٦٣٤/ ١٢٦٦ - "أَفْضَلُ صَدَقَة اللِّسَان الشَّفَاعَةُ، تفكُّ بِهَا الأسيرَ، وتحقِنُ بِهَا الدَّمَ وتجر بِهَا المَعُرَوف والإحَسَانَ إلى أخِيكَ، وَتَدْفَعُ عَنْهُ الكَرِيهَةَ".
(طب. هب) عن سمرة
قال في الكبير: قال الهيثمي: فيه أبو بكر الهذلي، ضعفه أحمد وغيره، وقال البخاري: ليس بالحافظ، ثم أورد له هذا الخبر، وأقول: فيه -أيضًا- عند البيهقي مروان بن جعفر السمري، أورده الذهبي في الضعفاء، وقال: قال الأزدي: يتكلمون فيه.
قلت: ما زاده الشارح من ذكر مروان بن جعفر السمري باطل لا أصل له ولا موجب لذكره، فالحديث يعرف بأبي بكر الهذلي وهو مروي عنه من طرق فلا مدخل لمروان بن جعفر فيه.
قال الطبراني في مكارم الأخلاق:
حدثنا علي بن عبد العزيز ثنا محمد بن أبي نعيم الواسطي ثنا محمد بن يزيد عن أبي بكر الهذلي عن الحسن عن سمرة به.
وقال القضاعي في مسند الشهاب:
أخبرنا عبد الرحمن بن عمر التجيبي أنا أحمد بن إبراهيم بن جامع ثنا علي بن عبد العزيز به.
وقال الخرائطي في مكارم الأخلاق:
حدثنا أحمد بن سهل العسكري ثنا عبيد اللَّه الرازي ثنا المسيب بن واضح ثنا الحجاج عن أبي بكر الهذلي به بلفظ: "ما من صدقة أفضل من صدقة اللسان. قيل: وكيف ذلك يا رسول اللَّه قال: الشفاعة تحقن بها الدم وتجر بها المنفعة إلى آخر وتدفع بها المكروه عن آخر".
فلم يبق في الحديث إلا أبو بكر الهذلي كما قال الهيثمي.
стр. 842
٦٣٥/ ١٢٦٧ - "أَفْضَلُ الصَّدقَةِ أنْ تُشْبِعَ كَبِدا جَائِعًا". (هب) عن أنس
قال في الكبير: رمز المصنف لحسنه، ولعله لاعتضاده وإلا ففيه هشام بن حسان أورده الذهبي في الضعفاء، وقال: قال شعيب عن شعبة: لم يكن يحفظ.
قلت: هشام بن حسان ثقة من رجال الصحيحين احتج به البخاري ومسلم، فالحديث إذا لم يكن فيه ضعيف فهو صحيح لا حسن فقط.
٦٣٦/ ١٢٦٨ - "أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ إِصْلَاحُ ذَاتِ البَيْنِ". (طب. هب) عن ابن عمر
زاد الشارح: ابن الخطاب، وإسناده ضعيف لضعف ابن أنعم، لكنه اعتضد.
وقال في الكبير: عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب أيضًا، وزاد قال العراقي: فيه عبد الرحمن بن زياد بن أنعم وهو ضعيف، وقال المنذري: فيه ابن أنعم، وحديثه هذا حسن لحديث أبي الدرداء المتقدم.
قلت: في هذا أمور، الأول: أن صحابي الحديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص لا ابن الخطاب كما عزاه الشارح، وهو كذلك في الأصول التي ينقل منها كالترغيب والترهيب [٣/ ٤٨٩]، ومجمع الزوائد [٨/ ٨٠].
الثاني: قوله في الصغير: ضعيف لضعف ابن أنعم. كلام لا فائدة فيه لذكر الراوي لاسم والده دون اسمه.
الثالث: قوله: قال المنذري: وحديثه هذا حسن لحديث أبي الدرداء المتقدم اهـ.
ولم يذكر حديث أبي الدرداء فكانت الفائدة ناقصة بل معدومة.
وحديث الترجمة خرجه أيضًا ابن الأعرابي في معجمه قال:
حدثنا محمد بن إسماعيل الصائغ ثنا عبد اللَّه بن يزيد ثنا الإفريقي هو عبد الرحمن بن زيد بن أنعم الشعباني عن راشد بن عبد اللَّه المعافري عن عبد اللَّه
стр. 843
ابن يزيد عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص به.
ورواه الخرائطي في مكارم الأخلاق ثنا العباس الترقفي ثنا عبد اللَّه بن يزيد أبو عبد الرحمن المقرى به.
أما حديث أبي الدرداء الذي استشهد به الحافظ المنذري لحديث الباب فرواه أبو داود [أدب ٥٠] والترمذي [قيامة ٥٦]، وصححه هو وابن حبان ولفظه: "قال رسول اللَّه ﷺ : ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى. قال: إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة؟.
٦٣٧/ ١٢٦٩ - "أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ حِفْظُ اللِّسَانِ". (فر) عن معاذ
قال في الكبير: وكذا أخرجه القضاعي عن معاذ، ورمز المصنف لضعفه، ووجهه أن فيه الخصيب بن جحدر، قال الذهبي: كذبه شعبة والقطان.
قلت: القضاعي لم يخرج هذا الحديث، وإنما خرج حديث سوة المار قريبًا بلفظ: "أفضل صدقة اللسان: الشفاعة"، إلا أنه رواه [٢/ ٢٤٣] بلفظ: "أفضل الصدقة اللسان. قيل: يا رسول اللَّه ما صدقة اللسان؟ قال: الشفاعة تفك بها الأسير وتحقن بها الدماء وتجر بها المعروف والإحسان إلى أخيك، وتدفع عنه الكريهة".
قال القضاعي:
أخبرنا عبد الرحمن بن عمر التجيبي أنا أحمد بن إبراهيم بن جامع ثنا علي بن عبد العزيز ثنا محمد بن أبي نعيم الواسطي ثنا محمد بن يزيد عن أبي بكر الهذلي عن الحسن عن سمرة به، فهذا حديث، وحديث معاذ المذكور هنا حديث آخر أخرجه الديلمي من طريق صالح بن عبد اللَّه:
ثنا محمد بن الحسن عن خصيب بن جحدر عن السمان عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ بن جبل.
стр. 844
٦٣٨/ ١٢٧٠ - "أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ سِرٌّ إلى فَقِيرٍ، وجُهْدٌ مِنْ مُقِلٍّ". (طب) عن أبي أمامة
قال الشارح: وهو ضعيف لضعف راويه علي بن زيد، لكن له شواهد، منها ما رواه أحمد في حديث طويل عن أبي ذر وفيه أبو عمر الدمشقي متروك.
قلت: كذا قال: علي بن زيد والصواب علي بن يزيد بزيادة الياء في أوله، وهو علي بن يزيد الألهاني الشامى الراوي عن القاسم بن عبد الرحمن صاحب أبي أمامة، وحديث أبي ذر الذي ذكره شاهدا لهذا الحديث هما حديث واحد قال فيه بعض الرواة: عن أبي أمامة، وقال بعضهم: عن أبي ذر، وقال بعضهم: عن أبي أمامة عن أبي ذر، وقال بعضهم: عن أبي أمامة أن أبا ذر سأل النبي ﷺ ، وهو حديث طويل ذكرت متنه واستوعبت طرقه وأسانيده في المستخرج على أحاديث الشهاب، ولعلنا نعود إلى الكلام عليه فيما سيأتي من جمله المفرقة في هذا الكتاب.
٦٣٩/ ١٢٧١ - "أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ المنِيحُ أنْ يَمْنَحَ الدَّرَاهِمَ أو ظَهَر الدَّابةِ". (طب) عن ابن مسعود
قال في الكبير: ورواه -أيضًا- أحمد وأبو يعلى والبزار، قال الهيثمي: ورجال أحمد رجال الصحيح اهـ. وظاهره أن رجال الطبراني ليسوا كذلك، فلو عزاه المصنف إليه لكان أولى.
قلت: أحمد رواه [١/ ٤٦٣] بلفظ لا يدخل هنا فقال:
حدثنا عفان حدثنا شعبة عن إبراهيم الهجري قال: سمعت أبا الأحوص عن عبد اللَّه عن النبي ﷺ قال: "أتدرون أي الصدقة أفضل؟ قالوا: اللَّه ورسوله أعلم، قال: المنيحة أن يمنح أحدكم أخاه الدرهم أو ظهر الدابة أو لبن الشاة أو لبن البقرة" فهذا اللفظ فات المصنف أن يذكره في حرف "الألف" مع "التاء".
стр. 845
ورواه أيضًا أبو نعيم في الحلية [٤/ ٢٣٦] من وجه آخر عن ابن مسعود فقال:
حدثنا محمد بن معمر ثنا عبد اللَّه بن محمد بن ناجية ثنا عمر بن يحيى بن نافع ثنا حفص بن جميع عن سماك بن حرب عن إبراهيم عن علقمة عن عبد اللَّه به بلفظ: "هل تدرون أي الصدقة أفضل؟ قلنا: اللَّه ورسوله أعلم، قال: الصدقة المنيحة: أن يمنح الدرهم أو ظهر الدابة".
٦٤٠/ ١٢٧٢ - "أَفْضَلُ الصَّدَقَاتِ ظلُ فُسْطَاطٍ فِي سَبِيلِ اللَّه ، أو مِنْحةُ خَادِمٍ في سَبِيلِ اللَّه، أو طَرُوقَةُ فَحْلٍ في سبيلِ اللَّهِ".
(حم. ت) عن أبي أمامة (ت) عن عدي بن حاتم
قال في الكبير: صححه الترمذي، وتبعه عبد الحق، واعترضه ابن القطان بأن فيه القاسم بن عبد الرحمن مختلف فيه، قال: فحق الحديث أن يقال فيه: حسن لا صحيح، وأقول: فيه -أيضًا- الوليد بن جميل، قال الذهبي: قال أبو حاتم: روى عن الحسن أحاديث منكرة.
قلت: في هذا أمور، أولها: أنه يفصل ما ذكر هل هو في حديث أبي أمامة أو في حديث عدي بن حاتم؟، بل ذكره ذلك عقب حديث عدي بن حاتم صريح في أن ذلك في سنده وليس كذلك، فالوليد بن جميل إنما هو في حديث أبي أمامة.
قال الترمذي [رقم ١٦٢٧]:
حدثنا محمد بن رافع ثنا زيد بن الحباب ثنا معاوية بن صالح عن كثير بن الحارث ثنا القاسم أبي عبد الرحمن عن عدي بن حاتم الطائي أنه سأل رسول اللَّه ﷺ : "أي الصدقة أفضل؟ قال: خدمة عبد في سبيل اللَّه أو ظل فسطاط أو طروقة فحل في سبيل اللَّه"، قال الترمذي: وقد روى هذا الحديث عن معاوية بن صالح مرسلًا، وخولف زيد في بعض إسناده.
