فصلٌ
يجهر بالقراءة، ويقرأ في الأولى: (الجمعةَ)، والثانية بـ (المنافقين)، وقيل: (سَبِّح) و (الغاشية).
* * *
فصلٌ
إن وقع العيدُ يومَ الجمعة، اجتزئ بالعيد، وصلَّوا ظُهراً، إلا الإمامَ.
* * *
فصلٌ
أقل السنة بعد الجمعة ركعتان، وأكثرها ستُّ ركعات.
* * *
فصلٌ
ويستحب أن يقرأ سورة الكهف يومَ الجمعة، وإكثارُ الذكر، والصلاةُ على النبي ﷺ ، وإكثارُ الدعاء.
стр. 107
فصلٌ
إذا وجد مُصلًّى مفروشاً، هل له رفعُه؟ على وجهين.
وليس له أن يتخطَّى رقابَ الناس.
* * *
فصلٌ
ولا يجوز الكلامُ في الخطبة، وقيل: يجوز، وقيل: يكره، ويجوز قبلَها وبعدَها (١).
• • •
стр. 108
الفصل الخامس عشر
في ذكر الخميس والإثنين
يوم الإثنين هو اليوم الذي وُلد فيه النبي ﷺ ، وبعث فيه، ومات فيه.
وعن أبي هريرة، [قَالَ]: قَالَ رسولُ الله ﷺ : "تُعْرَضُ الأعْمَالَ يَوْمَ الإثنيْنِ، وَالخَمِيسِ، وَأُحِبّ أَنْ تُعْرَضَ أَعْمَالِي [وَأَنَا] صَائِمٌ" (١).
وعن عائشةَ، قَالَت: كان رسولُ الله ﷺ يتحرى صوم الإثنين والخميس (٢).
يا أيها المسكين! إِلَى كم هذا التماد؟ أما تعلم ما جرى لقوم عاد؟ دع عنك النومَ، وإياكَ وغضبَ الربِّ؛ فإنه ذو نفاد، ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤].
تَزَوَّدْ للَّذِي لا بُدَّ مِنْهُ ... فَإِنَّ المَوْتَ مِيقَاتُ العِبَادِ
стр. 109
أَتَرْضَى أَنْ يمُونَ رَفِيقَ قَوْمٍ ... لَهُمْ زَادٌ وَأَنْتَ بِغَيْرِ زَادِ
* * *
فصل
صوم يوم الإثنين والخميس مستحبٌّ، وأفضل الصيام صيام داود، وكان يصوم يوماً، ويفطر يوماً.
стр. 110
ال فصل السَّادس عشر
في ذكر أيام البيض
كان رسولُ الله ﷺ يصوم ثلاثةَ أيامٍ من [كل] شهر.
عن جابرِ بن عبد الله ﵁، عن النبي ﷺ ، قَالَ: "صِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، صِيَامُ الدَّهْرِ" (١).
وأيام البيض: ثالث عشر، ورابع عشر، وخامس عشر.
وعن ملحانَ، قَالَ: كان رسولُ الله ﷺ يأمرنا بصيام أيام البيض (٢).
* * *
فصلٌ
صيام أيام البيض مستحب.
• • •
стр. 111
الفصل السَّابع عشر
في ذكر المعراج
لا خلاف بين المسلمين والعلماء في صحة الإسراء لرسول الله ﷺ ، فمن ذلك: ما جاء مصرّحاً به في القرآن؛ كقوله تعالَى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء: ١].
هذا غاية التصريح من ربِّ العالمين.
وأما الأحاديثُ، فكثيرة؛ منها:
ما روى البخاريُّ، ومسلمٌ، عن أنسِ بن مالكٍ: أن رسول الله ﷺ قَالَ: "أُتِيتُ بِالبُراقِ يعني: ليلة الإسراء، وَهوَ دَابَّةٌ أبيضُ، طَوِيلٌ، فَوْقَ الحِمَارِ، وَدُونَ البَغْلِ، يَضَعُ حَافِرَهُ عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِه"، قَالَ: "فَرَكِبْتُهُ حَتَّى أَتَيْتُ بَيْتَ المَقْدِسِ، فَرَبَطْتُهُ بالحَلْقَةِ التي تَرْبِطُ بها الأَنْبِيَاءُ ﵈، ثُمَّ دَخَلْتُ المَسْجِدَ، فَصَلَّيْتُ فِيهِ ركْعَتَيْنِ.
ثُمَّ خَرَجْتُ، فَجَاءَنِي جِبْريلُ ﵇ بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ، وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ، فَاخْتَرْتُ اللَّبَنَ، فَقَالَ: اخْتَرْتَ الفِطْرَةَ.
تباركَ الله خالقُ الحبِّ والنَّوى، وخالقُ العبدِ وما نوى، المطَّلِعُ على باطنِ الضمير وما حَوى، بمشيئته رشد مَنْ رشد، وغوى مَنْ غوى، وبقدرته وعظمته على عرشه استوى، صرَّف مَنْ شاء إِلَى الهدى، وعطفَ من شاء إِلَى الهوى، قَرَّب موسى نَجيَّاً بعد أن كان مطوياً من شدة الطوى، فمنحه فَلاحاً، وكلَّمه كِفاحاً، وهو بالوادي المقدس طوى، وعَرَجَ بمحمدٍ إليه حَتَّى رآه بعينه، ثم عاد إِلَى فراشه وما انطوى، فحدّثَ بقربه من ربه، وحدَّث بما رأى وروى، وأقسمَ على تصديقه [من حرسه] بتوفيقه على القوى، فقَالَ تعالَى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ١ - ٣].
