فقال له الأمير: سبحان الله! أعجب ما بينكما في الطبع، أنت تحنو عليه، وهو يسعى في سفكِ دمك، أشهدُ إنك لكريم، وإنَّه للئيم.
ذكر ابن الجوزي هنا مسألة ؛ فقال: إن قال قائل: الحسدُ أمرٌ باطن، فكيف السبيلُ إِلَى زواله؟.
فالجواب: أن الآدمي قد جُبل على حب الرفعة، فلا يحب أن يعلو أحدٌ عليه في نعمة من نعم الله تعالى، فإذا على عليه أحدٌ، شَقَّ عليه، وأحبَّ زوال ما على به.
* * *
مسألة
فإن قيل: هل للحسد دواء؟
فالجواب: إنّ الحسد أولاً يضرُّ الحاسدَ في الدين والدنيا، ولا يستضر بذلك المحسود.
[أَلا] أَيُّها القَلْبُ الكَثيرُ عَلائِقُهْ ... ألم تَرَ أَنَّ الدَّهْرَ تَجْرِي بَوَائِقُهْ
تُسَابِقُ رَيْبَ الدَّهْرِ فى طَلَبِ المُنَى ... بِأَيِّ جَنَاح خِلْتَ أَنّكَ سَابِقُهْ
أَلا أَيُّها البَاكِي عَلَى المَيْتِ بَعْدَهُ ... رُوَيْدَكَ لا تَعْجَلْ فَإِنَّكَ لاحِقُهْ
الفصل الثّالث
في ذم الغضب
قَالَ الله : ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٧].
عن النبي ﷺ ، قال: "إِنَّ الغَضَبَ جَمْرَة في قَلْبِ ابن آدَمَ، أَلا تَرَوْنَ إِلَى حُمرَةِ عَيْنَيْهِ، وَانْتِفَاخِ أَوْدَاجِهِ؟ " (١).
قال القاضي: يُستحب لمن غضب: إن كان قائماً، جلس، كان كان جالساً، اتكأ.
عن أبي هريرةَ، قال: أتى إِلَى النبيِّ ﷺ رجل، فقَالَ: أوصني، قَالَ: "لا تَغْضَبْ"، فردَّد مراراً، قَالَ: "لا تَغْضَبْ" (٢).
عن النبيِّ ﷺ ، قال: "مَنْ كَفَّ غَضَبَهُ، سَتَرَ الله عَوْرتَهُ" (٣).
عن النبيِّ ﷺ : أنه قال: "ما تَرَجَّى عبد رَجْوَى أَفْضَلَ عِنْدَ الله مِنْ حَبْسِ غَضَبِهِ".
стр. 179
خُذْ ما صَفَا لَكَ فَالحَيَاةُ غُرُورُ ... وَالمَوْتُ آتٍ وَاللَّبِيبُ خَبِير
لا تَعتبَنَّ عَلَى الزَّمَانِ فَإِنَّه .... فَلَكٌ عَلَى قُطْبِ الهلاكِ يَدُورُ
إذ لقي الفاجرُ ملائكةً صِعابا، وشاهدَ النار تلهَّبُ التهابا، وسئل ولم نسمع لهذا العتاب جوابا، فتلقته سهامٌ ما زالت صِيابا، قَالَ بلسان الحسرة وقد صار له دابا: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ [النبأ: ٤٠].
стр. 180
الفصل السابع عشر
وفيه فصلان:
الفصل الأول: في مكائد الشيطان.
الفصل الثاني: في التحذير من الغرور.
стр. 181
الفصل الأوّل
في مكائد الشيطان
قال الله- : ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [الإسراء: ٥٣].
الشيطان: اسم لكل متمرد.
قَالَ أبو عبيدة: من الجن والإنس، والدواب، واختلفوا: هل نونُ الشيطان أصلية، أم زائدة؟ على قولين.
المراد بالشيطان هاهنا: إبليس.
فى "الصحيحين": عن النبيِّ ﷺ ، قال: "إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنِ ابن آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ" (١).
كانت رابعةُ تقول: أما أنت أيام معدودة، فإذا ذهب، يوشك إذا ذهب البعض أن يذهب الكل.
إخواني! هذا العدو الذي أخرج أباكم من الجنة، فإنه ساعٍ في
стр. 182
منعكم منها بكل سبيل، والعداوة بينكم وبينه قديمة، فإياكم منه! فلا تجعلوا له عليكم سبيلاً.
وأنشد يعضهم:
فَحَيَّ عَلَى جَنَّاتِ عَدنٍ فَإِنَّها ... مَنَازِلُكَ الأولَى وَفِيها المُخَيَّمُ
وَلكننَا سَبْيُ العَدُوِّ فَهلْ تُرَى ... نَعُودُ إِلَى أَوْطَانِنَا وَنُسَلَّمُ
стр. 183
الفصل الثّاني
في التحذير من الغرور
عن ابن مسعودٍ: أن النبيَّ ﷺ قرأ: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥]، قيل: وكيف ذلك؛ قال: "يُدخِلُ النُّورَ في قَلْبِهِ، فَيَنْفَتِحُ لَهُ"، قيل: وما علامة ذلك؟ قال: "التَّجَافِي عَنْ دَارِ الغُرُورِ، وَالإنَابَةُ إِلَى دَارِ الخُلُودِ، وَالاِسْتِعْدَادُ لِلمَوْتِ قَبْلَ نزولِهِ" (١).
قَالَ أبو الجواد المغربي: كنت ببيت المقدس جالساً، وإذا قد طلع شابّ، والصبيان حوله يرمونه بالحجارة، ويقولون: مجنون، فدخل المسجد، وجعل ينادي: اللَّهُمَّ أَرِحْني من هذه الدار، فقلت له: هذا كلام حكيم.
