في لين، وإيمان في يقين، وحلم في علم، وكَيس في رفق، وإعطاء في حق، وقصد في غنى، وتجمل في فاقة، وإحسان في قدرة، وطاعة معها نصيحة، وتورع في رغبة، وتعفف في جهد، وصبر في شدة، لا ترده رغبته، ولا يبدره لسانه، ولا يغلبه فرجه، ولا يميله هواه، ولا يفضحه بطنه، ولا يستخفه حرصه، ولا تقصر به نيته). [موسوعة ابن أبي الدنيا ١/ ٣٦].
• وعن ميمون ﵀ قال: يا ابن آدم خفف عن ظهرك، فإن ظهرك لا يطيق كل الذي تحمل عليه من ظلم هذا، وأكل مال هذا، وشتم هذا، وكل هذا تحمله عل ظهرك فخفف عن ظهرك. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٥٦].
• وعن حصين قال: كان من كلام إبراهيم التيمي ﵀ أنه يقول: أي حسرة أكبر على امرئ من أن يرى عبدًا كان له، خوله الله إياه في الدنيا، هو أفضل منزلة منه عند الله يوم القيامة؟ وأي حسرة على امرئ أكبر من أن يصيب مالًا فيرثه غيره، فيعمل فيه بطاعة الله تعالى، فيصير وزره عليه وأجره لغيره؟ وأي حسرة على امرئ أكبر من أن يرى من كان مكفوف البصر ففتح له عن بصره يوم القيامة وعمي هو؟ إن من كان قبلكم يفرون من الدنيا وهي مقبلة عليهم، ولهم من القدم مالهم، وأنتم تتبعونها وهي مدبرة عنكم، ولكم من الأحداث مالكم، فقيسوا أمركم وأمر القوم. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٨٩].
• وعن شفي الأصبحي ﵀ قال: ترك الخطيئة أيسر من طلب التوبة. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ١٧٧].
• وقال الربيع بن برة ﵀: ابن آدم إنما أنت جيفة منتنة، طيب نسيمك ما ركب فيك من روح الحياة، فلو قد نزع منك روحك، ألقيت جثة ملقاة، وجيفة منتنة، وجسدًا خاويًا، قد جيف بعد طيب ريحه، واستوحش منه بعد الأنس بقربه، فأي الخليقة ابن آدم منك أجهل، وأي الخليقة منك أعجب، إذ كنت تعلم أن هذا مصيرك وأن التراب مقيلك، ثم أنت بعد هذا لطول جهلك تقر بالدنيا عينًا، أما سمعته يقول: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [سبأ: ١٩] أما والله ما حداك على الصبر والشكر إلا لعظيم ثوابهما عنده لأوليائه، أما سمعته يقول جل ثناؤه: ﴿لَئِن
стр. 842
شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] أو ما سمعته يقول عز شأنه: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] فهاهما منزلتان عظيمتا الثواب عند الله قد بذلهما لك، يا ابن آدم فمن أعظم في الدنيا منك غفلة؟ أو من أطول في القيامة حسرة؟ إن كنت ترغب عما رغب لك فيه مولاك، وأنك تقرأ في الليل والنهار في الصباح والمساء ﴿نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الأنفال: ٤٠]. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٣٤٢].
• وعن زيد بن وهب ﵀ قال: خرجت إلى الجبانة فجلست فيها إلى جنب حائط، فجاء رجل إلى قبر فسواه، ثم جاء فجلس إليّ، فقلت: من هذا؟ قال: أخي. قلت: أخ لك. قال: أخ لي في الإسلام رأيته البارحة فيما يرى النائم، فقلت: فلان قد عشت الحمد لله رب العالمين. قال: قد قلتها، لأن أكون أقدر على أن أقولها أحب إليّ من ملء الأرض وما فيها، ألم تر حين كانوا يدفنوني فإن فلانًا قام فصلى ركعتين، لأن أكون أقدر على أن أصليهما أحب إليّ من الدنيا وما فيها. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٧٧].
• وعن همام قال: سمعت أبا عمران الجوني ﵀ يقول: ما من ليلة تأتي، إلا وتنادي: اعملوا فيَّ ما استطعتم من خير، فلن أرجع إليكم إلى يوم القيامة. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٤٠٢].
• وعن جعفر بن سليمان قال: سمعت أبا عمران الجوني ﵀ يقول: حُدثت أن البهائم إذا رأت بني آدم قد تصدعوا من بين يدي الله تعالى صنفين: صنف إلى الجنة، وصنف إلى النار، تناديهم البهائم يا بني آدم الحمد الله الذي لم يجعلنا اليوم مثلكم، لا جنة نرجو ولا عقابا نخاف. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٤٠٢].
• وعن جعفر قال: سمعت ثابتًا ﵀ يقول: وأي عبد أعظم حالًا من عبد يأتيه ملك الموت وحده، ويدخل قبره وحده، ويوقف بين يدي الله وحده، ومع ذلك ذنوب كثيرة ونعم من الله كثيرة. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٤٠٥].
• وعن مالك بن دينار ﵀ قال: إذا أحس أهل النار في النار بضرب المقامع انغمسوا في حياض الجحيم فيذهبون سفالًا سفالًا كما يغرق الرجل في الماء في الدنيا يذهب سفالًا سفالًا.
[الزهد للإمام أحمد / ٥٣٤].
стр. 843
• وقال أيضًا:
أتيت القبورَ فناديتُه … ـنَّ أين المعظَّم والمحتقَرْ
وأين المُدِلُّ بسلطانه … وأين المزكَّى إذا ما افتخَرْ
قال: فنوديت من بينها ولا أرى أحدًا:
تفانَوْا جميعًا فما مُخبِرٌ … وماتوا جميعًا وماتَ الخبَرْ
تروحُ وتغدو بناتُ الثرى … وتُمْحَى محاسنُ تلك الصُّوَرْ
فيا سائلي عن أناسٍ مَضَوْا … أَمَا لك فيما ترى مُعتبَرْ
قال: فرجعت وأنا أبكي. [عيون الأخبار ٢/ ٦٧٩].
• وقال الربيع بن عبد الرحمن ﵀: إن لله عبادًا أخمصوا له البطون عن مطاعم الحرام، وغضوا له الجفون عن مناظر الآثام، وأهملوا له العيون لما اختلط عليهم الظلام، رجاء أن ينير ذلك لهم قلوبهم إذا تضمنتهم الأرض بين أطباقها، فهم في الدنيا مكتئبون، وإلى الآخرة متطلعون، نفذت أبصار قلوبهم بالغيب إلى الملكوت، فرأت فيه ما رجت من عظم ثواب الله، فازدادوا والله بذلك جدا واجتهادا عند معاينة أبصار قلوبهم ما انطوت عليه آمالهم، فهم الذين لا راحة لهم في الدنيا، وهم الذين تقر أعينهم غدا بطلعة ملك الموت عليهم، قال: ثم بكى حتى بل لحيته بالدموع. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٣٤٤].
• وعن سفيان بن عيينة ﵀ قال: كان يقال: إن العاقل إذا لم ينتفع بقليل الموعظة، لم يزدد على الكثير منها إلا شرًا. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٤٣٠].
• وعنه ﵀ قال: كان يقال: أشد الناس حسرة يوم القيامة ثلاثة، رجل كان له عبد فجاء يوم القيامة أفضل عملًا منه، ورجل له مال فلم يتصدق منه فمات فورثه غيره فتصدق منه، ورجل عالم لم ينتفع بعلمه، فعلمه غيره فانتفع به. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٤٣٦].
• وعن أبي أحمد قال: كان عمر بن عبد العزيز ﵀ ليس له هِجيِّرَى إلا أن يقول:
تُسَرُّ بما يَبلَى وتفرَحُ بالمنى … كما اغترّ باللذّاتِ في النوم حالمُ
стр. 844
نهارُك يا مغرورُ سهوٌ وغَفْلةٌ … وليلُك نومٌ والردَى لك لازمُ
وسعيُك فيما سوف تكره غِبَّهُ … كذلك في الدنيا تعيشُ البهائمُ
كم من مستقبلٍ يومًا ليس بمستكمله، ومنتظِرٍ غدًا ليس من أجله، لو رأيتم الأجل ومسيرَه، لأبغضتم الأملَ وغرورَه. [عيون الأخبار ٢/ ٦٨٥].
• وعن هارون أبي محمد البربري؛ أن عمر بن عبد العزيز ﵀ استعمل ميمون بن مهران على الجزيرة على قضائها وعلى خراجها، فكتب إليه ميمون يستعفيه، وقال: كلفتني ما لا أطيق، أقضي بين الناس وأنا شيخ كبير ضعيف رقيق، فكتب عمر إليه: اجبِ من الخراج الطيب، واقض ما استبان لك، فإذا التبس عليك أمر فارفعه إليّ فإن الناس لو كانوا إذا كبر عليهم أمر تركوه، ما قام دين ولا دنيا. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٥٥].
• وعن محمد الكوفي قال: شهدت عمر بن عبد العزيز ﵀ يخطب، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إن الله تعالى خلق خلقه ثم أرقدهم، ثم يبعثهم من رقدتهم، فإما إلى جنة وإما إلى نار، والله إن كنا مصدقين بهذا إنا لحمقى، وإنا كنا مكذبين بهذا إنا لهلكى، ثم نزل. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٢٠٢].
• وعن عبد الله بن شوذب قال: حج سليمان ومعه عمر بن عبد العزيز ﵀، فخرج سليمان إلى الطائف فأصابه رعد وبرق ففزع سليمان فقال لعمر: ألا ترى ما هذا يا أبا حفص؟ قال: هذا عند نزول رحمته، فكيف لو كان عند نزول نقمته!! [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٢١٩].
• وعن يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبيه قال: خطب عمر بن عبد العزيز ﵀ هذه الخطبة، وكان آخر خطبة خطبها؛ حمد الله وأثنى عليه ثم قال:
إنكم لم تخلقوا عبثًا، ولم تتركوا سدى، وإن لكم معادًا ينزل الله فيه، ليحكم بينكم ويفصل بينكم، وخاب وخسر من خرج من رحمة الله، وحرم جنة عرضها السموات والأرض، ألم تعلموا أنه لا يأمن غدًا إلا من حذر الله اليوم وخافه، وباع نافدًا بباق، وقليلًا بكثير، وخوفًا بأمان؟ ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين، وستصير من بعدكم للباقين، وكذلك حتى تردوا إلى خير
стр. 845
الوارثين. ثم إنكم تشيعون كل يوم غاديًا ورائحًا، قد قضى نحبه، وانقضى أجله، حتى تغيبوه في صدع من الأرض، في شق صدع، ثم تتركوه غير ممهد ولا موسد، فارق الأحباب، وباشر التراب، ووجه للحاسب، مرتهن بما عمل، غني عما ترك، فقير إلى ما قدم. فاتقوا الله وموافاته وحلول الموت بكم، أما والله إني لأقول هذا، وما أعلم عند أحد من الذنوب أكثر مما عندي، وأستغفر الله، وما منكم من أحد يبلغنا حاجته لا يسع له ما عندنا إلا تمنيت أن يبدأ بي وبخاصتي، حتى يكون عيشنا وعيشه واحدًا، أما والله لو أردت غير هذا من غضارة العيش لكان اللسان به ذلولًا، وكنت بأسبابه عالمًا، ولكن سبق من الله كتاب ناطق، وسنة عادلة، دل فيها على طاعته، ونهى فيها عن معصيته ثم رفع طرف ردائه فبكى وأبكى من حوله. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٢٢٢].
