قلت: هذا حديث موضوع باطل لا أصل له عن النبي ﷺ كالذى قبله وهما حديث واحد، فرقهما المصنف بحسب مما وقع له في كتب المخرجين، قال أبو زكريا بن منده في أماليه:
حدثنا سعد بن أبي سعيد الصوفى ثنا عمر بن أحمد بن محمد النيسابورى ثنا عبد الرحمن بن حمدان ثنا إسحاق بن أحمد بن مهران الرازى أبو يعقوب ثنا الحارث بن مسلم ثنا زياد بن ميمون أبو عمار صاحب الفاكهة عن أنس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "تدرون لم سمى رمضان؟ لأنه ترمض فيه الذنوب، وإن في رمضان ثلاث ليال من فاتته فاته خير كثير: ليلة سبع وعشرين، وليلة إحدى وعشرين وآخر ليلة، فقال عمر: يا رسول اللَّه هي سوى ليلة القدر؟ قال: نعم، ومن لم يغفر له في شهر رمضان ففى أى شهر يغفر له؟ ".
وقال أبو الشيخ:
حدثنا على بن أبي على ثنا إسحاق بن أحمد الجزار الرازى ثنا الحارث بن مسلم به، ولفظه: "تدرون لم سمى شعبان؟ لأنه يتشعب فيه لرمضان خير كثير، وإنما سمى رمضان لأنه يرمض الذنوب، أى يذيبها من الحر".
فهذا كله من افتراء زياد بن ميمون الوضاع الدجال، الذي اعترف أنه لم يلق أنسا ولم يسمع منه شيئًا وأن كل ما حدثه به عنه فهو كذب وافتراء عليه، فقد أساء المصنف بإيراد هذه الأخبار المكذوبة، واللَّه المستعان.
١١٥٠/ ٢٥٩٨ - "إنّما سُميتِ الجمعةُ لأن آدمَ جمعَ فيها خلقهُ".
(خط) عن سلمان
قال في الكبير: وفيه عبد اللَّه بن عمرو بن أبي أمية، قال الذهبى: فيه جهالة، وقرثع الضبى ذكره ابن حبان في الضعفاء.
قلت: فيه تعقب على المصنف والشارح.
стр. 1332
أما المصنف فإنه عزاه إلى الخطيب وأطلق والخطيب لم يوصله، بل ذكره معلقا فقال في ترجمة محمد بن عيسى بن أبي موسى العطار: روى عنه محمد بن عمر العطار: ثنا محمد بن عيسى، فذكره بسنده، ثم بعد هذا أسند عنه الخطيب حديثا بواسطتين.
وأما الشارح ففى قوله: فيه عبد اللَّه بن عمرو بن أبي أمية، قال الذهبى: فيه جهالة فإن الذهبى لم يذكر الرجل في الضعفاء ولا قال ذلك عنه في الميزان.
١١٥١/ ٢٥٩٩ - "إنَّما مثلُ المؤمنِ حينَ يُصيبه الوعكَ أو الحمى كمثلِ حديدةِ تدخل النَّار فيذهبُ خبثها ويبقى طيبها".
(طب. ك) عن عبد الرحمن بن أزهر
قال في الكبير: قال الحاكم: صحيح وأقره الذهبى وقال في المهذب: مرسل جيد.
قلت: نعم قال ذلك الذهبى وهو وهم منه وتناقض، فعبد الرحمن بن أزهر لا شك في صحبته ولا اختلاف، فكان الواجب على الشارح أن يتعقب الذهبى على هذا الوهم والتناقض، ولا يسكت عليه فيوقع الناظر في الحيرة.
١١٥٢/ ٢٦٠١ - "إنَّما مثلُ الجليسِ الصالحِ، والجليسِ السوءِ كحاملِ المسكِ ونافخِ الكير: فحاملُ المسكِ إمَّا أنْ يُحْذِيَكَ، وإمَّا أن تبتاعَ منه وإما أنْ تجدَ منه ريحا طيبةً، ونافخُ الكيرِ إما أن يَحرقَ ثيَابَك، وإما أنْ تجدَ ريحا خبيثةً"
(ق) عن أبي موسى
قلت: ينتقد على المصنف عزو هذا الحديث إلى المتفق عليه بهذا اللفظ الداخل في حرف الهمزة على حسب اصطلاحه في هذا الكتاب، فإن البخارى لم يخرجه بلفظ: "إنما" في أوله، بل الذي خرجه كذلك مسلم وحده، وقد
стр. 1333
أعاده المصنف بدونها في حرف "الميم"، وعزاه إلى البخارى وحده فكان الواجب عزوه لهما معا هناك أيضًا كما هو الواجب المتبع بين أهل الحديث، فلا هو تمسك باصطلاحه في كتابه، ولا اتبع طريقة أهل الحديث.
١١٥٣/ ٢٦٠٢ - "إنَّما مثلُ صوم التطوعِ مثلُ الرَّجلِ يخرجُ مِن مَالِهِ الصَّدقَةَ، فإن شاءَ أمضَاهَا، وإنْ شَاءَ حبَسَهَا".
(ن. هـ) عن عائشة
قال الشارح في معناه: يصح النفل بنية من النهار أى قبل الزوال والفطر عند الشافعى، ويثاب من طلوع الفجر، ثم قال عقب عزوه: فيه انقطاع ونقل ذلك في الكبير عن عبد الحق، وأنه قال: إنه من رواية طلحة بن يحيى عن مجاهد عن عائشة، ومجاهد لم يسمعه منها كما في علل الترمذى.
قلت: فيه أمور، الأول: أن الحديث مشرق والمعنى الذي ذكره الشارح مغرب، بل معناه: أن الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء أتم صومه، وإن شاء أفطر ولم يتم صومه، كالمتصدق إن شاء أمضاها وإن شاء ردها، أو كون التطوع يصح بنية من النهار، فلا دلالة في الحديث عليه أصلا.
الثانى: إنما دخل الوهم على الشارح في هذا المعنى من جهة كون الحديث له أصل وقصة تفيد ذلك الحكم، وعليه اقتصر مسلم وغيره في رواية الحديث، ولم يذكروا هذه الزيادة التي خرجها النسائي وابن ماجه، بل ذكرها مسلم مدرجة في الحديث من قول مجاهد فروى من طريق طلحة يحيى بن عبيد اللَّه:
حدثتنى عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: "قال لى رسول اللَّه ﷺ ذات يوم يا عائشة هل عندكم شيء؟ قالت: فقلت يا رسول اللَّه ما عندنا شيء، قال: فإنى صائم، قالت: فخرج رسول اللَّه ﷺ ، فأهديت لنا هدية أو جاءنا زور، قالت: فلما رجع
стр. 1334
رسول اللَّه ﷺ ، قلت: يا رسول اللَّه أهديت لنا هدية أو جاءنا زور، وقد خبأت لك شيئًا، قال: ما هو؟ قلت: حيس، قال: هاته، فجئت به فأكل، ثم قال: قد كنت أصبحت صائما"، قال طلحة: فحدثت مجاهدا بهذا الحديث فقال: ذاك بمنزلة الرجل يخرج الصدقة من ماله، فإن شاء أمضاها وإن شاء أمسكها هذا لفظ الحديث، فكأن الشارح رأى من تكلم عليه واستخرج منه حكم صيام النافلة وأنه يجوز بنية في النهار كما هو صريح أول الحديث، فنقله إلى آخره الذي ذكر مرفوعًا مجردا في الكتاب مع أنه لا ارتباط له بذلك أصلا.
الثالث: ما ذكره من أن الحديث منقطع، وأن مجاهدا لم يسمع من عائشة غير صحيح، بل الصحيح أنه سمع من عائشة كما صرح بذلك في صحيح البخارى.
الرابع: لو أعل الحديث بالوقف كما وقع في صحيح مسلم لكان له وجه أو بالاختلاف على طلحة بن يحيى، فإنه رواه مرة عن عمته عائشة بنت طلحة عن عائشة، وزاد في آخره الزيادة المذكورة عن مجاهد من قوله، ورواه مرة عن مجاهد عن عائشة عن النبي ﷺ مرفوعًا.
١١٥٤/ ٢٦٠٤ - "إنَّما هَلَكَ مَنْ كَانَ قْبلَكُمْ بِاخِتلاِفهم في الكِتَابِ"
(م) عن ابن عمرو بن العاص
قال في الكبير: وقضية كلام المؤلف أن ذا مما تفرد به مسلم عن البخارى وهو ذهول بل خرجه عن النزال بن سبرة عن ابن مسعود ليس بينهما إلا اختلاف قليل، ومن ثم أطلق عزوه إليهما أئمة كالديلمى.
قلت: هذا باطل من وجهين، أحدهما: أن لفظ البخارى لا يدخل في هذا الكتاب، أو على الأقل في هذا الحرف.
قال البخارى: حدثنا سليمان بن حرب ثنا شعبة عن عبد الملك بن ميسرة عن
стр. 1335
النزال بن سبرة عن عبد اللَّه "أنه سمع رجلا يقرأ آية سمع النبي ﷺ قرأ خلافها فأخذت بيده فانطلقت به إلى النبي ﷺ فقال: كلاكما محسن فأقرأ أكبر علمى قال: فإن من كان قبلكم اختلفوا فأهلكهم". [٦/ ٢٤٥، رقم ٥٠٦٢]:
الثانى: لا يتصور من الأئمة عزوهم الحديث إلى المتفق عليه مع أن مسلما خرجه من حديث ابن عمرو [٤/ ٢٠٥٣, ٢/ ٢٦٦٦]، والبخارى من حديث ابن مسعود اللهم إلا أن يكون وقع ذلك في كلام بعض الفقهاء الذين يقصدون المعنى من حيث هو دون مراعاة الطرق واصطلاح أهل الحديث، وأولئك لا يعتبر قولهم في كتب التخريج فضلا عن هذا الكتاب المرتب على حروف المعجم، والشارح يتيقن ذلك، ولكنه يتغافل لحاجة في نفسه.
