قال ابن جرير: فودعته وكتبت بها العلم سنين أتقوت بها، وأشتري منها الورق، وأسافر وأعطي الأجرة، فلما كان بعد سنة ست وخمسين سألت عن الشيخ بمكة فقيل إنه قد مات بعد ذلك بشهور، ووجدت بناته ملوكًا تحت ملوك، وماتت الأختان وأمهن، وكنت أنزل على أزواجهن وأولادهن فأحدّثهم بذلك، فيستأنسون بي ويكرموني، ولقد حدثني محمد بن حيان البجلي في سنة تسعين ومائتين أنه لم يبق منهم أحد.
فبارك الله لهم فيما صاروا إليه ورحمة الله عليهم أجمعين. [المنتظم ١١/ ٢٩٠ - ٢٩٣].
• وقال خلاّدٌ الأرقَط: سمعتُ مشايخنا من أهل مكة يذكرون أن القَسّ (١)، وهو مولى لبني مخزوم، كان عند أهل مكة بمنزلة عَطاَء بن أبي رَباَح، وأنه مرّ يومًا بسَلاّمَةَ، وهي تُغَنِّي، فوقف يسمَع؛ فرآه مولاها فدنا منه فقال: هل لك في أن تدخُل وتستمع؟ فأبى، ولم يزل به فقال: أقعِدك في موضع لا تراها ولا تراك. ففعل، ثم غنت فأعجبته؛ فقال: هل لك في أن أُحَوِّلها إليك؟ فتأَبَّى. ثم أجاب، فلم يزلْ به حتى شُغِف بها وشُغِفت به، وعلم ذلك أهلُ مكة. فقالت له يومًا وقد خَلَوا: أنا والله أُحِبُّكَ؛ فقال: وأنا والله أُحِبُّكِ. قالت: فأنا أُحبّ أن أضَعَ فمي على فمكَ؛ قال: وأنا والله. قالت: وأنا والله أُحِبّ أن أضع صدري على صدرك؛ قال: وأنا والله. قالت: فما يمنعكَ؟ والله إن الموضعَ لخال! فأطرق ساعةً، ثم قال: إني سمعتُ الله يقول: ﴿الْأَخِلاَّء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]، وأنا والله أكره أن تكون خُلَّةُ ما بيني وبينكِ عداوةً يومَ القيامة. ونهض وعاد إلى طريقته التي كان عليها.
وفيه قيل:
لقد فَتَنتْ رَيّا وسَلاّمةُ القَسَّا … ولم تتركا للقسِّ عقلًا ولا نفسَا
[عيون الأخبار ٤/ ٤١٧].
стр. 807
ما قيل في الحكمة والحكماء (١)
• قال بعض الحكماء من الصحابة ﵁: تقول الحكمةُ: مَن التمسني فلم يَجِدْنِي فَليفْعَلْ بأحسنِ ما يعْلم، وليترك أقبح ما يَعلم، فإذا فَعَلَ ذلك فأَنَا معه وإن لم يَعرِفْني. [عيون الأخبار ٢/ ٥٢٠].
• وقال الفضيل بن عياض ﵀: العلماء كثير والحكماء قليل، وإنما يراد من العلم الحكمة، فمن أوتي الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا.
وقال الفيض بن إسحاق: سمعت رجلًا يقول للفضيل ﵀: العلماء ورثة الأنبياء، فقال الفضيل: الحكماء ورثة الأنبياء.
وقال رجل للفضيل: العلماء كثير، فقال الفضيل: الحكماء قليل. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ١٢].
стр. 808
الاعتذار والرجوع إلى الحق
• قال ابن كثير ﵀: سئل عبد الله بن الحسن ﵀ عن مسألة فأخطأ في الجواب، فقال له قائل: الحكم فيها كذا وكذا فأطرق ساعة، ثم قال: إذًا أرجع وأنا صاغر، لأن أكون ذَنَبًا في الحق أحب إلي من أن أكون رأسا في الباطل. [البداية والنهاية ١٠/ ٢١٧].
• وقال ابن الجوزي ﵀: كان يُقرأ عند الوزير أبي المظفر ابن هبيرة ﵀ الحديث في كل يوم بعد العصر فحضر فقيه مالكي فذكر مسألة فخالف فيها ذلك الفقيه فاتفق الوزير وجميع العلماء على شيء وذلك الفقيه يخالف فبدر من الوزير أن قال له أحمار أنت؟! أما ترى الكل يخالفونك وأنت مُصِرّ!، فلما كان في اليوم الثاني قال الوزير للجماعة: جرى مني بالأمس ما لا يليق بالأدب حتى قلت له تلك الكلمة فليقل لي كما قلت له، فما أنا إلا كأحدكم، فضج المجلس بالبكاء وأخذ ذلك الفقيه يعتذر ويقول: أنا أولى بالاعتذار، والوزير يقول: القصاص القصاص، فقال يوسف الدمشقي: يا مولانا إذا أبى القصاص فالفداء. فقال الوزير: له حكمه، فقال الرجل: نعمك علي كثيرة فأي حكم بقي لي، قال: لا بد، قال: علي بقية دين مائة دينار، فقال: يُعطى مائة دينار لإبراء ذمته ومائة لإبراء ذمتي فأحضرت في الحال فلما أخذها قال الوزير: عفا الله عنك وعني وغفر لك ولي. [المنتظم ١٨/ ١٦٨، ١٦٩].
• وقال بعضهم: [عيون الأخبار ٣/ ١٠٦].
لك الحقُّ إن تعتبْ عليَّ لأنني … جَفَوتُ وإمّا تَغْتفرْ فلك الفضلُ
• وقال بعضهم: [عيون الأخبار ٣/ ١٠٦].
стр. 809
لو كنتَ تعلم ما أقول عذرتَني … أو كنتُ أجهل ما تقول عَذَلتُكا
لكن جهِلتَ مقالتي فعذلتَني … وعلمتُ أنك جاهلٌ فعَذرتُكا
• وقال بعضهم: [عيون الأخبار ٣/ ١٠٨].
إذا ما امرؤٌ من ذنبه جاء تائبًا … إليك فلم تَغْفِر له فلك الذنبُ
• ووقع بين أبي مسلم ﵀ وبين قائد له كلام، فأرْبَى عليه القائد إلى أن قال له: يا لَقِيط! فأطرق أبو مسلم، فلما سكتتْ عنه فورةُ الغضبِ ندِم وعلم أنه قد أخطأ واعتذر وقال: أيها الأمير، والله ما انبسطتُ حتى بسطتَني ولا نطقتُ حتى أنطقتَني فاغفر لي. قال: قد فعلتُ. فقال: إني أحبّ أن أستوثقَ لنفسي. فقال أبو مسلم: سبحان الله! كنتَ تُسيءَ وأُحسِن، فلما أحسنتَ أُسيء!. [عيون الأخبار ٣/ ١٠٩].
• وكتب رجل إلى صديقٍ له: [عيون الأخبار ٣/ ١١٢].
لئن ساءني أن نلتني بمساءةٍ … لقد سرّني أنِّي خطرتُ ببالكَ
• وعن عبد الرحمن بن مهدي قال: كنا في جنازة فيها عبيد الله بن الحسن العنبري ﵀، وهو يومئذ قاضي البصرة، وموضعه في قومه، وقدره عند الناس، فتكلم في شيء فأخطأ، فقلت - وأنا يومئذ حدث - ليس هكذا، يا أبي عليك بالأثر، فتزايد علي الناس، فقال عبيد الله: دعوه، وكيف هو؟ فأخبرته فقال: صدقت يا غلام، إذًا أرجع إلى قولك وأنا صاغر. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ١١٢].
• وقال ابن كثير ﵀: صنف الحافظ عبد الغني كتابا فيه أوهام الحاكم، فلما وقف عليه الحاكمُ ﵀ جعل يقرؤه على الناس، ويعترف لعبد الغنيِّ بالفضل، ويشكره على ذلك، ويرجعُ إلى ما أصاب فيه من الردِّ عليه، رحمهما الله. [البداية والنهاية].
стр. 810
مخايل السؤدد وأسبابه، ومخايل السوء
• قال عمر بن الخطاب ﵁: السيد: الجواد حين يُسأل، الحليم حين يُسْتجهَل، البارّ بمن يعاشِر. [عيون الأخبار ١/ ٢٥٨].
• وقال عمرو بنُ العاص ﵁: ليس العاقلُ مَنْ يعرفُ الخيرَ من الشرِّ، ولكن هو الذي يعرفُ خيرَ الشرَّين. [السير (تهذيبه) ١/ ٣٣٦].
• وقال ابن عباس ﵁: ما بلغني عن أخٍ مكروهٌ قطّ إلا أنزلْته إحدى ثلاث منازل: إن كان فَوقي عرفتُ له قدْره، وإن كان نظيري تفضّلت عليه، وإن كان دوني لم أحفل به، هذه سيرتي في نفسي، فمن رغب عنها فأرضُ الله واسعة. [صفة الصفوة ١/ ٣٧١].
• وقال حاتمٌ ﵀: العاقل فَطِنٌ مُتغافلٌ. [عيون الأخبار ٣/ ١٠].
• وقال الأحنف ﵀: ما نازَعَني أحدٌ إلاَّ أخذتُ أمري بأمور: إن كان فوقي، عرفتُ له، وإن كان دوني رفعتُ قدري عنه، وإن كان مثلي تفضَّلتُ عليه. [السير (تهذيبه) ١/ ٤٥١].
• وقال زياد بن الأحنف: قد بلغ الأحنف بن قيس ﵀ من الشرف والسؤدد ما لا تنفعه معه الولاية، ولا يضره العزل.
• وقال خالد بن صفوان: كان الأحنف بن قيس ﵀ يفر من الشرف والشرف يتبعه. [المنتظم ٦/ ٩٥].
• وقال معاوية ﵁ لعرابة بن أوس بن قيظي الأنصاري: بم سدت قومك؟ فقال: لستُ بسيدهم، ولكني رجل منهم، فعزم عليه فقال: أعطيتُ في نائبهم وحلمتُ عن سفيههم، وشددت على يدي حليمهم، فمن فعل منهم مثل فعلي فهو مثلي، ومن قصر عنه فأنا أفضل منه، ومن تجاوزه فهو أفضل مني. [الكامل في اللغة والأدب / ١٣٦].
стр. 811
• وقيل لَعَرابة الأوْسِيّ: بم سُدْتَ قومك؟ فقال بأربع: أنخدع لهم عن مالي، وأَذِلُّ لهم في عِرضي، ولا أحقِر صغيرهم، ولا أحسُد رفيعَهم. [عيون الأخبار ١/ ٢٥٩].
• وقال محمد بن منصور ﵀: ستّ خصالٍ يعرف بها الجاهل: الغضب في غير شيء، والكلام في غير نفع، والعِظة في غير موضعها، وإفشاء السرّ، والثقة بكل أحدٍ، ولا يعرف صديقه من عدوه. [صفة الصفوة ٢/ ٦٤١].
• وقال بعض السلف ﵀: وليُّ الله إذا زاد جاهه زاد تواضعه وإذا زاد ماله زاد سخاؤه وإذا زاد عمره زاد اجتهاده. [صفة الصفوة].
