قلت: وهذا من الكلام الذي لا يعقل، إذ كيف يتفرد به مع رواية هؤلاء، ثم ما تمالأ عليه هؤلاء الحفاظ هو من التقليد المذموم الذي يتبع فيه الآخر الأول بدون روية ولا تأمل، فالجارود تابعه جماعة منهم من هو متهم يحتمل أن يكون سرقه، ومنهم من هو ضعيف لا يتحمل ذلك ولا يصل به الحال إلى سرقة الحديث، ومنهم من هو مستور وإنما ضعف بسبب روايته هذا الحديث كما فعلوا في غيره مما جعلوه علامة على ضعف كل من رواه، كالعلاء بن بشر، ومنهم من هو ثقة كمكى بن إبراهيم وعبد الوهاب بن همام عن معمر عن بهز، قال القضاعى في مسند الشهاب [٢/ ٢٠٢، رقم ١١٨٥]:
أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن عبد اللَّه الكوفى أنا أحمد بن إبراهيم بن أبي حصين الهمدانى ثنا محمد بن عبد اللَّه الحضرمى ثنا جُعْدُبة بن يحيى ثنا العلاء بن بشر عن سفيان بن عيينة عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "ليس لفاسق غيبة".
وقال ابن عدى [٥/ ٢٢١]:
ثنا العباس بن أحمد البرتى وغيره ثنا جعدبة بن يحيى به، ثم قال: والعلاء ابن بشر هذا لا يعرف وله تمام خمسة أحاديث لا يتابع عليها.
وروى الخطيب [٧/ ٢٦٢] عن عمر بن مدرك قال: كنا في مجلس مكى بن إبراهيم فقام رجل فقال: يا أبي، أسكن هاهنا رجل يقال له الجارود روى عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده: "أترعون عن ذكر الفاجر" الحديث؟ فقال: ما تنكرون من هذا إن الجارود رجل غنى كثير الصدقة مستغن عن الكذب، هذا معمر قد تفرد عن بهز بن حكيم بأحاديث.
ثم روى الخطيب [٧/ ٢٦٣] عن أحمد بن سيار قال: روى الجارود بن يزيد
стр. 247
عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده مرفوعا: "أترعون عن ذكر الفاجر" الحديث، وأنكر عليه، وقد سمعت يوسف -وكان طلّابة- يذكر أنه رأى هذا الحديث في كتاب مكى بن إبراهيم، قال: وامتنع أن يحدث به، فقيل له في ذلك فقال: أما ترى ما لقى فيه الجارود.
وقال الطبرانى في المعجم الصغير [١/ ٣٥٧، رقم ٥٩٨]:
حدثنا عبد اللَّه بن محمد بن أبي السرى العسقلانى حدثنى أبي حدثنى عبد الوهاب ابن همام أخو عبد الرزاق ثنا معمر عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: خطبهم رسول اللَّه ﷺ فقال: "حتى متى ترعون عن ذكر الفاجر؟ هتكوه حتى يحذره الناس".
ثم قال الطبرانى: لم يروه عن معمر إلا عبد الوهاب.
قلت: وقد وثقه يحيى بن معين وابن حبان، ولذلك حكم الحافظ الهيثمى في الزوائد بأن هذا الطريق حسن، وقد ورد أيضًا من حديث عمر بن الخطاب، ذكر ابن طاهر المقدسى في الكلام على أحاديث الشهاب أنه رواه يوسف بن أبان عن الأبرد بن حاتم: أخبرنى منهال السراج عن عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه مرفوعا قال: وطريقه غير معروف.
ومن حديث على بن أبي طالب ﵇ بلفظ: "ليس للفاسق غيبة"، رواه أبو نعيم في تاريخ أصبهان [٢/ ٢٤٠]:
ثنا عبد اللَّه بن محمد بن جعفر ثنا محمد بن يعقوب ثنا إبراهيم بن سلام المكى ثنا ابن أبي فديك عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده مرفوعا به.
ومن حديث أنس بلفظ: "من ألقى جلباب الحياء" وسيأتى الكلام عليه إن شاء اللَّه في حرف "الميم".
стр. 248
وورد معناه أيضا من حديث أبي سعيد الخدرى، رواه البيهقى في الزهد من حديث عبد المؤمن بن خالد الحنفى قاضى مرو عن عبد اللَّه بن بريدة عن يحيى ابن يعمر عن أبي سعيد الخدرى قال: "قام رسول اللَّه ﷺ فينا خطيبًا" فذكر حديثا، وفيه: "واشهدوا على المحسن بأنه محسن وعلى المسئ بأنه مسئ". وفي الصحيح من حديث أنس مرفوعا: "من أثنيتم عليه خيرا وجبت له الجنة ومن أثنيتم عليه شرا وجبت له النار، أنتم شهداء اللَّه في الأرض" (١).
وقد قال هذا ﷺ بعد أن مرت جنارة فأثنى عليها أصحابه خيرا، فقال: "وجبت، وجبت، وجبت"، ثم مرت جنارة أخرى فأثنى عليها [أصحابه] شرًا فقال: "وجبت، وجبت، وجبت" فسئل عن ذلك فذكره.
فهذا شاهد صحيح لأصل الحديث الذي أنكروه واستبعدوا وروده من جهة ما فيه إباحة الغيبة والإذن بها في حق الفاجر المعلن بفجوره واللَّه أعلم.
٧٥/ ١١٠ - "اتْرُكُوا التُّرْكَ ما تَرَكُوكُمْ، فَإِن أوْلَ من يَسْلِبُ أُمتَّى ملْكَهُم ومَا خَوَّلَهُم اللَّهُ بَنَوُ قَنْطُورَاءَ". (طب)
قال الشارح: وكذا في الأوسط والصغير عن ابن مسعود.
وقال في الكبير: قال الهيثمى: فيه مروان بن سالم متروك، وذكره في موضع آخر وقال: فيه عثمان بن يحيى الغرقسانى ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح اهـ. وقال السمهردى: المقال إنما هو في سند الكبير أما الأوسط والصغير فإسنادهما حسن ورجالهما موثقون اهـ. وبه يعرف أن اقتصار المؤلف على العزو للكبير غير جيد، وكيفما كان لم يصب ابن
стр. 249
الجورى حيث حكم بوضعه، وقد جمع الضياء فيه جزءًا.
قلت: وقع في هذا ما يتعقب به على النورين الهيثمى والسمهودى والشارح، وذلك في أمور، الأول: أن الحافظ الهيثمى ذكر الحديث في كتاب الجهاد، وقال: رواه الطبرانى في الأوسط وفيه مروان بن سالم وهو متروك، ثم أعاده في كتاب الفتن وقال: رواه الطبرانى في الكبير والأوسط، وفيه عثمان ابن يحيى الغرقسانى، ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح اهـ.
فهذا يفيد أن له عند الطبرانى طريقين، مع أن سنده عند الطبرانى مشتمل على الرجلين معا.
قال الطبرانى [١٠/ ٢٢٣، رقم ١٠٣٨٩]:
حدثنا محمد بن عبد اللَّه الحضرمى ثنا عثمان بن يحيى الغرقسانى حدثنا عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد عن مروان بن سالم عن الأعمش عن زيد بن وهب وشقيق بن سلمة عن عبد اللَّه بن مسعود به.
الثانى: أن قول النور السمهودى: المقال إنما هو في سند الكبير أما الأوسط والصغير فإسنادهما حسن متعقب من وجهين، أحدهما: أن هذا الحديث لا وجود له في المعجم الصغير.
ثانيهما: أن سنده في الكبير والأوسط واحد على ما يظهر من صنيع الحافظ الهيثمى والسخاوى وغيرهما، وعلى فرض تغايرهما ففى الكبير مروان بن سالم، وفي الأوسط عثمان بن يحيى وهو غير معروف.
الثالث: قول الشارح: وبه يعرف أن اقتصار المؤلف على العزو للكبير غير جيد كلام مردود، فإن الإحاطة والاستقصاء في العزو غير لازم ولا مطلوب، بل هو خارج عن مقدرة العبد لا سيما في كل حديث بالنسبة لكل كتاب، وإنما
стр. 250
ذلك في الأصول الستة التي دائرتها محصورة وأحاديثها مرتبة مبوبة، ومجموعة محصية وإلا لما سلم حافظ من مثل هذا التعقب، فإنه لا يكاد يعزى حديثًا لكتاب أو عشرة إلا وقد يوجد في غيرها، فالتعقب بمثل هذا من اللغو الذي يجب أن يصون المرء عنه نفسه.
الرابع: قوله: وقد جمع الضياء فيه جزءًا اختصار فاسد مفيد لعكس الحقيقة، ومخبر بخلاف الواقع، موقع في الغرر والغلط، فإنه يفيد أن حديث: "اتركوا الترك ما تركوكم" له طرق متعددة أفردها الحافظ ضياء الدين المقدسى بجزء مخصوص وليس كذلك، بل جزؤه مفرد لأحاديث خروج الترك وهى كثيرة هذا منها، والشارح أخذ ذلك من كلام الحافظ السخاوى، فإنه قال بعد الكلام على الحديث وذكر شواهده: وبعضها يشهد لبعض ولا يسوغ معها الحكم عليه بالوضع، وقد جمع الحافظ ضياء الدين المقدسى جزءًا في خروج الترك سمعناه اهـ.
أما الحديث فإن ابن الجوزى أخرجه من طريق أحمد بن محمد الأزهر:
ثنا يحيى بن معن بن منصور ثنا سلمة بن حفص السعدى ثنا عمار بن غيلان عن الأعمش عن أبي وائل عن ابن مسعود مرفوعا: "اتركوا الترك ما تركوكم" وقال: موضوع.
قال ابن حبان: سلمة يضع الحديث، قال: وقد جربت على أحمد بن محمد ابن الازهر الكذب اهـ.
وتعقبه المصنف بأن أبا الشيخ رواه في كتاب الفتن عن إسحاق بن أيوب الواسطى: ثنا يحيى به، فزالت تهمة ابن الازهر وبان له طريقا آخر ليس فيه واحد منهما.
