إني لأعرفكم بالفضل، والخير ولكن يبلغ عمر أني وليت نفرًا من قومي فيلومني. قالوا: فقد ولاك أبو عبيدة وأنت منه في القرابة بحيث أنت فأنفذ ذلك عمر، فلو ولّيتنا لأنفذه قال: إني لست عند عمر كأبي عبيدة. فمضوا لائمين له. [صفة الصفوة ١/ ٣٢١].
• وعن الفهري، عن أبيه، قال: كان عمر بن عبد العزيز ﵀ يقسم تفاح اَلْفيء، فتناول ابنٌ له صغيرٌ تفاحة، فانتزعها مِن فِيه فأوجعه، فسعى إلى أمه مستعْبرًا، فأرسلت إلى السوق فاشترت له تفاحًا، فلما رجع عمر وجد ريح التفاح، فقال: يا فاطمة هل أتيتِ شيئًا من هذا الفيْء؟ قالت: لا. وقصّت عليه القصة، فقال: والله لقد انتزعتها من ابني لكأنما نزعتها عن قلبي، ولكن كرهتُ أن أضيع نصيبي من الله بتفاحةٍ من فيء المسلمين. [صفة الصفوة ٢/ ٤٦٥].
• وعن عمر بن ذر قال: قال مولى لعمر بن عبد العزيز ﵀ له حين رجع من جنازة سليمان: ما لي أراك مغتما؟ فقال عمر ﵀: لمثل ما أنا فيه يُغتم، ليس أحد من أمة محمد ﷺ في شرق ولا غرب إلا وأنا أريد أن أودي إليه حقه غير كاتب إليَّ فيه ولا طالبه مني. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٣/ ٢٧٠].
• وعن عمر بن علي بن مقدم قال: قال ابن لسليمان بن عبد الملك لمزاحم: إن لي حاجة إلى أمير المؤمنين عمر ﵀، قال: فاستأذنت له فقال: أدخله، فأدخلته على عمر، فقال ابن سليمان: يا أمير المؤمنين علام ترد قطيعتي؟ قال: معاذ الله أن أرد قطيعة صحت في الإسلام. قال: فهذا كتابي وأخرج كتابًا من كمه، فقرأه عمر فقال: لمن كانت هذه الأرض؟ قال: للفاسق ابن الحجاج. قال عمر: فهو أولى بماله، قال: فإنها من بيت مال المسلمين، قال: فالمسلمون أولى بها قال: يا أمير المؤمنين رد عليّ كتابي، قال: لو لم تأتني به لم أسألكه، فأما إذ جئتني به فلا ندعك تطلب بباطل. قال: فبكى ابن سليمان، قال مزاحم: فقلت: يا أمير المؤمنين ابن سليمان اللاطئ (١) الحب، اللازق بالقلب تصنع به هذا؟ قال: ويحك يا مزاحم إنها
стр. 632
نفسي أحاول عنها، وإني لأجد له من اللوط ما أجد لولدي. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٢١٣].
• وعن بشر بن عبد الله بن عمر عن بعض آل عمر: أن هشام بن عبد الملك قال لعمر بن عبد العزيز ﵀: يا أمير المؤمنين إني رسول قومك إليك، وإن في أنفسهم ما أكلمك به، إنهم يقولون: استأنف العمل برأيك فيما تحت يديك، وخل بين من سبقك وبين ما ولوا به من كان يلون أمره بما عليهم ولهم.
فقال له عمر: أرأيت لو أتيت بسجلين أحدهما من معاوية والآخر من عبد الملك بأمر واحد، فبأي السجلين كنت آخذ؟ قال: بالأقدم ولا أعدل به شيئاً.
قال عمر: فإني وجدت كتاب الله الأقدم، فأنا حامل عليه من أتاني ممن تحت يدي في مالي وفيما سبقني.
فقال له سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان: يا أمير المؤمنين امض لرأيك فيما وليت بالحق والعدل، وخل عمن سبقك وعما ولى خيره وشره، فإنك مكتف بذلك.
فقال له عمر: أنشدك الله الذي إليه تعود أرأيت لو أن رجلاً هلك وترك بنين صغارًا وكبارًا، فعز الأكابر الأصاغر بقوتهم فأكلوا أموالهم، فأدرك الأصاغر فجاؤوك بهم وبما صنعوا في أموالهم ما كنت صانعًا؟ قال: كنت أرد عليهم حقوقهم حتى يستوفوها.
قال: فإني قد وجدت كثيرا ممن قبلي من الولاة عزوا الناس بقوتهم
стр. 633
وسلطانهم. وعزهم بها أتباعهم. فلما وليت أتوني بذلك. فلم يسعني إلا الرد على الضعيف من القوي، وعلى المستضعف من الشريف. فقال: وفقك الله يا أمير المؤمنين. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٢١٣].
• وعن الفرات بن السائب؛ أن عمر بن عبد العزيز ﵀ قال لامرأته فاطمة بنت عبد الملك - وكان عندها جوهر أمر لها أبوها به لم ير مثله -: اختاري إما أن تردي حليك إلى بيت المال، وإما تأذني لي في فراقك، فإني أكره أن أكون أنا وأنت وهو في بيت واحد. قالت: لا بل أختارك يا أمير المؤمنين عليه وعلى أضعافه لو كان لي، قال: فأمر به فحمل حتى وضع في بيت مال المسلمين، فلما هلك عمر واستخلف يزيد قال لفاطمة: إن شئت يردونه عليك؟ قالت: فإني لا أشاؤه، طبت عنه نفسًا في حياة عمر وأرجع فيه بعد موته؟ لا والله أبدًا. فلما رأى ذلك قسمه بين أهله وولده. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٢١٥].
• وعن أبي الزناد قال: لما قدمَ عمرُ بن عبد العزيز ﵀ المدينة واليًا، فصلَّى الظهر دعا بعشرة: عروة، وعُبيد الله، وسليمان بن يسار، والقاسِم، وسالمًا، وخارجة، وأبا بكر بن عبد الرحمن، وأبا بكر بن سليمان بن أبي حَثْمة، وعبد الله بن عامِر بن ربيعة، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إني دعَوتكم لأمر تؤجرون فيه، ونكونُ فيه أعوانًا على الحق، ما أريدُ أن أقطع أمرًا إلاَّ برأيكم، أو برأي مَنْ حضر منكم، فإن رأيتُم أحدًا يتعدَّى، أو بلغكم عن عاملٍ ظُلامة، فأُحرِّجُ بالله على مَنْ بلغه إلاَّ أبلغني. فجَزَوْهُ خيرًا، وافترقوا. [السير (تهذيبه)].
• وعن إبراهيم حدثني أبي عن جدي. قال: كان عمر بن عبد العزيز ﵀ لا يحمل على البريد إلا في حاجة المسلمين، وكتب إلى عامل له يشتري له عسلاً ولا يسخر فيه شيئًا، وأن عامله حمله على مركبة من البريد، فلما أتى قال: على ما حمله؟ قالوا: على البريد، فأمر بذلك العسل فبيع وجعل ثمنه في بيت مال المسلمين، وقال: أفسدت علينا عسلك. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٢٢١].
• وعن أبي سنان: أن عمر بن عبد العزيز ﵀ كان يسخن له الماء في
стр. 634
مطبخه، فقال لصاحب المطبخ: أين يسخن هذا الماء؟ قال: في المطبخ، قال: انظر منذ كم تسخنه في المطبخ فأخبرني به، قال: منذ كذا وكذا، قال: انظر ما ثمن ذلك الحطب، قال: كذا وكذا، فأخذه عمر فألقاه في بيت المال. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٢٣٥].
• وقال سكن الخرشي قال: جاءني يونس بن عبيد ﵀ بشاة، فقال: بعها وابرأ من أنها تقلب المعلف وتنزع الوتد، ولا تبرأ بعدما تبيع، بيِّن قبل أن تبيع. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٢٢٤].
• وعن زياد بن الربيع، عن أبيه قال: رأيت محمد بن واسع ﵀ بسوق مرْوَ يعرض حمارًا له على البيع، فقال له رجل: أترضاه لي؟ قال: لو رضيتُه لك لم أبِعْه. [صفة الصفوة ٣/ ١٩٣].
• وقال مالك بن دينار ﵀: كفى بالمرء خيانة أن يكون أمينًا للخَوَنة. [صفة الصفوة ٣/ ٢٠١].
• وعن أمية قال: كان يونس بن عبيد ﵀ يشتري الإبريسم من البصرة، فيبعث به إلى وكيله بالسوس وكان وكيله يبعث إليه بالخز، فإن كتب وكيله إليه أن المتاع عندهم زائد، لم يشتر منهم أبدًا حتى يخبرهم أن وكيله كتب إليه أن المتاع عندهم زائد. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٤٣٦].
• وعن غسان بن المفضل قال: جاءت امرأة بمطرف خز إلى يونس بن عبيد ﵀، فألقته إليه ليعرضه في السوق فنظر إليه. فقال لها: بكم؟ قالت: بستين درهمًا. قال: فألقاه إلى جاره. فقال: كيف تراه؟ قال: بعشرين ومائة قال: أرى ذلك ثمنه أو نحوًا من ثمنه. قال: فقال لها: اذهبي فاستأمري أهلك في بيعه بخمسة وعشرين ومائة. قالت: قد أمروني أن أبيعه بستين. قال: ارجعي إليهم فاستأمريهم. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٤٣٦].
• وقال أمية بن بسطام: جاءت يونس بن عبيد ﵀ امرأةٌ بجبّة خز، فقالت له: اشترِها فقال: بكم تبيعينها؟ قالت: بخمسمائة. قال: هي خير من ذلك. قالت: بستمائة. قال: هي خير من ذلك، فلم يزل يقول: هي خير من ذلك حتى بلغت ألفًا، وقد بذلَتْها بخمسمائة. [صفة الصفوة ٣/ ٢١٨].
стр. 635
• وعن الحسن بن عرفة أنه قال: قال عبد الله بن المبارك ﵀: استعرت قلمًا بأرض الشام، فذهب علي أن أرده إلى صاحبه، فلما قدمت مرو نظرت فإذا هو معي، فرجعت يا أبا علي إلى أرض الشام حتى رددته على صاحبه. [المنتظم ٩/ ٦٠].
• وعن وكيع حدثني أبي قال: كنت جالسًا مع زبيد ﵀ فأتاه رجل ضرير يريد أن يسائله. فقال له زبيد: إن كنت تريد أن تسألني عن شيء فإن معي غيري (١). [الحلية (تهذيبه) ٢/ ١٣٤].
• وعن علي بن المحسن التنوخي قال: كان عبد الصمد ﵀ يدق السعد في العطارين ويذهب مذهب التدين والتصون والتعفف والتقشف، فسمع عطارًا يهوديًا يقول لابنه: يا بني قد جربت هؤلاء المسلمين فما وجدت فيهم ثقة، فتركه عبد الصمد أيامًا ثم جاءه، فقال: أيها الرجل تستأجرني لحفظ دكانك. قال: نعم، وكم تأخذ مني؟ قال: ثلاثة أرطال خبز ودانقين فضة كل يوم، قال: قد رضيت، قال: فأعطني الخبز أدرارًا واجمع لي الفضة عندك فإني أريدها لكسوتي. فعمل معه سنة، فلما انقضت جاءه فحاسبه فقال: انظر إلى دكانك، قال: قد نظرت، قال: فهل وجدت خيانة أو خللاً، قال: لا والله، قال: فإني لم أرد العمل معك وإنما سمعتك تقول لولدك في الوقت الفلاني أنك لم تر في المسلمين أمينًا، فأردت أن أنقض عليك قولك وأعلمك أنه إذا كان مثلي وأنا أحد الفقراء على هذه الصورة فغيري من المسلمين على مثلها وما هو أكثر منها. ثم فارقه. [المنتظم ١٥/ ٥٥، ٥٦].