• وقال أيوب السختياني ﵀: لا يَنْبُل الرجل حتى تكون فيه خصلتان: بالعفّة عما في أيدي الناس، والتجاوز عما يكون منهم. [صفة الصفوة ٣/ ٢١٠].
• وقال عَدِيّ بن حاتم ﵁: السيد: الذليل في نفسه، الأحمق في ماله، المُطَّرِح لحقده، المَعِنيِّ بأمر عامّته. [عيون الأخبار ١/ ٢٥٨].
• وقيل لقَيْس بن عاصم ﵀: بم سدتَ قومك؟ فقال: ببذل القِرَى وترك المِرَا ونُصْرة المَوْلى. [عيون الأخبار ١/ ٢٥٨].
• وقال علي بن عبد الله بن عباس ﵀: سادة الناس في الدنيا الأسخياء وفي الآخرة الأتقياء. [عيون الأخبار ١/ ٢٥٨].
• وقال ابن السَّمّاك ﵀: هِمَّةُ العاقل في النجاة والهَرَب، وهِمَّة الأحمق في اللهو والطَّرب. [السير (تهذيبه) ٢/ ٧٦١].
• وقال الشافعي ﵀: اللبيب العاقل هو الفطن المتغافل. [صفة الصفوة ٢/ ٥٥٤].
• وقال أيضًا ﵀: ليس العاقل الذي يدفع بين الخير والشر فيختار الخير، ولكن العاقل الذي يدفع بين الشرين فيختار أيسرهما. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ١٣٢].
стр. 812
حال السلف في باب المناظرة
• عن مرة بن شرحبيل قال: سئل سلمان بن ربيعة عن فريضة فخالفه عمرو بن شرحبيل فغضب سلمان بن ربيعة ورفع صوته. فقال عمرو بن شرحبيل: والله لكذلك أنزلها الله تعالى! فأتيا أبا موسى الأشعري ﵁ فقال: القول ما قال أبو ميسرة، وقال لسلمان: ما كان ينبغي لك أن تغضب إن أرشدك رجل. وقال لعمرو: قد كان ينبغي لك أن تساره ولا ترد عليه والناس يسمعون. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٧٠].
• وعن نوح قال: قيل لإياس بن معاوية ﵀: فيك أربع خصال: دمامة، وكثرة كلام، وإعجاب بنفسك، وتعجيلك بالقضاء.
قال: أما الدمامة فالأمر فيها إلى غيري، وأما كثرة الكلام فبصواب أتكلم أم بخطأ؟ قالوا: بصواب. قال: فالإكثار من الصواب أمثل، وأما إعجابي بنفسي أفيعجبكم ما ترون مني؟ قالوا: نعم! قال: فإني أحق أن أعجب بنفسي، وأما قولكم إنك تعجل بالقضاء فكم هذه وأشار بيده خمسة، قالوا: خمسة. فقال: عجلتم، ألا قلتم واحد واثنين وثلاثة وأربعة وخمسة، قالوا: ما نعد شيئًا قد عرفناه، قال: فما أجس شيئًا قد تبين لي فيه الحكم. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٤٧٦].
• وعن علي بن الحسين ﵀ قال: أتاني نفر من أهل العراق فقالوا في أبي بكر وعمر وعثمان ﵃، فلما فرغوا:
قال لهم علي بن الحسين: ألا تخبرونني أنتم المهاجرون الأولون ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر: ٨]؟ قالوا: لا!
قال: فأنتم ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا
стр. 813
يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] قالوا: لا!
قال: أما أنتم فقد تبرأتم أن تكونوا من أحد هذين الفريقين، ثم قال: أشهد أنكم لستم من الذين قال الله : ﴿والَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠] اخرجوا فعل الله بكم!! [الحلية (تهذيبه) ١/ ٤٨٦].
• وعن أبي عبد الله الخواص قال: لما دخل حاتم الأصم ﵀ بغداد اجتمع إليه أهلها فقالوا له: أنت رجل أعجمي، ليس يكلمك أحد إلا قطعته لأي معنى؟
قال حاتم: معي ثلاث خصال، أظهر بها على خصمي، قالوا: ما هي؟ قال: أفرح إذا أصاب خصمي، وأحزن إذا أخطأ، وأحفظ نفسي لأتجاهل عليه، فبلغ ذلك أحمد بن حنبل فقال: سبحان الله ما كان أعقله من رجل. [المنتظم ١١/ ٢٥٤].
• وقال الشافعي ﵀: ما ناظرت أحدًا فأحببت أن يُخطئ. [صفة الصفوة ٢/ ٥٥٢].
• وقال أيضًا ﵀: ما ناظرت أحدًا قط، إلا أحببت أن يوفّق ويسدد ويعان، ويكون عليه رعاية من الله وحفْظ، وما ناظرت أحدًا، إلا ولم أبال بيّن الله الحق على لساني أو لسانه. [صفة الصفوة ٢/ ٥٥٢].
• وقال أيضًا ﵀: ما ناظرت أحدًا قط إلا على النصيحة. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ١٢٦].
• وعن ابن أبي دؤاد أنه قال: أُدخل رجل من الخوارج على المأمون ﵀، فقال: ما حملك على خلافنا؟ قال: آية في كتاب الله قال: وما هي، قال: قوله - تعالى -: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] قال له المأمون: ألك علم بأنها منزلة؟ قال: نعم.
стр. 814
قال: وما دليلك؟ قال: إجماع الأمة. قال: فكما رضيت بإجماعهم في التنزيل فارض بإجماعهم في التأويل. قال: صدقت، السلام عليك يا أمير المؤمنين. [المنتظم ١٠/ ٥٦].
• وقال المأمون ﵀ لمُرْتدٍّ إلى النصرانية: خَبِّرنا عن الشيء الذي أوحشَكَ من ديننا بعد أَنسِك به واستِيحاشِك ممّا كنتَ عليه، فإن وجدتَ عندنا دَواءَ دَائِك تعالجتَ به، وإن أَخطَأ به الشِّفَاءُ ونَبَا عن دائك الدَّواءُ كنتَ قد أعذرتَ ولم تَرْجِع على نفسك بلائمة، وإن قتلناك قتلناك بحُكْم الشريعة، وتَرْجِع أنت في نفسك إلى الاستبصار والثِّقَةِ، وتَعْلم أنّك لم تُقَصِّر في اجتهاد ولم تُفَرِّط في الدخول من باب الحزم، قال المُرْتَدُ: أوحشني ما رأيتُ من كثرة الاختلافِ فيكم، قال المأمون: لنا اختلافان: أحدُهما كالاختلاف في الأذان، والتكبير في الجنائز، والتشهُّد، وصلاة الأعياد، وتكبير التشريق، ووُجُوه القِراءات، ووجوه الفُتْيا، وهذا ليس باختلاف إنما هو تحبر وسعةٌ وتخفيف من المِحنة فمن أذّن مثنى وأقام فرادى … ، ولا يَتَعايَرُون بذلك ولا يتَعَايبَوُن، والاختلافُ الآخرُ كنحو اختلافنا في تأويل الآية من كتابنا، وتَاويل الحَدِيث مع اجتماعنا على أصل التنزيل واتفاقنا على عَين الخبر، فإن كان الذي أوحشك هذا حتى أَنْكَرْتَ هذا الكتابَ، فقد يَنْبغي أن يكونَ اللفظُ بجميع التوراة والإنجيل مُتَّفَقًا على تأويله كما يكون متَّفقًا على تنزيله، ولا يكون بين جميع اليهود والنصارى اختلافٌ في شيءٍ من التأويلات، وينبغي لك أَلاَّ تَرْجِع إلا إلى لُغَةٍ لا اختلافَ في تأويل ألفاظها، ولو شاء الله أن يُنْزِلَ كُتُبَه ويَجْعَلَ كلامَ أنبيائِهِ وورثةِ رُسلِه لا يحتاج إلى تفسير لَفَعَل، ولكنَّا لم نَرَ شيئًا من الدِّين والدُّنيا دُفِع إلينا على الكفاية، ولو كان الأمرُ كذلك لسقَطَت البَلْوَى والمِحْنةُ، وذهبت المسابقةُ والمنافسة ولم يكن تفاضلٌ، وليس على هذا بَنَى الله الدنيا. قال المرتَدّ: أشهَدُ أَنْ لا إلَهَ إلا الله، وأن المَسِيح عَبْدٌ، وأنّ محمدًا صادِقٌ، وأنك أميرُ المؤمنين حَقًّا.
[عيون الأخبار ٢/ ٥٥٢].
• وقال ابن الجوزي ﵀: كان محمد بن داود كثير المناظرة مع أبي العباس بن سريج ﵀، وكانا يحضران مجلس أبي عمر القاضي فتجري بينهما
стр. 815
المفاوضة، والمناظرة حتى يعجب الناس، فتكلما يومًا في مسألة، فقال له ابن سريج: أنت بكتاب الزهرة أشهر منك بهذا! فقال له: وبكتاب الزهرة تعيرني؟ والله ما تحسن تستتم قراءته، وذلك كتاب عملناه هزلًا فاعمل أنت مثله جدًا! فلما توفي محمد بن داود في رمضان هذه السنة جلس ابن سريج للعزاء ونحَّى مخاده وقال: ما آسى إلا على تراب أكل لسان محمد بن داود. [المنتظم ١٣/ ١٠١].
стр. 816
الحكمة، وحسن التصرف، ولطف الكلام
• عن عبد الله بن خالد العبسي أن عمر بن الخطاب ﵁ رأى قومًا مجتمعين على أمر كرهه، فسعى عليهم بالدرة فتفرقوا، وقام رجل منهم فضربه، وقال: ما حملك على أن قمت لي حتى ضربتك؟ ألا ذهبت كما ذهب أصحابك! قال: يا أمير المؤمنين! إن الله جعل حقك عليَّ - أو قال - على كل مسلم كحق الوالد على ولده، وإني لمَّا رأيتك سعيت كرهت أن أتعبك فقمت حتى تقضي مني حاجتك، قال: آلله كذلك حملك على ما صنعت؟! فحلف فأخذ بيده فجلسا فلم يزل له مكرما حتى فارق الدنيا. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٢٣٣].
• وقال معاوية ﵁: لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني، ولو أن بيني وبين الناس شعرةً ما انقطعت. قيل: وكيف ذاك؟ قال: كنت إذا مدّوها خلَّيتها وإذا خلَّوْها مددتها. [عيون الأخبار ١/ ٥٣].
• وقال لعمرو بن العاص ﵄: ما بلغَ من دَهَائكَ يا عمرو؟ قال عمرو: لم أدخُلْ في أمرٍ قطّ فكرِهتُه إلا خرجتُ منه. قال معاوية ﵁: لكنّي لم أدخُلْ في أمرٍ قطّ فأردتُ الخروجَ منه. [عيون الأخبار ١/ ٣٢٢].
• وقال عمر بن عبد العزيز ﵀: إني لأُجْمِع أن أُخرِج للمسلمين أَمرًا من العدل فأخاف أن لا تحتمله قلوبهم فأُخرج معه طمعًا من طمع الدنيا، فإن نفَرت القلوب من هذا سكنت إلى هذا. [عيون الأخبار ١/ ٥٣].
