥]. • وقال ﵀: إذا أراد الله بعبد خيرا أعطاه من الدنيا عطية ثم يمسك، فإذا أنفد عاد عليه، وإذا هان عليه عبد بسطها له بسطا. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ١٤٥]. • وكان بعض العلماء يدعو: أيا ممسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه أمسك عني الدنيا. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ١٤٥]. • وقال ابن السماك ﵀: إن الدنيا من أولها إلى آخرها قليل، وإن الذي بقي منها في جنب الذي مضى قليل، وإنما لك منها قليل، ولم يبق من قليلك إلا قليل، وقد أصبحت في دار الشِراء، ودار الفِداء، وغدًا تصير إلى دار الجزاء، ودار البقاء، فاشتر اليوم نفسك، وفادها بكل جهدك، لعلك أن تخلص من عذاب ربك. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ١٥٠]. • وقال سفيان ﵀: إذا أردت أن تعرف قدر الدنيا؛ فانظر عند من هي!. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ١٥١]. • وقال إبراهيم بن أدهم ﵀: إنما زهد الزاهدون في الدنيا اتقاء أن يشاركوا الحمقى والجهال في جهلهم. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ١٥٢]. • وقال عيسى ابن مريم ﵇: طالب الدنيا مثل شارب ماء البحر، كلما ازداد شربا ازداد عطشا حتى يقتله. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ١٥٢]. • وقال بعض الحكماء: كل شيء فاتك من الدنيا غنيمة. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ١٥٢]. • وقال الحسن ﵀: من أحب الدنيا حرصًا وسرته: خرج خوف الآخرة من قلبه، ومن ازداد علمًا ثم ازداد على الدنيا حرصًا: لم يزدد من الله إلا بعدًا، ولم يزدد من الله إلا بغضًا. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ١٥٨]. • وعن وهب ﵀ قال: قرأت في كتاب شعيا أنه قيل ليونس بن متى: يا يونس إذا أحب العالم الدنيا نزعت لذة مناجاتي من قلبه. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ١٦٤].

стр. 434

• وعن عمران القصير ﵀ أنه قال: ألا صابر كريم لأيام قلائل، حرام على قلوبكم أن تجد طعم الإيمان حتى تزهدوا في الدنيا. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ١٦٤]. • وقال الشاعر: [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ١٧٨]. كُفِلت يا طالب الدنيا بهم … طويل لا يؤول إلى انقطاع وذُلٍّ في الحياة بغير عزٍّ … وفقرٍ لا يؤول إلى اتساع وشغلٍ ليس يعقبه فراغ … وسعىٍ دائمٍ من كل ساع وحرصٍ لا يزال عليه عبدًا … وعبدُ الحرص ليس بذي ارتفاع • وقال الشاعر: [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ١٨٣]. أرى الدنيا لمن هي في يديه … عذابًا كلما كثرت لديه تُهين المكرَمين لها بصُغْر … وتكرم كلَّ من هانت عليه إذا استغنيت عن شيء فدعه … وخذ ما كنت محتاجًا إليه • وعن إبراهيم ﵀ قال: كانوا يطلبون الدنيا، فإذا بلغوا الأربعين طلبوا الآخرة. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ١٨٤]. • وعن زكريا بن عدي ﵀ قال: قال عيسى ابن مريم: يا معشر الحواريين ارضوا بدنيء الدنيا مع سلامة الدين، كما رضي أهل الدنيا بدنيء الدين مع سلامة الدنيا. قال زكريا: وفي ذلك يقول الشاعر: أرى رجالًا بأدنى الدين قد قنعوا … ولا أراهم رضوا في العيش بالدُّون فاستغن بالدين عن دنيا الملوك كما … استغنى الملوك بدنياهم عن الدين [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ١٨٥]. • وعن الحسن ﵀ قال: إذا رأيت الرجل ينافسك في الدنيا فنافسه في الآخرة. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ١٩٠].

стр. 435

• وعن جعفر بن سليمان ﵀ قال: همُّ الدنيا ظلمة في القلب، وهم الآخرة نور في القلب. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ١٩١]. • وقال الشاعر: [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ١٩١]. يلتمس العزَّ بها أهلُها … والله قد عرفهم ذلَّها يا عاقد العُقدة يرجو بها … العيش كأن الموت قد حلَّها كم تعمر الدنيا ورب السماء … يريد أن يخربها كلَّها • وقال بعض الحكماء: الدنيا تبغض إلينا نفسها ونحن نحبها، فكيف لو تحببت إلينا!. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ١٩١]. • وقال أبو سليمان الداراني ﵀: لو أن رجلا دخل على ملك من ملوك الدنيا، فقال: سلني، فقال: أسألك جزَرَةَ بقْل! أكان حازما؟ فوالله للدنيا أهون على الله من جزرة البقل على الملك. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ١٩٢]. • وعن أبي خالد الصوري ﵀ وكان من أطول الناس صمتا - قال: اللهم أخرجني من جوار إبليس إلى جوارك. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ١٩٦]. • وقال الجنيدُ ﵀: ما أخذنا التَّصَوّف عن القال والقيل، بل عن الجوعِ، وتَرْكِ الدُّنيا، وقطعِ المألوفات. قال الذهبي ﵀: هذا حسن، ومُرادُه: قطعُ أكثر المألوفات، وتركُ فضول الدُّنيا وجوعٌ بلا إفراط، أمَّا من بالغ في الجوع كما يفعله الرُّهبان، ورفضَ سائر الدُّنيا، ومألوفاتِ النَّفس، من الغذاء، والنوم والأهل، فقد عرَّض نفسه لبلاء عريض، وربما خُولِطَ في عقله، وفاته بذلك كثير من الحنيفيَّة السَّمحَة، وقد جعل الله لكل شيء قدرًا، والسَّعادة في متابعة السُّنَنِ. فزِن الأمورَ بالعدل، وصُم وأفطِر، ونَم وقُمْ، والزمِ الورعَ في القوت وارضَ بما قسم الله لك، واصمُت إلاَّ من خَير، فرحمة الله على الجُنيد وأين مثلُ الجنيد

стр. 436

في علمه وحاله؟. (١) [السير (تهذيبه) ٣/ ١١٣٣]. • وقال ابن كثير ﵀: ركب - أي: الملك نور الدين محمود ﵀ يومًا مع بعضِ أصْحابه والشمسُ في ظُهورِهما، وظِلُّها بين أيْدِيهما لا يدْرِكانِهِ،

стр. 437

ثم رجَعا فصار الظل وراءَهم، فَساقَ الملكُ نور الدينِ وجعَل يلتَفِتُ وظلُّه يتْبَعهُ، ثم قال لصاحبِه: قد شَبَّهْتُ ما نحنُ فيه بالدنيا، تَهْرُبُ ممَّن يطْلُبها، وتطلُبُ مَن يُهْرُبُ منها. وقد أنشَد بعضُهم في هذا المعنى: مثَلُ الزِّرْقِ الذي تطلُبُه … مثلُ الظلِّ الذي يمشي معكْ أنتَ لا تُدْرِكُه مُتَّبِعًا … فإذا وَلّيْتَ عنه تَبِعَك [البداية والنهاية ١٢/ ٣٦١]. (د) قصص الزاهدين: • عن عائشة قالت: والله ما ترك أبو بكر ﵁ دينارًا ولا درهمًا ضرب لله سكته. [الزهد للإمام أحمد / ٢١٤]. • وعن جابر قال: صليت مع أبي بكر ﵁ العصر، ثم انكفأت معه إلى منزله، فقال لامرأته أسماء بنت عميس: هل عندك طعام؟ قالت: لا والله ما من شيء، قال انظري، قالت: لا والله ما من شيء، فاعتقل شاة كانت وضعت من يومها، - وكان ذا شاة - فحلب من لبانها، ثم أفرغه في برمة، ثم أمر جاريته فطبخت، ثم أُتينا به، فأكل وأكلنا، ثم صلى وصلينا، ما توضأ ولا توضأنا. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٤/ ٩٢]. • وعن أبي عثمان النهدي قال: رأيت عمر بن الخطاب ﵁ يطوف بالبيت عليه إزار فيه اثنتا عشرة رقعة بعضها بأديم أحمر. [المنتظم ٤/ ١٤١]. • وعن عتبة بن فرقد السلمي، قال: قدمت على عمر ﵁، وكان ينحر جزورًا (١) كل يوم أطايبها للمسلمين وأمهات المؤمنين، ويأمر بالعنق والعلباء (٢) فيأكله هو وأهله، فدعا بطعام، فأتي به، فإذا هو خبز خشن، وكسور من لحم غليظ، فجعل يقول: كل، فجعلت آكل البضعة (٣) فألوكها فلا أستطيع أن أسيغها، فنظرت، فإذا بضعة بيضاء، ظننت أنها من السنام، فأخذتها، فإذا هي