فقَالَ: ليس بي جنون وولق، بل قَلَق وفَرَق، ثم أنشأ يقول:
هجَرتُ الكِرَى في حُبِّ مَنْ جَادَ بِالنِّعم ... وَعِفْتُ الكَرَى شَوْقاً إِلَيْه فَلَمْ أَنَمْ
стр. 184
ومَوَّهْتُ دَهْرِي بِالجُنُونِ عَنِ الهوَى ... لِأكتُمَ ما بِي مِنْ هوَاهُ فَما انكتَمْ
فَلَمَّا رَأَيْتُ الشَّوْقَ وَالحُبَّ بَائِحا ... كَشَفْتُ طِبَاعِي ثُمَّ قُلْتُ نَعَمْ نَعمْ
فَإِنْ قِيلَ مَجْنُونٌ فَقَد جَنَّنِي الهوَى ... وَإِنْ قِيلَ مِسْقَامٌ فَما بِيَ مِنْ سَقم
وَحَقِّ الهوَى وَالحُبِّ وَالعَهْدِ بَيْنَنَا ... وَحُرْمَةِ رُوحِ الأنْسِ في حِنْدِسِ الظُّلَمْ
لَقَد لامَنِي الوَاشُونَ فِيكَ جَهالَةً ... فَقُلْتُ لِطَرفي أَفْصَحَ العُذْرُ فَاحْتَشَمْ
فَعَاتَبَهم طَرْفي بِغَيْرِ تَكَلُّمٍ ... وَأَخْبَرَهُم أَنَّ الهَوَى يُورِثُ السَّقَمْ
فَبِالحِلْمِ يا ذَا المَنِّ لا تُبْعِدَنَّنِي ... وَقَرِّبْ مُرَادِي مِنْكَ يا بَارِئَ النَّسم
فقلت له: أحسنتَ، لقد غلطَ من سَمَّاك مجنوناً، فنظر إلي وبكى، وقال: أَوَ لا تسألني عن القوم كيف وصلوا فاتصلوا؟ قلت: بلى، أخبرني.
فقال: طَهَّروا الأخلاق، ورضُوا منه بيسير الأرزاق، وهاموا من محبته في الآفاق، واتَزّرَوا با لصدق، وارتَدَوْا بالإشفاق، وشَمَّروا تشمير الجهابذة الحُذَّاق، حَتَّى اتصلوا بالواحدِ الرزَّاق، فشرَّدَهم في الشواهق، وغيبهم عن الخلائق، لا تُؤويهم دار، ولا يقرهم قرار، فالنظر إليهم اعتبار، ومحبتُهم افتخار، وهم صفوةُ الأبرار، ورهبانٌ أخيار، مدحَهم
стр. 185
الجبار، ووصفهم النبيُّ المختار، إن حضروا، لم يعرفوا، وإن غابوا، لم يفتقدوا، كان ماتوا، لم يشهدوا. ثم أنشأ يقول:
كُنْ مِنْ جَمِيعِ الخَلْقِ مُسْتَوْحِشاً ... مِنَ الوَرَى تَسْرِي إِلَى الحَقِّ
وَاصْبرْ فَبِالصَّبْرِ تنالُ المُنَى ... وَارضَ بِما يَجْرِي مِنَ الرِّزْقِ
وَاحْذَز مِنَ النُّطْقِ وَآفَاتِه ... فَاَفَةُ المُؤمِنِ في النُّطْقِ
وَجِدَّ في السَّيْرِ مُجِدَّاً كَما ... شَمَّرَ أَهْلُ السَّبْقِ لِلسَّبْق
أولئك الصَّفْوَةُ مِمَّنْ سَمَا (١) ... وَخِيرَةُ الله مِنَ الخَلْق
قَالَ: فأنسيت الدنيا عند حديثه، ثم ولى هارباً، فأنا متأسفٌ عليه.
يا مَنْ جمعَ الأموال ورباها، وأقرضَها، ثم أكل رِباها، وعلا من المحرمات على رُباها، وافتخر بماله وجمعَه وباهى، كأنك بأشلائِك والقبرُ قد حواها، والترابُ قد أكلها وأبداها، ﴿يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: ٤٩].
• • •
стр. 186
الفصل الثّامن عشر
وفيه فصلان:
الأول: في ذكر الموت.
والثاني: في ذكر القيامة.
стр. 187
الفصل الأوّل
وفيه فصلان:
الفصل [الأول]: في ذكر الموت.
الفصل الثاني: في ذكر القبر.
стр. 188
الفصل [الأوّل]
في ذكر الموت
عن أبي هريرةَ، قالَ رسولُ الله ﷺ : "أَكْثِروا ذِكْرَ هادِمِ اللَّذَّات" (١)
قَال الربيعُ بن أبي راشدٍ: لو فارق ذكرُ الموت قلبي، لفسدَ (٢).
قال مجاهد: ما من ميتٍ إلا عُرض عليه جلساؤه، إن كانوا أهلَ، أو كانوا أهلَ لهوٍ (٣).
ويجتمع على ابن آدم ستُّ شدائد:
الشدة الأولى: مفارقةُ المالِ والولدِ والدنيا.
الشدة الثانية: [.........] الأعمال.
الشدة الثالثة: حسراتُ الفوت حين لا يمكن الاستدراك، وهي أشدُّ شدة.
стр. 189
الشدة الرابعة: معاينة المَلَك، وهي حالة عظيمة.
الشدة الخامسة: ألمُ الموت، ومنها قوله ﷺ : "إِنَّ لِلمَوْتِ سَكَرَاتٍ" (١).
