أحمدُ بنُ جميلٍ، قال: قيل لعبدِ الله بنِ المبارك: إنّ إسماعيلَ بْنَ عُلَيَّة وليَ على الصّدقات، فكتب إليه:
يَا جَاعِلَ الْعِلْمِ لَهُ بَازِياً ... يَصْطَادُ أَمْوَالَ الْمَسَاكِين
اِحْتَلْتَ لِلدُّنْيَا وَلَذَّاتِهَا ... بِحِيلَةٍ تَذْهَبُ بِالدِّينِ
فَصرْتَ مَجْنُوناً بِهَا بَعْدَمَا ... كُنْتَ دَوَاءً لِلْمَجَانِين
أَيْنَ رِوَايَاتُكَ في سَرْدِهَا ... عَنِ ابْنِ عَوْنٍ وابْنِ سِيرِينِ
أَيْنَ رِوَايَاتُكَ وَالْقَوْلُ في ... لُزُومِ أَبْوَابِ السَّلاَطِين
إِنْ قُلْتَ أُكْرِهْتُ فَمَاذَا كَذَا ... زَلَّ حِمَارُ الْعِلْمِ في الطِّينِ
فلمّا قرأ الكتابَ، بكى، فاستعفى من ذلك (١).
وحضرتُ مرةً عند الشّيخ نجمِ الدّينِ بن قاضي عجلونَ، وكان من العلماء الكبار، قد حوى العلومَ الكثيرة، وبرع فيها، وكان من ذوي البيوت، وله دُنيا واسعة، فتحادثنا في القُضاة وذمِّهم، وما هم عليه من
стр. 247
التعاسة والبلاء، فقال: والله! لو علمت أنّ في هذا الأمر خيراً، ما سبقني منهم أحدٌ إليه.
وهو صادق؛ لأنّه كان يصلُح له من جهة العلم والمال، فحدّثته: أنّا قد روينا في "فوائد أبي القاسم الرّازي": أنّ حَجَراً عَبَدَ الله كذا كذا ألف سنة، ثمّ جعلَه في أُسِّ كَنيفٍ، فعجَّ إلى ربّه ، وقال: يا ربّ! عبدتُك كذا كذا ألفَ سنة، ثمّ جعلتني في أُسِّ كنيفٍ؟! فأوحى الله إليه: أما ترضى أن عدلتُ بك عن مجالس القضاة؟ (١).
وكان شرفُ الدين بنُ عيدٍ في زمننا حَلَفَ عند قبر النبيِّ ﷺ أن لا يلي القضاء، ثمّ أكرهه السّلطان عليه.
وكان قوامُ الدين الحنفيُّ امتنعَ منه، ثمّ أكره عليه.
وأكره شيخنا ابنَ قندس عليه، وحلف عليه، فولي يوماً، ثمّ عزل لفتنته.
وامتنع منه القاضي شهابُ الدين بنُ الباعونيِّ حتّى أُجيب إلى كلّ ما شرط عليهم.
وامتنع منه ولدهُ شيخنا الشّيخُ برهان الدين.
وأما ذوو الرغبة فيه والبرطيل عليه في زمننا، فكثير ممن لا يصلح له، لا بالعلم ولا بالدين، فلا كَثَّرَ اللهُ في الإسلام من أمثالهم.
وقد ذكر عن شيخ الإسلام شمسِ الدين بنِ أبي عمَر -وهو أولُ
стр. 248
حنبليٍّ ولي دمشق-: أنّه امتنعَ منه الامتناع الكلي، حتّى قال السلطان: إما أن يلي، وإما أن يتحوَّلَ من بلادي، وأنه كان عزمَ على التحوُّل، وأنه ترامى عليه أصحابُه وأهلُه وإخوانُه، وقالوا: هذا أمر لا يحصُل به إلا الخيرُ، وإن كان قصدُك الخيرَ، حصل لك به من العدل، وإعانة الملهوف، وغير ذلك، فولي.
وله في ولايته الحكايات العجيبة. ثمّ لما مات، أوصى أن لا يُدفن عند أبيه؛ لأنه ولي القضاء، ويخاف أن يشوش عليهم، ودُفن خلف الحائط.
ولما ولي صالحُ بنُ الإمامِ أحمدَ قضاءَ سمرقندَ، ودخل إليها، واجتمع عليه علماؤها، وقرئ عهدُه، أخذه البكاءُ الشديدُ والإنتحابُ، فظنّ الفقهاءُ والعلماءُ أن ذلك لفراق أهله وبلاده، فأخذوا يُسلّونه عند ذلك، وأنّها بلادٌ جيدة، وبها العلماءُ والأجواد، والخير الكثير، فقال: والله! ليس بكائي لذلك، فقالوا: فلأيِّ شيء هو؟ فقال: إنما هو لأن أبي ﵀ كان يَعِزُّ عليه أن يراني بهذا المجلس.
وحضرنا مرةً عند قانصوه نائبِ دمشق، فقال بعضُ الإخوان له: أَمْسِ جاءنا إلى الصالحية: أن القاضيَ الحنبليَّ ولّي الشيخَ، وخلع عليه خِلْعة، فقال لي: حَقٌّ هذا؟ فقلت: لا، ما فعلتُه ولا أفعلُه، فقال: إنّما هلك. وأوصيك على خمسة أشياء قطّ لا تفعلْها، فقلت: وما هي؟ فقال: أولُها: لا تضمنَنَّ أحداً، فقلتُ: نعم، وأنا حالفٌ على هذا أن لا أفعله.