١١٥٥/ ٢٦٠٦ - "إنَّمَا هُما اثنَتَان، الكلام والهدى، فَأحْسن الكلام كَلامُ اللَّه، وَأحسن الهدى هَدى مُحمَّدٍ، ألا وَإِيَّاكُم وَمحَدثات الأمُورِ، فإنَّ شر الأمُورِ مُحدثَاتُها، وَكلّ مُحدثةٍ بدعة، وَكلُّ بدعة ضلالة، ألا لا يطُولنَّ عَليكُم الأمد فَتقسُو قُلُوبكُم، ألا إنَّ كُلَّ مَا هُو آتٍ قَرِيب، وَإنَّما البعيدُ مَا لَيسَ بِآتٍ، ألا إنَّما الشَّقيُّ مَن شقى في بطنِ أمهِ والسعيدُ من وُعِظ بغيره، ألا إن قِتالَ المؤمن كفر، وسبَابُه فسوقَ، ولا يحل لمسلمَ أن يهجرَ أخَاهُ فوقَ ثلاث، ألا وإياكم والكذب، فإن الكذبَ لا يصلح لا بالجدِّ ولا بالهزل، ولا يعد الرجل صبيه لا يفى له، وإن الكذبَ يهدى إلى الفجورِ، وإنَّ الفجورَ يَهدى إلى النَّارِ، وإنَّ الصدقَ يَهدِى إلى البرِ، وإن البرَ يَهدِى إلى الجنةِ، وإنه يقال للصادقِ: صدق وبر، ويُقَال للكاذبِ: كذب وفجر، ألا وإن العبدَ يكذب حتّى يُكْتَبَ عَنْد اللَّه كذابًا".
(هـ) عن ابن مسعود
стр. 1336
قلت: هذا الحديث ورد عن ابن مسعود مرفوعًا وموقوفًا، ومختصرًا كما هنا ومطولًا في نحو ورقة، وقد بسطت طرقه في مستخرجى على مسند الشهاب في عدة مواضع منها في الخامس والعشرين والثانى عشر بعد اللَّه الثمانمائة وغيرهما.
١١٥٦/ ٢٦٠٨ - "إنَّما يُبْعَثُ المقتَتِلُونَ عَلى النّياتِ"
ابن عساكر عن عمر
قال في الكبير: وفيه عمرو بن شمر، قال في الميزان عن الجوزجانى: كذاب وعن ابن حبان: رافضى يروى الموضوعات، وعن البخارى: منكر الحديث ثم ساق له مناكير هذا منها. ثم قال: وظاهر صنيع المصنف أنه لم يره مخرجا لأحد من المشاهير الذين وضع لهم الرموز وهو عجب، فقد خرجه أبو يعلى والطبرانى باللفظ المزبور. قال الهيثمى [١٠/ ٣٣٢]: وفيه جابر الجعفى، ضعيف.
قلت: بل هذا من التهور الظاهر، والكذب المكشوف، فأبو يعلى والطبرانى خرجاه بلفظ: "إنما يبعث المسلمون" (١) وهو أعم من المقتتلين، فأين اللفظ المزبور؟!.
стр. 1337
١١٥٧/ ٢٦١٠ - "إنَّما يَدخل الجنَّةَ مَنْ يرجُوها، وإنَّما يُجنب النَّار مَنْ يَخافها، وإنَّما يرحمُ اللَّه من يَرحَم"
(هب) عن ابن عمر
قال في الكبير: قال العلائى: إسناده حسن على شرط مسلم، وأقول: هذا غير مقبول، ففيه سويد بن سعيد، فإن كان الهروى فقد قال الذهبى: قال أحمد: متروك، وقال البخارى: عمى فلقن فتلقن، وقال النسائى: غير ثقة. وإن كان الدقاق فمنكر الحديث كما في الضعفاء للذهبى.
قلت: الشارح تسلط على الحديث وهو ليس من أهله ولا ضُرب له بسهم فيه ومن لا يفرق بين سويد بن سعيد الهروى الحدثانى، وبين سويد بن سعيد الطحان، كيف يتعقب على مثل الحافظ العلائى إن هذا لعجب، فسويد بن سعيد المذكور في سند الحديث هو الأول، وهو من رجال مسلم، فالحديث على شرطه كما قال العلائى.
وسويد بن سعيد وإن كان مختلفا فيه إلا أن أكثر ما عيب به التدليس، وكونه عمى فصار يتلقن، وإنما أفحش القول فيه ابن معين للعصبية المذهبية، ومشاركته نعيم بن حماد في رواية الحديث الوارد في ذم الحنفية، وإلا فقد وثقه جماعة، وقال مسلمة: هو ثقة ثقة، وقال إبراهيم بن أبي طالب: قلت لمسلم كيف استجزت الرواية عن سويد في الصحيح؟ فقال: ومن أين كنت آتى بنسخة حفص بن ميسرة؟! اهـ.
فمسلم روى عنه نسخة حفص بن ميسرة وهى معروفة مأمون أمرها؛ لأنها مكتوبة محفوظة، وهذا الحديث أيضًا منها، فإن سويدا رواه عن حفص بن
стр. 1338
ميسرة عن زيد بن أسلم عن ابن عمر.
قال أبو نعيم [٣/ ٢٢٥]: حدثنا حميد ثنا عبد اللَّه بن محمد بن ناجية ثنا سويد بن سعيد ثنا حفص بن ميسرة عن زيد بن أسلم عن ابن عمر به، ثم قال: غريب من حديث زيد مرفوعًا متصلا تفرد به حفص، ورواه ابن عجلان عن زيد مرسلا اهـ.
وقال أبو الشيخ: ثنا قاسم بن زكريا ثنا سويد بن سعيد به.
ورواه الديلمى في مسند الفردوس من طريق أبي الشيخ، فالقول ما قال العلائى.
أما قول الشارح "وإن كان الدقاق فمنكر الحديث كما قال الذهبى في الضعفاء" فداهية أخرى تنبئك ببعد الشارح عن فن الحديث وفهم اصطلاح أهله، فسويد بن سعيد الدقاق لم يقل فيه الذهبى منكر الحديث، بل قال: لا يكاد يعرف، روى عن على بن عاصم خبرا منكرا قاله ابن الجوزي اهـ.
وبون كبير بين قولهم روى خبرا منكرا، وقولهم منكر الحديث كما هو ظاهر حتى في قواعد اللغة العربية فضلا عن اصطلاح أهل الحديث.
والرجل ذكره [ابن] حبان في الثقات، وقال عنه الحافظ: لين الحديث.
وأين هذا من منكر الحديث؟! بل الشارح منكر الكلام في الحديث.
١١٥٨/ ٢٦١٢ - "إنَّما يَرحمُ اللَّه مِن عِبادِه الرحماءُ"
(طب) عن جرير
قال في الكبير: وعزوه للطبرانى كالصريح في أنه لم يره في شيء من الكتب
стр. 1339
الستة وهو غفول قبيح، فقد عزاه هو نفسه في الدرر للشيخين معًا من رواية أسامة بن زيد، وهو في كتاب الجنائز من البخارى ولفظه عن أسامة بن زيد: قال: "أرسلت بنت للنبي ﷺ تقول إن ابنى قد احتضر فاشهدنا فأرسل يقرئ السلام ويقول إن للَّه ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب فأرسلت إليه تقسم [عليه] ليأتينها، فقام ومعه سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل، وأبيُّ بن كعب، وزيد بن ثابت ورجال، فرفع إليه الصبى فأقعده في حجره ونفسه تقعقع ففاضت عيناه فقال سعد: يا رسول اللَّه ما هذا؟ قال هذه رحمة جعلها اللَّه في قلوب عباده إنما يرحم اللَّه من عباده الرحماء".
قلت: في هذا أمور: الأول: حيث عرف أن المصنف نفسه عزاه في الدرر إلى الشيخين فكان حقه أن يستحى ويعلم أنه غير جاهل بوجوده فيهما.
الثانى (١): صنيع المصنف في الدرر صنيع أهل التخريج، والكلام على الحديث من حيث هو، وصنيعه في هذا الكتاب مقيد باصطلاح خاص وهو إيراد الأحاديث القولية المختصرة مرتبة على حروف المعجم في الأول والذي يليه بحسب لفظ النبي ﷺ على ما عند كل راوٍ على حسب روايته، وحديث أسامة بن زيد كما ترى وقع في آخر حديث، وأوله "إن للَّه ما أخذ وله ما أعطى"، ولو اعتبرنا الجملة الأخيرة وحدها فأولها "هذه رحمة جعلها اللَّه في قلوب عباده" فحقه أن يذكر الحديث في حرف "الهاء" فكيف وهو لا يقتصر على أواخر الحديث بل يذكره بتمامه، ولذا خص هذا الكتاب
стр. 1340
بالمختصرات دون المتون المطولة فأفردها بكتابه "زوائد الجامع الصغير"، وحديث جرير هو حديث بتمامه غير مختصر.
الثالث (١): ولو حكمنا على المصنف بإيراد آواخر الحديث في كتابه فحقه أن يذكلر في حرف "الواو" لأن الرواية "وإنما يرحم اللَّه من عباده الرحماء".
الرابع: الحديث بزيادة الواو كما ذكرنا والشارح حذفها سهوًا أو عمدًا.
الخامس: الحديث ذكره البخارى في عدة مواضع من صحيحه منها: في الجنائز [٢/ ١٠٠، رقم ١٢٨٤] وفي الطب [٧/ ١٥٢، رقم ٥٦٥٥] وفي النذور [٨/ ١٦٦، رقم ٦٦٥٥] وفي التوحيد [٩/ ١٤١, رقم ٧٣٧٧] في مواضع مكررة وقع في جميعها بزيادة الواو إلا في موضع واحد في التوحيد [٩/ ١٦٤، رقم ٧٤٤٨] قال فيه: "فقال سعد بن عبادة، أتبكى فقال إنما يرحم اللَّه من عباده الرحماء"، فلو كان التعقب حقا لكان بما في هذا الموضع لا بما في الجنائز.
١١٥٩/ ٢٦١٣ - "إنما يعرف الفضلَ لأهل الفضلِ أهلُ الفضل".
(خط) عن أنس، ابن عساكر عن عائشة.