стр. 251
ثم ذكر الطريق السابقة من عند الطبرانى، ثم استشهد له بالحديث الذي خرجه أبو داود في سننه [٤/ ١٠٩، رقم ٤٣٠٢] من حديث رجل من الصحابة مرفوعا: "دعوا الحبشة ما ودعوكم، واتركوا الترك ما تركوكم"، وسيأتى في حرف "الدال"، وبما رواه الطبرانى [١٩/ ٣٧٥، رقم ٨٨٢]:
حدثنا يحيى بن أيوب العلاف ثنا أبو صالح الحرانى حدثنا ابن لهيعة عن كعب ابن علقمة التنوخى عن حسان بن كريب الحِمْيَرى قال: سمعت ذا الكلاع سمعت معاوية بن أبي سفيان يقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "اتركوا الترك ما تركوكم".
قلت: وهذا الحديث خرجه الديلمى في مسند الفردوس [١/ ١٤٦، رقم ٣٦٤] من طريق الطبرانى، لكن ذكر أوله بسند آخر وهو أن الطبرانى قال [١٩/ ٣٧٦، رقم ٨٨٣]:
حدثنا أحمد بن عمر القطوانى ثنا عبد الأعلى بن حماد ثنا بشر بن السرى ثنا ابن لهيعة به، وفيه قصة ومتنه: "تاركوا الترك ما تركوكم"، ولذلك أورده في حرف "التاء".
وقد ذكره الحافظ الهيثمى في الزوائد بلفظ [٥/ ٣٠٤]: "اتركوا" وقال: رواه الطبرانى وفيه ابن لهيعة، وحديثه حسن، وفيه ضعف اهـ.
وعلى كل حال فحكم ابن الجوزى بوضعه خطأ، لكنه معذور إذ لم يقع له إلا من تلك الطريق المشتملة على الوضاعين.
٧٦/ ١١١ - "اتْرُكُوا الحَبَشةَ ما تَرَكُوكُم، فإِنَّه لا يَسْتَخْرِجُ كَنْز الكَعْبةِ إِلا ذو السُّويْقَتِينِ مِنَ الحبَشَةِ". (د. ك) عن ابن عمرو
قال الشارح: صححه الحاكم واعترض.
стр. 252
وقال في الكبير: رمز المصنف لصحته اغترارًا بتصحيح الحاكم وهو وهم، فقد أعله الحافظ عبد الحق بأن فيه زهير بن محمد شيخ أبي داود، كان سيء الحفظ، لا يحتج بحديثه.
قلت: في هذا أمور، الأول: أن زهير بن محمد ليس شيخا لأبي داود كما زعم الشارح، بل روى أبو داود عنه بواسطتين فقال [٤/ ١١١, رقم ٤٣٠٩]:
حدثنا القاسم بن أحمد البغدادى ثنا أبو عامر -يعنى العقدى- عن زهير بن محمد عن موسى بن جبير عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عبد اللَّه بن عمرو به.
الثانى: أن زهير بن محمد من رجال البخارى ومسلم وقد وثقه جماعة، وإنما تكلموا في رواية أهل الشام عنه خاصة، لأنه وقعت في روايتهم عنه المناكير، حتى قال أحمد: كان زهير الذي يروى عنه أهل الشام زهير آخر غير هذا، اتفقا في الاسم واسم الأب، قال البخارى: ما روى عنه أهل الشام فإنه مناكير، وما روى عنه أهل البصرة فإنه صحيح.
وكذا قال الأثرم عن أحمد وراد أنه قال: أما رواية أصحابنا عنه فمستقيمة، عبد الرحمن بن مهدى وأبي عامر العقدى.
قلت: وهذا الحديث من رواية هذين الرجلين عنه فهو من أصح حديثه، أما رواية أبي عامر فتقدمت عند أبي داود.
وكذلك رواه الحاكم [٤/ ٤٥٣] من طريقه.
وأما رواية عبد الرحمن بن مهدى فرواها عنه أحمد في مسنده [٥/ ٣٧١]، إلا أنه أبهم صحابيه فقال: عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن رجل من
стр. 253
أصحاب النبي ﷺ .
الثالث: أن الحديث صححه الحاكم وأقره الذهبى، وصححه أيضا غيره.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقد اتفقا جميعا على إخراج حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة" (١).
قلت: والشطر الأول ورد أيضا من طرق أخرى كما سبق ويأتى.
الرابع: أن عبد الحق كثير الأغلاط والأوهام في أحكامه حتى تعقبه الحافظ ابن القطان بكتابه العجيب النفيس "بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام" فأجاد، بل جل كتب عبد الحق مشتملة على الأوهام، سواء في العزو أو في الكلام على الرجال وحكم الأحاديث، فإنه كان لا يحسن التصرف ولا يصيب عين الصواب في ذلك في كثير من أقواله فلا ينبغى الاعتماد على قوله والتعقب به على غيره.
٧٧/ ١١٢ - "اتْرُكُوا الدُّنيا لأَهِلهَا، فإِنَّه مَنْ أَخَذ مِنْهَا فَوقَ ما يكِفيهِ أخَذَ من حَتْفِهِ وهُوَ لا يَشْعُرُ". (فر) عن أنس
قال الشارح: وفيه من لا يعرف.
قلت: قال الديلمى [١/ ١٤٦، رقم ٣٦٣]:
أخبرنا والدى أخبرنا محمد بن الحسين الفورجورى ثنا أبو العباس بن حاخان الصرام أخبرنا موسى بن جعفر بن محمد البزاز ثنا عبد العزيز بن محمد الجارى ثنا عبد اللَّه بن عمرو بن أبي سعيد الوراق ثنا محمد بن عبد المجيد حدثنى أبو
стр. 254
الفيض ختن الأوزاعى عن الأوزاعى عن إسحاق بن أبي طلحة عن أنس به بلفظ: "اتركوا الدنيا لأهلها"، ثلاثا والباقى سواء.
٧٨/ ١١٣ - "اتَّقِ اللَّهَ فيمَا تَعْلَمُ". (تخ. ت) عن زيد بن سلمة الجعفى
قال الشارح في الكبير: وكذا رواه الطبرانى من حديث أنس بن أشوع عن زيد بن سلمة، قال الترمذى في العلل: سألت عنه البخارى فقال: سعيد بن أشوع لم يسمع من يزيد، فهو عندى مرسل، وقال المؤلف في الكبير: منقطع.
قلت: فيه أمور، أحدها: أن صحابى الحديث اسمه يزيد بن سلمة بزيادة "الياء" في أوله، خلافا لما وقع في المتن والشرحين الكبير والصغير.
ثانيها: أن الراوى عنه اسمه سعيد بن أشوع، كما وقع في كلام الشارح أخيرا لا أنس كما ذكره أولا.
ثالثها: ما نقله عن الترمذى في العلل، قد ذكر نحوه في الجامع عقب رواية الحديث، فالعزو إليه أولى.
قال الترمذى في العلم من سننه [٥/ ٤٩، رقم ٢٦٨٣]:
ثنا هناد ثنا أبو الأحوص عن سعيد بن مسروق عن ابن أشوع عن يزيد بن سلمة الجعفى قال: قال يزيد بن سلمة: "يا رسول اللَّه إنى أسمع منك حديثا كثيرا أخاف أن يُنْسِى أوله آخره، فحدثنى بكلمة تكون جماعا قال: "اتق اللَّه فيما تعلم".
قال الترمذى: هذا حديث ليس إسناده بمتصل هو عندى مرسل، ولم يدرك عندى ابن أشوع يزيد بن سلمة، وابن أشوع اسمه سعيد بن أشوع اهـ.
ورواه البيهقى في الزهد [ص ٣٣٣، رقم ٨٩٤] من طريق حسن بن عطية عن
стр. 255
أبي الأحوص به مثله، ثم قال البيهقى: وكذلك قاله شهاب بن عباد عن أبي الأحوص، ثم أسنده من طريق يوسف بن يعقوب [ص ٣٣٤، رقم ٨٩٥]: ثنا أبو الوليد ثنا أبو الأحوص.
ومن طريق إسماعيل بن الفضل [ص ٣٣٤، رقم ٨٩٥]:
ثنا هناد بن السرى ثنا أبو الأحوص عن سعيد بن مسروق عن ابن أشوع عن يزيد بن سلمة به، قال وفي رواية أبي الوليد ثنا سعيد بن مسروق عن سعيد بن أشوع.
٧٩/ ١١٤ - "اتَّق اللَّهَ في عُسْرِك ويُسْرِك". أبو قرة الزبيدى في سننه عن طليب بن عرفة
قال الشارح: له وفادة ولم يرو عنه إلا ابنه كليب وهما مجهولان، ذكره الذهبى كابن الأثير، وبه يعرف ما في رمز المؤلف لحسنه.
قلت: قال ابن الأثير: طليب بن عرفة بن عبد اللَّه بن ناشب، قدم على رسول اللَّه ﷺ فسمعه يقول: "اتق اللَّه في عسرك ويسرك"، لم يروه عنه غير ابنه كليب بن طليب، وكليب ابنه مجهول، حديثه عند أبي قرة موسى بن طارق عن المثنى بن الصباح عن كليب عن أبيه اهـ.
وبه يعرف ما في نقل الشارح عن ابن الأثير من أنه قال: وهما مجهولان، فإن ابن الأثير لم يقل ذلك، ولا يقال مثله في الصحابى لأن جهالته لا تضر. وأصل عبارة ابن الاثير لابن عبد البر في الاستيعاب [٢/ ٣٢٣، رقم ١٢٩٨] بنصها.
ثم إن أبا قرة موسى بن طارق هذا يمنى زبيدى، روى عن موسى بن عقبة وابن جريج وعبيد اللَّه بن عمر وأخيه عبد اللَّه، ونافع بن أبي نعيم وجماعة، وعنه أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وصامت بن معاذ الجندى وطائفة،
стр. 256
كان قاضيا بزبيد، وصنف، وجمع، وألف، وأثنى عليه أحمد بن حنبل، وقال أبو حاتم: محله الصدق.
وأثنى عليه ابن حبان، وروى له النسائى، وسننه المخرج منها هذا الحديث مرتبة على الأبواب في مجلد، ذكر الحافظ أنه وقف عليه، وأنه لا يقول في حديثه: حدثنا، إنما يقول: ذكر فلان، وقد سئل الدارقطنى عن ذلك فقال: كانت أصابت كتبه علة فتورع أن يصرح بالإخبار اهـ.