فسبحان [مَنْ] رفعَ محمداً فوق الهلاك، وقدمه على الأنبياء والأملاك، وإنه والله لأهلٌ لذاك؛ لأنه أطولُ القومِ في جهاد أهل الكفر (١) والإشراك ذيلاً، ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾.
وطَيَّبه بأزكى الخلائق، ثم رفعه على أزكى الخلائق، فوقَ السبعِ الشدادِ الطرائق، فيا فخرَ ذاك المقدّم السابق رجلاً وخيلاً، ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾.
أوقد لهداية الخلق به سراجه وشاد [قـ]ـواعد دينه وأبراجَه، وقوّى شرعَه، وأظهرَ احتجاجَه، فالخزيُ كلُّ الخزيِ لمن جحد معراجَه، ويا له ويلاً، ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١].
كلَّمه كِفاحاً، ومنحه فَلاحاً، وأوجبَ ذكرَه علينا مساء وصباحاً،
стр. 115
وأهال علينا الإنعام ببركته هيلاً، ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾.
أصلح بتدبيره طباع المرضى، وجعلت طاعته على الخلق فَرْضا، ضمن له أن يعطيه حَتَّى يرضى؛ كي لا يحصر ما يعطى وزناً وكيلاً، ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾.
عاش بالدنيا في الزهد والقناعة، ويكفيه فخراً قبولُ الشفاعة، وشغَلَه ذكرُ القيامة وأهوالِ الساعة أن يكون مَلِكاً أو قَيْلاً، ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾.
سبحان من شَرَّفنا بهذا الرسول، ورزقنا موافقةَ المنقول، فنحنُ أهل السنة، لا أهلُ الفضول، ببركته ثبتت أقدامُنا على الصراط فلا تزول، ولا تعرف ميلاً، ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾.
فخرُ نبينا أجلُّ وأعلى, ومناقبهُ من نور الشمس أجلى، وذكره والله في قلوبنا أحلى من ذكر قيس لليلى، ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١].
стр. 116
الفصل الثَّامن عشر
وفيه عشرون فصلاً:
الفصل الأول: في ذكر مخالفة اليهود في أعيادهم.
الفصل الثاني: في الليل والنهار، وحقوقهما (١).
الفصل الثالث: في رحمة الله ولطفِه بعباده.
الفصل الرابع: في ذكر الجنة.
الفصل الخامس: في ذكر الصلاة.
الفصل السادس: في ذكر الزكاة.
стр. 117
الفصل السابع: في ذكر التوبة وترك المعاصي.
الفصل الثامن: في ذكر الصبر.
الفصل التاسع: في ذكر الشكر.
الفص العاشر: في ذكر الخوف.
الفصل الحادي عشر: في ذكر التفكُّر.
الفصل الثاني عشر: في ذكر التوكُّل.
الفصل الثالث عشر: في فعل المعروف، وذَمِّ الغِيبة والنميمة.
الفصل الرابع عشر: في كسر شهوة البطن، وشهوة الفرج.
الفصل الخامس عشر: في ذم الدنيا، والأمل.
الفصل السادس عشر: في ذم البخل، والحسد، والغضب.
الفصل السابع عشر: في مكائد الشيطان، والتحذير من الغرور.
الفصل الثامن عشر: في ذكر الموت، والقيامة.
الفصل التاسع عشر: في ذكر البرد، والحر.
الفصل العشرون: في ذكر فصول مفرقة.
стр. 118
ال فصل الأوّل
في ذكر مخالفة اليهود والنصارى في أعيادهم
كان رسول الله ﷺ يصوم يوم السبت والأحد، ويقول: "أُحِبُّ أَنْ أُخَالِفَهُمْ" (١).
* * *
فصل
صيامُ يوم السبت: يكره إفرادُه بالصوم، ويكره إفرادُ النيروز، والمهرجان، إلا أن يوافق عادةً.
• • •
стр. 119
الفصل الثّاني
في الليل والنهار، وحقوقهما
خَرَّجَ ابن أبي الدنيا، والطبرانيُّ، وغيرُهما من حديث
أبي هريرة ﵁، مرفوعاً: "اطْلُبُوا الخَيْرَ دَهْرَكُمْ، وَتَعَرَّضُوا لِنَفَحَاتِ رَحْمَةِ رتكُمْ؛ فَإِنَّ لله نَفَحَاتٍ مِنْ رَحْمَتِهِ يُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَسَلُوا الله أَنْ يَسْتُرَ عَوْرَاتِكُمْ، وَيُؤَمِّنَ رَوْعَاتِكُمْ" (١).
وفي رواية الطبراني، من حديث محمد بن مسلمةَ، مرفوعاً: "إِنَّ للهِ تَعَالَى نفحات في أيام الدهر، فَتَعَرَّضُوا لَهَا؛ فَلَعَلَّ أَحَدَكُمْ أَنْ تُصِيبَهُ نَفْحَةٌ، وَلا يَشْقَى بَعْدَهَا أَبدَاً" (٢).
وفي "مسندِ الإمامِ أحمد"، عن عقبةَ بن عامرٍ، عن النبيِّ ﷺ : "لَيْسَ مِنْ عَمَلِ يَوْمٍ إِلا وَهُوَ يُخْتَمُ عَلَيْهِ" (٣).