قال الشارح: بإسناد ضعيف، وقال في الكبير: وقضية تصرف المصنف أن الخطيب خرجه وسكت عليه وهو تلبيس فاحش، فإنه أورده في ترجمة جعفر الدقاق الحافظ من روايته عنه. فإن أبا زرعة ذكر عن الجرجانى أنه قال: ليس هو بمرضى في الحديث ولا في كتبه كان فاسقًا كذابًا هذه عبارته، فاقتصار
стр. 1341
المصنف على عزوه إليه وسكوته عما أعلَّه به غير صواب، ثم إن فيه أيضًا محمد بن زكريا الغلابى، قال الذهبى في الضعفاء: قال الدارقطنى: يضع الحديث، وقال ابن الجوزي: موضوع، فإن الغلابى يضع.
قلت: الشارح ﵀ يخلق المعايب ويفتريها بجهله ثم ينسبها إلى المؤلف وهو منها برئ، وانظر كيف عبر عنه هنا بأنه لبَّس تلبيسًا فاحشا مع ما كان عليه الحافظ ﵀ من خدمة الشريعة المحمدية والسنة النبوية والنصح للَّه ولرسوله ولدينهما والذب عن كل ما يحوم حوله مما له أدنى تعلق بالدين مع الإخلاص والصدق والمبالغة وبذل المجهود في الإيضاح والتبيين، بحيث قضى عمره ﵁ كله في الذب والانتصار والجهاد للمبتدعة والجهلة وفسقة العلماء المتلاعبين بالشريعة، ولذلك ابتلاه اللَّه تعالى بكثرة الحسدة والأعداء في حياته وحتى بعد مماته.
فهنا نسب المؤلف إلى التلبيس وهو الملبس على الحقيقة، فإن المؤلف رمز للحديث بعلامة الضعيف على ما اصطلح عليه في كتابه، وجعل ذلك بدل النص والتصريح اختصارا كما فعل في أسماء المخرجين، والضعيف يشمل المنكر والواهى وما هو أقوى منهما وسائر أنواع الضعيف، وبذلك أدَّى ما وجب عليه خدمة للدين والشريعة، بل جميع محدثى الدنيا ومؤلفيها ما التزم أحد منهم أن ينص عقب كل حديث على رتبته كما التزمه هو في هذا الكتاب مع أن الحفاظ المتقدمين والفقهاء والصوفية والمتكلمين والمفسرين لكلام اللَّه تعالى يكثرون من إيراد الأحاديث الباطلة الموضوعة من غير بيان بل ولا عزو ولا تخريج (١) فهم أولى أن يحكم عليهم الشارح الملبس بالتلبيس الفاحش ومعاذ اللَّه أن يقصد أحد منهم التلبيس في دين اللَّه والتلاعب بشريعته
стр. 1342
نعم الملبس على الحقيقة بدون شك ولا ريب هو الشارح في كتابه كنوز الحقائق، فإنه يزعم معرفة الحديث والاطلاع على كتب المحققين من أهله، ككتب الحافظ العراقى، وتلميذه الحافظ، وتلميذه السخاوى، والمؤلف والحافظ نور الدين الهيثمى، وإلى كتب هؤلاء المرجع في معرفة غالب الأحاديث ومع ذلك، فقد لبس على الناس في ذلك الكتاب وسخفه بالموضوعات الباطلة المنكرة مع علمه بأكثرها، بل الغالب أنه نقلها من كتب الموضوعات وجعلها كتاب حديث، فهو المدلس الملبس الخداع لأهل العلم والدين، لا المؤلف الإمام الحافظ ناصر الشريعة والذاب عن الدين.
وبعد فلنبين ما وقع له من التلبيس والأخطاء في هذه الجملة وذلك من وجوه:
الأول: أن المصنف غير ملزم بالتبيين كسائر أهل الحديث والمؤلفين الذين منهم الشارح.
الثانى: أنه قد تبرع وبين بالرمز له بعلامة الضعيف.
الثالث: أنه ليس من صنيعه في كتابه نقل كلام الناس على الحديث، لأن ذلك وظيفة الشروح والتخاريج لا المصنفات.
الرابع: أن الخطيب لم يتعقب الحديث ولم يتكلم عليه بحرف واحد ولا ذلك من وظيفته، بل ذكر الحديث ثم ذكر ما قيل في راويه لا باعتبار الكلام على الحديث، بل باعتبار ما قيل في الرجل لأنه بصدد الترجمة.
стр. 1343
قال الخطيب [٧/ ٢٢٣، رقم ٢٢٤]: جعفر بن على بن سهل أبو محمد الدقاق الدورى الحافظ، حدث عن أبي إسماعيل الترمذى وعن محمد ابن زكريا الغلابى وإبراهيم بن إسحاق الحربى ونحوهم في الطبقة، روى عنه عبد اللَّه بن إبراهيم بن ماسى وأبو أحمد الغطريفى الجرجانى، وعلى بن عمرو الحريرى وأبو الحسن الدارقطنى.
أخبرنا على بن طلحة بن محمد المقرئ حدثنا عبد اللَّه بن إبراهيم بن أيوب ثنا جعفر بن على الحافظ ثنا محمد بن زكريا الغلابى بالبصرة ثنا عبيد اللَّه بن عائشة أخبرنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس قال: "دخل أبو بكر الصديق ﵁ على رسول اللَّه ﷺ فجلس عنده ثم استأذن على بن أبي طالب، فدخل فلما رآه أبو بكر تزحزح له وتزعزع فقال له النبي ﷺ : لم فعلت هذا يا أبا بكر؟ فقال إكراما له وإعظاما يا رسول اللَّه، فقال: إنما يعرف الفضل لأهل الفضل ذوو الفضل".
حدثنى على بن محمد بن نصر قال: سمعت حمزة بن يوسف يقول سمعت أبا زرعة محمد بن يوسف الجرجانى يقول: جعفر الدقاق الحافظ ليس بمرضى في الحديث ولا في دينه كان فاسقا كذابا، قرأت في كتاب أبي القاسم بن الثلَّاج بخطه: توفى أبو محمد جعفر بن على بن سهل الدقاق الحافظ الدورى في سنة ثلاثين وثلاثمائة اهـ.
فلم يتكلم على الحديث بحرف، وما ذكره الشارح جهل منه على المصنف، وكذب على الخطيب.
الخامس: يدلك على صدق ما نقول -إن لم تكن من أهل معرفة هذا الشأن
стр. 1344
أن الخطيب خرج هذا الحديث في موضع آخر من تاريخه، فلم يتكلم بحرف واحد أيضًا لا عليه ولا على راويه فقال [٣/ ١٠٥] في ترجمة محمد بن على الأنبارى ما نصه:
محمد بن على بن أحمد بن إسماعيل بن جعفر أبو طاهر الواعظ يعرف بابن الأنبارى كان يسكن بدرب الموالى، وحدث عن محمد بن عبد اللَّه بن محمد الموصلى، والحسن بن العباس بن الفضل الشيرازى وغيرهما، كتبت عنه حديثا واحدا: أخبرنا أبو طاهر محمد بن على الأنبارى، فذكر الحديث بالقصة كما سبق، ثم قال عقبه: سألت ابن الأنبارى عن مولده فقال في سنة خمس وسبعين وثلاثمائة، وقد سمعت من الدارقطنى وابن شاهين، لكن ذهبت كتبى. ومات يوم الأربعاء العاشر من شعبان سنة ثمان وأربعين وأربعمائة.
السادس: لو كان الخطيب يتكلم على الأحاديث، ويبين عللها، لعلله بمحمد ابن زكريا الغلابى، لأنه آفته كما سأذكره، فكيف وهو لا يتعرض للأحاديث أصلًا إلا نادرًا جدا لغرض يدعوه إلى ذلك؟
السابع: لو كان المصنف يتكلم على أحاديث الكتاب وينقل كلام الناس فيها لما أجار له علمه وتحقيقه أن ينقل عليه كلام الخطيب في الدقاق، فإنه لا دخل له في الحديث أصلا، بل الحديث معروف بزكريا الغلابى، وبه أعله الحفاظ.
أما جعفر الدقاق فقد توبع عليه فرواه ابن الأعرابى في معجمه: ثنا محمد بن زكريا الغلابى ثنا العباس بن بكار الضبى أبو الوليد ثنا عبد اللَّه [بن] المثنى الأنصارى عن عمه ثمامة بن عبد اللَّه بن أنس عن أنس به.
стр. 1345
ورواه القضاعى في مسند الشهاب [٢/ ١٩١، رقم ١١٦٤] عن عبد الرحمن بن عمر النحاس عن ابن الأعرابى.
ورواه الخطيب [٣/ ١٠٥] عن أبي طاهر محمد بن على الأنبارى أنبأنا القاضى أبو الحسن محمد بن عبد اللَّه بن محمد بن أحمد بن حماد الموصلى ثنا الحسن بن هشام بن عمرو ثنا محمد بن زكريا الغلابى به. فبرئ جعفر ابن على الدقاق من عهدته.
والحديث آفته الغلابى، فإنه وضاع لاسيما وقد اضطرب فيه، فمرة قال عن العباس بن بكار الضبى عن عبد اللَّه بن المثنى عن عمه عن أنس، ومرة قال: عن عبيد اللَّه بن عائشة عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس به، كما سبق في رواية جعفر الدقاق عنه.
وتابعه أحمد بن نصر الذارع فرواه عن صدقة بن موسى عن العباس بن بكار الضبى بسنده السابق، والذارع وضاع أيضًا، فكأنه سرقه من الغلابى. أخرج متابعته الخطيب [٣/ ١٠٥] في ترجمة محمد بن على الأنبارى، ولو سلم من الذارع والغلابى، فالعباس بن بكار الضبى وضاع أيضًا، فيمكن أن يكون هو السابق إلى وضعه، وسرقه منه الباقون.