• وعن أبي الفضل محمد بن عامر ﵀ الوكيل (٢)، قال: دخلت يومًا إلى المخزن فلم يبق أحد إلا وأعطاني قصة وامتلأت أكمامي بالرقاع فلما رأيتها كثيرة قلت: لو كان هذا الخليفة أخي أو ابن عمي حتى أعرض عليه هذه
стр. 636
الرقاع لأعرض عني، وألقيتها في بركة ماء والقائم ينظر إليّ وأنا لا أعلم، فلما وقفت بين يديه أمر الخدم بأخذ الرقاع من البركة فتبادروا إليها وبسطوها في الشمس فكلما جفت قصة حملت إليه، فلما تأملها وقع عليها جميعها بأغراض أصحابها، ثم قال: يا عامي - وكان إذا ضجر يخاطبني بهذا - ما حملك على هذا الفعل، وهل كان عليك في إيصالها درك؟ فقلت: بل وقع لي أن الضجر يقع منها، فقال: ويحك ما أطلقنا من أموالنا شيئًا بل نحن وكلاء، فلا تعد إلى ما هذا سبيله، ومتى ورد عليك وارد فإياك أن تتقاصر (١)
عن أنصال قصته. [المنتظم ١٥/ ٢١٨، ٢١٩].
• وعن عبيد بن غنام أنه قال: حدثني أبي قال: مرض حفص بن غيّاث ﵀ القاضي - خمسة عشر يومًا فدفع إليّ مائة درهم فقال: امض بها إلى العامل وقل له: هذه رزق خمسة عشر يومًا لم أحكم فيها بين المسلمين لا حظ لي فيها. [المنتظم ١٠/ ٣٢].
стр. 637
الثبات على الدين والتضحية لأجله
• قال عبد الله بن مسعود ﵁: لا تكونن إمَّعة. قالوا: وما الإمَّعة؟ قال: يقول: أنا مع الناس، إن اهتدوا اهتديت وإن ضلوا ضللت، ألا ليوطِّننّ أحدكم نفسه على أنه إن كفر الناس أن لا يكفر. [صفة الصفوة ١/ ١٩٢].
• وقال محمد بن إسحاق: كان أمية بن خلف يخرج بلالاً ﵁ إذا حميت الظهيرة، فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة، فتوضع على صدره، ثم يقول له: لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزّى، فيقول وهو في ذلك البلاء: أحد أحد. [صفة الصفوة ١/ ١٩٩].
• وعن عون بن عمير بن إسحاق قال: كان بلال ﵁ إذا اشتدوا عليه في العذاب قال: أحدٌ أحدٌ. قال: فيقولون له: قل كما نقول. فيقول: إن لساني لا يحسنه. [المنتظم ٤/ ٢٩٧].
• وعن الشعبي قال: سأل عمر بلالاً عما لقي من المشركين، فقال خباب ﵁: يا أمير المؤمنين انظر إلى ظهري. فقال عمر: ما رأيت كاليوم. قال: أوقدوا لي نارًا فما أطفأها إلا ودك ظهري. [الحلية (تهذيبه) ١/ ١٢٨].
• وعن سعيد بن المسيب قال: لما أقبل صهيب ﵁ مهاجرًا نحو النبي ﷺ ، فاتبعه نفر من قريش، نزل عن راحلته، وانتثل ما في كنانته، ثم قال: يا معشر قريش لقد علمتم أني من أرماكم رجلاً، وأيم الله لا تصلون إلي حتى أرمي بكل سهم معي في كنانتي، ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي منه شيء، افعلوا ما شئتم، وإن شئتم دللتكم على مالي وثيابي بمكة وخليتم سبيلي؟ قالوا: نعم! فلما قدم على رسول الله ﷺ المدينة. قال: (ربح البيع أبا يحيى، ربح البيع أبا يحيى) قال: ونزلت: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ
стр. 638
ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ) الآية [البقرة: ٢٠٧]. [الحلية (تهذيبه) ١/ ١٣٢].
• وعن محمد قال: نبئت أن عبد الله بن عمر ﵁ كان يقول: إني لقيت أصحابي على أمر، وإني أخاف إن خالفتهم أن لا ألحق بهم. [صفة الصفوة ١/ ٢٦٨].
• وقال ابن الحنفية ﵀: إن الله جعل الجنة ثمنًا لأنفسكم، فلا تبيعوها بغيرها. [صفة الصفوة].
• وكان الحسن البصري ﵀ يقول: ليس العجب ممن عطب كيف عطب، إنما العجب ممن نجا كيف نجا. [الكامل في اللغة والأدب / ١٥٥].
• وعن أبي بكر بن أصرم قال: قيل لابن المبارك: ابن عون ﵀ بما ارتفع؟ قال: بالاستقامة. (١) [الحلية (تهذيبه) ١/ ٤٤٤].
• وعن وهب بن منبه ﵀ أنه قال: مر رجل عابد على رجل عابد، فقال: مالك؟ قال: أعجب من فلان إنه كان قد بلغ من عبادته ومالت به الدنيا فقال: لا تعجب ممن تميل به ولكن اعجب ممن استقام. [الزهد للإمام أحمد / ١٣٠، ١٣١].
• وعن ميمون بن الأصبغ قال: كنت ببغداد، فسمعتُ ضجّةً، فقلت: ما هذا؟ فقالوا: أحمد بن حنبل ﵀ يُمتحن. فدخلت، فلما ضُرِب سوطًا قال: بسم الله. فلما ضُرب الثاني قال: لا حول ولا قوّة إلا بالله. فلما ضُرب الثالث قال: القرآن كلام الله غيرُ مخلوق. فلما ضُرب الرابع قال: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا﴾ [التوبة: ٥١]، فضُرب تسعة وعشرين سوطًا. [صفة الصفوة ٢/ ٦١١].
• وعن عبد الله بن أحمد بن حنبل ﵀ قال: لمّا حضرتْ أبي الوفاةُ جلستُ عنده، وبيدي الخرقة لأشدّ بها لحييْه. فجعل يَعرق، ثم يَفيق. ثم يفتح عينيه، ويقول بيده هكذا: لا بعد لا بعد. ففَعل هذا مرّة وثانية. فلما كان في
стр. 639
الثالثة قلت له: يا أبة أيّ شيء هذا قد لهجْتَ به في هذا الوقت؟ تعرق حتى نقول: قد قضيت. ثم تعود، فتقول: لا بعد لا بعد.
فقال لي: يا بنيّ ما تدري ما قلت؟ قلت: لا. فقال: إبليس لعنه الله قائم حذائي عاضّ على أنامله يقول لي: يا أحمد فتّني. فأقول: لا بعد لا بعد حتى أموت. [صفة الصفوة ٢/ ٦١٥].
• وعن محمد بن إسحاق بن راهويه. قال: سمعت أبي يقول: لولا أحمد بن حنبل ﵀ وبذل نفسه لما بذلها له لذهب الإسلام. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ١٤٠].
• وعن إبراهيم بن محمد بن الحسن يقول: أدخل أحمد بن حنبل ﵀ على الخليفة - وكانوا هولوا عليه، وقد كان ضرب عنق رجلين - فنظر أحمد إلى أبي عبد الرحمن الشافعي فقال: أي شيء تحفظ عن الشافعي في المسح؟ فقال ابن أبي دؤاد: انظروا رجلاً هو ذا يقدم لضرب عنقه، يناظر في الفقه. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ١٤٧].
• وعن الربيع بن سليمان قال: رأيت البويطي ﵀ على بغل، وفي عنقه غِل، وفي رجليه قيد، وبين الغل والقيد سلسلة حديد، وفيها طوبة وزنها أربعون رطلاً، وهو يقول: إنما خلق الله الخلق بكُنْ، فإذا كانت كُنْ مخلوقة، فكان مخلوقًا خلق مخلوقًا، فوالله لأموتن في حديدي هذا حتى يأتي من بعدي قوم يعلمون أنه قد مات في هذا الشأن قوم في حديدهم، ولئن أدخلت إليه لأصدقنه - يعني الواثق -، قال الربيع: وكتب إليَّ من السجن يقول: إنه ليأتي علي أوقات لا أحس بالحديد أنه على بدني حتى تمسه يدي فإذا قرأت كتابي هذا فأحسن خُلُقَك مع أهل حلقتك، واستوصِ بالغرباء خاصة خيرًا، فكثيرًا ما كنت أسمع الشافعي ﵀ يتمثل بهذا البيت (١):
стр. 640
أهين لهم نفسي لكي يكرمونها … ولا تكرم النفس التي لا تهينها
[المنتظم ١١/ ١٧٥].
• وقال عبد العزيز بن أبي رواد ﵀: كان يقال: القول بالحق والصبر عليه يعدل بأعمال الشهداء. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٤/ ٦٠].
• وقال شيخ الإسلام الهروي ﵀: عُرضتُ على السيف خمسَ مرات لا يقال لي: ارجعْ عن مذهبك. لكن يقال لي: اسكت عمّن خالفك. فأقول: لا أسكُتُ. [السير (تهذيبه) ٣/ ١٤٣٧].
стр. 641
أحوال المنتكسين
• قيل لكرز بن وبرة ﵀: من ذا الذي يبغضه البر والفاجر؟ قال: العبد يكون من أهل الآخرة ثم يرجع إلى الدنيا. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ١٢٨].
• وقال الذهبي ﵀: كان بشر المريسي من كبار الفقهاء، ونَظَر في الكلام، فَغَلب عليه، وانسلَخَ من الوَرَع والتقوى، وجَرَّد القولَ بخلق القرآن، ودعا إليه، حتى كان عينَ الجَهمِيَّة في عصره وعالِمَهُم، فمقته أهلُ العلم، وكفّره عِدَّةٌ.
ذكره النديم، وأطنب في تعظيمه، وقال: كان دَيّنًا وَرِعًا متكلِّمًا. ثم حكى أنَّ البلخي قال: بلغَ من وَرَعِه أنه كان لا يَطأُ أهلَهُ ليلًا مخافَةَ الشُّبهَةِ ولا يتزَّوج إلا من هي أصغرُ منه بعشر سنين مخافَة أن تكونَ رضيعَتَه. [السير (تهذيبه) ٢/ ٨٦٧].
• وقال الذهبي ﵀: الملحد، عدوُّ الدين، أبو الحسن أحمد بن يحيى بن إسحاق الرِّيوندِي صاحبُ التصانيف في الحطِّ من المِلَّة، وكان يلازم الرَّافضة والملاحدة، فإذا عُوتِبَ قال: إنما أريدُ أن أعرفَ أقوالَهم.