стр. 438

من علباء العنق، فنظر إليَّ عمر، فقال: إنه ليس يدركنك العراق الذي تأكل أنت وأصحابك!. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٤/ ٩٣]. • وعن سعد بن أبي وقاص قال: قالت حفصة بنت عمر لعمر رضي الله تعالى عنه: يا أمير المؤمنين لو لبست ثوبًا هو ألين من ثوبك، وأكلت طعامًا هو أطيب من طعامك، فقد وسع الله من الرزق، وأكثر من الخير؟! فقال: إني سأخصمك إلى نفسك، أما تذكرين ما كان يلقى رسول الله ﷺ من شدة العيش، فما زال يذكرها حتى أبكاها فقال لها: والله إن قلت ذلك، أما والله لئن استطعت لأشاركنهما بمثل عيشهما الشديد، لعلي أدرك معهما عيشهما الرخي. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٧٠، موسوعة ابن أبي الدنيا ٧/ ٤٨٥]. • وعن الحسن قال: رأيت عثمان ﵁ نائمًا في المسجد في ملحفة ليس حوله أحد، وهو أمير المؤمنين. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٧٧]. • وعن عبد الملك بن شداد بن الهاد قال: رأيت عثمان بن عفان ﵁ يوم الجمعة على المنبر عليه إزار عدني غليظ، ثمنه أربعة دراهم - أو خمسة دراهم - وريطة كوفية ممشقة. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٧٨]. • وعن شرحبيل بن مسلم: أن عثمان ﵁ كان يطعم الناس طعام الإمارة، ويدخل بيته فيأكل الخل والزيت. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٧٨]. • وعن هارون بن عنترة، عن أبيه. قال: دخلت على علي بن أبي طالب ﵁ بالخورنق، وهو يرعد تحت سمل قطيفة. فقلت: يا أمير المؤمنين إن الله قد جعل لك ولأهل بيتك في هذا المال، وأنت تصنع بنفسك ما تصنع. فقال: والله ما أرزأكم من مالكم شيئًا، وإنها لقطيفتي التي خرجت بها من منزلي - أو قال من المدينة. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٨٧]. • وعن علي بن الأرقم عن أبيه قال: رأيت عليًا ﵁ وهو يبيع سيفًا له في السوق، ويقول من يشتري مني هذا السيف فوالذي فلق الحبة لطالما كشفت به الكرب عن وجه رسول الله ﷺ ، ولو كان عندي ثمن إزار ما بعته. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٨٨].

стр. 439

• واستعمل علي ﵁ رجلا من ثقيف، قال: فرحت إليه فلم أجد عنده حاجبا يحجبني دونه، ووجدته جالسا وعنده قدح وكوز من ماء. فدعا بظبية (١)، فقلت في نفسي: لقد أمنني حتى يخرج إلي جوهرا، فإذا عليها خاتم، فكسر الخاتم، فإذا فيها سويق (٢)، فصب في القدح، فشرب منه، وسقاني، فلم أصبر، فقلت: يا أمير المؤمنين، تصنع هذا بالعراق، وطعام العراق أكثر من ذلك؟ قال: إنما أشتري قدر ما يكفيني، وأكره أن يفنى فيصنع فيه من غيره، فإني لم أختم عليه بخلا عليه، وإنما حفظي لذلك، وأنا أكره أن أدخل بطني إلا طيبًا. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٤/ ١٢٠]. • وعن أبي بكر بن المنكدر قال: بعث حبيب بن مسلمة - وهو أمير الشام - إلى أبي ذر ﵁ بثلاثمائة دينار وقال: استعن بها على حاجتك. فقال أبو ذر: ارجع بها إليه، أما وجد أحدًا أغر بالله منا، مالنا إلا ظل نتوارى به، وثلة من غنم تروح علينا، ومولاة لنا تصدقت علينا بخدمتها، ثم إني لأتخوف الفضل. [الحلية (تهذيبه) ١/ ١٣٧]. • وعن أبي ذر ﵁ قال: كان قوتي على عهد رسول الله ﷺ صاعًا، فلا أزيد عليه حتى ألقى الله . [الحلية (تهذيبه) ١/ ١٣٨]. • وعن أبي شعبة قال: جاء رجل إلى أبي ذر ﵁. فعرض عليه نفقة. فقال أبو ذر: عندنا أعنز نحلبها، وحمر تنقل، ومحرَّرة تخدمنا، وفضل عباءة من كسوتنا، إني أخاف أن أحاسب على الفضل. [الحلية (تهذيبه) ١/ ١٣٩]. • وعن علي بن بذيمة قال: بيع متاع سلمان رضي الله تعالى عنه فبلغ أربعة عشر درهمًا. [الحلية (تهذيبه) ١/ ١٥٩]. • وعن ميمون بن مهران قال: دخلت منزل ابن عمر ﵁؛ فما كان فيه ما يسوي طيلساني هذا. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٢١٦]. • وعن خالد بن معدان قال: استعمل عمر بن الخطاب ﵁ بحمص

стр. 440

سعيد بن عامر ﵁، فلما قدم عمر حمص قال: يا أهل حمص كيف وجدتم عاملكم؟ فشكوه إليه. وكان يقال لأهل حمص الكويفة الصغرى، لشكايتهم العمال. قالوا: نشكو أربعًا: لا يخرج إلينا حتى يتعالى النهار، قال: أعظم بها، قال: وماذا؟ قالوا: لا يجيب أحدًا بليل. قال: وعظيمة، قال: وماذا؟ قالوا: له يوم في الشهر لا يخرج فيه إلينا. قال: عظيمة، قال: وماذا؟ قالوا: يغنظ الغنظة بين الأيام أي تأخذه موتة. قال: فجمع عمر بينهم وبينه وقال: اللهم لا تفيّل (١) رأيي فيه اليوم. ما تشتكون منه؟ قالوا: لا يخرج حتى يتعالى النهار. قال: والله إن كنت لأكره ذكره، إنه ليس لأهلي خادم، فأعجن عجينهم، ثم أجلس حتى يختمر، ثم أخبز خبزي ثم أتوضأ ثم أخرج إليهم. فقال: ما تشتكون منه؟ قالوا: لا يجيب أحدًا بليل. قال: ما يقولون؟ قال: إن كنت لأكره ذكره، إني جعلت النهار لهم وجعلت الليل لله . قال: وما تشكون منه؟ قالوا: إن له يومًا في الشهر لا يخرج إلينا فيه، قال: ما يقولون؟ قال: ليس لي خادم يغسل ثيابي، ولا لي ثياب أبدلها، فأجلس حتى تجفّ، ثم أدلكها، ثم أخرج إليهم من آخر النهار، قال: ما تشكون منه؟ قالوا: يغنظُ الغَنْظَة بين الأيام. قال: ما يقولون؟ قال: شهدت مصرع خُبيب الأنصاري بمكة، وقد بضعت (٢) قريش لحمه، ثم حملوه على جذع فقالوا: أتحب أن محمدًا مكانك؟ فقال: والله ما أحب أني في أهلي وولدي وأن محمدًا شيك بشوكة، فما ذكرت ذلك اليوم، وتركي نصرته في تلك الحال، وأنا مشرك لا أؤمن بالله العظيم إلا ظننت أن الله لا يغفر لي بذلك الذنب أبدًا، فتصيبني تلك الغَنْظة، فقال عمر: الحمد لله الذي لم يفيّل فراستي، فبعث إليه بألف دينار وقال: استعن بها على حاجتك. فقالت امرأته: الحمد لله

