فصل
ولا تجبُ إلا بخمسة: الإسلام، والحرية، وملك النصاب، وتمام الملك، والحول.
* * *
فصل
يباح للرجل من الفضة: الخاتمُ، وقَبيعةُ السيف.
وفي حِليةِ المنطقةِ روايتان.
وجَوْشَنٌ، وخوذةٌ، وخف، وران، وحمائلُ على قياسها.
ومن الذهب: قَبيعةُ السيف، و [ما] دعتْ إليه ضرورةٌ؛ كأنف، وما ربطَ به أسنانَه.
وقال أبو بكر: يُباح يسيرُ الذهب، ويُباح للنساء: كلُّ ما جرت عادة ذلك بلبسه، قَلَّ أو كَثُر.
وقَالَ ابن حامد: إن بلغ ألفَ مثقال، فيه الزكاة.
* * *
فصل
زكاةُ الفطر واجبةٌ على كل مسلمٍ تلزمه مؤنةُ نَفْسِهِ، إذا فضلَ عندَه عن قوته، وقوتِ عياله، يومَ العيد وليلتَه، صاعٌ.
стр. 142
فصل
الواجب: صاعٌ من بُرٍّ، وشعيرٍ، ودقيقِهما، وسَويقِهما.
قال ابن أبي موسى: لا يجزئ السويقُ.
وتمرٍ، وزبيبٍ، وأَقِطٍ في إِحدى الروايتين.
قال ابن حامد: يُخرج مما يقتات، والأفضلُ: تمر، ثم زبيب، ثم بُرٌّ، ثم شعير.
* * *
فصل
إذا جحد وجوبَ الزكاة جهلاً، عُرِّفَ ذلك؛ فإن أَصَرَّ كفر، وأُخذت منه، واستتُيب ثلاثاً؛ فإن تاب، وإلا قُتل، وإن منعها بُخلاً، أُخذت منه، وعُزِّرَ.
وقَالَ بعض أصحابنا: إن قاتل عليها، كفر.
* * *
فصل
أهل الزكاة ثمانية: الفقراء، والمساكين، والعاملون عليها،
стр. 143
والمؤلَّفة قلوبهم، والرقاب، والغارمون، وفي سبيل الله، وابن السبيل.
* * *
فصل
لا يجوز دفعُ زكاته إلى كافرٍ، ولا عبدٍ، ولا فقيرةٍ لها زوج غنيٌّ، ولا إِلَى الوالدَيْن، وإن علوا، ولا إِلَى الولد، وإن سَفُل، ولا إِلَى الزوجة، ولا إِلَى بني هاشم ومواليهم.
وقيل: يجوز دفعُها إلى الزوجين، وعمود النسب، وسائر الأقارب.
وهل يجوز دفعُها إلى من تلزمُه مؤنتُه من أقارب، أو إِلَى الزوج، أو بني المطلب؟ على روايتين.
* * *
فصل
صدقةُ التطوعُّ مستحبةٌ، والصدقة على ذي الرحم صدقةٌ وصِلَةٌ.
стр. 144
الفصل السّابع
في ذكر التوبة
قال ابن مسعود: إني لأعلم آيتين في كتاب الله، لا يقرؤهما عبد عندَ ذنبٍ يصيبُه، ثم يستغفرُ الله منه، إلا غفر له: قوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ [النساء: ١١٠] الآية، ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ [آل عمران: ١٣٥] الآية.
واعلمْ: أن التوبة إذا صحت، قُبلت بلا شك؛ إذا وقعت قبل نزولِ الموت، ولو كانت عن أيِّ ذنب كان.
وفي "الصحيحين": أَنَّ رَجُلا قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْساً، ثُمَّ سَأَلَ: هَلْ لَهُ تَوْبَةٌ؟ فَقِيلَ لَهُ: اخْرُجْ إِلَى قَرْيَةِ كَذَا، فَخَرَجِ، فَأَدْركَهُ المَوْتُ، فَنَأىَ بِصَدْرِهِ نَحْوَ القَرْيَةِ، فَوُجِدَ أَقْرَبَ إِلَيْهَا بِشِبْرٍ، فغُفِرَ لَهُ. (١).