قلت: ورأيت ابن أبي الدنيا يستعمل ذلك كثيرا في كثير من مصنفاته التي رأيت منها أصولا عتيقة، ثم رأيت الديلمى يسند تلك الأحاديث فيصرح فيها بالتحديث، ويصنع نحو ذلك على قلة أبو نعيم في تاريخ أصبهان، فيقول: حدث فلان ولا يقول: حدثنا، ويصنع فيها الديلمى مثل ما تقدم، فاللَّه أعلم. ثم إن أبا قرة لم يذكر أحد تاريخ وفاته، وإنما قال الحافظ في التقريب: إنه من الطبقة التاسعة، وهى في اصطلاح كتابه الطبقة الصغرى من أتباع التابعين كالشافعى وأبي داود الطيالسى وعبد الرزاق.
٨٠/ ١١٥ - "اتَّق اللَّهَ حَيثُما كُنتَ وأَتْبِعِ السَّيئةَ الحسنةَ تَمْحُها، وخَالِقِ النَّاسَ بخُلقٍ حسنٍ".
(حم. ت. ك. هب) عن أبي ذر (حم. ت. هب) عن معاذ، ابن عساكر عن أنس
قلت: الحديث رواه ميمون بن أبي شبيب واختلف عليه فيه، فرواه سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عنه عن أبي ذر، ورواه ليث والأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عنه عن معاذ بن جبل، وهكذا رواه وكيع عن سفيان الثورى أيضا. ورواه إسماعيل بن عمرو البجلى عن أبي مريم قال: حدثنى الحكم وحبيب
стр. 257
ابن أبي ثابت عنه عن معاذ أيضا.
فأما رواية سفيان عن حبيب عن ميمون عن أبي ذر فرواها عنه عبد الرحمن بن مهدى وأبو نعيم الفضل بن دكين ويحيى بن سعيد وقبيصة ومحمد بن كثير.
فرواية عبد الرحمن بن مهدى خرَّجها الترمذى [٤/ ٣٥٥، رقم ١٩٨٧] والطبرانى في مكارم الأخلاق [ص ٣١٧، رقم ١٣] وأبو نعيم في الحلية [٤/ ٣٧٨] والقضاعى في مسند الشهاب [٢/ ٣٧٩، رقم ٦٥٢]، وقال الترمذى: حديث حسن صحيح.
ورواية أبي نعيم خرَّجها الدارمى [٢/ ٤١٥، رقم ٢٧٩١] والخرائطى في مكارم الأخلاق [١/ ٩، رقم ٣] والبيهقى في الزهد [ص ٢٣٦، رقم ٨٧٤] وابن عمشليق في جزئه وغيرهم.
ورواية يحيى بن سعيد رواها عنه أحمد [٥/ ١٧٧]، ورواية قبيصة ومحمد بن كثير خرَّجها الحاكم [١/ ٥٤، رقم ١٧٨] وقال: صحيح على شرط الشيخين، ورواية الليث عن حبيب عن ميمون عن معاذ خرجها أحمد [٥/ ٢٣٦].
ورواية الأعمش خرَّجها الطبرانى في الصغير [١/ ١٩٢]، ورواية وكيع عن سفيان خرَّجها الترمذى [٤/ ٣٥٦ بعد رقم ١٩٨٧] عن محمود بن غيلان عنه، ثم قال محمود: والصحيح حديث أبي ذر.
ورواية إسماعيل بن عمرو البجلى خرجها أبو نعيم في الحلية [٤/ ٣٧٦]، وقد ذكرت أسانيد الجميع ومتونهم في المستخرج على مسند الشهاب.
وقد انتقد جمع من الحفاظ حكم الترمذى والحاكم بصحة هذا الحديث، لأنه منقطع الإسناد، لأن ميمون بن أبي شبيب لم يصح سماعه من أحد من
стр. 258
الصحابة، وبأنه لم يخرج له البخارى في صحيحه، وإنما روى له مسلم في مقدمة الصحيح وبأنه اضطرب فيه فقال عن أبي ذر مرة وعن معاذ أخرى، وأرسله مرة فلم يذكر صحابيه، وصحح الدارقطنى هذا المرسل، وكل هذا لا يخدش في وجه الحديث.
أما كون البخارى لم يحتج به فهذا يخص الحاكم وحده في شرطه لا مدخل له في صحة الحديث.
وأما الاضطراب فمدفوع بسماعه الحديث من الرجلين، فحدث به عن كل واحد منهما كما يقع لكثير في كثير من الأحاديث، وكذلك الإرسال فإن الثقة قد يرسل ما هو موصول عنده لغرض من الأغراض، وإنما يبقى النظر في مسألة الانقطاع وعدم السماع من الصحابة، وهى دعوى مجردة ممن قالها، فالرجل ثقة غير موصوف بتدليس، وقد حدث عن جماعة من الصحابة وأدرك زمانهم، بل مات قبل كثير من صغار الصحابة ومن عَمَّرَ منهم كأنس رضى اللَّه عنه، فإن ميمونًا مات سنة ثلاث وثمانين، وتأخرت وفاة جماعة من الصحابة بعد هذا إلى قبيل المائة، فلقاؤه لمن روى عنهم ممكن من جهة التاريخ والمعاصرة، فلا يمكن دفعه إلا بحجة ظاهرة تقاوم هذا الأصل المنبنى عليه صحة أغلب الأحاديث.
ثم لا يخفى ما على هذا الحديث من نور النبوة وطلاوة الأحاديث الصحيحة.
أما حديث أنس فقال ابن الأبار في معجم أصحاب الصدفى:
أخبرنى أبو محمد عبد الحق بن محمد بن على الزهرى إذنا عن الحافظ السلفى عن أبي على الصدفى قال: قرأت على أبي العباس أحمد بن إبراهيم الرازى أنا أبو الحسن على بن إبراهيم الحرفى ثنا أبو محمد الحسن بن رشيق ثنا أبو عبد اللَّه محمد بن حفص بن عمر البصرى ثنا عبيد اللَّه بن محمد بن عائشة
стр. 259
ثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس قال: "بعث رسول اللَّه ﷺ معاذ بن جبل إلى اليمن فقال يا معاذ: اتق اللَّه وخالق الناس بخلق حسن وإذا عملت سيئة فأتبعها حسنة قال: قلت: يا رسول اللَّه، لا إله إلا اللَّه من الحسنات؟ قال: هى من كبر الحسنات"، وهذا من البلاغات الأربعة التي ذكرها مالك في الموطإ [ص ٥٦٣، رقم ١] واشتهر أنها لم توجد موصولة.
٨١/ ١١٦ - "اتّق اللَّه ولا تَحْقِرَنَّ من المعروفِ (١)، ولو أنْ تُفرغَ من دَلْوِك في إناءِ المُسْتَسْقِى، وأنْ تَلقى أخَاك وَوَجْهُك إليهِ منْبسِطٌ، وإيَّاك وإسبالَ الإزارِ فإنَّ إسبالَ الإزارِ من المخيلة ولا يُحِبُّها اللَّه، وإن امْرؤٌ شَتَمَك وعيَّرك بأمرِ ليس هُوَ فِيكَ فلا تعيِّرهُ بأمرٍ هُوَ فيه، ودعْهُ يكُونُ وبالُهُ عَليهِ وأجْرُهُ لكَ، ولا تَسُبَّنَّ أحدًا".
رواه الطيالسى عن جابر بن سليم الهجيمى
قال الشارح في الكبير: وقضية صنيع المؤلف تدل على أن الحديث لم يخرجه أحد أشهر من الطيالسى وأنه تفرد به والأمر بخلافه، فقد خرجه بمخالفة في الترتيب عن جابر المذكور أئمة أجلاء مشاهير منهم أحمد وأبو داود والنسائى والبغوى والباوردى وابن حبان والطبرانى وأبو نعيم والبيهقى والضياء في المختارة وغيرهم بلفظ: "اتق اللَّه ولا تحقرن من المعروف شيئا. . . " الحديث.
قال النووى في رياضه: رواه أبو داود والترمذى بالإسناد الصحيح ورمز المصنف لصحته.
قلت: فيه أمور أحدها: أن لفظ الحديث عند من استدركهم الشارح من المخرجين ليس مصدرًا بحرف "اتق اللَّه" بل بحروف أخرى كما اعترف
стр. 260
الشارح بذلك بقوله: بمخالفة في الترتيب.
والمصنف يعزو الحديث غالبًا لمن هو عنده مصدَّر بالحرف المذكور، كما نبهنا على هذا مرارًا، نعم هو عند أحمد [٥/ ٦٣] مصدَّر بحرف "اتق اللَّه" فيستدرك به عليه.
ثانيها: أن النسائى لم يخرجه في المجتبى أصلًا.
ثالثها: أن الترمذى وإن روى أصل الحديث إلا أنه لم يذكر من اللفظ المذكور هنا حرفًا واحدا فإنه قال [٥/ ٧٢، رقم ٢٧٢٢]:
حدثنا الحسن بن على ثنا أبو أسامة عن أبي غفار المثنى بن سعيد الطائى عن أبي تميمة الهجيمى عن جابر بن سليم قال: "أتيت النبي ﷺ فقلت: عليك السلام قال: لا تقل عليك السلام ولكن قل السلام عليك"، وذكر قصة طويلة، هذا حديث حسن صحيح.
فهذا وان كان من جملة الحديث المذكور هنا لأن في أوله قصة هذا منها -أعنى المذكور في الجامع الصغير- إلا أن الترمذى لم يسقه فلا يصح أن يعزى إليه.
والحديث رواه أيضا ابن أبي الدنيا في مكارم الاخلاق، والخرائطى فيها [(١/ ١٢٠، رقم ٩٣)، (١/ ١٥٠، رقم ١٢٣)] أيضا، والقضاعى في مسند الشهاب [٢/ ٨٥، رقم ٩٣٥] مختصرا وقد ذكرت متونه وأسانيده في المستخرج عليه.
٨٢/ ١١٧ - "اتَّقِ اللَّه يا أبَا الوليدِ، لا تأتِ يومَ القيامةِ ببعيرٍ تحملُه له رُغَاءٌ أو بقرةٍ لها خوار أو شاةٍ لهَا ثُؤَاجٌ".
(طب) عن عبادة بن الصامت
قال الشارح في الكبير: وكذا رواه ابن عساكر ورمز المصنف لحسنه وهو تقصير إذ هو أعلى، فقد قال الحافظ الهيثمى: رجاله رجال الصحيح، ورواه الشافعى
стр. 261
والبيهقى عن طاوس مرسلا.
