إبراهيمَ بن بشارٍ: ثنا عبد الله بن عمرانَ: ثنا جريرٌ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن همامٍ، عن حذيفةَ، قالَ: ليأتينَّ على الناس زمانٌ لا ينجو فيه إلا مَنْ دعا بدعاءٍ كدعاءِ الغريق (١).
وبه إلى الحضرميِّ: ثنا محمدُ بن عبد الله بن نميرٍ: ثنا محمدُ بن بلالٍ، عن عمرانَ القطان، عن الأعمشِ، عن أبي وائلٍ، عن حذيفةَ، قال: ما الخمرُ صِرْفًا بأذهبَ بعقولِ الرجالِ من الفتنة (٢).
وبه إلى أبي نعيمٍ: ثنا أبو حامدِ بن جبلةَ: ثنا محمدُ بن إسحاقَ: ثنا عمرُ بن محمدٍ الأسديُّ: حدثني أبي: ثنا سلامُ بن مسكينٍ، قال: سمعتُ الحسنَ يقولُ: لما كانَ من أمر الناس ما كان من أمر الفتنة، أتوا عبد الله بن عمرَ، فقالوا: أنتَ سيدُ الناسِ، وابن سيدِهم، والناسُ بكَ راضون، اخرجْ نُبايِعْك.
فقال: لا والله! لا يُهَراق فيَّ محجمةٌ من دم، ولا في سببي ما كان فيَّ الروح.
قال: ثم أُتي، فَخُوِّف، فقيل له: لتخرجَنَّ، أو لتُقتلنَّ على فراشك.
فقالَ مثلَ قوله الأول.
قال الحسن: فو الله! ما استقلوا منه سنًا حتى لحق بالله (٣).
стр. 72
وقد روينا في "الصحيح": أن معاوية لما حجَّ، خطبَ فقالَ: من كان يزعُم أنه أحقُّ منا بهذا الأمر، فليخرجْ، وفي رواية: فليبرزْ لنا قَرْنه، فنحنُ أحقُّ به منه ومن أبيه.
قال عبد الله بن عمرَ: فأردتُ أن أقول: أحقُّ منك بهذا الأمر مَنْ قاتَلَكَ وأباكَ على الإِسلام، فذكرتُ ما أعدَّ الله في الجِنان للمتقين، وخِفْت أن يُنقل عني غيرُ ذلك، فحلَلْتُ حَبْوتي، وسَكَتُّ، فقيل له: حُفظت، وعُصمت (١).
وبه إلى أبي نعيمٍ: ثنا أبو حامدِ بن جبلةَ: ثنا محمدُ بن إسحاقَ: ثنا محمدُ بن الصباحِ: ثنا الوليدُ بن مسلمٍ: ثنا ابن جابر، عن القاسمِ بن عبد الرحمن: أنهم قالوا لابن عمرَ في الفتنة الأولى: ألا تخرجُ فتقاتل؟
قال: قد قاتلتُ والأنصابُ بينَ الركنِ والباب، حتى نفاها الله من أرض العرب، فأنا أكره أن أقاتل من يقول: لا إله إلا الله.
قالوا: والله! ما رأيك ذلك، ولكنك أردت أن يُفني أصحابُ رسول الله ﷺ بعضُهم بعضًا، حتى إذا لم يبق غيرُك، قيل: بايعوا لعبد الله بن عمر بإمارة المؤمنين.
قال: والله! ما ذلك بي، ولكن إذا قلتم: حيَّ على الصلاة، أجبتكم [وإذا قلتم:] حيَّ على الفلاح، أجبتكم، فإذا افترقتم، لم
стр. 73
أجامعكم، وإذا اجتمعتم، لم أفارقكم (١).
ولما أُصيب عمرُ ﵁، آيسه منها، فقال لأصحاب الشورى: يشهدُكم عبد الله، وليس له من الأمر شيء، كهيئة التعزيةِ له، فلم يلتفتْ إليها بعدَ ذلك، ولم يُرِدْها, ولم يقاتلْ عليها حين قاتل الناسُ عليها، وكان المرجعُ إليه، والإقتداءُ في الدنيا من الخلفاء وغيرهم، حتى إن الخليفةَ عبد الملك بن مروان بعثَ إلى نائبه الحجاجِ أن يقتديَ به في أمر الحجِّ، وأن يجعلهَ قدوةَ جميعِ الناس فيه، وأن يكونَ له تبعًا في ذلك.
حتى إن الحجاجَ ركبَ، وجاء إلى خدمته لأجل الاقتداء به، ومشى في خدمته، حتى إنه لمَّا أصيب في قدمه، قال له الحجاج: لو نعلمُ من أصابك؟ قال: أنت أصبتني، قال: وكيف أصبتك؟ قال: حملتَ السلاحَ في يوم لم يكن يُحمل فيه، وأدخلتَ السلاحَ الحرمَ، ولم يكن السلاحُ يدخل الحرم (٢).
* فهذا المقام الذي كان فيه، وصار إليه، أعظمُ وأكبرُ وأجلُّ والله من مقام الخلافة؛ فإن قدوتهم كانت به، فهم محتاجون إليه، وليس به حاجة إليهم، فهو كان في مقام الإقتداء لهم ولغيرهم، وهذا مقام السلطنة الكبرى.
وبه إلى أبي نعيمٍ: ثنا إبراهيمُ بن عبد الله: ثنا محمدُ بن إسحاقَ:
стр. 74
ثنا قتيبةُ بن سعيدٍ: ثنا محمدُ بنُ يزيدَ: ثنا عبد العزيزِ بن أبي روادٍ: ثنا نافعٌ، قال: دخل ابن عمرَ ﵁ الكعبةَ، فسمعتُه وهو ساجد يقول: قد تعلمُ ما يمنعني من مزاحمة قريشٍ على هذه الدنيا إلا خوفُك (١).
وبه إلى أبي نعيمٍ: ثنا القاضي عبد الله بن محمدِ بن عمرَ: ثنا عليُّ بن سعيدٍ: ثنا عبادُ بن الوليدِ: ثنا قرةُ بن حبيبٍ: ثنا عبد الله بن بكرٍ، عن عبيدِ الله (٢) بن عمرَ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ: أنه أتاه رجلٌ، فقال: يا أبا عبد الرحمن! أنت ابن عمرَ، وصاحبُ رسولِ الله ﷺ -وذكر من مناقبه-، فما يمنعك من هذا الأمر؟ قال: يمنعني أن الله تعالى حَرَّم عليَّ دم المسلم.
قال فإن الله يقول: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣].
قال: قد فعلْنا، قاتلناهم حتى كان الدينُ لله، فأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكونَ فتنةٌ، ويكونَ الدينُ لغير الله (٣).
أخبرنا جماعةٌ من شيوخنا: أنا ابن المحبِّ: أنا زينبُ بنتُ الكمالِ: أنا يوسفُ بن خليلٍ: أنا ابن أبي زيدٍ: أنا الصيرفيُّ: أنا ابن فاذشاه: أنا الطبرانيُّ: ثنا عبد الله بن أحمدَ بن حنبلٍ: ثنا الحكمُ بن
стр. 75
موسى: ثنا إسماعيلُ بن عياش: حدثني المطعمُ بن المقدامِ الصنعانيُّ، قال: كتبَ الحجاجُ بن يوسفَ إلى عبد الله بن عمرَ: بلغني أنك طلبتَ الخلافةَ، وإن الخلافةَ لا تصلُح لِعَيِيٍّ، ولا بخيلٍ، ولا غيورٍ.
فكتب إليه ابن عمرَ: أما ما ذكرتَ من الخلافة أني طلبتُها، فما طلبتُها، وما هي من بالي، وأما ما ذكرتَ من العيِّ والبخلِ والغيرة، فإنَّ من جمعَ كتابَ الله، فليسَ بعييِّ، ومن أَدَّى زكاةَ ماله، فليس ببخيل، وأما ما ذكرتَ من الغيرة، فإن أحقَّ ما غِرْتُ فيه ولدي أن يشرَكني فيه غيري (١).
أخبرنا أبو حفص المقرىُ: أنا الإمامُ أبو الحسن الموصليُّ: أنا المحبوبيُّ: أخبرتنا ستُّ الأهلِ ابنةُ علوانَ: أنا أبو محمدٍ المقدسيُّ: أنا ابن المهتدي: أنا أبو طالبٍ اليوسفيُّ: أنا ابن المذهبِ: أنا أبو بكر أحمدُ بن حمدانَ القطيعيُّ: أنا الإمامُ أبو عبد الرحمن عبد الله بنُ الإمامِ أحمدَ: حدثني أبي: ثنا ابن ادريسَ: ثنا حصينٌ، عن سالمِ بن أبي الجعد، عن جابرٍ، قال: ما رأيتُ، أو ما أدركتُ أحدًا إلا قد مالَتْ به الدنيا، أو مال بها، إلا عبد الله بن عمرَ (٢).
فأما قولُ هذا المُبيرِ: إنه لا يصلُح للخلافة، وإنه أرادها، فهذا كذبٌ وافتراء.
وأما قوله: إنها لا تصلُح لعيي ولا بخيل ولا غيور.
يتهمه بالعِيِّ، فإن هذا عينُ الكذبِ والإفتراء، فقد كانَ من أشجع
стр. 76
الصحابة، ومن أكرم الصحابة، ووألله! ما بينه وبين أستاذِ الحجاجِ عبد الملكِ بن مروانَ مسافة في الكرم؛ فإن عبد الملك مشهورٌ بالبخل، وقد ذكره غيرُ واحد من العلماء من البخلاء، وعدُّوا ابن عمرَ من الأجواد.