стр. 441

الذي أغنانا عن خدمتك، فقال لها: فهل لك في خير من ذلك؟ ندفعها إلى من يأتينا بها أحوج ما نكون إليها. قالت: نعم، فدعا رجلًا من أهله يثق به، فصرّرها صررًا، ثم قال: انطلق بهذه إلى أرملة آل فلان، وإلى مسكين آل فلان، وإلى مبتلى آل فلان، فبقيت منها ذهيبة. فقال: أنفقي هذه، ثم عاد إلى عمله فقالت: ألا تشتري لنا خادمًا؟ ما فعل ذلك المال؟ قال: سيأتيك أحوج ما تكونين. [صفة الصفوة ١/ ٣١٩]. • وعن أبي هريرة ﵁ قال: إن كنتُ لأتبع الرجل أسأله عن الآية من كتاب الله لأنا أعلم بها منه ومن عشرته، وما أتبعه إلا ليطعمني القبضة من التمر أو السّفْة من السَّويق أو الدقيق أسدّ بها جوعي. فأقبلت أمشي مع عمر بن الخطاب ذات ليلة أحدثه حتى بلغ بابه، فأسند ظهره إلى الباب، فاستقبلني بوجهه، فكلما فرغت من حديث حدثته آخر. حتى إذا لم أر شيئًا انطلقت، فلما كان بعد ذلك لقيني فقال: أبا هريرة أما لو أنه في البيت شيء لأطعمناك. [صفة الصفوة ١/ ٣٣٢]. • وقال أيضًا: لقد رأيتني أصرع بين منبر رسول الله ﷺ ، وبين حجرة عائشة، فيقول الناس: إنه لمجنون، وما بي جنون، ما بي إلا الجوع. [صفة الصفوة ١/ ٣٣٥]. • وقال قبيصة: قيل للأحنف بن قيس ﵀: ألا تأتي الأمراء؟ قال: فأخرجَ جرّةً مكسورة فكبّها فإذا كِسَرٌ، فقال: مَن كان يُجزئه مثلُ هذا ما يصنع بإتيانهم؟. [صفة الصفوة ٣/ ١٤٠]. • وعن سفيان بن عيينة قال: دخل هشام بن عبد الملك الكعبة، فإذا هو بسالم بن عبد الله ﵀، فقال له: يا سالم سَلْني حاجةً، فقال له: إني لأستحيي من الله أن أسأل في بيت الله غير الله. فلما خرج في أثره، قال له: الآن قد خرجتُ، فسلني حاجةً، فقال له سالم: حوائج الدنيا أم حوائج الآخرة؟ فقال: بل حوائج الدنيا، فقال له سالم: ما سألت من يملكها، فكيف أسأل من لا يملكها. [صفة الصفوة ٢/ ٤٤٦].

стр. 442

• وقال الحسن ﵀: لقد أدركت أقواما ما طُوي لأحدهم ثوب قط، ولا تشهى أحدهم على أهله شهوة قط، ولا أمرهم بصنعة طعام قط، ولا قاسم أحدهم أخاه ميراثا قط، لقد كان أحدهم يكون بينه وبين أخيه ميراث، فيقول: هو لك، لا يحب أن يشغل نفسه بشيء من الدنيا، ولقد كان أحدهم ليأكل الأكلة فيتمنى أن يبقى في بطنه كما تبقى الآجرة في الماء، فتكون زاده من الدنيا. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٤/ ٩٧]. • وعن مسلمة بن عبد الملك، قال: دخلت على عمر بن عبد العزيز ﵀ أعوده في مرضه، فإذا عليه قميص وسِخ، فقلت لفاطمة بنت عبد الملك: يا فاطمة اغسلي قميص أمير المؤمنين، قالت: نفعل إن شاء الله ثم عُدتُ، فإذا القميص على حاله، فقلت: يا فاطمة ألَمْ آمرُكم أن تغسلوا قميص أمير المؤمنين، فإن الناس يعودونه؟ قالت: والله ماله قميصٌ غيره. [صفة الصفوة ٢/ ٤٦٥]. • وعن الهيثم بن عدي أنه قال: كانت لفاطمة بنت عبد الملك بن مروان - زوجة عمر بن عبد العزيز ﵀ جارية ذات جمال فائق، وكان عمر معجبًا بها قبل أن تفضي إليه الخلافة، فطلبها منها وحرص، فغارت من ذلك، فلم تزل في نفس عمر، فلما استخلف أمرت فاطمة بالجارية فأصلحت ثم حليت، فكانت حديثًا في حسنها وجمالها، ثم دخلت فاطمة بالجارية على عمر، فقالت: يا أمير المؤمنين، إنك كنت بفلانة معجبًا، وسألتنيها فأبيت ذلك عليك، وإن نفسي قد طابت لك بها اليوم، فدونكها، فلما قالت ذلك استبانت الفرح في وجهه، ثم قال: ابعثي بها إليّ، ففعلت، فلما دخلت عليه نظر إلى شيء أعجبه فازداد بها عجبًا، فقال لها: ألقي ثوبك، فلما همت أن تفعل قال: على رسلك، اقعدي، أخبريني لمن كنت؟ ومن أين أنت لفاطمة؟ قالت: كان الحجاج بن يوسف أغرم عاملًا كان له من أهل الكوفة مالًا، وكنت في رقيق ذلك العامل فاستصفاني عنده مع رقيق له وأموال، فبعث بي إلى عبد الملك بن مروان وأنا يومئذٍ صبية، فوهبني عبد الملك لابنته فاطمة. قال: وما فعل ذلك العامل؟ قالت: هلك، قال: وما ترك ولدًا؟ قالت: بلى، قال: وما حالهم؟ قالت: بشرّ، قال: شدي عليك ثوبك.

стр. 443

ثم كتب إلى عبد الحميد عامله على بلدهم: أن سرح إليّ فلان بن فلان على البريد، فلما قدم قال: ارفع إلي جميع ما أغرم الحجاج أباك فلم يرفع إليه شيئًا إلا دفعه إليه، ثم أمر بالجارية فدفعت إليه، فلما أخذ بيدها قال: إياك وإياها فإنك حديث السن ولعل أباك أن يكون قد وطئها، فقال الغلام: يا أمير المؤمنين هي لك، قال: لا حاجة لي فيها، قال: فابتعها مني، قال: لست إذًا ممن ينهى النفس عن الهوى. فمضى بها الفتى، فقالت له الجارية: فأين موجدتك بي يا أمير المؤمنين؟ قال: إنها لعلى حالها ولقد ازدادت، فلم تزل الجارية في نفس عمر حتى مات. [المنتظم ٧/ ٤٢، ٤٣]. • وعن مالك بن دينار قال: الناس يقولون: مالك بن دينار زاهد. إنما الزاهد عمر بن عبد العزيز الذي أتته الدنيا فتركها. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ١٩٨]. • وعن عون بن المعتمر قال: دخل عمر بن عبد العزيز ﵀ على امرأته فقال: يا فاطمة عندك درهم أشتري به عنبًا؟ قالت: لا، قال: فعندك نمية يعني الفلوس أشتري بها عنبًا؟ قالت: لا، فأقبلت عليه فقالت: أنت أمير المؤمنين لا تقدر على درهم ولا نمية تشتري بها عنبًا!! قال: هذا أهون علينا من معالجة الأغلال غدًا في نار جهنم. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ١٩٩]. • وعن سهل بن صدقة، مولى عمر بن عبد العزيز ﵀ قال: حدثني بعض خاصة آل عمر: أنه حين أفضت إليه الخلافة سمعوا في منزله بكاء عاليًا. فسألوا عن البكاء فقالوا: إن عمر خير جواريه فقال: قد نزل بي أمر قد شغلني عنكن، فمن أحب أن أعتقه أعتقته، ومن أحب أن أمسكه أمسكته إن لم يكن مني إليها شيء، فبكين إياسًا منه. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ١٩٩]. • وعن محمد بن معبد؛ أن عمر بن عبد العزيز ﵀ أرسل بأسارى من أسارى الروم، ففادى بهم أسارى من أسارى المسلمين، قال: فكنت إذا دخلت على ملك الروم فدخلت عليه عظماء الروم خرجت، قال: فدخلت يومًا فإذا هو جالس في الأرض مكتئبًا حزينًا، فقلت: ما شأن الملك؟ قال: وما تدري ما حدث؟! قلت: وما حدث؟ قال: مات الرجل الصالح، قلت: من؟ قال: عمر بن عبد العزيز. قال: ثم قال ملك الروم: لأحسب أنه لو كان أحد