• وعن محمد بن كعب قال: لما استُخلف عمر ﵀ بعث إليَّ وأنا بالمدينة، فقدمت عليه، فلما دخلت عليه، جعلت أنظر إليه نظرًا لا أصرف بصري عنه تعجبًا، فقال: يا ابن كعب إنك لتنظر إليّ نظرًا ما كنت تنظره!! قال: قلت: تعجبًا، قال: ما أعجبك؟ قلت: يا أمير المؤمنين أعجبني ما حال من لونك، ونحل من جسمك، ونفش من شعرك، قال: فكيف لو رأيتني بعد ثلاث وقد دليت في حفرتي - أو قبري - وسالت حدقتاي على وجنتي، وسال منخري صديدًا ودمًا، كنت لي أشد نكرة. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٢٣٨].
• وقال صالح بن عبد الجليل ﵀: ذهب المطيعون لله بلذيذ العيش في الدنيا والآخرة، يقول الله تعالى لهم يوم القيامة: رضيتم بي بدلًا دون خلقي، وآثرتموني على شهواتكم في الدنيا، فعندي اليوم فباشروها، فلكم اليوم عندي تحياتي وكرامتي، فبي فافرحوا، وبقربي فتنعموا، فوعزتي وجلالي ما خلقت الجنات إلا من أجلكم. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ١٨٠].
• وقال أبو سليمان الداراني ﵀: قرأت في بعض الكتب يقول الله : بعيني ما يتحمل المتحملون من أجلي، ويكابد المكابدون في طلب مرضاتي، فكيف بهم وقد صاروا في جواري، وتبحبحوا في رياض خلدي، فهنالك فليبشر المصغون إلى أعمالهم بالنظر العجيب من الحبيب القريب، ترون أن
стр. 846
أضيع لهم عملًا، وأنا أجود على المولين عني، فكيف بالمتقبلين عليّ؟ ما غضبت على أحد كغضبي على من أذنب ذنبًا فاستعظمه في جنب عفوي، فلو كنت معجلًا أحدًا وكانت العجلة من شأني لعاجلت القانطين من رحمتي، فأنا الديان الذي لا تحل معصيتي ولا أطاع إلا بفضل رحمتي، ولو لم أشكر عبادي إلا على خوفهم من المقام بين يدي لشكرتهم على ذلك، وجعلت ثوابهم الأمن مما خافوا، فكيف بعبادي لو قد رفعت قصورًا تحار لرؤيتها الأبصار، فيقولون: ربنا لمن هذه القصور؟ فأقول: لمن أذنب ذنبًا ولم يستعظمه في جنب عفوي، ألا وإني مكافئ على المدح فامدحوني. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ١٨١].
• وعن عثمان بن عبد الحميد قال: دخل سابق البربري ﵀ على عمر بن عبد العزيز، فقال له: عظني يا سابق وأوجز، قال: نعم يا أمير المؤمنين وأبلغ إن شاء الله، قال: هات فأنشده:
إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى … ووافيت بعد الموت من قد تزودا
ندمت على أن لا تكون شركته … وأرصدت قبل الموت ما كان أرصدا
فبكى عمر حتى سقط مغشيًا عليه. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٢٢٩].
• وقال بعضهم: [البداية والنهاية ١٠/ ٣٢٩].
ما شئت كان وإن لم أشأ … وما شئتُ إن لم تشأ لم يكنْ
خلقت العباد على ما علمتَ … ففي العلم يجري الفتى والمسنّ
فمنهم شقيٌّ ومنهم سعيدٌ … ومنهم قبيحٌ ومنهم حسنْ
على ذا مننْتَ وهذا خذلتَ … وهذا أعنتَ وذا لم تعنْ
• وعن يعقوب بن الوليد قال: سمعت أبا تراب ﵀ يقول: يا أيها الناس، أنتم تحبون ثلاثة وليس هي لكم: تحبون النفس وهي لله، وتحبون الروح والروح لله، وتحبون المال والمال للورثة، وتطلبون اثنين ولا تجدونهما: الفرح والراحة وهما في الجنة. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ٢٥٦].
• وقال مالك بن أنس ﵀: قال لقمان ﵇ لابنه: يا بني إن الناس قد
стр. 847
تطاول عليهم ما يوعدون، وهم إلى الآخرة سراع يذهبون، وإنك قد استدبرت الدنيا منذ كنت، واستقبلت الآخرة، وإن دارًا تسير إليها، أقرب إليك من دار تخرج منها. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٣٥٤].
• وعن مكحول ﵀ قال: كنا أجنّةً في بطون أُمّهاتنا فسَقَط من سَقَط وكنا فيمن بَقِي، ثم كنا مَرَاضع فَهَلك منا من هلك وبَقِي من بقي، وكنا أيفاعًا، وذكر مثل ذلك، ثم صِرنا شبّانا، وذكر مثل ذلك، ثم صرنا شيوخًا لا أبا لك فما ننتظر وما نريد! وهل بَقِيت حالةٌ ننتقل إليها. [عيون الأخبار ٢/ ٧٣٠].
• وقال أيضًا ﵀: بؤسًا لأهل النار، لو نظروا إلى زوار الرحمن قد حملوا على النجائب، يزفون إلى الله زفًا، وحشروا وفدًا وفدًا، ونصبت لهم المنابر، ووضعت لهم الكراسي، وأقبل عليهم الجليل ﷻ بوجهه، ليسرهم وهو يقول: إليّ عبادي إليّ عبادي، إليّ أوليائي المطيعين، إليّ أحبائي المشتاقين، إليَّ أصفيائي المحزونين، ها أنذا اعرفوني، من كان منكم مشتاقًا أو محبًا أو متملقًا فليتمتع بالنظر إلي وجهي الكريم، فوعزتي وجلالي لأفرحنكم بجواري، ولأسرنكم بقربي، ولأبيحنكم كرامتي، من الغرفات تشرفون، وتتكئون على الأسرة، فتتملكون، تقيمون في دار المقامة أبدًا لا تظعنون، تأمنون فلا تحزنون، تصحون فلا تسقمون تتنعمون في رغد العيش لا تموتون، وتعانقون الحور الحسان فلا تملون ولا تسأمون، كلوا واشربوا هنيئًا، وتنعموا كثيرا بما أنحلتم الأبدان، وأنهكتم الأجساد، ولزمتم الصيام وسهرتم بالليل والناس نيام. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٤٩١].
• وقال الفضيل بن عياض ﵀: تريد الجنة مع النبيين والصديقين، وتريد أن تقف الموقف مع نوح وإبراهيم ومحمد عليهم الصلاة والسلام؟ بأي عمل وأي شهوة تركتها لله وأي قريب باعدته في الله، وأي بعيد قربته في الله. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ١٠].
• وقال أيضًا ﵀: ما من ليلة اختلط ظلامها، وأرخى الليل سربال سترها، إلا نادى الجليل ﷻ : من أعظم مني جودًا، والخلائق لي عاصون، وأنا لهم مراقب، أكلؤهم في مضاجعهم كأنهم لم يعصوني، وأتولى حفظهم
стр. 848
كأنهم لم يذنبوا، من بيني وبينهم، أجود بالفضل على العاصي، وأتفضل على المسيء، من ذا الذي دعاني فلم أسمع إليه؟ أو من ذا الذي سألني فلم أعطه؟ أم من ذا الذي أناخ ببابي ونحيته، أنا الفضل ومني الفضل، أنا الجود ومني الجود، أنا الكريم ومني الكرم، ومن كرمي أن أغفر للعاصي بعد المعاصي، ومن كرمي أن أعطي التائب كأنه لم يعصني، فأين عني تهرب الخلائق، وأين عن بابي يتنحى العاصون؟. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ١٢].
• وعن الحسن بن علي العابد قال: قال فضيل بن عياض ﵀ لرجل: كم أتت عليك؟ قال: ستون سنة، قال: فأنت منذ ستين سنة تسير إلى ربك توشك أن تبلغ، فقال الرجل: يا أبا علي إنا لله وإنا إليه راجعون، قال له الفضيل: تعلم ما تقول؟ قال الرجل: قلت: إنا لله وإنا إليه راجعون. قال الفضيل: تعلم ما تفسيره؟ قال الرجل: فسره لنا يا أبا علي، قال: قولك إنا لله، تقول: أنا لله عبد وأنا إلى الله راجع، فمن علم أنه عبد الله وأنه إليه راجع، فليعلم بأنه موقوف، ومن علم بأنه موقوف، فليعلم بأنه مسؤول، ومن علم أنه مسؤول، فليعد للسؤال جوابًا، فقال الرجل: فما الحيلة؟ قال: [يسيرة] (١) قال: ما هي؟ قال: تحسن فيما بقي، يغفر لك ما مضى وما بقي، فإنك إن أسأت فيما بقي أخذت بما مضى وما بقي. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ٢٨].
• وعن وهيب بن الورد ﵀ قال: بلغنا أنه ما من ميت يموت، حتى يتراءى له ملكاه اللذان كانا يحفظان عليه عمله في الدنيا، فإن كان صحبهما بطاعة، قالا له: جزاك الله عنا من جليس خيرًا، فربَّ مجلس صدق قد أجلستناه، وعمل صالح قد أحضرتناه، وكلام حسن قد أسمعتناه، فجزاك الله عنا من جليس خيرًا، وإن كان صحبهما بغير ذلك، مما ليس لله برضى، قلبا عليه الثناء فقالا: لا جزاك الله عنا من جليس خيرًا، فرب مجلس سوء قد أجلستناه، وعمل غير صالح قد أحضرتناه، وكلام قبيح قد أسمعتناه، فلا
стр. 849
جزاك الله عنا من جليس خيرًا. قال: فذاك شخوص بصر الميت إليهما، ولا يرجع إلى الدنيا أبدًا. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ٣٤].
• وقال يحيى بن معاذ ﵀: لو رأت العقول بعيون الإيمان نزهة الجنة لذابت النفوس شوقًا، ولو أدركت القلوب كنه هذه المحبة لخالقها لانخلعت مفاصلها إليه ولها عليه، ولطارت الأرواح إليه من أبدانها دهشًا، فسبحان من أغفل الخليقة عن كنه هذه الأشياء، وألهاهم بالوصف عن حقائق هذه الأشياء. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ٢٥٩].