كما أخبرنا جماعةٌ من شيوخنا: أنا ابن المحبِّ: أنا القاضي سليمانُ: أنا الحافظُ ضياءُ الدين: أنا جماعةٌ من شيوخنا: أنا أبو عليٍّ الحدادٌ: أنا الحافظُ أبو نعيمٍ: ثنا إبراهيمُ بن عبد الله: ثنا محمدُ بن إسحاقَ: ثنا قتيبةُ بن سعيدٍ: ثنا محمدُ بن يزيدَ: ثنا عبد العزيزِ بن أبي روادٍ، عن نافعٍ، قال: كان ابن عمرَ إذا اشتدَّ عُجْبُه بشيء من ماله، قَرَّبه لربه .
قال نافع: وكان رقيقهُ قد عرفوا ذلك منه، فربما شَمَّرَ أحدُهم، فيلزم المسجدَ، فاذا رآه ابن عمرَ -رضي الله تعالى عنه- على تلك الحالة الحسنة، أعتقه.
فيقول له أصحابه: يا أبا عبد الرحمن! والله! ما بهم إلا أن يخدعوك.
فيقول: من خَدَعَنا بالله ، انخدَعْنا له.
قال نافع: فلقد رأيتنا ذاتَ عشية، وراح ابن عمرَ على نجيبٍ له قد أخذه بمال، فلما أعجبه سيرُه، أناخَهُ مكانه، ثم نزلَ عنه، فقال: يا نافع! انزعوا زمامَه ورحلَه وجَلِّلوه وأَشْعِروه وأَدخلوه في البُدْن (١).
стр. 77
فكان لا يعجبه شيء من ماله إلا قَدَّمه لله . وبه إلى أبي نعيمٍ: ثنا أبو حامدِ بن جبلةَ: ثنا أبو العباسِ الثقفيُّ: ثنا محمدُ بن الصباحِ: ثنا سفيانُ، عن عبيدِ الله، عن نافعٍ، قال: بينا ابن عمرَ يسير على ناقة، إذ أعجبتْهُ، فقال: إخ إخ، فأناخها، ثم قال: يا نافعّ! حُطَّ عنها الرحلَ، فكنتُ أرى أنه لشيء يريده، أو لشيء رابَهُ منها، فحططتُ الرحلَ.
فقال لي: انظرْ هل ترى عليها مثلَ رأسها.
فقلت: أنشدك إنك إن شئت بعتها، واشتريت بثمنها.
قال فجللها، وقلَّدها، وجعلَها في بُدْنِه، وما أعجبَه من ماله شيء قَطُّ إلا قَدَّمه (١).
وبه إلى أبي نعيمٍ: ثنا أحمدُ بن محمدِ بن سنانَ: ثنا محمدُ بن إسحاقَ: ثنا عمرُو بن زُرارةَ: ثنا أبو عبيدةَ الحدادُ، عن عبد الله بن أبي عثمانَ، قال: كان عبد الله بن عمرَ أعتقَ جاريتَه التي يقال لها: رُمَيثة، فقال: إني سمعتُ الله قال في كتابه: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، وإني والله! إن كنتُ لأحبُّك في الدنيا، اذهبي فأنت [حرة] لوجه الله (٢).
وبه إلى أبي نعيمٍ: ثنا القاضي أبو أحمدَ: ثنا جعفرُ بن محمدٍ: ثنا محمدُ بن سعيدٍ: ثنا أبو عاصمٍ، عن مالكِ بن مِغْوَلٍ، عن إبراهيمَ بن
стр. 78
مهاجرٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عمرَ، قال: لما نزلت: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، دعا ابن عمرَ جاريةً له، فأعتقها (١).
أخبرنا أبو حفصٍ المقرىُ: أنا الإمامُ أبو الحسنِ: أنا المحبوبيُّ: أخبرتنا ابنةُ علوانَ: أنا أبو محمدٍ المقدسيُّ: أنا ابن المهتدي: أنا أبو طالبٍ اليوسفيُّ: أنا ابن المذهبِ: أنا أبو بكرٍ القطيعيُّ: أنا عبد الله بن أحمدَ: حدثني أبي: ثنا عبد الأعلى، عن بردٍ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ: أنه كان لا يُعجبه شيء من ماله إلا خرج منه لله .
قال: وكان ربما تصدق في المجلس الواحد بثلاثين ألفًا.
قال: وأعطاه ابن عامرٍ ثلاثين ألفًا، فقال: يا نافعُ! إني أخاف أن تفتنني دراهمُ ابن عامر، اذهبْ فأنت حرٌّ.
قال: وكان لا يُدْمِنُ اللحمَ شهرًا إلا إذا كان مسافرًا، أو في رمضان، وكان يمكث الشهر لا يذوق فيه مُزْعَة لحم (٢).
وبه إلى الطبرانيِّ: ثنا محمدُ بن السَّرِيِّ: ثنا الحكمُ بن موسى: ثنا يحيى بن حمزةَ: عن بردِ بن سنان، عن نافعٍ، قال: إنْ كان ابن عمرَ ليقسمُ في المجلسِ الواحدِ ثلاثين ألفًا، ثم يأتي عليه شهر ما يأكل فيه مُزْعَةً لحم (٣).
стр. 79
وبه إلى الإمامِ أحمدَ: ثنا خالدُ بن حيانَ: ثنا عيسى بن كثيرٍ، عن ميمونِ بن مهرانَ، قال: أتت ابن عمر اثنان وعشرون ألفَ دينار في مجلس، فلم يقم حتى فرقها (١).
وبه إلى أبي نعيمٍ: ثنا أبو حامدِ بن جبلةَ: ثنا محمدُ بن إسحاقَ: ثنا أبو همامٍ: ثنا عمرُ بن عبد الواحدِ، عن عمرَ بن محمدٍ، عن نافعِ، قال: ما ماتَ ابن عمرَ حتى أعتقَ ألفَ إنسانٍ، أو زادَ (٢).
وبه إلى الإمامِ أحمدَ: ثنا هاشمُ بنُ القاسمِ: ثنا عاصم -يعني: ابن محمدٍ- عن أبيه، قال: أعطى ابن جعفرٍ بنافعٍ عشرةَ آلاف، أو ألفَ دينارٍ، فقلتُ: يا أبا عبد الرحمن! فما تنتظر أن تبيع؟ قال: فهلا ما هو خير من ذلك، هو حرٌّ لوجه الله (٣).
وبه إلى الإمامِ أحمدَ: ثنا وكيعٌ: ثنا المغيرةُ بن زيادٍ، عن نافعٍ، قال: باع ابن عمر أرضًا له بمئتي ناقة، فحمل على مئة منها في سبيل الله، واشترط على أصحابها أن لا يبيعوا حتى يجاوزوا بها وادي القرى (٤).
وبه إلى أبي نعيمٍ: ثنا أحمدُ بن محمدِ بن سنانَ: ثنا أبو العباسِ السراجُ: ثنا عمرُو بن زرارةَ: ثنا إسماعيلُ، عن أيوبَ، عن نافعٍ، أن
стр. 80
معاويةَ بعثَ إلى ابن عمرَ مَائةَ ألف، فما حالَ الحولُ وعنده منها شيء (١).
وبه إلى أبي نعيمٍ: ثنا الحسنُ بن محمدٍ: ثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ: ثنا سليمانُ بن حربٍ: ثنا أبو هلالٍ: ثنا أيوبُ بن وائلٍ، قالَ: قدمتُ المدينة، فأخبرني رجلٌ جارٌ لابن عمرَ: أنه أتى ابن عمرَ أربعةُ اَلافٍ من قِبل معاويةَ، وأربعةُ اَلافٍ من قِبَلِ آخرَ، وألفانِ من قبل آخر، وقطيفةٌ فجاء إلى السوق يريد عَلَفًا لراحلته بدرهمٍ نسيئةً، فقد عرفتُ الذي جاءه، فأتيتُ سُرِّيته فقلت: إني أريد أن أسألكِ عن شيء، وأحبُّ أن تَصْدُقيني.
فقلتُ: أليس قد أتت أبا عبد الرحمن أربعةُ آلاف من قِبل معاوية، وأربعةُ آلاف من قِبل إنسان آخر، وألفان من قِبل آخرَ، وقطيفة؟
قالت: بلى.
قلت: فإني رأيتُه يطلب عَلَفًا بدرهمٍ نسيئةً.
قالت: ما بات حتى فَرَّقها، فأخذَ القطيفةَ فألقاها على ظهره، ثم ذهبَ فوجَّهها، ثم جاء.
فقلت: يا معشر التجار! ما تصنعون بالدنيا، وابن عمر أتته البارحة عشرةُ آلاف درهم، فأصبح اليوم يطلب لراحلته عَلَفًا بدرهم نسيئة (٢)؟!
стр. 81
وبه إلى أبي نعيمٍ: ثنا سليمانُ بن أحمدَ: ثنا أبو يزيدَ القراطيسيُّ: ثنا نعيمُ بن حمادٍ: ثنا ابن المباركِ، عن عمرَ بن محمدٍ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ: أنه اشتكى، فاشترى له عنقود عنب بدرهم، فجاء مسكينٌ، فقال: أَعطُوه إياه، قال: فأعطَوه إياه، فخالف إليه إنسانٌ، فاشتراه منه بدرهم، ثم جاء به إليه، فجاء المسكينُ يسأل، فقال: أَعطوه إياه، فأعطوه إياه، فخالف إنسان، فاشتراه منه بدرهم، ثم جاء به إليه، فجاءه المسكينُ يسأل، فقال: أَعطوه إياه، ثم خالف إنسان، فاشتراه منه بدرهم، فأراد أن يرجع، فمنع، وأتى به فأكله، ولو علم ابن عمر بذلك العنقود، ما ذاقه (١).