• وعن جويرية بن أسماء قال: قال عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز لأبيه عمر ﵀: ما يمنعك أن تنفذ لرأيك في هذا الأمر؟ فوالله ما كنت أبالي أن تغلي بي وبك القدور في إنفاذ هذا الأمر، فقال عمر: إني أروض الناس
стр. 817
رياضة الصعب، فإن أبقاني الله مضيت لرأيي، وإن عجلت على منية فقد علم الله نيتي، إني أخاف إن بادهت الناس بالتي تقول: أن يلجئوني إلى السيف، ولا خير في خير لا يجيء إلا بالسيف. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٢١٣].
• وقال ابن قتيبة ﵀: حدّثني الفضلُ بن محمد بن منصور بن زياد كاتب البرامكة قال: قال عبد الله بن طاهر ذاتَ يوم لرجل أمره بعمل: احذر أن تخطيء فأَعاقبك بكذا (لأمر عظيم) قلت له: أيها الأمير، من كانت هذه عقوبته على الخطأ فما ثوابُه على الإصابة!. [عيون الأخبار ٢/ ٥٩٥].
• وعن الشعبي قال: شهدت شريحًا ﵀ وجاءته امرأة تخاصم رجلًا، فأرسلت عينيها فبكت، فقلت: أبا أمية ما أظن هذه البائسة إلا مظلومة، فقال: يا شعبي، إن أخوة يوسف جاؤوا أباهم عشاءً يبكون. [المنتظم ٦/ ١٨٥].
• وقال أبو العباس: كان عبد الله بن يزيد ﵀ أبو خالد من عقلاء الرجال، قال له عبد الملك يومًا: ما مالك؟ فقال: شيئان لا عيلة علي معهما، الرضا من الله، والغنى عن الناس. فلما نهض من بين يديه قيل له: هلا خبرته بمقدار مالك؟ فقال: لم يعد أن يكون قليلًا فيحقرني، أو كثيرًا فيحسدني. [الكامل في اللغة والأدب / ١٨٦].
• وعن أبي علي الحسن بن علي الدقاق أنه قال: جاءت امرأة فسألت حاتمًا ﵀ عن مسألة، فاتفق أن خرج منها ريح لها صوت فخجلت، فقال لها حاتم: ارفعي من صوتك، فأرى من نفسه أنه أصم، فسُرَّت المرأة بذلك وقالت: إنه لم يسمع الصوت، فغلب عليه الأصم. [المنتظم ١١/ ٢٥٣].
• وعن حماد بن زيد قال: أتى محمد بن واسع ﵀ رجلًا في حاجة لرجل فقال له: أتيتك في حاجة رفعتها إلى الله قبلك، فإن يأذن الله في قضائها قضيتها وكنت محمودًا، وإن لم يأذن الله في قضائها لم تقضها وكنت معذورًا. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٤١٦].
• وعن عمرو بن حسان قال: كان سفيان الثوري ﵀ نعم المداوي، إذا دخل البصرة حدث بفضائل علي، وإذا دخل الكوفة حدث بفضائل عثمان. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٣٨٤].
стр. 818
• وعن عيسى بن حازم قال: كنا مع إبراهيم بن أدهم ﵀ في بيت ومعه أصحاب له، فأتوا ببطيخ فجعلوا يأكلون ويمزحون ويترامون بينهم، فدق رجل الباب فقال لهم إبراهيم: لا يتحركن أحد، قالوا: يا أبا إسحاق تعلمنا الرياء؟ نفعل في السر شيئًا لا نفعله في العلانية؟ فقال: اسكتوا إني أكره أن يعصى الله فيَّ وفيكم (١).
[الحلية (تهذيبه) ٢/ ٤٧٨].
• وأحضر الرشيد ﵀ رجلًا ليولِّيَه القضاء فقال له: إني لا أحسن القضاء ولا أنا فقيه. قال الرشيد: فيك ثلاث خلال: لك شرف والشرف يمنع صاحبه من الدناءة. ولك حلم يمنعك من العَجَلة، ومن لم يَعْجَل قلّ خطؤه. وأنت رجل تشاور في أمرك ومن شاور كثر صوابه، وأما الفقه فسينضم إليك من تتفقَّه به. فَولِي فما وجدوا فيه مطعنًا. [عيون الأخبار ١/ ٦٠].
• وعن حسن الوصيف أنه قال: قعد المهدي ﵀ قعودًا عامًا للناس، فدخل رجل في يده نعل في منديل، فقال: يا أمير المؤمنين، هذه نعل رسول الله ﷺ وقد أهديتها لك، فقال: هاتها، فدفعها إليه، فقلب باطنها ووضعها على عينيه وأمر للرجل بعشرة آلاف درهم، فلما أخذها وانصرف قال لجلسائه: أترون أني لم أعلم أن رسول الله ﷺ لم يرها فضلًا على أن يكون لبسها، ولو كذبناه لقال للناس: أتيت أمير المؤمنين بنعل رسول الله ﷺ فردها عليّ وكان من يصدقه أكثر ممن يدفع خبره، إذ كان من شأن العامة الميل إلى أشكالها، والنصرة للضعيف على القوي، فاشترينا لسانه وقبلنا هديته وصدقنا قوله، ورأينا الذي فعلناه أنجح وأرجح. [المنتظم ٨/ ٢١١].
стр. 819
وعن سليمان بن بلا، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن ﵀؛ أن رجلًا قال له: انعت لي أبا بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما. فقال ربيعة: ما أدري كيف أنعتهما لك؟ أما هما فقد سبقا من كان معهما، وأتعبا من كان بعدهما. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٥٣٣].
• وعن أبي عاصم قال: اشترى أخٌ لشعبة ﵀ من طعام السلطان فخسر هو وشركاؤه، فحُبس على ستة آلاف دينار تخصه، فخرج شعبة إلى المهدي ليكلمه فيه فلما دخل عليه قال له: يا أمير المؤمنين أنشدني قتادة وسماك بن حرب لأمية بن أبي الصلت:
أأذكر حاجتي أم قد كفاني … حياؤك إن شيمتك الحياء
كريم لا يغيره صباح … عن الخلق الكريم ولا مساء
فأرضك أرض مكرمة بنتها … بنو تيم وأنت لهم سماء
فقال: لا يا أبا بسطام، لا تذكرها، قد عرفناها وقضيناها لك، ادفعوا إليه أخاه، ولا تلزموه شيئًا. [المنتظم ٨/ ٢٤٥].
• وعن إسحاق بن محمد قال: قال مالك بن سليمان: كان لإبراهيم بن طهمان ﵀ جراية من بيت المال فاخرة، وكان يسخو بذلك، فسئل يومًا مسألة في مجلس الخليفة فقال: لا أدري. فقالوا له: تأخذ في كل شهر كذا وكذا ولا تُحسن مسألة؟ قال: إنما آخذه على ما أحسن، ولو أخذت على ما لا أحسن لفني بيت المال ولا يفنى ما لا أحسن. فأعجب أمير المؤمنين جوابه، وأمر له بجائزة فاخرة وزاد في جرايته. [المنتظم ٨/ ٢٦٥، ٢٦٦].
• وقال المنصور ذات يومٍ لشبيب بن شيبة ﵀: عظني وأوجز فقال: يا أمير المؤمنين إن الله لم يرض من نفسه بأن يجعل فوقك أحدًا من خلقه، فلا ترض له من نفسك بأن يكون عبدًا له أشكر منك، فقال: والله لقد أوجزت. [المنتظم ٨/ ٢٧٣].
• وأتى رجلٌ بعضَ الولاة، وكان صديقه، فتشاغل عنه، فتراءى له يومًا؛ فقال: اعذرْني فإنّي مشغول. فقال: لولا الشغلُ ما أتيتُك. [عيون الأخبار ٣/ ١٢٧].
• وقَدِم على زِيادٍ نفرٌ من الأعراب فقام خطيبُهم فقال: أصلح الله الأميرَ! نحن، وإن كانت نَزَعت بنا أنفُسُنا إليك وأنضينا ركائبنا نحوك التماسًا
стр. 820
لفضلِ عطائك، عالمون بأنه لا مانِعَ لما أعطى الله ولا مُعْطِيَ لما منع، وإنما أنت أيّها الأميرُ خازنٌ ونحنُ رائدون، فإنْ أُذنَ لك فأعطيتَ حمدْنا اللهَ وشكرناك، وإن لم يُؤذَنْ لك فمنعتَ حمدنا الله وعَذَرناك. ثم جلس؛ فقال زياد لجلسائه: تاللهِ ما رأيتُ كلامًا أبلغَ ولا أوجزَ ولا أنفعَ عاجلةً منه. ثم أمر لهم بما يُصْلِحُهم. [عيون الأخبار ٣/ ١٢٨].
• وقال أبو سمَّاكٍ ﵀ لرجلٍ: لم أصنْ وجهي عن الطَّلَبِ إليك، فصنْ وجهك عن ردِّي، وضعني من كرمِك بحيثُ وضعتُ نفسي من رجائك. [عيون الأخبار ٣/ ١٢٩].
• وقال المنصور لرجلٍ أحْمَدَ منه أمرًا: سلْ حاجتَك. فقال: يُبقيك الله يا أمير المؤمنين. قال: سل، فليس يمكنك ذلك في كلّ وقتٍ. فقال: ولمَ يا أمير المؤمنين! فوالله لا أستقصر عمرَك ولا أرهبُ بُخْلَك ولا أَغنم مالكَ وإنّ سؤالكَ لزَيْنٌ، وإنّ عطاءك لشرف، وما على أحدٍ بذَل وجهه إليك نقصٌ ولا شينٌ. فأمَر حتّى مُليء فُوه دُرًّا. [عيون الأخبار ٣/ ١٢٩].
وقال عبد الملك لرجل: ما لي أراك واجِمًا لا تَنْطق؟ قال: أشكو إليك ثِقلَ الشَّرَف؛ قال: أعِينوه على حمله. [عيون الأخبار ٣/ ١٣٠].
• ووقفتْ عجوزٌ على قيس بن سعد ﵁ فقالت: أشكو إليك قِلّة الجِرْذَانِ. قال: ما أحسنَ هذه الكنايةَ! إملأوا بيتها خبزًا ولحمًا وسمنًا وتمرًا. [عيون الأخبار ٣/ ١٣٠].
• وقال رجل لمعاوية ﵁: أقْطِعْني الْبَحْريْن. قال: إني لا أصلُ إلى ذلك. قال: فاستَعمِلْني على البَصْرة. قال: ما أُريدُ عَزْل عاملها. قال: تأمرُ لي بألفين. قال: ذاك لك. فقيل له: ويْحَك! أرضيتَ بعد الأُولَيَيْنِ بهذا! قال: اسكتوا لولا الأُوليَان ما أعطيتُ هذه. [عيون الأخبار ٣/ ١٣٢].
• وأتى العريان بن الهيثم ﵀ عتاب بن ورقاء، وهو على أصبهان فقال:
إنا أتيناك لا من حاجة عرضت … ولا فروض تجازيها ولا نعم
فإن تجد فهو شيء كنت تفعله … وإن تكن علة نرجع ولم نلم
فأعطاه مائة ألف درهم. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٤/ ١٨٥].