стр. 444

يحيي الموتى بعد عيسى بن مريم ﵇ لأحياهم عمر بن عبد العزيز، ثم قال: لست أعجب من الراهب أغلق بابه، ورفض الدنيا وترهب وتعبد، ولكن أتعجب ممن كانت الدنيا تحت قدميه فرفضها ثم ترهب. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٢٢٠]. وعن رباح بن عبيدة قال: كنت أتجر، فقال لي عمر بن عبد العزيز ﵀: يا رباح اتخذ لي كسائين خزا أتخذ أحدهما محبسًا والآخر شعارًا، قال: ففعلت فصنعتهما بالبصرة، فلم آل ثم قدمت بهما فأمر بقبضهما، فلما أصبح غدوت عليه فقال لي: يا رباح ما أجود ثوبيك لولا خشونة فيهما، فلما ولي قال لي: يا رباح اتخذ لي من هذه الجباب الهروية عامل قطن فيهن صغر قال: فاشتريت له ثلاث شقق فقطعت من الثلاث جبتين خشنتين ثم أتيت بهما إليه، فقبضهما فقال لي: يا رباح ما أجود ثوبيك لولا لين فيهما قال: فذكرت قوله الأول وقوله الآخر. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٢٣٢]. • وعن عبد الله بن مسلم، يحدث عن أبيه. قال: دخلت على عمر بن عبد العزيز ﵀، وعنده كاتب يكتب، قال: وشمعة تزهر وهو ينظر في أمور المسلمين، قال: فخرج الرجل، وأطفئت الشمعة وجيء بسراج إلى عمر، فدنوت منه فرأيت عليه قميصًا فيه رقعة، قد طبق ما بين كتفيه قال: فنظر في أمري. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٢٣٢]. • وعن هشام بن حسان قال: دخلنا على كهمس ﵀ وهو بمكة، وهو في دار لسليمان بن علي على المسعى قد اشتراها بأربعين ألف دينار، قال هشام: وقد أنفق عليها مثلها، قال: فدخلها عليه بعد العصر، فرفع إنسان رأسه من أصحابنا فنظر إلى سقف البيت فقال: يا أبا عبد الملك يسرك أن هذه الدار لك تأكل غلتها؟ فقال كهمس: لا والله ما يسرني لو أنها لي بأربعة دراهم، قال هشام: فلا أرى رجلًا يحلف على يمين بعد العصر وهو كاذب. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٣١٩]. • وقال رجل لسفيان الثوري ﵀: يا أبا عبد الله إن فيك لعَجَبًا، قال: يا ابن أخي ما الذي بان لك مني حتى عجبت؟ قال: تنقلك من بلد إلى بلد، إن للناس مأوى، وللسبع مأوى، ومالك مأوى تأوي إليه! فقال له سفيان:

стр. 445

أي رجل كان المغيرة بن مقسم الضبي؟ قال: رجل صالح إن شاء الله، قال: وأي الرجال كان إبراهيم النخعي؟ قال: بخ بخ، قال: فأي الرجال كان علقمة؟ قال: لا تسأل، قال: فأي الرجال كان عبد الله بن مسعود؟ قال: الثقة الصدوق، فقال سفيان: حدثنا المغيرة بن مقسم عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود قال: اقتحم على أهل الجنة نور في قبابهم كاد أن يخطف نوره أبصار القوم، فإذا نور سن حوراء ضحكت في وجه وليها، فما كنت أدع هذا الخير أبدًا لقولك، ثم أنشأ سفيان يقول: ما ضر من كانت الفردوس مسكنه … ماذا تجرع من بؤس وإقتار تراه يمشي كئيبًا خائفًا وجلًا … إلى المساجد يمشي بين أطمار ثم أقبل على نفسه فقال: يا نفس مالك من صبر على النار … قد حان أن تُقبلي من بعد إدبار [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٣٦٦]. • وعن عمران بن مسلم قال: كان سويد بن غفلة ﵀، إذا قيل له: أُعطي فلان، وولِي فلان. قال: حسبي كسرتي وملحي. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٧٩]. • وقال عبد الله بن المبارك: وقع حريق بالبصرة فأخذ مالك بن دينار ﵀ بطرف كسائه يجره. وقال: هلك أصحاب الأثقال. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٤٢٣]. • وعن عبد الملك بن قريب قال: حدثني رجل صالح من أهل البصرة، قال: وقع حريق في بيت مالك ﵀ فأخذ المصحف وأخذ القطيفة فأخرجها. فقيل له: يا أبا يحيى البيت. قال: ما لنا فيه السدانة ما أبالي أن يحترق. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٤٢٣]. • وعن معتمر بن سليمان التيمي ﵀ قال: سقط بيت لنا كان أبي يكون فيه، فضرب أبي فسطاطًا فكان فيه حتى مات، فقيل له: لو بنيته؟ فقال: الأمر أعجل من ذلك غدًا الموت. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٤٤١]. • وقال سعيد بن عمر الكِنْديّ: دخل رجلٌ على دَاود بن أبي هند ﵀

стр. 446

وهو يأكل خبزًا يابسًا قد بلّه في الماء بمِلْح جَرِيش، فقال له: كيف تشتهي هذا! قال: أدعُه حتّى أشتهيه. [عيون الأخبار ٢/ ٧٣١]. • وعن سعيد بن أبي عروبة قال: حجّ الحَجَّاج فنزل بعض المياه بين مكة والمدينة ودعا بالغَداءِ، فقال لحاجبه: انظر من يتغدّى معي وأسأله عن بعض الأمر، فنظر نحو الجبل، فإذا هو بأعرابيّ بين شملتَين من شعرٍ، نائم، فضربه برجله وقال: إيت الأمير، فأتاه فقال له الحَجّاج: اغسل يَدَيْك وتغدَّ معي، فقال: إنه دعَاني من هو خيرٌ منك فأجبتُه. قال: ومَن هو؟ قال: الله ﵎، دعاني إلى الصوم فصُمت. قال: في هذا الحرّ الشديد؟ قال: نعم صُمت ليومٍ أشدّ حرًا من هذا اليوم. قال: فأفطِر وصُمْ غدًا. قال: إن ضَمِنْتَ لي البقاء إلى غدٍ. قال: ليس ذاك إليَّ. قال: فكيف تسألني عاجلًا بآجل لا تقدِر عليه؟ قال: إنه طعام طيّب، قال: لم تطيّبه أنت ولا الطباخ، إنما طيبته العافية. [صفة الصفوة ٤/ ٥٥٢]. • وحكى حَرْمَلةُ بن يحيى أن سفيان بن عُيينةَ ﵀ قال له - وأراه خبزَ شعير -: هذا طعامي منذ ستين سنة. [السير (تهذيبه) ٢/ ٧٨٣]. • وعن أبي عبد الله الخواص، قال: دخلت مع أبي عبد الرحمن حاتم الأصم ﵀ الري، نريد الحج، فدخلنا على رجل من التجار متنسك يحب المتقشفين، فأضافنا تلك الليلة. فلما كان من الغد قال لحاتم: يا أبا عبد الرحمن لك حاجة؟ فإني أريد أن أعود فقيهًا لنا هو عليل، فقال حاتم: إن كان لكم فقيه عليل فعيادة الفقيه لها فضل، والنظر إلى الفقيه عبادة (١)، وأنا أيضا أجئ معك - وكان العليل محمد بن مقاتل قاضي الري - فقال: سر بنا يا أبا عبد الرحمن. فجاؤوا إلى الباب فإذا باب مشرف حسن، فبقي حاتم متفكرًا: باب عالم على هذه الحال؟، ثم أذن لهم فدخلوا فإذا دار حسناء، وإذا أمتعة وستور وجمع، فبقي حاتم متفكرًا، ثم دخل إلى المجلس الذي هو فيه، فإذا