وبه إلى الإمامِ أحمدَ: ثنا يزيدُ بن هارونَ: ثنا مستلمُ بن سعيدٍ الثقفيُّ، عن حبيبِ بن عبد الرحمن، عن نافعٍ: أن ابن عمرَ اشتهى عنبًا وهو مريض، فاشتريتُ له عنقودًا بدرهم، فجئت به، فوضعته في يده، فجاء سائل، فقام على الباب فسأل، فقال ابن عمر: ادفعْه في يده، قال: قلت: كلْ منهُ، ذُقْه، قال: لا، ادفعْه إليه، فدفعتُه إليه، قال: فاشتريتُه منه بدرهم، فجئت به إليه، فوضعته في يده، فعاد السائل، فقال ابن عمر: ادفعْه إليه، قلتُ: ذُقْه، كُلْ منه، قال: ادفعْه إليه، فدفعتُه، فما زال يعود السائل ويأمر بدفعه إليه حتى قلتُ للسائل في الثالثة أو الرابعة: ويحكَ! ما تستحي؟ فاشتريتُه منه بدرهم، فجئت به إليه، فأكله (٢).
стр. 82
وبه إلى أبي نعيمٍ: ثنا إبراهيمُ بن عبد الله: ثنا محمدُ بن إسحاقَ: ثنا قتيبةُ بن سعيدٍ: ثنا الليثُ بن سعدٍ، عن خالدِ بن يزيدَ، عن سعيدِ بن أبي هلالٍ: أن عبد الله بن عمر ﵁ نزل الجُحْفَة وهو شاكٍ، فقال: إني لأشتهي حيتانًا، فالتمسوا له، فلم يجدوا له إلا حوتًا واحدًا، فأخذَتْه امرأته صفيةُ بنتُ أبي عبيد، فصنعته، ثم قربته إليه، فأتاه مسكينٌ حتى وقف عليه، فقال له [ابن] عمر: خذه، فقال أهلُه: سبحانَ الله! قد عَنَّيْتَنا، ومعنا زادٌ نعطيه، فقال: إن عبد الله يحبُّه (١).
وكان لا يحبُّ شيئًا إلا خرجَ عنه لله.
وبه إلى أبي نعيمِ: ثنا أبو محمدِ بن حيانَ: ثنا أبو يحيى الرازيُّ: ثنا هنادُ بن السريِّ: ثنا قَبيصةُ بن عقبةَ: ثنا قيسُ بن سليمٍ العنبريُّ، عن أبي بكرِ بن حفصٍ: أن عمرَ بن سعدٍ قال: اشتكى ابن عمر، فاشتهى حوتًا، فصُنع له، فلما وُضع بين يديه، جاء سائل، فقال: أعطوه الحوتَ، قالت امرأتُه: نعطيه درهمًا، فهو أنفعُ له من هذا، واقْضِ أنتَ شهوتَك منه، فقال: شهوتي ما أريد (٢).
وبه إلى أبي نعيمٍ: ثنا محمدُ بن عليٍّ: ثنا الحسينُ بن أبي معشرٍ: ثنا أبو الخطابِ: ثنا حاتمُ بن وردانَ: ثنا أيوبُ، عن نافعٍ، قال: اشتهى ابن عمر ﵁ حوتًا، فاشتريتُ له سمكة، فشُويت، فوُضعت بين يديه، فجاء سائل يسأل، فأمر بها كما هي، ما ذاق منها
стр. 83
شيئًا، فقالوا: نعطيه خيرًا من ثمنها، فأبى (١).
وبه إلى أبي نعيمٍ: ثنا إبراهيمُ بن عبد الله: ثنا محمدُ بن إسحاقَ: ثنا قتيبةُ بن سعيدٍ: ثنا كثيرُ بن هشامٍ: ثنا جعفرُ بن برقانَ: ثنا ميمونُ بن مهرانَ: أن امرأةَ ابن عمر عوتبت فيه، فقيل لها: أما تلطفين بهذا الشيخ؟ فقالت: فما أصنعُ به؟ لا نصنع له طعامًا إلا دعا عليه من يأكله، فأرسلَتْ إلى قوم من المساكين كانوا يجلسون في طريقه إذا خرج من المسجد، فأعطتهم، وقالت لهم: لا تجلسوا بطريقه، ثم جاء إلى بيته، فقال: أرسلوا إلى فلان، وإلى فلان، وكانت امرأته أرسلتْ إليهم بطعام، وقالت: إن دعاكم، فلا تأتوه، فقال ابن عمر: أردتم أن لا أتعشى الليلةَ، فلم يتعشَّ تلك الليلة (٢).
ولو ذهبنا نذكر جميعَ حكايات كرمه وجوده، وخيره ودينه، لطال بنا الأمر، وبلغ عدة مجلدات، وكل ذلك يردُّ قولَ هذا الغبيِّ (٣) الذي قد أفسدَ على نفسه أمرَ آخرته؛ من أنه بخيل، وكيف افترى ذلك وتقوَّله، وحكاياتُ بخلهِ وبخلِ أستاذه (٤) مشهورةٌ.
* وقد ذكر ابنُ عبدِ ربِّه عبدَ الملكِ يذمه، وأنَّه من البخلاء [...].
وذكر عنه حكاياتٍ عديدةً في ذلك، منها:
أنه أكل عنده مرة أعرابي، فتأخر بعد الناس، فجعل يلاحظه، فقال
стр. 84
له: يا أعرابي! على لقمتك شعرة، فقال الأعرابي: وإنك لتلاحظني ملاحظةَ مَنْ يرى الشعرةَ على لقمتي! والله! لا أكلت بعدها على مائدتك قط.
إلى غير ذلك من الحكايات الردية.
فيا لله العجب! كيف نالته الخلافة مع ذلك.
* عدنا إلى وصف الأبرار الأخيار ، الذين من آذاهم أو ضرهم أو عاداهم، أكبه الله وأتعس ماله، وأخمله وأخمل مقاله، وأفسد حاله، ونكس أعلامه، وأذل رجاله.
من عادى ربه كيف يسعد؟! ومن بارزه بالمحاربة كيف يحمد؟! لا تغتر بكثير أعوانك، ولا بجنودك، وكبير سلطانك، ولا يغرنك الشيطان بكثرة الأعوان، ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٩٩ - ١٠٠]، ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّه﴾ [البقرة: ٢٤٩]، ومن كان مع الله، كان الله معه، ومن زرع التقوى، حمد عند الحصاد ما زرعه، ومن دعاه، سمعه، ومن استغاث به، نفعه.
أخبرنا جماعةٌ من شيوخنا: أنا ابن المحبِّ: أنا القاضي سليمانُ: أنا الحافظُ ضياءُ الدينِ: أنا جماعةٌ من شيوخنا: أنا أبو عليٍّ الحدادُ: أنا أبو نعيمٍ: ثنا أبو أحمدَ محمدُ بن أحمدَ: ثنا الحسنُ بن محمدِ بن بهرام: ثنا يحيى بن أيوبَ: ثنا عبادُ بن عبادٍ: ثنا الحجاجُ بن فرافضةَ، عن رجلين سماهما، عن الزهريِّ، عن عبيدِ الله بن عبد الله، عن ابن عباسٍ: أن رسولَ الله ﷺ قالَ له: "يَا غُلامُ! أَلا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ
стр. 85
يَنْفَعُكَ الله بِهِنَّ؟ احْفَظِ الله يَحْفَظْكَ، احْفَظِ الله تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ إلى الله في الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ في الشِّدَّةِ، إِذَا سَأَلْتَ، فَاسْأَلِ الله، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ، فَاسْتَعِنْ بِالله، جَفَّ القَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ، وَلَوِ اجْتَمَعَ الخَلْقُ عَلَى أَنْ يُعْطُوكَ شَيْئًا لَمْ يَكْتُبْهُ الله لَكَ، لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وَعَلى أَنْ يَمْنَعُوكَ شَيْئًا كَتَبَهُ الله لَكَ، لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، فَاعْمَلْ لله بِالرِّضَا في اليَقِينِ، وَاعْلَمْ أَنَّ في الصَّبْرَ عَلَى ما تَكْرَهُ خَيْرًا كَثِيراً، وَأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الفَرَجَ مَعَ الكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا" (١).
وقد قال الله في كتابه ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥ - ٦].
قالوا: ولن يغلب عسرٌ يُسرينِ.
وبه إلى الحافظِ أبي نعيمٍ: ثنا أحمدُ بن السنديِّ: ثنا الحسنُ بن علويه: ثنا إسماعيلُ بن عيسى: ثنا إسحاقُ بن بشرِ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ، عن ابن عباسٍ: أنه قال: يا صاحبَ الذنب! لا تأمنْ من سوء عاقبته، ولَمَا يتبع الذنب أعظم من الذنب إذا عملته، فأولُ ذلك قلةُ حيائك ممن على اليمين وعلى الشمال، وأنت على الذنب أعظمُ من الذنب الذي عملته، وضحكُك وأنت لا تدري ما الله صانعٌ بك أعظمُ من الذنب، وفرحُك بالذنب إذا ظفرتَ به أعظمُ من الذنب، وجرأَتُكَ على الذنبِ أعظمُ من الذنبِ إذا ظفرتَ به، وخوفُك من الريح إذا حركَتْ سترَ بابك وأنتَ على الذنبِ لا يضطربُ فؤادُك من نظرِ الله إليكَ أعظمُ من
стр. 86
الذنب، ويحكَ! هل تدري ما كان ذنبُ أيوبَ ﵇، فابتلاه الله بالبلاء في جسده، وذهاب ماله؟ إنما كان ذنبُ أيوبَ ﵇ أنه استعان به مسكينٌ على ظلم يدرؤه عنه، فلم يُعنه، ولم يأمر بمعروف، ولم ينه الظالمَ عن ظلم هذا المسكين، فابتلاه الله (١).
وبه إلى الحافظِ أبي نعيمٍ: ثنا سليمانُ: ثنا عليُّ بن عبد العزيزِ: ثنا أبو نعيمٍ: ثنا سفيانُ الثوريُّ، عن ابن جُريجٍ، عن ابن أبي مُليكةَ، قال: قال ابن عباس: ذهبَ الناسُ، وبقي النسناس، قيل: وما النسناس؟ قال: الذين يتشبهون بالناس، وليسوا بالناس (٢).
* هذا في زمنه، وفي زماننا: ذهب النسناسُ، وبقي الأنجاس، والخناسُ الذي يوسوس في صدور الناس.