قلت: لا يلزم من كون السند رجاله رجال الصحيح أن يكون الحديث صحيحا بل قد يكون ضعيفا كما تقدَّم قريبًا، ثم إن البيهقى خرجه [٤/ ١٥٨] عن طاوس موصولا لا مرسلا فقال:
أخبرنا أبو الحسن بن عبدان أنبأنا أحمد بن عبيد ثنا الحسن بن العباس الرازى ثنا ابن أبي عمر ثنا سفيان عن ابن طاوس عن أبيه عن عبادة: "أن رسول اللَّه ﷺ بعثه إلى الصدقة فقال: يا أبا الوليد اتق [اللَّه] لا تأت يوم القيامة ببعير تحمله له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة لها ثؤاجٌ فقال: يا رسول اللَّه إن ذلك لكائن؟ قال: إى والذي نفسى بيده إن ذلك لكذلك إلا من رحم اللَّه، قال: فوالذي بعثك بالحق لا أعمل على شيءٍ أبدا أو قال: على اثنين".
٨٣/ ١١٨ - "اتَّق المحَارِمَ تكن أعْبدَ النَّاسِ، وارضَ بما قَسَم اللَّه لك تَكُن أغنى النَّاسِ، وأحْسِنْ إلى جَارك تَكنْ مُؤمِنًا، واحببْ للنَّاسِ ما تُحِبُّ لنفْسك تكن مُسْلمًا، ولا تُكْثِرِ الضَّحِكَ فإنَّ كثرةَ الضحكِ تميتُ القلَبَ".
(حم. ت. هب) عن أبي هريرة
قلت: قال أحمد [٢/ ٣١٠]:
حدثنا عبد الرراق ثنا جعفر بن سليمان عن أبي طارق عن الحسن عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من يأخذ من أمتى خمس خصال فيعمل بهن أو يعلمهن من يعمل بهن قال: قلت: أنا يا رسول اللَّه، قال: فأخذ بيدى فعدهن فيها ثم قال: اتق المحارم" وذكره.
وقال الترمذى [٤/ ٥٥١، رقم ٢٣٠٥]:
حدثنا بشر بن هلال الصواف ثنا جعفر بن سليمان به، ثم قال: غريب لا
стр. 262
نعرفه إلا من حديث جعفر بن سليمان، والحسن لم يسمع من أبي هريرة شيئا هكذا روى عن أيوب ويونس بن عبيد وعلى بن زيد قالوا: لم يسمع الحسن من أبي هريرة، وروى أبو عبيدة القاضى عن الحسن هذا الحديث من قوله: ولم يذكر فيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ .
ورواه الخرائطى في مكارم الأخلاق [١/ ٢٤٢، رقم ٢٢٧] من طريق سيار بن حاتم ثنا جعفر بن سليمان به.
ورواه أبو نعيم في الحلية من طريق إسحاق بن إبراهيم عن جعفر بن سليمان به ثم قال: غريب من حديث الحسن تفرد به جعفر عن أبي طارق.
قلت: ولم يعرف لأبي طارق راو غيره ولا عرف إلا في هذا الحديث فيما يظهر. لكن الحديث ورد من طريق آخر عن أبي هريرة من رواية مكحول عن واثلة عنه، وسأذكره إن شاء اللَّه في حرف الكاف في حديث "كن ورعا تكن أعبد الناس"، وكذلك حديث على وأبي ذر في الباب.
٨٥/ ١١٩ - "اتَّقِ دعوةَ المظلومِ فإنَّما يسألُ اللَّه تعالى حقَّه وإنَّ اللَّه تَعَالى لَنْ يمنعَ ذا حقٍّ حقَّهُ". (خط) عن على
قال الشارح في الكبير: ورواه عنه أيضا أبو نعيم من طريقه وعنه أورده الخطيب، فعزو المصنف للفرع وإهماله الأصل غير صواب، ثم قضية صنيعه أن مخرجه الخطيب خرجه وأقره والأمر بخلافه، فإنه أورده في ترجمة صالح ابن حسان وذكر أن ابن معين قال: إنه ليس بشيء، وأن البخارى ذكر أنه منكر الحديث، والنسائى قال: متروك، وأبو حاتم: ضعيف، فإهماله لذلك واقتصاره على عزوه لمخرجه من سوء التصرف، ثم إن فيه منصور بن أبي الأسود أورده الذهبى في الضعفاء والمتروكين وقال: صدوق من أعيان
стр. 263
الشيعة اهـ. وبه عرف اتجاه رمز المؤلف لضعفه.
قلت: هذا من غث الكلام ورديئه بل هو ضرب من الهذيان، فالمصنف وضع كتابه لسرد متون الأحاديث على سبيل الاختصار والاقتصار على المرفوع دون سبب الورود، ولذلك رمز إلى المخرجين ولم يذكر أسماءهم كاملة رغبة في الاختصار، فكيف ينتقد عليه بأنه لم يذكر جملة من الجرح والتعديل نحو سطرين أو ثلاثة في حق رجل من رجال الحديث؟ ثم إن هذا لم يقع له في حديث واحد من الكتاب من أوله إلى آخره، ولو حصل ذلك منه في بعضها لأمكن أن يتعقب عليه في غيرها فإلزامه بما التزم عدم ذكره في كتابه من العبث الذي يجل عنه منصب العقلاء فضلا عن الفضلاء.
ثم إن هذا ساقط من أصله من وجهين: أحدهما: أن الخطيب لم يذكر ذلك لأجل تضعيف الحديث حتى يجب على المصنف نقله، وإنما ذكره لأجل معرفة حال الرجل المترجم، والحديث إنما ذكره تبعا للترجمة وتتمة لها كما نبهنا عليه غير مرة.
ثانيهما: أن المصنف قد أتى بمضمن ذلك ومحصله، فرمز للحديث بعلامة الضعف كما ذكر ذلك الشارح أخيرا، فلم يبق لذكر كلامه الأول وجه أصلا سوى تسويد الورق، وكذلك التعرض لذكر منصور بن أبي الأسود بعد اعتراف الذهبى بأنه صدوق، فإنه لا معنى له في الكلام على تضعيف الحديث، وإيراد الذهبى إياه في الضعفاء لمعنى آخر لا يمس بالحديث وإنما يمس بالنحلة والأهواء، ثم إلزام المصنف بالعزو إلى أبي نعيم دون الخطيب ونسبته إلى سوء التصرف من سوء التصرف، فإنه إلزام بما لا يلزم ولا هو من أصول الفن ولا شروط العزو ولا سبق الشارح إلى مثله، وكأنه أخذ ذلك بالقياس على الأصول الستة والقياس كله باطل وهذا أبطله لأنه تكليف بما لا يطاق لو كان
стр. 264
الحديث عند أبي نعيم على شرط الكتاب، فكيف وهو على غير شرطه!، فإن أوله عند أبي نعيم: "يا على اتق دعوة المظلوم"، وهذا على ترتيب الكتاب وشرطه يذكر في حرف الياء لا في حرف الهمزة فانتقاد الشارح إن أفاد شيئا فإنما يفيد أن في نفسه شيئا على المصنف فلذلك التزم انتقاده بحق أو باطل، فكان أكثر انتقاده وبالا عليه واظهارا لقصوره لا لقصور المصنف، هذا مع أن الشارح رحمه اللَّه تعالى لولا كتب المصنف لما ذهب في هذا الفن ولا جاء، فمن كتبه يتعقبه ومن علمه يتجيش عليه، فالكل منه وإليه غايته الانتهاء بعدها إلى مجمع الزوائد وكتب الحافظ العراقى وأين هى من الاحتواء على جميع أحاديث الكتاب لولا الجامع الكبير للمصنف الذي يرشد الشارح إلى المتون ويدله على مواضعها من الكتب والحديث رواه أبو نعيم في ترجمة جعفر الصادق ﵇ من الحلية [٣/ ٢٠٢] قال:
حدثنا فاروق الخطابى ثنا عباس بن الفضل الإسفاطى (ح).
وحدثنا أبو بكر بن خلاد ثنا إبراهيم بن إسحاق الحربى (ح).
وحدثنا عبد اللَّه بن جعفر ثنا إسماعيل بن عبد اللَّه قالوا: أخبرنا سعيد بن سليمان ثنا منصور بن أبي سليمان الأسود ثنا صالح بن حسان عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن على ﵈ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يا عليُّ اتق دعوة المظلوم. . . " (١) الحديث.
وقال: تفرد به منصور عن صالح عن جعفر.
واقتصر الخطيب على الطريق الثالث لأبي نعيم فقال [٩/ ٣٠١، ٣٠٢]:
أخبرنا أبو نعيم الحافظ ثنا عبد اللَّه بن جعفر بن أحمد بن فارس ثنا إسماعيل ابن عبد اللَّه بن مسعود العبدى ثنا سعيد بن سليمان به.
стр. 265
٨٦/ ١٢٣ - "اتَّقوا اللَّه وأَصلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُم فإنَّ اللَّه تَعالى يُصْلِحُ بَيْنَ المُؤْمِنينَ يومَ القِيامَةِ". (ع. ك) عن أنس
قلت: هذا قطعة من حديث طويل اقتصر المصنف على آخره، قال الحاكم [٤/ ٥٧٦، رقم ٧٨١٨]:
ثنا أبو منصور محمد بن القاسم العتكى ثنا أبو عبد اللَّه محمد بن أحمد بن أنس القرضى ثنا عبد اللَّه بن بكر السهمى أنبأنا عباد بن شيبة الحبطى عن سعيد ابن أنس عن أنس قال: "بينا رسول اللَّه ﷺ جالس إذ رأيناه ضحك حتى بدت ثناياه، فقال له عمر: ما أضحكك يا رسول اللَّه بأبى أنت وأمى؟!، قال: رجلان من أمتى جثيا بين يدى رب العزة فقال أحدهما: يارب خذ لى مظلمتى من أخى فقال اللَّه ﵎ للطالب: فكيف تصنع ولم يبق من حسناته شيء؟ قال: يا رب فليحمل من أوزارى، قال: وفاضت عينا رسول اللَّه ﷺ بالبكاء، ثم قال: إن ذلك اليوم عظيم يحتاج الناس أن يحمل عنهم من أوزارهم، فقال اللَّه تعالى للطالب: ارفع بصرك فانظر في الجنان، فرفع رأسه، فقال: يارب أرى مدائن من ذهب وقصورا من ذهب مكللة باللؤلؤ لأى نبي هذا؟ أو لأى صديق هذا؟ أو لأى شهيد؟، قال: هذا لمن أعطى الثمن، قال: يا رب ومن يملك ذلك؟ قال: أنت تملكه، قال: بماذا؟ قال: بعفوك عن أخيك قال: ياربِّ فإنى قد عفوت عنه، قال اللَّه : فخذ بيد أخيك فأدخله الجنة، فقال رسول اللَّه ﷺ عند ذلك: اتقوا اللَّه وأصلحوا ذات بينكم. . . "، الحديث.