стр. 447

بفرش وطيئة، وإذا هو راقد عليها، وعند رأسه غلام ومذبَّة، فقعد الرازي، وسأله به، وحاتم قائم، فأومى إليه ابن مقاتل اقعد، فقال: لا أقعد، فقال له ابن مقاتل: لعل لك حاجة، قال: نعم! قال وما هي؟ قال: مسألة أسألك عنها، قال: سلني! قال: نعم! فاستو حتى أسألكها، فأمر غلمانه فأسندوه. فقال له حاتم: علمك هذا من أين جئت به؟ قال الثقات حدثوني به، قال: عن من؟ قال: عن أصحاب رسول الله ﷺ ، قال: رسول الله ﷺ من أين جاء به؟ قال: عن جبريل ﵇ قال حاتم: ففيما أداه جبريل عن الله، وأداه إلى رسول الله ﷺ ، وأداه رسول الله ﷺ إلى أصحابه، وأداه أصحابه إلى الثقات، وأداه الثقات إليك، هل سمعت في العلم: من كان في داره إشراف وكانت سعتها أكثر، كانت له المنزلة عند الله أكثر؟ قال: لا! قال: فكيف سمعت؟ قال: سمعت أنه من زهد في الدنيا ورغب في الآخرة وأحب المساكين وقدم لآخرته كان له عند الله المنزلة أكثر؟ قال حاتم: فأنت بمن اقتنعت؟ بالنبي ﷺ وأصحابه والصالحين؟ أم بفرعون ونمرود أول من بنى بالجص والآجر. يا علماء السوء مثلكم يراه الجاهل الطالب للدنيا الراغب فيها، فيقول: العالم على هذه الحالة لا أكون أنا شرًا منه، وخرج من عنده، فازداد ابن مقاتل مرضًا. فبلغ ذلك أهل الري: ما جرى بينه وبين ابن مقاتل، فقالوا له: يا أبا عبد الرحمن إن الطنافسي بقزوين أكثر شيء من هذا، قال: فسار إليه متعمدًا فدخل عليه فقال: رحمك الله، أنا رجل أعجمي أحب أن تعلمني أول مبتدأ ديني ومفتاح صلاتي، كيف أتوضأ للصلاة، قال: نعم وكرامة، يا غلام، إناء فيه ماء، فأتي بإناء فيه ماء، فقعد الطنافسي فتوضأ ثلاثًا ثلاثًا ثم قال: يا هذا هكذا فتوضأ. قال حاتم: مكانك يرحمك الله حتى أتوضأ بين يديك فيكون أوكد لما أريد، فقام الطنافسي فقعد حاتم فتوضأ ثلاثًا ثلاثًا حتى إذا بلغ غسل الذراعين غسل أربعًا فقال له الطنافسي: يا هذا أسرفت، قال له حاتم: فماذا؟ قال: غسلت ذراعيك أربعًا، قال حاتم: يا سبحان الله!! أنا في كف من ماء

стр. 448

أسرفت، وأنت في هذا الجمع كله لم تسرف؟ فعلم الطنافسي أنه أراده بذلك، لم يرد أن يتعلم منه شيئًا، فدخل إلى البيت فلم يخرج إلى الناس أربعين يومًا. وكتب إلى تجار الري وقزوين بما جرى بينه وبين ابن مقاتل والطنافسي. فلما دخل بغداد اجتمع إليه أهل بغداد فقالوا له: يا أبا عبد الرحمن أنت رجل ألكن أعجمي ليس يكلمك أحد إلا قطعته. قال: معي ثلاث خصال بهن أظهر على خصمي، قالوا: أي شيء هي؟ قال: أفرح إذا أصاب خصمي، وأحزن إذا أخطأ، وأحفظ نفسي أن لا أتجهل عليه. فبلغ ذلك أحمد بن حنبل فقال: سبحان الله ما أعقله قوموا بنا حتى نسير إليه، فلما دخلوا قالوا له: أبا عبد الرحمن ما السلامة من الدنيا؟ قال حاتم: يا أبا عبد الله لا تسلم من الدنيا حتى يكون معك أربع خصال، قال: أي شيء هي يا أبا عبد الرحمن؟ قال: تغفر للقوم جهلهم، وتمنع جهلك عنهم، وتبذل لهم شيئك، وتكون من شيئهم آيسًا. فإذا كان هذا سلمت. ثم سار إلى المدينة فاستقبله أهل المدينة فقال: يا قوم أي مدينة هذه؟ قالوا: مدينة رسول الله ﷺ قال: فأين قصر رسول الله ﷺ فأصلي فيه ركعتين؟ قالوا: ما كان له قصر، إنما كان له بيت لاطئ قال: فأين قصور أصحابه بعده؟ قالوا: ما كان لهم قصور، إنما كان لهم بيوت لاطئة. قال حاتم: يا قوم فهذه مدينة فرعون وجنوده، فذهبوا به إلى السلطان فقالوا: هذا العجمي يقول: هذه مدينة فرعون وجنوده. قال الوالي: ولم ذاك؟ قال حاتم: لا تعجل علي، أنا رجل عجمي غريب، دخلت المدينة فقلت: مدينة من هذه؟ قالوا: مدينة رسول الله ﷺ ، قلت: فأين قصر رسول الله ﷺ فأصلي فيه ركعتين؟ قالوا: ما كان له قصر، إنما كان له بيت لاطئ، قلت: فلأصحابه بعده، قالوا: ما كان لهم قصور، إنما كان لهم بيوت لاطية، وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] فأنتم بمن تأسيتم؟ برسول الله ﷺ وأصحابه؟ أو

стр. 449

بفرعون أول من بنى بالجص والآجر؟ فخلوا عنه وعرفوه. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٥١١]. • وعن شيخ أنه كان عنده كتاب بخطِّ أحمدَ بن حنبل ﵀، فقال: كنا عند ابن عيينة سنة، ففقدت أحمد بن حنبل أيامًا، فدُلِلت على موضعه، فجئتُ فإذا هو في شبيه بكهف في جياد (١). فقلت: سلام عليكم، أدخلُ؟ فقال: لا ثم قال: ادخلْ، فدخلتُ، وإذا عليه قطعةُ لِبْدٍ خَلِق، فقلت: لم حجبتني؟ فقال: حتى استَتَرت. فقلت: ما شأنك؟ قال: سُرِقت ثيابي. قال: فبادرتُ إلى منزلي فجئتُه بمئة درهم، فعرضتُها عليه، فامتنع، فقلت: قرضًا، فأبى، حتى بلغت عشرين درهمًا، ويأبي، فقمت، وقلت: ما يحل لك أن تقتلَ نفسك. قال: ارجعْ، فرجعت، فقال: أليس قد سمعت معي ابن عُيينة؟ قلت: بلى. قال: تحب أن أنسخَه لك؟ قلت: نعم. قال: اشترِ لي ورقًا. قال: فكتب بدراهم اكتسى منها ثوبين. [السير (تهذيبه) ٢/ ٩٢٥]. • وكان أحمدُ بنُ حنبل ﵀ يصلي بعبد الرزاق، فسها، فسأل عنه عبد الرزّاق، فأخبر أنه لم يأكل منذ ثلاثة أيام شيئًا. [السير (تهذيبه) ٢/ ٩٢٥]. • وقال ابن أبي حاتم: حدثنا صالح بن أحمد بن حنبل ﵀، قال: ربما رأيتُ أبي يأخذ الكِسَر، ينفُضُ الغبار عنها، ويُصيِّرها في قصعة، ويَصُبُّ عليها ماءً ثم يأكُلُها بالملح. وما رأيتُه اشترى رمانًا ولا سفرجلًا ولا شيئًا من الفاكهة، إلا أن تكون بطيخة فيأكلها بخبز وعِنبًا وتمرًا. [السير (تهذيبه) ٢/ ٩٢٦]. • وعن إبراهيم الحربي ﵀ أنه قال: أفنيت من عمري ثلاثين سنة برغيفين، إن جاءتني بهما أمي أو أختي أكلت، وإلا بقيت جائعًا عطشان إلى الليلة الثانية، وأفنيت ثلاثين سنة من عمري برغيف في اليوم والليلة، إن جاءتني امرأتي أو إحدى بناتي به أكلت وإلا بقيت جائعًا عطشان إلى الليلة الأخرى، والآن آكل نصف رغيف وأربع عشرة تمرة إن كانت بُرْنيًا، أو نيفًا وعشرين إن كانت دقلًا، ومرضت ابنتي فمضت امرأتي فأقامت عندها شهرًا، فقام إفطاري في هذا الشهر بدرهم ودانقين ونصف، ودخلت الحمام واشتريت