• وقال ابن كثير ﵀: يقال: إنّ سَببَ وضْعِ الملك نور الدين محمود المكوسَ عن الناسِ أنَّ الواعِظَ أبا عثمان ﵀ المُنْتَجَب بنَ أبي محمدٍ الواسطيَّ - وكان مِن الصالحِين الكبارِ - أنشد نورَ الدينِ:
مثّلْ وقوفَك أيُّها المغْرورُ … يومَ القيامة والسماءُ تَمُورُ
إنْ قيلَ نورُ الدينِ رُحْتَ مُسلِّمًا … فاحذَرْ بأنْ تبْقَى وما لَكَ نورُ
أنَهَيتَ عن شُربِ الخمورِ وأنتَ مِن … كأسِ المظالمِ طافحٌ مَخْمورُ
عطَّلْتَ كاسات المُدامِ تعَفُّفا … وعليكَ كاساتُ الحرام تدورُ
ماذا تقولُ إذا نقلتَ إلى البِلى … فرْدًا وجاءَكَ منكرٌ ونكيرُ
وتعلَّقَتْ فيكَ الخُصوم وأنتَ في … يومِ الحساب مُسَحَّبٌ مجرورُ
وتفرَّقَتْ عنك الجنودُ وأنتَ في … ضِيقِ اللُّحودِ مُوَسَّدٌ مقْبُورُ
وودِدْتَ أنكَ ما وَلِيتَ ولايةً … يومًا ولا قال الأنامُ أميرُ
وبقيتَ بعدَ العزِّ رَهْنَ حُفَيْرَةٍ … في عالمِ الموْتَى وأنتَ حقيرُ
وحُشِرْتَ عُرْيانًا حزينًا باكيًا … قلقًا وما لكَ في الأنامِ مُجيرُ
أرضيتَ أنْ تحْيَا وقلبُكَ دارِسٌ … عَافِي الخَرابِ وجسْمُكَ المعمُورُ
أرضيتَ أنْ يحْظَى سواَكَ بقُربهِ … أبدًا وأنتَ مبَعَّدٌ مهجورُ
مهِّدْ لنفْسِكَ حُجَّةً تنْجُو بها … يومَ المَعادِ لعلَّكَ المعذورُ
فلمَّا سمعها الملكُ نورُ الدين بكَى، وأمرَ بوضْعِ المكوساتِ والضرائبِ في سائرِ بلادِه. [البداية والنهاية ١٢/ ٣٦٤].
стр. 850
(ب) وصايا، وتوجيهات، وحِكَم:
• قال علي بن أبي طالب ﵁: إن أخوف ما أخاف اتباع الهوى وطول الأمل. فأما اتباع الهوى فيصد عن الحق، وأما طول الأمل فينسي الآخرة. ألا وإن الدنيا قد ترحلت مدبرة، ألا وإن الآخرة قد ترحلت مقبلة، ولكل واحد منهما بنون. فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدا حساب ولا عمل. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٨٢].
• وقال أيضًا ﵁: ألا إن الفقيه كل الفقيه، الذي لا يقنط الناس من رحمة الله، ولا يؤمنهم من عذاب الله، ولا يرخص لهم في معاصي الله، ولا يدع القرآن رغبة عنه إلى غيره ولا خير في عبادة لا علم فيها، ولا خير في علم لا فهم فيه، ولا خير في قراءة لا تدبر فيها. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٨٣].
• وقال أيضًا ﵁: ثلاثة لا يعرفون إلا في ثلاث، لا يعرف الشجاع إلا في الحرب، ولا الحليم إلا عند الغضب، ولا الصديق إلا عند الحاجة. [الكامل في اللغة والأدب / ١٩٠].
• وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: لا يقلدن أحدكم دينه رجلًا، فإن آمن آمن، وإن كفر كفر؛ فإن كنتم لا بد مقتدين فاقتدوا بالميت فإن الحي لا يؤمن عليه الفتنة. [الحلية (تهذيبه) ١/ ١٢٣].
• وقال أيضًا ﵁: من تطاول تعظيمًا خفضه الله ومن تواضع لله تخشعًا رفعه الله وإن للملك لمَّة وللشيطان لمَّة، فلمة الملك إيعاد بالخير وتصديق بالحق، إذا رأيتم ذلك فاحمدوا الله ولمة الشيطان إيعاد بالشر وتكذيب بالحق، فإذا رأيتم ذلك فتعوذوا بالله . [الزهد للإمام أحمد / ٢٩٠].
• وعن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود ﵁، عن أبيه. قال: أتاه رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن علمني كلمات جوامع نوافع، فقال: اعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وزل مع القرآن حيث زال، ومن جاءك بالحق فاقبل منه، وإن كان بعيدًا بغيضًا، ومن جاءك بالباطل، فاردد عليه وإن كان حبيبًا قريبًا. [الحلية (تهذيبه) ١/ ١٢١].
стр. 851
• وقال ﵁ لابنه: يا بني ليسعك بيتك، وأملك عليك لسانك، وابك من ذكر خطيئتك. [الزهد للإمام أحمد / ٢٨٩].
• وعن أبي الدرداء ﵁ قال: لولا ثلاث صلح الناس: شح مطاع وهوى متبع وإعجاب كل ذي رأي برأيه. [الزهد للإمام أحمد / ٢٥٨].
• وعن عبد الله بن سلمة قال: قال رجل لمعاذ بن جبل ﵁: علمني. قال: وهل أنت مطيعي؟ قال: إني على طاعتك لحريص. قال: صُمْ وأفطِر، وصلّ ونم، واكتسب ولا تأثم، ولا تموتن إلا وأنت مسلم، وإياك ودعوة المظلوم. [صفة الصفوة ١/ ٢٣١].
• وعن عِكرمة، عن ابن عباس ﵁ قال: خذ الحكمة ممن سمعتَ؛ فإن الرجل ليتكلم بالحكمة، وليس بحكيم، فتكون كالرّمْية خرجت من غير رامٍ. [صفة الصفوة ١/ ٣٧٣].
• وعن الشعبي قال: قال لي الأحنف بن قيس ﵀: يا شعبي: قلت: لبيك، قال: ثمانية إن أهينوا فلا يلوموا إلا أنفسهم، قلت: من هم؟ قال: الآتي إلى مائدة لم يُدْع إليها، والداخل بين اثنين في حديثهما ولم يُدْخلاه، والمتآمر على رب البيت في بيته، والمندلق بالدالة على السلطان، والجالس في المجلس الذي ليس له بأهل، والمقبل بحديثه إلى من لا يسمع منه، والطامع في فضل البخيل، والمنزل حاجته بعدوه.
قال: يا شعبي، ألا أدلك على الداء الدوي؟ قلت: بلى، قال: الخلق الرديء واللسان البذيء.
قال: قلت له: دلني على مروءة ليس فيها مرزية، فقال: بخٍ بخٍ يا شعبي، سألت عظيمًا، الخلق الشحيح والكف عن القبيح. [المنتظم ٦/ ٩٤، ٩٥].
• وقال بعضهم: [موسوعة ابن أبي الدنيا ٢/ ٧٥].
فلا تعجل على أحد بظلم … فإن الظلم مرتعه وخيم
ولا تفحش وإن ملئت غيظًا … على أحد فإن الفحش لؤم
ولا تقطع أخًا لك عند ذنب … فإن الذنب يغفره الكريم
стр. 852
ولكن دار عورته برقع … كما قد ترقع الخَلِق القديم
ولا تجزع لريب الدهر واصبر … فإن الصبر في العقبى سليم
فما جزع بمغن عنك شيئًا … ولا ما فات يرجعه الهموم
• وعن أبي السَّليل، قال: قال لي غنيم بن قيس ﵁: كنا نتواعظ في أول الإسلام بأربعة: اعمل في فراغك لشغلك واعمل في صحتك لسقمك واعمل في شبابك لكبرك واعمل في حياتك لموتك. [الزهد للإمام أحمد / ٤٢٢].
• وعن الربيع بن أنس ﵀ قال: مكتوب في الحكمة: من يصحب صاحب السوء لا تسلم، ومن يدخل مداخل السوء يُتهم، ومن لا يملك لسانه يندم. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٧/ ٣٣٥].
• وعن أبي حازم ﵀ قال: انظر الذي تحب أن يكون معك في الآخرة فقدمه اليوم، وانظر الذي تكره أن يكون معك ثمَّ فاتركه اليوم. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٥٢٥].
• وعنه ﵀ قال: كل عمل تكره الموت من أجله فاتركه، ثم لا يضرك متى مت. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٥٢٥].
• وعن الحسن البصري ﵀ قال: إن الرجل ليدخل المدخل ويجلس المجلس أو يأكل الأكلة فيغير قلبه فإياكم والدخول على أهل البسطة فإن الدخول عليهم يغير قلب الرجل فيتسخط ما في يديه.
[الزهد للإمام أحمد / ٤٧٥].
• وقال أيضًا ﵀: حُسْنُ السؤالِ نصفُ العلمِ، ومُداراةُ الناسِ نصفُ العقلِ، والقصدُ في المعيشة نصفُ المؤونةِ. [عيون الأخبار ٣/ ٢٨].
• وقال عروة بن الزبير ﵀: إذا رأيتم خلة شر رائعة من رجل فاحذروه، وإن كان عند الناس رجل صدق، فإن لها عنده أخوات، وإذا رأيتم خلة خير رائعة من رجل فلا تقطعوا عنه إياسكم، وإن كان عند الناس رجل سوء، فإن لها عنده أخوات. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٣٥٠].
стр. 853
• وقال أيضًا ﵀: مكتوب في الحكمة: لا تخن الخائن، خيانته تكفيه. [الزهد للإمام أحمد / ٢٠٩].
• وعن عون بن عبد الله ﵀ قال: كان الفقهاء يتواصون بينهم بثلاث - ويكتب بذلك بعضهم إلى بعض -: من عمل لآخرته كفاه الله دنياه، ومن أصلح سريرته أصلح الله علانيته، ومن أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٩٧].
• وقال أيضًا ﵀: الخير من الله كثير، ولكنه لا يبصره من الناس إلا يسير، وهو للناس من الله معروض، ولكنه لا يبصره من لا ينظر إليه، ولا يجده من لا يبتغيه، ولا يستوجبه من لا يعلم به. ألم تروا إلى كثرة نجوم السماء فإنه لا يهتدي بها إلا العلماء. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٩٦].
• وقال مالك بن دينار ﵀: كان الأبرار يتواصون بثلاث؛ بسجن اللسان، وكثرة الاستغفار، والعزلة. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٤٢٧].
• وعن ابن أبي نجيح ﵀ قال: قال سليمان بن داود ﵇: أوتينا ما أوتي الناس وما لم يؤتوا، وعلمنا ما علم الناس وما لم يعلموا، فلم نجد شيئًا أفضل من ثلاث كلمات الحلم في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى، وخشية الله في السر والعلانية. [الزهد للإمام أحمد / ١٠٨].
• وعن حفص بن عمرو - وهو ابن أخي سفيان الثوري ﵀ قال: كتب سفيان إلى عباد بن عباد:
أما بعد، فإنك في زمان كان أصحاب النبي ﷺ يتعوذون أن يدركوه، ولهم من العلم ما ليس لنا، ولهم من القدم ما ليس لنا، فكيف بنا حين أدركناه على قلة علم، وقلة صبر، وقلة أعوان على الخير، وفساد من الناس، وكدر من الدنيا.
فعليك بالأمر الأول والتمسك به.
وعليك بالخمول فإن هذا زمن خمول
وعليك بالعزلة وقلة مخالطة الناس، فقد كان الناس إذا التقوا ينتفع بعضهم ببعض، فأما اليوم فقد ذهب ذاك، والنجاة في تركهم فيما نرى.
стр. 854
وإياك والأمراء أن تدنو منهم وتخالطهم في شيء من الأشياء، وإياك أن تخدع فيقال لك: تشفع وتدرأ عن مظلوم، أو ترد مظلمة، فإن ذلك خديعة إبليس، وإنما اتخذها فجار القراء سلمًا.
وكان يقال: اتقوا فتنة العابد الجاهل، والعالم الفاجر، فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون.
وما لقيت من المسألة والفتيا فاغتنم ذلك ولا تنافسهم فيه.
وإياك أن تكون كمن يحب أن يُعْمَل بقوله أو يُنشر قوله، أو يسمع من قوله، فإذا ترك ذاك منه عرف فيه.