قال ابن عقيل ﵀: عجبي كيف لم يُقتل! وقد صنَّف الدَّامغَ يدمغُ به القرآن، والزُّمُرُّدة يُزِري فيه على النُّبوَّات. وقال ابن الجوزي: فيه هذيان بارد لا يتعلَّق بشبهة! يقول فيه: إن كلام أكثم بن صيفي فيه ما هو أحسنُ من سورة الكوثر! وإن الأنبياء وقعوا بطَلاسِم. وألَّف لليهود والنَّصارى يحتجُّ لهم في إبطال نبوَّةِ سيِّدِ البشر.
قال البلخي: لم يكن في نظراء ابن الراوندي مثلُه في المعقول وكان أوّل أمره حَسَنَ السِّيرة، كثيرَ الحياء، ثم انسلَخَ من ذلك لأسباب وكان علمُهُ فوقَ عقله.
стр. 642
لعَنَ الله الذَّكاء بلا إيمان، ورضي الله عن البلَادَةِ مع التَّقوى (١). [السير (تهذيبه) ٣/ ١١٣٠].
• وقال الذهبي ﵀: عمران بن حطَّام بن ظبْيان، السَّدوسي البصريّ، من أعيان العُلماء، لكنَّه مِن رؤوس الخوارج.
عن ابن سيرين قال: تزوج عمران خارجيَّة وقال: سأردُّها، قال: فصرفته إلى مذهبها …
ومن شعره في مصرع عليٍّ ﵁:
يا ضربةً من تقيٍّ ما أراد بها … إلا لِيَبْلُغَ من ذي العرشِ رضوانا
إنِّي لأذكُرُهُ حينًا فأحسبُهُ … أوفى البريَّة عندَ الله ميزانا
[السير (تهذيبه) ١/ ٤٨١].
• وعن عبدة بن عبد الرحمن ﵀ قال: خرجنا في سرية إلى أرض الروم، فصحبنا شاب لم يكن فينا أقرأ للقرآن منه، ولا أفقه ولا أفرض، صائم النهار، قائم الليل، فمررنا بحصن فمال عنه العسكر، ونزل بقرب الحصن، فظننا أنه يبول، فنظر إلى امرأة من النصارى تنظر من وراء الحصن، فعشقها فقال لها بالرومية: كيف السبيل إليك؟ قالت: حين تنصَّر ويفتح لك الباب وأنا لك. قال: ففعل فأدخل الحصن، قال: فقضينا غزاتنا في أشد ما يكون من الغم، كأن كل رجل منا يرى ذلك بولده من صلبه، ثم عدنا في سرية أخرى، فمررنا به ينظر من فوق الحصن مع النصارى، فقلنا: يا فلان، ما فعلت قراءتك؟ ما فعل علمك؟ ما فعلت صلواتك وصيامك قال اعلموا أني نسيت القرآن كله ما أذكر منه إلا هذه الآية: ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ * ذَرْهُمْ يَاكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٢، ٣]. [المنتظم ١٢/ ٣٠٢].
стр. 643
• وقال ابن كثير ﵀: وهو (أي أحمد بن كليب الشاعر) أحد من هلك بالعشق. روى ابن الجوزي في المنتظم بسنده أن أحمد بن كليب هذا المسكين المغتر عشق غلاما يقال له "أسلم" من بني خالد، وكان فيهم وزارة - أي كانوا وزراء للملوك وحجابًا - فأنشد فيه أشعارًا تحدث الناس بها، وكان هذا الشاب أسلم يطلب العلم في مجالس المشايخ، فلما بلغه عن ابن كليب ما قال فيه استحى من الناس، وانقطع في داره، وكان لا يجتمع بأحد من الناس، فازداد غرام ابن كليب به حتى مرض من ذلك مرضًا شديدًا بحيث عاده منه الناس، ولا يدرون ما به، وكان في جملة من عاده بعض المشايخ من العلماء فسأله عن مرضه، فقال: أنتم تعلمون ذلك، ومن أي شيء مرضي، وفي أي شيء دوائي لو زارني أسلم ونظر إليَّ نظرة، ونظرته نظرة واحدة برأت، وإلا فأنا هالك، فرأى ذلك العالم أن من المصلحة أن لو دخل عليه أسلم، وسأله أن يزوره ولو مرة واحدة مختفيا، ولم يزل ذلك الرجل العالم بأسلم حتى أجابه إلى زيارته فانطلقا إليه فلما دخلا دربه تغيَّر الغلام، واستحى من الدخول عليه، ورجع، فحرص به الرجل كل الحرص ليدخل عليه فأبى وانصرف، فدخل الرجل على ابن كليب فذكر له ما كان من أمر أسلم معه، وقد كان غلامه دخل عليه قبل ذلك، وبشره بقدوم أسلم عليه، ففرح بذلك جدا، فلما تحقق رجوعه عنه اختلط كلامه واضطرب في نفسه وقال لذلك الرجل الساعي بينهما: اسمع يا أبا عبد الله واحفظ عني ما أقول، ثم أنشده:
أسلم يا راحة العليل … رفقا على الهائم النحيل
وصلك أشهى إلى فؤادي … من رحمة الخالق الجليلي
فقال له الرجل: ويحك اتق الله تعالى ما هذه العظيمة، فقال: قد كان. فخرج الرجل من عنده فما توسط الدار حتى سمع الصراخ عليه، وقد فارق الدنيا على ذلك.
وهذه زلة شنعاء، وعظيمة صلعاء، وداهية دهياء، ولولا أنَّ هؤلاء الأئمة ذكروها ما ذكرتها، ولكن فيها عبرة لأولي الألباب، وتنبيه لذوي البصائر
стр. 644
والعقول أن يسألوا الله رحمته وعافيته، وأن يستعيذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يرزقهم حسن الخاتمة عند الممات إنه كريم جواد. [البداية والنهاية ١٢/ ١٠٦.].
• وقال ابن الجوزي ﵀: سمعت شيخنا أبا الحسن علي بن عبيد الله الزَّاغُوني ﵀، يحكي أنّ رجلاً اجتاز بباب امرأة نصرانية، فرآها فهوِيَها من وقته، وزاد الأمرُ به حتى غلَب على عقْله، فحُمِل إلى المارِسْتان، وكان له صديق يتردّد إليه ويترسّل بينه وبينها، ثم زاد الأمر به، فقالت أمُّه لصديقه: إنِّي أجيء إليه ولا يُكلّمني. فقال: تعالي معي. فأتَتْ معه، فقال له: إنّ صاحبتك قد بعثت إليك برِسَالة، فقال: كيف؟ فقال: هذه أمك تؤدي رسالتها، فجعلت أمُّه تحدِّثه عنها بشيء منَ الكذب، ثم إنه زاد الأمر عليه، ونزل به الموت، فقال لصديقه: قد جاء الأجلُ وحان الوقت، وما لقِيت صاحبتي في الدنيا، وأنا أُريد أن ألقاها في الآخرة، فقال له: كيف تصنع؟ قال: أرْجِع عن دين محمدٍ، وأقول عيسى ومريم والصليب الأعظم. فقال ذلك ومات! فمضى صديقُه إلى تلك المرأة، فوجدها مريضة، فدخل عليها وجعل يحدّثها، فقالت: أنا ما لقيت صاحبي في الدنيا، وأريدُ أن ألقاه في الآخرة، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وأنا بريئة من دين النّصرانية. فقام أبوها فقال للرجل: خذوها الآن فإنها منكم. فقام الرجل ليخرج. فقالت له: قف ساعة. فوقف، فماتت. [ذم الهوى / ٣١٥].
• وقال أيضًا ﵀: وبلغني عن رجل كان ببغداد، يقال له صالح المُؤَذِّن، أذَّن أربعين سنة، وكان يُعرَف بالصّلاح، أنه صعد يومًا إلى المنارة ليؤذِّن، فرأى بنتَ رجلٍ نصرانيّ كان بيته إلى جانبِ المسجد، فافتَتَنَ بها، فجاء فطرَق الباب، فقالت: مَن؟ فقال: أنا صالحُ المؤذِّن، ففتَحت له، فلما دخل ضمّها إليه. فقالت: أنتم أصحاب الأمانات، فما هذه الخيانة؟! فقال: إنْ وافَقْتيني على ما أريد وإلاّ قتلتُكِ. فقالت: لا، إلا أن تترك دِينك. فقال: أنا برئ من الإسلام، ومما جاء به محمد. ثم دنا إليها. فقالت: إنّما قلتَ هذه لتقضي غرَضك ثم تعود إلى دينك، فكلْ من لحم الخنزير.
стр. 645
فأكل، قالت: فاشرَبِ الخمر. فشرب، فلما دبَّ الشّراب فيه دنا إليها، فدخلت بيتًا وأغلقَت الباب، وقالت: اصعد إلى السطح حتى إذا جاء أبي زوَّجني منك، فصعد فسقط فمات، فخرجتْ فلفَّتْه في مَسْح، فجاء أبوها فقصّت عليه القصّة، فأخرجه في الليل فرَماه في السِّكة، فظهر حديثُه، فرُمي في مزبلة!. [ذم الهوى / ٣١٥].
стр. 646
قصص من أسلم
• عن أنس بن مالك، قال: خرج عمر ﵁ متقلدًا بسيفه - أو قال: بالسيف - فلقيه رجل من بني زهرة، فقال: إلى أين تعمد يا عمر؟ قال: أريد أن أقتل محمدًا، قال: وكيف تأمن في بني هاشم وبني زهرة وقد قتلت محمدًا؟ قال: فقال عمر: ما أراك إلا قد صبوت وتركت دينك الذي أنت عليه، قال: أفلا أدلك على العجب يا عمر؟ إن ختنك وأختك قد صبوا وتركا دينك الذي أنت عليه.
قال: فمشى عمر ذامرًا حتى أتاهما وعندهما رجل من المهاجرين يقال له خباب. قال: فلما سمع خباب حس عمر توارى في البيت فدخل، فقال: ما هذه الهينمة التي سمعتها عندكم. وكانوا يقرأون طه، فقالا: ما عدا حديثا تحدثناه بيننا، قال: فلعلكما قد صبوتما؟ قال: فقال له ختنه: أرأيت يا عمر إن كان الحق في غير دينك؟ قال: فوثب عمر على ختنه فوطئه وطئًا شديدًا، فجاءت أخته فدفعته عن زوجها، فنفحها بيده نفحة فدمى وجهها، فقالت وهي غضبى: يا عمر، إن كان الحق في غير دينك أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله.
فلما يئس عمر، قال: أعطوني هذا الكتاب الذي عندكم فأقرأه - قال: وكان عمر يقرأ الكتب - فقالت أخته: إنك رجس ولا يمسه إلا المطهرون، فقم فاغتسل وتوضأ. قال: فقام عمر فتوضأ، ثم أخذ الكتاب فقرأ: ﴿طه … ﴾ [طه: ١] حتى انتهى إلى قوله: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]. قال: فقال عمر: دلوني على محمد.
فلما سمع خباب قول عمر خرج من البيت، فقال أبشر يا عمر، فإني
стр. 647
أرجو أن تكون دعوة رسول الله ﷺ لك ليلة الخميس: (اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب أو بعمرو بن هشام). قال: ورسول الله ﷺ في الدار التي في أصل الصفا.