وبه إلى أبي نعيمٍ: ثنا عمرُ بن أحمدَ: ثنا عليُّ بن محمدٍ: ثنا محمدُ بن إسماعيلَ: ثنا أبو نعيمٍ: ثنا شريكٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، عن عبد الله بن عباسِ، قال: يأتي على الناس زمانٌ يعرج فيه بعقول الناس، حتى لا تجد فيه أحدًا ذا عقل (٣).
وقد روينا في "المسند"، في كثرة القتل، حتى يقتل الرجل أخاه، وحتى يقتل الرجلُ ابن عمه، قالوا: يا رسول الله! وعقولُنا معنا؟ قال: "لا، تَذْهَبُ عُقُولُ أَكْثَرِ النَّاسِ، فَيَصِيرُونَ أَجْسَادًا لا عُقُولَ
стр. 87
لَهُمْ، يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ، وَلَيْسُوا عَلَى شَيْءٍ" (١).
فيا معشرَ مَنْ يظن أنه عاقلٌ، ولا عقل له! حقِّقِ الأمورَ، يبانُ لك ما أنت فيه من خير وشر، ولا تكن كالبهيمة، تسمعُ ولا تفهمُ ما يراد بالكلام، قال الله : (﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩]
وقال : ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤].
فأكثرُ أهلِ زماننا هذا قد صاروا لا عقولَ لهم، بل أكثرُهم قد صار شرًا من البهائم، لا عقلَ ولا دينَ، وقد فسد الناسُ، وكلُّ ذلك تصديقًا لأحاديثِ النبيِّ ﷺ الواردة.
وقد ذكرتُ في كتابي "أشراط الساعة" طرفًا كثيرًا من ذلك، فلينظره الناظر.
وأنت إذا تأملت الناسَ، رأيت جميع محاسن (٢).
فأجمَعُوا السماط، وصرخوا بالعياط، قد تركوا الأذكار، وهربت منهم الأنوار، وأظهروا الرقص والغناء، فأنت أنت، وأنا أنا.
стр. 88
وأما جماعةُ الأتراك، فلا تراني ولا أراك، نفوس طامعة، ولكثرة الأموال جامعة، استحلُّوا دماءَ الناس وأموالَهم وأعراضَهم، وليس ثمة في الدنيا سوى [.....]، لا يعرفون سوى السُّكر، والحرام واللواط والزنى والسلاح، وليس ثَمَّةَ صلاةٌ ولا قيام.
نفوسٌ مبهمة، وأبدانٌ على أكلِ الحرام نَهِمَة، وقصدُه بالمعاصي أن يقيم غيره له أكل الدجاجة والوزة، وشربُ الرَّاح بالأقداح، ومعاشرة الوجوه الصِّباح، من أول الليل إلى الصَّباح.
وأما جماعةُ التجار، فكذَبَةٌ فَجَّار، أكثرُهم تعاطى بالربا والعِينَة، ويترك بفلسٍ آخرتَه ودينَه، ويمنع الزكاة، ويوثق على الدرهم، بخيلٌ بمالهِ، شحيحٌ بحرامه وحلاله، فلا تَفُضَّ منهم يديك، ولا تطلبْ منهم، فاجتنب [أن] يصير من يحبك منهم عليك.
وأما مقدِّمة البلاد، فلا كَثَّرَ الله منهم في العباد، جمعوا المناجيس والخنازير، وقطعوا الطريق، وأخذوا الخليق، وظلموا الفلاحين والفقراء، ونكلوا بلاد الأستاذين والأمراء، وضربوا المساكين ضررًا، فكَمْ لَكْمةٍ، وكم ضربةً! كم تعريصةٍ، وزوج القحبة! وهذا شأنهم هم وأعوانهم، لا كَثَّر الله منهم، ولا رضي عنهم.
وأما الزُّعْر، فقد أصاب الخلقَ منهم الذُّعْر، كلُّ عِلْقٍ وابن قَحْبَة قد أخذ السيفَ والجحفةَ، والقوسَ والنشابَ، والزندَ والحربة، وتجمَّع منهم على الخمر [....] عُصبة، فقتلوا وسرقوا، وأخذوا أموالَ الناس سرًا وجهرًا، وقهروهم أخذًاوقَسْرًا، فلا دينَ ولا إيمان، ولا خيرَ ولا إحسان.
стр. 89
وأما السُّوقة، فعصبة فَسَقَة، لا يرعَوُون عن قبيحٍ ارتكبوه، ولا يروعون في خير فعلوه، بَخَسوا الميزان, واستعملوا البهتان، تركوا الديانة، واستعملوا الخيانةَ، وقلةَ الأمانة، فإذا كان هؤلاء الباغون [...] يستجاب دعاه، أو من يغضب لغضبه، إلا أتاه، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
هذا حال الرجال، وأما الصبيان، فكما قال الله : ﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: ٢٧]، فكلهم فَجَرة، لا يتعلمون خيرًا، ولا يحرصون عليه، وإنما يحرصون على الشر واللواط، والكلام القبيح من الصغر، فكيف [....] هؤلاء وكيف ينسون؟
وأما النساء، فقد صار أكثرُهن قِحاب، أَبخس وأنجس من الرجال [.......].
فيا أيها الدجال! ما أقعدَكَ عن الخروج؟ فقد جاء وقتُك، وما أخَّرك عن الظهور، فقد وُجد أنصارُك وأعوانك، فهذه جنودُك قد كثرت، وهذه أعوانُك قد ظهرت، وهذه عساكرُك قد إنتشرت، كنا نخبر الناس أنك تختفي في البرذعة، فالبرذعة قد فرغت، وصرنا نقول: إنك تعمل في الحزام، فالحزام قد تم.
وصرنا نقول: إنك تصنع اللجام، فاللجام قد انتهى.
صرنا نقول: إنك في فكرة ترتيب عسكرك، وتهيئة آلتك من جنة أو نار، وثريد وطعام، وماء ومُدام، فكأنا بك وقد أشرفتْ أعلامُك، ونُصبت راياتُك وخيامُك، وبرزَ إليك كلُّ يهودي ومنافق، وكلُّ شيطان ناعق، وكلُّ كلب وكلبة، وكل عِلْق وقَحْبَة.
стр. 90
* أقول: وإن غلب الفساد، وعم سائرَ البلاد، فلا بد لها من أوتاد، يدفع الله بهم البلاء عن الناس، ويرفع بهم الشدة والبأس، ولو خلت من الصالحين، لخسف بنا وبهم أجمعين.
كما أخبرنا شيخنا زيدٌ المقرئُ قال: كان قد قَدِمَ علينا هذه المدرسةَ رجل غريب، فأقام مدةً، وكان في المدرسة -إذ ذاك- شرورٌ وقلاقل، فأردنا ننزله، فامتنع الناظر، ثم بعد مدة نزله، فلم يقبل، ولم يأخذ شيئًا من الخبز، ثم أقام مدة، ثم قال لي: يا شيخ! تدري حكايتي؟
قلت: لا.
قال: أنا في البلاد الفلانية -فذكر بلادًا بعيدة-.
قال: حدثتني نفسي: أنه ما بقي في الدنيا أحدٌ من الصالحين.
قال: ونحن نسمع بهذه المدرسة في بلادنا.
قال: فقلت في نفسي: إن كان قد بقي في الدنيا أحدٌ من الصالحين فهو في تلك المدرسة، فقمتُ وسافرت إليها، أَنظرُ هل أجد بها أحدًا من الصالحين؟
قال: فلما جئت، ورأيت هذه الشرورَ والقلاقل، قلت: ما بقي في الدنيا أحدٌ من الصالحين، فلما أنزلتموني، قلت لنفسي: أنتِ جئتِ في طلب شيء لم تجديه، فو الله! لا أطعمتك من هذه المدرسة شيئًا، فلم أقبل، ولم أُطعمها منه شيئًا.
قال: فلما كانت هذه الجمعة، نزلتُ فصليت في جامع الأموي،
стр. 91
فلما خرج الناس من الصلاة، وخرجتُ معهم، فأنا في صحن الجامع، وإذ بشخص يقول: يا فلا [ن]!
فقلت: وكم في هذا الجامع من واحد بهذا الإسم غيرك!
فقال: يا فلان بنُ فلان!
فقلت: ويمكن أن يكون اسمه باسمي، واسم أبيه باسم أبي.
فقال: يا فلان بن فلان الفلاني -لشهرةٍ يعرف بها-.
قال: فقلت: هو أنا.
قال: فجئته، فإذا رجل واقف، فأخذ بطوقي، وهزني، وقال: يا مسكين! لو خَلَتْ من الصالحين، لخسف بها. في الصالحية عندك منهم ستة: ثلاثة في المدرسة، وثلاثة خارج المدرسة، ثم أرسلني، فأُغمي عليَّ، وسقطتُ إلى الأرض، فلم أزل كذلك، حتى أفقتُ، فلما أفقتُ، لم أجد أحدًا.