وإياك وحب الرياسة فإن الرجل تكون الرياسة أحب إليه من الذهب والفضة، وهو باب غامض لا يبصره إلا البصير من العلماء السماسرة، فتفقد نفسك واعمل بنية، واعلم أنه قد دنا من الناس أمر يشتهي الرجل أن يموت. والسلام. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٣٦٦].
• وعن مبارك أبي حماد قال: سمعت سفيان الثوري ﵀ يقرأ على علي بن الحسن السليمي:
يا أخي لا تغبط أهل الشهوات بشهواتهم، ولا ما يتقلبون فيه من النعمة، فإن أمامهم يومًا تزل فيه الأقدام، وترعد فيه الأجسام، وتتغير فيه الألوان، ويطول فيه القيام، ويشتد فيه الحساب، وتتطاير فيه القلوب حتى تبلغ الحناجر، فيا لها من ندامة على ما أصابوا من هذه الشهوات ......
ولا تتهاون بالذنب الصغير، ولكن انظر من عصيت؟ عصيت ربًا عظيمًا يعاقب على الصغير، ويتجاوز عن الكبير، وإن أكيس الكيس من يدخل الجنة بذنب عمله فنصبه بين عينيه، ثم لم يزل حذرًا على نفسه من تلك الخطيئة، حتى فارق الدنيا ودخل الجنة، وإن أحمق الحمق من دخل النار بحسنة واحدة نصبها بين عينيه، ولم يزل يذكرها ويرجو ثوابها ويتهاون بالذنوب حتى فارق الدنيا ودخل النار.
فكن يا أخي كيسًا حذرًا على ما زل منك ومضى، لا تدري ماذا يفعل
стр. 855
بك ربك فيه وما بقي من عمرك لا تدري ماذا يحدث لك فيه، فإن إبراهيم ﵇ خليل الرحمن حذر على نفسه فسأل ربه فقال: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] وقال يوسف ﵇: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١] وقال موسى ﵇: ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص: ١٧] وقال شعيب ﵇: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللهُ رَبُّنَا﴾ [الأعراف: ٨٩] فهؤلاء أنبياؤه خافوا على أنفسهم، وإنما المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٣٨١].
• وعنه قال: سمعت سفيان الثوري ﵀ يقول فيما أوصى به علي بن الحسن السلمي:
عليك بالصدق في المواطن كلها، وإياك والكذب والخيانة ومجالسة أصحابها، فإنها وزر كله، وإياك يا أخي والرياء في القول والعمل فإنه شرك بعينه، وإياك والعجب فإن العمل الصالح لا يرفع فيه عجب.
ولا تأخذن دينك إلا ممن هو مشفق على دينه، فإن مثل الذي هو غير مشفق على دينه، كمثل طبيب به داء لا يستطيع أن يعالج داء نفسه، وينصح لنفسه، كيف يعالج داء الناس وينصح لهم؟ فهذا الذي لا يشفق على دينه كيف يشفق على دينك؟
ويا أخي، إنما دينك لحمك ودمك، ابك على نفسك وارحمها، فإن أنت لم ترحمها لم ترحم، وليكن جليسك من يزهدك في الدنيا ويرغبك في الآخرة، وإياك ومجالسة أهل الدنيا الذين يخوضون في حديث الدنيا، فإنهم يفسدون عليك دينك وقلبك.
وأكثر ذكر الموت، وأكثر الاستغفار مما قد سلف من ذنوبك، وسل الله السلامة لما بقي من عمرك.
ثم عليك يا أخي بأدب حسن، وخلق حسن، ولا تخالفن الجماعة فإن الخير فيها، إلا من هو مكب على الدنيا، كالذي يعمر بيتًا ويخرب آخر.
وانصح لكل مؤمن إذا سألك في أمر دينه، ولا تكتمن أحدًا من النصيحة
стр. 856
شيئًا إذا شاورك فيما كان لله فيه رضى، وإياك أن تخون مؤمنًا، فمن خان مؤمنًا فقد خان الله ورسوله، وإذا أحببت أخاك في الله فابذل له نفسك ومالك.
وإياك والخصومات والجدال والمراء، فإنك تصير ظلومًا خوانا أثيما.
وعليك بالصبر في المواطن كلها، فإن الصبر يجر إلى البر والبر يجر إلى الجنة، وإياك والحدة والغضب، فإنهما يجران إلى الفجور، والفجور يجر إلى النار.
ولا تمارين عالمًا فيمقتك، وإن الاختلاف إلى العلماء رحمة، والانقطاع عنهم سخط الرحمن، وإن العلماء خزان الأنبياء وأصحاب مواريثهم.
وعليك بالزهد يبصرك الله عورات الدنيا، وعليك بالورع يخفف الله حسابك، ودع كثيرا مما يريبك إلى ما لا يريبك تكن سليما، وادفع الشك باليقين يسلم لك دينك، وأمر بالمعروف وانه عن المنكر تكن حبيب الله.
وابغض الفاسقين تطرد به الشياطين، وأقل الفرح والضحك بما تصيب من الدنيا تزدد قوة عند الله، واعمل لآخرتك يكفك الله أمر دنياك، وأحسن سريرتك يحسن الله علانيتك، وابك على خطيئتك تكن من أهل الرفيق الأعلى، ولا تكن غافلاً فإنه ليس يغفل عنك، وإن لله عليك حقوقًا وشروطًا كثيرة، وينبغي لك أن تؤديها، ولا تكونن غافلاً عنها، فإنه ليس يغفل عنك، وأنت محاسب بها يوم القيامة.
وإذا أردت أمرًا من أمور الدنيا فعليك بالتؤدة، فإن رأيته موافقًا لأمر آخرتك فخذه، وإلا فقف عنه حتى تنظر إلى من أخذه كيف عمله فيها وكيف نجا منها؟ واسأل الله العافية، وإذا هممت بأمر من أمور الآخرة فشمر إليها وأسرع من قبل أن يحول بينها وبينك الشيطان.
ولا تكونن أكولا لا تعمل بقدر ما تأكل فإنه يكره ذلك، ولا تأكل بغير نية ولا بغير شهوة، ولا تحشون بطنك فتقع جيفة لا تذكر الله، وأكثر من الهم والحزن، فإن أكثر ما يجد المؤمن في كتابه من الحسنات الهم والحزن.
وإياك والطمع فيما في أيدي الناس، فإن الطمع هلاك الدين، وإياك
стр. 857
والرغبة فإن الرغبة تقسي القلب، وإياك والحرص على الدنيا، فإن الحرص مما يفضح الناس يوم القيامة، وكن طاهر القلب نقي الجسد من الذنوب والخطايا، نقي اليدين من المظالم، سليم القلب من الغش والمكر والخيانة، خالي البطن من الحرام، فإنه لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت.
كف بصرك عن الناس، ولا تمشين بغير حاجة، ولا تكلمن بغير حكم، ولا تبطش بيدك إلى ما ليس لك، وكن خائفًا حزينا لما بقي من عمرك، لا تدري ما يحدث فيه من أمر دينك.
وإياك أن تلي نفسك من الأمانة شيئًا، وكيف تليها وقد سماك الله ظلومًا جهولاً؟ أبوك آدم لم يبق فيها ولم يستكمل يوم حملها حتى وقع في الخطيئة، أقل العثرة، واقبل المعذرة واغفر الذنب، كن ممن يرجى خيره ويؤمن شره.
لا تبغض أحدًا ممن يطيع الله، كن رحيمًا للعامة والخاصة، ولا تقطع رحمك، وصل من قطعك وصل رحمك وإن قطعك، وتجاوز عمن ظلمك تكن رفيق الأنبياء والشهداء.
وأقلّ دخول السوق فإنهم ذئاب عليهم ثياب، وفيها مردة الشياطين من الجن والإنس، وإذا دخلتها فقد لزمك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنك لا ترى فيها إلا منكرًا، فقم على طرفها فقل: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيى ويميت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فقد بلغنا أنه يكتب لقائلها بكل من في السوق عجمي أو فصيح عشر حسنات، ولا تجلس فيها، واقض حاجتك وأنت قائم، يسلم لك دينك.
وإياك أن يفارقك الدرهم فإنه أتم لعقلك، ولا تمنعن نفسك من الحلاوة فإنه يزيد في الحلم، وعليك باللحم ولا تدم عليه ولا تدعه أربعين يومًا فإنه يسيء خلقك ولا ترد الطيب فإنه يزيد في الدماغ، وعليك بالعدس فإنه يفرز الدموع ويرق القلب.
وعليك باللباس الخشن تجد حلاوة الإيمان، وعليك بقلة الأكل تملك سهر الليل، وعليك بقلة الكلام يلين قلبك، وعليك بطول الصمت تملك الورع.
стр. 858
ولا تكونن حريصًا على الدنيا، ولا تكن حاسدًا تكن سريع الفهم، ولا تكن طعانًا تنج من ألسن الناس، وكن رحيمًا تكن محببًا إلى الناس، وارض بما قسم الله لك من الرزق تكن غنيًا، وتوكل على الله تكن قويًا، ولا تنازع أهل الدنيا في دنياهم يحبك الله ويحبك أهل الأرض، وكن متواضعًا تستكمل أعمال البر.
اعمل بالعافية تأتك العافية من فوقك، كن عفوًا تظفر بحاجتك، كن رحيمًا يترحم عليك كل شيء.
يا أخي لا تدع أيامك ولياليك وساعاتك تمر عليك باطلاً، وقدم من نفسك لنفسك ليوم العطش، يا أخي فإنك لا تروى يوم القيامة إلا بالرضى من الرحمن، ولا تدرك رضوانه إلا بطاعتك، وأكثر من النوافل تقربك إلى الله، وعليك بالسخاء تستر العورات، ويخفف الله عليك الحساب والأهوال، وعليك بكثرة المعروف يؤنسك الله في قبرك، واجتنب المحارم كلها، تجد حلاوة الإيمان.
جالس أهل الورع وأهل التقى يصلح الله أمر دينك، وشاور في أمر دينك الذين يخشون الله، وسارع في الخيرات يحول الله بينك وبين معصيتك، وعليك بكثرة ذكر الله يزهدك الله في الدنيا، وعليك بذكر الموت، يهون الله عليك أمر الدنيا، واشتق إلى الجنة يوفق الله لك الطاعة، وأشفق من النار يهون الله عليك المصائب.
أحب أهل الجنة تكن معهم يوم القيامة، وأبغض أهل المعاصي يحبك الله، والمؤمنون شهود الله في الأرض، ولا تسبن أحدًا من المؤمنين، ولا تحقرن شيئًا من المعروف ولا تنازع أهل الدنيا في دنياهم.
وانظر يا أخي، أن يكون أول أمرك تقوى الله في السر والعلانية، واخش الله خشية من قد علم أنه ميت ومبعوث، ثم الحشر ثم الوقوف بين يدي الجبار وتحاسب بعملك، ثم المصير إلى إحدى الدارين: إما جنة ناعمة خالدة، وإما نار فيها ألوان العذاب مع خلود لا موت فيه، وارج رجاء من علم أنه يعفو أو يعاقب، وبالله التوفيق لا رب غيره. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٤٠٩].