وعن ابن مسعودٍ، قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "للهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ أَحَدِكُمْ مِنْ رَجُلٍ خَرَجَ بِأَرْضٍ دَوِيَّةٍ مُهْلِكَةٍ، وَمَعَهُ رَاحِلَتُهُ عَلَيْهَا طَعَامُهُ، وَشَرَاُبهُ، وَزَادُهُ، وَما يُصْلِحُهُ، فَأَضَلَّهَا، فَخَرَجَ في طَلَبِهَا، حَتَّى إِذَا
стр. 145
أدْركَهُ المَوْتُ، وَلَمْ يَجِدْهَا، قَالَ: أَرْجِعُ إِلَى مَكَانِي الَّذِي أَضْلَلْتُهَا فِيهِ؛ فَأَمُوتُ فِيهِ، فَأَتَى مَكَانَهُ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنُهُ، فَاسْتَيْقَظَ؛ فَإِذَا رَاحِلَتُهُ عِنْدَ رَأْسِهِ عَلَيْهَا طَعَامُهُ، وَشَرَابُهُ، وَما يُصْلِحُهُ" (١).
أَنَا عَبْدُكَ الجَانِي وَأَنْتَ المَالِكُ ... إِنْ لَمْ تُسَامِحْنِي فَإِنِّي هَالِكُ
يا مَنْ تَدَارَكَ طُولَ جَهْلِي حِلْمُهُ ... ذُخْرِي لِحَشْرِي عَفْوُكَ المُتَدَارِكُ
مَوْلاي أَسْرَرْتُ القَبِيحَ وَظَاهِرِي ... حَسَنٌ وَأَنْتَ بِحَجْبِ سِتْرِي مَالِكُ
حَسْبِي خَسَاراً أَنْ تَرَانِي مُسْرِفاً ... وَيَظُنُّ هذا الخَلْقُ أَنِّي نَاسِكُ
سبحانَ من أنعمَ على الأحباب، سبحانَ من سخَّر لهم الأسباب، سبحانَ من جعل جزاءَ الصوم عن الطعام والشراب، يُطاف عليهم بآنيةً من ذهبٍ وأكواب، وصلَ أولو الألباب، وقد زالت تلك الأسقام والأَوْصاب، وقيل لأيوبَ: البلاء إلى كم المصاب، ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص: ٤٢].
يا حُسْنَهم وقد قدم الغُيَّاب، وأُلبسوا ثيابَ العتاب، وتلقتهم الحورُ الخَفِرَاتُ بلا نِقاب، لا نقص عندهم ولا عاب، ولا شَرَدَ عنهم مطلوبٌ
стр. 146
ولا غاب، ولا يعتري شيبٌ ذاك الشباب، طابت الدار، ودار ذاك الشراب، وغنت الغناء فرنَّت القِباب، وسمعوا من الغناء ما أغنى عن عُودٍ ورَباب، ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ﴾.
فتح لهم باب الرضا فدخلوا، ومُهِّدَت لهم المساكنُ فنزلوا، وإليه ثم والله لقد وصلوا إِلَى ما لم يكن في الحساب ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ﴾ [الزخرف: ٧١].
стр. 147
الفصل الثّامن
في ذكر الصبر
قَالَ الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]
المعنى: أنهم يعطَوْن أجراً كثيراً.
عن النبي ﷺ ، قال: "ما أُعطِي أَحَدٌ عَطاء خَيْراً وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ" (١).
وقال ﵇: "أَلا إِنَّ الصَّبْرَ مِنَ الإِيمَانِ بِمَنْزِلَةِ الرَّأْسِ مِنَ الجَسَدِ، أَلا إِنَّهُ لا إِيمَانَ لِمَنْ لا صَبْرَ لَهُ" (٢).
وقالَ الحسن: الصبر كنزٌ من كنوز الجنة، لا يعطيه الله إلا لعبدٍ كَرُمَ عليه.
واعلم أن الصبر على المصائب له فضلٌ عظيم، ومنهُ: الصبرُ على الميت.
* * *
стр. 148
فصلٌ
وأما البكاء على الميت، يجوز البكاء على الميت، وتكره النياحة والندب.
يا نَفْسُ ما هِيَ إِلا صَبْرُ أَيَّامِ ... كَأَنَّ مُدَّتَها أَضْغَاثُ أَحْلامِ
يا نَفْسُ جُوزِي عَنِ الدُّنْيا مُبَادِرةً ... وَخَلِّ عَنْها فَإِنَّ العَيْشَ قُدَّامِي
إخوانْي! البلاء يختصُّ الأخيار، والمحنُ تلاصِقُ الأبرار.