الشدة السادسة: نزولُه القبر، وسؤاله.
وفي الآخرة، وفيه أربعة شدائد:
الشدة الأولى: القيامُ من قبورهم، وما يقع بهم من العَرَقِ وشخوصِ الأبصار.
الشدة الثانية: الحساب.
الشدة الثالثة: المرور على الصراط.
الشدة الرابعة: الميزان.
المَوْتُ بحرٌ هائِلٌ مَوْجُهُ ... تَضِلُّ فيهِ حِيلَةُ السَّابِحِ
لا يَنْفَعُ الإنْسَانَ في قَبْرِهِ ... غيرُ (٢) التُّقَي وَالعَمَلِ الصَّالِحِ
كان سليمانُ التيميُّ إذا مات في الحي ميتٌ، لم ينم تلك الليلةَ.
وكان يحيى بن أبي كثيرٍ إذا شاهدَ جنازةً، لم يَتَعَشَّ تلك الليلةَ. (١)
стр. 190
إِخْوَاني! تذكروا ما لا ينساكم، وتفكروا فيما لابدَّ يلقاكم، وعمِّروا القبور، فإنّها مأواكم، وأخروا الغرور، فكم غرَّ دنياكم، واعتبروا بمن سواكم بسواكم.
دخل سابقٌ البربريُّ على عمرَ بن عبد العزيزِ، فقال له: عِظْني وازجر، فأنشده:
إِذَا أَنْتَ لمَ ترحَلْ بِزَادٍ مِنَ التُّقَى ... وَوَافَيْتَ بَعْدَ المَوْتِ مِنْ قَدْ تَزَوَّدَا
نَدِمتَ عَلَى أَنْ لا يمُونَ شَرِيكَه ... وَأَرصَدتَ قَبْلَ المَوْتِ ما كَانَ أَرصَدَا
فبكى عمرُ، وسقط مغشياً عليه.
стр. 191
الفصل الثّاني
في ذكر القبر
قال ابن الجوزيِّ: أخبرنا هبةُ الله بن محمدٍ: أخبرنا الحسنُ بن عليِّ التميميُّ: أخبرنا أحمدُ بن جعفرٍ: حدثنا عبد الله بن أحمدَ: حدثنا أبي: حدثنا أبو معاويةَ: حدثنا الأعمشُ، عن المنهالِ بن عمرَ، عن زاذانَ، عن البراءِ بن عازبٍ، قال: خرجنا معَ رسولِ الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر، ولَمَّا يُلْحَد، فجلسَ رسولُ الله ﷺ ، وجلسنا حولَهُ كأنّ على رؤوسنا الطيرَ، وفي يده عودٌ ينكُتُ به الأرضَ، فرفع رأسَه فقالَ: "اسْتَعِيذُوا بِالله مِنْ عَذَابِ القَبْرِ -مرتين، أو ثلاثاً-".
ثم قال: "إِنَّ العَبْدَ المُومِنَ إِذَا كَانَ في انْقِطَاعٍ مِنَ الدُّنْيَا، وَإِقْبَالٍ مِنَ الآخِرَةِ، نزلَ إِلَيْهِ مَلائِكَةٌ مِنَ السَّمَاءِ بِيضُ الوُجُوهِ، كَأَنَّ وُجُوههُمُ الشَّمسُ، مَعَهُم كَفَنٌ مِنْ أَكْفَانِ الجَنَّةِ، وَحَنُوطٌ مِنْ حَنُوطِ الجَنَّةِ حَتَّى يَجْلِسُوا مِنْهُ مَدَّ البَصَرِ، ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ المَوْتِ حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَيَقُولُ: أَيَّتها النَّفْسُ الطيِّبَةُ! اخْرُجِي إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنَ الله وَرِضْوَانٍ، قَالَ: فَتَخْرُجُ تَسِيلُ كَما تَسِيلُ القَطْرَةُ مِنْ فِي السِّقَاءِ، فَيَأْخُذُها، فَإِذَا أَخَذَها،
стр. 192
لَمْ يَدَعها في يَدِهِ طَرفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَأْخُذُوها، وَيَجْعَلُوها في ذلك الكَفَنِ وَالحَنُوطِ، وَيَخْرُجُ مِنْها كَأَطْيَبِ نَفْحَةِ مِسْكٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الأرضِ".
قَالَ: "فَيصعَدُونَ بِها، فَلا يَمُرّونَ بِها عَلَى مَلا مِنَ المَلائِكَةِ إِلا قَالُوا: ما هذا الرّوحُ الطَّيِّبُ؟ فَيَقُولُونَ: فُلانُ ابن فُلانٍ، بِأَحسَنِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانُوا يُسَمُّونَهُ بِها في الدّنْيَا، حَتَّى يَنْتَهُوا بِها إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَسْتَفْتِحُونَ لَهُ، فَيُفْتَحُ لَهُ، فَيُشَيِّعُهُ مِنْ كُلِّ سَمَاءٍ مُقَرَّبُوها إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي تَلِيها حَتَّى يُنْتَهى بِها إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَيَقُولُ الله ﵎: اكْتبوا كِتَابَ عَبْدِي في عِلِّيِّينَ، وَأَعِيدُوهُ إِلَى الأرضِ، فَإِنِّي مِنْها خَلَقْتُهُم، وَفِيةا أُعِيدُهم، وَمِنْها أُخْرِجُهُم تَارة أُخْرَى".
قال: "فَتُعَادُ رُوحُهُ في جَسَدِهِ، فَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ، فَيُجْلِسَانِهِ، فَيَقُولانِ لَهُ: مَنْ ربكَ؟ فَيَقُولُ: الله ربي، فَيَقُولانِ لَهُ: ما دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: دِينيَ الإسْلامُ.