стр. 821
حال السلف مع النعم، وشكر المُنعم
(أ) حال السلف مع نعم الله وما قيل في ذلك (١):
• قال أبو الدرداء ﵁: من لم يعرف نعمة الله عليه إلا في مطعمه ومشربه فقد قل علمه، وحضر عذابه. ومن لم يكن غنيًا عن الدنيا فلا دنيا له. [الحلية (تهذيبه) ١/ ١٦٧].
• وقال أيضًا ﵁: كم من نعمة لله تعالى في عرق ساكن. [الحلية (تهذيبه) ١/ ١٦٨].
• وكان أبو الدرداء ﵁ يقول: ما بت ليلة فأصبحت لم يرمني الناس فيها بداهية إلا رأيت أن علي من الله تعالى فيه نعمة. [الحلية (تهذيبه) ١/ ١٧٦].
• وعن أنس بن مالك ﵁، قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يسلم على رجل، فرد عليه الرجل السلام، فقال عمر للرجل: كيف أنت؟ قال الرجل: أحمد الله إليك، قال عمر: هذا أردت منك. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٤٩٣].
• وعن ابن عمر ﵁، قال: لعلنا نلتقي في اليوم مرارًا، ليسكن بعضنا ببعض، وأن نتقرب بذلك، إلا لنحمد الله عز جل. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٤٩٣].
• وعن أبي العالية ﵀ قال: ما أدري أي النعمتين أفضل، أن هداني الله للإسلام أو عافاني من هذه الأهواء؟ [الحلية (تهذيبه) ١/ ٣٦٧].
стр. 822
• وقال الحسن البصري ﵀ لفَرْقَدٍ السَّبَخِيّ: يا أبا يعقوبَ، بلغني أنك لا تأكلُ الفالوذجَ. فقال: يا أبا سعيدٍ، أخافُ ألاّ أؤدِّيَ شكرَهُ. فقال: يا لُكَعُ! وهل تُؤدِّي شكرَ الماءِ البارد في الصّيفِ والحارِّ في الشتاء! أما سمعتَ قولَ الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢] [عيون الأخبار ٣/ ٢٠٤].
• وقال أيضًا ﵀: ما أنعم الله على عبد نعمة فقال: الحمد لله، إلا كان ما أعطى أكثر مما أخذ.
قال ابن أبي الدنيا ﵀: وبلغني عن سفيان بن عيينة ﵀ أنه سئل عن هذا فقال: هذا خطأ، لا يكون فعل العبد أفضل من فعل الله . (١) [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٥٠٣].
• وعن ثابت، أن أبا العالية ﵀ قال: إني لأرجو أن لا يهلك عبدٌ بين نِعمتين: نعمة يحمَدُ الله عليها وذنب يستغفرُ الله منه. [السير (تهذيبه) ١/ ٤٧٩].
стр. 823
• وعن العُتْبيّ عن أبيه ﵀ قال: كان يقال: إذا اشتكى الرجلُ ثم عُوفِي ولم يُحْدِث خيرًا ولم يَكُفّ عن سُوء، لقيتِ الملائكةُ بعضُها بعضًا وقالت: إن فلانًا داويناه فلم ينفَعْه الدواء. [عيون الأخبار ٣/ ٥١].
• وقال سفيان بن عيينة ﵀: إن من شكر الله على النعمة أن تحمده عليها، وتستعين بها على طاعته، فما شكر الله من استعان بنعمته على معصيته. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٤٣٠].
• وقال أيضًا ﵀: قال أيوب ﵇: اللهم إنك تعلم أنه لم يعرض لي أمران قط، أحدهما لك فيه رضى والآخر لي فيه هوى، إلا آثرت الذي لك فيه رضى على الذي لي فيه هوى، قال: فنودي من غمامة من عشرة آلاف صوت: يا أيوب من فعل ذلك بك؟ قال: فوضع التراب على رأسه ثم قال: أنت أنت يا رب. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٤٣٥].
• وقال ابن عائشة: قال رجلٌ يومًا لابن عُيَيْنة ﵀: ما شيء تُحْدِثونه يا أبا محمد؟ قال: ما هو؟ قال: يقولون إن الله تعالى يقول: أيّما عَبدٍ كانت له إليَّ حاجةٌ فشغله الثناء عليَّ عن سؤال حاجته، أعطيته فوق أُمْنِيّته. فقال له: يابن أخي، وما تُنْكر من هذا! أما سمعتَ قول أُميّة بن أبي الصّلْت في عبد الله بن جُدْعان:
إذا أثنى عليه المرءُ يومًا … كفاهُ مِن تَعَرُّضِهِ الثناءُ
[عيون الأخبار ٣/ ١٧٤].
• وكان الحسن ﵀ يقول إذا ابتدأ حديثه: (الحمد لله، اللهم ربنا لك الحمد كما خلقتنا ورزقتنا وهديتنا وعلمتنا وأنقذتنا وفرجت عنا، لك الحمد بالإسلام والقرآن، ولك الحمد بالأهل والمال والمعافاة، كبتَّ عدونا، وبسطت رزقنا، وأظهرت أمننا، وجمعت فرقتنا، وأحسنت معافاتنا، ومن كل - والله - ما سألناك ربنا أعطيتنا، فلك الحمد على ذلك حمدًا كثيرًا، لك الحمد بكل نعمةٍ أنعمت بها علينا في قديمٍ أو حديثٍ، أو سرٍّ أو علانيةٍ، أو خاصةٍ أو عامةٍ، أو حيٍّ أو ميِّتٍ، أو شاهدٍ أو غائبٍ، لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٤٦٧، ٤٦٨].
стр. 824
• وعن الحسن ﵀، قال: إن الله ليمتع بالنعمة بما شاء، فإذا لم يشكر قلبها عليها عذابًا. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٤٨٠].
• وقال أبو سليمان الواسطيّ ﵀: ذكر النعمة يورث الحب لله . [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٤٧١].
• وعن عبد الله بن عمر بن عبد العزيز، قال: ما قلَّب عمر بن عبد العزيز ﵀ بصره إلى نعمة أنعم الله بها عليه إلا قال: اللهم إني أعوذ بك أن أبدل نعمتك كفرًا، أو أكفرها بعد معرفتها، أو أنساها فلا أثني بها. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٤٨٦].
• وقال ابن أبي الدنيا: أنشدني محمود الوراق:
إذا كان شكري نعمةَ الله نعمةً … علي له في مثلها يجب الشكر
فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله … وإن طالت الأيام واتصل العمر
إذا مس بالسراء عم سرورها … وإن مس بالضراء أعقبها الأجر
وما منهما إلا له فيه منة … تضيق بها الأوهام والبر والبحر
[موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٤٨٥].
• وعن الحسن ﵀: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: ٦] قال للكفور؛ يعدد المصائب وينسى النعم. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٤٨٣].
• وقال ابن أبي الدنيا: أنشدنا محمود الوراق في ذلك:
يا أيها الظالم في فعله … والظلم مردود على من ظلم
إلى متى أنت وحتى متى … تشكو المصيبات وتنسى النعم
[موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٤٨٥].
• وعن الحسن ﵀، قال: أكثروا ذكر هذه النعمة فإن ذكرها شكرها. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٤٧٥].
• وعن أنس بن مالك ﵁ قال: إن داود نبي الله ﵇ ظن في نفسه أن أحدًا لم يمدح خالقه أفضل مما مدحه، وإن ملكا، نزل وهو قاعدٌ في المحراب والبركة إلى جنبه، فقال: يا داود افهم إلى ما تصوت الضفدع،
стр. 825
فأنصت داود، فإذا الضفدع يمدحه بمدحة لم يمدحه بها داود، فقال له الملك: كيف ترى يا داود؟ أفهمت ما قالت؟ قال: نعم، قال: ماذا قالت؟ قال: سبحانك وبحمدك منتهى علمك يا ربّ. قال داود: لا، والذي جعلني نبيه إني لم أمدحه بهذا. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٤٧٦].
• وقال رجلٌ لأبي تميمة ﵀: كيف أصبحتَ؟ قال: أصبحت بين نعمتين، لا أدري أيتهما أفضل: ذنوب سترها الله فلا يستطيع أن يعيرني بها أحدٌ، ومودةٌ قذفها الله في قلب العباد لم يبلغها عملي. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٤٧٨].
• وعن محمد بن سوقة، قال: مررت مع عون بن عبد الله ﵀ بالكوفة على قصر الحجاج، فقلت: لو رأيت ما نزل بنا ها هنا زمن الحجاج؟! فقال: مررت كأنك لم تدع إلى ضر مسك؛ ارجع فاحمد الله تعلى واشكره، ألم تسمع إلى قول الله : ﴿مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إلى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس: ١٢]. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٤٨٣].
• وقال فضيل بن عياض ﵀: كان يقال: من عرف نعمة الله جل وعز بقلبه، وحمده بلسانه، لم يستتم ذلك حتى يرى الزيادة؛ لقول الله : ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧].
وقال: كان يقال: من شكر النعمة أن تحدِّث بها.
وقال: قال الله : " يا ابن آدم، إذا كُنْتَ تَقَلَّبُ في نعمتي وأنتَ تَقَلّبُ في مَعصيتي، فاحذرني لا أصرعُكَ بينَ معاصِيك. يا ابن آدم، اتقني ونَمْ حيثُ شِئْتَ ". [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٤٨٣].
• وقال ابن السماك: كتبت إلي محمد بن الحسن ﵀ حين ولي القضاء بالرقة: أما بعد فلتكن التقوى من بالك على كل حالٍ، وخف الله في كل نعمة عليك، لقلة الشكر عليها مع المعصية بها؛ فإن في النعمة حجةً وفيها تبعةٌ؛ فأما الحجة فيها فالمعصية بها، وأما التبعة فيها فقلة الشكر عليها؛ فعفا الله عنك كلما ضيعت من شكرٍ، أو ركبت من ذنبٍ، أو قصرت من حقٍّ. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٤٩٢].
стр. 826
• ومر الربيع بن أبي راشد ﵀ برجل به زمانةٌ، فجلس يحمد الله ويبكي، فمر به رجلٌ فقال: ما يبكيك رحمك الله؟ قال: ذكرت أهل الجنة وأهل النار، فشبهت أهل الجنة بأهل العافية، وأهل النار بأهل البلاء، فذلك الذي أبكاني. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٤٩٢].
• وعن سفيان ﵀ في قول: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم: ٤٤]، قال: نسبغ عليهم النعم ونمنعهم الشكر. وقال غير سفيان: كلما أحدثوا ذنبًا أحدثت لهم نعمة. قال ابن داود: ونسوا. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٥٠٤].
• وعن عبد الله بن أبي نوح ﵀، قال: قال لي رجل، على بعض السواحل: كم عاملته تبارك اسمه بما يكره فعاملك بما تحب؟ قلت: ما أحصي ذلك كثرةً. قال: فهل قصرت إليه في أمر كربك فخذلك؟ قالت: لا والله، ولكنه أحسن إلي فأعانني. قال: فهل سألته شيئًا قط فأعطاك؟ قلت: وهل منعني شيئًا سألته؟ ما سألته شيئًا قط إلا أعطاني، ولا استغثت به إلا أغثني. قال: أرأيت لو أن بعض بني آدم فعل بك هذه الخلال ما كان جزاؤه عندك؟ قلت: ما كنت أقدر له على مكافأة ولا جزاء. قال: فربك أحق وأحرى أن تدئب نفسك له في أداء شكر نعمته عليك، وهو المحسن قديمًا وحديثًا إليك؛ والله لشكره أيسر من مكافأة عباده، إنه ﵎ رضي بالحمد من العباد شكرًا. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٥١١].