стр. 120
وروي عن ابن أبي الدنيا، بإسناده عن مجاهد، قَالَ: ما مِنْ يَوْمٍ إِلا يَقُولُ: ابنَ آدَمَ! قَدْ دخلتُ عليكَ اليومَ، ولن أرجعَ إليكَ بعدَ اليوم، فانظرْ ماذا تفعل فيَّ؛ فإذا انقضى، طواهُ، ثم يختم عليه، فلا يُفَكُّ عنه، حَتَّى يكونَ الله هو الذي يفضُّ ذلك الختمَ يومَ القيامة، ويقولُ اليومُ الذي ينقضي: الحمدُ للهِ الذي أراحَني من الدُّنيا وأهلِها، ولا ليلةٍ تدخُل على الناس إلا قالتْ مثلَ ذلك (١).
وعن مالكِ بن دينار، قال: كان عيسى ﵇ يقول: إن هذا الليلَ والنهارَ خزانتان، فانظروا ما تصنعون فيهما، يقول: اعملوا لليل لما خُلِق له، واعملوا للنهار لما خُلِق له (٢).
وعن الحسن، قال: ليس يومٌ يأتي من أيام الدنيا إلا يتكلَّم، يقول: أيها الناس! إني يوم جديد، وإني على ما يُعمل فيَّ شهيد، وإني لو قد غربت شمسي، لا أرجع إليكم إِلَى يوم القيامة.
وعنه: أنه كان يقول: يا بن آدم! أنا ضيفُكَ والضيف مرتحِل، إما نشكرُك، أو نذمُّك، وكذلك الليل.
وبإسناده، عن أبي بكر المزني: أنه قَالَ: ما من يوم أخَرجه الله تعالَى إِلَى أهل الدنيا، إلا ينادي: ابن آدم! اغتنمني؛ لعله لا يومَ لكَ بعدي، ولا ليلةٍ إلا تنادي: ابن آدم! اغتنمني؛ لعله لا ليلة لك بعدي.
وعن عمرَ بن ذَرٍّ: أنه كان يقول: اعملوا لأنفسكم في هذا الليل
стр. 121
وسوادِه، فالمغبونُ مَنْ غُبِنَ خيرَ الليل والنهار، والمحروم من حُرم خيرَهما (١).
* * *
فصل
قيام الليل مستحبٌّ، وهل هو أفضلُ من السنن الرواتب؟ فيه خلاف.
قَالَ ابن مسعود: فضلُ صلاة الليل على صلاة النهار، كفضلِ صدقةِ السرِّ على صدقة العلانية (٢).
قَالَ عمرو بن العاص: ركعةٌ بالليل خيرٌ من عُمْرَة بالنهار.
كان السلف يجتهدون على إخفاء تهجُّدِهم.
وقد روي: المتهجِّدون يدخلون الجنةَ بغير حساب.
يا رِجَالَ اللَّيْلِ جِدُّوا ... رُبَّ صَوْتٍ لا يُرَدُّ
ما يَقُومُ اللَّيْلَ إِلا ... مَنْ لَهُ عَزْمٌ وَجِدُّ
لَيْسَ شَيْءٌ كَصَلاةِ ... اللَّيْلِ لِلقَبْرِ تُعَدُّ
стр. 122
صلَّى كثير من السلف صلاةَ الصبح بوضوء العشاء عشرينَ سنة.
ومنهم من فعل ذلك أربعينَ سنة.
قال بعضهم: منذ أربعين سنة ما غمَّني إلا طلوعُ الفجر.
* * *
فصل
أفضلُ القيام قيامُ داودَ؛ كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه.
وخرَّج الإمامُ أحمدُ، عن أبي ذَرٍّ، قال: سألت النبيَّ ﷺ : أيُّ قيام الليل أفضلُ؟ قال: "جَوْفُ اللَّيْلِ الغَابِرِ، أَوْ نِصْفُ اللَّيْلِ، وَقَلِيلٌ فَاعِلهُ" (١).
ويروى عن داود، قَالَ: يا رب! أيَّ وقتٍ أقومُ لك؟ قَالَ: لا تقمْ أولَ الليل ولا آخرَه، ولكن قمْ وسطَه؛ حَتَّى تخلوَ بي، وأخلوَ بك، وارفَعْ إليَّ حوائجَك.
قام بعضُ الصالحين في ليلة باردة، وعليه ثيابٌ رثة، فضربه البردُ، فبكى، فهتف به هاتف: أقمناك، وأنمناهم، ثم تبكي علينا؟!.
قيل لنبينا ﷺ : إنَّ فلاناً نامَ حَتَّى أصبَح، فقَالَ: "بَالَ الشَّيْطَانُ في أُذُنِهِ" (٢).
стр. 123
كان بعضُ السلف يقوم الليل، فقام ليلةً، فأتاه آتٍ في منامه، فقَالَ له: قمْ فصلِّ، ثم قَالَ له: أما علمتَ أن مفاتيحَ الجنة مع أصحابِ الليل، هم خزَّانها (١).
نام أبو سليمانَ ليلة، فأيقظته حوراءُ، فقَالَت: يا أبا سليمان! أنا أُرَبَّى لك في الخدور منذ خمس مئة عام.