стр. 846
وروى الوليد بن جميل عن القاسم أبي عبد الرحمن عن أبي أمامة عن النبي ﷺ ، حدثنا بذلك زيد بن أيوب ثنا يزيد بن هارون ثنا الوليد بن جميل القاسم أبي عبد الرحمن عن [أبي] أمامة قال: "قال رسول اللَّه ﷺ . . . " فذكره باللفظ المذكور في المتن، ثم قال: هذا حديث حسن صحيح وهو أصح عندي من حديث معاوية ابن صالح.
ثانيها: أن أبا حاتم لم يقل في الوليد بن جميل: روى عن الحسن أحاديث منكرة، بل قال: روى عن القاسم أحاديث منكرة، فإن الوليد بن جميل لم يرو عن الحسن شيئًا وهو شامي فلسطيني لم ير الحسن، بل قال ابن عدي: لم أجد له رواية عن غير القاسم، وإن ذكره غيره، له رواية عن مكحول ويحيى بن أبي كثير.
ثالثها: أن الرجل ثقة، رضيه علي بن المديني، وقال الآجري عن أبي داود: ما به بأس، وذكره ابن حبان في الثقات، وصحح له الترمذي.
رابعها: أن الوليد المذكور غير موجود في سند أحمد بل هو عنده من غير طريقه.
قال أحمد [٥/ ٢٧٠]:
حدثنا الحكم بن موسى ثنا إسماعيل بن عياش عن مطرح بن يزيد الكناني عن عبيد اللَّه بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة به.
٦٤١/ ١٢٧٣ - "أَفْضَلُ الصَّلَواتِ عِنْدَ اللَّه تَعالى صَلَاةُ الصبْحِ يَوْمَ الجُمُعَةِ في جَمَاعَةٍ".
(حل. هب) عن ابن عمر
قال في الكبير: رمز المؤلف لضعفه وذلك لأن فيه الوليد بن عبد الرحمن، أورده الذهبي في الضعفاء، وقال ابن معين: ليس بشيء.
قلت: هذا غلط صريح وتهور قبيح فإن الوليد بن عبد الرحمن المذكور في سند
стр. 847
هذا الحديث ليس هو الذي ذكره الذهبي، وقال فيه ابن معين: ليس بشيء، بل هو الوليد بن عبد الرحمن الجرشي الحمصي الزجاج التابعي الثقة الراوي عن ابن عمر وأبي هريرة وأبي أمامة، والراوي عنه يعلى بن عطاء وإبراهيم بن أبي عبلة وداود بن أبي هند وجماعة، روى له مسلم في الصحيح، ووثقه يحيى بن معين وابن خراش وابن عون وأبو حاتم، وذكره ابن حبان في الثقات ولم يغمزه أحد بشيء أصلا فهذا هو الذي في سند الحديث (١)، أما الذي ذكره الذهبي في الميزان [٤/ ٣٤١/ ٩٣٧٩] فليس بتابعي بل يروي عن معتمر بن سليمان وهو مجهول لا يعرف كما قال أبو حاتم، فأين هذا من ذاك؟!، والشارح إذا رأى في الضعفاء اسما يوافق اسما في سند الحديث ضعف به الحديث غير ناظر إلى الفرق بين الرواة المتفقين في الاسم واسم الأب، ولا محقق ذلك من التاريخ والرواة والشيوخ والطرق المعلومة لتحقيق ذلك فيأتي بمثل هذه الطامات، ثم إن ما حكاه عن المصنف من رمزه لهذا الحديث بعلامة الضعيف لا وجه له فهو غالبًا من وهمه على المصنف أيضًا واللَّه أعلم، فإن النسخة التي بين أيدينا ليس فيها رمز لهذا الحديث لا بضعف ولا غيره، وسند الحديث لا يوافق على ذلك فإن رجاله ثقات رجال الصحيح.
قال أبو نعيم [٧/ ٢٠٧]:
حدثنا عبد اللَّه بن محمد ثنا محمد بن يحيى ثنا عمرو بن علي ثنا خالد بن الحارث ثنا شعبة عن يعلى بن عطاء عن الوليد بن عبد الرحمن أن ابن عمر قال لعمران بن أبان: "ما منعك أن تصلي في جماعة؟ قال: قد صليت الصبح قال: أو ما بلغك أن النبي ﷺ قال. . . " وذكره.
قال أبو نعيم: تفرد به خالد مرفوعًا ورواه غندر موقوفًا فرجال هذا السند كلهم ثقات فعبد اللَّه ابن محمد هو أبو الشيخ ابن حيان الحافظ، ومحمد بن يحيى هو ابن منده، وعمرو بن علي هو الفلاس الحافظ، وخالد بن الحارث هو ابن
стр. 848
عبيد الهجيمي أبو عثمان البصري ثقة من رجال الشيخين، وشعبة هو شعبة ويعلى بن عطاء ثقة من رجال الصحيح، والوليد بن عبد الرحمن ثقة من رجال الصحيح كما قدمته.
فلا وجه لضعف الحديث إلا أن يكون معلولا لما أشار إليه أبو نعيم من أن غندرا خالف خالد بن الحارث فيه فرواه عن شعبة موقوفًا على ابن عمر، وهذه ليست بعلة قادحة على الصحيح، لأن الحكم لمن رفع أو معه زيادة وهو ثقة فقوله مقبول ما لم تقم القرائن على خطئه في رفعه، ثم إن لهذا الحديث شاهدا من المرفوع أيضًا من حديث أبي عبيدة بن الجراح أخرجه الحكيم والطبراني وسيأتي في حرف "اللام" في حديث "ليس من الصلوات"، بل له شواهد كثيرة في فصل تفضيل مطلق صلاة الصبح والعشاء في جماعة وهي في الصحيح، بل الحكم على صلاة بأنها أفضل الصلوات لا مجال للرأي فيه فهو في حكم المرفوع.
٦٤٢/ ١٢٧٤ - "أَفْضَلُ الصَّلاةِ بَعْدَ المكتُوبَة الصَّلاةُ فِي جَوفِ الليلِ، وأفْضَل الصِّيام بَعْدَ شهرِ رَمَضَان شَهْر اللَّهِ المحَرَّمِ".
(م. ٤) عن أبي هريرة، الروياني في مسنده (طب) عن جندب
قال في الكبير: جندب في الصحابة متعدد، فكان ينبغي تمييزه.
قلت: لا، لا ينبغي ذلك لأن جندبا إذا أطلق لا ينصرف إلا إلى جندب البجلي، كما أن جابرا إذا أطلق فهو ابن عبد اللَّه، وأبو سعيد إذا أطلق فهو الخدري، وعبد اللَّه فهو ابن مسعود، وأنس هو ابن مالك، مع أن في الصحابة من هذه الأسماء الكثير ومع ذلك فالمصنف لم يزد على جندب للخلاف في اسم والده، فالرواة من أهل البصرة يقولون: جندب بن عبد اللَّه، والرواة من أهل الكوفة يقولون: جندب بن سفيان، غير شريك وحده وهو جندب بن عبد
стр. 849
اللَّه بن سفيان ينسبه بعضهم إلى أبيه وبعضهم إلى جده واشتهر بكلا الاسمين، ويقال فيه أيضًا: جندب الخير وجندب الفاروق وجندب بن خالد بن سفيان إلا أنهم وهموا قائل هذا الأخير، فمن أجل هذا الاختلاف اقتصر المصنف على الاسم المجرد، ولكن الشارح من الغافلين عن مقاصد المحدثين.
٦٤٣/ ١٢٧٥ - "أَفْضَلُ الصَّلاةِ طُول القنُوتِ".
(حم. م. ت. هـ) عن جابر (طب) عن أبي موسى وعن عمرو بن عبسة وعن عمر بن قتادة الليثي
قلت: وفي الباب أيضًا عن أبي ذر وأبي أمامة في حديثهما الطويل المخرج في مسند أحمد [(٣/ ٣٠٢، ٣٩١، ٤١٢) و (٤/ ٣٨٥)]، وصحيح ابن حبان [٥/ ١٤٤]، وغيرهما كما أشرت إليه قريبا في حديث "أفضل الصدقة سر إلى فقير".
٦٤٤/ ١٢٧٦ - "أَفْضَلُ الصَّلاةِ صَلاةُ المرء في بَيْتِهِ إلا المكتُوبَة". (ن. طب) عن زيد بن ثابت
قال في الكبير: وظاهر صنيع المصنف أن هذا لم يخرج في الصحيحين وإلا لما ساغ له العدول عنه لغيره، وهو ذهول فاحش، فقد خرجاه معا باللفظ المذكور.
قلت: إنما الذهول من الشارح مع زيادة التهور في العزو وعدم التثبت فيه والتنبه لدقائق الألفاظ في اصطلاح المصنف، فاسمع لفظ الحديث في الصحيحين، أما البخاري (١) فلفظه: "عن زيد بن ثابت أن رسول اللَّه ﷺ اتخذ
стр. 850
حجرة من حصير في رمضان فصلى فيها ليالي، فصلى بصلاته ناس من أصحابه فلما علم بهم جعل يقعد فخرج إليهم، فقال: قد عرفت الذي رأيت من صنيعكم، فصلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة"، فأول المرفوع قد عرفت الذي رأيت فكان صنيع المصنف يوجب عليه أن يذكره في حرف "القاف" إلا أنه لم يفعل، ولفظ رواية مسلم (١) عن زيد بن ثابت قال: "احتجر رسول اللَّه ﷺ عليه وسلم حجيرة بخصفة أو حصير فخرج رسول اللَّه ﷺ يصلي فيها قال: فتتبع إليه رجال وجاءوا يصلون بصلاته قال: ثم جاءوا ليلة فحضروا وأبطأ رسول اللَّه ﷺ عنهم فلم يخرج إليهم، فرفعوا أصواتهم وحصبوا الباب فخرج إليهم رسول اللَّه ﷺ معقبًا فقال لهم رسول اللَّه ﷺ : ما زال بكم صنيعكم حتى ظننت أنه سيكتب عليكم، فعليكم بالصلاة في بيوتكم فإن خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة"، فأول المرفوع في هذه الرواية "ما زال بكم" فكان حقه أن يذكر في حرف "الميم" إلا أن المصنف لم يذكره فيه أيضًا لأنه ليس من الخطاب العام وإنما هو خطاب للصحابة في قضية مخصوصة، وهذه الأحاديث لا يذكرها غالبًا في هذا المختصر وإنما يذكرها في الكبير وفي زوائد الجامع الصغير، فأنت ترى لفظه في الصحيحين مع قول الشارح: روياه باللفظ المذكور، فذلك من غفلته عن مراعاة صنيع المصنف واصطلاحه، أما الحديث بالاصطلاح العام فإنه يعزى لمالك وأحمد [٥/ ١٨٧]، والبخاري ومسلم وأبي داود [٢/ ٧٠، رقم ١٤٤٧]، والترمذي والنسائي فإن جميعهم خرجوه، كما خرجه أيضًا غيرهم كالطحاوي في مشكل الآثار (ص ٢٥٠ من الجزء الأول).
٦٤٥/ ١٢٧٨ - "أَفْضَلُ الصوم صَوْمُ أخِي دَاود كَانَ يَصُومُ يَومًا وَيُفطِرُ
стр. 851
يَومًا، ولا يَفر إذا لاقَي".