• وقال وهب بن منبه ﵀: عبد الله عابد خمسين عامًا، فأوحى إليه أني قد غفرت لك. قال: أي رب، وما تغفر لي ولم أذنب؟! فأذن الله لعرقٍ في عنقه فضرب عليه؛ فلم ينم ولم يصلِّ، ثم سكن فنام، فأتاه ملك فشكا إليه، فقال له: ما لقيت من ضربان العرق، فقال الملك: إن ربك يقول: عبادتك خمسين سنةً تعدل سكون ذا العرق. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٥١٣].
• وقال بكر المزني ﵀: لقيت أخا من إخواني من الضعفاء فقلت: يا أخي، أوصني، قال: ما أدري ما أقول، غير أنه ينبغي لهذا العبد ألا يفتر عن الحمد والاستغفار؛ فإن ابن آدم بين نعمة وذنب، ولا تصلح النعمة إلا بالحمد
стр. 827
والشكر، ولا يصلح الذنب إلا بالتوبة والاستغفار، قال: فأوسعني علمًا ما شئت. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٥١٤].
• وكان عروة ﵀ إذا أتي بطعامه لم يزل مخمرًا حتى يقول هؤلاء الكلمات: الحمد لله الذي هدانا وأطعمنا، وسقانا ونعَّمنا، الله أكبر، اللهم ألْفَتنا نعمتُك ونحن بكل شرٍّ، فأصبحنا وأمسينا منها بكل خيرٍ، أسألك تمامها وشكرها، لا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك، إله الصالحين ورب العالمين، الحمد لله، لا إله إلا الله، ما شاء الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم بارك لنا فيما رزقتنا وقنا عذاب النار. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٥٢٠].
• وقال بكر المزني ﵀: يا ابن آدم، إن أردت أن تعلم قدر ما أنعم الله عليك، فغمض عينيك. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٥٢٤].
• وعن كعب ﵀، قال: ما أنعم الله على عبد من نعمة في الدنيا فشكرها لله وتواضع بها الله، إلا أعطاه الله نفعها في الدنيا، ورفع له بها درجة في الآخرة؛ وما أنعم الله على عبدٍ من نعمةٍ في الدنيا فلم يشكرها لله، ولم يتواضع بها لله، إلا منعه الله نفعها في الدنيا، وفتح له طبقًا من النار، يعذبه إن شاء، أو يتجاوز عنه. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٥٢٦].
• وعن هشام بن سلمان، قال: كنت قاعدًا عند الحسن وبكر بن عبد الله المزني رحمهما الله، فقال له الحسن: هات يا أبا عبد الله دعوات لإخوانك، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي ﷺ ثم قال: والله ما أدري أيُّ النعمتين أفضل علي وعليكم، أنعمة المسلك أم نعمة المخرج إذ أخرجه الله منا؟! قال الحسن: لقد قلت عجبًا يا بكر، إنها لمن نعمه العظام. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٥٢٧].
• وكتب بعض الحكماء إلى أخٍ له: أما بعد! يا أخي فقد أصبح بنا من نعم الله ما لا نحصيه مع كثرة ما نعصيه، فما ندري أيها نشكر؟ أجميل ما ظهر أم قبيح ما ستر؟. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٥٢٧].
• وعن مجاهد ﵀ قال: أنه كان نوح عبدًا شكورًا، قال: لم يأكل شيئًا قط إلا حمد الله عليه، ولم يشرب شرابًا قط إلا حمد الله عليه، ولم يمش
стр. 828
مشيًا قط إلا حمد الله عليه، ولا يبطش بشيء قط إلا حمد الله عليه، فأثنى الله عليه ﴿إنَّهَ كانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: ٣]. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٥٣٢].
• وقال ابن شوذب ﵀: اجتمع قوم فتذاكروا أي النعم أفضل؟ فقال رجل: ما ستر الله به بعضنا عن بعض، قال: فيرون أن قول ذلك أرجح. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٢٨٣].
• وعن سلام بن أبي مطيع ﵀ قال: كن لنعمة الله عليك في دينك، أشكر منك لنعمة الله عليك في دنياك. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٣١١].
• وعن إبراهيم بن أدهم ﵀: لا تجعل بينك وبين الله منعمًا، وعدَّ نعمةً من غيره عليك مغرمًا. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٤٩٠].
• وعن محمد بن سعيد قال: سمعت الجنيد بن محمد ﵀ يقول - وسئل عن حقيقة الشكر - فقال: ألا يستعان بشيء من نعمه على معاصيه. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ٣٨٠].
(ب) حال السلف مع من أنعم عليهم من الخلق:
• قال رجل لسعيد بن جُبير ﵀: المجوسيُّ يوليني خيرًا فأشكرُه، ويُسلِّمُ عليَّ فأردُّ عليه. فقال سعيد: سألتُ ابن عبّاس ﵁ عن نحو هذا، فقال لي: لو قال لي فرعونُ خيرًا لرددتُ عليه مثله. [عيون الأخبار ٣/ ١٦٧].
• وقال بعضهم: [عيون الأخبار ٣/ ١٦٣].
فلو كان يستغني عن الشكر سيّدٌ … لعِزّة مُلْكٍ أو علوّ مكانِ
لما أمر اللهُ الجليلُ بشكره … فقال اشكروني أيها الثَّقلانِ
• وقال بعضهم: [عيون الأخبار ٣/ ١٦٧].
لأشكُرنَّك معروفًا هَمَمتَ به … إنّ اهتمامَك بالمعروفِ معروفُ
ولا ألومُك إن لم يُمضِه قَدَرٌ … فالشيءُ بالقَدرِ المحتومِ مصروفُ
• وقال بعضهم: لا تثِقْ بشكر من تُعْطيه حتى تمنَعه، فإنّ الصابرَ هو
стр. 829
الشاكر، والجازعَ هو الكافر. [عيون الأخبار ٣/ ١٦٧].
• ويقال: الشكر ثلاثُ منازلَ: لِمن فوقك بالطاعةِ، ولِنظيرِكَ بالمكافأةِ، ولمن دونك بالإفضال عليه. [عيون الأخبار ٣/ ١٦٩].
• وفد رجل على سليمانَ بن عبد الملك ﵀ في خلافته؛ فقال له: ما أقدمك؟ قال: ما أقدمني عليك رَغْبَةٌ ولا رَهْبةٌ. قال: وكيف ذاك؟ قال: أما الرغبةُ فقد وصَلَتْ إلينا وفاضتْ في رحالنا وتناولها الأقصى والأدنى منّا، وأما الرّهَبةُ فقد أمِنّا بعدْلِ أمير المؤمنين علينا وحُسنِ سيرتِه فينا من الظلم، فنحن وفدُ الشكر. [عيون الأخبار ٣/ ١٧٠].
• وكان يقال: أوّلُ منازِل الحمدِ السلامةُ من الذمّ. [عيون الأخبار ٣/ ١٧٤].
• وقال بعض السلف ﵀: إن الرجل ليلقاني بالصحبة الحسنة فأرى أن سأموت قبل أن أكافئه. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٤/ ١٩٧].
• وقال أبو معاوية بن الأسود ﵀: إن الرجل ليلقاني بما أحب، فلو حلَّ لي أن أسجد له لفعلت، الكريم يشكر القليل. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٤/ ١٩٧].
• وقال بعضهم: [موسوعة ابن أبي الدنيا ٤/ ١٩٨].
وإذا ادخرت صنيعة تبغي بها … شكرًا فعند ذوى المكارم فادخر
وإذا افتقرت فكن لعرضك صائنًا … وعلى الخصاصة بالقناعة فاستتر
• وكان يقال: من لم يشكر صاحبه على النية: لم يشكره على حسن الصنيعة. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٤/ ١٩٩].
• وكان يقال: زكاة النعم: اتخاذ الصنائع والمعروف. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٤/ ١٩٨].
стр. 830
(جـ) فوائد أخرى:
• عن قتادة قال: كان مطرف بن عبد الله ﵀ يقول: إن من أحب عباد الله إلى الله الصبار الشكور، الذي إذا ابتلي صبر وإذا أعطي شكر. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٣٥٩].
• وعن عمرو بن السكن قال: كنت عند سفيان بن عيينة ﵀ فقام إليه رجل من أهل بغداد فقال: يا أبا محمد أخبرني عن قول مطرف: لأن أعافى فأشكر أحب إليّ من أن أبتلى فأصبر. أهو أحب إليك؟ أم قول أخيه أبي العلاء: اللهم رضيت لنفسي ما رضيت لي.
قال: فسكت سكتة ثم قال: قول مطرف أحب إليّ، فقال الرجل: كيف وقد رضي هذا لنفسه ما رضيه الله له.
قال سفيان: إني قرأت القرآن، فوجدت صفة سليمان مع العافية التي كان فيها: ﴿نعم العبد إنه أوابٌ﴾ [ص: ٣٠]، ووجدت صفة أيوب مع البلاء الذي كان فيه (نعم العبد إنه أوابٌ)، فاستوت الصفتان، وهذا معافى، وهذا مبتلى، فوجدت الشكر قد قام مقام الصبر، فلما اعتدلا، كانت العافية مع الشكر أحب إليّ من البلاء مع الصبر. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٣٦٧].
• وقال أبو جعفر المنصور ﵀ لعبد الله بن الربيع الحارثى: إني وإياك كمجير أم عامر، قال: يا أمير المؤمنين وما مجير أم عامر؟ قال: خرج قوم يطلبون الصيد فلم يجدوا إلا الضبع، فألجئوها إلى خيمة أعرابي، فأرادوها فنادى: يا آل بيت فلان، فذهبوا وتركوها، فأقبل يغذوها باللحم واللبن حتى أسمنها، فخرج لحاجته وترك أخاه في جانب الخيمة مريضا، فرجع فوجد الضبع قد ذهبت، ووجد أخاه مقطعا، فأنشأ يقول:
ومن يصنع المعروف في غير أهله … يلاقي الذي لاقى مجيرُ أمِّ عامر
ومن يصنع المعروف في غير أهله … يلاقي الذي لاقى مجيرُ أمِّ عامر
أذمَّ لها حين استجارت برحله … لتأمن ألبان اللقاح الدرائر
فأسمنها حتى إذا ما تكلمت … فَرَته بأنيابٍ لها وأظافر
فقل لذوي المعروف هذا جزاء من … أراد يد المعروف من غير شاكر
[موسوعة ابن أبي الدنيا ٤/ ٢٠١].
стр. 831
ذم الغفلة
• عن أحمد بن خضرويه ﵀ أنه قال: لا نوم أثقل من الغفلة، ولا رق أملك من الشهوة، ولولا ثقل الغفلة لم تظفر بك الشهوة. [المنتظم ١١/ ٢٧٥].
стр. 832
ذم الجهل
• قال عروة بن الزبير ﵀: يا بني تعلموا فإنكم إن تكونوا صغراء قوم، عسى أن تكونوا كبراءهم، واسوأتاه ماذا أقبح من شيخ جاهل. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٣٥٠].