وقد ورد من وجه آخر عن أبي سعيد قال الديلمى [٥/ ٣٩٨، رقم ٨٢٨٠]: أخبرنا محمد بن أبي القاسم بن على بن خيثمة ثنا عبد اللَّه بن شبيب ثنا المظفر ابن الحسين بن على السمسار ثنا على بن محمد بن عامر النهاوندى ثنا محمد ابن رزيق ثنا حسين بن الفضل ثنا مأمون بن سعيد بن يوسف ثنا سليمان عن سليم عن أبي سعيد مرفوعًا: "يا أبا بكر إنما يعرف الفضل لذوى الفضل
стр. 1346
أهل الفضل"، وهذا السند يجب الكشف عنه، وأرى فيه انقطاعا.
الثامن: أن الشارح نقل في الكبير حكم ابن الجوزي بوضعه وأنه من رواية محمد بن زكريا الغلابى الوضاع، ثم اقتصر في صغيره على قوله: بإسناد ضعيف، فكان ذلك غاية التلبيس ونهاية الغش والتدليس.
أما المصنف فإنه مجتهد لم يظهر له في اجتهاده أنه موضوع بدليل تعقبه على ابن الجوزي الحكم بوضعه، فلذلك أورده هنا ورمز لضعفه، وإن كان الحق عندنا أنه موضوع، والمجتهد مأجور ولو أخطأ، ولا لوم عليه في خطئه مع الاجتهاد.
١١٦٠/ ٢٦١٦ - "إنَّمَا يَكْفِى أَحَدَكُمْ ما كان في الدُّنْيا مِثْلُ زَادِ الرَّاكِبِ"
(هب) عن خباب
قلت: حديث خباب أخرجه أيضًا أبو نعيم في الحلية [١/ ٣٦٠]، وورد عن حديث سلمان وبريدة وعائشة، نذكرها إن شاء اللَّه تعالى في حرف "اللام" عند حديث "ليكف الرجل منكم"، وقد أطلت الكلام على طرقه في مستخرجى على مسند الشهاب.
١١٦١/ ٢٦١٧ - "إنَّمَا يكْفِيكَ مِنْ جَمْعِ المَال خَادِمٌ وَمرْكَبٌ في سَبِيلِ اللَّه"
(ت. ن. هـ) عن أبي هاشم بن عتبة
قلت: أخرجه أيضًا أحمد في مسنده [٥/ ٢٩٠، ٣/ ٤٤٣، ٤٤٤]
стр. 1347
والبغوى وابن السكن وأبو عمر ابن عبد البر في الاستيعاب [١٢/ ١٦٦] وفي كتاب العلم أوائل الجزء الثانى من وجهين عنه.
ورواه أحمد أيضًا والنسائى وابن عبد البر في العلم، والضياء المقدسى في المختارة من حديث بريدة، وسيأتى للمصنف في حرف "اللام".
١١٦٢/ ٢٦٢٠ - "إِنَّمَا يَنصُرُ اللَّه هذه الأُمَّةَ بِضَعِيفِهَاِ بدَعْوَتِهِمْ وَصَلاتِهِمْ وإخلاصِهِمْ"
(ن) عن سعد
قلت: أخرجه أيضًا أبو نعيم في الحلية [٥/ ٢٦] قال: حدثنا حبيب بن الحسن ثنا عمر بن حفص السدوسى ثنا عاصم بن على ثنا محمد بن طلحة عن طلحة بن مصرف عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص قال: "رأى سعد أن له فضلًا عن من دونه فقال النبي ﷺ : إنما ينصر اللَّه هذه الأمة بضعفائها بدعواتهم وإخلاصهم".
قال أبو نعيم: رواه يحيى عن أبي زائدة عن محمد بن طلحة مثله، ورواه عن طلحة ليث بن أبي سليم وزهير ومسعر والحسن بن عمارة ومعاوية بن سلمة.
قلت: ورواه عن مصعب بن سعد عمرو بن مرة أيضًا فقال: عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ينصر المسلمون بدعاء المستضعفين". أخرجه أبو نعيم أيضًا [٥/ ١٠٠] من طريق عبد السلام بن حرب عن أبي خالد الدالانى عن عمرو بن مرة به.
стр. 1348
١١٦٣/ ٢٦٢١ - "إنَّهُ لَيُغان عَلَى قَلْبِى، وإنِّى لأسْتَغْفِرُ اللَّه في اليَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ".
(حم. م. د. ن) عن الأغر المزنى.
قلت: ورد من حديث أبي موسى بسند ظاهر الصحة لكنه معلول كما قال الحاكم في علوم الحديث [ص ١١٤، ١١٥]:
حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا محمد بن إسحاق الصغانى ثنا ابن أبي مريم ثنا محمد بن جعفر بن أبي كثير عن موسى بن عقبة عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبيه، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إنى لأستغفر اللَّه وأتوب إليه في اليوم مائة مرة".
قال الحاكم: وهذا إسناد لا ينظر فيه حديثى إلا علم أنه من شرط الصحيح، والمدنيون إذا رووا عن الكوفيين زلقوا، حدثنا أبو جعفر محمد بن صالح بن هانئ ثنا يحيى بن محمد بن يحيى ثنا أبو الربيع ثنا حماد بن زيد عن ثابت البنانى قال: سمعت أبا بردة يحدث عن الأغر المزنى وكانت له صحبة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنه ليغان على قلبى فأستغفر اللَّه في اليوم مائة مرة".
قال الحاكم: رواه مسلم بن الحجاج في الصحيح [٤/ ٢٠٧٥، رقم ٢٧٠٢/ ٤١] عن أبي الربيع، وهو الصحيح المحفوظ.
ورواه الكوفيون أيضًا: مسعر وشعبة وغيرهما عن عمرو بن مرة عن أبي بردة كذلك.
قلت: ورواه جماعة عن أبي بردة عن الأغر أيضًا منهم ثابت البنانى وغيره (١)
стр. 1349
١١٦٤/ ٢٦٢٣ - "إنِّى أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلانِ مِنْكُمْ"
(حم. م) عن ابن مسعود.
قال في الكبير: ظاهره أن هذا مما تفرد به مسلم عن البخارى، والأمر بخلافه، فقد رواه البخارى في الطب إلخ.
قلت: هذه سخافة لم يمل منها الشارح ويكفى في إبطال كلامه صيغة المتن الذي ذكره الذي أوله "أجل".
١١٦٥/ ٢٦٢٥ - "إِنِّى فِيمَا لَمْ يُوحَ إِلَيَّ كَأَحَدِكُمْ".
(طب) وابن شاهين في السنة عن معاذ.
قال الشارح: بإسناد حسن.
وقال في الكبير: قال الهيثمى: فيه أبو العطوف، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات وفي بعضهم خلاف.
قلت: في هذا عدة أخطاء الأول: قوله في الصغير عن الحديث: إنه حسن، باطل لا أصل له ولا مستند إلا التهور والتلاعب بنصوص الشرع، بل الحديث باطل موضوع كما ستعرفه.
الثانى: أنه أخذ ذلك من كلام الحافظ الهيثمى اتكالا على قوله: "وبقية رجاله ثقات" مع إلغاء قوله: "فيه أبو العطوف لم أعرفه" والبلاء منه، مع أن الشارح نفسه دائما يجعل قول النور الهيثمى "لا أعرفه" حكمًا على الرجل بالجهالة، وكيف يكون حسنا ما في سنده مجهول؟!
الثالث: أن الشارح نفسه حكم على هذا الحديث بالضعف، بل
стр. 1350
نسى ذلك لكونه بعيدًا من دراية الفن، فحكم بحسنه هنا وذلك أن هذا الحديث له قصة وهو مشتمل على جملتين مرفوعتين تقدم إحداهما؛ ولفظ الحديث عن معاذ "أن رسول اللَّه ﷺ لما أراد أن يسرح معاذًا إلى اليمن فاستشار ناسا من أصحابه فيهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلى وطلحة بن الزبير وأسيد بن حضير، فاستشارهم فقال أبو بكر: لولا أنك استشرتنا ما تكلمنا، فقال: إنى فيما لم يوح إلى كأحدكم، قال فتكلم القوم فتكلم كل إنسان برأيه فقال: ما تريد يا معاذ؟ فقلت: أرى ما قال أبو بكر، فقال رسول اللَّه ﷺ : إن اللَّه يكره فوق سمائه أن يخطئ أبو بكر".
هكذا أخرجه الطبرانى في الكبير [٢٠/ ٦٧، رقم ١٢٤]:
حدثنا الحسن بن العباس الرازى وغيره قالوا: حدثنا سهل بن عثمان ثنا أبو يحيى الحمانى عن أبي العطوف عن الوضين بن عطاء عن عبادة بن نسى عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ به.
قال الحافظ الهيثمى بعد أن أورده في كتاب العلم: فيه أبو العطوف، لم أر من ترجمه [يروى] عن الوضين بن عطاء، وبقية رجاله موثقون اهـ.
وهو غريب من الحافظ المذكور، فإن أبا العطوف مترجم في الميزان، ذكره الذهبى في الكنى وقال: هو الجواح بن منهال قد ذُكر، وذُكر في الجراح ما سنذكر منه، وكذلك صرح باسمه ابن شاهين في كتاب "السنة" فقال:
حدثنا إبراهيم بن حماد بن إسحاق القاضى ثنا عبد الكريم بن الهيثم ثنا مصرف بن عمرو ثنا أبو يحيى الحمانى عن أبي العطوف جراح بن منهال عن الوضين بن عطاء به.
ولما ذكر المصنف فيما سبق الجملة الأخيرة من هذا الحديث وهى قوله: "إن اللَّه يكره فوق سمائه أن يخطئ أبو بكر"، وعزاه للطبرانى وابن شاهين في
стр. 1351
السنة أيضًا كما فعل هنا، كتب عليه الشارح في الكبير ما نصه: وأورده ابن الجوزي في الموضوع وقال: تفرد به أبو الحارث نصر بن حماد عن بكر بن خنيس، وقال يحيى: نصر كذاب ومحمد بن سعيد هو المصلوب كذاب يضع إلى هنا كلامه، ونازعه المؤلف على عادته فلم يأت بطائل اهـ.