قال: ثم صَعِدْت، فكان يقول: أما الذين في المدرسة، فاطلعتُ منهم على اثنين، والواحد لم أطلع عليه، ما أدري، لعلوِّ درجته، أو لتقصيري؟
وسمعتُ من عدةٍ من القدماء: أن الواحدَ من الثلاثة كان شيخنا الشيخ صفي الدين ﵁، وقد كان -في ابتداء أمرنا- أكثرُ من مدّة واحد يعدُّ من الصالحين الأخيار، حتى من يباعد؟ مثل: شيخِنا الشيخ صفيِّ الدين، والشيخ زينِ الدين بن الحبال، وأخيه شهاب
стр. 92
الدين، والشيخ تقيِّ الدين بنِ قُندس، والحاج عليِّ بن مسمارة، والشيخِ أحمدَ الحمصيِّ، والشيخِ أحمدَ الحمصيِّ الآخرِ، والشيخِ أحمدَ المصريِّ، والشيخِ إبراهيمَ اللاوي، وبرهانِ الدينِ بنِ المتقي، والشيخِ خلفٍ، والشيخِ عمرَ اللؤلئيِّ، والشيخِ زيدٍ وشهابِ الدين بن زيدٍ الموصليِّ، والشيخِ ريحان، وشمسِ الدينِ الليبي، والشيخ أميرِ الدين بنِ الكركي، والشيخ محمدٍ الضحاكِ، والحاجِّ محمدٍ الحجيجِ، والشيخِ حسنٍ الخياطِ، وشمسِ الدين الخبراصيِّ، والشيخِ عثمانَ البلبليِّ، والشيخِ أحمدَ الإِمام، ووالدِه الشيخِ حسنٍ، وشمسِ الدينِ الشبليِّ، والشيخ عليِّ بن العلاءِ، والشيخِ السطيحِ، والشيخِ برهانِ الدينِ الباعونيِّ، والشيخِ إسماعيلَ شيخِ الباسطيةِ، والشيخِ محبِّ الدينِ البغداديِّ، والشيخِ عليِّ بن زيدٍ الموصليِّ، والشيخِ أحمدَ الأقباعيِّ، والعداسِ، وخلائقَ.
ثم كان بعدَهم أخيارٌ دونهم في ذلك؛ مثل: تقيِّ الدينِ الجراعيِّ، والقاضي علاءِ الدين المَرْداويِّ، [و] الشيخِ عمرَ العسكريِّ، والشيخِ يوسفَ المرداويِّ، والشيخِ خَطَّابٍ الشافعيِّ، والشيخِ إبراهيمَ بن القدسيِّ، والشيخِ فضلٍ النجديِّ، والشيخِ عليٍّ النجديِّ، وخلائقَ من هذا النحو.
ثم في زماننا هذا خَفِيَ الصالحُ، ونرجو من الله أن يكون منهم الشيخُ محمدٌ الغزاويُّ، والشيخُ محمدُ بن الحصنيِّ، والشيخُ محمدُ بن فاتحٍ، والشيخُ أحمدُ بن شعبانَ الغَزِّيُّ، والشيخُ محمدٌ النجديُّ، والشيخُ صالحٌ، والشيخُ أحمدُ العسكريُّ.
стр. 93
* وأنا أؤكد عليك، وأقول: إياك إياك إياك أن يحصل منك أذًى أو ضررٌ لأحد ممن يُتوسم فيه الخيرُ، فربما وقع منه عليك دعوةٌ تستجاب له فيك، فلا تُفلح بعدها أبدًا.
وقد قلتُ في موضع من كلامي: إياكَ والإنكارَ على أحد من المشايخ، أو ذوي الأحوال، أو من العلماء، أو الأخيار، فقد شاهدتُ من ذلك العجبَ العجابَ في غير واقعة، فإني قَطُّ ما أنكرتُ شيئًا، أو وَبَّخْتُ أحدًا، إلا وابتُليت ببعض ذلك في نفسي، أو أحدٍ ممن أحب.
وقد وقع أنه كان عندنا بالصالحية رجل يقال له: الشيخ حسين، لا يزال عُريانًا مكشوفَ العورة، وللناس فيه معتقَدٌ؛ فقد رآه أخي شهابُ الدين-رحمة الله عليه-، وكان من الصالحين الكبار، ومن العلماء الأخيار، وسُمِعَتْ عند موته البشائرُ من السماء، أنكرَ عليه ذلك، وقال: هذا تظهر عورته للرجال والنساء، وطلبَ مني المساعدةَ على ذلك، فقلت له: هذا لا يعقل.
فقال: يُحبس في مكان حتى لا يراه أحد، وسعى في ذلك إلى القاضي الحنبلي وغيره.
فما مضى عليه إلا مدة يسيرة، حتى مرض مرضَ الموت، فكان يتعرَّى في مرضه قدامَ الناس، ولا يستتر، فرأيتُ أن ذلك لكلامه ذلك.
وفي الأمثال: كُلُّ مَنْ عَيَّرَ ابْتُلِي.
ومن قال شيئًا، قيل فيه مثلُه.
وكما تدين تُدان.
стр. 94
وبشِّر القاتلَ بالقتل ولو بعد حين.
وفي "تاريخ ابن خلكان"، في ترجمة الإمام يوسف بن أيوب الهمذاني الزاهد صاحب الكرامات والأحوال: أنه جلس يومًا للوعظ، واجتمع إليه الناس، فقام مِنْ بينهم فقيه يعرف بابن السقا، وآذاه، وسأله عن مسألة، فقال له: اجلس؛ فإني أجد من كلامك [رائحة] الكفر، ولعلك أن تموت على غير دين الإِسلام، ثم مضى ذلك، وقدم رسولُ ملكِ الروم على الخليفة، فخرج ابن السقا مع الرسول إلى القسطنطينية، فتنصَّر، ومات نصرانيًا، وكان ابن السقا قارئًا للقرآن، محمودًا في التلاوة.
وحكى مَنْ رآه بالقسطنطينية: رأيته مريضًا ملقًى على دَكَّة، وبيده مروحةٌ يذبُّ بها الذبابَ عن وجهه، فقلت له: هل القرآنُ باقٍ على حفظك؟ فقال: ما أَذكر منه إلا آية واحدة ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ٢]، والباقي أُنسيته. نعوذ بالله من سخط الله وخذلانه، ونسأله حسنَ الخاتمة (١).
قال الدَّميريُّ في "حياة الحيوان" بعد هذه الحكاية: فانظر يا أخي كيف هلك هذا الرجل، وخذل بالإنتقاد، وترك الاعتقاد. نسأل الله السلامةَ.
قال: فعليك يا أخي بالإعتقاد، وترك الإنتقاد على المشايخ العارفين، والعلماء العاملين، والمؤمنين الصالحين، فإن حرابهم مسمومة.
стр. 95
فقلَّ مَنْ تعرض لهم وسلم، فسلِّمْ تسلَمْ، ولا تنتقدْ تندمْ، واقتدِ بإمام العارفين، وعلامة العلماء العاملين، ورأس الصديقين في وقته الشيخِ عبد القادرِ الكيلانيِّ، لما عزم على زيارةِ الغوثِ بمكة، وقال رفيقاه ما قالا، فقال: أما أنا، فأذهب على قدم الزيارة والتبرك، لا على قدم الإنكار والامتحان، فآل أمرُه إلى أن قال: قدمي هذا على رقبة كلِّ وليٍّ لله، وآل أمرُ أحدِ رفيقيه إلى الكفر، وترك الإيمان؛ كما اتفق في هذه الحكاية، وآل أمرُ الآخر إلى اشتغاله بالدنيا، وتركِه خدمة المولى. نسأل الله التوفيقَ والهدايةَ والإماتة على الإيمان بالله وبرسوله، والإعتقاد الحسن في أوليائه وأصفيائه بمحمد وآله، انتهى كلامه.
وحكى ابن خَلِّكانَ أيضًا: أن رجلاً كان يأكل هو وزوجته دجاجةً مشوية، فوقف على الباب سائلٌ، فرده الرجلُ خائبًا، ونال منه، وكسر قلبه، وكان كثير المال، ثم إنه بعد ذلك افتقر، فوقع بينه وبين زوجته، فطلقها، وتزوجت غيرَه، فبينما هي ذات يوم مع الثاني، وبين يديهما دجاجة مشوية، جاء سائلٌ، فسأل، فقال لامرأته: ناوليه هذه الدجاجة وما معها، فناولته، ونظرت إليه، فإذا هو زوجُها الأول، فرجعت متعجبة، وأخبرت زوجَها الثاني أنه زوجُها الأول، وقالت: والله! لقد كنت معه، وكنا قد صنعنا دجاجة وشويناها، وجلسنا نأكلها، فجاء سائل، فوقف علينا، فزجره، وكسر قلبه، ورده خائبًا، فقال لها زوجُها الثاني: وأنا والله! ذلك المسكين الذي وقف عليكم، أعطاني الله وأغثاني، وأعطاني أكثر من ماله، وأعطاني زوجته لقلة شكره (١).
стр. 96
فانظر بعين الإعتبار، وتأدب مع الله، ومع عباد الله، وقد وقع لكثير من النساء الفواجر: أنه تزوج بها رجل من الأخيار، فتكرهه وتبغضه، وتناكده حتى يطلقها، وتتزوج بعده برجل من الأشرار، فيبغضها ويناكدها، وتذل معه، ويذيقها الذل والهوان، ويستوفي حق ذلك الصالح.
وقد رأينا كثيرًا ممن قتل شخصًا، نشأ له ولد فقتله.
ورأينا كثيرًا ممن أكل مال أيتام غيره، أكل الغيرُ ماله حين مات.
وقد روينا أن في بعض الكتب، يقول الله : ابن آدم! كما تدين تدان، وكما تزرع تحصد.
ورأينا كثيرًا ممن رَبَّى أولادَ غيره، وحَرَصَ عليهم، يَسَّرَ الله له من ربى أولاده، وحرص عليهم.
ورأينا كثيرًا من الناس اتخذ صبيًا يلوط به، فنشأ وكبر، واتخذَ أولادَ ذلك بعده يلوط بهم.
ورأينا كثيراً من الأشرار تسلَّط على ناس من أهل الخير، فسلط الله عليه مَنْ هو أقوى منه، فآذاه بنحو ما آذى ذلك.
وقد روينا في كتاب "الزهد" للإمام أحمد: يقول الله : أَنتقمُ من الظَّلَمَة بالظلمة، وأَنتقمُ من الظلمة جميعًا (١).
стр. 97
وقد روينا في وصية الشيخ عبد القادر ﵁: أنه قال: يكفيك من الدنيا خدمةُ وليٍّ، أو صحبةُ عالم (١).
* ف الأولياءُ أوتادُ الدنيا ، بهم تثبُتُ، وبهم تستقرُّ؛ كما قال ﵇ لأُحُدٍ حين تحرَّكَ: "اسْكُنْ أُحُدُ؛ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ" (٢).