فَيَقُولانِ لَهُ: ما هذا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُم؟
فَيَقُولُ لَهُ: هُوَ رَسُولُ الله.
فَيَقُولانِ لَهُ: ما علّمك؟ فَيَقُولُ: قَرَأْتُ كِتَابَ الله، فآمَنْتُ بِهِ وَصَدَّقْتُ، فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: أَنْ صَدَقَ عَبْدِي، فَأَفْرِشُوهُ مِنَ الجَنَّةِ، وَأَلْبِسُوهُ مِنَ الجَنَّةِ وَافْتَحُوا لَهُ بَاباً إِلَى الجَنَّةِ".
قَالَ: "فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِها وَطِيبِها، وُيفْسَحُ لَهُ في قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ".
قَالَ: "وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ حَسَنُ الوَجْهِ، حَسَنُ الثّيَابِ، طَيِّبُ الرِّيح،
"فَتُعَادُ رُوحُهُ في جَسَدِهِ، وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ، فَيُجْلِسَانِهِ، فَيَقُولانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟
فَيَقُولُ: هاهْ، هاهْ، لا أَدرِي.
فَيَقُولانِ لَهُ: ما دِينُكَ؟
فَيَقُولُ: هاهْ، هاهْ، لا أَدْرِي.
فَيَقُولانِ لَهُ: ما هذا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمُ؟
فَيَقُولُ: هاهْ، هاهْ، لا أَدْرِي.
فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: أَنْ كَذَبَ عَبْدِي، فَأفرِشُوه في النَّارِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَاباً إِلَى النَّارِ، فَيَأْتِيهِ مِنْ حَرِّها، وَسَمُومِها، وَيَضِيقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلاعُهُ، وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ قَبِيحُ الوَجْهِ، قَبِيحُ الثّيَابِ، مُنْتِنُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ: أَبْشِر بِالَّذِي يَسُوءُكَ، هذا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ، فَيَقُولُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَوَجْهُكَ الوَجْهُ الَّذِي يَجيءُ بِالشَّرِّ، فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الخَبِيثُ، فَيَقُولُ: رَبِّ! لا تُقِم السَّاعَةَ" (١).
إِخْوَانِي! لقد وعظَ الزمانُ وما قَصَّر، وتكلمَ الصامتُ وما أَقْصَر، ولاح الهدى، وإنَّما الشأنُ فيمن أبصر.
روى أبو بكرٍ القرشيُّ: أنّ رجلا كان يحفر القبور بالبصرة، قَالَ: فحفرتُ قبراً، ووضعت رأسي قريباً منه، فأتتني امرأتان في منامي، فقَالَت إحداهما: نشدتُكَ الله إلا صرفتَ عنا هذه المرأةَ، ولم تجاورني
стр. 195
بها، فاستيقظتُ فَزِعاً، فإذا جنازةُ امرأةٍ قد جيء بها، وصرفْتُهم إِلَى غير ذلك القبر، فلما كان الليل، إذا أنا بامرأتين في منامي، تقول لي إحداهما: جزاك الله عنا خيراً، صرفْتَ عنا شراً طويلاً، قلت: ما بالها صاحبتُك لا تكلمني كما تكلمينني أنت؟ قالت: إنَّ هذه ماتت على غير وصيةٍ، وحقَّ لمن ماتَ على غيرِ وصيةً أن لا يتكلمَ إِلَى يوم القيامة.
تناجِيكَ أَجْدَاثٌ وَهُنَّ سُكُوتُ ... وَسُكَّانُها تَحتَ التُّرَابِ خُفُوتُ
فيا (١) جَامِعَ الدُّنْيا لِغَيْرِ بَلاغَةً ... لِمَنْ تَجْمَعُ الدُّنْيا وَأَنْتَ تَمُوتُ
وقرئ على قبرٍ:
مُقِيمٌ إِلَى أَنْ يَبْعَثَ الله خَلْقهُ ... لِقَاؤُكَ لا يُرْجَى وَأَنْتَ قَرِيبُ
تَزِيدُ بَلاً في كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةً ... وَتنسَى كَما تَبْلَى وَأَنْتَ حَبِيبُ
وقرئ على قبرٍ آخر:
يَمُرُّ أَقَارِبِي جَنَبَاتِ قَبْرِي ... كَأَنَّ أَقَارِبِي لَمْ يَعرِفُونِي
وَقَد أَخَذُوا سِهامَهُمُ وَعَاشُوا ... فَيا للَّهِ أَسرَعَ ما نَسُونِي
الفصل الثّاني
في ذكر القيامة
عن أبي هريرة: قالَ رسولُ الله ﷺ : "ما بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَربَعِينَ"، قالوا: يا أبا هريرة! أربعين يوماً؛ قال: أبيت، قالوا: أربعين شهراً؟ قال: أبيت، قالَوا: أربعين سنة؟ قال: أبيتُ، قال: "ثُمَّ يُنْزِلُ الله تعَاَلَى مَاءً مِنْ سمَاءِ الذُنْيَا، فَيَنْبُتُونَ كَما يَنْبُتُ البَقْلُ".
قال: "وَلَيْسَ مِنَ الإنْسَانِ شَيْءٌ إِلا يَبْلَى، إِلا عَظْمٌ وَاحِدُ، وَهُوَ عَجْبُ الذَّنَبِ، وَمِنْهُ يُرَكَّبُ الخَلْقُ يَوْمَ القِيَامَةِ" (١).