стр. 859
• وعن الهيثم حدثني بعض أصحاب جعفر بن محمد الصادق ﵀. قال: دخلت على جعفر وموسى بين يديه وهو يوصيه بهذه الوصية، فكان مما حفظت منها أن قال:
يا بني، اقبل وصيتي واحفظ مقالتي فإنك إن حفظتها تعيش سعيدًا، وتموت حميدًا؛ يا بني، من رضي بما قسم له استغنى، ومن مدّ عينه إلى ما في يد غيره مات فقيرًا، ومن لم يرض بما قسمه الله له اتهم الله في قضائه.
ومن استصغر زلة نفسه استعظم زلة غيره، ومن استصغر زلة غيره استعظم زلة نفسه؛ يا بني، من كشف حجاب غيره انكشفت عورات بيته، ومن سل سيف البغي قتل به، ومن احتفر لأخيه بئرًا سقط فيها.
ومن داخل السفهاء حقر، ومن خالط العلماء وقر، ومن دخل مداخل السوء اتهم.
يا بني، إياك أن تزري بالرجال فيزرى بك، وإياك والدخول فيما لا يعنيك فتذل لذلك.
يا بني، قل الحق لك أو عليك تستشار (١) من بين أقرانك.
يا بني، كن لكتاب الله تاليًا، وللإسلام فاشيًا، وبالمعروف آمرًا، وعن النكر ناهيًا، ولمن قطعك واصلاً، ولمن سكت عنك مبتدئا، ولمن سألك معطيًا.
وإياك والنميمة فإنها تزرع الشحناء في قلوب الرجال، وإياك والتعرض لعيوب الناس، فمنزلة التعرض لعيوب الناس بمنزلة الهدف (٢).
стр. 860
يا بني، إذا طلبت الجود فعليك بمعادنه، فإن للجود معادن، وللمعادن أصولاً، وللأصول فروعًا، وللفروع ثمرًا، ولا يطيب ثمر إلا بأصول، ولا أصل ثابت إلا بمعدن طيب.
يا بني، إن زرت فزر الأخيار ولا تزر الفجار، فإنهم صخرة لا يتفجر ماؤها، وشجرة لا يخضر ورقها، وأرض لا يظهر عشبها.
قال علي بن موسى: فما ترك هذه الوصية إلى أن توفي. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٥١٣].
• وعن ابن السماك قال: أوصاني أخي داود الطائي ﵀ بوصية: انظر أن لا يراك الله حيث نهاك، وأن لا يفقدك حيث أمرك، واستح في قربه منك وقدرته عليك. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٤٦٧].
• وعن أبي الجلد أن عيسى ابن مريم ﵇ قال للحواريين: الحق أقول لكم ما الدنيا تريدون ولا الآخرة! قالوا: يا رسول الله فسر لنا هذا الأمر، فإنا قد كنا نرى أنا نريد إحداهما، قال: لو أردتم الدنيا لأطعتم رب الدنيا الذي مفاتيح خزائنها بيده فأعطاكم، ولو أردتم الآخرة لأطعتم رب الآخرة الذي يملكها فأعطاكموها ولكن لا هذه تريدون ولا تلك. [الزهد للإمام أحمد / ١٣٧].
• وقال شقيق البلخي ﵀: لو أن رجلاً أقام مائتي سنة لا يعرف هذه الأربعة أشياء لم ينج من النار إن شاء الله: أحدها معرفة الله، والثاني معرفة نفسه، والثالث معرفة أمر الله ونهيه، والرابع معرفة عدو الله وعدو نفسه. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٤٩٧].
• وقال أيضًا ﵀: استتمام صلاح عمل العبد بست خصال. تضرع دائم، وخوف من وعيده، والثاني: حسن ظنه بالمسلمين، والثالث: اشتغاله بعيبه لا يتفرغ لعيوب الناس، والرابع: يستر على أخيه عيبه، ولا يفشي في الناس عيبه رجاء رجوعه عن المعصية، واستصلاح ما أفسده من قبل، والخامس: ما اطلع عليه من خسة عملها استعظمها رجاء أن يرغب في الاستزادة منها، والسادسة: أن يكون صاحبه عنده مصيب. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٥٠٠].
• وعن أحمد بن عبد الله الزاهد قال: قال شقيق البلخي ﵀ لأهل
стр. 861
مجلسه: أرأيتم إن أماتكم الله اليوم يطالبكم بصلاة غد؟ قالوا: لا، يوم لا نعيش فيه، كيف يطالبنا بصلاته؟ قال شقيق: فكما لا يطالبكم بصلاة غد، فأنتم لا تطلبوا منه رزق غد عسى أن لا تصيرون إلى غد. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٥٠٢].
• وقال حاتم الأصم ﵀: الشهوة في ثلاث: في الأكل والنظر واللسان، فاحفظ اللسان بالصدق والأكل بالثقة، والنظر بالعبرة. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٥١٤].
• وقال أيضًا ﵀: تعهَّد نفسك في ثلاثة مواضع: إذا عملتَ فاذْكُر نظرَ الله إليك، وإذا تكلّمتَ فاذكر سَمْع الله إليك، وإذا سكتَّ فاذكُر عِلم الله فيك. [صفة الصفوة ٤/ ٣٩٢].
• وعن أبي تراب قال: قال شقيق لحاتم الأصم رحمهما الله: مذ أنت صحبتني أي شيء تعلمت؟ قال: ست كلمات.
قال: أولهن؟ قال: رأيت كل الناس في شك من أمر الرزق وإني توكلت على الله تعالى: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، فعلمت أني من هذه الدواب واحد، فلم أشغل نفسي بشيء قد تكفل لي به ربي.
قال: أحسنت فما الثانية؟ قال: رأيت لكل إنسان صديقًا يفشي إليه سره ويشكو إليه أمره، فقلت: انظر من صديقي، فكل صديق وأخ رأيته قبل الموت، فأردت أن أتخذ صديقًا، يكون لي بعد الموت، فصادقت الخير ليكون معي إلى الصراط، ويثبتني بين يدي الله .
قال: أصبت، فما الثالثة؟ قال: رأيت كل الناس لهم عدو، فقلت انظر من عدوي، فأما من أخذ مني شيئًا فليس هو عدوي، ولكن عدوي الذي إذا كنت في طاعة الله أمرني بمعصية الله، فرأيت ذلك إبليس وجنوده، فاتخذتهم عدوا، فوضعت الحرب بيني وبينهم، ووترت قوسي، ووصلت سهمي فلا أدعه يقربني.
قال: أحسنت، فما الرابعة؟ قال: رأيت الناس لهم طالب، لكل واحد منهم واحدًا، فرأيت ذلك ملك الموت ففرغت له نفسي حتى إذا جاء لا ينبغي أن أمسكه فأمضى معه.
стр. 862
قال: أحسنت، فما الخامسة؟ قال: نظرت في هذا الخلق، فأحببت واحدًا، وأبغضت واحدا، فالذي أحببته لم يعطني، والذي أبغضته لم يأخذ مني شيئًا، فقلت: من أين أتيت هذا؟ فرأيت أني أتيت هذا من قبل الحسد، فطرحت الحسد من قلبي فأحببت الناس كلهم، فكل شيء لم أرضه لنفسي لم أرضه لهم.
قال: أحسنت، فما السادسة؟ قال: رأيت الناس كلهم لهم بيت ومأوى، ورأيت مأواي القبر، فكل شيء قدرت عليه من الخير قدمته لنفسي، حتى أعمر قبري، فإن القبر إذا لم يكن عامرًا لم يستطع القيام فيه.
فقال شقيق: عليك بهذه الخصال الستة فإنك لا تحتاج إلى علم غيره. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٥١٠].
• وعن خالد الرَّبعي ﵀ قال: كان لقمان ﵇ عبدًا حبشيًا نجارًا فقال له سيده: اذبح لي شاة، فذبح له شاة فقال له: ائتني بأطيب مضغتين فيها فأتاه باللسان والقلب، فقال: أما كان فيها شيء أطيب من هذين؟ قال: لا، قال: فسكت عنه، ثم قال له: اذبح لي شاة، فذبح له شاة، فقال له: ألق أخبثهما مضغتين، فرمى باللسان والقلب، فقال: أمرتك أن تأتيني بأطيبهما مضغتين فأتيتني باللسان والقلب، وأمرتك أن تلقي أخبثهما مضغتين فألقيت اللسان والقلب، فقال: إنه ليس شيء بأطيب منهما إذا طابا، ولا أخبث منهما إذا خبثا. [الزهد للإمام أحمد / ١٢٦].
• وقال الفضيل بن عياض ﵀: من وقي خمسًا فقد وقي شر الدنيا والآخرة: العجب، والرياء، والكبر، والإزراء والشهوة. [الحلية (تهذيبه) ١٤/ ٣].
• وقال أيضًا ﵀: كفى بالله مُحَبًّا، وبالقرآن مؤنِسًا، وبالموت واعظًا، وبخشية الله علمًا، وبالاغترار جهلاً. [السير (تهذيبه) ٢/ ٧٧٩].
• وعن محمد بن يزيد بن خنيس قال: قال رجل: مررت ذات يوم بفضيل بن عياض ﵀ فقلت له: أوصني بوصية ينفعني الله بها قال: يا عبد الله أخف مكانك، واحفظ لسانك، واستغفر لذنبك، وللمؤمنين والمؤمنات كما أمرك. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ١٦].
стр. 863
• وعن يوسف بن أسباط ﵀ قال: كان يقال: اعمل عمل رجل لا ينجيه إلا عمله، وتوكل توكل رجل لا يصيبه إلا ما كتب له. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ٥٧].
• وقال حذيفة المرعشي ﵀: إنك ربما أصبت الحكمة فوق مزبلة، فإذا أصبتها فخذها. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ٦٤].
• وعن شميط بن عجلان ﵀ قال: والله ما رأيت أبدانكم إلا مطاياكم إلى ربكم قال: فانضوها في طاعة الله بارك الله فيكم. [الزهد للإمام أحمد / ٤٣٤].
• وكان يقال: انتزاعُ العادةِ ذنبٌ محسوبٌ. [عيون الأخبار ٣/ ١٥٨].
• وعن أبي جعفر ﵀. قال: أشد الأعمال ثلاثة؛ ذكر الله على كل حال، وإنصافك من نفسك، ومواساة الأخ في المال. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٥٠٧].
• وعن زيد بن أسلم ﵀ قال: يقال: إن لله عبادًا مفاتيح للخير مغاليق للشر، ولله تعالى عباد مغاليق للخير مفاتيح للشر. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٥١٨].
• وقال مسلم بن قتيبة ﵀: الشباب الصحة، والسلطان الغنى، والمروءة الصبرُ على الرجال. [الكامل في اللغة والأدب].
• وقال إبراهيم الخواص ﵀: من لم تَبْكِ الدنيا عليه لم تَضْحك الآخرة إليه. [صفة الصفوة ٤/ ٣٤٨].
• وقال عبد الله بن المبارك: قيل لحمدون بن أحمد ﵀: ما بال كلام السلف أنفع من كلامنا قال: لأنهم تكلّموا لعِزّ الإسلام ونجاةِ النفوس ورضا الرحمن، ونحن نتكلم لعز النفوس وطلَب الدنيا ورضا الخَلْق. [صفة الصفوة ٤/ ٣٦٣].
• وعن عبد الله بن المبارك ﵀ قال: إذا غَلَبَت محاسِنُ الرجل على مساوئه لم تُذكر المساوئُ، وإذا غلبت المساوئ على المحاسن لم تُذكر المحاسن. [السير (تهذيبه) ٢/ ٧٦٨].