فبهم ثبتتْ بركتُهم، على كلِّ مَنْ صحبهم، أو رافقهم، أو وُلد لهم؛ كما قال الله : ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف: ١٨٢] فحفظ لهما ذلك بصلاحه، وقيل: إنه كان الولد السابع.
أخبرنا أبو حفصٍ المقرئُ: أنا ابن عروةَ: أنا ابن أبي العباسِ المحبوبيّ: أخبرتنا ابنةُ علوانَ: أنا أبو محمدٍ المقدسيُّ: أنا أبو جعفرِ بن المهتدي: أنا أبو طالبٍ اليوسفيُّ: أنا أبو عليِّ بن المذهبِ: أنا أبو بكرٍ القطيعيُّ: ثنا عبد الله بن الإِمام أحمدَ: ثنا أبي: ثنا عبد الرزاقِ: ثنا بكارٌ: سمعت وهبًا يقول: إن الربَّ ﵎ قال في بعض ما يقول لبني إسرائيل: إني إذا أُطِعْتُ، رضيتُ، وإذا رضيتُ، باركتُ، وليس لبركتي نهاية، وإني إذا عُصيتُ، غضبتُ، وإذا غضبتُ، لَعَنْتُ، ولعنتي تبلغُ السابعَ من الولد (٣).
وبه إلى الإمامِ أحمدَ: ثنا عبد الرزاقِ: ثنا بكارٌ: سمعتُ وهبًا يحدِّثُ: أن بني إسرائيلَ أصابتهم عقوبةٌ وشدةٌ، فقالوا لنبيٍّ لهم: وددنا
стр. 98
أنا نعلمُ ما الذي يُرضي ربنا ، فنتبعه، فأوحى الله إليه: أن قومك يقولون: وَدُّوا لو يعلمون ما الذي يُرضيني فنتبعه؟ فأَخبرْهم: إن أرادوا رضاي، فليرضوا المساكين، فإنهم إذا أرضَوْهُم، رضيتُ، وإذا أسخطوهم، سخطتُ (١).
* وطاعتهم مولاهم لو أجلبَ عليهم أهلُ السماوات والأرض، غلبوهم؛ لأن قوتهم بالله، ولو حمله عليه [...] لجعل الله لهم من كل هم فَرَجًا، ومن كل ضيق مخرجًا.
أخبرنا جماعةٌ من شيوخنا: أنا ابن عروةَ: أنا المحبوبيُّ: أنا ابنةُ علوانَ: أنا أبو محمدٍ المقدسيُّ: أنا ابن المهتدي: أنا اليوسفيُّ: أنا ابن المذهبٍ: أنا أبو بكرٍ القطيعيُّ: أنا عبد الله بن الإمامِ أحمدَ: ثنا أبي: ثنا ابن آتش: ثنا منذرٌ، عن وهبٍ، قال: يقولُ الربُّ : إذا توكَّلَ عليَّ عبدي، لو كادَتْهُ السماوات والأرضُ، جعلتُ له من بين ذلك المخرجَ (٢).
وبه إلى عبد الله: حدثني عبد الله بن عمرَ بن رئابٍ: ثنا ابن المباركِ، عن معمرٍ، عن وهبِ بن منبهٍ: إن الله يقول: إن عبدي إذا أطاعني، لو أجلبَ عليه أهلُ السماء وأهلُ الأرض، جعلتُ له مخرجًا من ذلك، وإذا أطاعني عبدي، ثم دعاني، استجبت له، وإذا سألني، أعطيته (٣).
стр. 99
وبه إلى عبد الله: ثنا أبي: ثنا إبراهيمُ بن خالدٍ: ثنا رياحٌ: حدثني محمدُ بن عمرِو بن ملاحٍ: سمعتُ وهبَ بن منبهٍ يقول: وجدتُ في كتابٍ من كتبِ الله المنزَّلة: أن الله يقول: إني مع عبدي المؤمن حين يطيعني، أعطيه قبل أن يسألني، وأستجيب له قبل أن يدعوني، وما تردَّدْتُ عن شيء تردُّدي عن قبضِ عبدي المؤمن، إنه يكره ذلك ويسوءُه، وأنا أكره أن أسوءَه، وليس له منه بدٌّ، وما عندي خيرٌ له، إن عبدي إذا أطاعني، واتبعَ أمري، فلو أجلبَتْ عليه السماوات السبعُ بمن فيهن، والأرضونَ السبعُ بمن فيهن، جعلتُ له من ذلك المخرجَ، وإنه إذا عصاني، ولم يتبعْ أمري، قطعتُ يديه من أسباب السماء، وخسفت به الأرض من تحت قدميه، وتركته في الهُوِيّ، لا ينتصر من شيء، إن سلطانَ الأرض موضوعٌ خامدٌ عندي كما يضعُ أحدُكم سلاحه عنه، لا يقطع سيفٌ إلا بيدي، ولا يُضرب بسوط إلا بيدي، لا يصل إلى شيء من ذلك إلا بإذني (١).
وبه إلى عبد الله: ثنا أبي: ثنا أبو سعيدٍ: ثنا سليمانُ -يعني: ابن بلال-، عن عمرِو بن أبي عمرٍو، عن عاصمِ بن عمرَ بن قتادةَ، عن محمودِ بن لَبيدٍ، عن النبيِّ ﷺ : أنه قال: "إِنَّ الله إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلاهُمْ، فَمَنْ صَبَرَ، فَلَهُ الصَّبْرُ، وَمَنْ جَزِعَ، فَلَهُ الجَزَعُ" (٢).
وبه إلى الإمامِ أحمدَ: ثنا عبد الرزاقِ: ثنا عمرانُ: سمعتُ وهبًا يقول: يقولُ الله -تبارك تعالى-: اتَّقُوا غضبي؛ فإن غضبي يدركُ إلى
стр. 100
ثلاثةِ اَباءَ، وأَحِبُّوا رِضائي؛ فإن رضائي يدركُ في الأمة.
* نصحوا لله، وأصلحوا أنفسهم له، فبتدبيره أصلحهم، وجعل قوته في كل جوارحهم.
حدثني جدي: ثنا الصلاحُ بن أبي عمرَ: أنا الفخرُ بن البخاريِّ: أنا الإمامُ أبو الفَرَجِ: ثنا محمدُ بن عبد الباقي: أنا الحسنُ بن عليٍّ الجوهريُّ: ثنا محمدٌ: ثنا أحمدُ بن الحسنِ: ثنا الحكمُ بن موسى: ثنا الحسنُ بن عليٍّ، عن صدقةَ، عن هشامٍ الكنانيِّ، عن أنسِ بن مالكٍ، عن النبيِّ ﷺ ، عن جبريلَ ﵇، عن ربه ، قال: "مَنْ أَهَانَ لِي وَلِيّا، فَقَدْ بَارَزَنِي بِالمُحَارَبَةِ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ ما تَرَدَّدْتُ في قَبْضِ نَفْسِ مُؤْمِنٍ أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ، وَلا بُدَّ لَهُ مِنْهُ، وَمِنْ عِبَادِي المُؤْمِنِينَ مَنْ يُرِيدُ بَابًا مِنَ العِبَادَةِ، فَأَكُفُّهُ عَنْهُ، لا يَدْ [خُـ]ـلُهُ عُجْبٌ، فَيُفْسِدُهُ ذلك، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِمِثْلِ ما افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَنَقَّلُ لِي حَتَّى أُحِبَّهُ، وَمَنْ أَحْبَبْتُهُ، كُنْتُ لَهُ سَمْعًا وَبَصَرًا، وَيَدًا وَمُؤَيِّدًا، دَعَانِي فَأَجَبْتُهُ، وَسَأَلَنِي فَأَعْطَيْتُهُ، وَنَصَحَ لِي فَنَصَحْتُ لَهُ، وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي المُؤْمِنِينَ مَنْ لا يُصْلحُ إِيمَانَهُ إِلا الفَقْرُ، وَلَوْ بَسَطْتُ لَهُ، أَفْسَدَهُ ذلك، وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي المُؤْمِنِينَ مَنْ لا يُصْلحُ إِيمَانَهُ إِلا الصِّحَّةُ، وَلَوْ أَسْقَمْتُهُ، لأَفْسَدَهُ ذلك، وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي المُؤْمِنِينَ مَنْ لا يُصْلحُ إِيمَانَهُ إِلا الغِنَى, وَلَوْ أَفْقَرْتُهُ، لأَفْسَدَهُ ذلك، وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي المُؤْمِنِينَ مَنْ لا يُصْلحُ إِيمَانَهُ إِلا السَّقَمُ، وَلَوْ أَصْحَحْتُهُ، لأفْسَدَهُ ذلك، إِنِّي أُدَبِّرُ عِبَادِي بِعِلْمِي بِقُلُوبِهِمْ، إِنِّي عَلِيمٌ خَبِيرٌ" (١).
стр. 101
أخبرنا أبو جعفرٍ المقرئُ: ثنا الإمامُ أبو الحسنِ: أنا المحبوبيُّ: أخبرتنا ابنةُ علوانَ: أنا أبو محمد المقدسيُّ: أنا ابن المهتدي: أنا اليوسفيُّ: أنا ابن المذهبِ: أنا أبو بكرٍ القطيعيُّ: ثنا عبد الله بن الإمامِ أحمدَ: ثنا أبي: ثنا سيارٌ: ثنا جعفرٌ: ثنا أبو غالبٍ، قال: بلغنا أن هذا الكلام في وصية عيسى بن مريم ﵇: يا معشرَ الحواريين! تَحَبَّبوا إلى الله ببغضِ أهلِ المعاصي، وتَقَرَّبوا إليه بالمقتِ لهم، والتمسوا رضاه بسَخَطِهم. قالوا: يا نبيَّ الله! فمَنْ نجالسُ؟ قال: جالسوا مَنْ يزيدُ في أعمالكم منطقُه، ومن تذكركِم بالله رؤيتُه، ويزهِّدكم في دنياكم عملُه (١).