واشترى بعضُهم من الله حوراءَ بصَداق ثلاثينَ ختمةً، فنام ليلةً، قبل أن يكمل الثلاثين، فرآها في منامه تقول:
أتخْطُبُ مِثْلِي وَعَنِّي تنَامُ ... وَنَوْمُ المُحِبِّينَ عَنِّي حَرَامُ
لِأَنَّا خُلِقْنَا لِكُلِّ امْرِىءٍ ... كَثيرِ الصَّلاةِ بَرَاهُ الصِّيَامُ
في الحديث: "إِذَا اسْتَيْقَظَ الرَّجُلُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ، فَصَلَّيا رَكْعَتَيْنِ، كُتِبَا مِنَ الذَّاكِرِينَ الله كَثيراً والذَّاكِرَاتِ" (٢).
* * *
فصل: في صيام النهار
قَالَ الله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤].
стр. 124
قال مجاهدٌ وغيرُه: نزلت في الصوَّام.
صام بعضُ التابعين؛ حتى اسودَّ من طول صيامه، وصام الأسودُ بن يزيدَ؛ حتى أفسد جسمَه، واصفرَّ، فكان إذا عوتب برفقه بجسده، يقول: كرامةَ هذا الجسدِ أُريدُ.
وصام بعضهم؛ حتى وجد طعم دماغِه في حلقه.
كان بعضُهم يَسْرُدُ الصومَ، فمرضَ، فقالوا له: أفطر، فقال: ليس هذا وقتَ ترك [الصيام].
وقيل لآخر منهم، وهو مريض: أفطر، قَالَ: كيف أفطر وأنا سائرٌ لا أدري ما يُفعل بي.
مات عامرُ بن عبد الله بن الزبير، وهو صائمٌ ما أفطرَ. ودخلوا على أبي بكرِ بن أبي مريمَ، وهو في النَّزْع، وهو صائم، فعرضوا عليه ماءً ليفطرَ، فقال: أَغرَبتِ الشمس؟، قَالَوا: لا، فأبى أن يفطر، ثم أتوه بماء، وقد اشتدَّ نزعه، فأومأَ إليهم: أغربت الشمس؟ قالوا: نعم، فقطَروا في فيه قطرة من ماء، ثم مات ﵀.
واحتُضر إبراهيمُ بن هانئ صاحبُ الإمامِ أحمدَ الموت، وهو صائم، فطلب ماء، وسأل: أغرَبتِ الشمس؟ فقالوا: لا، وقالوا: قد رخص لك في الفرض، وأنت متطوِّعٌ، قال: أمهل، ثم قَالَ: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١]، ثم خرجت نفسه، وما أفطر.
الدنيا كلُّها شهر، صيامُ المتقين، وعِيدُ فطرهم يومَ لقاءِ ربهم.
ومعظمُ نهارِ الصائمِ قد ذهب، وعيدُ اللقاء قد اقترب.
стр. 125
وَقَدْ صمْتُ عَنْ لَذَّاتِ دَهْرِيَ كُلِّهَا ... وَيَوْمَ لِقَاكُمْ ذَاكَ فِطْرُ صِيَامِي
قَالَ بعض السلف: بلغَنا عن عيسى بن مريم ﵇: أنه قَالَ: إذا كان يوم صوم أحدِكم، فليدْهَنْ لحيتَه، ويمسحْ شفتيه من دهنه؛ حَتَّى ينظر إليه الناظر، فيظن أنه ليس بصائم (١).
صام بعضُ السلف أربعين سنة، لا يعلم به أحدٌ، كان له دكان، فكان كلَّ يوم يأخذ رغيفين، ويخرج إِلَى دكانه، فيتصدَّق بهما في طريقه، فيظن أهلُه أنه يأكلها في السوق، ويظن أهل السوق أنه أكل في بيته قبل أن يجيء.
اشتُهر بعضهم بكثرة الصوم، فكان يصوم يومَ الجمعة، فيأخذ إِبريقاً، فيضع بلبلته في فيه، ويمتصها، والناسُ ينظرون إليه، ولا يدخل حلقَه منه شيء؛ لينفي عنه ما اشتُهر به.
ريحُ الصائم أطيبُ عند الله من ريح المسك.
لمَّا دُفن عبد الله بن غالبٍ، كان يفوحُ من قبره رائحةُ المسك، فرئي في المنام، فسئل عن تلك الرائحة التي توجد من قبره، فقَالَ: تلك رائحة التلاوة والظَّمأ (٢).
• • •
стр. 126
الفصل الثّالث
في ذكرِ رحمةِ الله، ولطفِه بعباده
قال بعضُ السلف: أولُ ما خَلَق الله القلمَ، فقال له: اكتبْ: إني أنا التوَّاب، أتوبُ على من تاب.
كان بعض السلف يقول: لو علمتُ أحبَّ الأعمال إِلَى الله؛ لاجتهدَتْ نفسي فيها، فرأى في منامه قائلا يقول له: إنك تريد ما لا يكون، إن الله يحبُّ أن يغفر.
قال يحيى بن مُعاذٍ: لو لم يكنِ العفوُ أحبَّ الأشياء إليه، لم يبتل بالذنب أكرمَ الخلقِ عليه (١).
يا رَبِّ أَنْتَ رَجَائِي ... وَفِيكَ أَحْسَنْتُ ظَنِّي
الفصل الرّابع
في ذكر الجنة
وفي "مسند البزار" عن أبي سعيدٍ، مرفوعاً: "خَلَقَ الله جَنَّةً لَبنَةً مِنْ فِضَّةٍ، وَلَبنَةٍ مِنْ ذَهَبٍ، وَمِلاطُهَا المِسْك، فَقَالَ لَهَا: تَكَلَّمِيَ، قَالَتْ: قَدْ أَفْلَحَ المُومِنُونَ، فَقَالَتِ المَلائِكَةُ: طُوبَى لَكِ مَنْزِلَ المُلُوكِ" (١).