стр. 450

لهم صابونًا بدانقين، وكانت نفقة رمضان كله بدرهم وأربعة دوانيق ونصف. [المنتظم ١٢/ ٣٨٢]. • وعن أبي علي الحسين بن خيران الفقيه قال: مرّ أبو تراب النخشبي ﵀ بمزين، فقال له: تحلق رأسي لله : فقال له: اجلس. فجلس، فبينما يحلق رأسه مرّ به أمير من أهل بلده، فسأل حاشيته، فقال لهم: أليس هذا أبو تراب؟ قالوا: نعم! فقال: إيش معكم من الدنانير؟ فقال له الرجل من خاصته: معي خريطة فيها ألف دينار، فقال له إذا قام أعطها له واعتذر إليه وقل له: لم يكن معنا غير هذه، فجاء الغلام إليه فقال له: إن الأمير يقرأ عليك السلام وقال لك: ما حضر معنا غير هذه الدنانير، فقال له: ادفعها إلى المزين، فقال له المزين: إيش أعمل بها؟ فقال: خذها، فقال: والله لو أنها ألفي دينار ما أخذتها! فقال له أبو تراب: عد إليه وقل له: إن المزين ما أخذها، خذها أنت فاصرفها في مهماتك. [المنتظم ١١/ ٣٣٥]. • وعن عبد الملك الميموني أنه قال: حدَّثت أبا عبد الله أحمد بن حنبل: لما رأيت قدر عمي - عمرو بن ميمون ﵀ عند أبي جعفر قلت: يا عم، لو سألت أمير المؤمنين أن يقطعك قطيعة. فسكت عني، فلما ألححت عليه قال: يا بني، إنك لتسألني أن أسأله شيئًا قد ابتدأني به هو غير مرة، فقد قال لي يومًا: يا أبا عبد الله، إني أريد أن أقطعك قطيعة وأجعلها لك طيبة، وإن أحبابي وولدي وأهلي يسألوني ذلك، فآبى عليهم، فما يمنعك أن تقبلها؟ قال: قلت: يا أمير المؤمنين، إني رأيت لهم الرجل على قدر انتشار صيته، وإني يكفيني من همّي ما أحاطت به داري، فإن رأى أمير المؤمنين أن يعفيني فعل، قال: قد فعلت. فقال أحمد بن حنبل: أعده عليَّ. فأعدته عليه حتى حفظه. [المنتظم ٨/ ٩٣، ٩٤]. • وعن علي بن بكار قال: كنا جلوسًا بالمصيصة وفينا إبراهيم بن أدهم ﵀، فقدم رجل من خراسان فقال: أيكم إبراهيم بن أدهم، فقال القوم: هذا. قال: إن إخوتك بعثوني إليك، فلما سمع بذكر إخوته قام فأخذ بيده فنحَّاه، فقال: ما جاء بك؟ فقال: أنا مملوك معي فرس وبغلة وعشرة

стр. 451

آلاف درهم، بعث بها إليك إخوتك، قال: إن كنت صادقًا فأنت حر، وما معك لك، اذهب فلا تخبر أحدًا. فذهب. [المنتظم ٨/ ٢٤١]. • وقال عطاء: كان لداود الطائي ﵀ ثلاثمائة درهم فعاش بها عشرين سنة ينفقها على نفسه، وكنا ندخل على داود فلم يكن في بيته إلا بارية، ولبنة يضع عليها رأسه وإجَّانة فيها خبز، ومطهرة يتوضأ منها ومنها يشرب. [المنتظم ٨/ ٢٧٩]. • وعن عبد الله بن الفتوح أنه قال: خرجت يومًا أطلب رجلًا يرم لي شيئًا في الدار، فذهبت، فأشير لي إلى رجل حسن الوجه بين يديه مزود وزنبيل، فقلت: تعمل لي؟ قال: نعم بدرهم ودانق. فقلت: قم. فقام فعمل لي عملًا بدرهم ودانق، ثم أتيت يومًا آخر فسألت عنه فقيل ذاك رجل لا يرى في الجمعة إلا يومًا واحدًا يوم كذا. قال: فجئت ذلك اليوم، فقلت: تعمل لي؟ قال: نعم بدرهم ودانق. فقلت أنا: بدرهم. فقال: بدرهم ودانق. ولم يكن بي الدانق، ولكن أحببت أن أستعلم ما عنده، فلما كان المساء وزنت له درهما، فقال لي: ما هذا؟ قلت: درهم. قال: ألم أقل لك: درهم ودانق؟! أفسدت علي. فقلت: وأنا ألم أقل لك بدرهم؟ فقال: لست آخذ منك شيئًا قال: فوزنت له درهمًا ودانقًا. فقلت: خُذ. فأبى أن يأخذ، وقال: سبحان الله أقول لك لا آخذ وتلحّ عليَّ!؟ فأبى أن يأخذه ومضى. قال: فأقبل عليَّ أهلي، وقالت: فعل الله بك ما أردت من رجل عمل لك عملًا بدرهم أن أفسدت عليه. قال: فجئت يومًا أسأل عنه، فقيل لي: مريض، فاستدللت على بيته فأتيته، فاستأذنت عليه فدخلت وهو مبطون، وليس في بيته شيء إلا ذلك المزود والزنبيل، فسلَّمت عليه وقلت له: لي إليك حاجة، وتعرف فضل إدخال السرور على المؤمن، أحب لما جئت إلى بيتي أمرضك. قال: وتحب ذلك؟ قلت: نعم. قال: بشرائط ثلاث. قلت: نعم. قال: أن لا تعرض عليَّ طعامًا حتى أسألك، وإذا أنا مت أن تدفني في كسائي وجُبتي هذه. قلت: نعم. قال: والثالثة أشد منهما، وهي شديدة، قلت: وإن كان. فحملته إلى منزلي عند الظهر، فلما كان من الغد ناداني يا عبد الله فقلت: ما شأنك. قال: قد

стр. 452

احتضرت، افتح صرّة على كم جبتي. قال: ففتحتها فإذا فيها خاتم عليه فصّ أحمر، فقال: إذا أنا مت ودفنتني فخُذ هذا الخاتم، ثم ادفعه إلى هارون الرشيد أمير المؤمنين، فقل له: يقول لك صاحب هذا الخاتم: ويحك لا تموتن على سكرتك هذه فإنك إن مت على سكرتك هذه ندمت. قال: فلما دفنته سألت يوم خروج هارون الرشيد أمير المؤمنين، وكتبت قصة، وتعرضت له وأوذيت أذى شديدًا، فلما دخل قصره وقرأ القصة وقال: عليّ بصاحب هذه القصة. قال: فأدخلت عليه وهو مغضب يقول: يتعرضون لنا ويفعلون. فلما رأيت غضبه أخرجت الخاتم، فلما نظر إلى الخاتم قال: من أين لك هذا الخاتم، قلت: دفعه إليَّ رجل طيَّان. فقال لي: طيَّان طيَّان، وقرّبني منه. فقلت: يا أمير المؤمنين إنه أوصاني بوصية. فقال لي: ويحك! قل. فقلت: يا أمير المؤمنين إنه أوصاني إذا أوصلت إليك هذا الخاتم أن أقول لك يقرئك صاحب هذا الخاتم السلام ويقول لك: ويحك لا تموتن على سكرتك هذه فإنك إن مت عليها ندمت. فقام على رجليه قائمًا وضرب بنفسه على البساط، وجعل يتقلب عليه ويقول: يا بني نصحت أباك. فقلت في نفسي: كأنه ابنه، ثم جلس وجاؤوا بالماء، فمسحوا وجهه، وقال: كيف عرفته؟ قال: فقصصت عليه قصته. قال: فبكى وقال: هذا أول مولود لي، وكان أبي المهدي ذكر لي زبيدة أن يزوجني بها، فبصرت بهذه المرأة فوقعت في قلبي، وكانت خسيسة فتزوجتها سرًا من أبي، فأولدتها هذا المولود، وأحدرتها إلى البصرة وأعطيتها هذا الخاتم وأشياء، وقلت لها: اكتمي نفسك، فإذا بلغك أني قعدت للخلافة فأتيني، فلما قعدت للخلافة سألت عنهما فقيل لي إنهما ماتا، ولم أعلم أنه باقٍ، فأين دفنته؟ قلت: يا أمير المؤمنين دفنته في قبور عبد الله بن مالك. قال: لي إليك حاجة، إذا كان بعد المغرب فقف لي بالباب حتى أنزل إليك فأخرج متنكرًا إلى قبره. فوقفت له، فخرج متنكرًا والخدم حوله حتى وضع يده بيدي، وصاح بالخدم فتنحوا، فجئتُ به إلى قبره، فما زال ليلته يبكي إلى أن أصبح ويداه