فانطلق عمر حتى أتى الدار، قال: وعلى باب الدار حمزة وطلحة وأناس من أصحاب رسول الله ﷺ ، فلما رأى حمزة وَجَلَ القوم من عمر، قال حمزة: نعم فهذا عمر، فإن يرد الله بعمر خيرًا يسلم ويتبع النبي ﷺ ، وإن يرد غير ذلك يكن قتله علينا هينًا. قال: والنبي ﷺ داخلٌ يوحى إليه، قال: فخرج رسول الله ﷺ حتى أتى عمر، فأخذ بمجامع ثوبه وحمائل السيف، فقال: (ما أنت منتهيًا يا عمر حتى ينزل الله بك من الخزي والنكال ما أنزل بالوليد بن المغيرة؟ اللهم هذا عمر بن الخطاب، اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب). قال: فقال عمر: أشهد أنك رسول الله، فأسلم وقال: اخرج يا رسول الله. [المنتظم ٤/ ١٣٢ - ١٣٤].
• قال عمر: وقد كانوا مستخفين، وكان الرجل إذا أسلم تعلق الرجال به فيضربونه ويضربهم، فجئت إلى خالي فأعلمته، فدخل البيت وأجاف الباب، قال: وذهبت إلى رجل من كبار قريش فأعلمته، ودخل البيت، فقلت في نفسي: ما هذا بشيء، الناس يضربون وأنا لا يضربني أحد؟! فقال رجل: أتحب أن يعلم بإسلامك قلت: نعم، قال: إذا جلس الناس في الحجر فائت فلانًا وقل له صبوت فإنه قلَّ ما يكتم سرًا، فجئته فقلت: تعلم أني قد صبوت، فنادى بأعلى صوته إن ابن الخطاب قد صبأ، فما زالوا يضربوني وأضربهم، فقال خالي: يا قوم إني قد أجرت ابن أختي فلا يمسه أحد، فانكشفوا عني، فكنت لا أشاء أن أرى أحدًا من المسلمين يضرب إلا رأيته، فقلت: الناس يضربون ولا أضرب فلما جلس الناس في الحجر أتيت خالي، قال: قلت: تسمع؟ قال: ما أسمع؟ قلت: جوارك رد عليك، قال: لا تفعل، قال: فأبيت، قال: فما شئت، قال: فما زلت أضرب وأضرب حتى أظهر الله تعالى الإسلام. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٦٤].
• وعن عبد الواحد بن أبي عون الدوسي قال: كان الطفيل الدوسي ﵁
стр. 648
- وهو عمرو بن الطفيل - رجلاً شريفًا شاعرًا كثير الضيافة، فقدم مكة، فلقيه رجال من قريش، فقالوا: إنك قدمت بلادنا وهذا الرجل الذي بين أظهرنا قد أعضل بنا وفرق جماعتنا وشتت أمرنا، وإنما قوله كالسحر يفرق بين الرجل وبين أبيه وبين أخيه، وبين الرجل وزوجته، وإنا نخشى عليك وعلى قومك مثل ما دخل علينا منه، فلا تكلمه ولا تسمع منه. قال: فوالله ما زالوا بي حتى أجمعت أن لا أسمع منه شيئًا ولا أكلمه، فغدوت إلى المسجد وقد حشوت أذني قطنًا، فرقًا من أن يبلغني شيء من قوله، فكان يقال لي: ذو القطنتين.
قال: فغدوت يومًا إلى المسجد، فإذا رسول الله ﷺ قائم يصلي عند الكعبة، فقمت قريبًا منه فسمعت بعض قوله، فقلت في نفسي: واثكل أمي، والله إني لرجل لبيب شاعر ما يخفى عليَّ الحسن من القبيح، فما يمنعني من أن أسمع من هذا الرجل، فإن كان حسنًا قبلته، وإن كان قبيحًا تركته.
فمكثت حتى انصرف إلى بيته، فدخلت معه، فقلت: إن قومك قالوا لي كذا وكذا، فاعرض عليَّ أمرك، فعرض عليَّ الإسلام، وتلا القرآن، فقلت: لا والله ما سمعت قولاً قط أحسن من هذا ولا أعدل منه، فأسلمت، فقلت: يا نبي الله إني امرؤ مطاع في قومي، وإني راجع إليهم فداعيهم إلى الإسلام، فادع الله أن يكون لي عونًا عليهم، فقال: (اللهم اجعل له آية).
فخرجت إلى قومي حتى إذا كنت بثنية تطلعني على الحاضر وقع نور بين عيني مثل المصباح، فقلت: اللهم في غير وجهي، فإني أخشى أن يظنوا بي مُثْلَةً وقعت في وجهي لفراق دينهم، فتحول النور فوقع في رأس سوطي، فجعل الحاضر يتراءون ذلك النور في سوطي كالقنديل المعلق، فأتاني أبي فقلت له: إليك عني فإنك لست مني، ولست منك، قال: ولم يا بني؟ قلت: إني أسلمت واتبعت دين محمد، قال: يابني ديني دينك. قال: فقلت: فاذهب فاغتسل وطهر ثيابك، ففعل فجاء فعرضت عليه الإسلام، ثم أتتني صاحبتي، فقلت: إليك عني فلست منك ولست مني، قالت: ولم بأبي أنت؟ قلت: فرق بيني وبينك الإسلام، إني أسلمت واتبعت دين محمد، فقالت: ديني دينك،
стр. 649
فأسلمت، ثم دعوت دوسًا إلى الإسلام فأبطأوا عليَّ، ثم جئت رسول الله ﷺ فقلت: قد غلبتني دوس فادع الله عليهم، فقال (اللهم أهد دوسًا). وقال لي: (اخرج إلى قومك فادعهم وارفق بهم).
فخرجت أدعوهم حتى هاجر النبي ﷺ إلى المدينة ومضت بدر وأحد والخندق، ثم قدمت بمن أسلم من قومي ورسول الله ﷺ بخيبر، فأسهم لنا مع المسلمين، وقلنا: يا رسول الله اجعلنا في ميمنتك، واجعل شعارنا مبرور، ففعل.
فلم أزل مع النبي ﷺ حتى فتح مكة، فقلت: ابعثني يا رسول الله إلى ذي الكفين: صنم عمرو بن حممة أحرقه، فبعثه إليه فحرقه، فلما أحرقه بان لمن تمسك به أنه ليس على شيء فأسلموا جميعًا، ورجع الطفيل، فكان مع النبي ﷺ حتى مات.
فلما ارتدت العرب خرج مع المسلمين فجاهد، ثم سار مع المسلمين إلى اليمامة ومعه ابنه عمرو، فقتل الطفيل باليمامة. [المنتظم ٤/ ١٥٣، ١٥٤].
• وعن عبد الله بن الزبير قال: لما كان يوم فتح مكة هرب عكرمة بن أبي جهل ﵁ إلى اليمن، وخاف أن يقتله رسول الله ﷺ ، فجاءت زوجته إلى رسول الله ﷺ ، وكانت امرأته أم حليم بنت الحارث بن هشام امرأة لها عقل، وكانت قد اتبعت رسول الله ﷺ ، فقالت له: إن ابن عمي عكرمة قد هرب منك إلى اليمن، وخاف أن تقتله فأمِّنه، قال: (قد أمنته بأمان الله، فمن لقيه فلا يعرض له) فخرجت في طلبه، فأدركته في ساحل من سواحل تهامة وقد ركب البحر، فجعلت تلوح إليه وتقول: يا بن عم، جئتك من عند أوصل الناس، وأبر الناس، وخير الناس، لا تهلك نفسك وقد استأمنت لك فأمنك، فقال: أنت فعلت ذلك؟ قالت: نعم، أنا كلمته فأمنك، فرجع معها، فلما دنا من مكة قال رسول الله ﷺ لأصحابه: (يأتيكم عكرمة بن أبي جهل مؤمنًا مهاجرًا فلا تسبوا أباه، فإن سب الميت يؤذي الحي ولا يبلغ الميت).
قال: فقدم عكرمة فانتهى إلى باب رسول الله ﷺ وزوجته معه متنقبة، قال: فاستأذنت على رسول الله فدخلت فأخبرت رسول الله ﷺ بقدوم عكرمة،
стр. 650
فاستبشر ووثب قائمًا على رجليه وما على رسول ﷺ رداء فرحًا بعكرمة، وقال: أدخليه، فدخل، فقال: يا محمد، إن هذه أخبرتني أنك أمنتني، فقال رسول الله ﷺ : (صدقت وأنت آمن)، قال عكرمة: فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنك عبده ورسوله، وقلت: أنت أبر الناس، وأصدق الناس، وأوفى الناس، أقول ذلك وإني لمطأطئ الرأس استحياء منه: ثم قلت: يا رسول الله، استغفر لي كل عداوة عاديتكها أو مركب أَوْضَعْتُ فيه أريد به إظهار الشرك، فقال رسول الله ﷺ : (اللهم اغفر لعكرمة كل عداوة عادانيها، أو نطق بها أو مركب أوضع فيه يريد أن يصد عن سبيلك)، فقلت: يا رسول الله، مرني بخير ما تعلم فأعمله، قال: (قل أشهد أن لا إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وجاهد في سبيله) ثم قال عكرمة: أما والله يا رسول الله لا أدع نفقة كنت أنفقتها في صدٍ عن سبيل الله إلا أنفقت ضعفها في سبيل الله ولا قتالاً كنت أقاتل في صدٍ عن سبيل الله إلاَّ أبليت ضعفه في سبيل الله، ثم اجتهد في القتال حتى قتل شهيدًا يوم أجنادين في خلافة أبي بكر الصديق، وكان رسول الله ﷺ استعمله عام حج على هوازن بصدقتها. [المنتظم ٤/ ١٥٤، ١٥٥].
• وعن سلمان الفارسي ﵁، قال: كنت رجلاً فارسيًا من أهل أصبهان من قرية يقال لها جَيّ، وكان أبي دِهْقانَ قريته، وكنت أحب خلق الله إليه، فلم يزل به حبه إياي حتى حبسني في بيته كما تحبس الجارية، واجتهدت في المجوسية حتى كنت قاطن النار الذي يوقدها، لا يتركها تخبو ساعة.
وكان لأبي ضيعة عظيمة، فشغل في بنيان له يومًا، فقال لي: يا بني إني قد شغلت ببنائي هذا اليوم عن ضيعتي، فاذهب فاطلعها، وأمرني فيها ببعض ما يريد، فخرجت أريد ضيعته، فمررت بكنيسة من كنائس النصارى فسمعت أصواتهم فيها وهم يصلون، وكنت لا أدري ما أمر الناس لحبس أبي إياي في بيته، فلما مررت بهم وسمعت أصواتهم دخلت عليهم أنظر ما يصنعون.
فلما رأيتهم أعجبتني صلاتهم ورغبت في أمرهم وقلت: هذا والله خير من الدِّين الذي نحن عليه، فوالله ما تركتهم حتى غربت الشمس وتركت ضيعة أبي فلم آتها، فقلت لهم: أين أصْل هذا الدِّين؟ قالوا: بالشام.
стр. 651
ثم رجعت إلى أبي وقد بعث في طلبي وشغلته عن عمله كله، قال: فلما جئته قال: أي بني، أين كنت؟ ألم أكن عهدت إليك ما عهدت؟ قال: قلت: يا أبه، مررت بناس يصلون في كنيسة لهم، فأعجبني ما رأيت من دينهم، فوالله ما زلت عندهم حتى غربت الشمس. قال: أي بني، ليس في ذلك الدِّين خير، دينك ودين آبائك خير منه. قلت: كلا والله إنه لخير من ديننا.