وفي "الصحيحين": عن أبي موسى الأشعريِّ، عن النبي ﷺ ، قال: "جَنَّتَان مِنْ ذَهَبٍ" (٢).
وفي "الصحيحين": "جَنَّتَان مِنْ ذَهَبٍ، وبِنَاؤُهُمَا، وَما فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ، وَآنيَتُهُما وَما فِيهِمَا" (٣).
стр. 129
وفي "الصحيحين" أيضاً: عن النبي ﷺ ، قال: "وَإِنَّهَا جِنَانٌ كَثِيرَةٌ" (١).
وقد روي: أَنَّ بِناءَ بَعْضِهَا، الدُّرُّ، وَاليَاقُوت (٢).
خرَّجَ ابن أبي الدنيا، من حديث أنسٍ، مرفوعاً: "خَلَقَ الله جَنَّةَ عَدْنٍ بِيَدِهِ، لَبِنَةٌ مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ، وَلَبِنَةٌ مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ، وَلَبِنَةٌ مِنْ زبَرْجَدَةٍ خَضْرَاءَ، مِلاطُهَا المِسْكُ، وَحَصْبَاؤُهَا اللُّولُؤُ، وَحَشِيشُهَا الزَّعْفَرَانُ، ثُمَّ قَالَ لَهَا: انْطِقِي، قَالَتْ: قَدْ أَفْلَحَ المُومِنُونَ، قَالَ: وَعِزَّتِي وَجَلالِي! لا يُجَاوِرُنِي فِيكِ بَخِيلٌ".
وروي عن عطيةَ بن سعيدٍ، قال: إن الله خلقَ جنةً من ياقوتةٍ حمراءَ، ثم قَالَ لها: تزيني، فتزينت، ثم قَالَ لها: تكلَّمي، فقَالَت: طوبى لمن رضيتَ عنه، ثم أطبقَها، وعلَّقها بالعرش، فهي تفتح في كل سَحَر، فذلك بردُ السَّحَر.
وعن ابن عباسٍ ﵄، قَالَ: كان عرشُ الله على الماء، ثم اتخذ لنفسِه جنةً، ثم اتخذ دونها أخرى، وأطبقَهما بلؤلؤةٍ واحدة؛ لا يعلم الخلقُ ما فيهما، وهما اللتان لا تعلمُ نفسٌ ما أُخفي لهم من قُرَّةِ أعيُنٍ (٣).
وذكر صفوانُ بن عمرو: عن بعضِ مشايخه، قَالَ: الجنةُ مئةُ
стр. 130
درجة، الأولى فضة، وأرضُها فضة، ومساكنُها فضة، وترابُها المسكُ.
والثانيةُ ذهبٌ، وأرضُها ذهب، وآنيتُها ذهب، وترابها المسك.
والثالثةُ لؤلؤٌ، وأرضها لؤلؤ، ومساكنها لؤلؤ، وترابها المسك.
وسبعٌ وتسعون بعد ذلك ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ثم تلا قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧].
وفي "الصحيحين": عن النبي ﷺ ، قال: "يَقُولُ الله : أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ ما لا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ". ثم يقولُ أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] (١).
في "صحيح مسلم": عن المغيرة بن شعبة، يرفعه: "سَأَل مُوسَى ﵇ رَبهُ ، فَقَالَ: يا رَبِّ! ما أَدْنَى أَهْلِ الجَنَّةِ مَنْزِلَةً؟ قَالَ: هُوَ رَجُلٌ يَجِيءُ بَعْدَ ما أُدْخِلَ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، فَيُقَالَ لَهُ: ادْخُلِ الجَنَّةَ، فَيَقُولُ: كَيْفَ يا رَبِّ وَقَدْ أَخَذَ الناسُ مَنَازِلَهُمْ، وَأَخَذُوا أَخَذَاتِهِمْ؛ فَيَقُولُ لهُ: أَتَرْضَى أَنْ يَكُونَ لَكَ مِثْلُ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا؟ فَيَقُولُ: رَضِيتُ يا رَبِّ، فَيَقُولُ: لَك ذلك، وَمِثْلُهُ، وَمِثْلُهُ، وَمِثْلُهُ، فَيَقُولُ: رَضِيتُ يا ربِّ، فَيَقُولُ: لَكَ ذلك، وَعَشْرُ أَمْثَالِهِ، وَلَكَ ما اشْتَهَتْ نَفْسُكَ، وَقَرَّتْ بِهِ عَيْنُكَ، فَيَقُولُ: رَضِيتُ رَبِّ.
الفصل الخامس
في ذكر الصلاة
في أفراد مسلم: عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ : أنه قَالَ: "الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ، وَالجُمُعَةُ إِلَى الجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ لِما بَيْنَهُنَّ، إِذَا اجْتُنِبَتِ الكَبَائِرُ" (١).
قال الحسنُ: يا بن آدَمَ! هانت عليك صلاتُك، فما الذي يَعزُّ عليك؟.
عن زيدِ بن خالدٍ الجهنيِّ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَنْ صَلَّى سَجْدَتَيْنِ لا يَسْهُو فِيهِمَا؛ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" (٢).
يا مَنْ لا يؤثر عنده وعدُه ووعيدُه، ولا يزعجُه تخويفُه، وتهديدُه! يا مطلقاً ستعقله بيده، ثم يُفنيه البِلى ويُبيده، ثم ينفخ في الصور، فيبتدأ تجديدُه، ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾.