• وعن أبي علي الحسين بن محمد الماسرجسي يحكي عن جده وغيره من أهل بيته قال: كان الحسن والحسين ابنا عيسى بن ماسرجسى يركبان معًا، فيتحير الناس في حسنهما وبزتهما، فاتفقا على أن يسلما فقصدا حفص بن عبد الرحمن ليسلما على يده، فقال لهما حفص: أنتما من أجلّ النصارى، وعبد الله بن المبارك خارج في هذه السنة إلى الحج، فإذا أسلمتما على يده كان ذلك أعظم عند المسلمين وأرفع لكما في عزكما وجاهكما، فإنه شيخ أهل المشرق والمغرب، فانصرفا عنه فمرض الحسين بن عيسى، فمات على نصرانيته قبل قدوم ابن المبارك، فلما قدم أسلم الحسن على يده.
قال ابن الجوزي ﵀ تعليقًا على هذه الرواية: " انظروا ما يعمل الجهل بأهله، فإنه لولا جهل حفص بن عبد الرحمن وقلة علمه لما أمرهما بتأخير الإسلام، لأنه لا يحل تأخيره، لكن الجهل يردي أصحابه.
ولما أسلم الحسن سمع من ابن المبارك ورحل في طلب العلم، وقدم بغداد حاجًا، فحدَّث بها، فسمع منه أحمد بن حنبل، والبخاري، ومسلم، وابن أبي الدنيا، وعدّ في مجلسه بباب الطاق اثنتا عشرة ألف محبرة ". [المنتظم ١١/ ٢٧٦، ٢٧٧].
• وقال أبو قُبيل: أُسرتُ ببلاد الروم فأصبتُ على ركن من أركانها:
ولا تَصْحَبْ أخا الجهل … وإيّاك وإيّاه
فكم من جاهل أَرْدَى … حليمًا حين آخاه
стр. 833
يُقَاسُ المرءُ بالمرء … إذا ما هو مَا شَاهُ
وللشيء على الشيء … مقاييسٌ وأشباهُ
وللقلب على القلب … دليلٌ حينَ يلقاهُ
[عيون الأخبار ٣/ ٨٢].
• وخرج الوليدُ بن يزيد حاجًّا ومعه عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر فكانا ببعض الطريق يَلْعَبان بالشِّطْرَنْج فاستأذن عليه رجلٌ من ثَقِيف فأَذِنَ له وسَتَرَ الشِّطْرَنْج بمنْدِيل، فلمّا دخل سلّم فسأله حاجَتَه؛ فقال له الوليد: أقرأتَ القرآن؟ قال: لا، يا أمير المؤمنين! شغلتني عنه أمورٌ وهَنَات. قال: أفتعرف الفِقْه؟ قال: لا. قال: أفَرَوْيت من الشِّعر شيئًا؟ قال: لا. قال: أفعلِمتَ من أيام العرب شيئًا؟ قال: لا. قال: فكَشَفَ المِنديل عن الشِّطْرَنْج وقال: شاهك. فقال له عبد الله بن معاوية: يا أمير المؤمنين! قال: اسْكُت فما معنا أحد. [عيون الأخبار ٢/ ٥١٨].
• وقال بعضهم: [عيون الأخبار ٢/ ٥١٩].
الحِلْمُ والعِلْمُ خَلَّتا كَرمٍ … للمرءِ زَيْنٌ إذا هما اجتمعا
• وقال الخليل ﵀: منزلة الجهل بين الحياء والأَنَفة. [عيون الأخبار ٢/ ٥٢١].
• وقال عبد الله بن المبارك ﵀: من كان فيه خلة من الجهل، كان من الجاهلين، أما سمعت الله تعالى قال لنوح ﵇: ﴿إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود: ٤٥] فقال الله: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود: ٤٦]. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ٣٩].
стр. 834
ذم الحمقى واللئام
• عن ميمون بن مهران قال: قال عمر بن عبد العزيز ﵀ لجلسائه: أخبروني بأحمق الناس؟ قالوا: رجل باع آخرته بدنياه، فقال عمر: أو أنبئكم بأحمق منه؟ قالوا: بلى، قال رجل باع آخرته بدنيا غيره. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٢٣٢].
• وعن وهب بن منبه ﵀: الأحمقُ إذا تكلَّم فضحهُ حمقُه، وإذا سكت فضحَهُ عِيُّه، وإذا عمِل أفسد، وإذا ترك أضاع، لا علمهُ يُعينُه، ولا عِلمُ غيره ينفعُه، تَوَدُّ أُمُّه أنها ثكِلَتْه، وامرأته لو عَدِمتهُ، ويتمنَّى جارُه منه الوحدة، ويجد جليسه منه الوَحشة. [السير (تهذيبه) ٢/ ٥٥٥].
• وعن كعب ﵀ قال: إن لكل قوم كلبا فاتقه، لا يتصلن بك شره. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٢/ ٦٢].
• وقال ابن أبي الدنيا ﵀:
لكلب الألسن إن فكرت فيه … أضر عليك من كلب الكلاب
لأن الكلب لا يؤذي صديقًا … وإن صديق هذا في عذاب
[موسوعة ابن أبي الدنيا ٢/ ٦٣].
• وعن أسماء بن عبيد، قال: بلغنا أن لقمان ﵇ قال لابنه: حليم كلما لقيك قرعك بعصاه، خير من سفيه كلما لقيك سرك. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٢/ ٦٥، ٦٦].
• وقال سفيان الثوري ﵀: وجدنا أصل كل عداوة اصطناع المعروف إلى اللئام. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٣٧٢].
• وقال محمد بن السماك ﵀: همة العاقل في النجاة والهرب، وهمة الأحمق في اللهو والطرب. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ٤٤].
стр. 835
مواعظ، وخطب، ووصايا، وحِكَم
(أ) مواعظ وخطب:
• عن ابن عبد الله بن سابط قال: لما حضر أبا بكر ﵁ الموت، دعا عمر رضي الله تعالى عنهما فقال له: اتق الله يا عمر، واعلم أن لله عملًا بالنهار لا يقبله بالليل وعملًا بالليل لا يقبله بالنهار، وأنه لا يقبل نافلة حتى تؤدى الفريضة، وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه، يوم القيامة، باتباعهم الحق في الدنيا وثقله عليهم، وحق لميزان يوضع فيه الحق غدًا أن يكون ثقيلًا، وإنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل في الدنيا وخفته عليهم وحق لميزان يوضع فيه الباطل غدًا أن يكون خفيفًا، وإن الله تعالى ذكر أهل الجنة فذكرهم بأحسن أعمالهم وتجاوز عن سيئاتهم، فإذا ذكرتهم قلت إني لأخاف أن لا ألحق بهم، وإن الله تعالى ذكر أهل النار فذكرهم بأسوأ أعمالهم ورد عليهم أحسنه، فإذا ذكرتهم قلت إني لأرجو أن لا أكون مع هؤلاء، ليكون العبد راغبًا راهبًا لا يتمنى على الله، ولا يقنط من رحمته فإن أنت حفظت وصيتي فلا يكن غائب أحب إليك من الموت - وهو آتيك - وإن أنت ضيعت وصيتي فلا يكن غائب أبغض إليك من الموت - ولست بمعجزه. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٦٠].
• وقال عمر بن الخطاب ﵁: لا تنظروا إلى صلاة امرئٍ ولا صيامه، ولكن انظروا إلى صدق حديثه إذا حدث، وإلى ورعه إذا أشفى، وإلى أمانته إذا ائتمن. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٢٣٣، ٢٣٤].
• وقال أيضًا ﵁: من كثر ضحكه قلت هيبته، ومن مزح استُخف به، ومن أكثر من شيء عُرف به، ومن كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه قل
стр. 836
حياؤه، ومن قل حياؤه قل ورعه، ومن قل ورعه قل خيره، ومن كثر أكله لم يجد لذكر الله لذة، ومن كثر نومه لم يجد في عمره بركة، ومن كثر كلامه في الناس سقط حقه عند الله، وخرج من الدنيا على غير الاستقامة. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٢/ ٧٩].
• وعن سعيد بن أبي هلال؛ أن أبا الدرداء ﵁ كان يقول: يا معشر أهل دمشق ألا تستحيون؟ تجمعون ما لا تأكلون، وتبنون ما لا تسكنون، وتأملون ما لا تبلغون. قد كان القرون من قبلكم يجمعون فيوعون، ويأملون فيطيلون، وينبون فيوثقون. فأصبح جمعهم بورا، وأملهم غرورًا، وبيوتهم قبورًا. هذه عاد قد ملأت ما بين عدن إلى عمان أموالًا وأولادًا، فمن يشتري مني تركة آل عاد بدرهمين؟ [الحلية (تهذيبه) ١/ ١٧٤].
• وعن قسامة بن زهير قال: خطبنا أبو موسى ﵁ بالبصرة فقال: يا أيها الناس ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا فإن أهل النار يبكون الدموع حتى تنقطع ثم يبكون الدماء حتى لو أرسلت فيها السفن لبحرت. [الزهد للإمام أحمد / ٣٥٥].
• وعنه قال: بلغني أن إبراهيم ﵇ حدث نفسه أنه أرحم الخلق. قال: فرفعه الله تعالى حتى أشرف على أهل الأرض، فأبصر أعمالهم، فلما رآهم وما يفعلون. قال: يا رب دمر عليهم. فقال له ربه تعالى: أنا أرحم بعبادي منك يا إبراهيم، فأهبط فلعلهم يتوبون ويرجعون. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٤٦٧].
• وعن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه كان يقول إذا قعد: إنكم في ممر الليل والنهار في آجال منقوصة، وأعمال محفوظة، والموت يأتي بغتة، من زرع خيرًا فيوشك أن يحصد رغبة، ومن زرع شرًا يوشك أن يحصد ندامة، ولكل زارع مثل ما زرع، لا يَسبق بطيءٌ بحظه، ولا يُدرِك حريصٌ ما لم يقدَّر له، فمن أعطي خيرًا فالله أعطاه، ومن وقي شرًا فالله وقاه، والمتقون سادة، والعلماء، قادة، ومجالستهم زيادة. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ٥٠٦].
• وعن ابن عباس ﵄ قال: خمس لهن أحسن من الدُّهم المُوقَفة: لا تتكلم فيما لا يعنيك، فإنه فضل ولا آمن عليك الوزر، ولا تتكلم فيما يعنيك حتى تجد له موضعا، فإنه رُبَّ متكلم في أمر يعنيه قد وضعه في غير موضعه
стр. 837
فيعنت، ولا تمار حليما ولا سفيها، فإن الحليم يقليك، وإن السفيه يؤذيك، واذكر أخاك إذا تغيب عنك بما تحب أن يذكرك به، وأعفه عما تحب أن يعفيك منه، واعمل عمل رجل يرى أنه مجازى بالإحسان مأخوذ بالإجرام. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٧/ ٨٨].