فخافني فجعل في رجلي قيدًا ثم حبسني في بيته. وبعثت إلى النصارى فقلت لهم: إذا قدم عليكم ركب من الشام تجار من النصارى فأخبروني بهم، قال: فقدم عليهم ركب من الشام تجارًا من النصارى فأخبروني بهم، فقلت لهم: إذا قضوا حوائجهم وأرادوا الرجعة إلى بلادهم فآذنوني بهم. قال: فلما أرادوا الرجعة إلى بلادهم أخبروني بهم، فألقيت الحديد من رجلي ثم خرجت معهم حتى قدمت الشام، فلما قدمتها قلت: من أفضل أهل هذا الدِّين؟ قالوا: الأسقف في الكنيسة. فجئته فقلت: إني قد رغبت في هذا الدِّين وأحببت أن أكون معك أخدمك في كنيستك وأتعلم منك وأصلي معك. فدخلت معه.
وكان رجل سَوْءٍ يأمرهم بالصدقة ويرغبهم فيها، فإذا جمعوا إليه منها شيئًا اكتنزه لنفسه ولم يعطه المساكين، حتى جمع سبع قلال من ذهب وورق، وأبغضته بغضًا شديدًا لما رأيته يصنع، ثم مات فاجتمعت إليه النصارى ليدفنوه، فقلت لهم: إن هذا كان رجل سوء، يأمركم بالصدقة ويرغبكم فيه، فإذا جئتموه بها اكتنزها لنفسه ولم يعط المساكين منها شيئًا. قالوا: وما علمك بذلك؟ قلت: أنا أدلكم على كنزه، قالوا: فدلنا عليه. قال: فأريتهم موضعه فاستخرجوا منه سبع قلال مملوءة ذهبًا وورقًا، قال: فلمَّا رأوها قالوا: والله لا ندفنه أبدًا. فصلبوه ثم رجموه بالحجارة.
ثم جاؤوا برجل آخر فجعلوه مكانه، فما رأيت رجلاً لا يصلي الخمس أرى أنه أفضل منه ولا أزهد في الدنيا ولا أرغب في الآخرة ولا أدأب ليلاً ولا نهارًا منه.
فأحببته حبًا لم أحبه أحدًا من قبله، فأقمت معه زمانًا ثم حضرته الوفاة، فقلت له: يا فلان إني كنت معك وأحببتك حبًا لم أحبه أحدًا من قبلك، وقد
стр. 652
حضرك ما ترى من أمر الله، فإلى من توصي بي وما تأمرني؟ قال: أي بني، والله ما أعلم أحدًا اليوم على ما كنت عليه، لقد هلك الناس وبدلوا، وتركوا أكثر ما كانوا عليه إلا رجلاً بالموصل وهو فلان، فهو على ما كنت عليه، فالحق به.
قال: فلما مات وغيب لحقت بصاحب الموصل، فقلت له: يا فلان، إن فلانًا أوصاني عند موته أن ألحق بك، وأخبرني أنك على أمره. قال: فقال لي: أقم عندي. قال: فأقمت عنده فوجدته خير رجل على أمر صاحبه، فلم يلبث أن مات، فلما حضرته الوفاة قلت له: يا فلان، إن فلانًا أوصى بي إليك وأمرني باللحوق بك، وقد حضرك من أمر الله ما ترى، فإلى من توصي بي وما تأمرني؟ قال: أي بني، والله ما أعلم رجلاً على مثل ما كنا عليه إلا رجلاً بنصيبين، وهو فلان فالحق به.
قال: فلما مات وغيب لحقت بصاحب نصيبين، فجئت فأخبرته خبري وما أمرني به صاحبي. قال: فأقم عندي، فأقمت عنده فوجدته على أمر صاحبيه، فأقمت مع خير رجل، فوالله ما لبث أن نزل به الموت، فلما حضره قلت له: يا فلان إن فلانًا كان أوصى بي إلى فلان ثم أوصى بي إليك فإلى من توصي بي، وما تأمرني؟ قال: أي بني، والله ما أعلم أحدًا بقي على أمرنا آمرك أن تأتيه إلا رجلاً بعمُّورية، فإنه على مثل ما نحن عليه، فإن أحببت فأته فإنه على أمرنا.
قال: فلما مات وغيب لحقت بصاحب عمُّورية، وأخبرته خبري، فقال: أقم عندي، فأقمت عند رجل على هدي أصحابه وأمرهم، واكتسبت حتى كانت لي بقرات وغنيمة، قال: ثم نزل به أمر الله فلما احتضر قلت له: يا فلان، إني كنت مع فلان فأوصى بي فلان إلى فلان، وأوصاني فلان إليك، فإلى من توصي بي وما تأمرني؟ قال: أي بني، والله ما أعلم أنه أصبح على ما كنا عليه أحد من الناس آمرك أن تأتيه، ولكن قد أظلك زمان نبي مبعوث بدين إبراهيم يخرج بأرض العرب مهاجرًا إلى أرض بين حَرّتَينِ بينهما نخل، به علامات لا تخفى، يأكل الهديَّة ولا يأكل الصدقة، بين كتفيه خاتم النبوة، فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل.
стр. 653
قال: ثم مات وغيب، فمكثت بعمورية ما شاء الله أن أمكث، ثم مر بي نفر من كَلْبٍ تُجَّارًا، فقلت لهم: تحملوني إلى أرض العرب وأعطيكم بقراتي هذه وغنمي هذه؟ قالوا: نعم، فأعطيتهم إياها وحملوني حتى إذا قدموا بي وادي القرى ظلموني فباعوني من رجل من يهود، فكنت عنده، ورأيت النخل ورجوت أن تكون البلد الذي وصف لي صاحبي ولم يحق لي في نفسي.
فبينما أنا عنده قدم عليه ابن عم له بالمدينة من بني قريظة فابتاعني منه، فاحتملني إلى المدينة، فوالله ما هو إلا أن رأيتها فعرفتها بصفة صاحبي، فأقمت بها، وبعث الله رسول الله ﷺ . فأقام بمكة ما أقام لا أسمع له بذكر مع ما أنا فيه من شغل الرق. ثم هاجر إلى المدينة، فوالله إني لفي رأس غدق لسيدي أعمل فيه بعض العمل، وسيدي جالس، إذْ أقبل ابن عم له حتى وقف عليه، فقال له: يا فلان قاتل الله بني قَيْلَةَ، والله إنهم الآن لمجتمعون بقباء على رجل قدم عليهم من مكة اليوم يزعم أنه نبي. قال: فلما سمعتها أخذتني العُرَواءُ (١) حتى ظننت أني سأسقط على سيدي، ونزلت من النخلة فجعلت أقول لابن عمه: ماذا تقول؟ ماذا تقول؟ قال: فغضب سيدي، فلكمني لكمة شديدة ثم قال: ما لك ولهذا أقبل على عملك، قلت: لا شيء إنما أردت أن أَسْتَثبتَهُ عما قال. وقد كان عندي شيء قد جمعته، فلما أمسيت أخذته ثم ذهبت به إلى رسول الله ﷺ وهو بقباء، فدخلت عليه فقلت له: إنه قد بلغني أنك رجل صالح ومعك أصحاب لك غرباء ذوو حاجة، وهذا شيء كان عندي للصدقة، فرأيتكم أحق به من غيركم. قال: فقربته إليه، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: كلوا، وأمسك يده فلم يأكل. قال: فقلت في نفسي: هذه واحدة، ثم انصرفت عنه فجمعت شيئًا، وتحول رسول الله ﷺ إلى المدينة ثم جئته به فقلت: إني رأيتك لا تأكل الصدقة، وهذه هدية أكرمتك بها، قال: فأكل رسول الله ﷺ منها وأمر أصحابه فأكلوا معه. قال: فقلت في نفسي: هاتان اثنتان.
стр. 654
قال: ثم جئت رسول الله ﷺ وهو ببقيع الغرقد قد تبع جنازة رجل من أصحابه عليه شملتان وهو جالس في أصحابه، فسلمت عليه ثم استدبرت أنظر إلى ظهره هل أرى الخاتم الذي وصف لي، فأتيته وهو جالس، فلما رآني رسول الله ﷺ استدبرته عرف أني استثبت في شيء وصف لي قال: فألقى رداءه عن ظهره فنظرت إلى الخاتم فعرفته، فانكببت عليه أقبله وأبكي، فقال رسول الله ﷺ : تحول فتحولت، فقصصت عليه حديثي كما حدثتك يا ابن عباس، فأحب رسول الله ﷺ أن يسمع ذلك أصحابه. [المنتظم ٥/ ٢٠ - ٢٥].
• وقال عمرو بن العاص ﵁: كنت للإسلام مجانبًا معاندًا، حضرت بدرًا مع المشركين فنجوت، ثم حضرت أحدًا فنجوت، ثم حضرت الخندق فنجوت، فقلت في نفسي: كم أوضع؟ والله ليظهرن محمد على قريش فلم أحضر الحديبية ولا صلحها، وانصرف رسول الله ﷺ بالصلح، ورجعت قريش إلى مكة، فجعلت أقول: يدخل محمد إلى مكة بأصحابه، ما مكة لنا بمنزل ولا الطائف، وما شيء خير من الخروج، وأنا بعد نأي عن الإسلام، أرى لو أسلمت قريش كلها لم أسلم، فقدمت مكة، فجمعت رجالاً من قومي كانوا يرون رأيي ويسمعون مني، ويقدموني فيما نابهم، فقلت لهم: كيف أنا فيكم؟ قالوا: ذو رأينا ومدد وهننا مع يمن نَقِيبة وبركة أمر، قلت: تعلمون والله إني لأرى أمر محمد يعلو الأمور علوًا منكرًا، وإني قد رأيت رأيًا، قالوا: ما هو؟ قلت: نلحق بالنجاشي فنكون عنده فإن يظهر محمد كنا عند النجاشي تحت يديه أحب إلينا أن نكون تحت يدي محمد، وإن تظهر قريش فنحن من قد عرفوا، قالوا: هذا الرأي، قلت فاجمعوا ما تهدون له، وكان أحب ما يهدى إليه من أرضنا الأدم، فجمعنا أدمًا كثيرًا ثم خرجنا فقدمنا على النجاشي فوالله إنا لعنده إذ جاء عمرو بن أمية الضمري، وكان رسول الله ﷺ قد بعثه إليه بكتاب كتبه إليه يزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان، فدخل عليه ثم خرج من عنده، فقلت لأصحابي: هذا عمرو بن أمية الضمري، ولو قد دخلت على النجاشي سألته إياه فأعطانيه فضربت عنقه، فإذا فعلت ذلك سررت قريشًا وكنت قد أجزأت عنها حين قتلت رسول محمد.
стр. 655
فدخلت على النجاشي فسجدت له كما كنت أصنع، فقال: مرحبًا بصديقي، أهديت لي من بلادك شيئًا؟ قلت: نعم أيها الملك، أهديت لك أدْمًا كثيرًا، ثم قربته إليه فأعجبه، وفرق منه أشياء بين بطارقته، وأمر بسائره فأدخل في موضع، فلما رأيت طيبة نفسه قلت: أيها الملك، إني رأيت رجلاً خرج من عندك وهو رسول رجل هو عدونا، وقد وترنا وقتل أشرافنا وخيارنا فأعطنيه فأقتله، فغضب ورفع يده فضرب بها أنفي ضربة ظننت أنه كسره، وابتدرت منخراي فجعلت أتلقى الدم بثيابي وأصابني من الذل ما لو شقت الأرض دخلت فيها فرقًا منه، فقلت له: أيها الملك، لو ظننت أنك تكره ما قلت ما سألتك إياه.