(ت. ن) عن ابن عمرو بن العاص
قلت: رواه أيضًا أحمد [٢/ ١٦٤، ١٩٠] في مسنده، وأبو عمرو بن نجيد في جزئه وتقدم معزوا لاحمد والشيخين (١) وغيرهما بلفظ "أحب الصيام إلى اللَّه".
وفي الباب عن أبي هريرة وعمر وابن عباس، فحديث أبي هريرة قال أبو نعيم في الحلية [٣/ ٤٢]:
حدثنا أبو بكر بن خلاد ثنا محمد بن غالب بن حرب حدثنا بكار بن محمد حدثني ابن عون عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ "أفضل الصوم صوم أخي داود كان يصوم يومًا ويفطر يومًا"،
وحديث عمر أسنده الذهبي في الميزان في ترجمة إبراهيم بن أبي يحيى من طريق الحافظ السلفي [١/ ٥٧، رقم ١٨٩]:
ثنا أبو حسن العلاف أنبأنا علي بن أحمد الحمامي أنبأنا إبراهيم بن أحمد القرميسيني بالموصل ثنا أبو علي الحسين بن سهل الثعلبي إملاء حدثنا يحيى بن غيلان ثنا إبراهيم بن أبي يحيى عن صفوان بن سليم عن علقمة بن أبي علقمة عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أفضل الصيام صيام داود، ومن صام الدهر كله فقد وهب نفسه للَّه".
وحديث ابن عباس قال أحمد [١/ ٣١٤]:
حدثنا أبو النضر ثنا الفرج بن فضالة عن أبي هرم عن صدقة الدمشقي قال:
стр. 852
جاء رجل إلى ابن عباس سأله عن الصيام فقال: كان رسول اللَّه ﷺ يقول: "إن من أفضل الصيام صيام أخي داود كان يصوم يومًا ويفطر يومًا".
٦٤٦/ ١٢٨٠ - "أَفْضَلُ العِبَادَةِ الفقهُ، وأَفْضَلُ الدِّينِ الورعُ". (طب) عن ابن عمر
قال الشارح في الكبير: وظاهر تخصيصه بالكبير يوهم أنه لا يوجد للطبراني إلا فيه، وليس كذلك؛ بل خرجه في معاجمه الثلاثة، وقد أشار المصنف لضعفه؛ وذلك لأن فيه -كما قال المنذري ثم الهيثمي- محمد بن أبي ليلى ضعفوه لسوء حفظه.
قلت: هذا انتقاد سخيف، ومتى عزى الحديث إلى الطبراني فقد عزى إلى الطبراني سواء في ذلك الكبير والأوسط والصغير (١) [٢/ ١٢٤]، أو واحد منها إذ لا فضل لكتاب على آخر منها، ولا شرط فيه أشد وأعلى من شرط الآخر، وما التزم مخلوق الإحاطة في العزو، فأعجب للشارح رحمة اللَّه ما أسخفه! ولو أراد سخيف أن يسخف مثله لقال: وظاهر صنيع الشارح يوهم أنه لم يخرجه إلا الطبراني وليس كذلك.
فقد خرَّجه أيضًا القضاعي في مسند الشهاب قال [٢/ ٢٤٩]:
أخبرنا أبو عبد اللَّه محمد بن الحسن الناقد أنا أبو عبد اللَّه أحمد بن محمد الخياش ثنا إسحاق بن إبراهيم ثنا محمد بن آدم ثنا معلى عن ليث عن مجاهد عن ابن عمر وابن عباس قالا: قال رسول اللَّه ﷺ : "أفضل العبادة الفقه، وأفضل الدين الورع".
ولكن لا معنى لتلك السخافة فلا نغرق فيها، ونقول بدون تعقب: في الباب أيضًا أبو هريرة وسعد بن أبي وقاص وحذيفة بن اليمان وأنس بن مالك
стр. 853
وآخرون موصولا ومرسلًا يأتي ذكرهم إن شاء اللَّه في حرف "الفاء" في فضل العلم أحب إلي من فضل العبادة.
٦٤٧/ ١٢٨٢ - "أَفْضَلُ العِبَادةِ قِراءةُ القُرآنِ". ابن قانع
زاد الشارح في الكبير: من طريق يونس بن عبيد عن بعض أصحابه عن أسير ابن جابر، السجزي في الإبانة عن أنس.
قال الشارح: ورواه -أيضًا- أبو نعيم في فضائل القرآن عن النعمان بن بشير وأنس معا بلفظ: "أفضل عبادة أمتي قراءة القرآن"، قال الحافظ العراقي: وإسنادهما ضعيف.
قلت: في هذا أمران، أحدهما: قوله: إن ابن قانع رواه من طريق يونس بن عبيد عن بعض أصحابه، وهو وهم منه بل تهور وعدم إتقان وتحقيق للنقل، فإن ذلك السند روى به ابن قانع حديثا آخر كما ذكره الحافظ في الإصابة فأخذه الشارح منه وألصقه بهذا الحديث.
قال الحافظ في الإصابة: أسير بن جابر بن سليم بن حبال بن عمير بن عمرو ابن أنمار بن الهجيم بن عمرو بن تميم التميمي، روى ابن قانع من طريق يونس ابن عبيد عن بعض أصحابه عن أسير بن جابر بن سليم التميمي قال: "أتيت النبي ﷺ وهو محتب ببردة فقلت: يا رسول اللَّه علمني مما علمك اللَّه. فقال: لا تحقرن من المعروف شيئًا"، وهذا غير أسير بن جابر التابعي اهـ.
ثم إن الحافظ قصر في الكلام على هذا الراوي، وعندي أنه غير صحابي وأن هذا الإسناد سقط منه عن أبيه، لأن الحديث المذكور معروف من رواية أبي جرى الهجيمي واسمه جابر بن سليم وهو والد أسير فهو القائل: أتيت رسول اللَّه ﷺ وهو محتب ببردة، لا ابنه أسير.
كذلك أخرجه أحمد [٣/ ٤٨٣، ٥/ ٦٣]، وابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق
стр. 854
والقضاعي في المسند وغيرهم من طريق سلام بن مسكين عن عقيل بن طلحة عن أبي جرى الهجيمي.
ورواه الطيالسي في مسنده من طريق قرة بن موسى عن جابر بن سليم الهجيمي قال [ص ٧٦٧، رقم ١٢٠٨]: "أنتهيت إلى النبي ﷺ وهو محتب في بردة له كأني انظر إلى أهدابها على قدميه فقلت: يا رسول اللَّه أوصني، قال: اتق اللَّه ولا تحقرن من المعروف شيئًا" الحديث.
ورواه أبو داود [٤/ ٥٥، رقم ٤٠٨٤]، والترمذي [رقم ١٨٣٣]، والخرائطي في مكارم الأخلاق من وجه آخر من رواية أبي تميمة الهجيمي واسمه طارق بن مجالد عن جابر بن سليم أبي جرى الهجيمي به مطولا.
فالحديث له لا لولده، ورواية ولده مرسلة، وأيا كان فالسند الذي ذكره الشارح ليس هو سند حديث الباب.
ثانيهما: قوله: ورواه أيضًا أبو نعيم في فضائل القرآن من حديث النعمان بن بشير. . إلخ، فإن هذا التعقب لا فائدة فيه إذ حديث النعمان المذكور ذكره المصنف بذلك اللفظ فيما سيأتي قريبًا بعد اثنين وعشرين حديثا في الأحاديث التي فيها كلمة "أفضل" مضافة إلى غير المعرف بالألف والام.
٦٤٨/ ١٢٨٣ - "أَفْضَلُ العِبَادَةِ انْتظَارُ الفَرج". (هب) والقضاعي عن أنس
قال الشارح: فيه مجاهيل، وهو غير ثابت، وعزاه في الكبير للطبراني، وقال قال الهيثمي: فيه من لم أعرفه، وقال ابن الجوزي: حديث لا يثبت.
قلت: أخطأ الشارح في قوله عن حديث أنس: فيه مجاهيل، لأنه أخذ ذلك من قول الحافظ الهيثمي: فيه من لم أعرفه، وقوله ذلك لا يدل على ما فهمه الشارح لأنه قد يكون من لم يعرفه الحافظ معروفًا لغيره، ثم على فرض أنه غير معروف للغير فاللفظ لا يدل على الجمع بل هو صريح في الواحد إذ لو
стр. 855
كانوا جماعة لقال: فيه من لم أعرفهم كما هو الواقع فإنه يقول ذلك في السند الذي يكون فيه جماعة لم يعرفهم، ثم بعد هذا كله فإن حديث أنس ليس فيه مجاهيل أصلًا لا واحد ولا جماعة وإنما فيه من هو ضعيف.
قال القضاعي:
أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن مرزوق أنا أبو عبد اللَّه محمود بن يعلى القزويني ثنا أبو صالح محمد بن الحسن بن المهلب بأصبهان ثنا أحمد بن عمرو ابن الضحاك ثنا أبو أيوب الخبائري ثنا بقية عن مالك عن الزهري عن أنس به.
ورواه الخطيب من طريق محمد بن محمد بن سليمان الباغندي أبي بكر الواسطي: ثنا سليمان بن سلمة الخبائري -هو أبو أيوب- به بلفظ: "العبادة انتظار الفرج من اللَّه"، والخبائري ضعيف.
وقد رواه الخطيب [٢/ ١٥٥] أيضًا من طريق أبي الفرج محمد بن جعفر بن الحسن بن سليمان صاحب المصلى عن محمد بن محمد بن سليمان الباغندي به لكنه قال: أنبأنا أبو نعيم عبيد بن هشام الحلبي أنبأنا مالك به بلفظ: "انتظار الفرج عبادة"، ثم قال الخطيب [٢/ ١٥٥]: وهم محمد بن جعفر على الباغندي وعلى من فوقه في هذا الحديث وهما قبيحا، لأنه لا يعرف إلا من رواية سليمان بن سلمة الخبائري عن بقية عن مالك.
قلت: وليس كذلك بل تابعه نعيم بن حماد عن بقية عن مالك إلا أنه قال: عن الزهري مرسلا ولم يذكر أنسا كذلك أخرجه البيهقي في شعب الإيمان.
وفي الباب عن ابن مسعود وسيأتي بلفظ: "سلوا اللَّه من فضله فإنه اللَّه يحب أن يسأل، وأفضل العبادة انتظار الفرج"، وعن جماعة آخرين بلفظ (١): "انتظار الفرج عبادة" منهم جابر وعلي وابن عمر وغيرهم.
стр. 856
٦٤٩/ ١٢٨٤ - "أَفْضَلُ العَمَلِ النَّيةُ الصَّادِقَةُ". الحكيم عن ابن عباس
قال الشارح: بإسناد ضعيف.