يعنى أن الحديث موضوع كما قال ابن الجوزى وتعقب المصنف عليه غير مفيد وهنا يقول: إن الحديث حسن، أما هناك فقد وفيناه حقه على تلك الجهالة، وبينا أن المصنف أتى بكل طائل وبما لا يستطيع ملء الأرض من الشارح أن يأتوا بمثله وهو كل ما في الإمكان.
الرابع: أنه أقر الهيثمى على أن أبا العطوف لا يعرف له ترجمة مع أن أبا العطوف مترجم في الميزان وهو عمدة الشارح، وقد قال الذهبى في ترجمته: قال ابن المدينى: لا يكتب حديثه، وقال البخارى ومسلم: منكر الحديث، وقال النسائى والدارقطنى: متروك، وقال ابن حبان: كان يكذب في الحديث ويشرب الخمر، مات سنة ١٦٨، وزاد الحافظ في اللسان: قال ابن معين: ليس حديثه بشيء، وقال أبو حاتم والدولابى: متروك الحديث ذاهب لا يكتب حديثه، وقال ابن سعد: كان ضعيفا في الحديث، وذكره البرقى في باب "من اتُهم بالكذب"، وقال النسائي في "التمييز": ليس بثقة ولا يكتب حديثه، وقال ابن الجارود: ليس بشيء، وذكره الساجى والعقيلى والجوزجانى في الضعفاء اهـ.
وحكم ابن الجوزى على حديثه أنه موضوع، أعنى حديثا غير هذا حكم بوضعه وأعله به، فكيف يكون حديث هذا حسنا لاسيما وآثار النكارة ظاهرة على متنه والغرابة بادية عليه، وكون لفظه ورد من حديث سهل بن سعد بسند رجاله ثقات كما يقوله الهيثمى، لا يفيد هذا قوة، على أن قول الحافظ
стр. 1352
الهيثمى في مثل ما يرويه الضعفاء والكذابون لا تقوم به حجة، لكونه لا ينظر في العلل، بل يقتصر على الحكم لمجرد ظاهر الإسناد وذلك لا يفيد، فكم حديث قال عنه: رجاله ثقات، واتضح أنه معلول موضوع لا أصل له من كلام رسول اللَّه ﷺ .
١١٦٦/ ٢٦٢٦ - "إِنِّي لَمْ ابْعَثُ لَعَّانًا"
(طب) عن كريز بن أسامة
قال الشارح: وفيه مجهول.
وقال في الكبير: قال الهيثمى: وفيه من لم أعرفهم.
قلت: فما قاله في الصغير يناقض ما نقله في الكبير الذي هو عمدته فيما قال من وجهين:
أحدهما: أن الهيثمى قال: من لم أعرفهم بميم الجمع، والواقع كذلك، فإن فيه ثلاثة لا يعرفون.
فقد أخرجه ابن أبي عاصم قال:
حدثنا عمر بن راشد أبو حفص ثنا يحيى بن راشد عن الرحَّال ابن المنذر قال: حدثنى أبي عن أبيه عن كريز قال: "قيل للنبي ﷺ العن بنى عامر، قال: إنى لم أبعث لعانا".
ومن هذا الوجه أخرجه الطبرانى وأبو نعيم في الصحابة، إلا أنه وقع عندهما كريز بتصغير كما في المتن، وزاد أبو نعيم بعد قوله: "لم أبعث لعانا"، "اللهم اهد بنى عامر".
والرحال بمهملتين، لا يعرف حاله ولا حال أبيه ولا جده كما قال الحافظ
стр. 1353
أيضًا، فهؤلاء هم الذين عنى الحافظ الهيثمى بقوله: لم أعرفهم، فمن أين اقتصر الشارح على قوله "فيه مجهول"؟
ثانيهما: قدمنا مرارا أن ما يقول فيه المتاخرون: لا أعرفه، يجب أن ينقل قوله كذلك، ولا يتصرف فيه بأنه مشغول، لأن كثيرا ممن يقول فيه أمثال الهيثمى: "لا أعرفه" قد يكون معروفا مترجما لغيره، والمجهول عند أهل الحديث خلاف هذا كما هو معروف.
١١٦٧/ ٢٦٢٨ - "إِنِّى لأَمْزَحُ وَلا أَقُولُ إلا حَقّا"
(طب) عن ابن عمر، (خط) عن أنس
قال في الكبير: قال الهيثمى: إسناد الطبرانى حسن اهـ. وإنما لم يصح لأن فيه الحسن بن محمد بن عنبر، ضعفه ابن قانع وغيره، وقال ابن عدى: حدث بأحاديث أنكرتها عليه منها هذا.
قلت: الحسن المذكور لا يوجد في هذا الحديث، لا في سند حديث ابن عمر ولا في سند حديث أنس.
أما حديث ابن عمر فقال الطبرانى: حدثنا محمد بن أبي النعمان الأنطاكى ثنا الهيثم بن جميل ثنا مبارك بن فضالة عن بكر بن عبد اللَّه المزنى عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه ﷺ وذكره (١).
قال الطبرانى: لا يروى عن ابن عمر إلا بهذا الإسناد.
وأما حديث أنس فقال الخطيب [٣/ ٣٧٨]: أخبرنى الأزهرى ثنا محمد بن
стр. 1354
المظفر ثنا محمد بن محمد الباغندى حدثنى محمد بن يزيد بن سعيد النهروانى ثنا أحمد بن عبد الصمد الأنصارى ثنا وكيع بن الجراح ثنا شعبة عن قتادة عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ به.
والذي أوقع الشارح في هذا هو أنه رتب أحاديث الميزان على حروف المعجم فرأى في ترجمة الحسن المذكور هذا الحديث، فحكم عليه بأنه في هذا الإسناد أيضًا، فقد قال الذهبى في الميزان: قال ابن عدى: حدث بأحاديث أنكرتها عليه، ثم قال:
حدثنا الحسن ثنا محمد بن بكار ثنا جعفر بن سليمان عن كثير بن شنظير عن أنس بن سيرين عن أنس به.
زاد الحافظ في اللسان: قال ابن عدى: وهذا باطل بهذا الإسناد، وإنما يرويه محمد بن بكار عن أبي معشر عن سعيد عن أبي هريرة ﵁، فإن لم يكن ابن عنبر تعمد، فلعله دخل له حديث في حديث اهـ.
وهذا من ابن عدى غير مقبول فقد ورد حديث أنس من وجه آخر كما سبق، وحديث أبي هريرة الذي يشير إليه خرجه أحمد [٢/ ٣٤٠، ٣٦٠]، والبخارى في الأدب المفرد [ص ١٠٢، رقم ٢٦٥]، والترمذى في الجامع [٤/ ٣٥٧، رقم ١٩٩٠] والشمائل [ص ١٩٥، رقم ٢٣٨] من طرق عن سعيد المقبرى عن أبي هريرة قال: "قالوا: يا رسول اللَّه إنك تداعبنا، قال إنى لا أقول إلا حقا" وهو المذكور في المتن بعد هذا.
[ثم إن] الشارح تكلم على سبب عدم ارتقاء حديث ابن عمر من الحسن إلى الصحة، وبين أن ذلك لوجود الحسن بن عنبر فيه مع [أن] الحسن إنما وقع في حديث أنس من رواية ابن عدى خاصة دون رواية الخطيب المذكورة في
стр. 1355
في المتن، فكيف انتقل الحكم به من حديث أنس إلى حديث ابن عمر؟.
ثم إن من يُذكر بالضعف والوصف الذي حكاه الشارح كيف يكون حديثه حسنا؟ فما الشارح إلا مخلط متهور.
١١٦٨/ ٢٦٣٢ - "إِنِّى لأَرْجُو أَنْ لا تَعْجزَ أُمَّتِى عِنْدَ رَبِّهَا أَنْ يُؤَخِّرَهُمْ نِصْفَ يَوْمٍ"
(حم. د) عن سعد
قال الشارح: أى أغنياؤها عن الصبر على الوقوف للحساب عند ربها أن يؤخرهم في الدنيا نصف يوم من أيام الآخرة.
قلت: انظر كلام الشارح أولا وأخيرا وتعجب من غفلته المتناهية، فبينما هو يخصص العام ويحمل الأمة على الأغنياء فقط، وأن المراد صبرهم للحساب في الآخرة، إذ يقول: "أن يؤخرهم في الدنيا نصف يوم"، فهذا أشبه شيء بكلام المجانين وإلى اللَّه ترجع الأمور.
١١٦٩/ ٢٦٣٣ - "إِنِّى نهِيتُ عَنْ قَتْلِ المُصَلِّينَ"
(د) عن أبي هريرة
قال في الكبير: أورده ابن الجوزى في الواهيات وقال: لم يثبت، وقال الزين العراقي: ضعيف، وعده في الميزان من المناكير.
قلت: الذهبى لم يعده من المناكير، بل تعقب من قال ذلك ورده بقوله: "قلت: قد رَوى عن أبي يسار إمامان، الأوزاعى والليث، فهذا شيخ ليس بضعيف، وهذا الحديث في سنن أبي داود من طريق مفضل بن يونس عن الأوزاعى عنه، والمفضل هذا كوفى مات شابا، ما علمت به بأسا، تفرد بهذا وقد وثقه أبو حاتم" اهـ.
وله شاهد من حديث أنس، قال ابن عدى:
стр. 1356
ثنا عبد اللَّه بن العباس الطيالسى ثنا عمر بن محمد بن الحسن الأسدى ثنا أبي ثنا عامر بن عبد اللَّه بن يساف عن سعيد عن قتادة عن أنس قال: "ذُكر عند النبي ﷺ رجل فقيل: يا رسول اللَّه ذاك كهف المنافقين، فلما رآهم اكثروا فيه رخص لهم في قتله ثم قال: هل يصلى؟ قالوا: نعم، صلاة لا خير فيها، قال: إنى نهيت عن قتل المصلين".
١١٧٠/ ٢٦٣٥ - "إِنِّى لا أَقْبَلُ هَدِيَّةَ مُشْرِكٍ"
(طب) عن كعب بن مالك
قال الشارح في الكبير: رواه (طب) عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن كعب عن كعب بن مالك قال: "جاء ملاعب الأسنة إلى رسول اللَّه ﷺ بهدية، فعرض عليه الإسلام فأبى" فذكره.