قال: فاستحيا وقال: يا عمرو، تسألني أن أعطيك رسول رسول الله ﷺ ، من يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى، والذي كان يأتي عيسى أعطيكه لتقتله؟ قال عمرو: وغير الله قلبي عما كنت عليه وقلت في نفسي: عرف هذا الحقَ العربُ والعجمُ وتخالف أنت! قلت: وتشهد أيها الملك بهذا؟ قال: نعم أشهد به عند الله يا عمرو فأطعه واتبعه، والله إنه لعلى الحق، وليظهرن على كل من خالفه كما ظهر موسى على فرعون وجنوده، قلت: أتبايعني له على الإسلام، قال: نعم، فبسط يده فبايعته على الإسلام، ودعى لي بطست فغسل عني الدم وكساني ثيابًا وكانت ثيابي قد امتلأت من الدم فألقيتها ثم خرجت إلى أصحابي، فلما رأوا كسوة الملك سروا بذلك، وقالوا: هل أدركت من صاحبك ما أردت؟ فقلت لهم: كرهت أن أكلمه في أول مرة وقلت: أعود إليه، قالوا: الرأي ما رأيت، وفارقتهم وكأني أعمد لحاجة، فعمدت إلى موضع السفن فوجدت سفينة قد شحنت تدفع، فركبت معهم ودفعوها من ساعتهم حتى انتهوا إلى الشعبية، فخرجت بها ومعي نفقة واتبعت بعيرًا وخرجت أريد المدينة حتى أتيت على مر الظهران، ثم مضيت حتى إذا كنت بالهدة إذا رجلان قد سبقا في بعير كبير يريدان منزلاً وأحدهما دخل في خيمة والآخر قائم يمسك الراحلتين، فنظرت فإذا خالد بن الوليد، فقلت: أبا سليمان، قال: نعم، قلت: أين تريد؟ قال: محمدًا، دخل الناس في الإسلام فلم
стр. 656
يبق أحد به طعم، والله لو أقمنا لأخذ برقابنا كما يؤخذ برقبة الضبع في مغارتها، قلت: والله وأنا قد أردت محمدًا وأردت الإسلام.
وخرج عثمان بن طلحة فرحب بي فنزلنا جميعًا في المنزل ثم ترافقنا حتى قدمنا المدينة، فما أنسى قول رجل لقينا ببئر أبي عتبة يصيح: يا رباح يا رباح، فتفاءلنا بقوله وسررنا، ثم نظر إلينا فسمعته يقول: قد أعطيت مكة المقادة بعد هذين، فظننت أنه يعنيني ويعني خالد بن الوليد، ثم ولى مدبرًا إلى المسجد سريعًا، فظننت أنه يبشر رسول الله ﷺ بقدومنا، وكان كما ظننت، وأنخنا بالحرة فلبسنا من صالح ثيابنا، ونودي بالعصر فانطلقنا جميعًا حتى طلعنا عليه ﷺ وإن لوجهه تهللاً والمسلمون حوله قد سروا بإسلامنا، فتقدم خالد بن الوليد فبايع، ثم تقدم عثمان فبايع، ثم تقدمت، فوالله ما هو إلا أن جلست بين يديه فما استطعت أن أرفع طرفي إليه حياءً منه، فبايعته على أن يغفر لي ما تقدم من ذنبي، فقال: (إن الإسلام يجب ما كان قبله، والهجرة تجب ما كان قبلها).
فوالله ما عدل بي رسول الله ﷺ وبخالد أحدًا من أصحابي في أمر حربه من حين أسلمنا، ولقد كنا عند أبي بكر بتلك المنزلة، ولقد كنت عند عمر بن الخطاب بتلك الحال. [المنتظم ٥/ ١٩٦، ١٩٨].
• وعن يحيى بن أكثم ﵀ أنه قال: كان المأمون قبل تقلده الخلافة يجلس للنظر، فدخل يهودي حسن الوجه، طيب الرائحة، حسن الثوب، فتكلم فأحسن الكلام، فلما تقوَّض المجلس دعاه المأمون فقال له: إسرائيلي؟ قال: نعم. قال: أسلم حتى أفعل لك وأصنع. فقال: ديني ودين آبائي فلا تكشفني. فتركه، فلما كان بعد سنة جاءنا وهو مسلم فتكلم في الفقه، فأحسن الكلام، فلما تقوض المجلس دعاه المأمون فقال: ألست صاحبنا؟ قال: نعم. قال: أي شيء دعاك إلى الإسلام، وقد كنت عرضته عليك فأبيت؟ قال: إني أحسن الخط، فمضيت فكتبت ثلاث نسخ من التوراة، فزدت فيها ونقصت وأدخلتها الكنيسة، فبعتها، فاشتُريت. قال: وكتبت ثلاث نسخ من الإنجيل، فزدت فيها ونقصت فأدخلتها إلى البيعة فاشتريت مني. قال: وعمدت إلى القرآن فكتبت
стр. 657
ثلاث نسخ فزدت فيها ونقصت، وأدخلتها إلى الوراقين، فكلما تصفحوها قرؤوا الزيادة والنقصان ورموا بها، فعلمت أن هذا الكتاب محفوظ، فكان سبب إسلامي.
فحججت فرأيت سفيان بن عيينة فحدثته بهذا الحديث فقال لي: مصداق هذا في كتاب الله . قلت: في أي موضع؟ قال: في قوله في التوراة والإنجيل: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاء﴾ [المائدة: ٤٤] فجعل حفظه إليهم فضاع. وقال الله : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر ٩] فحفظه الله تعالى علينا فلم يضع. [المنتظم ١٠/ ٥١].
• وقال ابن القيم ﵀: قيل لبعض الأعراب - وقد أسلم - لما عرف دعوته ﵊ عن أي شيء أسلمت؟ وما رأيت منه مما دلك على أنه رسول الله؟ فقال: ما أمر بشيء فقال العقل: ليته نهى عنه، ولا نهى عن شيء فقال العقل ليته أمر به، ولا أحل شيئا فقال العقل ليته حرمه، ولا حرم شيئا فقال العقل: ليته أباحه. [مدارج السالكين ١/ ٤٢٨].
стр. 658
التوبة والرجوع إلى الله
• قال عمر بن الخطاب ﵁: جالسوا التوابين فإنهم أرق شيء أفئدة. (١) [الحلية (تهذيبه) ١/ ٧١].
• وقال علي بن أبي طالب ﵁: إني لأرجو أن يكون توبة العبد من ذنبه: ندامته عليه. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٣/ ٣٨٨].
• وعن الأشعث ﵀، قال: دخلت السجن فإذا الفرزدق في السجن وإذا هو يقرض شعراً، فقال: إني لقيت أبا هريرة ﵁ فقال: يا فرزدق، إني أراك صغير القدمين، فالتمس لهما موضعاً عند الحوض، فقلت: إني قد عملت كذا، وعملت كذا فقال: إن التوبة لا تزال تقبل ما لم تطلع الشمس من مغربها عمل عبدٌ ما عمل من شيء. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٣/ ٣٩٠].
• وعن الأسود وعلقمة رحمهما الله عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: إني لأعلم آيتين في كتاب الله لا يقرؤهما عبدٌ عند ذنب يصيبه ثم يستغفر الله إلا غُفر له، قلنا: أي آيتين في كتاب الله؟ فلم يخبرنا ففتحنا المصحف، فقرأنا البقرة فلم نصب شيئاً، ثم قرأنا النساء - وهي في تأليف عبد الله على إثرها - فانتهينا إلى هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠] قلت: أمسك هذه، ثم انتهينا في آل عمران إلى هذه التي يذكر فيها: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥] ثم أطبقنا المصحف، وأخبرنا بهما عبد الله: فقال: هما هاتان. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٣/ ٣٩٢].
стр. 659
• وعن أبي هاشم الرماني، قال: قال زاذان: كنت غلاما حسن الصوت، جيد الضرب بالطنبور، فكنت مع صاحب لي وعندنا نبيذ وأنا أغنيهم، فمر ابن مسعود ﵁ فدخل فضرب الباطية (١) بددها وكسر الطنبور، ثم قال: لو كان ما يسمع من حسن صوتك يا غلام بالقرآن كنت أنت أنت، ثم مضى. فقلت لأصحابي: من هذا؟ قالوا: هذا ابن مسعود، فألقى في نفسي التوبة، فسعيت أبكي، وأخذت بثوبه، فأقبل علي فاعتنقني وبكى وقال: مرحبا بمن أحبه الله، اجلس، ثم دخل وأخرج لي تمرًا. [السير (تهذيبه) ١/ ٤٩٨].
• وعن عبد الله بن المبارك ﵀، أنه كان يتمثل:
وكيف تحب أن تدعى حكيمًا … وأنت لكل ما تهوى ركوب
وتضحك دائبا ظهرًا لبطن … وتذكر ما عملت فلا تذوب
[موسوعة ابن أبي الدنيا ٣/ ٣٨٨].
• وعن عبد الله بن عون ﵀ قال: لو أن رجلًا انقطع إلى هؤلاء الملوك في الدنيا لانتفع، فكيف بمن ينقطع إلى من له السموات والأرض وما بينهما، وما تحت الثرى؟. [صفة الصفوة ٣/ ٢٢٢].
• وقال أيضًا ﵀: قلب التائب بمنزلة الزجاجة يؤثر فيها جميع ما أصابها، والموعظة إلى قلوبهم سريعة، وهم إلى الرقة أقرب، فداووها من الذنوب بالتوبة، فلرب تائب دعته توبته إلى الجنة حتى أوفدته عليها، وجالسوا التوابين فإن رحمة الله إلى التوابين أقرب. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٩٨].
• وقال أيضًا ﵀: اهتمام العبد بذنبه داع إلى تركه، وندمه عليه مفتاح للتوبة، ولا يزال العبد يهتم بالذنب يصيبه حتى يكون أنفع له من بعض حسناته. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٩٨].
• وقالت رابعة العدوية رحمها الله: أستغفر الله مِنْ قلَّةِ صدقي في قولي: أسْتَغْفر الله. [صفة الصفوة ٤/ ٢٩٢].
стр. 660
• وقال يحيى بن معاذ ﵀: للتائب فخر لا يعادله فخر، فرح الله بتوبته. [صفة الصفوة ٣/ ٣٤٢].
• وعن الربيع بن خثيم ﵀ أنه قال لأصحابه: تدرون ما الداء والدواء والشفاء؟ قالوا: لا. قال: الدّاءُ الذّنُوبُ، والدواءُ الاستغفارُ، والشفاءُ أن تتوب فلا تعود. [صفة الصفوة ٣/ ٤٢].
• وقال بعضهم: [البداية والنهاية ١٢/ ٦٣].