قلت: رجال إسناده كلهم موثقون إلا شيخ الحكيم عمر بن أبي عمر، قال الحكيم في الأصل الثالث والثلاثين ومائتين:
حدثنا عمر بن أبي عمر عن نعيم بن حماد عن عبد الوهاب بن همام الحميري قال: سمعت أبي يقول: سمعت وهبا يحدث عن ابن عباس "أن رجلا قال: يا رسول اللَّه ما أفضل العمل؟ قال: النية الصادقة"
٦٥٠/ ١٢٨٥ - "أَفْضَلُ العِيادةِ أجرًا سُرْعَةُ القِيام مِن عنْد المريض" (فر) عن جابر
قال في الكبير: فيه على بن أحمد بن النضر، قال الدارقطني: ضعيف، ومحمد بن يوسف الرقى، قال الذهبي: كذبة الخطيب، وكان حافظا رحالا.
قلت: الشارح رجل جاهل بهذا الشأن فاسمع سند الحديث أولًا، قال الديلمي: أخبرنا محمد بن عيسى الصوفي إذنا أخبرنا أبو سهل أحمد بن محمد بن إسحاق الفالي أخبرنا أبو جعفر محمد بن الحسن بن محمد الساوي بمرو اخبرنا محمد بن عبد اللَّه الأصبهاني ثنا على بن أحمد بن النضر ثنا محمد بن يوسف الرقى ثنا ابن وهب عن الأوزاعي عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن جابر قال: قال رسول اللَّه ﷺ به.
فمحمد بن يوسف الرقي يروي عن ابن وهب كما ترى، ومحمد بن يوسف الرقي الذي قال فيه الذهبي [٤/ ٧٢، رقم ٨٣٤٥]: كذبه الخطيب، قال في ترجمته أيضًا: لقى خيثمة بن سليمان وطبقته ووضع على الطبراني حديثا باطلًا في حشر العلماء بالمحابر اهـ.
فمن يروى عن الطبراني ويضع عليه حديثا وقد مات الطبراني سنة ستين
стр. 857
وثلاثمائة كيف يكون هو الراوي عن ابن وهب المتوفي سنة سبع وتسعين ومائة؟!! إن هذا التهور عجيب.
٦٥١/ ١٢٨٧ - "أَفْضَلُ الفَضَائِلِ أنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعكَ، وَتُعْطِى مَنْ حَرَمَك، وَتَصْفَحَ عَمن ظَلَمكَ".
(حم. طب) عن معاذ بن أنس
قال في الكبير: قال العراقي سنده ضعيف، وبينه تلميذه الهيثمي، وتبعه المنذري فقال: فيه زبان بن فائد ضعيف، وأقول: فيه -أيضًا- ابن لهيعة وحاله معروفة، وسهل بن معاذ أورده الذهبي في الضعفاء، وقال: ضعفه ابن معين.
قلت: فيه أمران، أحدهما: أن استدراكه على الحافظين المنذري والهيثمي بوجود ابن لهيعة وسهل بن معاذ في السند أيضًا باطل.
أما أولًا: فإنه ابن لهيعة إنما هو في سند أحمد لا في سند غيره ولذلك لم يتعرضا لذكره فإنه ابن لهيعة لم ينفرد به، بل رواه عن زبان بن فائد أيضًا رشدين بن سعد.
قال الخرائطي في مكارم الأخلاق [رقم ٤٨]:
حدثنا أحمد بن منصور الرمادي ثنا جعفر بن عيسى ثنا رشدين بن سعد عن زبان بن فائد عن سهل بن معاذ عن أبيه به.
ومن هذا الوجه رواه القضاعي في مسند الشهاب [٢/ ٢٤٨]، فبطل استدراك الشارح بابن لهيعة.
وأما ثانيًا: فإن سهل بن معاذ ثقة وحديثه حسن بل صححه له الحاكم وغيره، وإنما أتاه الضعف من قبل الراوي عنه زبان بن فائد، ولذلك قال ابن حبان: كل ما رواه سهل بن معاذ وكان من رواية زبان عنه فهو ضعيف، فلما أعله الحافظان المنذري والهيثمي بزبان فلم يبق لذكر سهل بن معاذ مزية.
ثانيهما: قوله: وبينه تلميذ الهيثمي وتبعه المنذري، فإن المنذري مات قبل ولادة
стр. 858
جد الحافظ الهيثمي بل قبل ولادة أبي جده فكيف يكون تابعًا لمن سيولد بعد وفاته بنحو المائة عام فسبحان اللَّه العظيم وبحمده هذا وفي الباب عن جماعة منهم عقبة بن عامر وأبو هريرة وأبي بن كعب وأبو أيوب وعبد اللَّه بن أبي الحسين مرسلًا، وقد ذكرتها بأسانيدها في المستخرج على مسند الشهاب.
٦٥٢/ ١٢٨٨ - "أَفْضَلُ القُرآن: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ". (ك. هب) عن أنس
قلت: لفظه عند الحاكم [١/ ٥٦٠] عن أنس قال: "كان النبي ﷺ في مسير فنزل ونزل رجل إلى جانبه قال: فالتفت النبي ﷺ فقال: ألا أخبرك بأفضل القرآن؟ قال: فتلى عليه ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ " قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.
٦٥٣/ ١٢٩٠ - "أَفْضَلُ الكَسْبِ بَيْعٌ مَبْرُور، وَعَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ". (حم. طب) عن أبي بردة بن نيار
قال الشارح: إسناده حسن.
وقال في الكبير: فيه جميع بن عمير، قال الذهبي في الضعفاء: صدوق رموه بالكذب، وفي الكاشف: شيعي واه، وقال البخاري: فيه نظر.
قلت: وإذا كان هذا حاله فكيف يقول في الصغير: سنده حسن، والواقع أن جميع بن عمير لا يحكم لحديثه بالحسن، وإن كان أصل هذا الحديث واردًا من طرق أخرى إلا أنه اقتصر على حسنه من هذا الطريق وهو وهم، وسيأتي ذكر الحديث بلفظ: "أفضل كسب الرجل ولده وكلُّ بيع مبرور".
أخرجه أيضًا الديلمي في مسند الفردوس قال:
أخبرنا محمد بن الحسن الثقفي كتابه أخبرنا أبي حدثنا عبد اللَّه بن محمد بن شنْبَه حدثنا عبد اللَّه بن محمد بن سنان ثنا محمد بن أبان الواسطي ثنا شريك ابن عبد اللَّه عن عبد اللَّه بن عيسى عن جميع بن عمير عن خاله أبي بردة بن نيار به.
стр. 859
وفي الباب عن رافع بن خديج وابن عمر تقدم حديثهما للمصنف بلفظ: "أطيب الكسب" وهو اللفظ المتداول المشهور.
٦٥٤/ ١٢٩١ - "أَفْضَلُ الكَلَامِ سُبْحَان اللَّه، والحَمْدُ للَّه، ولا إلهَ إلا اللَّه، واللَّه أكبَر".
(حم) عن رجل من الصحابة
قال في الكبير: قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، ورواه ابن حبان في صحيحه من حديث سمرة بن جندب بلفظ: "أفضل الكلام أربع: سبحان اللَّه. . . " إلى أخر ما هنا، بل رواه مسلم في الأسماء والصفات، والنسائي في اليوم والليلة عن سمرة أيضًا، بلفظ: "أحب الكلام إلى اللَّه أربع: سبحان اللَّه، والحمد للَّه، ولا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر، لا يضرك بأيهن بدأت" اهـ. وقد مر، ويجئ أن الحديث إذا كان في الصحيحين أو أحدهما فليس لحديثي عزوه لغيره.
قلت: الحديث قد ذكره المصنف فيما مضى في حرف "الألف" مع "الحاء" باللفظ الذي ذكره الشارح وعزاه لأحمد [٤/ ٣٦]، ومسلم فكيف يعيده بلفظ لم يخرجه به مسلم ثم يعزوه إليه، ثم إن صحيح مسلم ليس فيه كتاب "الأسماء والصفات" كما يزعم الشارح.
٦٥٥/ ١٢٩٢ - "أَفْضَلُ المؤمنينَ إسْلامًا مَنْ سَلِمَ المسْلِمُونَ مَنْ لِسَانِهِ وَيَدِهٍ، وَأَفْضَلُ المؤمِنِينَ إيْمَانًا أَحْسَنُهُم خُلُقًا، وأَفْضَلُ المُهَاجرينَ مَنْ هَجَر مَا نَهَى اللَّه عَنْهُ، وأَفْضَلُ الجِهَاد مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي طاعَةِ (١) اللَّه ".
(طب) عن ابن عمرو
قال الشارح: وإسناده حسن، ذكره الهيثمي.
стр. 860
قلت: هو حسن باعتبار هذه الرواية المطولة، أما أصل حديث عبد اللَّه بن محمرو فصحيح مشهور عنه من رواية الشعبي وأبي الخير وأبي رشيد الهجرى وعلى بن رباح وأبي سعد وأبي كثير وهلال الهجري وغيرهم، وهو مخرج في المسند [(٢/ ١٦٠، ١٦٣، ١٨٧، ١٩١) و (٣/ ١٥٤، ٣٧٢)، (٤/ ١١٤)، (٦/ ٢١)]، والصحيحين (١)، وسنن الدارمي [رقم: ٢٧١٦] وأبي داود [٣/ ٤، رقم ٢٤٨١]، والنسائي [٨/ ١٠٤، ١٠٥]، وصحيح ابن حبان [١/ ٣٠٩ رقم ٤٠٠]، والحاكم [٣/ ٦٢٦] ومعجم الطبراني الصغير [١/ ٢٥٣] وغيرها إلا أن لفظ أكثرهم: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهي اللَّه عنه"، وفي بعضها "أن رجلا قال: يا رسول اللَّه أي الإسلام أفضل؟ قال: من سلم المسلمون من لسانه ويده".
٦٥٦/ ١٢٩٣ - "أَفْضَلُ المؤمنِينَ أحْسَنُهم خُلُقًا". (هـ. ك) عن ابن عمر
قال الشارح: بإسناد صحيح.
قلت: هو صحيح باعتبار أصله وبالنظر إلى سند الحاكم، أما سند ابن ماجه فليس بصحيح، بل قال الذهبي في هذا الحديث من أجل سند ابن ماجه: إنه باطل، فإن ابن ماجه رواه في الزهد من سننه في باب "ذكر الموت" من طريق فروة بن قيس عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر قال [٢/ ١٤٢٣، رقم ٤٢٥٩]: "كنت مع رسول اللَّه ﷺ فجاء رجل من الأنصار فسلم على النبي ﷺ . ثم قال: يا رسول اللَّه أي المؤمنين أفضل؟ قال: أحسنهم خلقا، قال: فأي المؤمنين أكيس؟ قال: أكثرهم للموت ذكرًا وأحسنهم لما بعده استعدادا أولئك الأكياس"، وفروة بن قيس (٢) لا يعرف وكذا الرواي عنه نافع بن عبد
стр. 861
اللَّه وفي ترجمته قال الذهبي: إن الخبر باطل، كذا قال مع أنه لم ينفرد به فإن الحاكم رواه من طريق أبي معبد حفص بن غيلان عن عطاء بن أبي رباح به مثله، وقال [٤/ ٥٤٠]: صحيح الإسناد وأقره الذهبي، وأخرجه البيهقي في الزهد من طريق مالك عن عمه أبي سهيل بن مالك عن عطاء بن أبي رباح به. وأخرجه أبو نعيم في الحلية [١/ ٣١٣] في ترجمة يزيد بن عبد الملك من روايته عن عطاء بن أبي رباح به.