ورواه ابن أبي الدنيا في كتاب حسن الظن قال [ص ٦٦، رقم ١١٦]:
حدثنا أبو موسى هارون بن سفيان ذكر عبد اللَّه بن بكر السهمى به مثله.
стр. 266
وقال: "حتى بدت نواجذه" بدل: "ثناياه"، وقال: "أرى مدائن من فضة وقصورا من ذهب" والباقى سواء.
وقال الحاكم: حديث صحيح الإسناد، فتعقبه الذهبى باأن عبادا ضعيف وشيخه لا يعرف اهـ.
وذكر في الميزان [٢/ ٣٦٦، رقم ٤١٢٠] عن البخارى أنه قال: لا يتابع عليه.
٨٧/ ١٢٤ - "اتَّقُوا اللَّه فِيما مَلكتْ أيمَانُكُمْ". (خد) عن على
قلت: قال البخارى في الأدب المفرد [ص ١٥٦، ١٥٨]:
ثنا محمد بن سلام قال: أخبرنا محمد بن فضل عن مغيرة عن أم موسى عن على صلوات اللَّه عليه قال: "كان آخر كلام النبي ﷺ الصلاة الصلاة اتقوا اللَّه فيما ملكت أيمانكم".
ورواه أيضا [ص ٦٨، رقم ١٥٦] بمعناه فقال:
حدثنا حفص بن عمر ثنا عمر بن الفضل ثنا نعيم بن يزيد ثنا على بن أبي طالب صلوات اللَّه عليه أن النبي ﷺ لما ثقل قال: "يا على ائتنى بطبق أكتب فيه ما لا تضل أمتى فخشيت أن يسبقنى فقلت: إنى لأحفظ من ذراعى الصحيفة وكان رأسه بين ذراعه وعضدى يوصى بالصلاة والزكاة وما ملكت أيمانكم وقال كذلك حتى فاضت نفسه، وأمره بشهادة أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدا عبده ورسوله من شهد بهما حرم على النار".
٨٨/ ١٢٥ - "اتَّقُوا اللَّه في الصَّلاةِ وَمَا مَلكَتْ أيمَانكُمْ". (خط) عن أم سلمة
قال الشارح في الكبير: رمز المصنف لضعفه.
стр. 267
قلت: رواه الخطيب من طريق عبد اللَّه بن المبارك البغدادى:
ثنا همام بن يحيى عن قتادة عن أبي الخليل صالح عن أم سلمة به، وهؤلاء من رجال الصحيح، وإن كان همام بن يحيى فيه مقال، لكنه منقطع فإن أبا الخليل لم يدرك أم سلمة، بل ولا رواه عنها وإنما حصل السقط في سند الخطيب.
فقد رواه ابن سعد في الطبقات [٢/ ٢/ ٤٤] عن يزيد بن هارون وعفان بن مسلم قالا:
حدثنا همام بن يحيى عن قتادة عن أبي الخليل عن سفينة عن أم سلمة: "أن النبي ﷺ وهو في الموت جعل يقول: الصلاة الصلاة، وما ملكت أيمانكم".
قال يزيد: فجعل يقولها، وما يفيض بها لسانه، وقال عفان: فجعل يتكلم بها وما يفيض لسانه.
ورواه البغوى في التفسير من طريق أبي عبيد القاسم بن سلام أبا يزيد به مثله، ومع هذا فهو منقطع أيضا لأن أبا الخليل لم يدرك سفينة.
ورواه الطحاوى في مشكل الآثار [٨/ ٢٢٦، رقم ٣٢٠٣] من وجه آخر عن قتادة، فأسقط ذكر أبي الخليل قال الطحاوى:
ثنا الربيع بن سليمان المرادى ثنا أسد بن موسى ثنا أبو عوانة عن قتادة عن سفينة مولى أم سلمة عن أم سلمة قالت: "كانت عامة وصية رسول اللَّه ﷺ : الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم حتى جعل يغرغر بها في صدره وما يفيض بها لسانه"، وقد حدث به قتادة عن أنس كما سيأتى بعد حديث في المتن.
стр. 268
٨٩/ ١٢٧ - "اتَّقُوا اللَّه فِى الصَّلَاة، اتَّقُوا اللَّه في الصَّلاةِ، اتَّقُوا اللَّه في الصَّلاةِ اتَّقوا اللَّه فيما مَلكَتْ أَيمَانُكُمْ، اتَّقُوا اللَّه فِيمَا ملكَتْ أيمانُكُم، اتَّقُوا اللَّه فِي الضَّعِيفَينِ: المرْأةُ الأرْملَةُ والصبِيُّ اليتِيمُ". (هب) عن أنس
قال الشارح: رمز المصنف لحسنه لكن فيه بشر بن منصور الحناط، أورده الذهبى في المتروكين وقال: هو مجهول قبل المائتين.
قلت: بشر بن منصور الحناط بالمهملة والنون خرج له ابن ماجه، وروى عنه أبو سعيد الأشج قال: وكان ثقة، وروى عنه أيضا عبد الرحمن بن مهدى وهو لا يروى إلا عن ثقة، ولهذا قال الحافظ في التقريب [ص ١٢٤، رقم ٧٠٥]: إنه صدوق، وقد قيل: إنه بشر بن منصور السليمى وهو أيضا صدوق زاهد عابد، فالحديث حسن كما قال المصنف لا سيما وقد ورد عن أنس من طريق آخر على شرط الصحيح مختصرا رواه ابن سعد [٢/ ٢/ ٤٤]، والطحاوى في مشكل الآثار [٨/ ٢٢٦، رقم ٣٢٠٢] والدينورى في المجالسة وغيرهم من حديث سليمان التيمى عن قتادة عن أنس قال: "كانت عامة وصية رسول اللَّه ﷺ حين حضره الموت، الصلاة وما ملكت أيمانكم حتى جعل رسول اللَّه ﷺ يغرغر بها في صدره وما كاد يفيض بها لسانه"، إلا أنه وقع عند الدينورى خاصة منقطعا، لأنه قال عن سليمان التيمى عن أنس، وكذا وقع في بعض الروايات عند الطحاوى (١).
٩٠/ ١٢٩ - "اتَّقُوا اللَّه وصِلُوا أرحَامَكُمْ". ابن عساكر عن ابن مسعود
قال الشارح: بسند ضعيف ورواه الطبرانى باللفظ (المزبور) عن جابر وزاد
стр. 269
"فإنه ليس من ثواب أسرع من صلة الرحم".
ورواه ابن جرير وعبد بن حميد عن قتادة وزاد: "فإنه أبقى لكم في الدنيا وخير لكم في الآخرة"، وبذلك يصير حسنا.
قلت: حديث جابر ساقط شبه موضوع، رواه الطبرانى في الأوسط قال:
حدثنا محمد بن عبد اللَّه الحضرمى ثنا أحمد بن محمد بن طريف البجلى ثنا أبي عن محمد بن كثير الكوفى حدثنى جابر الجعفى عن أبي جعفر محمد بن على بن حسين عن جابر بن عبد اللَّه قال: "خرج علينا رسول اللَّه ﷺ ونحن مجتمعون فقال: يا معشر المسلمين اتقوا اللَّه وصلوا أرحامكم، فإنه ليس من ثواب أسرع من صلة الرحم، وإياكم وعقوق الوالدين، فإن ريح الجنة يوجد من مسيرة ألف عام، واللَّهِ لا يجده عاق ولا قاطع رحم، وإياكم والبغى، فإنه ليس من عقوبة أسرع من عقوبة بغى ولا قاطع رحم، ولا شيخ زان، ولا جار إزاره خيلاء إنما الكبرياء للَّه رب العالمين، والكذب كلمة إثم إلا ما نفعت به مؤمنا ودفعت به عن ذنب، وإن في الجنة لسوقا ما يباع فيها ولا يشترى ليس فيها إلا الصور فمن أحب صورة من رجل أو امرأة دخل فيها".
فهذا كما ترى فيه محمد بن كثير الكوفى وهو كذاب متهم، وكذلك جابر الجعفى فهو لا يصلح أن يكون شاهدا فضلا عن رافع للضعيف إلى درجة الحسن، ثم إن حديث ابن مسعود أصله في مسند أحمد [١/ ٤٠١] بسياق آخر، لفظه: "إنكم مفتوح عليكم ومنصورون ومصيبون فمن أدرك ذلك منكم فليتق اللَّه وليأمر بالمعروف ولينه عن المنكر وليصل رحمه" الحديث.
ورواه جماعة ذكرت أسانيدهم في رفض اللى بتواتر حديث "من كذب على".
стр. 270
٩١/ ١٣٢ - "اتَّقُوا الحَجَرَ الحَرَامَ في الُبنْيَانِ فإنَّه أسَاسُ الخَرابِ". (هب) عن ابن عمر
قال الشارح: قال ابن الجوزى: حديث لا يصح.
قلت: الحديث رواه أبو نعيم في تاريخ أصبهان في موضعين [٢/ ١٥٥، ٣٣١]، والقضاعى في مسند الشهاب [١/ ٣٨٨، رقم ٦٦٤]، والخطيب في التاريخ [٥/ ١٠٦]، والديلمى في مسند الفردوس [١/ ١٢٩، رقم ٢٩٩] من طريق أبي نعيم كلهم من رواية أحمد بن يونس الضبى:
ثنا معاوية بن يحيى عن الأوزاعى عن حسان بن عطية عن ابن عمر به، وقد ذكرت أسانيدهم في المستخرج على مسند الشهاب.
وابن الجوزى أعله بأن معاوية ضعيف وحسان لم يسمع من ابن عمر.
قال الشارح في الكبير: لكن له طرق وشواهد اهـ.