قال الهيثمى: رجاله رجال الصحيح وفيه قصة، وقال ابن حجر: رجاله ثقات إلا أنه مرسل، وقد وصله بعضهم عن الزهرى ولا يصح.
قلت: في هذا إجمال وبيانه أن الحديث رواه عن الزهرى جماعة فقالوا: عنه عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، ورجال من أهل العلم أن "عامر بن مالك الذي يدعى ملاعب الأسنة قدم وهو مشرك" الحديث ورواه بعضهم عن الزهرى فقال: عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه في رجال من أهل العلم حدثوه "أن عامرا" الحديث، بزيادة أبيه كعب بن مالك، والمحفوظ ما رواه الأكثرون عن الزهرى مرسلا دون ذكر أبيه.
١١٧١/ ٢٦٤٤ - "إِنِّى لا أَخِيسُ بِالعَهْدِ وَلا أَحْبسُ البَردَ"
(حم. د. ن. حب. ك) عن أبي رافع
стр. 1357
قال الشارح: "إنى لا أخيس" بفتح الخاء (١) المعجمة وسكون المثناة التحتية بـ "العهد".
"ولا أحبس البرد" قال الشارح بضم فسكون، جمع بريد.
قلت: ما ضبط بـ "أخيس" و"البرد" باطل معروف بالبداهة.
١١٧٢/ ٢٦٤٨ - "إنِّى أَشْهدُ عددَ تُرابِ الدُّنيا أن مُسَيْلَمَةَ كَذَّابٌ"
(طب) عن وبر الحنفي
قال الشارح في ضبط أشهد: بضم الهمزة وكسر الهاء.
قلت: هذا باطل، بل بفتح الهمزة والهاء كما هو ظاهر.
١١٧٣/ ٢٦٥١ - "إنى أُحَرِّجُ عليكم حقَّ الضَّعيفَين: اليتيمُ والمرأةُ"
(ك. هب) عن أبي هريرة
قال في الكبير: قال الحاكم: على شرط مسلم وأقره الذهبى، لكن فيه أبو صالح كاتب الليث ضعيف ومحمد بن عجلان أورده الذهبى في الضعفاء وقال: ذكره البخارى في الضعفاء، وقال الحاكم: سئ الحفظ، وسعيد ابن أبي سعيد المقبرى، قال الذهبى: لا يحل الاحتجاج به.
وقضية صنيع المؤلف أن هذا لم يخرجه أحد من الستة، والأمر بخلافه، فقد رواه النسائى عن خويلد بن عمرو الخزاعى مرفوعًا بلفظ "اللَّهم إنى أحرج حق الضعيفين اليتيم والمرأة"، قال في الرياض: وإسناده حسن جيد، فلو عزاه المؤلف إليه كان أولى.
قلت: بل لو سكت الشارح كان أولى بل أوجب:
[أولا]: لأن هذا موضع "إني" لا موضع "اللهم"، بل موضع الأحاديث
стр. 1358
المصدرة بها قد مضى، ولو جاز للمصنف ذلك هنا لعزاه لأحمد الذي رواه من حديث أبي هريرة نفسه مصدرا بـ "اللهم" أيضًا، فكيف بحديث غيره؟.
الثانى: أن النسائى لم يخرجه في الصغرى التي هي أحد الكتب الستة، والنووى واهم في إطلاق ذلك.
الثالث: أن الحديث ليس في سنده عبد اللَّه بن صالح كاتب الليث، قال الحاكم [١/ ٦٣، رقم ٢١١/ ٢١١]:
أخبرنا أبو عبد اللَّه محمد بن يعقوب الحافظ ثنا يحيى بن محمد بن يحيى ثنا مسدد (ح)
وثنا على بن حمشاد أنبأنا عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل: حدثنى أبي قالا يعنى هو ومسدد: ثنا يحيى بن سعيد ثنا ابن عجلان عن سعيد المقبرى عن أبي هريرة به.
وهكذا هو في مسند أحمد (٢/ ٩٣٤).
الرابع: ابن عجلان صدوق من رجال مسلم، قال عنه الذهبى في الميزان: إمام صدوق مشهور، وثقه أحمد وابن معين وابن عيينة وأبو حاتم، وروى عنه مالك وشعبة ويحيى القطان، وكفى بهذا توثيقا له وفخرا.
الخامس: ما نقله عن الذهبى من أنه قال في سعيد بن أبي سعيد المقبرى: لا يحل الاحتجاج به، كذب صراح على الذهبى، ولقد أعاذ اللَّه الذهبى من ذلك، وأشهد باللَّه أن الذهبى لو سلب اللَّه عقله وجن ما نطق بذلك، ولكن الشارح لا يحل قبول قوله ولا الاعتماد على نقله، فسعيد المقبرى ثقة من رجال البخارى ومسلم، وإنما ذكره الذهبى في الميزان لكونه هرم آخر عمره ومع ذلك فقد رمز له بعلامة الصحة، واسمع ما قاله بالحرف:
стр. 1359
"سعيد بن أبي سعيد المقبرى صاحب أبي هريرة وابن صاحبه، ثقة حجة، شاخ ووقع في الهرم ولم يختلط. وروى أن شعبة قال: حدثنا بعدما كبر، وقال أحمد وابن معين: ليس به بأس، وقال ابن المدينى وأبو زرعة والنسائى: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال ابن خراش وغيره: ثقة، وقال ابن سعد: ثقة، لكنه اختلط قبل موته بأربع سنين ومات سنة خمس وعشرين ومائة، وقيل سنة ثلاث وعشرين. قلت: ما أحسب أن أحدا أخذ عنه في الاختلاط، فإن ابن عيينة أتاه فرأى لعابه يسيل، فلم يحمل عنه، وحدث عنه مالك والليث، ويقال: أثبت الناس فيه الليث" اهـ.
١١٧٤/ ٢٦٥٢ - "إنَّى رأيتُ البارحةَ عجبًا: رأيتُ رجلا من أمَّتى قد احْتَوَشَتْهُ ملائكة العذابِ، فجاء وُضُوؤُهُ فاسْتنقذهُ من ذلك، ورأيتُ رجلا من أمَّتى قدَ بُسط عليه عذابُ القبرِ فجاءتهُ صلاتهُ فاستنقذتْهُ من ذلك، ورأيت رجلا من أمَّتى قد احْتَوَشَتْه الشَّياطينُ فجاءه ذكر اللَّه فخلصه منهم، ورأيت رجلا من أمَّتى يلهث عطشًا فجاءه صيامُ رمضان فسقاه، ورأيتُ رجلا من أمَّتى من بين يَديهِ ظُلمةٌ ومن خلفه ظُلمةٌ وعن يمينه ظلمةٌ وعن شماله ظُلمةٌ ومن فوقه ظُلمةٌ ومن تحته ظُلمةٌ فَجاءته حجَّتهُ وعُمرتُهُ فاستخرجاه من الظُّلمةِ، ورأيتُ رجلا من أمَّتى جاءه ملك الموت ليقبض رُوحَهُ فجاءه بره بوالديه فردَّه عنه، ورأيتُ رجلا من أمَّتى يُكلِّم المؤمنين ولا يُكلِّمونهُ فجاءته صلةُ الرَّحم فقالت: إنَّ هذا كان واصلا لرحمه فكلَّمَهم وكلَّمُوهُ وصار معهم، ورأيتُ رجلا من أمَّتى يأتى النَّبيِّين وهم حِلقٌ حِلقٌ كلَّما مرَّ على حَلقةٍ طُرد فجاءه اغْتسالُهُ من الجنابة فأخذ بيده فأَجْلسهُ إلى جنبى، ورأيتُ رجلا من أمَّتى يتَّقى وهجع النَّار بيديه عن وجههِ فجاءته صدقتُه فصارت ظلا على رأسه وستْرًا عن وجهِهِ،
стр. 1360
ورأيتُ رجلا من أمَّتى جاءتْهُ زبانيةُ العذاب فجاءه أمرُهُ بالمعروف ونهيُهُ عن المنكر فاسْتنقذَهُ من ذلك، ورأيتُ رجلا من أمَّتى هوى في النَّار فجاءته دُموعُهُ اللاتى بكى بها في الدُّنيا من خشية اللَّه فأخرجتْهُ من النَّار، ورأيتُ رجلا من أمَّتى قد هوت صحيفتُهُ إلى شماله فجاء خوفهُ من اللَّه تعالى فأخذ صحيفتَهُ فجعلها في يمينه، ورأيتُ رجلا من أمَّتى قد خفَّ ميزانُهُ فجاءه أفْراطُه فثقَّلوا ميزانَهُ، ورأيتُ رجلا من أمَّتى على شَفير جهنَّم، فجاءه وَجلُهُ من اللَّه تعالى فاسْتنقذَهُ من ذلك، ورأيتُ رجلا من أمَّتى يرْعد كما ترعد السَّعْفةُ فجاءه حُسنُ ظنِّه باللَّه تعالى فسكّن رعْدتَهَ، ورأيتُ رجلا من أمَّتى يزحفُ على الصِّراط مرَّة ويحبو مرة فجاءته صلاتُهُ عليَّ فأخذتْ بيَده فأقامتْهُ على الصِّراط حتَّى جاز، ورأيتُ رجلا من أمَّتى انتهى إلى أبوابِ الجنَّة فَغُلقت الأَبوابُ دُونَهُ فجاءتْهُ شهادةُ أن لا إله إلا اللَّه فأخذت بيَدهِ فأدْخلتهُ الجنّةَ"
الحكيم، (طب) عن عبد الرحمن بن سمرة
قال في الكبير: قال الهيثمى: رواه الطبرانى بإسنادين في أحدهما سليمان بن أحمد الواسطى، وفي الآخر خالد بن عبد الرحمن المخزومى، وكلاهما ضعيف اهـ. وعزاه الحافظ العراقى إلى الخرائطى في الأخلاق، وقال: سنده ضعيف اهـ، وقال ابن الجوزى بعد ما أورده من طريقيه: هذا الحديث لا يصح، لكن قال ابن تيمية: أصول السنة تشهد له، وإذا تتبعت متفرقات شواهده رأيت منها كثيرا.