أترْحَلُ عَنْ حَبِيبِكَ ثُمَّ تَبْكِي ... عَلَيْهِ فَما دَعَاكَ إِلَى الفِرَاقِ
كَأَنَّكَ لَمْ تَذُقْ لِلبَيْنِ طعْماً ... فَتَعلَمَ أَنّهُ مُرُّ المَذَاقِ
ما مضى من تنعُّم القوم يومٌ، إلا وانقضى من صبر الصابر إِلَى أن يجمعها يوم، ويقع فرق ما بين القوم، كما بين اليقظة والنوم.
طُوبَى لِعَبْدٍ بِحَبْلِ الله معْتَصَمُهْ ... عَلَى صِرَاطٍ سَوِيٍّ ثَابِتٍ قَدَمُهْ
فَذَاكَ أَغظَمُ مِنْ ذِي التَّاجِ مُتكئَاً ... عَلَى النَّمَارِقِ مُختَفّاً بِه حَشَمُهْ
стр. 149
يا مسرورون على الزلل ستظهر أسرارُكم، يا مغمورون بالحلم، عنهم ستكشف أستارُكم، لا بد أن نميّز خياركم وأشراركم، ﴿حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾.
كم أقبل إليكم لطفُنا وزاركم، وما تركتُم أوزاركم! كم منحكم الهدى وأعاركم، ثم اخترتم في الضلال عاركم! لقد زجرناكم إذْ أخذنا خياركم، ﴿حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١]
стр. 150
الفصل التّاسع
في ذكر الشكر
قَال الله تعالى: ﴿لئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]
عن النبي ﷺ ، قال: "ما أَنْعَمَ الله عَلَى عَبْدِهِ نِعمَةً، فَعَلِمَ أَنها مِنْ عِنْدِ الله، إِلا كَتَبَ الله لَهُ شُكْرها، وَما عَلِمَ الله مِنْ عبد نَدَامَةً عَلَى ذَنْبٍ، إِلا غَفَرَ لَهُ قَبْلُ أَنْ يَسْتَغْفِرَهُ، هاِنَّ الرَّجُلَ لَيَشْتَرِي الثَّوْبَ بِالدِّينَارِ، فَيَلْبَسُهُ، فَيَخمَدُ الله ، فَما يَبْلُغُ رُكبَتَيْهِ حَتَّى يَغْفِرَ لَهُ" (١).
اعلم يا أخي! أن جهنمَ سوداءُ مظلمة، لا رفيقَ تأنس به، ولا صديقَ تشكو إليه، ولا نوم فيريح، ولا نفس تستريح، سبحانَ من قضى عليهم بهذا المعاش، يبكون ولا ينفع البكاء والإجهاش، أكبر حسراتهم، فالكل عطاش، ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾.
تعبوا من الإستغاثة، وكلّوا وضَجِروا من الإعتذار، وملّوا وسجنوا
стр. 151
في جهنم فذلوا، وكم كان يخدُمهم فرَّاش، ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾.
فتهيأ أيُّها العاصي لِلَظَى، فما لكَ عملٌ يصلُح للرضا، يا مَنْ عمرُه كلُّه قد مضى في لاش، ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: ٤١]
стр. 152
الفصل العاشر
في ذكر الخوف
قَالَ الله تعالى: ﴿وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥].
الخوفُ واجبٌ على كل مؤمن.
بكى اَدمُ لما خرج من الجنة ثلاث مئة عام، وكذا بكى نوح، وكان الخليل إذا قام إِلَى الصلاة، يُسمَع لصدره أزيز من شدة الخوف، وبكى داود، وكذا جميع الأنبياء، والصحابة، والخائفون كثير، وليس هذا مكان ذلك.
ولكن منهم من صلى صلاة الصبح بوضوء العشاء أربعين سنة، ومنهم من صام أربعين سنة لا يعلم به أحد.
كان جبريل يرثي لبكاء آدم، ويقول: يا آدم! ما هذا القلق؟! ولكن حاله يجيب.
سَبيلي إنِ اسْتَحيا بِهِ الصبْرُ عَنْهُمُ ... وَذَاكَ سَبِيل ما إِلَيْهِ سَبِيلُ
يَقُولُونَ لِي هلْ في فُؤَادِيَ لَوْعَةٌ ... وهلْ فِيهِ إِلا لَوْعَةٌ وَغلِيلُ
стр. 153
قَالَ الحسن: لو بكى عبد من خشية الله، لرحمَ الله مَنْ حوله، ولو كانوا عشرينَ ألفاً.
حملوا بالنهار عطشاً وجوعاً، وسهروا بالليل سجوداً وركوعاً، وسلوا على تقصيرهم، وما قصروا دموعاً، ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾.