وليس كما قال، فليس له إلا هذا الطريق الواحد ولا شاهد له أيضًا في خصوص هذا المعنى.
٩٢/ ١٣٣ - "اتَّقوا الحديثَ عنى إِلَّا ما عَلمْتُمْ فَمَنْ كَذَبَ عَلىَّ مُتَعَمِّدا فَلْيتَبَّوأْ مَقْعدَه مِنَ النَّارِ، وَمَنْ قاَلَ فِى القرآنِ بِرَأيِه فَليتبوأْ مَقْعدَه مِنَ النَّارِ". (حم. ت) عن ابن عباس
قال الشارح في الكبير: رمز المصنف لحسنه اغترارا بالترمذى، قال ابن القطان: وينبغى أن يضعف إذ فيه سفيان بن وكيع، قال أبو زرعة: متهم بالكذب لكن أبن أبي شيبة رواه بسند صحيح قال أعنى ابن القطان: فالحديث صحيح من هذا الطريق لا من الطريق الأول اهـ. وبه يعرف أن المصنف لم يصب في ضربه صفحا عن عزوه لابن أبي شيبة مع صحته عنده، وممن جرى
стр. 271
على سنن ابن القطان في تضعيف رواية الترمذى الصدر المناوى فقال: فيه شيخ الترمذى سفيان بن وكيع ضعيف، وأقول: فيه عند أحمد عبد الأعلى الثعلبى أورده الذهبى في الضعفاء وقال: ضعفه أحمد وأبو زرعة.
قلت: فيه أمور، أحدها: أن ابن القطان ضعف رواية الترمذى تعقبًا عليه لأنه حسن الحديث مع أنه رواه عن سفيان بن وكيع وهو ضعيف فتعقبه في محله، وإن كان ابن القطان قد بين أن المتن صحيح من جهه أخرى.
أما الشارح فتعقبه فاسد، لأن المصنف عزا الحديث لأحمد والترمذى ورمز لحسنه باعتبار المتن المروى بسند المعزو إليهما بعا، وأحمد ليس عنده سفيان بن وكيع بل قال:
حدثنا أبو الوليد ثنا أبو عوانة عن عبد الأعلى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس به.
ثانيها: أن قوله: وأقول فيه عند أحمد عبد الأعلى. . . إلخ استدراك باطل أيضا فإن عبد الأعلى موجود في سند الترمذى أيضا، فإن الترمذى قال [٥/ ١٩٩، رقم ٢٩٥١]:
حدثنا سفيان بن وكيع ثنا سويد بن عمرو الكلبى ثنا أبو عوانة عن عبد الأعلى به.
بل الظاهر أن عبد الأعلى هذا انفرد به عن سعيد بن جبير، ولم يروه عنه غيره، فقد رواه الترمذى [٥/ ١٩٩، رقم ٢٩٥٠] مختصرا عن محمود بن غيلان ثنا بشر بن السرى ثنا سفيان عن عبد الأعلى به مقتصرا على آخره وهو قوله: "من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار" ثم قال (ت): حسن صحيح.
ورواه الدارمى [١/ ٨٨، رقم ٢٣٢] عن محمد بن عيسى: ثنا أبو عوانة عن
стр. 272
عبد الأعلى به مقتصرا على قوله: "من كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار".
وكذلك رواه الطحاوى في مشكل الآثار [١/ ٣٥٨، رقم ٣٩٢] من طريق عفان عن أبي عوانة.
ورواه أحمد [١/ ٢٣٣] عن عفان عن أبي عوانة مقتصرا على ذكر القرآن فقط.
ورواه الطحاوى [١/ ٣٥٨، رقم ٣٩٣] عن محمد بن زكريا: ثنا يحيى أبو شريح ثنا الفريابى ثنا سفيان عن عبد الأعلى به مقتصرا على: "من كذب على متعمدا. . . " الحديث.
وكذلك رواه الواحدى في أسباب النزول من طريق ليث بن حماد: ثنا أبو عوانة عن عبد الأعلى به.
فابن أبي شيبة الذي صحح ابن القطان حديثه [٨/ ٥٧٥، رقم ٦٣٠٤] ما رواه إلا من طريقه كما يظهر، وإذا كان كذلك فحكمه بصحته متعقب، لأن غايته الحسن، وقد صحح الطبرى والحاكم والترمذى في النسخة التي نقلنا عنها حديثه لكنه لا يرتقى إلى لرجة ذلك، وإنما غايته الحسن كما فعل المصنف.
ثالثها: أن الشارح أقر ابن القطان على صحة المتن فلا معنى للتعقب بضعف سند الترمذى.
٩٣/ ١٣٤ - حديث "اتَّقُوا الدُّنيا واتَّقُوا النِّساءَ فإنَّ إبليسَ طلَّاعٌ رصَّاد، وَمَا هُوَ بِشيْءٍ من فُخُوخِهِ بأوثق لصَيْدِهِ في الأتقِياء مِنَ النِّساءِ". (فر) عن معاذ
стр. 273
قال الشارح: بإسناد ضعيف.
قلت: قال الديلمى [١/ ١٣٠، رقم ٣٠١]:
أخبرنا عبدوس أخبرنا على بن إبراهيم عن محمد بن يحيى عن أحمد بن سعيد عن هشام بن عمار عن محمد بن شعيب عن سعيد بن سنان عن أبي الزاهرية عن كثير بن مرة عن معاذ بن جبل به.
سعيد بن سنان متروك منكر الحديث.
٩٤/ ١٣٥ - "اتَّقُوا الظُّلمَ فإِنَّ الظُّلمَ ظُلُمَاتٌ يَومَ القِيامةِ". (حم. طب. هب) عن ابن عمر
قال الشارح في الكبير: قال الهيثمى: في سند (حم وطب): عطاء بن السائب وقد اختلط، وبقية رجاله رجال الصحيح.
قال الشارح: وأورده البيهقى من طريقين في أحدهما مالك بن يحيى اليشكرى ساقه الذهبى في الضعفاء وقال: جرحه ابن حبان، وفي الأخرى عمرو بن مرزوق، أورده الذهبى في ذيل الضعفاء وقال: غير ثقة، وقال الدارقطنى: كثير الوهم، وبما تقرر يعرف ما في رمز المؤلف لصحته من المجازفة.
قلت: الحديث له عن ابن عمر طرق تعددة منها:
طريق عطاء بن السائب عن محارب بن دثار عن ابن عمر رواها أحمد [٢/ ٩٢] والطبرانى وأبو محمد البخارى في مسند أبي حنيفة، وعطاء بن السائب ثقة عابد زاهد روى له البخارى مقرونا.
وهذا الحديث قد رواه غيره فهو على شرط البخارى.
ومنها طريق عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون عن عبد اللَّه بن دينار عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الظلم ظلمات يوم القيامة" قال البخارى في صحيحه [٢/ ١٦٩، رقم ٢٢٤٧]: باب الظلم ظلمات يوم القيامة:
стр. 274
ثنا أحمد بن يونس ثنا عبد العزيز به.
وقال مسلم في صحيحه [٤/ ١٩٩٦، رقم ٢٥٧٩/ ٥٧]:
حدثنى محمد بن حاتم ثنا شبابة ثنا عبد العزيز الماجشون به.
ورواه من هذا الوجه أيضا أبو داود الطيالسى [ص ٢٥٧، رقم ١٨٩٠] وأحمد [٢/ ١٣٧] والترمذى [٤/ ٣٧٧, رقم ٢٠٣٠] والقضاعى [١/ ٩٨، رقم ١١٠] وآخرون.
ومنها طريق: محمد بن جعفر عن زيد بن أسلم عن ابن عمر مرفوعا "إياكم والخيانة فإنها بئست البطانة، وإياكم والظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، وإياكم والشح فإنه أهلك من كان قبلكم قطعوا به أرحامهم وسفكوا دماءهم".
ورواه عن النبي ﷺ جماعة غير عبد اللَّه بن عمر منهم جابر بن عبد اللَّه وأبو هريرة وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص والمسور بن مخرمة ومعاذ بن جبل والهرماس بن زياد (١).
فحديث جابر ذكره المصنف بعد هذا.
وحديث أبي هريرة رواه البخارى في الأدب المفرد [ص ١٧٠، ٤٨٧] والحاكم في المستدرك [١/ ١٢، رقم ٢٨] بلفظ: "إياكم والظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، وإياكم والفحش فإن اللَّه لا يحب الفاحش المتفحش" الحديث.
وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.
وحديث عبد اللَّه بن عمرو رواه الطيالسى [ص ٣٠٠، رقم ٢٢٧٢] وأحمد [٢/ ١٥٩] والدارمى [٢/ ٣١٣] والحارث بن أبي أسامة وأبو الشيخ في التوبيخ
стр. 275
والحاكم في المستدرك [١/ ١١، رقم ٢٦] والقضاعى في مسند الشهاب [١/ ٣٩٩، رقم ٦٨٥] وغيرهم من طرق بألفاظ منها عند الحارث: "اتقوا اللَّه وإياكم والظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة".
وحديث المسور رواه أبو القاسم البغوى والطبرانى في الأوسط والكبير [٢٠/ ٢٥، رقم ٢٩] من طريق يحيى بن عبد الحميد الحمانى:
حدثنى سليمان بن بلال عن قيس بن عبد الملك بن قيس بن مخرمة عن المسور ابن مخرمة مرفوعا: "إياكم والظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة". وحديث معاذ رواه الطبرانى في الأوسط مثل الذي قبله وزاد "وإياكم والشح فإنه أهلك من كان قبلكم، الشح أمرهم بالقطيعة فقطعوا أرحامهم وأمرهم بسفك الدماء فسفكوا دماءهم"، وفي سنده من لا يعرف.
وحديث الهرماس رواه الطبرانى في الأوسط والكبير [٢٢/ ٢٠٤، رقم ٥٣٨] ولفظه "إياكم والخيانة فإنها بئست البطانة وإياكم والظلم فإنه ظلمات يوم القيامة وإياكم والشح فإنما أهلك من كان قبلكم الشح حتى سفكوا دماءهم وقطعوا أرحامهم".
وفي الباب عن غير هؤلاء أيضا حتى عده المصنف من الأحاديث المتواترة، وبما تقرر عرف أن الشارح هو صاحب المجازفة مع تحامل وظلم للمصنف والظلم ظلمات يوم القيامة.