стр. 453

ورأسه ولحيتُه على قبره وجعل يقول: يا بني، لقد نصحت أباك. قال: فجعلت أبكي لبكائه رحمة مني له، ثم سمع كلامًا فقال: كأني أسمع كلام الناس. قلت: أجل أصبحت يا أمير المؤمنين، قد طلع الفجر. فقال لي: قد أمرت لك بعشرة آلاف درهم، واكتب عيالك مع عيالي، فإن لك عليَّ حقًا بدفنك ولدي، وإن أنا مت أوصيت من يكون مَنْ بعدي أن يجري عليك ما بقي لك عقب، ثم أخذ بيدي حتى إذا بلغ قريبًا من القصر ويده بيدي، فلما صار إلى القصر قال: انظر ما أوصيك به إذا طلعت الشمس، فقف لي حتى أنظر إليك فأدعو بك فتحدثني حديثه. قلت: إن شاء الله، فلم أعد إليه. [المنتظم ٩/ ٩٣ - ٩٦]. • * * (هـ) أقوال وحكم في القناعة والرضا: • قال سعد بن أبي وقَّاص ﵁ لابنه عمر: يا بنيّ إذا طلبت الغِنى فاطلبُه بالقناعةِ، فإن لم تكن لك قناعةٌ فليس يُغنيكَ مالٌ. [عيون الأخبار ٣/ ١٨٧]. • وقال علي بن سهل ﵀: اِلتَمَسْتُ الراحة فوجدتُها في اليأس. [ذم الهوى / ٣٨٨]. • وعن وهيب بن الورد ﵀ قال: لو أن المؤمن لا يبغض الدنيا، إلا أن الله يعصى فيها، لكان حقًا عليه أن يبغضها. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ٣٥]. • ومن كلام أبي عثمان الحيري ﵀: سرورُك بالدنيا أذهب سرورك بالله عن قلبك. [السير (تهذيبه)]. • وقال بعضهم: [عيون الأخبار ٣/ ١٨٦]. والنفسُ راغبةٌ إذا رغَّبتَها … وإذا تُرَدُّ إلى قليل تَقْنَعُ • وقال بعضهم: [عيون الأخبار ٣/ ١٨٧]. إن كان لا يُغنيكَ ما يكفيكا … فكلّ ما في الأرضِ لا يُغنِيكا • وقيل لبعض العباد ﵀: قد نلت الغناء؟ قال: إنما نال الغناء من أُعتق من رق الدنيا. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ١٣٢].

стр. 454

• وقال أبو سليمان الداراني ﵀: القناعة أول الرضا. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ١٨٣]. • وقال بكر المزني ﵀: يكفيك من الدنيا ما قنعت به ولو كف تمر، وشربة ماء، وظل خباء، وكلما انفتح لك من الدنيا شيء، ازدادت نفسك له مفتاحا. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٤/ ١١٩]. • ومر فتح الموصلي ﵀ بصبيين مع أحدهما كسرة عليها عسل، ومع الآخر كسرة عليها كامخ، فقال الذي معه الكامخ للذي معه العسل: أطعمني من خبزك، قال: إن كنت كلبًا لي أطعمتك، قال: نعم! فأطعمه من خبزه وجعل في فمه خيطًا وجعل يقوده. فقال فتح: لو رضيت بخبزك، ما كنت كلبًا لهذا. قال أبو موسى: فهكذا الدنيا. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ٧٥]. (و) فوائد أخرى: • عن عبد الله بن المبارك قال: جاء رجل إلى وهيب بن الورد ﵀، فجعل كأنه يذكر الزهد، قال: فأقبل عليه وهيب فقال: لا تحمل سعة الإسلام على ضيقة صدرك. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ٣٥]. • وقال أيوب ﵀: إن زهد رجل فلا يجعلن زهده عذابا على الناس. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ١٩١].

стр. 455

الرضا (أ) رضا العبد عن الله وعن أقداره، وعدم الشكوى للمخلوق (١): • عن أبي السفر قال: مرض أبو بكر رضي الله تعالى عنه فعادوه،

стр. 456

فقالوا: ألا ندعو لك الطبيب؟ قال: قد رآني. قالوا: فأي شيء قال لك؟ قال: قال: إني فعال لما أريد. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٥٨]. • وقال عمر بن الخطاب ﵁: ما أبالي على أي حال أصحبت، على ما أحب، أو على ما أكره لأني لا أدري الخير فيما أحب أو فيما أكره. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٤١٤]. • وعن ابن عمر ﵁ قال: إن الرجل ليستخير الله فيختار له فيتسخط على ربه، فلا يلبث أن ينظر في العاقبة، فإذا هو خير له. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٤٣٢]. • وعن نافع قال: اشتكى ابن لعبد الله بن عمر ﵁ فاشتد وجده عليه حتى قال بعض القوم: لقد خشينا على هذا الشيخ أن يحدث بهذا الغلام حدث، فمات الغلام فخرج ابن عمر في جنازته، وما رجل أشد سرورًا منه، فقيل له في ذلك، فقال ابن عمر: إنما كان رحمة له، فلما وقع أمر الله رضينا به. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٤٥٧]. • وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: إن الرجل ليشرف على الأمر من التجارة أو الإمارة، حتى يرى أنه قد قدر عليه، ذكره الله فوق سبع سموات، فيقول للملك:

стр. 457

اذهب فاصرف عن عبدي هذا، فإني إن أيسره له أدخله جهنم، فجيء الملك فيعوقه فيصرف عنه، فيظل يتطير بجيرانه إنه دهاني فلان، سبقني فلان، وما صرفه عنه إلا الله. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٤٣٣]. • وقال عبد الله بن مسعود ﵁: ما أُبالي إذا رجعتُ إلى أهلي على أي حال أراهم، بخيرٍ أو بشرّ، وما أصبحت على حالة فتمنيت أني على سواها. [صفة الصفوة ١/ ١٨٦]. • وقيل للحسن بن علي ﵁: إن أبا ذر ﵁ يقول: الفقر أحب إلي من الغنى، والسقم أحب إلي من الصحة. فقال: رحم الله أبا ذر أما أنا فأقول: من اتكل على حسن اختيار الله له لم يتمن أن يكون في غير الحالة التي اختار الله له. وهذا حد الوقوف على الرضا بما تصرف به القضاء. [البداية والنهاية ٨/ ٢٠٤، ٢٠٥]. • وعن أبي ذر رضي الله تعالى عنه. قال: بينا أنا واقف مع رسول الله ﷺ . فقال لي: (يا أبا ذر أنت رجل صالح وسيصيبك بلاء بعدي) قلت: في الله؟ قال: (في الله) قلت: مرحبًا بأمر الله. [الحلية (تهذيبه) ١/ ١٣٨]. • وعن مغيرة قال: اشتكى ابن أخي الأحنف إلى الأحنف بن قيس ﵀ وجَع ضرسه، فقال له الأحنف: لقد ذهبت عيني منذ أربعين سنة ما ذكرتُها لأحد. [صفة الصفوة ٣/ ١٤٠]. • وعن شهر بن حوشب قال: طُعن عبد الرحمن بن معاذ بن جبل ﵀ أي أصيب بمرض الطاعون - فدخل عليه أبوه فقال له: كيف تجدك أي بني؟ قال له: يا أبه: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [البقرة: ١٤٧] فقال له معاذ: ﴿سَتَجِدُنِي إِن شَاء الله مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢]. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ٣٤١]. • وعن الحسن ﵀ قال: عاد نفرٌ من الصدر الأول رجلا، فوجدوه في الموت، فقال له بعض القوم: ما عندك في مصرعك هذا؟ قال: الرضا