أَسيرُ الخَطايا عندَ بابِك واقفُ … على وَجَلٍ مما به أنت عارفُ
يَخَاُف ذُنوبًا لم يَغِبْ عنك غيبُها … ويَرْجُوك فيها فهو راجٍ وخائفُ
ومَن ذا الذي يُرْجَى سواك ويُتَّقَى … وما لك في فَصْلِ القَضاء مُخالفُ
فيا سيِّدي لا تُخْزِني في صَحِيفتي … إذا نُشرت يومَ الحسابِ الصَّحائِف
وكُنْ مُؤْنِسي في ظُلْمة القَبْرِ عندَ ما … يَصُدُّ ذَوُو القُرْبَى ويجْفُو المُؤالَفُ
لئن ضاق عني عَفْوُك الواسعُ الذي … أُرَجِّي لإِسْرافي فإنيَ تالِفُ
• وقال الأصمعي: كنت بالبادية أُعلِّمُ القرآن، فإذا أنا بأعرابي بيدِهِ سَيْفٌ يقطع الطريق، فلما دنا منِّي ليأخذ ثيابي قال لي: يا حَضَريُّ، ما أدخلك البدو؟ قلت: أُعَلِّم القرآن. قال: وما القرآن؟ قلت: كلام الله. قال: ولله كلام؟ قلت: نعم. قال: فأنشِدني منه بيتًا فقلت: ﴿وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢] قال: فرمى بالسيف من يده، وقال: أستغفر الله، رزقي في السماءِ وأنا أطلبه في الأرض، ثم لقيتُه بعد سنةٍ في الطوَاف، فقال: ألستُ صاحبك بالأمس؟ قلت: بلى. قال: فأنشدني بيتًا آخر فقلت: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٣] قال: فوقف وبكَى وجعل يقول: ومَن ألجأه إلى اليمين؟ فلم يزل يرددها حتى سقط ميتًا. [صفة الصفوة ٤/ ٥٥٤].
• وقال بعضهم: [البداية والنهاية ١٠/ ٣٠٧].
إذا ما خلوت الدهر يومًا فلا تقلْ … خلوت ولكنْ قُل عليَّ رقيبُ
ولا تحسبنَّ الله يغفل ساعةً … ولا أنّ ما يخفى عله يغيبُ
стр. 661
لهونا لعمر الله حتى تتابعتْ … ذنوبٌ على آثارهن ذنوب
فيا ليت أن الله يغفر ما مضى … ويأذن في توباتنا فنتوب
• وعن بكر بن عبد الله المزني ﵀؛ أن قصابًا أولع بجارية لبعض جيرانه فأرسلها مولاها إلى حاجة لهم في قرية أخرى فتبعها فراودها عن نفسها. فقالت: لا تفعل لأنا أشد حبًا لك منك ولكني أخاف الله. قال: فأنت تخافينه وأنا لا أخافه! فرجع تائبًا فأصابه العطش حتى كاد ينقطع عنقه، فإذا هو برسول لبعض أنبياء بني إسرائيل فسأله فقال: مالك؟ قال: العطش قال: تعال حتى ندعو حتى تظلنا سحابة حتى ندخل القرية. قال: مالي من عمل فأدعو قال: فأنا أدعو وأمِّن أنت قال: فدعا الرسول وأمن هو فأظلتهما سحابة حتى انتهيا إلى القرية، فأخذ القصاب إلى مكانه، ومالت السحابة معه. فقال له: زعمت أن ليس لك عمل، وأنا الذي دعوت، وأنت الذي أمنت، فأظلتنا سحابة ثم تبعتك. لتخبرني بأمرك فأخبره. فقال له الرسول: إن التائب من الله بمكان ليس أحد من الناس بمكانه. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٣٧٢].
• وعنه ﵀ قال: أنتم تكثرون من الذنوب، فاستكثروا من الاستغفار، فإن الرجل إذا وجد في صحيفته بين كل سطرين استغفارًا سره مكان ذلك. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٣٧٢].
• وعن سعيد بن جبير ﵀؛ أنه قيل له: من أعبد الناس؟ قال: رجل اجترح من الذنوب، فكلما ذكر ذنوبه احتقر عمله. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ١٠٥].
• وعن سعيد الجريري قال: قلت للحسن ﵀: يا أبا سعيد الرجل يذنب ثم يتوب، ثم يذنب ثم يتوب، ثم يذنب ثم يتوب، حتى متى؟ قال: ما أعلم هذا إلا أخلاق المؤمنين. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٣١٥].
• وعن أبي قلابة ﵀ قال: إن الله تعالى لما لعن إبليس سأله النظرة فأنظره إلى يوم الدين، فقال: وعزتك لا أخرج من جوف - أو من قلب - ابن آدم ما دام فيه الروح. قال: وعزتي لا أحجب عنه التوبة ما دام فيه الروح. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٣٩٢].
стр. 662
• وقال أبو عياش القطان ﵀: بلغنا أنه كانَ مَلِكٌ كثير المال، وكانت له ابنة لم يكن له ولدٌ غيرها، وكان يحبها حبًا شديدًا. وكان يُلهيها بصُنُوف اللهو، فمكث كذلك زمانًا، وكان إلى جانب الملك عابدٌ. فبينا هو ذات ليلة يقرأ إذ رفع صوته وهو يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦] فسمعت الجارية قراءَته، فقالت لجواريها: كُفّوا، فلم يكفّوا. وجعل العابد يردد الآية والجارية تقول لهم: كفّوا، فلم يكفوا، فوضعت يدها في جيبها فشقت ثيابها فانطلقوا إلى أبيها فأخبروه بالقصّة، فأقبل إليها فقال: يا حبيبتي ما حالُكِ منذ الليلة؟ ما يبكيك؟ وضمَّها إليه، فقالت: أسألك بالله يا أبهْ، لله دارٌ فيها نارٌ وقودها الناس والحجارة؟ قال: نعم. قالت: وما يمنعك يا أبَهْ أن تخبرني؟ والله لا أكلت طيِّبًا ولا نمت على ليّن حتى أعلم أين منزلي في الجنة أو النار. [صفة الصفوة ٤/ ٥٩٠].
• وعن طَلق بن حبيب ﵀، قال: إنَّ حقوق الله أعظمُ مِن أن يقومَ بها العباد، وإنَّ نعم الله أكثر من أن تُحصى، ولكن أصْبِحوا تائبين، وامْسُوا تائبين. [السير (تهذيبه) ٢/ ٥٦٧].
• وقال المتنبِّي:
يا من ألوذ به فيما أؤمِّلُه … ومن أعوذ به مما أحاذرُهُ
لا يجبُرُ الناسُ عظمًا أنت كاسره … ولا يهيضون عظمًا أنت جابرُهُ
قال ابن كثير ﵀: وقد بلغني عن شيخنا العلاَّمة أبي العباس أحمد ابن تيميّةَ، ﵀، أنه كان ينكرُ على المتنبِّي هذه المبالغة ويقول: إنما يصلحُ هذا لجناب الله .
وأخبرني العلاّمة شمس الدِّينِ ابن القيِّم ﵀، أنه سمع الشيخ يقول: ربما قلتُ هذين البيتيْن في السجود. [البداية والنهاية ١١/ ٣٣٢].
• وعن عمر بن ذر ﵀ قال: كُلُّ حزن يبلى إلا حزن التائب عن ذنوبه. [السير (تهذيبه) ٢/ ٦٦٠].
стр. 663
• وعن الفضل بن موسى، قال: كان الفُضيل بن عياض ﵀ شاطرًا يقطعُ الطريقَ بين أَبِيوَرْد وسَرْخس، وكان سببُ توبته أنه عشق جارية، فبينا هو يرتقي الجدران إليها، إذ سمع تاليًا يتلو ﴿أَلَمْ يَانِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُون﴾ [الحديد ١٦] فَلَما سَمِعها، قال: بلى يا رب، قد آن، فرجع، فآواه الليلُ إلى خَرِبة، فإذا فيها سابلة، فقال بعضهم: نرحل، وقال بعضهم: حتى نصبحَ فإن فُضَيلًا على الطريق يقطعُ علينا.
قال: ففكرت، وقلت: أنا أسعى بالليل في المعاصي، وقومٌ من المسلمين ها هنا يخافوني، وما أرى الله ساقني إليهم إلا لأرتدعَ، اللهمَّ إني قد تبتُ إليك، وجعلتُ توبتي مجاورة البيت الحرام. [السير (تهذيبه) ٢/ ٧٧٣].
• وعن أبي حسن بن اليسع قال: لقي عبد الواحد بن زيد عتبة الغلام ﵀ في رحبة القصابين في يوم شات شديد البرد، فإذا هو يرفض عرقًا، فقال له عبد الواحد: عتبة! قال: نعم! قال: فما شأنك؟ ما لك تعرق في مثل هذا اليوم؟ قال: خير، قال: لتخبرني، قال: خير، فقال: للأنس الذي بيني وبينك والإخاء إلا ما أخبرتني، قال: إني والله ذكرت ذنبًا أصبته في هذا المكان، فهذا الذي رأيت من أجل ذلك. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٣٢٥].
• وقال ابن كثير ﵀: ذكروا أن أبا نواس لما أراد الإحرام بالحج قال: [البداية والنهاية ١٠/ ٣٠٦].
إلهنا ما أعدلك … مليك كل من ملكْ
لبيك قد لبيت لك … لبيك إن الحمد لكْ
والملك لا شريك لك … ما خاب عبدٌ سألكْ
لبيك إن الحمد لك … والملك لا شريك لكْ
أنت له حيث سلكْ … لولاك يا رِبي هلكْ
لبيك إن الحمد لكْ … والملك لا شريك لكْ
والليل لما أن حلكْ … والسابحات في الفلكْ
على مجاري المنسلك … كلُّ نبيٍّ وملكْ
стр. 664
وكلُّ من أهلَّ لك … سبح أو صلى فلكْ
لبيك إنَّ الحمد لكْ … والملك لا شريك لكْ
يا مخطئًا ما أغفلك … عجلْ وبادرْ أملكْ
واختمْ بخير عملكْ … لبيك إن الحمد لك
• وعن شقيق بن إبراهيم ﵀: علامةُ التَّوبة البُكاءُ على ما سلف، والخوفُ من الوقوع في الذَّنب، وهِجرانُ إخوانِ السُّوء، وملازمةُ الأخيار. [السير (تهذيبه)].
• وعن يونس بن سليمان البلخي أنه قال: كان إبراهيم بن أدهم ﵀ من الأشراف، وكان أبوه كثير المال والخدم، فخرج إبراهيم يومًا إلى الصيد مع الغلمان والخدم والجنائب والبزاة فبينا إبراهيم في ذلك وهو على فرسه يركضه، إذا هو بصوت من فوقه: يا إبراهيم، ما هذا العبث ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] اتق الله، وعليك بالزاد ليوم الفاقة، قال: فنزل عن دابته ورفض الدنيا وأخذ في عمل الآخرة. [المنتظم ٨/ ٢٤٠].
• وقال بعضهم: [البداية والنهاية ١٢/ ١٤٥].
يا مَن يرى مَدَّ البَعوضِ جَناحَها … في ظُلمةِ الليلِ البَهيم الأَليَلِ
ويَرَى مَنَاطَ عُروقِها في نحرِها … والمخَّ في تلك العظامِ النُّحَّلِ
امنن عليَّ بتوبةٍ تَمْحُو بها … ما كان مني في الزمانِ الأوَّلِ
• وقال رياح القيسي ﵀: لي نيف وأربعون ذنبًا، قد استغفرت لكل ذنب مائة ألف مرة. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٣١٣].