أخرجه أيضًا من طريق إسماعيل بن عياش عن العلاء بن عتبة عن عطاء بن أبي رباح به مختصرًا.
وأخرجه ابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق من وجه آخر من رواية مجاهد عن ابن عمر به مختصرًا.
لكنه أخرجه في كتاب ذكر الموت له بتمامه وهذا أيضًا باعتبار الزيادة التي فيه، أما القدر الذي ذكره المصنف فمتواتر عن النبي ﷺ من رواية جماعة يأتي ذكرهم إن شاء اللَّه في حديث "أكمل المؤمنين".
٦٥٧/ ١٢٩٤ - "أَفْضَلُ المؤمِنيِنَ إيمَانًا الذي إذَا سَأَلَ أعْطِى، وإذَا لَمْ يُعطَ اسْتغنى".
(خط) عن ابن عمرو
قال الشارح في الكبير: وكلام المصنف يؤذن بأن هذا الحديث لم يخرجه أحد من الستة وإلا لما أبعد النجعة عازيًا للخطيب، وهو ذهول، فقد خرجه ابن ماجه في الزهد من حديث ابن عمرو هذا بلفظ: "أفضل المؤمنين المقل الذي إذا سأل أعطى، وإذا لم يعط استغنى".
قلت: لم أر هذا الحديث في زهد ابن ماجه كما قال الشارح، ولا في تاريخ الخطيب كما عزاه المصنف.
٦٥٨/ ١٢٩٧ - "أَفْضَلُ النَّاس مؤمِنٌ مُزهدٌ". (فر) عن أبي هريرة
стр. 862
قال في الكبير: فيه علي بن عبد العزيز، فإن كان البغوي فثقة، لكنه يطلب على التحديث، أو الكاتب لم يكن في دينه بذاك.
قلت: فيه أمران، أحدهما: أنه لا معنى لهذا التردد، فإن علي بن عبد العزيز المذكور في هذا الإسناد راويًا عن أبي عبيد.
قال الديلمي:
أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد بن زنجويه ثنا الحسين بن محمد الفلاكي الزنجاني ثنا الحسين بن هارون ثنا علي بن عبد العزيز في كتاب أبي عبيد ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة به.
والراوي عن أبي عبيد القاسم بن سلام هو علي بن عبد العزيز البغوي وهو راوية كتاب "الأموال" له وغيره، وأبو عبيد مات سنة أربع وعشرين ومائتين فكيف يروى عنه علي بن عبد العزيز الكاتب المتوفى سنة إحدى وعشرين وأربعمائة كما هو مذكور في نفس ترجمته من الميزان؟
ثانيهما: أن علي بن عبد العزيز البغوي حافظ كبير ثقة شهير من كبار رجال هذا الشأن لا يذكره في تضعيف الحديث إلا من لم يبرز للوجود في عالم الحديث، وكونه كان يطلب أجرًا على التحديث فذلك أمر لا تعلق له بالرواية، وقد أبدى هو عذره في ذلك مما عوتب عليه فقال: يا قوم أنا بين الأخشبين وإذا ذهب الحجاج نادى أبو قبيس (١) قعيقعان (٢) يقول: من بقى؟ فيقول: المجاورون، فيقول: أطبق، فهذا مثل ضربة للمجاورين المنقطعين بمكة من الغرباء لا سيما أهل العلم المنقطعين للسماع والإسماع مع فقرهم وقلة ذات يدهم فمن أين يعيش إذا كان يظل طول يومه يسمع الرواة والقاصدين وليس له
стр. 863
معونة ولا نصيب في بيت المال، وإذا كان العالم يعاب مع هذه العلة على أخذ الأجرة فكل العلماء إلا قومًا معدودين على رءوس الأصابع كذلك وفي مقدمتهم الشارح وشيوخ عصره ومن قبله وبعده. . . (١) هذا يأخذون الأجرة والمرتبات الشهرية من الأوقاف في مقابلة التدريس، فالشارح كما ورد في الحديث المرفوع "يبصر أحدكم القذى في عين أخيه وينسى الجذع معترضًا في عينه" نقول هذا ونحن وللَّه الحمد ما دخلنا في تدريس بأجرة قط ولا أخذت عن العلم أجرًا، ولكن الحق أحق بالإشهار والإعلان.
٦٥٩/ ١٢٩٨ - "أَفْضَلُ النَّاس رَجُل يُعطي جَهْدَهُ". الطيالسي عن ابن عمر
قلت: سكت عنه الشارح ورمز له المصنف في بعض النسخ بعلامة الضعيف، ولعل ذلك من أجل أبي عتبة شيخ الطيالسي فإني لم أعرفه ويجب الكشف عنه، قال الطيالسي:
حدثنا أبو عتبة عن عبد اللَّه بن دينار عن نافع عن ابن عمر "أن رسول اللَّه ﷺ قال لأصحابه: أي الناس خير؟ قالوا: يا رسول اللَّه رجل يعطي ماله ونفسه، فقال رسول اللَّه ﷺ : نعم الرجل هذا وليس به، ولكن أفضل الناس رجل يعطي جهده".
ومن هذا يعلم ما في إيراد المصنف للحديث في هذا الحرف.
٦٦٠/ ١٢٩٩ - "أَفْضَلُ النَّاس مُؤمِن بَيْن كرِيمَينِ". (طب) عن كعب بن مالك
قال الشارح: ضعيف لضعف معاوية بن يحيى.
قلت: قد ورد من غير طريقه لكن لم يسم صاحبه بل فيه عن رجل من الصحابة، قال الطحاوى في مشكل الآثار [٢/ ٤٢٨]:
стр. 864
حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب ثنا عمي عبد اللَّه بن وهب أخبرني إبراهيم بن سعد الزهري عن الزهري أخبرني عبد الملك بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أبيه أخبرني رجل من أصحاب النبي ﷺ عن رسول اللَّه ﷺ قال: "يوشك أن يغلب على الدنيا لكع بن لكع، وأفضل الناس مؤمن بين كريمين".
ثم رواه موقوفًا فقال:
حدثنا إبراهيم بن أبي داود وهارون بن كامل قالا: حدثنا عبد اللَّه بن صالح حدثني الليث حدثني عقيل عن ابن شهاب أخبرني عبد اللَّه بن أبي بكر أن أبا بكر بن عبد الرحمن أخبره أن بعض أصحاب رسول اللَّه ﷺ قال، ثم ذكر مثله ولم يرفعه، ثم تكلم الطحاوي على معناه فراجعه (ص ٤٢٨ من الجزء الثاني).
٦٦١/ ١٣٠٠ - "أَفْضَلُ أمَّتي الَّذِين يَعْمَلُونَ بالرخصِ" ابن لال عن عمر
قال الشارح: ضعيف لضعف عبد الملك بن عبد ربه.
قلت: عبد الملك المذكور متهم بالوضع وقد حكم الحفاظ بوضع أحاديثه فينبغي أن يكون الحديث موضوعًا، وقد أورده الحافظ في ترجمة عبد الملك بن زيد الطائي من اللسان فقال: وأخرج أبو بكر ابن لال في مكارم الأخلاق من طريق عبد الملك بن عبد ربه الطائي عن عصاء بن يزيد عن أبي سعيد ﵁ رفعه "أفضل أمتي الذين يتبعون الرخص" اهـ. كذا قال الحافظ عن أبي سعيد وهو سبق قلم منه، بل هو عن عمر كما ذكره المصنف في المتن.
قال ابن لال:
حدثنا حامد بن عبد اللَّه الحلواني ثنا أحمد بن القاسم الطائي حدثنا عبد الملك بن عبد ربه ثنا عطاء عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه
стр. 865
قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أفضل أمتي الذين يعملون بالرخص".
تنبيه: قال الشارح في معنى الخبر: إن الرخص جمع رخصة وهي التسهيل في الأمور كالقصر والجمع والفطر في السفر وغير ذلك من رخص المذاهب لكن بشرط أن لا يتبعها بحيث تنحل ربقة التكليف من عنقه وإلا أثم اهـ.
فما ترك من الجهل باللَّه شيئًا قوله: وغير ذلك من رخص المذاهب، فكأن المذاهب هي المشرعة وهي أصل الدين الذي نزل به القرآن وجاء به الرسول ﷺ فإنا للَّه وإنا إليه راجعون من داء التقليد وجهل المقلدين وجرأتهم على اللَّه تعالى وعلى دينه.
٦٦٢/ ١٣٠٣ - "أفْضَل طَعام الدُّنيَا والآخِرةِ اللحم".
(عق. حل) عن ربيعة بن كعب
قال الشارح في الكبير: قال السخاوي أخرجه أبو نعيم من طريق عمرو بن بكر السكسكي وهو ضعيف جدًا، قال العقيلي: ولا يعرف هذا الحديث إلا به وهو غير محفوظ، ولا يصح فيه شيء، وقال ابن حبان: عمرو يروي عن الثقات الطامات، وأدخله ابن الجوزي: في الموضوع وتعقبه المؤلف بما حاصله أن له شواهدا وقد مر، ويأتي أن الشاهد إنما يفيد في الضعيف لا في الموضوع. قلت: الحافظ السخاوي (١) أطال في الكلام على الحديث بما يفيد مجموعه أن للحديث أصلًا، والشارح اقتصر من كلامه على ما ذكره في هذا الطريق خاصة فأفاد موافقة ما يريده الشارح من الحكم على الحديث بالوضع، وسيأتي بيان الحق فيه إن شاء اللَّه في حرف السين في حديث "سيد طعام الدنيا".
ثم إن قوله في الشاهد: إنما يفيد في الضعيف لا في الموضوع كلام فاسد معنى وتعبيرًا:
أما الأول: فإن الشاهد يفيد في الموضوع أيضًا ويدل على أن الكذاب الراوي
стр. 866
للخبر لم يحصل منه كذب فيه لوجود الشاهد له بذلك إذ لو وضعه لما وجد له شاهد ما لم يكن راو الشاهد كذابًا وضاعًا مثله، لأن الكذابين يسرقون الأحاديث ويغيرون أسانيدها ومتونها، فإذا كان الشاهد من رواية الثقة أو الضعيف فإنه يرفع الموضوع إلى الدرجة اللائقة بحال الشاهد، وكم من موضوع حكم بعض الحفاظ بوضعه وشاهده بلفظه أو معناه في الصحيحين أو أحدهما فكيف لا يفيد الشاهد في الموضوع؟!
وأما التعبير: فحقه أن يقول: إن الشاهد إنما يفيد في رواية الضعيف لسوء حفظه ووهمه لا لكذبه واتهامه بالوضع، فإن من كان وضاعًا لا يرتفع حديثه إلى درجة أخرى بوجود الشاهد له وإنما يرتفع حديث السيء الحفظ لزوال ما يخشى من سوء حفظه بذلك الشاهد ومنه يتركب الحديث الحسن لغيره كما هو معروف، وهذا باعتبار السند بخصوصه فيقال في الحديث: هو موضوع بهذا الإسناد والمتن صحيح من جهة أخرى، فوقع في تعبيره اختصار مخل.