• وعن يونس بن جبير قال: شيعنا جندب بن عبد الله ﵁ فلما بلغنا حصن المكاتب قلنا له أوصنا قال: أوصيكم بتقوى الله والقرآن فإنه نور الليل المظلم وهدى النهار فاعملوا به على ما كان من جهد وفاقة وإن عرض بلاء فقدم مالك دون نفسك فإن تجاوز البلاء فقدم مالك ونفسك دون دينك فإن المحروب من حرب دينه والمسلوب من سلب دينه، إنه لا غنى بعد النار ولا فاقة بعد الجنة وأن النار لا يفك أسيرها ولا يستغني فقيرها. [الزهد للإمام أحمد / ٣٦٠].
• وعن علي بن الحسين ﵀ قال: إذا كان يوم القيامة نادى مناد: لقيم أهل الفضل، فيقوم ناس من الناس، فيقال: انطلقوا إلى الجنة فتتلقاهم الملائكة فيقولون إلى أين؟ فيقولون: إلى الجنة، قالوا: قبل الحساب؟ قالوا: نعم! قالوا: من أنتم؟ قالوا: أهل الفضل، قالوا: وما كان فضلكم؟ قالوا: كنا إذا جهل علينا حلمنا، وإذا ظلمنا صبرنا، وإذا أسيئ علينا غفرنا، قالوا: ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين.
ثم ينادي مناد: لِيَقُم أهل الصبر، فيقوم ناس من الناس، فيقال لهم: انطلقوا إلى الجنة، فتتلقاهم الملائكة، فيقال لهم مثل ذلك، فيقولون: نحن أهل الصبر. قالوا: ما كان صبركم؟ قالوا: صبرنا أنفسنا على طاعة الله، وصبرناها عن معصية الله . قالوا: ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين.
ثم ينادي مناد: ليقم جيران الله في داره، فيقوم ناس من الناس، وهم قليل! فيقال لهم: انطلقوا إلى الجنة، فتتلقاهم الملائكة، فيقال لهم مثل ذلك. قالوا: وبما جاورتم الله في داره؟ قالوا: كنا نتزاور في الله ونتجالس في الله، ونتباذل في الله. قالوا: ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٤٨٨].
стр. 838
• وعن عيسى بن عمر قال: كان عمرو بن عتبة بن فرقد ﵀ يخرج على فرسه ليلًا، فيقف على القبور فيقول: يا أهل القبور قد طويت الصحف، وقد رفعت الأعمال، ثم يبكي ويصف بين قدميه حتى يصبح، فيرجع فيشهد صلاة الصبح. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٧٣].
• وعن الأوزاعي ﵀ أنه وعظ فقال في موعظته: (أيها الناس! تقووا بهذه النعم التي أصبحتم فيها على الهرب من نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة؛ فإنكم في دارٍ، الثواءُ فيها قليلُ، وأنتم فيها تؤجلون خلائف بعد القرون الذين استقبلوا من الدنيا أنفها وزهرتها، فهم كانوا أطول منكم أعمارًا، وأمدَّ أجسامًا، وأعظم آثارًا؛ فجردُّوا الجبالَ، وجابوا الصخور، ونقبوا في البلاد مؤيدين ببطش شديدٍ، وأجسام كالعماد؛ فما لبثت الأيام والليالي أن طوت مدتهم، وعفت آثارهم، وأخوت منازلهم، وأنست ذكرهم، فما تحس منهم من أحدٍ ولا تسمع لهم ركزًا؛ كانوا بلهو الأمل آمنين، لبيات قومٍ غافلين، ولصباح قومٍ نادمين.
ثم إنكم قد علمتم الذي نزل بساحتهم بياتًا من عقوبة الله فأصبح كثيرٌ منهم في ديارهم جاثمين، وأصبح الباقون ينظرون في آثار نقمة الله وزوال نعمه، ومساكن خاوية فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم، وعبرةً لمن يخشى، وأصبحتم من بعدهم في أجل منقوصٍ، ودنيا مقبوضةٍ، في زمانٍ قد ولى عفوه، وذهب رجاؤه، فلم يبق منه إلا حمة شرّ، وصبابة كدرٍ، وأهاويل عبر، وعقوبات غبر، وأرسال فتنٍ، وتتابع زلازل، ورذالة خلفٍ، بهم ظهر الفساد في البر والبحر.
فلا تكونوا أشباهًا لمن خدعه الأملُ، وغره طول الأجل، فتبلغ بالأماني.
فنسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن وعى نذره فانتهى، وعقل مسراه فمهد لنفسه. [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٤٧٣، ٤٧٤].
• وعن عبيد بن عمير ﵀ قال: كان لرجل ثلاثة أخلاء بعضهم أخص له من بعض، فنزلت به نازلة فلقي أخص الثلاثة به فقال: يا فلان إنه نزل بي
стр. 839
كذا وكذا وإني أحب أن تعينني، قال: ما أنا بالذي أفعل. فانطلق إلى الذي يليه في الخاصة فقال: يا فلان إنه قد نزل بي كذا وكذا وأنا أحب أن تعينني، قال: فأنطلق معك حتى تبلغ المكان الذي تريد، فإذا بلغت رجعت وتركتك. قال: فانطلق إلى أخص الثلاثة. فقال: يا فلان إنه قد نزل بي كذا وكذا فأنا أحب أن تعينني. قال: أنا أذهب معك حيث ذهبت، وأدخل معك حيث دخلت.
قال: فالأول ماله خلفه في أهل ولم يتبعه منه شيء، والثاني أهله وعشيرته ذهبوا معه إلى قبره ثم رجعوا وتركوه، والثالث هو عمله وهو معه حيث ما ذهب ويدخل معه حيث ما دخل. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٨].
• وعن الحسن قال: مات أخ لنا فصلينا عليه فلما وضع في قبره ومد عليه الثوب، جاء صلة بن أشيم ﵀ وأخذ بناحية الثوب ثم نادى: يا فلان بن فلان!.
فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة … وإلا فإني لا أخالك ناجياَ
قال: فبكى وأبكى الناس. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٣٧٧].
• وقال بلال بن سعد ﵀: يا أهلَ التُّقى! إنَّكم لَمْ تُخلقوا للفناء، وإنما تُنقلُونَ مِن دارٍ إلى دار، كما نُقِلتُم من الأصلاب إلى الأرحام، ومن الأرحام إلى الدنيا، ومن الدنيا إلى القبور، ومِن القبور إلى الموقف، ومن الموقف إلى الخُلُود في جنة أو نار. [السير (تهذيبه) ٢/ ٥٨٤].
• وعن الأوزاعي قال: سمعت بلال بن سعد ﵀ يقول: وذكر الغساق فقال: لو أن قطعة منه وقعت إلى الأرض لأنتنت ما فيها. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ١٩٠].
• وقال أيضًا ﵀: إن الله يغفر الذنوب، ولكن لا يمحوها من الصحيفة، حتى يوقفه عليها يوم القيامة وإن تاب. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ١٩٠].
• وقال أيضًا ﵀: عبادَ الرحمن! هل جاءكم مخبر يخبركم أن شيئًا من أعمالكم تقبل منكم، أو شيئًا من خطاياكم غفر لكم؟ ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا
стр. 840
خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥]، والله لو عجل لكم الثواب في الدنيا لاستقللتم كلكم ما افترض عليكم، أفترغبون في طاعة الله بتعجيل دنيا تفنى عن قريب، ولا ترغبون ولا تنافسون في جنة ﴿أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوا وَّعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ﴾ [الرعد: ٣٥]. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ١٩٢].
• وقال وهب بن منبه ﵀: من يرحم يُرحم، ومن يصمت يسلم، ومن يجهل يُغلب، ومن يعجل يخطئ، ومن يحرص على الشر لا يسلم، ومن لا يدع المراء يُشتم، ومن لا يكره الشتم يأثم، ومن يكره الشر يُعصم، ومن يتبع وصية الله يحفظ، ومن يحذر الله يأمن، ومن يتولى الله يُمنع، ومن لا يسأل الله يفتقر، ومن لا يكن مع الله يخذل، ومن يستعن بالله يظفر. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٢/ ٤٧٧، ٤٧٨].
• وقال الحسن البصري ﵀: رحم الله رجلًا لم يغره كثرة ما يرى من كثرة الناس، ابن آدم إنك تموت وحدك، وتدخل القبر وحدك، وتبعث وحدك، وتحاسب وحدك، ابن آدم وأنت المعني وإياك يراد. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٣٣٩].
• وعن عباد بن راشد قال: سمعت الحسن البصري ﵀ قرأ: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣] لقد عدل عليك من جعلك حسيب نفسك. [الزهد للإمام أحمد / ٤٨٥].
• وعن أبي زكريا التيمي قال: بينما سليمان بن عبد الملك في المسجد الحرام إذ أتي بحجر منقوش، فطلب من يقرأه له فأتي بوهب بن منبه ﵀ فقرأه، فإذا فيه: ابن آدم إنك لو رأيت قرب ما بقي من أجلك لزهدت في طويل أملك، ولرغبت في الزيادة من عملك، ولقصرت من حرصك وحيلك، وإنما يلقاك غدًا ندمك، وقد زلت بك قدمك، وأسلمك أهلك وحشمك، فبان منك الوليد القريب، ورفضك الوالد والنسيب، فلا أنت إلى دنياك عائد، ولا في حسناتك زائد، فاعمل ليوم القيامة، قبل الحسرة والندامة. قال: فبكى سليمان بكاء شديدًا. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٥١].
• وعن الحسن ﵀ قال: (من علامات المسلم: قوة في دين، وحزم
стр. 841
في لين، وإيمان في يقين، وحلم في علم، وكَيس في رفق، وإعطاء في حق، وقصد في غنى، وتجمل في فاقة، وإحسان في قدرة، وطاعة معها نصيحة، وتورع في رغبة، وتعفف في جهد، وصبر في شدة، لا ترده رغبته، ولا يبدره لسانه، ولا يغلبه فرجه، ولا يميله هواه، ولا يفضحه بطنه، ولا يستخفه حرصه، ولا تقصر به نيته). [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٣٦].
• وعن ميمون ﵀ قال: يا ابن آدم خفف عن ظهرك، فإن ظهرك لا يطيق كل الذي تحمل عليه من ظلم هذا، وأكل مال هذا، وشتم هذا، وكل هذا تحمله عل ظهرك فخفف عن ظهرك. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٥٦].
• وعن حصين قال: كان من كلام إبراهيم التيمي ﵀ أنه يقول: أي حسرة أكبر على امرئ من أن يرى عبدًا كان له، خوله الله إياه في الدنيا، هو أفضل منزلة منه عند الله يوم القيامة؟ وأي حسرة على امرئ أكبر من أن يصيب مالًا فيرثه غيره، فيعمل فيه بطاعة الله تعالى، فيصير وزره عليه وأجره لغيره؟ وأي حسرة على امرئ أكبر من أن يرى من كان مكفوف البصر ففتح له عن بصره يوم القيامة وعمي هو؟ إن من كان قبلكم يفرون من الدنيا وهي مقبلة عليهم، ولهم من القدم مالهم، وأنتم تتبعونها وهي مدبرة عنكم، ولكم من الأحداث مالكم، فقيسوا أمركم وأمر القوم. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٨٩].
• وعن شفي الأصبحي ﵀ قال: ترك الخطيئة أيسر من طلب التوبة. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ١٧٧].