قطعوا النهار صائمين، ونُزُلهم بالليل قائمين.
أظلم الدجى لا عن نائمين قد رفضوا هجوعاً، ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾.
هجروا الدنيا وقاطعوها، وكفوا أنفسهم عن الشهوات ومنعوها، فنادى لطف الإباحة دعوها، تزدْ بعد خمس شروعاً، ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٩].
стр. 154
الفصل الحادي عشر
في ذكر التفكر
قال الله تعالى: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩١].
قيل لإبراهيمَ بنِ أدهمَ: إنك تُطيل الفكرة، قَالَ: الفكرةُ مخُّ العمل (١). وقال بِشْرٌ الحافي: لو تفكّر الناسُ في عظمة الله، ما عَصَوهُ، ومن تفكر في خلق نفسِه، دهش، أو في إمساكِ الأرضِ بالجبال، وانظر إِلَى أقلِّ الأشياء، وهو العنكبوت، كيف تبني بيتاً في موضعين متقاربين؟! حَتَّى يمكنها أن تصل الخيط بين طرفيها، فإذا أحكمت المعاقد، اشتغلت بالجمع، وتجعل ذلك شباكة للذباب، فإن عجزت عن الصيد، علّقت نفسَها بخيط، وتنكس، فإذا قاربها ذباب، رمت نفسَها إليه، ولفّت خيطَها على رجليه، أفتراها تعمل هذه الصناعة من نفسها؟!
وذكر القزويني في "عجائب المخلوقات": أن للعنكبوت أنواعاً كثيرة.
стр. 155
وكذا الفأر، إلا أنه ذُكر منه صنف يجيء منه مسكٌ خير من مسك الغزلان بعشرة أمثاله.
والنحل تعمل لها ملكاً يهندس لحكم العمل، وتعمل بواباً لا يدع أحداً يدخل وعليه نجاسة.
ما مَرَّ يَوْلم عَلَى حَيٍّ وَلا ابْتكرَا ... إِلا رَأَى عِبَراً فِيهِ إِنِ اعتبَرَا
وَما مَضَتْ سَاعَةٌ في الدَّهْرِ وانْصَرَفَتْ ... حَتَّى تُؤَثِّرَ في قَوْمٍ لَها أثَرَا
إِنَّ اللَّيَالِيَ وَالأيَّامَ لَوْ سُئِلَتْ ... عَنْ عَيْبِ أنْفُسِها لَمْ تكتُمِ الخَبَرَا
يا هذا! تفكَّر في أمرك، وانقضاءِ عمرك، وإخراجِك من قصرك، والوزرِ الذي على ظهرك، ومحاسبتِك على سرِّك وجهرك.
عن أبي بكبر القرشيِّ، قال: كان رجل من أهل النعمة واليسار، له جارية كان بها مشغوفاً، وكان يتمنى الولدَ منها، فمكثت عندَه سنتين، ثم إنها اشتملت على حملٍ، فاشتد [فرحُه] بذلك، وطالت عليه الأيام؛ لشوقه إِلَى ولدها، حَتَّى إذا دخلت شهرَها، وَحَزَبَها الطلقُ، عرضت له علة، فمرض أياماً يسيرةً، وهي في طُلْقها، ثم إن الموتَ نزلَ به، وولدتِ الجارية غلاماً في الليلة التي مات منها، فقال رجل من قريش، يعتبر بذلك:
فِيمَنْ مَضَى لَكَ إِنْ فَكَّرْتَ مُعتبَرُ ... وَفي اللَّيَالِي وَفي الأيَّامِ مُدَّخَرُ
الفصل الثّاني عشر
في ذكر التوكل
قالى الله تعالى: ﴿وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣].
وقال: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣].
لقد أبانت لكم الدنيا مصيرَها، وكشفت لكم عن سرِّها؛ كما قيل:
تَمَنَّيْتَ الإقَامَةَ يا خَلِيلِي ... وَما دُنْيَاك دَارٌ لِلإِقَامَه
اعلم يا أخي! أنك عن الدنيا محروف، ومنها مخطوف، فإذا صعُب بك أمر، أو كنت منه مخوفاً، فقل: توكلت على الله؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣].
إخواني! كم أنعم عليكم، وحُبيتم؟! كم أرشدتم إِلَى الصواب وهُديتم؟! كم وقعت لكم حاجة فكُفيتم؟! يا مبارزين بالذنوب ما خفيتم، اعملوا ما شئتم.
стр. 158
الفصل الثّالث عشر
وفيه فصلان:
الفصل الأول: في فعل المعروف.