стр. 133
قَرَّبْنا الصالحين منا، وأبدنا العاصين عنا، أحببنا في القدم، وأبغضنا، فمن قضينا عليه الشقاء أهنكنا، فهو أسيرُ البعد وطريدُه، ومن سبقت له منا الحسنى، فنحن ننعم عليه ونفيده، ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾.
تجري العيون وابلاً وطَلا، وترى العاصيَ يقلقُ ويتقلَّى، ويمنى العودَ، فيقال: كلا، والويلُ كلُّ الويلِ بمن لا يريدُه، ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾.
تخشع فيه الأملاك، وتطير فيه الضحاك، ويعسر على المحبوس الفكاك، فأما المؤمنُ المتقي، فذاك عيدُه، ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] (١).
* * *
فصل: في الجماعة
وهي واجبةٌ للصلوات الخمس؛ على الكفاية، لا شرط.
في "الصحيحين" من حديث ابن عمر، عن النبي ﷺ ، قال: "صَلاةُ الجَمَاعَةِ تَفْضُلُ عَلَى صَلاةِ الفَذِّ بِسَبعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً" (٢).
وروي عن أنسِ بن مالكٍ، عن النبي ﷺ ، قال: "مَنْ صَلَّى أَرْبَعِينَ
стр. 134
يَوْماً في جَمَاعَةٍ؛ لَمْ يَفُتْهُ رَكْعَة وَاحِدَةٌ، كَتَبَ الله لَهُ بَرَاءَتَيْنِ: بَرَاءَةً مِنَ النَّارِ، وَبَرَاءَةً مِنَ النِّفَاقِ" (١).
قَالَ عبد الله بن عمرَ القواريريُّ: لم تكن تفوتني صلاةٌ في جماعة، فنزل بي ضيفٌ، فشُغلت به، فخرجتُ أطلب الصلاة في قبائل البصرة، فإذا الناسُ قد صَلَّوا، فقلتُ في نفسي: روي عن النبي ﷺ : أنه قَالَ: "صَلاةُ الجَمَاعَةِ تَفْضُلُ [عَلَى] صَلاةِ الفَذِّ بِخَمْسِ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً"، وروي: "بسبعٍ وعشرين".
فانقلبتُ إِلَى منزلي، فصليتُ العتمةَ سبعاً وعشرين مرة، ثم رقدتُ، فرأيتني مع قوم راكبين أفراساً، وأنا راكبٌ على فرسٍ كأفراسِهم، ونحن نتجارى، فالتفتَ إليَّ أحدُهم، فقَالَ: لا تُجْهِدْ فرسَكَ، فلست بلاحقِنا، فقلت: ولم ذلك؟ فقَالَ: إنا صلينا العتمةَ في جماعة (٢)
أين من يعمل لذلك اليوم؟ أين المتيقظُ من سِنَة النوم؟ أين من يلحق أولئك القوم؟ جَدُّوا في الصلاة، وأخذوا في الصوم، وعادوا على النفس بالتوبيخ واللوم؛ ليتك إذا لم تقدر على الإشمام بطريقهم حَصَّلْت الرَّوْم.
* * *
стр. 135
فصل
اعلمْ أن المقصود بالصلاة: إنما هي تعظيمُ المعبود، وتعظيمُه لا يكون إلا بحضور القلب في الخدمة.
وقد كان في السلف منْ يتغيَّر إذا حضرتِ الصلاة.
* * *
فصل
ليس لنا حكمٌ يدخُل به الكافرُ في حكم الإسلام، ويخرج به المسلمُ من الإسلام، إلا الصلاة، إذا صلَّى الكافر، حُكم بإسلامه، سواءٌ صلى جماعة، أو منفرداً.
وعن أبي حنيفة، روايتان:
إحداهما: كمذهبنا.
والثانية: حَتَّى يصلي في جماعة.
والشافعي: إذا صلى الحربيُّ في دار الحرب؛ حُكم بإسلامه.
стр. 136
فصل
لا يختلف مذهبه (١)، إنه يقتل، وهل يُقتل حَدًّا، أو كُفْراً؟ فيه روايتان:
إحداهما: يُقتل لكفره، وهو قول عمرَ، وابن مسعودٍ، وابن عباسٍ، وجابرٍ، والشعبيِّ، والأوزاعيِّ، ويدل عليه: [ما] روي [عن] النبي ﷺ : أنه قال: "بَيْنَ العَبْدِ وَبَيْنَ الكُفْرِ تَرْكُ الصَّلاةِ" (٢).
الرواية الثانية: يقتل حَدًّا، وهو قول: مالك، والشافعيِّ.
وقَالَ أبو حنيفة: يُحبس، ويُستتاب، ولا يُقتل.
* * *
فصل
صلاةُ الفرض واجبةٌ على كل مسلمٍ، بالغٍ، عاقلٍ، لا حائضٍ، ونفساء.
وتجب على نائمٍ، وسكران.
ولا تجب على صبيٍّ، ولا كافرٍ.
ويؤمَر بها الصبيُّ لسبعٍ، ويضرَب عليها لعشرٍ.
стр. 137
وهي واجبة بالكتاب، والسنة، والإجماع.
* * *
فصل
صلاة التطوع مستحبة، وهي أفضل تطوعُّ البدن، وآكدُها: كسوفٌ، ثم استسقاءٌ، ثم وترٌ، وليس بواجب.
قَالَ أبو بكر: هو واجبٌ.
ثم السنن، ثم التراويح.