٩٥/ ١٣٧ - "اتَّقُوا القدرَ فإنه شعبةٌ من النَّصْرَانيةِ". ابن أبي عاصم (طب. عد) عن ابن عباس
قلت: أخرجه أيضا أبو سعيد النقاش في فوائد العراقيين فقال:
حدثنا أبو بكر محمد بن عبد اللَّه الشافعى ثنا أحمد بن أبي عمران ثنا أبو نعيم الفضل بن دكين ثنا القاسم بن حبيب التمار عن نزار بن حيان قال: قال
стр. 276
عكرمة: قال ابن عباس رضى اللَّه عنهما: "قال رسول اللَّه ﷺ . . . " به، ونزار ابن حيان قال ابن حبان: يأتى عن عكرمة بما ليس من حديثه حتى يسبق إلى القلب أنه المتعمد لذلك فبطل الاحتجاج به، روى المعافى بن عمران ثنا القاسم بن حبيب عن نزار عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعا: "اتقوا القدر فإنه شعبة من النصرانية"، قال ابن عباس: "اتقوا هذا الإرجاء فإنه شعبة من النصرانية"، وذكر ابن عدى في الكامل [٥/ ١٩٤] في ترجمة ابنه على بن نزار حديثه عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعا: "صنفان من أمتى ليس لهما في الإسلام نصيب المرجئة والقدرية" ثم قال: هذا الحديث أحد ما أنكر على علِى بن نزار وعلى والده.
قلت: ومن ضعف الرجل وانفراده يعرف أنه ليس للحديث أصل عن النبي ﷺ .
٩٦/ ١٤١ - "اتَّقُوا المَجْزُومَ كما يُتَّقَى الأسَدُ". (تخ) عن أبي هربرة
قال الشارح: رمز المصنف لحسنه وقال في الشرح الكبير: رمز لصحته.
قلت: اضطرب الشارح في حكاية ما فعل المصنف في رمزه لهذا الحديث فاللَّه أعلم أى ذلك كان، غير أن الحديث رواه البخارى في ترجمة محمد بن عبد الرحمن بن أبي الزناد فقال: روى إبراهيم بن حمزة عن الدراوردى عن محمد بن أبي الزناد قال: إبراهيم هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي الزناد كان يطلب مع أبيه عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : "اتقوا المجزوم"، وقال لنا على:
حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا محمد بن عبد اللَّه بن عمرو بن عثمان عن أبي الزناد ولم يصح الحديث، كذا قال ولم يصرح بعلة ذلك، وقال أيضا في
стр. 277
ترجمة محمد بن عبد اللَّه بن عمرو بن عثمان بن عفان: قال لى على: حدثنا عبد العزيز بن محمد أخبرنى محمد بن عبد اللَّه بن عمرو بن عثمان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : "لا عدوى ولا هام ولا صفر وفر من المجزوم كما تفر من الأسد".
وقال لى الأويسى:
حدثنا ابن أبي الزناد عن أبيه عن مشيخة لهم من أهل الصلاح ممن أدرك حدثوه عن النبي ﷺ مثله، وهذا أصح مرسل عنده عجائب يعنى محمد بن عبد اللَّه ابن عمرو ثم قال: قال إبراهيم بن حمزة حدثنا الدراوردى عن محمد بن أبي الزناد عن أبي الزناد عن الاعرج عن أبي هريرة عن النبي ﷺ مثل حديث على (١) اهـ.
وقد تكلم الخطيب [٢/ ٣٠٦] في ترجمة محمد بن عبد الرحمن بن أبي الزناد على هذا الحديث وساق كلام البخارى فقال:
أخبرنا محمد بن الحسين القطان أخبرنا على بن إبراهيم المستملى ثنا أبو أحمد ابن فارس حدثنا البخارى قال: وروى إبراهيم بن حمزة عن الدراوردى عن محمد بن أبي الزناد عن الأعرج عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ "اتقوا المجزوم"، قال الخطيب: وفي موضعين من هذا الحديث خطأ رواية الدراوردى عن أبي الزناد، والثانى: رواية محمد بن عبد الرحمن عن جده أبي الزناد وقد ذكر أن محمدا لم يروه عن جده وأن الواقدى انفرد بالرواية عن محمد، وقد روى حديث الدراوردى هذا غير البخارى عن إبراهيم بن حمزة على الصواب:
أخبرناه الحسن بن أبي بكر أخبرنا أحمد بن محمد بن عبد اللَّه القطان ثنا
стр. 278
إسماعيل بن إسحاق ثنا إبراهيم بن حمزة ثنا عبد العزيز بن محمد -يعنى الدراوردى- عن محمد بن عبد اللَّه بن عمرو بن عثمان بن عفان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا عدوى ولا هامة ولا صفر واتقوا المجزوم كما يتقى الأسد".
قال: وأخبرنا على وعبد الملك ابنا بشران قالا:
حدثنا عبد اللَّه بن محمد بن إسحاق الفاكهى بمكة ثنا أبو يحيى بن أبي ميسرة حدثنا يحيى بن محمد الحارثى ثنا عبد العزيز بن محمد عن محمد بن عبد اللَّه ابن عمرو مثله سواء.
وأخبرنا القاضى أبو العلاء الواسطى حدثنا عبد اللَّه بن محمد بن عثمان المزنى بواسط أخبرنا أبو يعلى الموصلى ثنا عبد الرحمن بن سلام ثنا عبد العزيز ابن محمد عن محمد بن عبد اللَّه بن عمرو بن عثمان بنحوه.
فاتفق على بن المدينى ويحيى بن محمد الحارثى وعبد الرحمن بن سلام الجمحى وإسماعيل بن إسحاق عن إبراهيم بن حمزة على أن الحديث عند الدراوردى عن محمد بن عبد اللَّه بن عمرو بن عثمان وهو المعروف بالديباج عن أبي الزناد وهو الصحيح اهـ.
ومحمد بن عبد اللَّه بن عمرو ذكره الذهبى في الميزان [٣/ ٥٩٣، رقم ٧٧٤٤] وقال: وثقه النسائى وقال مرة: لا بأس به، وقال البخارى: لا يكاد يتابع على حديثه، حدثنا على حدثنا الدراوردى أخبرنى محمد بن عبد اللَّه بن عمرو عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة بالحديث مرفوعا.
قال: ورواه ابن أبي الزناد عن أبيه عن حدثه عن النبي ﷺ قال البخارى: وهذا بانقطاعه أصح.
стр. 279
قلت: وهذا كله بالنسبة لهذا الإسناد، وإلا فقد صححه البخارى موصولا من جهة أخرى فقال في صحيحه [٧/ ١٦٤، رقم ٥٧٠٧]:
ثنا عفان ثنا سليم بن حيان ثنا سعيد بن ميناء قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر وفر من المجزوم فرارك من الأسد" قال الحافظ: لم أقف عليه من حديث أبي هريرة إلا من هذا الوجه ومن وجه آخر عند أبي نعيم في الطب لكنه معلول، وأخرج ابن خزيمة في كتاب التوكل له شاهدا من حديث عائشة ولفظه: "لا عدوى وإذا رأيت المجزوم ففر منه".
قلت: لم يستحضر الحافظ ما سبق عند البخارى والخطيب.
وله طريق آخر عن أبي هريرة أيضا وهو معلول بوجود المبهم فيه فلعله هو الذي يعنيه الحافظ لكنه أبعد في عزوه إلى طب أبي نعيم وهو في مسند أحمد [٢/ ٤٤٣]:
حدثنا وكيع ثنا النهاس عن شيخ بمكة عن أبي هريرة قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "فر من المجزوم فرارك من الأسد".
فسكوت الشارح على الحديث وضربه صفحا عن جميع هذا ليس بجيد كما يقول هو في مثل هذا عن المصنف.
٩٧/ ١٤٣ - "اتَّقوا النَّارَ ولو بِشقِّ تمرةٍ".
(ق. ن) عن عدى بن حاتم، (حم) عن عائشة، البزار (طس) والضياء عن أنس، البزار عن النعمان بن بشير وعن أبي هريرة، (طب) عن ابن عباس وعن أبي أمامة
قال الشارح: وهو متواتر.
قلت: أورده المصنف في الأزهار المتناثرة في الأحاديث المتواترة وقال:
стр. 280
أخرجه الشيخان عن عدى بن حاتم (١)، وأحمد [٦/ ١٣٧] عن ابن مسعود وعائشة، والبزار (٢) عن أبي بكر الصديق وأنس والنعمان بن بشير وأبي هريرة، والطبرانى [١٢/ ١٦٣، رقم ١٢٧٧١] عن ابن عباس وأبي أمامة (٣) وعبد اللَّه بن مخمر وفضالة بن عبيد وابن عساكر عن ابن عمر، وابن جرير في تفسيره من مرسل عروة بن الزبير وقتادة: وسعيد بن منصور في سننه من مرسل الحسن اهـ.
قلت: وورد أيضا من حديث جرير بن عبد اللَّه وعلى بن أبي طالب وعبد اللَّه ابن معقل، وقد أوردت كثيرا من أسانيده وطرقه في المستخرج على مسند الشهاب ونستقصيها بحول اللَّه في "الإلمام بالمتواتر من حديثه ﵊".
٩٨/ ١٤٦ - "اتَّقُوا بيتًا يُقالُ له الحمَّامُ فَمَن دَخله فَليَسْتَتِرْ". (طب. ك. هب) عن ابن عباس
قال الشارح في الكبير: قال (ك): صحيح على شرط مسلم، وأقره الذهبى في التلخيص مع أن فيه عبد العزيز بن يحيى أبو الأصبغ أورده الذهبى في الضعفاء وقال: قال البخارى: لا يتابع على حديثه، وقال أبو حاتم: صدوق، ورواه عنه البزار، وقال عبد الحق: هو أصح حديث في هذا الباب، وأما ما أخرجه أبو داود والترمذى فلا يصح منه شيء، وقال في المطامح: ليس في شأن الحمام ما يعول عليه إلا قول المصطفى ﷺ في صفة
стр. 281
عيسى: "كأنما خرج من ديماس" وقد ألف فيه بعضهم مؤلفا حافلا جمع فأوعى.