الفصل الثاني: في ذم الغيبة والنميمة.
стр. 159
الفصل الأوّل
في فعل المعروف
قال رسول الله ﷺ : "مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤمِنٍ كُرَباً مِنْ كُرُوبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ الله عَنْهُ كُرَباً مِنْ كُرُوبِ الآخِرَةِ (١) " (٢).
وعن بلال، عن النبي ﷺ ، قال: " كُلُّ مَعرُوفٍ صَدَقَة، وَالمَعْرُ [و] فُ يَقِي سَبْعِينَ نَوْعاً مِنَ البَلاءِ، وَيَقِي مِيتَةَ السُّوءِ" (٣).
وروى مسلم، عن النبي ﷺ ، قال: "كُلُّ مَعرُوفٍ صَدَقَةٌ" (٤).
قَالَ رسول الله ﷺ ، قال: "كُلُّ معرُوفٍ صَدَقَةٌ، وَمِنَ المَعرُوفِ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ، وَأَنْ تُفْرِغَ مِنْ دَلْوِكَ في إِنَائِهِ" أفرده البخاري (٥).
стр. 160
فصل
وأما ثواب المعروف في الآخرة، فروي عن أنس بن مالك، قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ، جَمَعَ الله أَهْلَ الجَنَّةِ صُفُوفاً، وَكَذَا أَهْلَ النَّارِ، فَنَظَرَ الرَّجُلُ مِنْ صُفُوفِ أَهْلِ النَّارِ إِلَى الرَّجُلِ مِنْ صُفُوفِ أَهْلِ الجَنَّةِ، فَيَقُولُ: يا فُلان! ما تَذْكُرُ يَوْماً اصطَنعتُ إِلَيْكَ فِيهِ معرُوفاً؟!، قَالَ: فَيُقَالُ: خُذْ بِيَدهِ فَأَدخِلْهُ الجَنَّةَ" (١).
* * *
فصل
وعلى المؤمن أن يكافئ ولو بالشكر.
رُوي عن [ابن] عمرَ، عن النبي ﷺ ، قال: "مَنْ أتى إِلَيْكم مَعرُوفاً، فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا ما تكافِئُونَهُ بِهِ، فَادعُوا لَهُ، حتىَ تَعلَمُوا أَنْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ" (٢).
سبحانَ مَنْ كسر الخلائق أجمعين، ويميز بين من يصدق ويبين، ويصير في ذات الشمال وذات اليمين، فهؤلاء [مع] حزب الشيطان اللعين، وهؤلاء مع الولدان والعين، ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر: ٧٥].
• • •
стр. 161
الفصل الثّاني
في ذم الغيبة والنميمة
قَالَ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ [الحجرات: ١١].
قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ [الحجرات: ١٢].
قال ابن عباس: نهى المؤمن أن يظنَّ بالمؤمن (١) شراً (٢).
وقال الزجَّاج: هو أن يظن بأهل الخير سوءاً، ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ﴾ [الحجرات: ١٢].
ثم قال بعض العلماء: يأثم بنفس ذلك الظن، وإن لم ينطق به (٣).
﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢].
عن أبي هريرة قال النبي ﷺ : "يؤتَى بِالرَّجُلِ الَّذِي يَغْتَابُ النَّاسَ في الدُّنْيَا، فَيُقَالُ لَهُ: كُلْ لَحمَ أَخِيكَ مَيْتاً كَما أَكَلْتَهُ حَيّاً" (٤)، وذلك قولُه
стр. 162
تعالى: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ [الحجرات: ١٢].
عن جابر: قالَ رسولُ الله ﷺ : "الغِيبَةُ أَشَدُّ مِنَ الزِّنَا" قالَوا: يا رسولَ الله! كيف؟ قَالَ: "إِنَّ الرَّجُلَ يَزْني، فَيَتُوبُ، فَيَتُوبُ الله عَلَيْهِ، وَأَما صَاحِبُ الغِيبَةِ لا يَغْفِرُ لَهُ حَتَّى يَغْفِرَ لَهُ صَاحِبُهُ" (١).
قيل للربيعِ بن خُثَيم: ما نراك تَعيبُ أحداً، ولا تذمُّه.
فقَالَ: ما أنا عن نفسي براض (٢).
روي عن أنسِ بن مالكٍ، عن النبي ﷺ : "لا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عبد حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ، وَلا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ" (٣).
سبحانَ من خلق سعيداً وشقياً، وعاصياً وتقياً، وأحضر جهنم متهماً وبريئاً، ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾.