وصلاةُ الليل أفضلُ من صلاة النهار، وصلاةُ الليل مثنى مثنى؛ معناه: يسلِّم من كل ركعتين.
стр. 138
الفصْل السّادس
في ذكر الزكاة
عن أبي ذَرٍّ، قال: أتيتُ رسولَ الله ﷺ ، وهو في ظل الكعبة، فقَالَ: "هُمُ الأَخْسَرُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، ورَبِّ الكَعْبَةِ! هُمُ الأخْسَرُونَ، ورَبِّ الكَعْبَةِ! ".
قال: فأخذني غَمٌّ، وجعلتُ أتنفَّس.
قال: قلتُ: هذا شرٌّ حدثَ فيَّ.
قال: قلت: من هم: -فداك أبي وأمي-؟
قال: "الأَكْثَرُوَن أَمْوَالاً؛ إِلا مَنْ قَالَ في عِبَادِ الله هكَذا، وَهكَذَا، وَهكَذَا، وَقَلِيلٌ ما هُمْ".
"ما مِنْ رَجُلٍ يَمُوتُ، فَيَتْرُكُ غَنَماً، أَوْ إِبلاً، أَوْ بَقَراً، لَمْ يُؤَدِّ زكَاتَهَا، إِلا جَاءَتْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْظَمَ ما يَكُونُ، وَأَسْمَنَ، حَتَّى تَطَأَهُ بِأَظْلافِهَا، وَتنطحَهُ بِقُرُونِهَا، حَتَّى يُقْضى بَيْنَ النَّاسِ، ثُمَّ يَعُودُ أَوَّلُهَا عَلَى آخِرِهَا" (١).
стр. 139
وعن رسولِ الله ﷺ ، قَالَ: "ما مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلا فِضَّةٍ، لا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، إِلا إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِح مِنْ نَارٍ، فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا في نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُكْوَى بِهَا جَبْهَتُهُ وَجَنْبُهُ، وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ، كُلَّما بَرَدَتْ، رُدَّتْ لَهُ، في يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ" حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ العِبَادِ، فَيرى سبيلها؛ إِما إِلَى الجَنَّةِ، وَإِما إِلَى النَّارِ" (١).
إخواني! قولوا للمفرِّط الجاني: قَالَ لك الشيبُ: أما تراني؟ أتى كتابُ المنون، والضعفُ عنواني، وليس في السطور إلا أنك فاني.
اشتهى الربيعُ بن خُثيمٍ حلواءَ، فلما صنع، دعا بالفقراء، فأكلوا، فقَالَ أهلُه: أتعبتنا، ولم تأكل؟! فقَالَ: وهل أكلَ غيري.
عباد الله! إِلَى متى تجمعون ما لا تأكلون، وتبنون ما لا تسكنون، والجيدَ في بيوتكم تدَّخرون، والرديءَ إِلَى الفقراء تخرجون؟ ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾.
حرِّكوا هِمَمكم إِلَى الخير، وحُثُّوا عزائمكم على الجد، وأدلجوا، والتفتوا عن الحرص على المال، وعَرِّجوا، وآثروا الفقير بما تؤثرون، ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾.
يا حريصاً ما يستقر!
يا طالب الدنيا ما يقر!
стр. 140
إن كنت تصدِّق بالثواب, فتصدَّق (١) في السرِّ بالمحبوب المصون، ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾.
أما المسكينُ أخوكَ من الوالدَيْن، كيف كففتَ عن إعطائه اليدين؟
كيف تحثُّ على النفل، والزكاةُ [عليك] دَيْن، وأنتم فيها تتأولون، ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾.
يا وحيداً عن قليلٍ في رمسه! يا مستوحشاً في قبره بعدَ طولِ أُنسه! لو قَدَّمَ خيراً، نفعَه في حبسه، ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩]، ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾.
تجمع الدينارَ إِلَى الدينار لغيرِك، وينساك من أخذَ من خيرِك، ولا تتزوَّدُ منه شيئاً لسيرِك؛ هذا هو الجنون، ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢].
* * *
فصل
[الزكاةُ] واجبةٌ من أربعة أصناف من المال: السائمة من بهيمة الأنعام، والخارج من الأرض، والأثمان، وعروض التجارة.
* * *
стр. 141
فصل
ولا تجبُ إلا بخمسة: الإسلام، والحرية، وملك النصاب، وتمام الملك، والحول.
* * *
فصل
يباح للرجل من الفضة: الخاتمُ، وقَبيعةُ السيف.
وفي حِليةِ المنطقةِ روايتان.
وجَوْشَنٌ، وخوذةٌ، وخف، وران، وحمائلُ على قياسها.
ومن الذهب: قَبيعةُ السيف، و [ما] دعتْ إليه ضرورةٌ؛ كأنف، وما ربطَ به أسنانَه.
وقال أبو بكر: يُباح يسيرُ الذهب، ويُباح للنساء: كلُّ ما جرت عادة ذلك بلبسه، قَلَّ أو كَثُر.
وقَالَ ابن حامد: إن بلغ ألفَ مثقال، فيه الزكاة.
* * *
فصل
زكاةُ الفطر واجبةٌ على كل مسلمٍ تلزمه مؤنةُ نَفْسِهِ، إذا فضلَ عندَه عن قوته، وقوتِ عياله، يومَ العيد وليلتَه، صاعٌ.
стр. 142
فصل
الواجب: صاعٌ من بُرٍّ، وشعيرٍ، ودقيقِهما، وسَويقِهما.