وروي عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ : أنه قَالَ: "يُنْزِلُ الله مَاءً مِنْ تَحتِ العرشِ، يُقَالُ لَهُ: الحَيَوَانُ، وَتُفطِرُ السَّمَاءُ أَربَعِينَ يَوْما حَتَّى يَكُونَ المَاءُ فَوْقَكُمُ اثني عَشَرَ ذِرَاعاً، فَتَنْبُتُ الأجْسَادُ كنَبَاتِ البَقْلِ، أَوْ كنبَاتِ الطَّرَاثِيثِ، حَتَّى يمَامَلَ أَجْسَادُكُمْ فَتكُونَ كَما كَانَتْ، ثُمَّ يَدعُو الله بِالأروَاحِ، فَيؤتَى بِها، فَتَخْرُجُ كَأَمثالِ النَّحْلِ، وَقَد مَلأتْ ما بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرضِ، فَيُلْقِيهَا في الصُّورِ، أروَاحُ المُؤْمِنِينَ
стр. 198
تَتَوَهَّجُ نُوراً، وَالأخرَى مُظْلِمَةٌ، فَتدخُلُ الأروَاحُ في الخَيَاشِيم، فَتَدِبُّ دَبِيبَ السُّمِّ في اللَّدِيغِ، ثُمَّ يَقُولُ الله : لِيَحيَ حَمَلَةُ العَرشِ، فَيَحيَوْنَ، ثُمَّ يَأْمُرُ إِسْرَافِيلَ، فَيَقْبِضُ الصُّورَ، فَيَنْفُخُ، فَيَخْرُجُونَ حُفَاةً عُراةً غُرْلاً" (١).
وقال أبو رَزين العقيليُّ: قلت: يارسولَ الله! كيف يُحيي الله الموتى؟
قال: "هلْ مَرَرْتَ بِأرضٍ مِنْ أَرْضكِ مُجْدبَةً، ثُمَّ مَرَرْتَ بِهَا مُخْصِبَةً؟ "، قلت: نعم، قال: "كَذلك النُّشُورُ" (٢).
وفي أفراد مسلم: عن جابرٍ، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "يُبْعَثُ كُلُّ عبد عَلَى ما مَاتَ عَلَيْهِ" (٣).
وفي "الصحيحين": عن عائشةَ، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "إنكم تُحْشَرُونَ يَوْمَ القِيَامَة، حَفَاةً، عُرَاةً، غُرْلاً"، قالت عائشةُ: قلتُ: يا رسول الله! الرجالُ والنساء، ينظر بعضهم إِلَى بعض؟ قال: "يا عَائِشَةُ! إِنَّ الأمرَ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يُهِمَّهُم ذلك" (٤).
وفي "الصحيحين": عن عَدِيِّ بن حاتمٍ، عن النبيِّ ﷺ : أنّه قَالَ: "ما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلا سَيُكَلِّمُهُ ربُهُ ﵎، لَيْسَ بَيْنَهُ
стр. 199
وَبَيْنَهُ تُرجُمَان، فَيَنْظُرُ عَنْ يَمِيبهِ، فَلا يَرَى إِلا شَيْئاً قَدَّمَهُ، وَيَنْظُرُ عَنْ شِمَالِهِ، فَلا يَرَى إِلا شَيْئاً قَدَّمَهُ، وَيَنْظُرُ أَمَامَهُ، فَتَسْتَقْبِلُهُ النَّارُ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُم أَنْ يَتَّقيَ النَّارَ، وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَلْيَفْعَلْ" (١).
ويشفعُ النبيُّ ﷺ .
* * *
فصلٌ
وهنا مسألة:
وهي أنّ الناس حين يأتون في الشفاعة (٢) إلى نبينا محمد، ثم يأتي إِلى تحت العرش، فيسجد، فلما أن يرفع رأسه، فيقال: أَخْرِجْ من النار، والحاصل: أنّ الناس بعدُ ما دخلوا النار، ولا حوسبوا.
فالجواب:
أن هذه السجدة قدرُها جمعةٌ من أيام الدنيا، فيقال: قد يفصل بين الناس في هذه الجمعة، ويدخلون النار.
ويقال أيضاً: إن الحديث متداخل، أدخل الراوي بعضَه في بعض، وهو أصح.
* * *
стр. 200
فصلٌ
ثم يُنْصَبُ الصراطُ على مَتْن جهنم، وهو أرقُّ من الشعرة، وأحدُّ من السيف، فنسأل الله السلامةَ، من يوم الحسرة والندامة.