* وأولادُهم ومَنْ بعدَهم محفوظون بحفظهم، وأزواجُهم وكلُّ مَنْ سمتهم كذلك.
وبه إلى الإمامِ أحمدَ: ثنا عبد الرحمن، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن خيثمةَ، قال: قال عيسى ﵇: طوبى للمؤمن، ثم طوبى له، كيف يحفظُ الله وَلَدَه من بعده (٢).
* حتى إن ذكرَهم للقلوب كالسماد للزرع، تنتفع القلوبُ بذكرهم.
كما أخبرنا جدي: أنا الصلاحُ بن أبي عمرَ: أنا الفخرُ بن البخاريِّ: أنا الإمامُ أبو الفَرَجِ: أنا محمدُ بن أبي منصورٍ: أنا أحمدُ بن
стр. 102
محمدٍ: ثنا أبو الحسنِ عليُّ بن عمرَ الفقيهُ: ثنا أبو عبد الله الأرجانيُّ: ثنا محمدُ بن أحمدَ: ثنا أحمدُ بن محمدٍ الفزاريُّ: ثنا عبد الله بن [...]: سمعتُ محمدًا يقول: ما رأيتُ للقلبِ أنفعَ من ذكرِ الصالحينَ.
[........] ذكرهم بالخير، وإياك أن تذكرهم بالشر، وهم الذين [......] على حالهم، [.........]، فاجتهدْ أن تكونَ مثلَهم، أو تلحقَ بهم، وإياكَ أن تذكرهم بالذمِّ والانتقاص، فإنما أباحَ الشارعُ الحسدَ ليعمل مثلَه، لا لتزولَ النعمةُ عنه، حيث قال: "لا حَسَدَ إِلا في اثْنَتَيْنِ: رَجُلٍ آتَاهُ الله القُرْآنَ، فَهُوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآناءَ النَّهَارِ"، فهو يقول: لو أُوتيت مثلَ ما أُوتي هذا، لعملتُ مثلَما يعمل.
"وَرَجُلٍ آتاهُ الله الحِكْمَةَ، فَهُوَ يَقْضِي بِهَا آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ"، فهو يقول: لو أُوتيت مثلَ ما أُوتي هذا، عملتُ مثلَما يعمل (١).
فالحسدُ الرحمانيُّ ليعمل [...]، والحسدُ الشيطاني لتزولَ النعمةُ عن المحسود، [....] عنه، فالحسدُ الشيطانيُّ يُذهب الحسناتِ.
* ومن صفاتهم: أن قلوبَهم لينةٌ، ونفوسَهم رحيمةٌ، يرحمون عباد الله، يرحمون الصغيرَ لصغره، والكبيرَ لكبره، والفقيرَ لفقره، والغنيَّ لغناه، والعاصيَ لمعصيته، والطائعَ لطاعته.
وأخبرنا أبو حفصٍ المقرئُ: أنا الإمامُ أبو الحسنِ: أنا المحبوبيُّ:
стр. 103
أنبأ ابنةُ علوانَ: أنا أبو محمدٍ المقدسيُّ: أنا ابن المهتدي: أنا اليوسفيُّ: أنا ابن المذهبِ: أنا أبو بكرٍ القطيعيُّ: أنا عبد الله بن الإمامِ أحمدَ: حدثني أبي: ثنا يونسُ بن محمدٍ، ثنا الفراءُ، عن قتادةَ، قال: بلغنا أنه مكتوبٌ في التوراة: ابن آدمَ! ارحمْ تُرحَمْ، إنه مَنْ لا يرحمُ لا يُرحَمُ، كيف ترجو أن أرحمَك وأنتَ لا ترحَم عبادي؟!
وفي الحديث الصحيح شواهدُ ذلك، فقد قال ﵇: "ارْحَمُوا تُرْحَمُوا، ارْحَمُوا أَهْلَ الأرْضِ يَرْحَمْكُمْ أَهْلُ السَّمَاءِ" (١).
وقال: "الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرحمن" (٢).
وقال: "مَنْ لا يَرْحَمْ لا يُرْحَمْ" (٣).
وقال: "لا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إِلا مِنْ شَقِيٍّ" (٤). إلى غير ذلك.
وبه إلى الإمامِ أحمدَ: ثنا إسماعيلُ بن عبد الكريمِ: حدثني عبد الصمدِ بن معقلٍ: أنه سمعَ وهبَ بن منبهٍ يقول: وجدتُ في كتابِ داود ﵇: إن الله ﵎ يقول: بعزتي وجلالي! إنَّ مَنْ أهانَ وليًا، فقد بارَزَني بالمحاربة (٥).
стр. 104
* ومنهم من يعلم الله طاعتَه، فيُعطيه قبل سؤاله.
فبه إلى الإمامِ أحمدَ: ثنا إسماعيلُ -يعني: ابن عبد الكريم-: ثنا عبد الصمدِ بن معقلٍ: أنه سمعَ وهبًا قال: قرأتُ في كتابٍ آخرَ: أن الله ﵎ يقول: كفاني لعبدي مالاً، إذا كان عبدي في طاعتي، أعطيته من قبل أن يسألني، وأستجيبُ له من قبل أن يدعوَني، فإني أعلم بحاجته التي ترفق به من نفسه.
وبه إلى الإمامِ أحمدَ: ثنا إسماعيلُ: ثنا عبد الصمدِ بن معقلٍ: أنه سمع وهبَ بن منبهٍ قال: قرأتُ في كتابٍ آخرَ: أن الله يقول: بعزتي! إنه من اعتصم بي، فإن كادَتْه السماوات بمن فيهن، والأرضُ بمن فيهن، فإني أجعلُ له من بين ذلك مخرجًا، ومن لم يعتصم بي، فإني أخسِفُ به من تحت قدميه الأرض، فأجعلُه في الهواء، ثم أَكِلُه إلى نفسِه (١).
* فمنِ اعتصمَ بالله، عصمه الله، وقام بنصره، وأذلَّ مَنْ قصده وقهره، ومن صالَ بقوته، وأُعجب بنفسه، فلو سلط الله عليه ذرةً، لقهرَتْه، والله خاذلُه ومذلُّه.
وبه إلى الإمامِ أحمدَ: ثنا عبد الرزاقِ: ثنا عمرانُ: سمعتُ وهبًا يقول: ما أكرمَ الله تعالى شيئًا قَطُّ ما أكرمَ كريمَ بني آدمَ، إني وجدتُ في كتابِ آلِ داودَ: إن الله يقول: بعزتي! إنه من أهانَ لي وليًّا، فقد استقبلني بالمحاربة، ما تردَّدْتُ عن شيء أريده تردُّدي عن
стр. 105
موتِ المؤمنِ؛ قد علمت أنه يكره الموتَ، ولا بدَّ له منهُ، وأنا أكره أن أسوءه، بعزتي! إنه من اعتصم بي، فإن كادَتْه السماوات بمن فيهن، والأرَضونَ بمن فيهن، فإني أجعلُ له من بين ذلك مخرجًا، ومن لم يعتصم بي، فإني أقطعُ يديه من أسباب السماء، وأخسِفُ به من تحتِ قدميه الأرض، فأجعلُه في الهواء، ثم أَكِلُه إلى نفسِه، كفاني لعبدي مالاً، إذا كان عبدي في طاعتي، أعطيتُه قبل أن يسألني، واستجبتُ له من قبل أن يدعُوَني؛ فإني أعلمُ بحاجته التي ترفُق به من نفسه (١).
وبه إلى الإمامِ أحمدَ: ثنا هشامُ بن القاسمِ: ثنا أبو سعيدٍ -يعني: المؤدب-: ثنا مَنْ سمع عطاءً الخراسانيَّ قال: لقيتُ ابن منبهٍ وهو يطوفُ بالبيت، فقلت له: حدثْني حديثًا أحفظُه عنكَ في مقامي هذا، وأَوْجِزْ، قال: نعم، أوحى الله ﵎ إلى داود عله السلام: يا داودُ ابن أيشا! أما وعزتي وعظمتي! لا يعتصمُ بي عبد من عبادي دونَ خلقي أعرفُ ذلك من نيته، أو قال: من قلبه، فتكيده السماوات السبعُ ومَنْ فيهن، والأرَضون السبعُ ومن فيهن، إلا جعلتُ له من بينهن مخرجًا. أما وعزتي وعظمتي! لا يعتصمُ عبد من عبادي بمخلوق دوني، أعرف ذلك من نيته، إلا قطعتُ أسبابَ السماء من يده، وأَسَخْتُ الأرضَ من تحت قدميه، ثم لا أبالي بأيِّ وادٍ هلك.
وبه إلى الإمامِ أحمدَ: ثنا عبد الصمدِ -يعني: العَمِّيَّ-، عن مالك: مكتوبٌ في الزبور: بنار المنافق تحترق المدينة.
стр. 106
وبه إلى الإمامِ أحمدَ: ثنا ابن حزمٍ -وهو العطارُ-، قال: قال مالكُ بن دينارٍ: قرأت في الزبور: بكبرياء المنافق يحترق المسكين (١).
وبه إلى الإمامِ أحمدَ: ثنا عارمٌ: ثنا سعيدُ بن زيدٍ: ثنا عثمانُ الشَّحَّامُ: حدثني شيخٌ من أهلِ البصرةِ كان له فضلٌ، وكان له سِنٌّ، قال: بلغني أن داودَ ﵇ سأل ربه ، قال: يا ربِّ! كيف لي أن أمشيَ لك في الأرض بنصح، وأعملَ لك فيها بنصح؟ قال: يا داود! تحب من أحبني من أحمرَ وأبيضَ، ولا تزالُ شفتاك رطبتين من ذكري، واجتنبْ فراشَ الغيبةِ، قال: يا ربِّ! كيف لي أن يحبني في أهل الدنيا البرُّ والفاجرُ؟ قال: يا داود! تُصانعُ أهلَ الدنيا لدنياهم، وتحب أهل الآخرة لآخرتهم، وتختار إليك دينك بيني وبينك؛ فإنك إذا فعلت ذلك، لا يضرك من ضل إذا اهتديت. قال: ربِّ! فأرني أصفياءك من خلقك من هم؟ قال: نقيُّ الكفين، نقي القلب، يمشي تمامًا، ويقول صوابًا.