قلت: في هذا أمور، أحدها ما نقله عن الذهبى عن البخارى من قوله في عبد العزيز بن يحيى: لا يتابع على حديثه ليس بصحيح، بل هو تحريف نشأ عن عدم إتقانه لمسائل الفن ومعرفته بدقائقه، فالذهبى قال [٢/ ٦٣٨، رقم ٥١٣٧]: روى عنه أبو داود وأبو زرعة والفريابى قال أبو حاتم: صدوق وقال البخارى في الضعفاء:
قال لى عبد العزيز بن يحيى: ثنا عيسى بن بدر بن خليل الأسدى عن سلمة ابن عطية الفقيمى عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر: سمعت النبي ﷺ يقول: "من جلال اللَّه على العباد إكرام ذى الشيبة المسلم ورعاية القرآن لمن استرعاه اللَّه إياه وطاعة الإمام القاسط" ثم قال البخارى: لا يتابع عليه، قال الذهبى: قلت: في إسناده سلمة ضعيف اهـ.
فالبخارى قال: لا يتابع عليه يعنى الحديث المذكور، ولم يقل على حديثه مطلقا، لأن عدم متابعة على سائر حديثه تدل على أنه ساقط هالك بمرة، بخلاف عدم متابعته على الحديث الواحد، فظن الشارح أنه لا فرق بينهما فجاء بطامة لا تطاق، لا سيما وقد تعقب الذهبى البخارى بقوله: سلمة ضعيف كأنه يقول: إن العلة منه لا من عبد العزيز بن يحيى، فأعرض الشارح عن ذكر ذلك أيضا، وعن نقل الذهبى عن ابن عدى أنه قال: لا بأس برواياته، ثم إن الرجل وثقه أيضا أبو داود وذكره ابن حبان في الثقات [٨/ ٣٩٧] وقال ابن الحذاء: لا بأس برواياته، فالرجل ثقة على شرط الصحيح.
ثانيها: أن عبد العزيز المذكور لم ينفرد به بل توبع عليه وورد الحديث من غير طريقه، قال الحكيم الترمذى في نوادر الأصول [١/ ٦٤٣] في الأصل الحادى
стр. 282
والثلاثين ومائة (١):
حدثنا محمد بن موسى الحرشى ثنا يحيى بن عثمان التيمى قال: حدثنا عبد اللَّه بن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "اتقوا بيتا يقال له الحمام قيل: يا رسول اللَّه إنه يذهب الوسخ ويذكر النار، فقال: إن كنتم لا بد فاعلين فادخلوه مستترين" وهذا السند ضعيف من أجل يحيى بن عثمان التيمى، على أن ابن حبان قد ذكره في الثقات ولكنه يفيد عدم انفراد عبد العزيز بن يحيى به الذي رواه عن محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن ابن طاوس وعن أيوب السختيانى عن طاوس به، لكن فيه عند الحاكم [٤/ ٢٢٨] "قالوا: يا رسول اللَّه إنه يذهب الدرن وينفع المريض قال: فمن دخله فليستتر" ورواه البزار في مسنده بلفظ "احذروا بيتا يقال له الحمام قالوا: يا رسول اللَّه إنه ينفى الوسخ، قال: فاستتروا".
قال الحافظ المنذرى [١/ ١٤٤، رقم ٦]: ورواته كلهم محتج بهم في الصحيح، وكأنه عنده من غير طريق عبد العزيز بن يحيى لأنه من رجال أبي داود والنسائى لا من رجال الصحيح، وكذا قال النور الهيثمى في الزوائد [١/ ٢٧٨]: رجال البزار رجال الصحيح، فهو ممن يعين جزما أنه عنده من غير طريقه فهو طريق ثالث صحيح، أما قول البزار: إن الناس رووه عن طاوس مرسلا فلا يضر لأن الثقة إذا وصل فقوله مقبول لا يضره إرسال من أرسل.
ثالثها: ما نقله عن عبد الحق، وصاحب المطامح من إطلاق الضعف على جميع أحاديث الحمام ليس بصحيح، فقد صحح منها ابن حبان والحاكم نحو ثلاثة أحاديث وأقرهما جمع من الحفاظ، ونقل ذلك الشارح فيما يأتى عند ذكر تلك الأحاديث في حرف الحاء وحرف الميم.
стр. 283
رابعها: قال الشارح في خطبة كتابه النزهة الزهية في أحكام الحمام الشرعية والطبية ما نصه: لما رأيت احتياج الخاص والعام وكل مدنى بالطبع إلى دخول الحمام ولم أطلع في أحكامه على تاليف يشفى الأوام، ولا على ما يبرد الخاطر عند تصادم الأفهام لقلة كلام أئمتنا الشافعية في هذا المقام كما قال النووى شيخ مشايخ الإسلام، جمعت هذه التحفة السنية وسميتها النزهة الزهية.،. إلخ، فلعله وقف على هذا المؤلف بعد ذلك أو قصد بالبعض نفسه.
٩٩/ ١٤٧ - "اتَّقُوا زَلَّةَ العالمِ وانْتَظروا فَيْئَتهُ".
الحلوانى (عد. هق) عن كثير بن عبد اللَّه ابن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده
قلت: كثير بن عبد اللَّه قال الشافعى وأبو داود: ركن من أركان الكذب، وقال الدارقطنى وغيره: متروك، وقال ابن حبان: له عن أبيه عن جده نسخة موضوعة.
والحديث رواه البيهقى [١٠/ ٢١١] بمعناه موقوفا على معاذ، فروى من طريق الزهرى: حدثنى أبو إدريس عائذ اللَّه بن عبد اللَّه الخولانى أنه أخبره يزيد بن عميرة صاحب معاذ أن معاذا رضى اللَّه عنه قال: وراءكم فتن يكثر فيها المال ويفتح فيها القرآن حتى يأخذه المؤمن والمنافق والحر والعبد والرجل والمرأة والكبير والصغير فيوشك قائل أن يقول: فما للناس لا يتبعونى، وقد قرأت القرآن، واللَّه ما هم بمتبعى حتى أبتاع لهم غيره، فإياكم وما ابتدع فإن ما أبتدع ضلالة، واحذروا زيغة الحكيم فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلال على فم الحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحق قال: قلت له: وما يدرينى يرحمك اللَّه أن الحكيم يقول كلمة الضلالة وأن المنافق يقول كلمة الحق؟ قال: اجتنب من كلام الحكيم المشتبهات التي تقول: ما هذه؟ ولا ينئينك ذلك منه،
стр. 284
فإنه لعله أن يراجع ويلقى الحق إذا سمعه فإن على الحق نورا، قال البيهقى: فأخبر معاذ أن زيغة الحكيم لا توجب الإعراض عنه ولكن يترك من قوله ما ليس عليه نور فإن على الحق نورا يعنى واللَّه أعلم دلالة من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس على بعض هذا، ثم أسند حديث الترجمة فقال:
أخبرنا أبو الحسن على بن أحمد بن عبدان أنبانا أحمد بن عبيد الصفار ثنا تمتام ثنا محمد بن إسحاق المسيى ثنا عبد اللَّه بن نافع عن كثير بن عبد اللَّه به، ثم قال: وكذلك رواه معن بن عيسى عن كثير اهـ.
ورواه أيضا الديلمى في مسند الفردوس [١/ ١٣٢، رقم ٣٠٧] من طريق الحلوانى الذي عزاه إليه المصنف عن محمد بن خالد ومن طريق ابن السنى: ثنا عبدان ثنا دحيم عن عبد اللَّه بن نافع كلاهما عن كثير به.
١٠٠/ ١٤٨ - "اتَّقُوا دعوةَ المظلومِ فإنَّها تُحْمَلُ على الغَمَامِ، يقولُ اللَّه: وعزتى وجلالى لأَنصُرَنَّكَ ولو بعد حينٍ".
(طب) والضياء عن خزيمة بن ثابت
قال الشارح في الكبير: قال الهيثمى: فيه من لم أعرفه، وأقول: فيه سعد ابن عبد الحميد أورده الذهبى في الضعفاء وقال: فحش خطؤه، قاله ابن حبان، وضعفه غيره أيضا ولم يترك، لكن قال المنذرى: لا بأس بإسناده في المتابعات.
قلت: سعد بن عبد الحميد كتب عنه ابن معين وقال: لا بأس به وكذلك قال صالح جزرة وعلم عليه الذهبى علامة الصحيح، ولكن في سنده من لا تعرف له ترجمة كما قال الهيثمى [١٠/ ١٥٢] فقد أخرجه البخارى في التاريخ الكبير [١/ ١٨٦، رقم ٥٧٣] في ترجمة محمد بن عمارة بن خزيمة بن ثابت فقال: قال سعد بن عبد الحميد حدثنا عبد اللَّه بن محمد بن عمران بن إبراهيم بن
стр. 285
محمد بن طلحة بن عبيد اللَّه سمع خزيمة بن محمد عن أبيه عن جده خزيمة ابن ثابت به.
وقال الدينورى في المجالسة:
حدثنا أحمد بن الهيثم بن خالد ثنا سعد بن عبد الحميد بن جعفر به.
وقال الدولابى في الكنى [٢/ ١٢٣]:
حدثنا محمد بن إسماعيل الصائغ ثنا سعد بن عبد الحميد به.
وقال الطبرانى في مكارم الأخلاق [ص ٣٥٩، رقم ١٢٦]:
حدثنا حفص بن عمر بن الصباح الرقى ثنا سعد بن عبد الحميد به.
١٠١/ ١٥٠ - "اتَّقُوا دعوةَ المظلومِ وإنْ كَان كَافِرًا فإِنَّها لَيْسَ دُونهَا حِجَابٌ". (حم. ع) والضياء عن أنس
قال الشارح في الكبير: واتفق عليه الشيخان بدون "الكافر".
قلت: ليس هذا بصواب فإنه يفيد أن الشيخين اتفقا على حديث أنس بدون ذكر "الكافر" وليس كذلك، بل الذي عندهما حديث ابن عباس (١) في قصة معاذ لما بعثه النبي ﷺ إلى اليمن وفيه هذا اللفظ خطابا لمعاذ، وقد اختصره البخارى في كتاب المظالم [٣/ ٣٥٧، رقم ١٤٩٦] فقال:
حدثنا يحيى بن موسى ثنا وكيع ثنا زكريا بن إسحاق المكى عن يحيى بن عبد اللَّه ابن صيفى عن أبي معبد مولى ابن عباس عن ابن عباس: "أن النبي ﷺ بعث معاذا إلى اليمن فقال: اتق دعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين اللَّه حجاب".