• وقال سعيد بن يعقوب الطالقاني: قال رجل لابن المبارك ﵀: هل بقيَ مَن ينصح؟ قال: فقال: وهل تَعرف من يَقبل؟. [صفة الصفوة ٤/ ٣٧٩].
стр. 864
• وقال ميمونُ بن مِهْران ﵀: ثلاثة تُؤدّى إلى البَرِّ والفاجر: الأَمانَةُ، والعَهْدُ، وصِلَةُ الرَّحِم. [السير (تهذيبه) ٢/ ٥٨١].
• وقال خالد بن صفوان ﵀: ثلاثة يُعرفُونَ عند ثلاثةٍ: الحَلِيمُ عند الغَضَب، والُشجَاعُ عِندَ اللِّقاء، والصديق عند النَّائبة. [السير (تهذيبه) ٦/ ٦٤٣].
• وقال الأصمعي ﵀: قال لي أبو عمرو بن العلاء ﵀: كن على حذرٍ من الكريم إذا أهنته، ومن اللئيم إذا أكرمتَه، ومن العاقل إذا أحرجته، ومن الأحمق إذا مازحته، ومن الفاجر إذا عاشرته. وليس من الأدب أن تُجيب من لا يسألُك، أو تسأل من لا يُجيبك أو تُحدِّث من لا ينصت لك. [السير (تهذيبه) ٢/ ٦٦٦].
• وقال عبدُ الله بنُ داود ﵀: مَنْ أمكنَ الناس من كل ما يريدون، أضَرُّوا بدينِهِ ودنياه. [السير (تهذيبه) ٢/ ٨٢٧].
• وقال الشافعيُّ ﵀: من تعلم القرآن عظُمت قيمتُه، ومن تكلَّم في الفقه نما قدرُه، ومن كتب الحديثَ قويت حُجَّتُه، ومن نظر في اللغة رقَّ طبعُه، ومن نظر في الحساب جزل رأيُه، ومن لم يَصُنْ نفسه لم ينفعه علمُه. [السير (تهذيبه) ٢/ ٨٤٦].
• وقال أيضًا ﵀: أشد الأعمال ثلاثة: الجود من قلة، والورع في خلوة، وكلمة الحق عند من يرجى ويخاف. [المنتظم ١٠/ ١٣٧].
• وقال الحكيم الترمذي ﵀: من جَهل أوصاف العبودية، فهو بنعوت أوصاف الرَّبَّانية أجْهل. [السير (تهذيبه) ٣/ ١١٠٠].
• وقال أيضًا ﵀: صلاح خمسةٍ في خمسة: صلاحُ الصَّبي في المَكْتب، وصلاحُ الفتى في العِلْم، وصلاحُ الكَهْلِ في المسْجد، وصلاحُ المرأةِ في البَيْت، وصلاحُ المؤْذي في السِّجْن. [السير (تهذيبه) ٣/ ١١٠٠].
• ومن كلام بُنان ﵀: متى يُفلح من يسرُّه ما يضرُّه؟!. [السير (تهذيبه) ٣/ ١١٦٩].
• وعن محمد بن حامد الترمذي أنه قال: قال رجل لأحمد بن خضرويه ﵀: أوصني فقال: أمت نفسك حتى تحييها. [المنتظم ١١/ ٢٧٥].
стр. 865
• وعن هشام بن حسان قال: كنت أمشي خلف العلاء بن زياد العدوي ﵀، فكنت أتوقى الطين، قال: فدفعه إنسان فوقعت رجله في الطين فخاضه، فلما وصل إلى الباب وقف فقال: رأيت يا هشام؟ قلت نعم! قال: كذلك المرء المسلم يتوقى الذنوب فإذا وقع فيها خاضها. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٣٧٩].
• وقال بعضهم في النبي ﷺ : [عيون الأخبار ١/ ٢٥٧].
لو لم تكن فيه آياتٌ مُبَيّنة … كانت بَدَاهته تُنبِيْك بالخبر
• وعن حبيب بن حجر القَيْسيّ ﵀ قال: كان يقال: ما أحسنَ الإيمانَ يَزينُه العِلْمُ وما أحسن العَملَ يَزينُه الرفقُ وما أُضيفَ شيءٌ إلى شيءٍ أَزْينَ مِن حلم إلى عِلمٍ ومِنْ عفوٍ إلى مَقْدِرَةٍ. [عيون الأخبار ٢/ ٥٢٤].
• وقال بعضهم: إذا خرج الكلامُ من القلب وَقَعَ في القلب، وإذا خرج من اللسان لم يُجاوِز الآذان. [عيون الأخبار ٢/ ٥٢٤].
• وقال أبو عبد الرحمن العمري ﵀: كما تحب أن يكون الله غدًا فكن أنت اليوم. (١) [الحلية (تهذيبه) ٣/ ٧٢].
• وعن مطرف ﵀ قال: من أحب أن يعلم ما له عند الله فلينظر ما لله عنده. [الزهد للإمام أحمد / ٤١٧].
• وعن أبي بكر بن عياش ﵀ قال: قال لي رجل مرة وأنا شاب: خلص رقبتك ما استطعت في الدنيا من رق الآخرة، فإن أسير الآخرة غير مفكوك أبدًا. قال أبو بكر: فما نسيتها أبدًا. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ٨١].
• وقال صالح المري ﵀: ما بينك وبين أن ترى الله عليك فيما تحب، إلا أن تعمل فيما بينك وبين خلقه فيما يحب، فحينئذ لا تفقد بره ولا تعدم في كل أمر خيره. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٣٠٩].
стр. 866
• وقال وهب بن مُنبِّه ﵀: احفظوا عنِّي ثلاثًا: إيَّاكم وهوىً مُتَّبعًا، وقرينَ سُوْء، وإعجابَ المرء بنفسه. [السير (تهذيبه) ٢/ ٥٥٤].
• وقال أيضًا ﵀: المؤمن ينظرُ ليعلَم، ويتكلَّم ليفهمَ ويسكتُ ليسلمَ، ويخلوا ليغنم. [السير (تهذيبه) ٢/ ٥٥٤].
• وعن سفيان قال: كتب وهب بن منبه ﵀ إلى مكحول: إنك امرؤ قد أصبت بما ظهر من علم الإسلام شرفا، فاطلب بما بطن من علم الإسلام محبة وزلفى. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ١٨٠].
• وقال مالك بن أنس ﵀: قال رجل: ما كنت لاعبًا فلا تلعبن بدينك. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٣٥٣].
• وقال محمد بن المبارك ﵀: تخاف أن يفوتك عند البقال من قطعتك، تبادر إليه وتبكر عليه، ولا تخاف أن يفوتك من الله ما تؤمل بكثرة القعود عنه والتشاغل عن المبادرة إليه. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ٢١٣].
• وقال ذو النون ﵀: ما طابت الدنيا إلا بذكره. ولا طابت الآخرة إلا بعفوه، ولا طابت الجنان إلا برؤيته. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ٢٣٣].
• وعن أبي عثمان قال: سمعت ذا النون ﵀ يقول: إن الله تعالى لم يمنع الجنة أعداءه بخلًا، ولكن صان أولياءه الذين أطاعوه، أن يجمع بينهم وبين أعدائه الذين عصوه. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ٢٣٣].
• وقال يحيى بن معاذ ﵀: اترك الدنيا قبل أن تترك. واسترض ربك قبل ملاقاته، واعمر بيتك الذي تسكنه قبل انتقالك إليه - يعني القبر. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ٢٥٩].
• وقال أيضًا ﵀: إنما ينبسطون إليه على قدر منازلهم لديه. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ٢٥٩].
• قال أيضًا ﵀: من كان قلبه مع الحسنات لم تضره السيئات، ومن كان مع السيئات لم تنفعه الحسنات. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ٢٥٩].
• وقال أيضًا ﵀: ليس بعارفٍ من لم يكن غاية أمله من ربه العفْو. [صفة الصفوة ٤/ ٣٤١].
стр. 867
• وقال عبد الله بن سهل: نظر يحيى بن معاذ ﵀ يومًا إلى إنسان، وهو يقبل ولدًا له صغيرًا فقال: أتحبه؟ قال: نعم. قال: هذا حبك له إذ ولدته فكيف بحب الله له إذ خلقه؟. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ٢٥٨].
• وعن أبي محمد المرتعش قال: سمعت أبا الحسن النوري ﵀ يقول ويوصي بعض أصحابه: عشرة - وأي عشرة - احتفظ بهن واعمل عليهن جهدك:
فأولى ذلك: من رأيته يدعي مع الله حالة تخرجه عن حد علم الشرع فلا تقربنَّ منه.
والثانية: من رأيته يركن إلى غير أبناء جنسه ويخالطهم فلا تقربنَّ منه.
والثالثة: من رأيته يسكن إلى الرئاسة والتعظيم له فلا تقربن منه، ولا ترتفق به، وإن أرفقك، ولا ترج له فلاحًا.
والرابعة: فقير رجع إلى الدنيا، إن مت جوعًا فلا تقربنَّ منه ولا ترتفق به إن أرفقك، فإن رفقه يقسي قلبك أربعين صباحًا.
والخامسة: من رأيته مستغنيًا بعلمه فلا تأمن جهله.
والسادسة: من رأيته مدعيًا حالة باطنه لا يدل عليها، ولا يشهد عليها حفظ ظاهره، فاتهمه على دينه.
والسابعة: من رأيته يرضى عن نفسه، ويسكن إلى وقته، فاعلم أنه مخدوع، فاحذره أشد الحذر.
والثامنة: مريد يسمع القصائد ويميل إلى الرفاهة لا ترجونَّ خيره. (١)
стр. 868
والتاسعة: فقير لا تراه عند السماع حاضرًا فاتهمه، واعلم أنه منع بركة ذلك لتشويش سره، وتبديد همه.
والعاشرة: من رأيته مطمئنًا إلى أصدقائه وإخوانه وأصحابه، مدعيًا لكمال الخلق بذلك، فاشهد بسخافة عقله ووهن ديانته. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ٣٦٩].
• وعن عبد الله بن أحمد بن حنبل ﵀. قال: كنت جالسًا عند أبي ﵀ يومًا، فنظر إلي رجلي وهما لينتان ليس فيهما شقاق، فقال لي: ما هذان الرجلان، لم لا تمشي حافيًا حتى تصير رجلين خشنتين. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ١٤٥].
стр. 869
ما قيل في العارف والمعرفة
• قال رجلٌ لأبي سليمان الداراني ﵀: طوبى للزاهدين. فقال أبو سليمان: طوبى للعارفين. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ١٨٨].
• وقال أحمد بن أبي الحواري: قلت لأبي سليمان الداراني ﵀: سهرت ليلة في ذكر النساء إلى الصباح. قال: فتغير وجهه وغضب علي فقال: ويحك؛ أما استحييت منه يراك ساهرًا في ذكر النساء؟ ولكن كيف تستحي ممن لا تعرف؟ [الحلية (تهذيبه) ٣/ ١٨٩].
• وقال بشر بن الحارث ﵀: من حرم المعرفة لم يجد للطاعة حلاوة، ومن لا يعرف ثواب الأعمال ثقلت عليه في جميع الأحوال، ومن زهد في الدنيا على حقيقة، كانت مؤنته خفيفة، ومن وهب له الرضا فقد بلغ أفضل الدرجات. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ٩٩].