قال ابن أبي موسى: لا يجزئ السويقُ.
وتمرٍ، وزبيبٍ، وأَقِطٍ في إِحدى الروايتين.
قال ابن حامد: يُخرج مما يقتات، والأفضلُ: تمر، ثم زبيب، ثم بُرٌّ، ثم شعير.
* * *
فصل
إذا جحد وجوبَ الزكاة جهلاً، عُرِّفَ ذلك؛ فإن أَصَرَّ كفر، وأُخذت منه، واستتُيب ثلاثاً؛ فإن تاب، وإلا قُتل، وإن منعها بُخلاً، أُخذت منه، وعُزِّرَ.
وقَالَ بعض أصحابنا: إن قاتل عليها، كفر.
* * *
فصل
أهل الزكاة ثمانية: الفقراء، والمساكين، والعاملون عليها،
стр. 143
والمؤلَّفة قلوبهم، والرقاب، والغارمون، وفي سبيل الله، وابن السبيل.
* * *
فصل
لا يجوز دفعُ زكاته إلى كافرٍ، ولا عبدٍ، ولا فقيرةٍ لها زوج غنيٌّ، ولا إِلَى الوالدَيْن، وإن علوا، ولا إِلَى الولد، وإن سَفُل، ولا إِلَى الزوجة، ولا إِلَى بني هاشم ومواليهم.
وقيل: يجوز دفعُها إلى الزوجين، وعمود النسب، وسائر الأقارب.
وهل يجوز دفعُها إلى من تلزمُه مؤنتُه من أقارب، أو إِلَى الزوج، أو بني المطلب؟ على روايتين.
* * *
فصل
صدقةُ التطوعُّ مستحبةٌ، والصدقة على ذي الرحم صدقةٌ وصِلَةٌ.
стр. 144
الفصل السّابع
في ذكر التوبة
قال ابن مسعود: إني لأعلم آيتين في كتاب الله، لا يقرؤهما عبد عندَ ذنبٍ يصيبُه، ثم يستغفرُ الله منه، إلا غفر له: قوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ [النساء: ١١٠] الآية، ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ [آل عمران: ١٣٥] الآية.
واعلمْ: أن التوبة إذا صحت، قُبلت بلا شك؛ إذا وقعت قبل نزولِ الموت، ولو كانت عن أيِّ ذنب كان.
وفي "الصحيحين": أَنَّ رَجُلا قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْساً، ثُمَّ سَأَلَ: هَلْ لَهُ تَوْبَةٌ؟ فَقِيلَ لَهُ: اخْرُجْ إِلَى قَرْيَةِ كَذَا، فَخَرَجِ، فَأَدْركَهُ المَوْتُ، فَنَأىَ بِصَدْرِهِ نَحْوَ القَرْيَةِ، فَوُجِدَ أَقْرَبَ إِلَيْهَا بِشِبْرٍ، فغُفِرَ لَهُ. (١).
وعن ابن مسعودٍ، قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "للهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ أَحَدِكُمْ مِنْ رَجُلٍ خَرَجَ بِأَرْضٍ دَوِيَّةٍ مُهْلِكَةٍ، وَمَعَهُ رَاحِلَتُهُ عَلَيْهَا طَعَامُهُ، وَشَرَاُبهُ، وَزَادُهُ، وَما يُصْلِحُهُ، فَأَضَلَّهَا، فَخَرَجَ في طَلَبِهَا، حَتَّى إِذَا
стр. 145
أدْركَهُ المَوْتُ، وَلَمْ يَجِدْهَا، قَالَ: أَرْجِعُ إِلَى مَكَانِي الَّذِي أَضْلَلْتُهَا فِيهِ؛ فَأَمُوتُ فِيهِ، فَأَتَى مَكَانَهُ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنُهُ، فَاسْتَيْقَظَ؛ فَإِذَا رَاحِلَتُهُ عِنْدَ رَأْسِهِ عَلَيْهَا طَعَامُهُ، وَشَرَابُهُ، وَما يُصْلِحُهُ" (١).
أَنَا عَبْدُكَ الجَانِي وَأَنْتَ المَالِكُ ... إِنْ لَمْ تُسَامِحْنِي فَإِنِّي هَالِكُ
يا مَنْ تَدَارَكَ طُولَ جَهْلِي حِلْمُهُ ... ذُخْرِي لِحَشْرِي عَفْوُكَ المُتَدَارِكُ
مَوْلاي أَسْرَرْتُ القَبِيحَ وَظَاهِرِي ... حَسَنٌ وَأَنْتَ بِحَجْبِ سِتْرِي مَالِكُ
حَسْبِي خَسَاراً أَنْ تَرَانِي مُسْرِفاً ... وَيَظُنُّ هذا الخَلْقُ أَنِّي نَاسِكُ
سبحانَ من أنعمَ على الأحباب، سبحانَ من سخَّر لهم الأسباب، سبحانَ من جعل جزاءَ الصوم عن الطعام والشراب، يُطاف عليهم بآنيةً من ذهبٍ وأكواب، وصلَ أولو الألباب، وقد زالت تلك الأسقام والأَوْصاب، وقيل لأيوبَ: البلاء إلى كم المصاب، ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص: ٤٢].
يا حُسْنَهم وقد قدم الغُيَّاب، وأُلبسوا ثيابَ العتاب، وتلقتهم الحورُ الخَفِرَاتُ بلا نِقاب، لا نقص عندهم ولا عاب، ولا شَرَدَ عنهم مطلوبٌ