جمع [...] وفرق على الفريقين رياً، [...] وجعل التقي [...]، ويصير الشقي عَمِيَّاً، فسلَّم مطيعا، وأهلك عصياً، ﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧٢].
• • •
стр. 163
الفصل الرّابع عشر
وفيه فصلان:
الفصل الأول: في كسر شهوة البطن.
الفصل الثاني: كسر شهوة الفرج.
стр. 164
الفصل الأوّل
ذكر كسر شهوة البطن
قَالَ بعض السلف: من أكل كثيراً، شربَ كثيراً، ومن شرب كثيراً، نام كثيراً، ومن نام كثيراً، فاته خير كثير.
عن أبي هريرةَ: قالَ النبى ﷺ : "الكَافِرُ يَأْكُلُ في سَبْعَةِ أَمعَاءٍ، وَالمُومِنُ يَأْكُلُ في مِعًى وَاحِدٍ" (١).
عن رسول الله ﷺ : أنه قال: "طَعَامُ اثنيْنِ كَافٍ ثَلاثَةً، وَطَعَامُ ثَلاثَةٍ كَافٍ أَربَعَةً" (٢).
والأكلُ على مقام القدر يصلح البدنَ، ويبطل المرض، ويقلل النوم، ويخفف موته، ويَرِد القلبَ ويُصَفِّيه.
• • •
стр. 165
الفصل الثّاني
في ذكر كسر شهوة الفرج
عن [أسامةَ بنِ] زيدٍ: [أن] النبي ﷺ قال: "ما تَرَكْتُ بَعدِي فِتنةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ" (١).
عن النبي ﷺ ، قال: "ما مِنْ ذَنْبٍ -بَعدَ الشِّركِ بِالله- أَعظَمَ مِنْ نُطْفَةٍ وَضَعَها رَجُلٌ في رَحِمٍ لا يَحِلُّ لَهُ" (٢).
عن النبي ﷺ ، قالَ: "يا مَعشَر العُزَّابِ! مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ، فَلْيَتزوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلبَصَرِ، وَأَحصَنُ لِلفَرْجِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِع، فَعَلَيْهِ بِالصِّيَامِ" (٣).
لما تلتحق الطباع إِلَى الدنيا صابية، رفضوها عن عزيمة أبية، ثنوا قلوبهم إِلَى الدار النائية، ورأوها بعين اليقين دانية، فآثر [و] ها على
стр. 166
الحقيرة والفانية، يطلبون العيشة الهانية، هِمُمُهم ليس متدانية، تنهض نهوضَ السباع الضارية، سارية عن عاداتها، منتصبة في عباداتها كالسارية، كانوا يقومون والليالي داجية، قيامَ نفس خائفةً راجية، يسهرون طولَ الليالي الشاتية، يستعدون للصيحة الآتية.
стр. 167
الفصل الخامس عشر
وفيه فصلان:
الفصل الأول: في ذم الدنيا.
الفصل الثاني: في ذم الأمل.
стр. 168
الفصل الأوّل
في ذم الدنيا
قال رسولُ الله ﷺ : "والله! ما الدُّنْيا في الآخِرَةِ إِلا مِثْلُ ما يَجْعَلُ أَحَدُكُم إِصْبَعَهُ هذهِ في اليَمِّ، فَلْيَنْظُر بِمَ يَرجِعُ؟ "، وأشار بالسبابة (١).
عن المستورِدِ، قال: كنتُ مع رسول الله ﷺ ، إذ بسخلةٍ منبوذةٍ، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "أترَوْنَ هذهِ هَانَتْ عَلَى أَهْلِها؟ "، فقالَوا: يا رسول الله! مِنْ هوانها ألقَوْها، قال: "فَوَالَّذِي نَفسُ مُحَمَّدٍ بِيَدهِ! الدُّنْيا أَهْوَنُ عَلَى الله مِنْ هذهِ عَلَى أَهْلها" (٢).
قالَ رسولُ الله ﷺ : "الدُّنْيا سِجْنُ المُؤمِنِ، وَجَنَّةُ الكَافِرِ" (٣).
وعن رسولِ الله ﷺ ، قال: "إِنَّ الله لَيحمِي عَبْدَهُ المُومِنَ مِنَ الدُّنْيا وهو يحبُّه كَما تَحمُونَ مَرِيضَكُم مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ" (٤).