• وقال مظفر القرميسيني ﵀: العارف من جعل قلبه لمولاه وجسده لخلقه وأفضل ما يلقى به العبد ربه نصيحة من قلبه، وتوبة من ذنوبه. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ٤٥٤].
• وقال أبو عثمان ﵀: حق لمن أعزه الله بالمعرفة، أن لا يذل نفسه بالمعصية. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ٣٦٤].
стр. 870
حفظ الوقت (١)
• عن الأوزاعي ﵀ أنه قال: ليس ساعة من ساعات الدنيا إلا وهي معروضة على العبد يوم القيامة يومًا فيومًا وساعة فساعة فلا تمر به ساعة لم يذكر الله فيها إلا تقطعت نفسه عليها حسرات، فكيف إذا مرت به ساعة مع ساعة ويوم مع يوم. [المنتظم ٨/ ١٩٦].
• وعن عاصم الأحول قال: قال لي فضيل الرقاشي ﵀: يا هذا لا يشغلك كثرة الناس عن نفسك فإن الأمر يخلص إليك دونهم، وإياك أن تُذهب نهارك تقطعه ههنا وههنا فإنه محفوظ عليك، وما رأيت شيئًا قط أحسن طلبًا ولا أسرع إدراكًا من حسنة حديثة لذنب قديم. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٤٦٦].
• وعن إسماعيل بن زبان قال: قالت داية لداود الطائي ﵀: يا أبا سليمان أما تشتهي الخبز؟ قال: يا داية، بين مضغ الخبز وشرب الفتيت قراءة خمسين آية. [المنتظم ٨/ ٢٧٩].
• وعن الوليد بن عتبة قال: سمعت رجلًا قال لداود الطائي ﵀: يا
стр. 871
أبا سليمان ألا تسرح لحيتك؟ قال: إني عنها مشغول. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٤٥٧].
• وقال أبو سليمان الداراني ﵀: كلّ ما شغلَكَ عن الله من أهْلٍ ومالٍ أو ولدٍ فهو عليك مَشُوم. صفة الصفوة ٤/ ٤٤٢
• وعن الحكم بن محمد قال: كتب محمد بن يوسف ﵀ إلى أبي الحسن الأشهب: اغتنم ساعتك لا تغفل عنها، فإنك إن اغتنمتها شغلت عن غيرها. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ٥٥].
• وعن محمد بن مودود الموصلي: قيل للمعافى بن عمران ﵀: ما ترى في الرجل يقرض الشعر ويقوله؟ قال: هو عمرك فأفنه فيما شئت. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ٧٤].
• وقال يحيى بن معاذ ﵀: أعظم المصيبة على الحكيم في اليوم أن يمضي عنه، لا يأتيه فيه هدية من ربه - يعني حكمة جديدة. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ٢٥٩].
• وقال عريف اليماني ﵀: إن من إعراض الله عن العبد أن يشغله بما لا ينفعه. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ٢٩٥].
• وقال مظفر القرميسيني ﵀: ليس لك من عمرك إلا نفس واحدة فإن لم تفنها فيما لك فلا تفنها فيما عليك. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ٤٥٤].
стр. 872
ذم الحسد
• قال معاوية ﵁: كلّ الناس أستطِيعُ أن أُرضِيَه إلا حاسِدَ نعمةٍ فإنه لا يُرضِيه إلا زَوالُها. [عيون الأخبار ٢/ ٤٠٧].
• وقال ابن سيرين ﵀: ما حسدت رجلًا قط، إن كان من أولياء الله فكيف أحسده على شيء من حطام الدنيا. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٤٤٠].
• وقال روْحُ بن زِنْبَاع الجُذَاميُّ ﵀: كنتُ أرَى قومًا دُونِي في المنزلة عند السلطان يدخلونَ مداخلَ لا أدخلها فلما أذهبتُ عنّي الحسدَ دخلتُ حيثُ دخلوا. [عيون الأخبار ٢/ ٤٠٥].
• وقال عبد الملك ﵀ للحجاج: إنه ليس من أحد إلا وهو يعرِفُ عيبَ نفسه فَعِبْ نفسَك قال: أَعْفنِي يا أمير المؤمنين. قال: لتَفعلنّ. قال: أنا لجوجٌ حقودٌ حسود. قال عبد الملك: ما في الشيطان شرٌّ مما ذكرت. [عيون الأخبار ٢/ ٤٠٥].
• وقيل للحسن البصري ﵀: أيَحْسُدُ المؤمنُ أخاه؟ قال: لا أبَا لَكَ، أَنِسيتَ إخوةَ يوسُفَ. [عيون الأخبار ٢/ ٤٠٦].
• وكان يقال: إذا أردت أن تْلَم مَن الحاسد فَعَمِّ عليه أُمُورَكَ. [عيون الأخبار ٢/ ٤٠٦].
• ويقال: إذا أراد الله أن يُسَلِّطَ على عبده عدوًّا لا يرحَمُه سلَّطَ عليه حاسدا. [عيون الأخبار ٢/ ٤٠٦].
• وقال بعضهم: [عيون الأخبار ٢/ ٤٠٦].
حسَدُوا الفتَى إذ لم يَنَالُوا سعيَهُ … فالقوم أعداءٌ له وخصوم
كضرائرِ الحسْنَاءِ قُلنَ لوَجهها … حَسَدًا وظُلمًا إنه لذمِيمُ
стр. 873
• وقال بعضهم: [عيون الأخبار ٢/ ٤٠٧].
كُلُّ العَدَاوةِ قد تُرْجَى إماتَتُهَا … إلا عداوةَ مَنْ عاداكَ منْ حَسَدِ
• وقال بعضهم: الحسدُ أوّلُ ذنبٍ عُصِيَ الله به في السماءِ، يعني حسدَ إبليسَ آدمَ، وأوّل ذنب عُصِي الله به في الأرض، يعني حسد ابن آدم أخاه حتى قتلَه. [عيون الأخبار ٢/ ٤٠٨].
• وقال الأصمعيّ ﵀: رأيت أعرابيًا قد أتتْ له مائةٌ وعشرون سنةً، فقلت له: ما أطوَل عمرَك!
فقال: تركت الحسدَ فَبقِيتُ. [عيون الأخبار ٢/ ٤٠٨].
• وقال بعضهم: [البداية والنهاية ١١/ ٣٦٤].
إذا شئتَ أن تلقَى عدوَّك راغمًا … وتقتله همّا وتحرقه غمّا
فسام العلا وازدد من الفضْل إنّه … من ازداد فضلًا زاد حاسده
• وقال بعضهم: [البداية والنهاية ١٢/ ٣٦].
ألا قلْ لمن كان لي حاسدًا … أتدْري على من أسأتَ الأدبْ
أسأتَ على الله في فعلهِ … لأنّك لم ترض لي ما وهبْ
فجازاك عني بأن زادني … وسدَّ عليك وجوه الطلبْ
• وقال الفضيل بن عياض ﵀: الغبطة من الإيمان، والحسد من النفاق، والمؤمن يغبط ولا يحسد، والمنافق يحسد ولا يغبط. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ١٤].
стр. 874
العدل وذم الظلم (١)
• عن الشعبي قال: اشترى عمر ﵁ فرسًا من رجل على أن ينظر إليه، فأخذ الفرس فسار به فعطب. فقال لصاحب الفرس: خذ فرسك؟ فقال: لا! قال: فاجعل بيني وبينك حكمًا. قال الرجل: شريح. قال: ومن شريح؟ قال: شريح العراقي. قال: فانطلقا إليه فقصا عليه القصة، فقال: يا أمير المؤمنين رد كما أخذته، أو خذ بما ابتعته. فقال عمر: وهل القضا إلا هذا، سر إلى الكوفة. فإنه لأول يوم عرفه يومئذ. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٦٩].
• ودخل عثمان بن عفان ﵁ على غلام له يعلف ناقة، فرأى في علفها (شيئا كرهه)، فأخذ بأذن غلامه فعركها، ثم ندم فقال له: خذ بأذني فاعركها، فأبى الغلام، فلم يدعه (حتى أخذ) بأذنه، فجعل عثمان يقول له: شد، شد، حتى ظن أنه قد بلغ منه مثل ما بلغ منه، قال عثمان: واها (٢) لقصاص الدنيا قبل قصاص الآخرة. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٦/ ٢٥٠].
• وقال أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه: إن أبغض الناس إلي أن أظلمه من لا يستعين علي إلا بالله . [الحلية (تهذيبه) ١/ ١٧٧].
стр. 875
• وعن الزهري، أن أبا الدرداء ﵁، انتهى إلى جارية له ترعى غنما، فأعطى جاريته فرسه، ثم قال: لا يغلبك، ثم طاف في غنمه، فانفلت الفرس، فجالت (١) الغنم حتى تكسر عامتها، فجاء أبو الدرداء إليها يشتد رافعا السوط، حتى إذا دنا منها كف وقال: لولا القود (٢) لأوجعتك. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٦/ ٢٤٩].
• وعن ابن مسعود ﵁ قال: يُؤخذ بيد العبد والأمة يوم القيامة، فينادي مناد على رءوس الأولين والآخرين: هذا فلان بن فلان، من كان له الحق فليأت إلى حقه، فتفرح المرأة أن يكون لها الحق على أبيها، أو أمها، أو أخيها، أو زوجها، ثم قرأ: ﴿فلَا أَنْسَاب بَيْنهمْ يَوْمئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١]، فيغفر الله من حقه ما شاء، ولا يغفر من حقوق العباد شيئا، فينصب للناس فيقول: ائتوا إلى حقوقكم، فيقول: يا رب، فنيت الدنيا فمن أين أوتيهم حقوقهم؟، فيقول: خذوا من أعماله الصالحة فأعطوا إلى كل ذي حق بقدر طلبته، فإن كان وليا لله ففضل له مثقال ذرة ضاعفها الله له حتى يدخله بها الجنة، ثم قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء: ٤٠] وإن كان عبدا شقيا قال: يا رب، فنيت حسناته، وبقي طالبون كثير، قال: خذوا من سيئاته فأضيفوها إلى سيئاته، ثم صكوا له صكا إلى النار. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٦/ ٢٤٧].
• وقال أيضا ﵁: يجتمع الناس في صعيد واحد، بأرض بيضاء، كأنها سبيكة فضة، لم يُعص الله فيها، يكون أول كلام يتكلم به أن ينادي مناد: ﴿لّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلّهِ الْوَاحِدِ الْقَهّارِ * الْيَوْمَ تُجْزَىَ كُلّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر ١٦، ١٧]، ثم يكون أول ما يُبدأ به من الخصومات في الدنيا، فيؤتى بالقاتل والمقتول، فيقال: لم قتلت هذا؟، فإن قال: قتلته لتكون العزة لله قال: فإنها له، وإن قال: قتلته لتكون العزة لفلان، قال: فإنها ليست له، ويبوء بإثمه فيقتله، ومن كان قتل بالغين ما
стр. 876
بلغوا، ويذوق الموت عدد ما ماتوا. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٦/ ٢٥٨].
• وكان معاوية ﵁ يقول: إني لأستحيي أن أَظلِم من لا يجد عليّ ناصرًا إلا الله. [عيون الأخبار ١/ ١١٥].
• وقال ابن عباس ﵁: لو أن جبلًا بغى على جبل لدُك الباغي. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٢٢٨].