٦٦٣/ ١٣٠٤ - "أَفْضَلُ عَبادَةِ أمَّتي القُرآنِ". (هب) عن النعمان بن بشير
قال في الكبير: ورواه عنه -أيضًا- الحاكم في التاريخ، ومن طريقه وعنه أورده البيهقي، فلو عزاه له فكان أولى، ثم إن المصنف رمز لضعفه، وهو فيه تابع للحافظ العراقي، حيث قال: سندهما ضعيف اهـ، وسببه أن فيه العباس ابن الفضل الموصلي، أورده الذهبي في الضعفاء، وقال: قال ابن معين: ليس بشيء، ومسكين بن بكير، قال الذهبي، قال الحاكم: له مناكير كثيرة، وعباد بن كثير، فإن كان الثقفي، قال الذهبي: قال البخاري: تركوه، أو الرملي، فقال: ضعفوه، ومنهم من تركه.
قلت: في هذا أمور، الأول: قوله: إن الحاكم رواه في التاريخ فلو عزاه إليه لكان أولى باطل من وجهين:
стр. 867
أحدهما: أن ذلك ليس بشرط لو تحقق وجود. في التاريخ فضلًا عن كون ذلك غير محقق.
ثانيهما: أن الأولوية منتفية بل ما فعله المصنف هو الأولى، لأن الحاكم يخرج في التاريخ أحاديث موضوعة بل أكثر أحاديث التاريخ موضوعة ساقطة، والبيهقي ينتقي منها ما هو المتماسك والأقوى منها لأنه شرط أن لا يخرج في حديثه كتاب (١) يعلم أنه موضوع فالعزو إليه أولى لهذه الفائدة.
الثاني: قوله: وهو فيه تابع للحافظ العراقي، جزم باطل ورجم بالظن بل يكفي تهجم قبيح وتهور مسقط، ويكفي في إبطاله كون العراقي عزاه لأبي نعيم في فضائل القرآن والمصنف عزاه للبيهقي، فلو قلده في الحكم بضعفه لقلده في عزوه إلى أبي نعيم فإنه أقدم من البيهقي، وإذ أبي الشارح إلا أن يسلب عن المصنف استقلاله بالحكم على الأحاديث فليسلبه أيضًا اطلاعه على وجوده في الشعب للبيهقي الذي لم يعزه إليه العراقي وليجزم بمن قلد فيه أيضًا المصنف.
الثالث: أن العراقي قال: رواه أبو نعيم في فضائل القرآن من حديث النعمان ابن بشير وأنس وإسنادهما ضعيف، فأسقط المصنف (٢) ذكر حديث أنس واقتصر على قوله: وإسنادهما ضعيف، فذكر التثنية مع أنه لم يذكر إلا حديث النعمان فإن في ذلك من الإيهام وسوء التصرف ما لا يخفى.
الرابع: قوله: وسببه أن فيه العباس بن الفضل الموصلي. . . إلخ فيه نظر من وجهين، أحدهما: أني أخشى أن يكون العباس بن الفضل المذكور ليس هو الموصلي إذ في الرواة من اسمه العباس بن الفضل جماعة كثيرة، والشارح لا يميز بين المتفق والمفترق كما سبق بيان ذلك في كثير من المواضع التي وهم فيها، إذ من عادته إذا رأى راويًا في سند الحديث ووجد ذلك الاسم في الضعفاء
стр. 868
يحكم بأنه الموجود في السند ولو كان بينهما في التاريخ أزيد من ثلاثة قرون أو أربعة.
ثانيهما: أن العباس المذكور إذا تحقق أنه هو وأنه موجود في سند الحديث فذلك إنما هو عند البيهقي لا عند غيره، فقد رواه الديلمي من طريق أبي عبد الرحمن السلمي [١/ ٤٣٢، رقم ١٤٢٠]:
أخبرنا محمد بن علي بن إسماعيل الشاشي ثنا إبراهيم بن عبد العزيز الموصلي أخبرنا إسحاق بن عبد الواحد عن المعافى بن عمران عن عباد بن كثير عن محمد بن جحادة عن سلمة بن كهيل عن حجية بن عدي عن النعمان بن بشير به.
ورواه أيضًا القضاعي في مسند الشهاب من طريق الدارقطني:
ثنا أبو الطيب محمد بن القاسم الكوكبي وأبو الحسن علي بن أحمد بن البزاز قال: حدثنا علي بن حرب حدثني إسحاق بن عبد الواحد به.
فبرئ العباس بن الفضل من عهدته.
الخامس: وكذلك مسكين بن بكير لا وجود له في سند الحديث كما تقدم.
السادس: أنه قال في الصغير: في إسناد هذا الحديث حسن لغيره ولم يبين وجه ذلك مع أنه قال في الكبير ما ترى مما يدل على أنه ضعيف جدًا فليحرر ذلك.
٦٦٤/ ١٣٠٦ - "أَفْضَلُ كَسبِ الرَّجلِ وَلدهُ، وَكلُّ بَيعٍ مَبرُورٍ". (طب) عن أبي بردة بن نيار
قال الشارح: في إسناده مقال.
وقال في الكبير: هو من رواية جميع بن عمير، قال الذهبي في الضعفاء: رموه بالكذب.
стр. 869
قلت: تقدم الحديث قريبًا بلفظ: "أفضل الكسب" من هذا الطريق أيضًا فكتب عليه الشارح: إسناده حسن، وهو منه تناقض كما نبهنا عليه.
٦٦٥/ ١٣٠٧ - "أَفْضَلُ نِساء أهَل الجنَّة: خَدِيجةُ بنْتُ خُويلِد، وَفَاطِمَةُ بنت مُحمَّد، وَمريم بنت عِمَران، وآسية بنْت مُزَاحِم".
(حم. طب. ك) عن ابن عباس
قال في الكبير: وقضية تصرف المؤلف أن هذا الحديث مما لم يخرج في أحد دواوين الإسلام وإلا لما عدل عن عزوه لغيره، والأمر بخلافه: فقد خرجه النسائي، قال: ابن حجر في الفتح: بإسناد صحيح.
قلت: في هذا أمران، أحدهما: أن قوله: في أحد داووين الإسلام تعبير شنيع إذ يفهم أن مسند أحمد ومعجم الطبراني ومستدرك الحاكم ليست من دواوين الإسلام.
ثانيهما: أن التعقب بوجوده في سنن النسائي باطل، فإن العزو إذا أطلق إلى النسائي إنما ينصرف إلى "المجتبى" الذي هو أحد الكتب الستة، وهذا الحديث ليس هو فيه وإنما هو في الكبرى، والحافظ واهم في إطلاقه فلم يبق لذكر هذا التعقب موقع وإلا فحقه أن يتعقب عليه بوجود الحديث في كتب أخرى، فقد أخرجه أيضًا الطحاوي في مشكل الآثار قال:
حدثنا إبراهيم بن أبي داود حدثنا علي بن عثمان اللاحقي البصري ثنا داود بن أبي الفرات عن علباء بن أحمد عن عكرمة عن ابن عباس قال: "خط النبي ﷺ أربعة خطوط ثم قال: أتدرون ما هذا؟ قالوا: اللَّه ورسوله أعلم، قال: أفضل"، وذكر مثله.
خرجه في باب ما روى في أفضل بناته ﷺ وذلك (ص ٥٠) من الجزء الاول".
٦٦٦/ ١٣٠٨ - "أفْضَلُكُم الذينَ إذَا رُءُوا ذُكِرَ اللَّه تعالى لرُؤيَتِهِم". الحكيم عن أنس
стр. 870
قال الشارح: وهو ضعيف لكن له شواهد.
قلت: ستأتي في حديث "ألا أخبركبم بخياركم"، وحديث: "أولياء اللَّه الذين إذا رءوا ذكر اللَّه"، وحديث: "خياركم الذين. . . " الحديث.
٦٦٧/ ١٣١٢ - "أَفْلَح منْ رُزِقَ لُبّا". (تخ. طب) عن قرة بن هبيرة
قال الشارح: فيه راو لم يسم، وبقية رجاله ثقات، ونقل ذلك في الكبير عن الحافظ الهيثمي.
قلت: الحديث له طريقان في أحدهما راو لم يسم والآخر فيه إرسال.
فالأول: ذكر البخاري تعليقًا فقال (١): وقال يزيد بن جابر: أخبرني شيخ بالساحل عن رجل من بني قشير يقال له: قرة بن هبيرة أنه أتى النبي ﷺ فقال له: إنه كانت لنا أرباب تعبد من دون اللَّه فبعثك اللَّه فدعوناهن فلم يجبن وسألناهن فلم يعطين وجئناك فهدانا اللَّه، وقال رسول اللَّه ﷺ : "قد أفلح من رزق لبًّا قال: يا رسول اللَّه اكسني ثوبين من ثيابك قد لبستهما فكساه، فلما كان بالموقف في عرفات قال رسول اللَّه ﷺ : أعد عليَّ مقالتك، فأعاد عليه، فقال رسول اللَّه ﷺ : أفلح من رزق لبًا".
ورواه ابن عاصم وابن شاهين من طريق عبد الرحمن بن يزيد بن جابر حدثنا شيخ بالساحل عن رجل من بني قشير يقال له: هبيرة فذكر مثله.
وهكذا رواه الطبراني [١٩/ ٣٤].
والطريق الثاني رواه البغوي:
حدثني إبراهيم بن هانئ ثنا عبد اللَّه بن صالح ويحيى بن بكير قالا: حدثنا الليث بن سعد عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن سعيد بن نشيط أن قرة بن هبيرة العامري قدم على رسول اللَّه ﷺ فذكر القصة نحوه.
стр. 871
ومن هذا الوجه رواه أيضًا ابن أبي داود وابن شاهين وسعيد بن نشيط عنه مرسلًا كما قال ابن أبي حاتم.
٦٦٨/ ١٣١٤ - "أفلَحتَ يا قُديْمُ إنْ مِتَّ وَلَمْ تكُنْ أمِيرًّا، وَلَا كَاتِبًا، وَلَا عريفًا".
(د) عن المقدام بن معدي كرب
قال الشارح في الكبير: فيه صالح بن يحيى، قال البخاري: فيه نظر، وقال الذهبي: قال موسى بن هارون: صالح لا يعرف، لكن قال المنذري عقب تخريجه الحديث: فيه كلام لا يقدح.
قلت: له طريق آخر قال ابن السني في اليوم والليلة [٣٨٧]:
حدثني أبو عروبة ومحمد بن عبد اللَّه بن الفضل الحمصي قالا: حدثنا أبو البنا هشام بن عبد الملك حدثنا محمد بن حرب الأبرش حدثتني أمي عن أمها أنها سمعت المقدام بن معد يكرب يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "أفلحت يا قديم. . . " وذكر مثله.