стр. 665
التدبر والتفكر
• عن أبي الدرداء ﵁ قال: تفكّر ساعة خير من قيام ليلة. [الزهد للإمام أحمد].
• وعن عون بن عبد الله قال: سئلت أم الدرداء ﵂: ما كان أفضل عمل أبي الدرداء ﵁؟ قالت: التفكر والاعتبار. [الزهد للإمام أحمد].
• وعن محمد بن واسع: أن رجلًا من البصرة ركب إلى أم ذر بعد وفاة أبي ذر ﵁ يسألها عن عبادة أبي ذر، فأتاها فقال: جئتك لتخبريني عن عبادة أبي ذر رضي الله تعالى عنه. قالت: كان النهار أجمع خاليًا يتفكر. [الحلية (تهذيبه) ١/ ١٣٩].
• وعن عصام بن يزيد قال: ربما كان يأخذ سفيان الثوري ﵀ في التفكر، فينظر إليه الناظر فيقول مجنون. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٣٧٣].
• وعن إسحاق بن إبراهيم قال: سمعت سفيان بن عيينة ﵀ يقول: الفكرة نور تدخله قلبك.
قال: وبلغني عن سفيان بن عيينة قال: التفكر مفتاح الرحمة، ألا ترى أنه يتفكر فيتوب؟ [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٤٤٣].
• وعن عبد الأعلى بن زياد الأسلمي قال: رأيت داود الطائي ﵀ يومًا قائمًا على شاطئ الفرات مبهوتًا، فقلت: ما يوقفك ها هنا يا أبا سليمان؟ قال: أنظر إلى الفلك، كيف تجري في البحر مسخرات بأمر الله تعالى. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٤٦٦].
• وعن يوسف بن سعيد بن مسلم قال: قلت لعلي بن بكار: كان إبراهيم بن أدهم ﵀ كثير الصلاة؟ قال: لا ولكنه صاحب تفكر يجلس ليله يتفكر. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٤٨٣].
стр. 666
• وقال الفضيل بن عياض: قيل لإبراهيم ﵀: إنك لتطيل الفكرة، قال: الفكرة مخ العمل. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ٢٦].
• وقال شقيق البلخي ﵀: ولو أن رجلًا كتب جميع العلم لم ينتفع به حتى يكون فيه خصلتان: حتى يكون فعله التفكر والعبر، وقلبه فارغًا للتفكر وعينه فارغة للعبر، كلما نظر إلى شيء من الدنيا كان له عبرة. والمؤمن مشغول بخصلتين، والمنافق مشغول بخصلتين، المؤمن بالعبر والتفكر والمنافق مشغول بالحرص ولأمل.
• وقال أيضًا ﵀: متى أغفل العبد قلبه عن الله، والتفكر في صنعه ومنته عليه ثم مات مات عاصيا، لأن العبد ينبغي له أن يكون قلبه أبدًا مع الله، يقول: يا رب أعطني الإيمان، وعافني من البلاء واستر لي من عيوبي، وارزقني واجعل نعمك متوالية علي، فهو أبدًا متفكر في نعم الله عليه، فالتفكر في منّة الله شكر، والغفلة عنه سهو. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٥٠٢].
• وقال الحسن البصري ﵀: الفكر مرآة تريك حسناتك وسيئاتك. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ٢٦].
• وقال أيضًا ﵀: تفكر ساعة خير من قيام ليلة. [الزهد للإمام أحمد / ٤٦٢].
• وقال يحيى بن معاذ ﵀: أبناء الدنيا يجدون لذة الكلام، وأبناء الآخرة يجدون لذة المعاني. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ٢٦٥].
стр. 667
العزلة، وأهمية الاستغناء عن الناس، وعدم سؤالهم
(أ) اعتزال الناس وعدم الإكثار من مخالطتهم والحذر منهم:
• قال عمر بن الخطاب ﵁: خذوا بحظكم من العزلة. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٦/ ٥٠٣].
• وعن أبي الدرداء ﵁ قال: نعم صومعة المرء المسلم بيته، يكف لسانه وفرجه وبصره، وإياكم ومجالس الأسواق تلهي وتلغي. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٦/ ٥٠٥].
• وعن ابن مسعود ﵁ قال: كل يوم وليلة تمر بك معافى في نفسك وأهلك ومالك، كرامة من الله، ونعمة لا تدري ما حَسَب ذلك، حتى يصيبك ما لا بد منه. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٧/ ٥٣٩].
• وعن عثمان بن أبي العاص ﵁ أنه قال: لولا الجمعة والجماعة لبنيت في أعلى داري هذه بيتًا فلم أخرج منه حتى أخرج إلى قبري. [الزهد للإمام أحمد / ٢٨١].
• وقال وهيب بن الورد ﵀: خالطت الناس خمسين سنة، فما وجدت رجلًا غفر لي ذنبًا فيما بيني وبينه، ولا وَصلني إذا قطعته، ولا سترَ علي عورة، ولا أمِنته إذا غضب، فالاشتغال بهؤلاء حمق كبير. [صفة الصفوة ٢/ ٥٣٢].
• وقال أيضًا ﵀: كان يقال: الحكمة عشرة أجزاء، فتسعة منها في الصمت، والعاشرة عزلة الناس. قال: فعالجت نفسي على الصمت، فلم أجدني أضبط كل ما أريد منه، فرأيت أن هذه الأجزاء العشرة عزلة الناس. [صفة الصفوة ٢/ ٥٣٢، موسوعة ابن أبي الدنيا ٦/ ٥٣٧].
стр. 668
• وقال السري السقطي ﵀: من أراد أن يَسلم دينُه. ويستريح قلبه وبدَنه، ويقلّ غمّه، فليعتزل الناس، لأن هذا زمان عزلة ووحدة. (١)
[صفة الصفوة ٢/ ٦٢٧].
• وقال أيضًا ﵀: مِن قلة الصدق كثرة الخُلَطاء. [صفة الصفوة ٢/ ٦٢٧].
• وعن ابن سيرين ﵀ قال: العزلة عبادة. [صفة الصفوة ٣/ ١٧٤، موسوعة ابن أبي الدنيا ٦/ ٥٠٣].
• وعن مكحول ﵀ قال: إن كان الفضل في الجماعة، فإن السلامة في العزلة. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ١٨٢، موسوعة ابن أبي الدنيا ٦/ ٥٠٥].
• وعن قتادة ﵀ قال: كان المؤمن لا يُرى إلا في ثلاثة مواطن: في مسجد يعمره، أو بيت يستره، أو حاجة لا بأس بها. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٢٢٠].
• وقال الهيثم بن جميل ﵀: إن الرجل ليبلغني عنه أنه ينقصني فأذكر استغنائي عنه فيهون علي. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٧/ ٥١٠].
стр. 669
• وقال بعض العقلاء: إن الرجل ليجفوني، فإذا ذكرت استغنائي عنه وجدت لجفائه بردا على كبدي. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٧/ ٥١٠].
• وعن مطرف ﵀ أنه كان يقول: احترسوا من الناس بسوء الظن. [الزهد للإمام أحمد / ٤١٧].
• وقال شقيق بن إبراهيم: قيل لابن المبارك ﵀: إذا صلّيتَ معنا لم تجلس معنا؟ قال: أذهب أجلس مع الصحابة والتّابعين. قلنا له: ومن أين الصحابة والتابعون؟ قال: أذهب أنظرُ في علمي فأدرِكُ آثارهم وأعمالهم، ما أصنع معكم؟ أنتم تغتابون الناس، فإذا كانت سنة مائتين فالبُعد من كثير من الناس أقربُ إلى الله، وفرّ من الناس كَفِرَارِك من أسد، وتمسّك بدينك يسلَمْ لك. [صفة الصفوة].
• وعن نعيم بن حَمَّاد قال: كان ابن المبارك ﵀ يُكثر الجلوسَ في بيته، فقيل له: ألا تستوحِشُ؟ فقال: كيف أستوحشُ وأنا مع النبي ﷺ وأصحابه؟!. [السير (تهذيبه) ٢/ ٧٦٦].
• وعن أحمد بن أبي الحواري قال: قيل لعبد العزيز الراسبي ﵀ وكانت رابعة تسميه سيد العابدين - ما بقي مما تلذ به؟ قال: سرداب أخلو به فيه. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٣٣٢].
• وعن يوسف بن أسباط قال: كنت مع سفيان الثوري ﵀ في المسجد الحرام، فقال: والله الذي لا إله إلا هو، ورب هذه الكعبة لقد حلت العزلة. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٣٧٢].
• وعن يزيد بن توبة قال: قال لي سفيان الثوري ﵀: إني لأفرح إذا جاء الليل ليس إلا لأستريح من رؤية الناس. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٣٧٢].
• وعن عطاء بن مسلم الخفاف قال: قال لي سفيان الثوري ﵀: يا عطاء احذر الناس واحذرني، فلو خالفت رجلًا في رُمَّانة، فقال: حامضة وقلتُ: حلوة، أو قال: حلوة وقلتُ: حامضة، لخشيت أن يشيط بدمي. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٣٧٥، موسوعة ابن أبي الدنيا ٦/ ٥٠٨].
стр. 670
• وعن سعيد بن صدقة قال: أخذ بيدي سفيان الثوري ﵀، فاعتزلنا ناحية عن طريق الناس، فبكى، ثم قال: يا أبا مهلهل إن استطعت أن لا تخالط في زمانك هذا أحدًا فافعل، فليكن همك مرمَّة جهازك، واحذر إتيان هؤلاء الأمراء، وارغب إلى الله في حوائجك لديه، وعليك بالاستغناء عن جميع الناس، فارفع حوائجك إلى من لا تعظم الحوائج عنده، فوالله ما أعلم اليوم بالكوفة أحدا لو فزعت إليه في قرضِ عشرة دراهم فأقرضني لم يكتمها علي حتى يذهب ويجيء، ويقول: جاءني سفيان فاستقرضني فأقرضته. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٦/ ٥٠٦].
• وقال إبراهيم بن أدهم ﵀: حب لقاء الناس من حب الدنيا، وتركهم من ترك الدنيا. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٤٨٥].
• وعن إبراهيم بن بشار قال: أوصانا إبراهيم بن أدهم ﵀: اهربوا من الناس كهربكم من السبع الضاري، ولا تخلفوا عن الجمعة والجماعة. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٤٩٠].
• وقال الفضيل بن عياض ﵀: من استوحش من الوحدة واستأنس بالناس لم يسلم من الرياء. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ٢٧، موسوعة ابن أبي الدنيا ٦/ ٥٠٦].
• وقال أيضًا ﵀: من خالط الناس لم يسلم، ولم ينج من إحدى اثنتين:
- إما أن يخوض معهم إذا خاضوا في باطل.
- وإما أن يسكت إذا رأى منكرا أو سمعه من جلسائه، فلا يغير؛ فيأثم، ويَشْرَكهم فيه. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٦/ ٥٠٦].
• وقال بشر بن الحارث ﵀: حب لقاء الناس حب الدنيا، وترك لقاء الناس ترك الدنيا. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ٩٤].
• وقال أيضًا ﵀: من عامل الله بالصدق استوحش من الناس. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ٩٧].
• وقال داود الطائي ﵀ يقول: توحش من الناس كما تتوحش من السباع. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٦/ ٥٠٤].