مَضَى زَمَانُ الصِّبَا وَحُبِّ الحَبَايِبْ ... كَفَاكَ زَجْراً وَوَغظاً شَيْبُ الذَّوَائِبْ
أَفِقْ لِنَفْسِكَ وَاسْمَغ قَوْلَ المُعَاتِبْ ... لا تَغْتَرِز بِالأمَانِي فَرُبَّ خَائِبْ
يا غَافِلاً فَاتَهُ أَفْضَلُ المَنَاقِبْ ... أَيْنَ البُكَا لِلخَوْفِ العَظِيمِ المطَالِبْ
لَيْتَ الزَّمَانَ الَّذِي ضَاعَ في المَلاعِبْ ... نَظَرْتَ فِيهِ إِلَى آخِرِ العَوَاقِبْ
كَم في القِيَامَةِ مِنْ أَدمُعٍ سَوَاكِبْ ... عَلَى ذُنُوبٍ حَوَاها كِتَابُ كَاتِبْ
مَنْ لِي إِذَا قُمتُ مِنْ مَوْقِفِ المُحَاسب ... وَقِيلَ لِي ما صَنَعتَ في كُلِّ وَاجِبْ
تَرجُو النَّجَاةَ وَتَلْهُو يا شَرَّ لاعِبْ ... إِذَا أَتَتْكَ الأمَانِي تَظُنّ كَاذِبْ
المَوْتُ صَعبٌ شَدِيدٌ مِنَ المَشَارِبْ ... يَلْقَى بشدَّةٍ فيه صدورَ الكتائِبْ
стр. 201
انْظُر لِنَفْسِكَ وَانْظُر قُدُومَ غَائِبْ ... يَأتِي بِقَهْرٍ يَرمِي بِسَهْمٍ صَائِبْ
يا آمِلاً أَنْ يَبْقَى آمِناَ لِلنَّوَائِبْ ... بَنَيْتَ بَيْتاً وَلكن لِنَسْجِ العَنَاكِبْ
أَيْنَ الَّذِين عَلَوْا مُتُونَ الرَّكَائِب ... فَأَصْبَحوا الخيلَ كيف مَنْ غَيرُ تَائبْ
دَبَّ الهلاكُ إِلَيْهم مِثْلَ العَقَارِبْ ... ضَاقَتْ بِهِمُ المَنَايا كُلَّ المَذَاهِبْ
وَأَنْتَ بَعدُ عَنْ قَلِيلٍ خَلَفُ المَصَائِبْ ... فَانْظُرْ وَفَكِّر وَدَبِّرْ كُلَّ العَجَائِبْ
لو تُفكر النفوسُ فيما بين يديها، أو تذكرتْ حسابها فيما لها أو عليها، لبعثَ حزنُها بريدَ دمعِها كلَّ وقت إليها.
وَمِنْ أَعجَب الإنْسَانِ أَنّكَ تعلَمُ ... بِأَنَّكَ مَأْخُوذٌ بِما تَتَجَرَّمُ
وَأَنْتَ عَلَى ما أَنْتَ غَيْرُ مُقَصِّرٍ ... وَلا مُقْلِعٍ عَما عَلَيْكَ يُحَرَّمُ
كَأَنَّكَ في يَوْمِ القِيَامَةِ آمِنٌ ... إِذَا بُرِّزَتْ لِلمُجْرِمِينَ جَهنَّم
وَلا تَغْتَررْ بِالعُمرِ إِنْ طَالَ وَاعتَبر ... فَإِنَّكَ لا تَدرِي مَتَى يَتَصَرَّمُ
стр. 202
وتَسْكُنُ بَيْتاً غَيْرَ بَيْتِكَ مُظْلِماً ... وَلا فِيهِ مَشْرُوب وَلا فِيهِ مَطْعَمُ
وَتَتْرُكُ ما [قد] كُنْتَ فِيهِ مُحَكَّماً ... وَغَيْرُكَ فِيهِ لَوْ عَلِمتَ المُحَكَّمُ
وَتَأْتِي كَذَا مِنْ بَعدِ يُسْرِكَ مُعسِراً ... وَما لَكَ دِينَارٌ وَلا لَكَ دِرْهَمُ
فَإِنْ كُنْتَ [قدْ] قَدَّمتَ مِنْ قَبْلُ صَالِحاً ... فَإِنَّكَ مِنْ هوْلِ القِيَامَةِ تَسْلَمُ
فَكُنْ مُقْلِعاً وارجِع إِلَى اللهِ وَاغْتَنِم ... بَقَاءَكَ في الدّنْيا فَعُقْبَاكَ مَغْنَمُ
أما يحقُّ البُكا لمن قد مضى زمانُه، أما يحق البكا لمن طال عصيانُه، نهاره في المعاصي، فقد زادَ خسرانُه، وليله في الخطايا، فقد خفَّ ميزانُه، وبين يديه الموتُ الشديد لقاؤه وعيانُه، والقبرُ المظلم المتهدمةُ أركانُه، والحشرُ العنيف ذلُّه وهوانُه، والحسابُ العسير يُنشر فيه ديوانُه، والموقف الطويل فيه غمومُه وأحزانه، والجحيمُ الشديد فيه من العذابِ ألوانُه.
لوح عَلَى نَفسي وَأبْكِي خَطِيئَةً ... تَقُولُ خَطَايَايَ اثْقَلت مِنِّيَ الظَّهْرَا
فيا لَذَّةً كَانَتْ قَلِيلاً بَقَاؤُها ... وَيا حَسْرَةً دَامَتْ وَلَمْ تُبْقِ لِي عُذْرَا
стр. 203
لقد أفات الظالمُ نفسَه خيراً جَمّاً، واستجلَبَ لها عقاباً وذَمّاً، ضَمَّ الأموالَ إليه ضَمّاً، وإنما تناول على الحقيقة سُماً، عقبه ما فرح به غَمّاً، وألحقه إنّما وَهماً، وكفاهُ أنها لظالم سيما، ولقد ودَّ أنّه نجا، وأنه [......] قدَّر أن الظالم ملك لحماً ودماً، أما الاستمتاع إِلَى أجل مسمى، كيف به إذا سلك طريقاً [......]، نفض عن رأسه التراب، ثم أحضر الحساب ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طه: ١١١].
стр. 204
الفصل التّاسع عشر
وفيه فصلان:
الفصل الأول: في ذكر البرد.
الفصل الثاني: في ذكر الحر.
стр. 205
الفصل الأوّل
في ذكر البرد
خَرَّجَ الإمامُ أحمدُ من حديثِ أبي سعيدٍ الخدريِّ، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "الشِّتَاءُ رَبيعُ المُؤمِنِ" (١).
وخرَّجَه البيهقيُّ، وغيره، وزاد: "طَالَ لَيْلُهُ فَقَامَهُ، وَقَصُرَ نَهارُهُ فَصَامَهُ" (٢).