стр. 169
وروى أبو موسى: عن النبي ﷺ ، قال: "مَنْ أَحَبَّ دُنْيَاهُ، أَضَرَّ بِآخِرَتهِ، وَمَنْ أَحَبَّ آخِرَتَهُ، أَضَرَّ بِدُنْيَاهُ" (١).
لقد وعظَكَ الدهرُ بمرور الأيام والشهور، ورأيتَ الحزنَ عقيبَ السرور، وعلمتَ أن الزمان بأهله معثور، وتيقنتَ أن آخر الأمرِ القبور، ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد: ٢٠].
стр. 170
الفصل الثّاني
في ذم الأمل
عن أنس، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "يَهْرَمُ ابن آدَمَ، وَيَبْقَى فِيهِ خَصْلَتَانِ: الحِرْصُ، وَطُولُ الأمَلِ" (١).
وقد أمرَ رسولُ الله ﷺ بتقصير الأمل.
عن رسولِ الله ﷺ ، قال: "يَحيَا أَوَّلُ هذهِ الأمَّةِ بِاليَقِينِ وَالزُّهْدِ، وَيَهْلِكَ آخِرُها بِالبُخْلِ وَالأمَلِ" (٢).
وجدوا حجراً منقوراً فيه مكتوب: ابن آدمَ! إنك لو رأيتَ قريبَ ما بقيَ من أجلك، لزهدت في طولِ أملِك، ولرغبتَ في الزيادةِ من عملك، ولقصرتَ من حرصِك وحِيَلِك، وإنما يلقاك غداً ندمُك، ولو قد زلَّتْ قدمُك، وأسلمكَ أهلُك وحشَمُك، فبان منك الولدُ القريب، ورفضك الوالدُ والنسيب، فلا أنتَ إِلَى دنياك عائد، ولا في حسناتك
стр. 171
زائد، فاعمل ليوم القيامة، قبلَ السيرة والندامة. هذا آخره.
قُلْ لِلمُؤَمِّلِ وَالمَنَايا شُرَّعٌ ... مَاذَا يَغُرُّكَ أينَ مَنْ لَمْ يَخْلُدِ
يا بْنَ الَّذِينَ تَقَطَّعَتْ أَوْصَالُهُمْ ... تَرْجُو التقَاءَ وَأَنْتَ غَيْرُ مُخَلَّدِ
وَأبوكَ قَبْلَكَ كَانَ يَأْمُلُ ما ترَى ... حَتَّى أتتْهُ مَنِيَّةٌ لَمْ تُرْدَدِ
لَوْ رأيتَ الفاجرَ يومئذٍ قد أسر، وَغُلَّ بعدَ الإطلاق، وحُبِس وقسر، ولِما ربح المتقون حُسر، ﴿يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾.
عرض على العاصي ما كُتب وسُطر، وذلَّ ذاك المتجبرُ البَطِر، وودَّ لو أنّه عاد كما فُطر، ﴿يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [القمر: ٨].
стр. 172
الفصل السادس عشر
فيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: في ذم البخل.
الفصل الثاني: في ذم الحسد.
الفصل الثالث: في ذم الغضب.
стр. 173
الفصل الأوّل
في ذم البخل
قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٠].
عن النبي ﷺ : أنه كان يقول: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الجُبْنِ وَالبُخْلِ" (١).
عن النبي ﷺ ، قال: "اتَّقُوا الشّحَّ، فَإِنَّ الشّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكم، حَمَلَهُم عَلَى أَنْ يَسْفِكُوا دِمَاءَهُمْ، وَيَسْتَحِلُّوا مَحَارِمَهُمْ" (٢).
* * *
مسألة
إن قيل: البخلُ والشحّ واحد؟
стр. 174
فالجواب: أنه يعبر بهذا عن هذا.
قَالَ الخطابي: الشحّ أبلغُ، فهو بمنزلة الجنسِ، والبخلُ بمنزلة النوعِ، والبخلُ: في أفرادِ الأمور، والشحُّ عام.
وقَالَ بعضهم: البخلُ: أن يبخل بماله، والشحُّ: أن يبخل بماله ومعروفه (١).
* * *
مسألة
فإن قيل: ما البخلُ المذموم؟
فالجواب: إن قوماً حَدُّوه بمنع الواجب، وإنما أرادوا البخل الذي يقع عليه العقوبة، ومن أدى الواجب يسلف من العقوبة، والله كريم يحبُّ الكريم؛ جواد يحب الجواد.
روي عن النبي ﷺ : أنه كان أجودَ من الريحِ المرسَلَة (٢).