стр. 458

والتسليم لأمر الله، قال: فما برح القوم حتى قضى، قال الحسن: عرف والله وأن مَوْئِلَهما إلى خير. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ٣٣٩]. • وعن إبراهيم ﵀ قال: إن لم يكن لنا خير فيما نكره لم يكن خير لنا فيما نحب. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٢/ ٩٤]. • وقال ابن عيينة ﵀: ما يكره العبد خير له مما يحب؛ لأن ما يكرهه يهيجه الدعاء، وما يحبه يلهيه. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٢/ ٩٧]. • وقال محمد بن علي ﵀: ندعو الله فيما نحب، فإذا وقع الذي نكره لم نخالف الله فيما أحب. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٥١٠]. • وقال عبد الله بن عمر الكوفي: كان عندنا بالكوفة رجل قد خرج عن دنيا واسعة وتعبّد، قال: وكان الفضيل بن عياض بالكوفة في أيامه. قال: فقدم ابن المبارك، فقال له الفضيل: إن ها هنا رجلاً من المتعبدين قد خرج عن دنيا فامض بنا إليه ننظر عقله. قال: فجاؤوا إليه وهو عليل، وعليه عباءة، وتحت رأسه قطعةُ لبنة، قال: فسلّم ابن المارك عليه، ثم قال: يا أخي بلغنا أنه ما ترك عبدٌ شيئًا لله، إلا عوّضه الله ما هو أكثر منه، فما عوّضك؟ قال: الرضا بما أنا فيه. فقال ابن المبارك: حسبك، وقاما على ذلك. [صفة الصفوة ٣/ ١٢٩]. • وقال سيار بن سلامة: دخلت على أبي العالية ﵀ في مرضه الذي مات فيه، فقال: إن أحبَّه إليَّ أحبُّه إلى الله . [صفة الصفوة ٣/ ١٤٨]. • وعن عبد العزيز بن أبي روّاد قال: رأيت في يد محمد بن واسع ﵀ قرْحَة، فكأنه رأى ما شقّ عليّ منها، فقال: تدري ما لله عليّ في هذه القرحة من نعمة؟ قال: فسكت، فقال: حيث لم يجعلها على حدَقتي، ولا طرَف لساني، ولا على طَرف ذكَرِي. قال: فهانت عليّ قرحته. [صفة الصفوة ٣/ ١٩٢]. • وقال مالك بن دينار ﵀: إني لأغبطُ الرجل يكون عيشه كفافًا فيقنع به، فقال محمد بن واسع ﵀: أغبَط والله عندي من ذلك أن يصبح جائعًا، ويمسي جائعًا وهو عن الله راضٍ. [صفة الصفوة ٣/ ١٩٣].

стр. 459

• وقال عبد الله بن عون ﵀: لن يصيب العبدُ حقيقة الرّضا حتى يكون رضاه عند الفقر كرضاه عند الغنى، كيف تستقضي (١) الله في أمرك، ثم تسخط إن رأيت قضاءه مخالفًا لهواك، ولعلّ ما هويت من ذلك لو وُفّق لك فيه هُلْكك، وترضى قضاءه إذا وافق هواك؟ ما أنصفت من نفسك، ولا أصبت باب الرضا. [صفة الصفوة ٣/ ٢٢٣]. • وقال أيوب السختياني ﵀: إذا لم يكن ما تريد، فأرد ما يكون. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٤٣٤]. • وقال يحيى بن معاذ ﵀: إذا كنت لا ترضى عن الله كيف تسأله الرضا عنك. [صفة الصفوة ٤/ ٣٤١]. • وقال الحسن بن صالح ﵀: ربما أصبحتُ وما معي درهم، وكأن الدُّنيا قد حيزت لي. [السير (تهذيبه) ٢/ ٧٠٣]. • وعن أبي عثمان النهدي ﵀ أنه قال: منذ أربعين سنة ما أقامني الله في حال فكرهته، ولا نقلني إلى غيره فسخطته. [المنتظم ١٣/ ١٢١]. • وقال عبد الواحد بن زيد ﵀: الرضا باب الله الأعظم، وجنة الدنيا، ومستراح العابدين. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٣٠١]. • وقال أيضًا ﵀: ما أحسب شيئًا من الأعمال يتقدم الصبر إلا الرضا. ولا أعلم درجة أرفع ولا أشرف من الرضا، وهي رأس المحبة. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٣٠٥]. • وقال أبو سليمان الداراني: أصاب عبد الواحد بن زيد ﵀ الفالج فسأل الله أن يطلقه في وقت الوضوء فإذا أراد أن يتوضأ انطلق، وإذا رجع إلى سريره عاد عليه الفالج. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٣٠٠]. • وعن الربيع قال: لما هلك عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز ﵀، وسهل بن عبد العزيز، ومزاحم مولى عمر في أيام متتابعة، دخل الربيع بن

стр. 460

سبرة عليه وقال: أعظم الله أجرك يا أمير المؤمنين، فما رأيت أحدًا أصيب بأعظم من مصيبتك في أيام متتابعة، والله ما رأيت مثل ابنك ابنًا، ولا مثل أخيك أخًا، ولا مثل مولاك مولى قط، فطأطأ عمر رأسه، فقال لي رجل معي على الوسادة: لقد هيجت عليه. قال: ثم رفع رأسه فقال: كيف قلت الآن يا ربيع فأعدت عليه ما قلت أولاً قال: لا والذي قضى عليه - أو قال عليهم - بالموت، ما أحب أن شيئًا من ذلك كان لم يكن. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٢٣٧]. • وقال عبد العزيز بن أبي رُوَّاد ﵀: كان عابد يتعبد في بني إسرائيل، فرأى في منامه أن فلانة زوجتك في الجنة، فاستضاف بها ثلاث ليال لينظر عملها، فكانت تنام وهو يقوم، وتفطر وهو يصوم، فلما فارقها سألها عن أوثق عملها عندها، قالت: هو ما رأيت، إلا خصلة واحدة، إن كنت في شدة لم أتمنّ أني في رخاء، وإن كنت في مرض لم أتمنّ أني في صحة، وإن كنت جائعة لم أتمنّ أني شبعان، وإن كنت في شمس لم أتمنّ أني في ظل. فقال العابد ﵀: هذه والله خصلة يعجز عنها العباد. [الجامع المنتخب / ١٨٨]. • وعن شقيق البلخي قال: ذهب بصر عبد العزيز بن أبي رواد ﵀ عشرين سنة فلم يعلم به أهله ولا ولده، فتأمله ابنه ذات يوم فقال له: يا أبت ذهبت عينك؟ قال: نعم يا بني، الرضاء عن الله أذهب عين أبيك منذ عشرين سنة. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ٤٠]. • وعن النِّباجيِّ ﵀ قال: لو جُعِلتْ لي دعوةٌ مجابةٌ ما سألتُ الفردوس، ولَكُنتُ أسألُ الرِّضى، فهو تعجيل الفردوس. [السير (تهذيبه)] • وقال الفضيل بن عياض ﵀: درجة الرضا عن الله درجة المقربين ليس بينهم وبين الله تعالى إلا رَوح وريحان. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ١٦]. • وعن أبي علي الرازي قال: صحبت الفضيل بن عياض ﵀ ثلاثين سنة، ما رأيته ضاحكًا ولا متبسمًا إلا يوم مات ابنه علي، فقلت له في ذلك
следующие страницы →