قلت: الحديث له طرق متعددة، من رواية مجاهد وسعيد بن المسيب وغيرهما عن عبد الرحمن بن سمرة.
فأما رواية مجاهد فقال الباغبان في فوائده واسمه أبو الخير محمد بن أحمد بن
стр. 1361
محمد بن عمر:
أخبرنا أبو عمرو عبد الوهاب بن محمد بن إسحاق بن منده أخبرنا أبو عثمان عمرو بن عبد اللَّه البصرى حدثنا أحمد بن معاذ السلمى حدثنا خالد بن عبد الرحمن السلمى حدثنا عمر بن ذر -أراه- عن مجاهد عن عبد الرحمن ابن سمرة قال: "خرج رسول اللَّه ﷺ على أصحابه فقال: رأيت الليلة عجبا، رأيت رجلا من أمتى" وذكره وزاد في آخره بعد شهادة أن لا إله إلا اللَّه "ورأيت أعجب العجب، ناس تقرض شفاههم، فقلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: المشاءون بالنميمة بين الناس، ورأيت رجالا يعلقون بألسنتهم فقلت من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يرمون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا".
قال ابن منده: هذا حديث غريب بهذا الإسناد، تفرد به خالد بن عبد الرحمن عن عمر بن ذر. وروى من حديث يحيى بن سعيد الأنصارى وعبد الرحمن بن حرملة وعلى بن زيد وغيرهم عن سعيد بن المسيب عن عبد الرحمن بن سمرة.
قلت: وكذلك رواه عن سعيد بن المسيب: هلال أبو جبلة، كما سأذكر كل ذلك.
ومن هذه الطريق -أعنى طريق مجاهد- خرجه الطبرانى كما سبق تعليل الهيثمى إياه بخالد بن عبد الرحمن، وهو وإن كان ضعيفا فغاية ما يمكن أن يعلل به رواية الحديث من طريق مجاهد عن عبد الرحمن لتفرده به عن عمر ابن ذر عنه، كما يقول ابن منده.
أما أصل الحديث فوارد عن سعيد بن المسيب عنه من طريق الجماعة السابق ذكرهم في كلام أبي عمرو بن منده وغيرهم.
стр. 1362
أما رواية يحيى بن سعيد فقال أبو نعيم في تاريخ أصبهان [١/ ٩]:
حدثنا عبد اللَّه بن محمد بن جعفر من أصله ثنا عبد اللَّه بن محمد بن زكريا ثنا على بن بشر ثنا نوح بن يعقوب بن عبد اللَّه الأشعرى عن أبيه عن يحيى ابن سعيد عن سعيد بن المسيب عن عبد الرحمن بن سمرة عن النبي ﷺ به، إلا أنه لم يورد متنه بتمامه بل اقتصر على ذكر "رمضان" منه فقال: "خرج رسول اللَّه ﷺ فقال: "رأيت البارحة عجبا، رأيت رجلا من أمتى يلهث عطشا كلما ورد حوضا مُنع، فجاءه صيام رمضان فسقاه وأرواه" ذكره في ترجمة نوح بن يعقوب الأشعرى.
وأما رواية على بن زيد فقال أسلم بن سهل الواسطى بحشل في تاريخ واسط [ص ١٨٩، ١٩٠]:
حدثنا سريع أبو عبد الرحمن قال: حدثنا حمزة بن عبد القاهر بن حمزة ثنا مخلد بن عبد الواحد الواسطى عن على بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب عن عبد الرحمن بن سمرة قال: "خرج علينا رسول اللَّه ﷺ ونحن في مسجد المدينة فقال: ألا أخبركم بالعجب فلقد رأيت البارحة عجبا، رأيت رجلا من أمتى أتاه ملك الموت ليقبض روحه فجاءه بره بوالديه فرده عنه"، وذكر الحديث بطوله إلا أن فيه تقديما وتأخيرا.
ورواه ابن حبان في الضعفاء [٣/ ٤٣، ٤٤] قال:
حدثنا الحسين بن عبد اللَّه بن يزيد القطان بالرقة من كتابه ثنا عامر بن سنان ثنا مخلد بن عبد الواحد أبو الهذيل البصرى عن على بن زيد به، أورده في ترجمة مخلد بن عبد الواحد وقال: إنه منكر الحديث جدا، ينفرد بأشياء مناكير لا تشبه حديث الثقات، فبطل الاحتجاج به إلا فيما وافق الروايات اهـ. وتبعه الذهبى، فأورد الحديث في ترجمته من الميزان، ولا معنى لإيراد
стр. 1363
الحديث في ترجمته لأنه لم ينفرد به لا مطلقا ولا عن على بن زيد بن جدعان، بل تابعه عليه جماعة متابعة تامة وقاصرة، والرجل إنما يورد في ترجمته ما تفرد بروايته وقد اعترف ابن حبان بأن الحديث مشهور فقال بعد أن ذكر جملة من الحديث نحو عشرة أسطر ما نصه: "وذكر حديثا طويلا مشهورا تركت ذكره لشهرته" اهـ.
وما كان مشهورا لا يتهم به واحد ولا يضعف به، فقد تابعه هلال بن عبد الرحمن وأبو عبد اللَّه المدينى عن على بن زيد.
أما متابعة هلال بن عبد الرحمن، فقال أبو على الحسن بن أحمد بن شاذان في مشيخه:
أخبرنا أبو محمد عبد الخالق بن الحسن بن محمد بن العدل السقطى أخبرنا أبو يعقوب إسحاق بن الحسن بن ميمون الحربى حدثنا الفضل بن زياد ثنا عباد بن عباد المهلبى عن سعيد بن عبد اللَّه عن هلال بن عبد الرحمن عن على بن زيد به مطولا.
ورواه الخرائطى في مكارم الأخلاق [ص ٩] قال: حدثنا نصر بن داود الصاغانى ثنا محمد بن كثير الحضرمى ثنا عباد بن عباد المهلبى به مختصرا.
وذكره العقيلى في الضعفاء [٤/ ٣٥٠، ترجمة ١٩٥٦] في ترجمة هلال بن عبد الرحمن فقال: وروى عن على بن زيد عن سعيد عن عبد الرحمن بن سمرة الحديث الطويل في المنام، ثم ذكر له حديثين آخرين ثم قال: وكل هذه مناكير لا أصول لها ولا يُتابع عليها اهـ.
وهو كلام مردود على العقيلى بوجود الأصول والمتابعات الكثيرة له على هذا الحديث.
وأما متابعة أبي عبد اللَّه المدينى فقال ابن شاهين في الترغيب [٢/ ٤٠٣،
стр. 1364
رقم ٥٢٦]:
حدثنا محمد بن محمد بن عثمان بن عبيد اللَّه بن المنذر بن الزبير بن العوام بالبصرة ثنا عمرو بن على بن مقدام أبو محمود حدثتنا حمادة بنت شهاب بن سهيل بن عبد اللَّه بن الأخنس الأسدية أم بدر الجوهرية قالت: حدثنى أبو عبد اللَّه المدينى عن على بن زيد به مطولا نحو رواية الكتاب أو مثلها.
وأما رواية عبد الرحمن عن سعيد بن المسيب فقال أبو عثمان الصابونى: حدثنا أبو محمد الحسن بن أحمد المخلدى إملاء أخبرنا أبو الوفاء المؤمل بن الحسن بن عيسى الماسرجسى ثنا عمرو بن محمد بن يحيى القمانى ثنا عبد اللَّه بن نافع عن ابن أبي فديك عن عبد الرحمن بن أبي عبد اللَّه عن سعيد بن المسيب عن عبد الرحمن بن سمرة به مطولا.
وعبد الرحمن بن أبي عبد اللَّه هو ابن حرملة فيما أرى واللَّه أعلم.
وأما رواية هلال أبي جبة فقال الخرائطى في مكارم الأخلاق [ص ٩]:
حدثنا أبو سهل بنان بن سليمان الدقاق حدثنا بشر بن الوليد حدثنا المفضل بن فضالة ثنا هلال أبو جبلة عن سعيد بن المسيب به مختصرا.
قلت: كذا وقع عنده بشر بن الوليد عن المفضل بن فضالة.
ورواه أبو موسى المدينى في الترغيب والترهيب من طريق بشر بن الوليد فوقع عنده عن فرج بن فضالة بدل مفضل بن فضالة:
ثنا هلال أبو جبلة عن سعيد بن المسيب عن عبد الرحمن بن سمرة قال: "خرج علينا رسول اللَّه ﷺ ونحن في صفة المدينة فقام علينا فقال: إنى رأيت البارحة عجبا" فذكر الحديث بطوله.
قال أبو موسى المدينى: هذا حديث حسن جدا، رواه عن سعيد بن المسيب وعمر بن ذر جماعة منهم على بن زيد بن جدعان.
стр. 1365
قال ابن القيم في كتاب الروح بعد إيراده في المسالة العاشرة من هذا الطريق: وراوى هذا الحديث عن سعيد بن المسيب، هلال أبو جبلة مدنى لا يُعرف بغير هذا الحديث ذكره ابن أبي حاتم عن أبيه هكذا، وذكره الحاكم أبو أحمد والحاكم أبو عبد النه أبو جبل بلا هاء، وحكياه عن مسلم ورواه عنه الفرج بن فضالة وهو وسط الرواية ليس بالقوى ولا المتروك، ورواه عنه بشر بن الوليد الفقيه المعروف بأبى الخطيب، كان حسن المذهب جميل الطريقة، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يعظم أمر هذا الحديث وقال: أصول السنة تشهد له وهو من أحسن الأحاديث اهـ.
قلت: وقد قدمنا أن الحديث وقع عند الخرائطى من رواية مفضل بن فضالة بدل فرج بن فضالة. ونقل الحافظ السخاوى في القول البديع عن الحافظ رشيد الدين العطار أنه قال: هذا أحسن طرقه، يعنى رواية هلال أبي جبلة عن ابن المسيب، ثم قال السخاوى: وذكر الشيخ العارف أبو ثابت محمد بن عبد الملك الأيلى في كتابه أصول مذاهب العرفاء باللَّه ما معناه: أن هذا الحديث وإن كان غريبا عند أهل الحديث فهو صحيح لا شك فيه ولا ريب، حصل له العلم القطعى بصحته من طريق الكشف في كثير من وقائعه وأحواله. كذا قال والعلم عند اللَّه تعالى اهـ.