• وقال الربيع بن برة ﵀: ابن آدم إنما أنت جيفة منتنة، طيب نسيمك ما ركب فيك من روح الحياة، فلو قد نزع منك روحك، ألقيت جثة ملقاة، وجيفة منتنة، وجسدًا خاويًا، قد جيف بعد طيب ريحه، واستوحش منه بعد الأنس بقربه، فأي الخليقة ابن آدم منك أجهل، وأي الخليقة منك أعجب، إذ كنت تعلم أن هذا مصيرك وأن التراب مقيلك، ثم أنت بعد هذا لطول جهلك تقر بالدنيا عينًا، أما سمعته يقول: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [سبأ: ١٩] أما والله ما حداك على الصبر والشكر إلا لعظيم ثوابهما عنده لأوليائه، أما سمعته يقول جل ثناؤه: ﴿لَئِن
стр. 842
شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] أو ما سمعته يقول عز شأنه: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] فهاهما منزلتان عظيمتا الثواب عند الله قد بذلهما لك، يا ابن آدم فمن أعظم في الدنيا منك غفلة؟ أو من أطول في القيامة حسرة؟ إن كنت ترغب عما رغب لك فيه مولاك، وأنك تقرأ في الليل والنهار في الصباح والمساء ﴿نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الأنفال: ٤٠]. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٣٤٢].
• وعن زيد بن وهب ﵀ قال: خرجت إلى الجبانة فجلست فيها إلى جنب حائط، فجاء رجل إلى قبر فسواه، ثم جاء فجلس إليّ، فقلت: من هذا؟ قال: أخي. قلت: أخ لك. قال: أخ لي في الإسلام رأيته البارحة فيما يرى النائم، فقلت: فلان قد عشت الحمد لله رب العالمين. قال: قد قلتها، لأن أكون أقدر على أن أقولها أحب إليّ من ملء الأرض وما فيها، ألم تر حين كانوا يدفنوني فإن فلانًا قام فصلى ركعتين، لأن أكون أقدر على أن أصليهما أحب إليّ من الدنيا وما فيها. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٧٧].
• وعن همام قال: سمعت أبا عمران الجوني ﵀ يقول: ما من ليلة تأتي، إلا وتنادي: اعملوا فيَّ ما استطعتم من خير، فلن أرجع إليكم إلى يوم القيامة. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٤٠٢].
• وعن جعفر بن سليمان قال: سمعت أبا عمران الجوني ﵀ يقول: حُدثت أن البهائم إذا رأت بني آدم قد تصدعوا من بين يدي الله تعالى صنفين: صنف إلى الجنة، وصنف إلى النار، تناديهم البهائم يا بني آدم الحمد الله الذي لم يجعلنا اليوم مثلكم، لا جنة نرجو ولا عقابا نخاف. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٤٠٢].
• وعن جعفر قال: سمعت ثابتًا ﵀ يقول: وأي عبد أعظم حالًا من عبد يأتيه ملك الموت وحده، ويدخل قبره وحده، ويوقف بين يدي الله وحده، ومع ذلك ذنوب كثيرة ونعم من الله كثيرة. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٤٠٥].
• وعن مالك بن دينار ﵀ قال: إذا أحس أهل النار في النار بضرب المقامع انغمسوا في حياض الجحيم فيذهبون سفالًا سفالًا كما يغرق الرجل في الماء في الدنيا يذهب سفالًا سفالًا.
[الزهد للإمام أحمد / ٥٣٤].
стр. 843
• وقال أيضًا:
أتيت القبورَ فناديتُه … ـنَّ أين المعظَّم والمحتقَرْ
وأين المُدِلُّ بسلطانه … وأين المزكَّى إذا ما افتخَرْ
قال: فنوديت من بينها ولا أرى أحدًا:
تفانَوْا جميعًا فما مُخبِرٌ … وماتوا جميعًا وماتَ الخبَرْ
تروحُ وتغدو بناتُ الثرى … وتُمْحَى محاسنُ تلك الصُّوَرْ
فيا سائلي عن أناسٍ مَضَوْا … أَمَا لك فيما ترى مُعتبَرْ
قال: فرجعت وأنا أبكي. [عيون الأخبار ٢/ ٦٧٩].
• وقال الربيع بن عبد الرحمن ﵀: إن لله عبادًا أخمصوا له البطون عن مطاعم الحرام، وغضوا له الجفون عن مناظر الآثام، وأهملوا له العيون لما اختلط عليهم الظلام، رجاء أن ينير ذلك لهم قلوبهم إذا تضمنتهم الأرض بين أطباقها، فهم في الدنيا مكتئبون، وإلى الآخرة متطلعون، نفذت أبصار قلوبهم بالغيب إلى الملكوت، فرأت فيه ما رجت من عظم ثواب الله، فازدادوا والله بذلك جدا واجتهادا عند معاينة أبصار قلوبهم ما انطوت عليه آمالهم، فهم الذين لا راحة لهم في الدنيا، وهم الذين تقر أعينهم غدا بطلعة ملك الموت عليهم، قال: ثم بكى حتى بل لحيته بالدموع. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٣٤٤].
• وعن سفيان بن عيينة ﵀ قال: كان يقال: إن العاقل إذا لم ينتفع بقليل الموعظة، لم يزدد على الكثير منها إلا شرًا. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٤٣٠].
• وعنه ﵀ قال: كان يقال: أشد الناس حسرة يوم القيامة ثلاثة، رجل كان له عبد فجاء يوم القيامة أفضل عملًا منه، ورجل له مال فلم يتصدق منه فمات فورثه غيره فتصدق منه، ورجل عالم لم ينتفع بعلمه، فعلمه غيره فانتفع به. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٤٣٦].
• وعن أبي أحمد قال: كان عمر بن عبد العزيز ﵀ ليس له هِجيِّرَى إلا أن يقول:
تُسَرُّ بما يَبلَى وتفرَحُ بالمنى … كما اغترّ باللذّاتِ في النوم حالمُ
стр. 844
نهارُك يا مغرورُ سهوٌ وغَفْلةٌ … وليلُك نومٌ والردَى لك لازمُ
وسعيُك فيما سوف تكره غِبَّهُ … كذلك في الدنيا تعيشُ البهائمُ
كم من مستقبلٍ يومًا ليس بمستكمله، ومنتظِرٍ غدًا ليس من أجله، لو رأيتم الأجل ومسيرَه، لأبغضتم الأملَ وغرورَه. [عيون الأخبار ٢/ ٦٨٥].
• وعن هارون أبي محمد البربري؛ أن عمر بن عبد العزيز ﵀ استعمل ميمون بن مهران على الجزيرة على قضائها وعلى خراجها، فكتب إليه ميمون يستعفيه، وقال: كلفتني ما لا أطيق، أقضي بين الناس وأنا شيخ كبير ضعيف رقيق، فكتب عمر إليه: اجبِ من الخراج الطيب، واقض ما استبان لك، فإذا التبس عليك أمر فارفعه إليّ فإن الناس لو كانوا إذا كبر عليهم أمر تركوه، ما قام دين ولا دنيا. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٥٥].
• وعن محمد الكوفي قال: شهدت عمر بن عبد العزيز ﵀ يخطب، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إن الله تعالى خلق خلقه ثم أرقدهم، ثم يبعثهم من رقدتهم، فإما إلى جنة وإما إلى نار، والله إن كنا مصدقين بهذا إنا لحمقى، وإنا كنا مكذبين بهذا إنا لهلكى، ثم نزل. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٢٠٢].
• وعن عبد الله بن شوذب قال: حج سليمان ومعه عمر بن عبد العزيز ﵀، فخرج سليمان إلى الطائف فأصابه رعد وبرق ففزع سليمان فقال لعمر: ألا ترى ما هذا يا أبا حفص؟ قال: هذا عند نزول رحمته، فكيف لو كان عند نزول نقمته!! [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٢١٩].
• وعن يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبيه قال: خطب عمر بن عبد العزيز ﵀ هذه الخطبة، وكان آخر خطبة خطبها؛ حمد الله وأثنى عليه ثم قال:
إنكم لم تخلقوا عبثًا، ولم تتركوا سدى، وإن لكم معادًا ينزل الله فيه، ليحكم بينكم ويفصل بينكم، وخاب وخسر من خرج من رحمة الله، وحرم جنة عرضها السموات والأرض، ألم تعلموا أنه لا يأمن غدًا إلا من حذر الله اليوم وخافه، وباع نافدًا بباق، وقليلًا بكثير، وخوفًا بأمان؟ ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين، وستصير من بعدكم للباقين، وكذلك حتى تردوا إلى خير
стр. 845
الوارثين. ثم إنكم تشيعون كل يوم غاديًا ورائحًا، قد قضى نحبه، وانقضى أجله، حتى تغيبوه في صدع من الأرض، في شق صدع، ثم تتركوه غير ممهد ولا موسد، فارق الأحباب، وباشر التراب، ووجه للحاسب، مرتهن بما عمل، غني عما ترك، فقير إلى ما قدم. فاتقوا الله وموافاته وحلول الموت بكم، أما والله إني لأقول هذا، وما أعلم عند أحد من الذنوب أكثر مما عندي، وأستغفر الله، وما منكم من أحد يبلغنا حاجته لا يسع له ما عندنا إلا تمنيت أن يبدأ بي وبخاصتي، حتى يكون عيشنا وعيشه واحدًا، أما والله لو أردت غير هذا من غضارة العيش لكان اللسان به ذلولًا، وكنت بأسبابه عالمًا، ولكن سبق من الله كتاب ناطق، وسنة عادلة، دل فيها على طاعته، ونهى فيها عن معصيته ثم رفع طرف ردائه فبكى وأبكى من حوله. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٢٢٢].
• وعن محمد بن كعب قال: لما استُخلف عمر ﵀ بعث إليَّ وأنا بالمدينة، فقدمت عليه، فلما دخلت عليه، جعلت أنظر إليه نظرًا لا أصرف بصري عنه تعجبًا، فقال: يا ابن كعب إنك لتنظر إليّ نظرًا ما كنت تنظره!! قال: قلت: تعجبًا، قال: ما أعجبك؟ قلت: يا أمير المؤمنين أعجبني ما حال من لونك، ونحل من جسمك، ونفش من شعرك، قال: فكيف لو رأيتني بعد ثلاث وقد دليت في حفرتي - أو قبري - وسالت حدقتاي على وجنتي، وسال منخري صديدًا ودمًا، كنت لي أشد نكرة. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٢٣٨].
• وقال صالح بن عبد الجليل ﵀: ذهب المطيعون لله بلذيذ العيش في الدنيا والآخرة، يقول الله تعالى لهم يوم القيامة: رضيتم بي بدلًا دون خلقي، وآثرتموني على شهواتكم في الدنيا، فعندي اليوم فباشروها، فلكم اليوم عندي تحياتي وكرامتي، فبي فافرحوا، وبقربي فتنعموا، فوعزتي وجلالي ما خلقت الجنات إلا من أجلكم. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ١٨٠].
• وقال أبو سليمان الداراني ﵀: قرأت في بعض الكتب يقول الله : بعيني ما يتحمل المتحملون من أجلي، ويكابد المكابدون في طلب مرضاتي، فكيف بهم وقد صاروا في جواري، وتبحبحوا في رياض خلدي، فهنالك فليبشر المصغون إلى أعمالهم بالنظر العجيب من الحبيب القريب، ترون أن