وبه إلى الإمامِ أحمدَ: ثنا إبراهيمُ بن خالدٍ: حدثني عبد الله بن بحيرٍ، قال: سمعتُ وهبَ بن منبهٍ يقول: قال موسى ﵇: أَيُّ ربِّ! أَيُّ عبادِك أحبُّ إليك؟ قال: من أُذْكَر برؤيته. قال: ربِّ! أيُّ عبادك أحبُّ إليك؟ قال: الذين يعودون المرضى، ويعزُّون الثكلى، ويشيِّعون الهلكى (٢).
стр. 107
* وهم قوم عُرف فضلُهم، ولم يروا لهم فضلاً على أحد.
وبه إلى الإمامِ أحمدَ: ثنا إبراهيمُ بن خلد: حدثني عبد الله بن بحيير، قال: سمعتُ وهبَ بن منبهٍ يقول: إن موسى ﵇ قال لبني إسرائيل: ائتوني بخيركم رجلاً، فأتوه برجل، قال: أنتَ خيرُ بني إسرائيل؟ قال: كذلك يزعمون، قال: اذهبْ فائتني بشرهم، قال: فذهب، فجاء وليس معه أحد، فقال: جئتني بشرهم؟ قال: أنا ما أعلم من أحد منهم ما أعلم من نفسي، قال: أنت خيرهم.
* فهم مع الله، والله معهم.
وبه إلى الإمامِ أحمدَ: ثنا سيارٌ: ثنا جعفرٌ، عن عمرانَ القصيرِ، قال: قال موسى بن عمرانَ: أَيْ ربِّ! أين أبغيكَ؟ قال: ابْغِني عند المنكسرةِ قلوبُهم؛ إني أدنو منهم كلَّ يومٍ باعًا، ولولا ذلك، انهدموا (١).
* لا يخافون من شيء غير الله.
أخبرنا جدي وغيرُه: أنا الصلاحُ بن أبي عمرَ: أنا الفخرُ بن البخاريِّ: أنا الإمامُ أبو الفَرَجِ: أنا عبد الوهابِ بن المباركِ: أنا أبو الحسنِ عليُّ بن محمد: أنا أحمدُ بن محمدِ بن يوسفَ: أنا ابن صفوانَ: ثنا أبو بكرٍ القرشيُّ: ثنا أحمدُ بن عمرانَ، قال: سمعتُ أبا معاويةَ يقول: ثنا الأعمشُ، عن شقيقٍ، قال: خرجْنا في غَزاة لنا مخوفةٍ، وإذا رجلٌ نائمٌ، فأيقظناه، فقلنا: تنامُ في مثل هذا
стр. 108
المكان؟! فرفعَ رأسَه فقالَ: إني لأستحي من ربِّ العرشِ يعلم أني أخاف شيئًا دونَه، ثم ضرب برأسه فنام.
أخبرنا جماعةٌ من شيوخنا: أنا الإمامُ أبو الحسنِ: أنا المحبوبيُّ: أنا ابنةُ علوانَ: أنا أبو محمدٍ المقدسيُّ: أنا ابن المهتدي: أنا أبو طالبٍ اليوسفيُّ: أنا ابن المُذْهبِ: أنا أبو بكرٍ القطيعيُّ: أنا عبد الله بن الإمامِ أحمدَ: حدثني أبي: ثنا مسكينُ بن بكيرٍ: ثنا سفيانُ، عمن أخبره: إن لقمانَ قال لابنه: أَيْ بنيَّ! إن الدنيا بحرٌ عميق، قد غرق فيه ناسٌ كثير، فاجعلْ سفينتك فيها تقوى الله ، وحَشْوْها الإيمانَ بالله، وشراعَها التوكلَ على الله؛ لعلك تنجو، ولا أراك ناجيًا (١).
وبه إلى الإمامِ أحمدَ: ثنا حجاجٌ: حدثني جريرٌ -يعني: ابن حازم-: [حدثني وهيبٌ المكيُّ]، قال: بلغني أن في التوراة، أو في بعض الكتب: أن الله يقول: يا ابن آدمَ! اذكرني إذا غضبتَ، أَذكرْك إذا غضبتُ، فلا أمحقُك مع من أمحق، وإذا ظُلمتَ، فارضَ بنصرتي لك، فإن نصرتي لك خير لك من نُصرتك نفسَك (٢).
أخبرنا جدي وغيرُه: أنا الصلاحُ بن أبي عمرَ: أنا الفخرُ بن البخاريِّ: أنا الإمامُ أبو الفَرَجِ: أنا عمرانُ بن أبي منصورٍ، وابن عبد الباقي: أنا جعفرُ بن أحمدَ: ثنا أحمدُ بن عليٍّ: أنا محمدُ بن عبد الله الدمانُ: أنا الحسينُ بن صفوانَ: أنا أبو بكرٍ القرشيُّ: حدثني
стр. 109
محمدُ بن يحيى: سمعت أبا عبد الرحمن القرشيَّ: حُدِّثْتُ عن الحسنِ، قال: رأيتُ بدويةً دخلتِ الطوافَ، فقالت: يا حَسَنَ الصحبة! جئتُك من بعيد، أقبلْتُ أسألُكَ سترَك الذي لا تَخرقه الرماح، ولا تُزيله الرياح (١).
أخبرنا أبو حفصٍ المقرئُ: أنا الإمامُ أبو الحسنِ: أنا المحبوبيُّ: أنبأ ابنةُ علوانَ: أنا أبو محمدٍ المقدسيُّ: أنا ابن المهتدي: أنا أبو طالبٍ اليوسفيُّ: أنا ابن المذهبِ: أنا أبو بكرٍ القطيعيُّ: أنا عبد الله بن الإمامِ أحمدَ: ثنا أبي: ثنا عبد الرزاقِ: ثنا معمرٌ، عن أيوبَ، عن أبي قلابةَ، قال: قال أبو الدرداء: البِرُّ لا يَبْلى، والإثمُ لا يُنسى، والدَّيَّانُ لا ينام، فكنْ كما شئتَ، كما تَدينُ تُدانُ.
وبه إلى الإمامِ أحمدَ: ثنا عبد الصمدِ بن عبد الوارثِ: حدثني المثنى بن عوفٍ: ثنا أبو عبد الله -يعني: الجسريَّ-: أن رجلاً انطلق إلى أبي الدرداء، فسلم عليه، فقال: أوصني [........]؛ فإني غازٍ، قال له: اتق الله كأنك تراه حتى تلقاه، وعُدَّ نفسَك في الأموات، ولا تَعُدَّها في الأحياء، وإياكَ ودعوةَ المظلوم (٢).
أخبرنا جماعةٌ من شيوخنا: أنا أبو بكرِ بن المحبِّ: أنا القاضي سليمانُ: أنا الحافظُ ضياءُ الدينِ: أنا المظفرُ السمعانيُّ: أنا أبو عمرٍو البيكنديُّ: أنا أبو بكرٍ الجميليُّ: أنا أبو محمدٍ الحلوانيُّ: أنا أبو عليٍّ
стр. 110
النسفيُّ: أنا أبو أحمدَ المطوعيُّ: أنا أبو بكرٍ محمدُ بن الفضلِ: ثنا عبد الله بن محمدٍ: ثنا أبو الفضلِ محمدُ بن داودَ: ثنا محمدُ بن عيسى: ثنا سفيانُ بن عُيينةَ، عن عمرِو بن دينارٍ، قال: كان رجل ينادي: لا تظلموا الناس عبادَ الله، واتقوا دعوةَ المظلوم، قال: فقلتُ له: ما قصتك؟ قال: كنت رجلاً شرطيًا، فرأيت صيادًا قد صاد سمكةً، فساومتُه بها، فأبى أن يبيعها، [...] فضربتُه، وأخذتُ منه السمكة، فبينا هي معلقةٌ، إذ وَثَبَتْ فعضَّتْ على أصبعي، فلما بلغتُ المنزلَ، رأيتُها قرحةً منكرةً، وكان لنا جار ينظر في القروح، فأَرَيته إياها، فقال: اقطعْها من المفصل، وإلا، دَبَّتْ في يدك؟ فإنها أَكِلَة، قال: فقطعتُها، فدبَّتْ في ظهر الكَفِّ، قال: اقْطعه، فقطعته، فدبَّت في ساعدي، قال: اقطعْها، فدبَّت في العَضُد، فأتاني آتٍ في منامي، فقال لي: دواؤك عندَ مَنْ ظلمتَه، فأتيتُ الصيادَ، فجلست بين يديه وأنا أبكي، فقلت له: حَلِّلْني، فقد أصابني من أجلك هذا، قال: فأخذ الرجل يبكي، وقال: اللهمَّ إني جعلتُه في حِلٍّ، قال: فرأيتُ الدودَ يتناثر من يدي، ثم قال لابن له: احفر زاوية الباب.
قال: فحفرَ، فأخرجَ منها جرةً فيها عشرةُ آلافِ درهمٍ، قال: فخذْها أنفقْها على نفسك وعيالك، قال: فأخذتُها وتوقفتُ، فقلتُ له: هل دعوتَ عليَّ حين أخفتُك، فأخذتُ السمكةَ منك؟ قال: نعم، قلت: يا ربِّ! خلقتَ هذا قويًا، وخلقتني ضعيفًا، فأحِلَّ به عقوبةً في الدنيا تكون نكالاً، فهو ما رأيتَ.
وبه إلى السمعانيِّ: أنا أبو عمرو البيكنديُّ: أنا أبو الفضلِ