• وعن عبد الله بن معاوية أن عبد المطلب جمع بنيه عند وفاته، وهم يومئذ عشرة، وأمرهم ونهاهم، وقال: إياكم والبغي، فوالله ما خلق الله شيئا أعجل عقوبة من البغي، ولا رأيت أحدا بقي على البغي إلا إخوتكم من بني عبد شمس. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ٢٣٥].
• وقال صيفي بن رباح التميمي ﵀ لبنيه: يا بني اعلموا أن أسرع الجرم عقوبة البغي. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ٢٤٠].
• وعن عبد الله بن عياش مولى بني جشم، عن أبيه، عن شيخ قد سماه - وكان قد أدرك سبب تسيير عامر بن عبد الله ﵀ قال: مر برجل من أعوان السلطان وهو يجر ذميًا، والذمي يستغيث به، قال: فأقبل على الذمي فقال: أديت جزيتك؟ قال: نعم! فأقبل عليه فقال: ما تريد منه؟ قال: أذهب به يكسح دار الأمير، قال: فأقبل على الذمي فقال: تطيب نفسك له بهذا، قال: يشغلني عن ضيعتي، قال: دعه، قال: لا أدعه، قال: دعه، قال: لا أدعه، قال: فوضع كساءه. ثم قال: لا تخفر ذمة محمد ﷺ وأنا حي، ثم خلصه منه قال: فتراقى ذلك حتى كان سبب تسييره. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٣٠٢].
• وعن الحسن ﵀ قال: كل بني آدم في عنقه قلادة يكتب فيها نسخة عمله، فإذا مات طويت وقُلِّدها، فإذا بعث نشرت له، وقيل له: ﴿اِقْرَا كِتَابك كَفَى بِنَفْسِك الْيَوْم عَلَيْك حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤]، ابن آدم، أنصفك من جعلك حسيب نفسك. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٦/ ٢٥٨].
• وسمع ابن سيرين ﵀ رجلًا يدعو على من ظلمَه، فقال: اقصِر يا هذا، لا يَرْبَح عليك ظالمك. [عيون الأخبار ١/ ١١٩].
стр. 877
• وقال بعضهم: [عيون الأخبار ١/ ١١٩].
ما يدخُل السجنَ إنسانٌ فتسأله … ما بالُ سجنك إلا قال مظلومُ
• وعن حسان بن عطية ﵀ قال: يعذب الله الظالم بالظالم، ثم يدخلهما النار جميعًا. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٢٦٨].
• وعن يحيى الشيباني ﵀ قال: مكتوب في التوراة: كما تدين تدان، وبالكأس الذي تسقي به تشرب وزيادة، لأن البادي لا بد أن يزاد. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٢٧٦].
• وعن ضَمْرةَ، قال: كتب عُمرُ بنُ عبد العزيز ﵀ إلى بعض عماله: أمَّا بعدُ، فإذا دَعَتْكَ قُدْرَتُك على النَّاس إلى ظُلمِهمْ، فاذكر قدرة الله تعالى عليك، ونَفَادَ ما تَأتِي إليهم، وبَقَاء ما يأَتُونَ إليك. [السير (تهذيبه) ٢/ ٥٨٩].
• وقال الأوزاعي ﵀: كان عمر بن عبد العزيز ﵀ إذا أراد أن يُعاقِبَ رجلًا حبسه ثلاثًا، ثم عاقبه كراهية أن يعجلَ في أوَّل غضبه. [السير (تهذيبه) ٢/ ٥٩٠].
• وعن يحيى الغساني قال: لما ولاني عمر بن عبد العزيز ﵀ الموصل، قدمتها فوجدتها من أكبر البلاد سرقًا ونقبًا، فكتبت إلى عمر أعلمه حال البلد، وأسأله آخذ من الناس بالمظنة، وأضربهم على التهمة، أو آخذهم بالبينة وما جرت عليه عادة الناس؟ فكتب إلي أن آخذ الناس بالبينة وما جرت عليه السُّنَّة، فإن لم يصلحهم الحق فلا أصلحهم الله. قال يحيى: ففعلت ذلك فما خرجت من الموصل حتى كانت من أصلح البلاد وأقله سرقًا ونقبًا. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٢٠٤].
• وعن رباح بن عبيدة قال: كنت قاعدًا عند عمر بن عبد العزيز ﵀، فذكر الحجاج فشتمته ووقعت فيه، فقال عمر: مهلًا يا رباح، إنه بلغني أن الرجل ليظلم بالمظلمة فلا يزال المظلوم يشتم الظالم وينتقصه حتى يستوفي حقه فيكون للظالم عليه الفضل. [الحلية (تهذيبه) ٢٠٩/ ٢، موسوعة ابن أبي الدنيا ٧/ ٣٦٩].
стр. 878
• وعن عبد العزيز قال: كتب بعض عمال عمر بن عبد العزيز ﵀ إليه؛ أما بعد: فإن مدينتنا قد خربت. فإن رأى أمير المؤمنين أن يقطع لها مالًا يرمها به فعل. فكتب إليه عمر؛ أما بعد: فقد فهمت كتابك وما ذكرت أن مدينتكم قد خربت، فإذا قرأت كتابي هذا فحصنها بالعدل، ونق طرقها من الظلم، فإنه مرمتها والسلام. [الحلية (تهذيبه) ٢/ ٢٢٤].
• وقال الفضيلُ بن عياض ﵀: والله ما يَحِلُّ لك أن تؤذيَ كلبًا ولا خنزيرًا بغير حقٍّ، فكيف تُؤذي مسلمًا. [السير (تهذيبه) ٢/ ٧٧٤].
• وقال أيضًا ﵀: إني لأستحي من الله أن أشبع حتى أرى العدل قد بسط، وأرى الحق قد قام. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ٢٦].
• وعن جعفر قال: سمعت أبا عمران ﵀ يقول: بلغنا أنه إذا كان يوم القيامة، أمر الله تعالى بكل جبار، وكل شيطان، وكل من يخاف الناس من شره في الدنيا فيوثقون في الحديد، ثم أمر بهم إلى النار، ثم أوصدها عليهم - أي طبقها - فلا والله لا تستقر أقدامهم على قرار أبدًا، ولا والله ما ينظرون إلى أديم سماء أبدا، ولا والله لا تلتقي جفون أعينهم على غمض نوم أبدًا، ولا والله لا يذوقون فيها بارد شراب أبدًا. قال: ثم يقال لأهل الجنة: يا أهل الجنة افتحوا اليوم الأبواب فلا تخافوا شيطانًا ولا جبارًا، وكلوا اليوم واشربوا هنيئًا بما أسلفتم في الأيام الخالية. [الحلية (تهذيبه) ١/ ٤٠٢].
• وقال بعضهم: [عيون الأخبار ١/ ١١٧].
تفرحُ أَن تغلبني ظالمًا … والغالبُ المظلومُ لو تعلم
• وقال بعضهم: [عيون الأخبار ١/ ١١٧].
ونستعدي الأمير إذا ظُلمنا … فمن يُعْدِي إذا ظَلم الأميرُ
• وعن يوسف بن أسباط ﵀ قال: من دعا لظالم بالبقاء، فقد أحب أن يعصى الله. [الحلية (تهذيبه) ٣/ ٥٧].
• وعن محمد بن كعب القرظي ﵀، قال: ثلاث خصال من كن فيه كن عليه: البغي، والنكث، والمكر. وقرأ: ﴿وَلَا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ﴾
стр. 879
[فاطر: ٤٣]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم﴾ [يونس: ٢٣]، ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِه﴾ [الفتح: ١٠]. [موسوعة ابن أبي الدنيا ٥/ ٢٤٤].
• وقال الشافعي ﵀: بئسَ الزادُ إلى المَعَادِ العدوانُ على العباد. [السير (تهذيبه) ٢/ ٨٤٩].
• وعن قحطبة بن حميد أنه قال: كنت واقفًا على رأس المأمون ﵀ يومًا وقد قعد للمظالم، فأطال الجلوس حتى زالت الشمس، وإذا امرأة قد أقبلت تعثر في ذيلها حتى وقفت على طرف البساط، فقالت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. فنظر المأمون إلى يحيى بن أكثم، فأقبل يحيى عليها فقال: تكلمي. فقالت: يا أمير المؤمنين، قد حيل بيني وبين ضيعتي، وليس لي ناصر إلا الله. فقال لها يحيى بن أكثم: إن الوقت قد فات، ولكن عودي يوم الخميس. قال: فرجعت، فلما كان يوم الخميس قال المأمون: أوّل من يدعى المرأة المظلومة. فدعا بها. فقال: أين خصمك؟ قالت: واقف على رأسك يا أمير المؤمنين، قد حيل بيني وبينه. وأومأت إلى العباس ابنه. فقال لأحمد بن أبي خالد: خذ بيده وأقعده معها. ففعل، فتناظرا ساعة حتى علا صوتها عليه، فقال لها أحمد بن أبي خالد: إنك تناظرين الأمير أعزه الله بحضرة أمير المؤمنين أطال الله بقاءه، فأخفضي عليك. فقال له المأمون: دعها يا أحمد، فإن الحق أنطقها، والباطل أخرسه. فلم تزل تناظره حتى حكم لها المأمون عليه، وأمر بردّ ضيعتها، وأمر ابن أبي خالد أن يدفع لها عشرة آلاف درهم. [المنتظم ١٠/ ٦٥].
• وقال بعضهم: [عيون الأخبار ٣/ ٩١].
وظلمُ ذَوِي القُرْبَى أشدُّ مَضاضةً … على المرءِ من وَقْعِ الحُسَامِ المُهَنَّدِ
• وعن عبد السميع بن داود العباسي قال: قصد ملك شاه رجلان من أهل البلاد السفلى من أرض العراق يعرفان: بابني غزال، من قرية تعرف بالحدادية، فتعلقا بركابه وقالا: نحن من أسفل واسط من قرية تعرف بالحدادية، مقطعة لخمارتكين الحلبي، صادرنا على ألف وستمائة دينار، وكسر
стр. 880
ثنيتي أحدنا - والثنيتان بيده -، وقد قصدناك أيها الملك لتقتص لنا منه، فقد شاع من عدلك ما حملنا على قصدك، فإن أخذت بحقنا كما أوجب الله عليك وإلا فالله الحاكم بالعدل بيننا. وفسر على السلطان ما قالاه. قال عبد السميع: فشاهدت السلطان وقد نزل عن فرسه وقال: ليمسك كل واحد منكما بطرف كمي واسحباني إلى دار حسن - وهو نظام الملك - فأفزعهما ذلك، ولم يقدما عليه، فأقسم عليهما إلا فعلا، فأخذ كل واحد منهما بطرف كمه وسارا به إلى باب النظام، فبلغه الخبر، فخرج مسرعًا وقبَّل الأرض بين يديه وقال: أيها السلطان المعظم، ما حملك على هذا؟ فقال: كيف يكون حالي غدًا بين يدي الله إذا طولبت بحقوق المسلمين وقد قلدتك هذا الأمر لتكفيني مثل هذا الموقف، فإن تطرق على الرعية ثلم لم يتطرق إلا بك وأنت المطالب، فانظر بين يديك، فقبَّل الأرض وسار في خدمته، وعاد من وقته، فكتب بعزل خمارتكين وحل اقطاعه، وردّ المال إليهما وقلع ثنيتيه إن ثبت عليه البينة، ووصلهما بمائة دينار، وعادا من وقتهما. [المنتظم ١٦/ ٣١١، ٣١٢].