المؤمنُ يقدر في الشتاء على صيام نهاره من غير مشقة ولا كلفة تحصل له؛ من جوعٍ، ولا عطش؛ فإن نهارَه قصير بارد، فلا يحس فيه بمشقة الصيام.
وفي "المسند"، و"الترمذي": عن النبيِّ ﷺ ، قال: "الصِّيَامُ في الشِّتَاءِ الغَنِيمَةُ البَارِدَةُ" (٣).
стр. 206
وكان أبو هريرةَ يقول: ألا أدلكُم على الغنيمة الباردة؟ قَالَوا: بلى، قَالَ: الصيامُ في الشتاء (١).
وأما القيامُ في الشتاء، فيشقُّ على النفس من وجهين:
أحدهما: من جهة تألُم النفس بالقيام من الفراش في شدة البرد.
قال داودُ بن رشيدٍ: قام بعضُ إخواني إلى وِرْدِهِ بالليل في ليلة باردةٍ شديدةِ البرد، فكان عليه خُلْقَانٌ، فضربه البردُ، فبكى، فهتف به هاتف: أقمناكَ وأنمناهم، ثم تبكي علينا! (٢).
الثاني: إسباغُ الوضوء في شدة البرد يتألم به.
روي في "صحيح مسلم" عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "أَلا أَدلكم عَلَى ما يَمحُو الله بِهِ الخَطَايَا، ويرفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟ "، قالوا: بلى يا رسولَ الله، قال: "إِسْبَاغُ الوُضُوءِ عَلَى المَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الخُطَا إِلَى المَسَاجِدِ، وانْتِظَارُ الصَّلاةِ بَعدَ الصَّلاةِ، فَذلكمُ الرِّبَاطُ، فَذلكمُ الرِّبَاطُ" (٣).
إسباغُ الوضوء في شدة البرد من أعلى خصال الإيمان.
في "المسند"، و"صحيح ابن حبان": عن عقبةَ بن عامرٍ، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "رَجُلانِ مِنْ أُمَّتِي؛ يَقُومُ أَحَدُهُما مِنَ اللَّيْلِ فَيُعَالِجُ
стр. 207
نَفْسَهُ إِلَى الطهُورِ، وَعَلَيْهِ عُقَدٌ، فَيَتَوَضَّأُ، فَإِذَا وَضَّأَ يَدَيْهِ، انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، وَإِذَا وَضَّأَ وَجْههُ، انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، وَإِذَا مَسَحَ رَأْسَهُ، انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، وَإِذَا وَضَّأَ رِجْلَيْهِ، انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ؛ فَيَقُولُ الرَّبُّ : انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي هذا يُعَالجُ نَفْسَهُ، ما سَأَلنِي عَبْدِي هذا، فَهُوَ لَهُ" (١).
ورأى بعضُهم خِياما ضُربت، فسأل: لمن هي؟ فقيل: للمجتهدين بالقرآن، فكان بعد ذلك لا ينام.
فَمَالِي بَعِيدَ الدَّارِ لَمْ أَقْرُبِ الحِمَى (٢) ... وَقَد نُصِبَتْ لِلسَّاهِرِينَ خِيَامُ
عَلامَةُ طَردِي طُولَ لَيْلِيَ نَائِمٌ ... وَغَيْرِي يَرَى أَنَّ المَنَامَ حَرَامُ
عن النبيِّ ﷺ ، قال: "إِنَّ جَهنَّمَ تَتَنَفَّسُ نَفَساً في الشِّتَاءِ، ونَفَسَاً في الصَّيْفِ، فَأَشَدُّ ما تَجدُونَ مِنَ البَرْدِ مِنْ زَمهرِيرها، وَأَشَدُّ ما تَجِدُونَ مِنَ الحَرِّ مِنْ سَمُومِهَا" (٣).
كَف يَكُونُ الشِّتَاءُ ثُمَّ المَصِيفُ ... وَرِبيعٌ يَمضِي وَيَأْتِي خَرِيفُ
الفصل الثّاني
في ذكر الحر
في "الصحيحين" من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "اشْتكتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا، فَقَالَتْ: يا رَبِّ! أَكَلَ بَعْضِي بَعْضاً، فَأَذِنَ لَها بِنَفَسَيْنِ: نَفَسٍ في الشِّتَاءِ، وَنَفَسٍ في الصَّيْفِ، فَشِدَّةُ ما تَجِدُونَ مِنَ الحَرِّ فَمِنْ سَمُومِ جَهنَّمَ" (١).
قال الحسن: كلُّ بردٍ أهلكَ شيئاً، فهو من نَفَسِ جهنم، وكلُّ حرٍّ أهلك شيئاً، فهو من حَرِّ جهنّم.
وفي الحديث الصحيح: أن النبي ﷺ قال: "إِذَا اشْتَدَّ الحَرُّ، فَأَبْرِدُوا بِالصَّلاةِ؛ فَإِنَّما شِدَّةُ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ" (٢).
كان بعضُهم إذا أحرمَ، لم يستظلَّ، فقيل له: لو أخذَتْ بالرخصةِ، فأنشدَ يقول:
الفصل العشرون
في ذكر فصولٍ متفرقةٍ
فصلٌ في الصدق
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩]
وعن عبد الله بن مسعودٍ ﵁، قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "عَلَيْكُم بِالصِّدقِ؛ فَإِنَّ الصِّدقَ يَهْدِي إِلَى البِرِّ، وَالبِرُّ يَهْدِي إِلَى الجَنَّةِ، وَما يَزَالُ الرَّجُلُ يَصدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدقَ، حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ الله صِدِّيقاً" (١).