• • •
стр. 175
الفصل الثّاني
في ذم الحسد
روي عن النبيِّ ﷺ : أنّه قال: "لا تَحَاسَدُوا، وَلا تَبَاغَضُوا، وَلا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا -عِبَادَ الله- إِخْوَاناً" (١).
وروي عن أنسٍ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "الحَسَدُ يَأْكُلُ الحَسَنَاتِ كَما تَأْكُلُ النَّارُ الحَطَبَ" (٢).
وقيل: إن رجلاً انقطعَ إلى بعض [الكرماء]، فأتحفه بشحمه، وكفاه مؤنَتَه، فبَطِرَ النعمةَ، وسعى بذلك الكريم إلى الأمير، فأرسل إليه الأميرُ، فأخبره بما نقل عنه، فانكسر، فقَالَ: فلان يخبر عنك بذلك، فسكت متعجباً!
فقال الأمير: مالك؟
فقال: أخاف أن أكونَ قصَّرت في الإحسان إليه، فحملَه ذلك على مساوئ أخلاقه.
стр. 176
فقال له الأمير: سبحان الله! أعجب ما بينكما في الطبع، أنت تحنو عليه، وهو يسعى في سفكِ دمك، أشهدُ إنك لكريم، وإنَّه للئيم.
ذكر ابن الجوزي هنا مسألة ؛ فقال: إن قال قائل: الحسدُ أمرٌ باطن، فكيف السبيلُ إِلَى زواله؟.
فالجواب: أن الآدمي قد جُبل على حب الرفعة، فلا يحب أن يعلو أحدٌ عليه في نعمة من نعم الله تعالى، فإذا على عليه أحدٌ، شَقَّ عليه، وأحبَّ زوال ما على به.
* * *
مسألة
فإن قيل: هل للحسد دواء؟
فالجواب: إنّ الحسد أولاً يضرُّ الحاسدَ في الدين والدنيا، ولا يستضر بذلك المحسود.
[أَلا] أَيُّها القَلْبُ الكَثيرُ عَلائِقُهْ ... ألم تَرَ أَنَّ الدَّهْرَ تَجْرِي بَوَائِقُهْ
تُسَابِقُ رَيْبَ الدَّهْرِ فى طَلَبِ المُنَى ... بِأَيِّ جَنَاح خِلْتَ أَنّكَ سَابِقُهْ
أَلا أَيُّها البَاكِي عَلَى المَيْتِ بَعْدَهُ ... رُوَيْدَكَ لا تَعْجَلْ فَإِنَّكَ لاحِقُهْ
الفصل الثّالث
في ذم الغضب
قَالَ الله : ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٧].
عن النبي ﷺ ، قال: "إِنَّ الغَضَبَ جَمْرَة في قَلْبِ ابن آدَمَ، أَلا تَرَوْنَ إِلَى حُمرَةِ عَيْنَيْهِ، وَانْتِفَاخِ أَوْدَاجِهِ؟ " (١).
قال القاضي: يُستحب لمن غضب: إن كان قائماً، جلس، كان كان جالساً، اتكأ.
عن أبي هريرةَ، قال: أتى إِلَى النبيِّ ﷺ رجل، فقَالَ: أوصني، قَالَ: "لا تَغْضَبْ"، فردَّد مراراً، قَالَ: "لا تَغْضَبْ" (٢).
عن النبيِّ ﷺ ، قال: "مَنْ كَفَّ غَضَبَهُ، سَتَرَ الله عَوْرتَهُ" (٣).
عن النبيِّ ﷺ : أنه قال: "ما تَرَجَّى عبد رَجْوَى أَفْضَلَ عِنْدَ الله مِنْ حَبْسِ غَضَبِهِ".
стр. 179
خُذْ ما صَفَا لَكَ فَالحَيَاةُ غُرُورُ ... وَالمَوْتُ آتٍ وَاللَّبِيبُ خَبِير
لا تَعتبَنَّ عَلَى الزَّمَانِ فَإِنَّه .... فَلَكٌ عَلَى قُطْبِ الهلاكِ يَدُورُ
إذ لقي الفاجرُ ملائكةً صِعابا، وشاهدَ النار تلهَّبُ التهابا، وسئل ولم نسمع لهذا العتاب جوابا، فتلقته سهامٌ ما زالت صِيابا، قَالَ بلسان الحسرة وقد صار له دابا: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ [النبأ: ٤٠].
стр. 180
الفصل السابع عشر
وفيه فصلان:
الفصل الأول: في مكائد الشيطان.
الفصل الثاني: في التحذير من الغرور.