وذكر التاج السبكى في الطبقات أنه خرج جزءًا أملاه في طرق هذا الحديث واستوعبها، قال: وليس هو في شيء من الكتب الستة.
١١٧٥/ ٢٦٥٣ - "إِنْ أتَّخذ منبرًا فقد اتَّخذَهُ أبي إبراهيم، وإنْ أتَّخذ العصا فقد اتَّخذَها أبي إبراهيم"
البزار (طب) عن معاذ بن جبل
стр. 1366
قال في الكبير عن الهيثمى: فيه موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمى وهو ضعيف.
قلت: ومن طريقه خرجه أبو نعيم في تاريخ أصبهان [٢/ ١٧٥]:
حدثنا عبد اللَّه بن جعفر ثنا إسماعيل بن عبد اللَّه ثنا محمد بن سعيد بن الأصبهانى ثنا عقبة هو ابن خالد عن موسى بن محمد بن إبراهيم حدثنى أبي عن السلولى عن معاذ بن جبل به.
١١٧٦/ ٢٦٥٤ - "إن اتَّخذَت شَعْرًا فأكرمه"
(هب) عن جابر
قال في الكبير: وفيه أحمد بن منصور الشيرازى، قال الذهبى: في الضعفاء، قال الدارقطنى: أدخل [على] جمع من الشيوخ بمصر وأنا بها.
قلت: أنا في شك من صدق هذا وأخشى أن يكون أحمد بن منصور المذكور في سند الحديث غير هذا، فإن الشارح لا يميز يين رجال الحديث وقد يكون فيه من هو أضعف من هذا، بل هذا لا يعلل به الحديث.
وكيفما كان فالحديث له شاهد حسن أو صحيح في سنن أبي داود [٤/ ٧٤، رقم ٤١٦٣] ومشكل الطحاوى [٨/ ٤٣٥، رقم ٣٣٦٥] من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "من كان له شعر فليكرمه".
١١٧٧/ ٢٦٥٥ - "إنْ أُدخلتَ الجنة أُتيتَ بفرسٍ من ياقُوتةٍ له جناحان فحُملتَ عليه ثمَّ طار بك حيث شئت"
(ت) عن أبي أيوب
قال في الكبير: قال الترمذى: إسناده ليس بالقوى ولا نعرفه من حديث أبي أيوب الأنصارى إلا من هذا الوجه اهـ. نعم رواه الطبرانى عنه بهذا
стр. 1367
اللفظ المزبور، قال المنذرى والهيثمى: ورجاله ثقات اهـ. فكان ينبعى للمصنف أن يضمه إلى الترمذى في العزو.
قالت: الحديث الذي قال عنه الحافظان: رجاله ثقات هو من حديث عبد الرحمن بن ساعدة لا من حديث أبي أيوب.
قال الهيثمى: باب في خيل الجنة: عن عبد الرحمن بن ساعدة قال: "كنت أحب الخيل فقلت: يا رسول اللَّه هل في الجنة خيل؟ فقال: إن أدخلك اللَّه الجنة يا عبد الرحمن كان لك فيها فرس من ياقوت له جناحان يطير بك حيث شئت". رواه الطبرانى ورجاله ثقات اهـ.
وهكذا أورده الحافظ المنذرى فكيف يتأتى الاشتباه فيه وعزوه لأبي أيوب إن هذا لعجب.
والحديث وإن قال الحافظان المذكوران: رجاله ثقات فإنه معلول، وقد خرجه الترمذى في جامعه إلا أنه ساق سنده ولم يسق متنه ووقع عنده مرسلا، فقال [٤/ ٦٨١، رقم ٢٥٤٣]:
حدثنا عبد اللَّه بن عبد الرحمن ثنا عاصم بن على ثنا المسعودى عن علقمة ابن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه أن رجلا سأل النبي ﷺ فقال: "يا رسول اللَّه هل في الجنة من خيل؟ قال إن أدخلك اللَّه الجنة فلا تشاء أن تحمل فيها على فرس من ياقوتة حمراء يطير بك في الجنة حيث شئت، قال: وسأله رجل فقال: يا رسول اللَّه هل في الجنة من إبل؟ قال: فلم يقل ما قاله لصاحبه، قال: إن أدخلك اللَّه الجنة يكن لك فيها ما اشتهت نفسك ولذت عينك".
حدثنا سويد بن نصر أنبأنا عبد اللَّه بن المبارك عن سفيان عن علقمة بن مرثد عن عبد الرحمن بن سابط عن النبي ﷺ نحوه بمعناه [٤/ ٦٨٢]، وهذا
стр. 1368
أصح من حديث المسعودى.
قال الحافظ في الإصابة: يريد -يعنى الترمذى- على قاعدتهم أن طريق المرسل إذا كانت أقوى من طريق المتصل رجح المرسل على الموصول اهـ.
وأما ابن القيم فقال: لأن سفيان أحفظ من المسعودى وأثبت اهـ.
وكيفما كان الحال فإن علقمة بن مرثد اضطرب فيه اضطرابا يمنع صحة الحديث مع ثقة رجاله، فإنه روى عنه على أقوال:
الأول: عنه عن سليمان بن بريدة عن أبيه.
الثانى: عنه عن عبد الرحمن بن سابط مرسلا، وهذا الذي صححه الترمذى.
الثالث: عنه عن عبد الرحمن بن ساعدة، وهو الذي قال عنه المنذرى والهيثمى: رجاله ثقات.
الرابع: عنه عن عبد الرحمن بن سابط عن عمير بن ساعدة قلت: "يا رسول اللَّه".
الخامس: عنه عن أبي صالح عن أبي هريرة أن أعرابيا قال: "يا رسول اللَّه".
السادس: عنه عن يحيى بن إسحاق عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة.
خرج هذه الطرق أبو نعيم في كتاب صفة الجنة [٢/ ٢٧٦، رقم ٤٢٧ مكرر] الموجود منه نسخة بمكتبة شيخ الإسلام بالمدينة المنورة، وأشار إليها ابن القيم في حادى الأرواح، والحافظ في الإصابة باختصار.
стр. 1369
١١٧٨/ ٢٦٥٨ - "إنْ أردتَّ أنْ يلين قلبُك فأطعِم المسكينَ وامسحْ رأسَ اليتيمِ"
(طب) في مكارم الأخلاق (هب) عن أبي هريرة.
قال الشارح: وفي إسناده مجهول.
قلت: تقدم هذا الحديث بنحوه من رواية أبي الدرداء بلفظ "أتحب أن يلين قلبك"، وتعرض الشارح في الكلام عليه لهذه الرواية فاخطأ هناك كما أخطأ هنا، وقد فصلنا القول في ذلك وأوردنا طرقه وأشبعنا القول فيه هناك فارجع اليه.
١١٧٩/ ٢٦٦٠ - "إنْ استطعتَ أنْ تكون أنت المقتول ولا تقتل أحدًا من أهل الصَّلاة فافعل"
ابن عساكر عن سعد
قلت: أخرجه من قبل ابن عساكر الخطيب في التاريخ [٣/ ٤٤٧، ٤٤٨] أيضًا من طريق إسماعيل بن محمد الصفار:
ثنا محمد بن عبد اللَّه المنادى ثنا محمد بن يعلى زنبور الكوفى أخبرنا الربيع ابن صبيح عن على بن زيد بن جدعان عن الحسن عن سعد. وفيه قصة.
ومحمد بن يعلى زنبور وشيخه وشيخ شيخه كلهم فيهم مقال.
١١٨٠/ ٢٦٦٢ - "إن تغفر اللهمَّ تغفر جمَّا وأى عبد لك لا ألمَّا"
(ت. ك) عن ابن عباس
قال الشارح: في الكبير خرجه (ت) في التفسير و (ك) في الإيمان والتوبة، قال: وهذا بيت لأمية بن أبي الصلت تمثل به المصطفى ﷺ -
стр. 1370
قلت: في هذا أمران الأول: أن الحاكم خرجه في ثلاثة مواضع من المستدرك في الإيمان والتفسير والتوبة، فأما في الإيمان والتفسير فصرح برفعه وأما في التوبة فلم يصرح برفعه، فإطلاق أنه خرجه في الموضعين مرفوعًا كما في المتن غير صواب.
الثانى: أنه جزم بأن البيت لأمية بن أبي الصلت وفيه خلاف وأقوال الأول: أنه من كلام النبي ﷺ كما [هو] ظاهر قول ابن عباس فيما رواه أبو عاصم عن زكريا بن إسحاق عن عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ قال: قال النبي ﷺ وذكره. هكذا رواه الترمذى [٥/ ٣٩٦، رقم ٣٢٨٤] عن أحمد بن عثمان أبي عثمان البصرى عن أبي عاصم، ثم قال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث زكريا بن إسحاق اهـ.
وكذا قال البزار في مسنده: لا نعلمه يروى متصلا إلا من هذا الوجه اهـ.
ورواه ابن جرير [٢٧/ ٣٩] عن سليمان بن عبد الجبار عن أبي عاصم به مثله، إلا أنه قال عن ابن عباس ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ قال هو الرجل يلم بالفاحشة ثم يتوب وقال: قال رسول اللَّه ﷺ وذكره.
وهكذا رواه بهذه الزيادة الحاكم في المستدرك [١/ ٥٤، ٥٥، رقم ١٨٠]: عن الأصم عن محمد بن منان القزاز عن أبي عاصم به لكنه قال: "اللَّهم إن تغفر"، فاختل بذلك وزنه، ثم قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه لحديث منصور عن مجاهد عن ابن عباس به ولم يرفعه، قال: والتوقيف لا يوهن سند المرفوع، فإن زكريا بن إسحاق حافظ ثقة، وقد حدث به روح بن عبادة عن زكريا.