٦٦٩/ ١٣١٦ - "إِقَامة حَد مِنْ حُدُودِ اللَّه تَعالى خَيْرٌ منْ مَطَر أرْبَعِينَ لَيْلة فِي بِلَادِ اللَّه".
(هـ) عن ابن عمر
قال الشارح في الكبير: فيه سعيد بن سنان الحمصي، ضعفوه، وقال البخاري: منكر الحديث وساق له في الميزان من مناكيره هذا الخبر، وظاهر صنيع المصنف أن ابن ماجه تفرد بإخراجه من بين الستة والأمر بخلافه، فقد رواه النسائى عن جرير مرفوعًا بلفظ: "ثلاثين" ورواه ابن حبان بلفظ "أربعين".
قلت: هذا خطأ من وجهين، أحدهما: أن النسائي لم يخرجه من حديث جرير ولا الحديث وارد من حديث جرير أصلًا، وإنما رواه النسائي من حديث أبي هريرة مرفوعًا وموقوفًا فقال:
стр. 872
أخبرنا سويد بن نصر أنبأنا عبد اللَّه عن عيسى بن يزيد قال: حدثني جرير بن يزيد أنه سمع أبا زرعة بن عمرو بن جرير يحدث أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "حد يعمل به في الأرض خير لأهل الأرض من أن يمطروا ثلاثين صباحًا".
وكذلك رواه ابن حبان [٦/ ٢٩٠، رقم ٤٣٨١، ٤٣٨٢] من حديث أبي هريرة أيضًا وقال: "ثلاثين أو أربعين صباحًا" على الشك.
ورواه النسائي أيضًا موقوفًا على أبي هريرة بلفظ: "أربعين ليلة".
ثانيهما: أن لفظ الحديث عند النسائي في المرفوع حد يعمل به" كما سبق وهو يدخل في حرف "الحاء" لا في "الألف"، وقد ذكره المصنف في "الحاء" كما سيأتي وعزاه للنسائى وابن ماجه [٢/ ٨٤٨، رقم ٢٥٣٨] من حديث أبي هريرة فسقط انتقاد الشارح وثبت تحقيق المصنف وبقى الشارح ملموزا بخطئه في العزو وقلب الأسانيد.
٦٧٠/ ١٣١٨ - "اقْتَدُوا باللَّذَيْنَ مِنْ بَعْدِي: أبِي بَكْر، وَعُمَر" (حم. ت. هـ) عن حذيفة
قال في الكبير: رووه من طريق عبد الملك بن عمير عن ربعي عن حذيفة، قال ابن حجر: اختلف فيه على عبد الملك، وأعله أبو حاتم، وقال البزار كابن حزم: لا يصح؛ لأن عبد الملك لم يسمعه من ربعى، وربعى لم يسمعه من حذيفة، لكن له شاهد اهـ.
قلت: اختصر الشارح كلام الحافظ ولفظه في التلخيص الحبير [٤/ ١٩٠]: واختلف فيه على عبد الملك وأعله ابن أبي حاتم عن أبيه، وقال العقيلي بعد أن أخرجه من حديث مالك عن نافع عن ابن عمر [٤/ ٩٥]: لا أصل له من حديث مالك، وهو يروي عن حذيفة بأسانيد جياد تثبت، وقال البزار وابن حزم: لا يصح لأنه عن عبد الملك عن مولى ربعى وهو مجهول عن ربعى.
стр. 873
ورواه وكيع عن سالم المرادي عن عمرو بن مرة عن ربعى عن رجل من أصحاب حذيفة عن حذيفة، فتبين أن عبد الملك لم يسمعه من ربعى وأن ربعيا لم يسمعه من حذيفة.
قال الحافظ: أما مولى ربعي فاسمه هلال، وقد وثق، وقد صرح ربعى بسماعه من حذيفة في رواية، وأخرج له الحاكم شاهدًا من حديث ابن مسعود وفي إسناده يحيى بن سلمة بن كهيل وهو ضعيف، ورواه الترمذي من طريقه وقال [رقم ٣٦٦٢]: لا نعرفه إلا من حديثه اهـ. كلام الحافظ.
فتبين منه أن الشارح حذف منه محل الفائدة وهو إثبات الحافظ لسماع ربعى من حذيفة وعدم جهالة مولى ربعى بوجود من وثقه وإن كان في ذلك كله نظر، أما أولًا: فإن هلال مولى ربعى إنما ذكره ابن حبان في الثقات على قاعدته المعروفة وهي لا تفيد المطلوب في التوثيق ولا ترفع جهالة عين الراوي فيبقى مجهولًا كما قال ابن حزم.
وأما ثانيًا: فإن من صرح بسماع ربعى من حذيفة لا يقبل قوله مع مخالفة جمهور الثقات الأثبات إياه بذكره عنه بصيغة العنعنة التي بينت الطريق الأخرى أنها منقطعة فرجع الأمر فيه إلى ما قال البزار وابن حزم.
وقد أسند ابن عبد البر في العلم كلام البزار على هذا الحديث من طريق أبي الحسن الصموت قال: سمعت أبا بكر أحمد بن عمرو البزار يقول: حديث العرباض بن سارية في الخلفاء الراشدين حديث ثابت صحيح وهو أصح إسنادًا من حديث حذيفة "اقتدوا باللذين من بعدي"، لأنه مختلف في إسناده ومتكلم فيه من أجل مولى ربعى وهو مجهول عندهم، قال ابن عبد البر: وهو كما قال البزار حديث عرباض حديث ثابت، وحديث حذيفة حديث حسن، وقد روى عن مولى ربعى عبد الملك بن عمير وهو كبير، ولكن البزار وطائفة من أهل الحديث يذهبون إلى أن المحدث إذا لم يرو عنه رجلان فصاعدًا فهو مجهول اهـ.
стр. 874
وأما ابن حزم فقال في الإحكام في مبحث التقليد: وأما الرواية "اقتدوا باللذين من بعدي" فحديث لا يصح لأنه مروي عن مولى لربعى مجهول، وعن المفضل الضبي وليس بحجة، ثم أسنده من الطريقين ثم قال: وقد سمى بعضهم المولى فقال: هلال مولى ربعى وهو مجهول لا يعرف من هو أصلًا اهـ.
قلت: ومع هذا فقد وقع فيه اضطراب فرواه ابن سعد [٢/ ٢/ ٩٨، ٩٩] وأحمد بن منيع [٥/ ٣٨٢، ٣٨٥، ٣٩٩، ٤٠١، ٤٠٢] وثابت بن موسى وإبراهيم بن يسار وحامد بن يحيى وعبيد بن أسباط وجماعة عن سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن عمير عن ربعى بن حراش عن حذيفة، فرواية ابن سعد ذكرها في الطبقات، ورواية أحمد بن منيع ذكرها الترمذي فقال: حدثنا أحمد بن منيع وغير واحد قالوا: حدثنا سفيان به.
ورواية ثابت بن موسى أخرجها البغوي في التفسير عند قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ من طريق خيثمة ابن سليمان الأطرابلسي [١/ ٥٥٦، ٦/ ٢١٦]: ثنا أبو عمرو بن أبي غرزة أخبرنا ثابت بن موسى العابد عن سفيان بن عيينة به.
ورواها أبو أحمد الغطريفي في جزئه كما في الرواية التي بعدها.
ورواية إبراهيم بن يسار رواها الغطريفي قال: حدثنا أبو خليفة ثنا أو عمرو الضرير وإبراهيم بن يسار عن سفيان به.
ورواية حامد بن يحيى رواها الطحاوي في مشكل الآثار قال [٢/ ٨٣، ٨٥]: حدثنا علي بن عبد الرحمن بن محمد بن المغيرة ثنا حامد بن يحيى ثنا ابن عيينة غير مرة فذكره.
ورواية عبيد بن أسباط خرجها العارف الرفاعي في الأربعين من طريق أبي إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي ثنا عبيد بن أسباط عن سفيان به.
стр. 875
قال الترمذي عقب هذه الرواية: وكان سفيان بن عيينة يدلس في هذا الحديث فربما ذكره عن زائدة عن عبد الملك بن عمير وربما لم يذكر فيه عن زائدة.
قلت: وذكره مرة أخرى عن مسعر عن عبد الملك، أما روايته عن زائدة فقد رواها أحمد بن حنبل في المسند عنه، ورواها الترمذي عن الحسن بن الصباح البزار عنه، ورواها الطحاوي في مشكل الآثار عن محمد بن النعمان السقطي عن الحميدي عنه، ورواها أيضًا عن يونس بن عبد الأعلى عن يحيى بن حسان عنه، وروراها ابن عبد البر في العلم من طريق قاسم بن أصبغ ثنا محمد بن إسماعيل ثنا الحميدي ثنا سفيان، إلا أنه وقع فيه عن عبد الملك عن مولى ربعى عن ربعى، ثم قال ابن عبد البر: رواه جماعة عن ابن عيينة عن عبد الملك بن عمير عن ربعى، لم يذكروا مولى ربعى، والصحيح ما ذكرناه من رواية الحميدي عنه.
قلت: لكن الرواة عن الحميدي لم يتفقوا على ذلك، بل من تقدم عند الطحاوي لم يذكروا في روايتهما عن الحميدي عن مولى ربعى، وقد ذكرها الصباغ في روايته عن ابن عيينة كما في الذي بعده، وكذلك نص الحاكم في المستدرك على أن الحميدي قصر به عن ابن عيينة ولم يضم إسناده، فهو اضطراب من الحميدي أيضًا في الإسناد.
أما روايته عن مسعر فقال الحاكم في المستدرك:
حدثني أبو بكر محمد بن عبد اللَّه الفقيه ثنا محمد بن حمدون بن خالد ثنا علي بن عثمان النفيلي ثنا إسحاق بن عيسى الطباع ثنا سفيان بن عيينة عن مسعر عن عبد الملك بن عمير عن ربعى بن حراش عن حذيفة به.
كذا وقع في الأصل، وفي اختصار الذهبي عن عبد الملك عن هلال مولى ربعى عن ربعى، قال الحاكم: وقد أقام هذا الإسناد عن ابن عيينة إسحاق بن عيسى الطباع فثبت بما ذكرناه صحة هذا الحديث.
قلت: لا يثبت ذلك مع جهالة المولى، ووجود الاضطراب في سنده، فإن مسعرًا قد اختلف عليه فيه أيضًا فرواه عنه ابن عيينة من رواية الطباع عنه
стр. 876
هكذا، ورواه عنه جماعة بدون ذكر المولى أيضًا منهم: حفص بن عمر الأيلي وعبد الحميد الحماني ووكيع كلهم قالوا: عن مسعر عن عبد الملك بن عمير عن ربعى عن حذيفة وروايتهم عند الحاكم أيضًا وعلى ما في الأصل الطبوع.
لكن رواه الخطيب في التاريخ [٤/ ٣٣٧، ٧/ ٤٠٣، ١٢/ ٢٠] من طريق وكيع بإثبات ذكر المولى.