مَنْ صدَقَ اللهْ في الامرِ نَجَا ... وَفَازَ وَأُعطِيَ ما قَدْ رَجَا
وَمَنْ يَتَّقِ الله يَجْعَلْ لَه ... كَما قَالَ مِنْ أَمرِهِ مَخْرَجَا
والصدقُ أفضلُ الأعمال، وخيرُ ما اعتاده الإنسان، قال بعضُ السلف: خيرُ ما أُعطي العبد لساناً صادقاً.
стр. 212
وفيه أحاديثُ أيضاً كثيرة.
* * *
فصلٌ في الكذب
جاء في الحديث: "إِيَّاكُمْ وَالكَذِبَ، فَإِنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الفُجُورِ، وَالفُجُورُ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَما يَزَالُ العَبْدُ يَكْذِبُ، وَيَتَحَرَّى الكَذِبَ، حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ الله كَاذِباً" رواه البخاري، ومسلم، وغيرهمـ[ـا] (١).
قال بعضُ السلف: قل لمن لا يصدق: لا يتعنَّ.
وقال آخرُ: شَرّ ما أُعطي الإنسانُ لساناً كاذباً.
* * *
فصلٌ في النوم على طهارة
عن أنسِ بن مالكٍ، قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "مَنْ بَاتَ عَلَى طَهارةٍ، ثُمَّ مَاتَ في لَيْلَتِهِ، مَاتَ شَهِيداً" (٢).
عن النبيِّ ﷺ ، قال-: "مَنْ بَاتَ عَلَى طَهارَةٍ، بَاتَ في شِعَارِه
стр. 213
مَلَكٌ، فَلا يَتَقَلَّبُ في سَاعَةٍ مِنَ اللَّيْلِ، إِلا قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِر لِعَبْدِكَ فُلانٍ" (١).
* * *
فصلٌ: فيما يقول إذا استيقظ من الليل
عن عبادة، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "مَنْ تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ: لا إِلَهَ إِلا الله وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحمدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَسُبْحَانَ الله، وَالحَمدُ للهِ، وَلا إِلَه إِلا الله، وَالله أَكْبَرُ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بالله، ثُمَّ قَالَ: رَبِّ اغْفِر لِي، أَوْ دَعَا، اسْتُجِيبَ لَهُ، فَإِنْ تَوَضَّأَ، وَصلَّى، قُبِلَتْ صَلاتُهُ" (٢).
* * *
فصلٌ: فيما يقول إذا قام إِلَى الصلاة بالليل
في "الصحيح": عن ابن عباس: أنّ رسولَ الله ﷺ كانَ إذا قامَ إِلَى الصّلاة من جوف الليل، يقول: "اللَّهُمَّ لَكَ الحَمدُ، أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأرضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الحَمدُ، أَنْتَ قَيُّومُ السَّمَواتِ وَالأرضِ وَمَن فِيهِنَّ، وَلَكَ الحَمْدُ، أَنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأرضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، أَنْتَ
стр. 214
الحَقُّ، وَوعْدُكَ الحَقُّ، وَقَوْلُكُ حَقّ، وَلِقَاؤُكَ حَقّ، وَالجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلمتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمتُ، فَاغْفر لِي ما قَدَّمْتُ، وَما أَخَّرْتُ، وَما أَسْرَرْتُ، وَما أَغلَنْتُ، أَنْتَ إِلَهِي، لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ" (١).
وفي الحديث: "إِذَا اسْتَيْقَظَ الرَّجُلُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ، فَصَلَّوْا ركْعَتَيْنِ، كُتِبَا مِنَ الذَّاكِرِينَ الله كَثيراً، وَالذَّاكِرَاتِ" (٢).
* * *
فصلٌ: ما يقول إذا أصبح
عن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، قالَ: كان رسولُ الله ﷺ إذا أصبح، قَالَ: "أصبحنَا عَلَى فِطْرَةِ الإِسْلامِ، وَكَلِمَةِ الإِخْلاصِ، وَدِيِن نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَمِلَّةِ أبينَا إِبْرَاِهيمَ حَنِيفاً وَما كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ" (٣).
وليقلْ: "اللَّهُمَّ بِكَ أَصبحنَا، وَبِكَ أمسَيْنَا، وَبِكَ نَحيَا، وَبِكَ نَمُوتُ، وَإِلَيْكَ النُّشُورُ"، وإذا أمسى قَالَها، "وَإِلَيْكَ المَصِيرُ" (٤).
стр. 215
وليقلْ: "أَصْبَحنَا، وَأَصْبَحَ المُلْكُ للهِ، وَلا إِلَه إلا الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" (١).
* * *
فصلٌ: فيما يقول إذا دخل السوق
عن عمرَ بن الخطابِ ﵁، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "مَنْ دخل [السُّوقَ]، وقَالَ: لا إِلَه إِلا الله وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحمدُ، يُحييِ، وَيُمِيتُ، وَهُوَ حَيٌّ لا يَمُوتُ، بِيدهِ الخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، كَتَبَ الله لَهُ أَلْفَ أَلْفِ حَسَنَةٍ، وَمَحَا عَنْهُ أَلْفَ أَلْفِ سَيئَةً، وَرَفَعَ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ دَرَجَةٍ" (٢).
* * *
فصلٌ: فيما يقول إذا خرج من منزلهِ
عن أنسِ بن مالكٍ، قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "مَنْ قَالَ إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ: بِاسْمِ الله، تَوَكَّلْتُ عَلَى الله، هُدِي، وَكُفِي، وَوُقِيَ، وَتنَحَّى عَنْهُ الشَّيْطَانُ" (٣).
* * *