ورواه أبو حنيفة عن عبد الملك بن عمير عن ربعى بن حراش بدون ذكر المولى، أخرجه أبو محمد البخاري (١) عن صالح بن أبي رميح عن أبي عبد اللَّه الفضل ابن محمد الواسطي عن عبد القدوس بن عبد القاهر عن أبي أسامة عن أبي حنيفة.
ورواه سفيان الثوري عن عبد الملك بن عمير واختلف عليه فيه أيضًا فقيل فقال أكثر الرواة عنه: عن سفيان عن عيد الملك عن مولى لربعى عن ربعى.
فرواه أحمد بن حنبل [٥/ ٣٨٥] عن وكيع عن سفيان عن عبد الملك بن عمير عن مولى لربعى عن ربعى عن حذيفة قال: "كنا عند النبي ﷺ جلوسًا فقال: إني لا أدري ما قدر بقائي فيكم فاقتدوا باللذين من بعدي وأشار إلى أبي بكر وعمر، وتمسكوا بعهد عمار، وما حدثكم ابن مسعود فصدقوه".
ورواه ابن سعد عن وكيع والضحاك بن مخلد وقبيصة بن عقبة (ح).
ورواه حدثنا علي بن محمد ثنا وكيع (ح).
وحدثنا محمد بن بشار حدثنا مؤمل (ح).
ورواه قاسم بن أصبغ ومن طريقه هرم وابن عبد البر من رواية محمد بن كثير (ح).
ورواه الطحاوي في مشكل الآثار وابن عبد البر في العلم من طريق إبراهيم بن سعد كلهم عن الثوري مثله بذكر المولى، وسماه إبراهيم بن سعد في روايته "هلال"، وخالفهم بعض الرواة عن سفيان الثوري فلم يذكر المولى، أخرج روايته الطحاوي في مشكل الآثار ورواه عن ربعي أيضًا عمرو بن هرم واختلف
стр. 877
عليه فيه أيضًا فقال الترمذي: حدثنا سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي ثنا وكيع عن سالم أبي العلاء المرادي عن عمرو بن هرم عن ربعى بن حراش عن حذيفة به.
وقال الطحاوي في مشكل الآثار:
حدثنا يونس بن عبد الأعلى والربيع بن سليمان جميعًا قالا: ثنا يحيى بن حسان ثنا إسماعيل بن زكريا ثنا سالم أبو العلاء به.
ثم قال الطحاوي: سالم أبو العلاء هذا هو رجل من أهل الكونة يقال له: الأنعمي وهو ثقة مقبول، فقد روى عنه أبو نعيم وقال: هو سالم بن العلاء اهـ.
قلت: هذا رأي الطحاوي فيه وكذلك قال العجلي عنه: إنه ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، لكن روى الدوري عن ابن معين أنه قال: ضعيف الحديث، وقال ابن عدي: حديثه ليس بالكثير، وقال ابن حزم في الأحكام: ضعيف، ورواه ابن سعد في الطبقات، والبخاري في الكنى، وابن حزم في الأحكام من طريقه أيضًا عن عمرو بن هرم فقال: عن ربعى بن حراش وأبي عبد اللَّه رجل من أهل المدائن، وفي رواية ابن حزم: رجل من أصحاب حذيفة، وفي رواية ابن سعد: رجل من أصحاب رسول اللَّه ﷺ عن حذيفة به.
وبالجملة فطرق الحديث فيها مقال إلا أنه بمجموعها والنظر إلى شواهده يكون صحيحًا أو حسنًا على الأقل.
٦٧١/ ١٣١٩ - "اقْتَدُوا باللذين من بَعْدي مِنْ أصْحَابِي: أبِي بَكْر وَعُمر، واهْتَدُوا بِهدي عَمار، وتمسَّكُوا بِعَهْد ابن مَسْعُود".
(ت) عن ابن مسعود، الروياني عن حذيفة (عد) عن أنس
قال الشارح في حديث ابن مسعود: حسنه الترمذي.
قلت: لا، لم يحسنه الترمذي بل رواه من طريق يحيى بن سلمة بن كهيل عن أبيه عن أبي الزعراء عن ابن مسعود، ثم قال [٤/ ٥٦٩] هذا حديث غريب لا
стр. 878
نعرفه إلا من حديث يحيى بن سلمة بن كهيل، ويحيى بن سلمة يضعف في الحديث.
ومن هذا الطريق رواه أيضًا الدينوري في المجالسة، والحاكم في المستدرك وصححه [٣/ ٧٥] وتعقبه الذهبي بأنه واه، لكن يحيى بن سلمة بن كهيل لم ينفرد به بل تابعه أبو حنيفة فروى أبو محمد البخاري عن صالح بن أبي رميح كتابة عن محمد بن عمر الوراق عن خالد بن نزار عن يحيى بن نصر بن حاجب قال: دخلت على أبي حنيفة في بيت مملوء كتبًا فقلت له: ما هذه؟ قال: هذه أحاديث كلها ما حدثت بها إلا اليسير الذي ينتفع به، فقلت له: حدثني ببعضها، فأملى على: حدثنا سلمة بن كهيل فذكر مثله.
لكن صالح بن رميح أو ابن أبي رميح ضعيف لا شيء، وكذلك يحيى بن نصر بن حاجب، وعندي في روايته عن أبي حنيفة نظر إلا أن يكون عمر نحو المائة أو فوقها لأنه مات سنة خمس وعشرين ومائتين بعد وفاة أبي حنيفة بخمس وسبعين سنة.
وفي الباب أيضًا عن امرأة من الصحابة، قال ابن حزم:
حدثنا أحمد بن محمد بن الجسور حدثنا أحمد بن الفضل الدينوري ثنا محمد ابن جرير ثنا عبد الرحمن بن الأسود الطفاوي ثنا محمد بن كثير الملائي ثنا المفضل الضبي عن ضرار بن مرة عن عبد اللَّه بن أبي الهذيل العنزي عن جدته عن النبي ﷺ قال: "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر، واهتدوا بهدي عمار، وتمسكوا بعهد ابن أم عبد"، المفضل الضبي ضعيف في الحديث والقراءة.
٦٧٢/ ١٣٢٠ - "اقْتَربت السَّاعة وَلا تَزْدَادُ منْهُم إلا قُرْبًا". (طب) عن ابن مسعود
قال الشارح في الكبير: قال المنذري: رواته يحتج بهم في الصحيح، وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح. اهـ، وبه يعرف أن رمز المصنف لحسنه قصور، أو تقصير وإنما كان حقه الرمز لصحته.
стр. 879
قلت: إنما القصور من الشارح الذي لا يدري دقائق الفن ولا اصطلاح أهله، فإن قول الحافظ المنذري: رواته محتج بهم في الصحيح، لا يفيد أنه صحيح كما شرحت غير مرة، ولذلك عدل عن قوله: صحيح إلى قوله: رواته محتج بهم في الصحيح، وكذلك قول الحافظ الهيثمي لأن السند قد يكون رجاله رجال الصحيح ولكن فيهم من ليس في الدرجة العليا ممن هو موصوف بالوهم وذلك صفة الحديث الحسن، بل قد يكون الحديث مع ذلك ضعيفًا بل موضوعًا لوجود علة فيه، وهذا الحديث رواه الطبراني من طريق هارون بن معروف [١٠/ ١٣، ١٤، رقم ٩٧٨٧]:
ثنا مخلد بن يزيد عن بشير بن سلمان عن سيار أبي الحكم عن طارق بن شهاب عن ابن مسعود به.
ومخلد بن يزيد وإن كان من رجال الصحيح إلا أنه موصوف بالوهم كما قال أحمد وغيره، وقد اضطرب فيه فمرة قال: عن بشر بن سلمان كما سبق، ومرة قال: عن مسعر.
كذلك أخرجه أبو نعيم في الحلية من طريق عبد الحميد بن المستهام الحراني [٨/ ٣١٥]: ثنا مخلد بن يزيد عن مسعر بن كدام عن سيار به مثله.
وهذا إنما يحكم له بالحسن كما فعل المصنف، وقد اضطرب الشارح فيه كما سيأتي في الذي بعده.
تنبيه: قال الشارح: لفظ رواية الطبراني والحلية: "ولا تزداد منهم إلا بعدا" ولكل منهما وجه صحيح، والمعنى على الأول: كلما مر بهم زمن وهم في غفلتهم ازداد قربها منهم، وعلى الثاني: كلما اقتربت ودنت كلما تناسوا قربها وعملوا عمل من أخذت الساعة في البعد عنه.
هذا ليس بصحيح لأن معنى الحديث ليس كما فهم على كلا اللفظين، لأن الحديث وقع فيه اختصار من بعض الرواة فانقلب معناه، ولفظه: "اقتربت الساعة ولا يزداد الناس على الدنيا إلا فرحا، ولا يزدادون من اللَّه إلا بعدا" كما سيأتي في الحديث الذي بعده (١).
стр. 880
٦٧٣/ ١٣٢١ - "اقْتربت السَّاعةُ ولا يزْدَاد النَّاسُ عَلَى الدُّنيا إلا حِرصًا، وَلا يَزْدَادون مِنَ اللَّه إلا بُعْدًا".
(ك) عن ابن مسعود
قال الشارح في الكبير: قال الحاكم: صحيح، وشنع عليه الذهبي بأنه مكر، وفيه بشير بن زاذان ضعفه الدارقطني، وأتهمه ابن الجوزي، فأنى له الصحة؟.
قلت: هذا في الحقيقة تناقض من الشارح، وإن كان مبنيًا على تحقيق ينبو عنه نظره ويقصر دونه إدراكه، فإن هذا الحديث هو الذي قبله بعينه وسندهما واحد مع أنه حكم للأول بالصحة ولم يرض باقتصار المصنف على تحسينه، وصرح في هذا بأنه منكر تقليدًا للذهبي الذي اغتر بظاهر الإسناد ولم يتفطن لما وقع من القلب في بعض رجاله، فإن الحاكم قال [٤/ ٣٢٤]:
أخبرني محمد بن المؤمل بن الحسين ثنا الفضل بن محمد الشعراني ثنا مخلد ابن يزيد ثنا بشير بن زاذان عن سيار أبي الحكم عن طارق بن شهاب عن عبد اللَّه بن مسعود به.
ثم قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، فقال الذهبي: هذا منكر، وبشير ضعفه الدارقطني واتهمه ابن الجوزي اهـ.
والواقع أن الذي في الإسناد هو بشير بن سلمان وهو ثقة من رجال الصحيح.
كذلك أخرجه الطبراني فقال:
حدثنا علي بن عبد العزيز وعبد اللَّه بن أحمد بن حنبل قالا: حدثنا هارون بن معروف ثنا مخلد بن يزيد عن بشير بن سلمان عن سيار أبي الحكم عن طارق ابن شهاب عن ابن مسعود فذكره مختصرًا باللفظ المذكور في الحديث قبله.
وعنه رواه أبو نعيم في الحلية [٧/ ٢٤٢، ٨/ ٣١٥]، ورواه القضاعي في مسند الشهاب فقال:
أخبرنا عبد الرحمن بن عمر الصفار ثنا أحمد بن إبراهيم بن جامع ثنا علي بن