فقلت: والثاني؟ فقال: لا تعملنَّ وكيلاً لأحد، فقلت: نعم.
стр. 249
والثالث؟
فقال: لا تَلِيَنَّ قاضياً، فقلت: نعم.
والرابع؟
فقال: والرابع: لا تتكلمنَّ في نجس قطّ، ولا تشفعنَّ فيه، فقلت: هذه لا؛ فإنّ الشفاعة إنّما تقع في المذنب والنجس، والجيدُ لا يحتاج إلى شفاعة، وشفاعةُ النبي ﷺ يوم القيامة إنما هي في المذنبين، فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله، عجزتُ وأنا أقول له: لا تتكلم في نجس، وهو لا يقبل، ولا يسمع مني ذلك.
ووقع الكلام بيننا في ذلك وطال، ولم يقلِ الخامس.
وقد أوصى النبيُّ ﷺ بعضَ أصحابه ألا يتأمَّرَنَّ على اثنين (١)، وأَوْصى آخرَ أَلَّا يحكُمَ بين اثنين (٢).
وقد طُلِب بعضُ السلف للقضاء، فخرج مجنوناً حتى تُرك، فلامه بعض إخوانه على ذلك، فقال له: هذا عقلك يا فلان.
وقد صار في زماننا جَهَلَةٌ فسقةٌ كذبةٌ خونةٌ، لهم رغبة في القضاء، يطلبونه، ويأخذون أموالَ الفقراء والمساكين وطلبةِ العلم، وقد عطّلوا المساجدَ والمدارس، وخرّبوها، وأَعْرَوها من حُصُرٍ وبُسْطٍ، ومنعوا
стр. 250
طلبةَ العلم من العلم، بأخذِ أوقافِهم، والبرطيلِ بها، فصدّوا عن العلم، وعن الخير.
وقد ورد في أخبار محمد بن جرير الطبريِّ: أن يهودياً صرف عليه وعلى جماعته المالَ الجزيلَ أربعين مرةً، كلَّما فَنِيَ شيء وأرادوا الذهابَ اعترضهم وأعطاهم، وقال: أقيموا على ما أنتم عليه من الخير، وأنّه سُئل عن ذلك، فقال: إني رأيتُ فيما أنزل الله: أنّه ليس ثَمّ نفقةٌ أعظم أجراً من درهم صُرف على رجلٍ في طلب العلم.
فمثل يهوديٍّ يرغب في ذلك؟
هؤلاء الجهلةُ الفسقةُ أخذوا أموالَ طلبة العلم، فهؤلاء وأمثالُهم داخلٌ في قوله : ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٤].
حتى إن بعضهم يأخذ بجهله أموال الفقراء والمساكين وطلبة العلم، ويُبرطل الظلمَةَ بها، ويزيِّن له الشيطان أن يبرطل بها، ولا يطعمهم في الأخذ منه، حتى إن منهم من إذا رأى مَنْ هو قوي عليه، برطلَ بها على قتله، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون من الجهل والتعاسة.
وقد وقع بيني وبين بعض الجهلة كلام في شيء من ذلك، وأنّه يزرع الوقف، ويقول: أنا زرعته، فقلت له: من قال من المسلمين أو اليهود أو النصارى: إنّك إذا زرعتَ أرضَ الوقف تختصُّ به؟ فقال: أنتم تحسدوني على ذلك، فقلت: كيف نحسدك؟ من يقول بحِلِّ هذا؟ فقال: إذاً ترافعوني، فقلت: أنتَ إذا أخذت شيئاً ما، تريد أن تأخذه
стр. 251
بوجه؟ فقال لي: ابنُ الحنش يزرع عندكم أكثرَ مني، ويأخذه، فقلت: لا حول ولا قوة إلا بالله، أنت ما تجعل حُجَّتَك إلا فعلَ ابنِ الحنش، حتى تلبس لك لاطيةً، وتأخذ رمحك، وتعمل شيخ عشيرة، ثمّ احتجَّ بفعل ابن الحنش، لا تعمل قاضي المسلمين، وتحتج بفعل ابن الحنش، فانظر بعينك إلى هذا الجهل العظيم.
وقلت:
أَلاَ جَهِلٌ تَفَاخَمَ بِالْقَضَاءِ ... لَهُ بِالْجَهْلِ أَحْوَالٌ رَدِيَّهْ
غَدَا بِالْجَهْلِ سَامٍ إِلَى الْعُلاَ (١) ... يُقَعْقِعُ في المَلاَ بِالأشْرَفِيَّهْ
وقلت:
رأيْتُ لَنَا قَاضٍ عَلَى السُّوءِ يَرْتَمِي ... كَشِبْهِ مَرِيضٍ لَيْسَ في السُّقْمِ يَحْتَمِي
وَفَاوَضَنِي خَلْق كَثِيرٌ بِأَمْرِهِ ... فَقُلْتُ: دَعُوهُ فَهْوَ قاضِي جَهَنَّمِ
وقلت:
قُضَاةُ زَمَانِنَا صَارُوا قِلاَعا ... لِكُلِّ مُحَارِبٍ فِيهَا مَرَامِي
стр. 252
لَهُمْ في الْعِلْمِ بَاعٌ مُسْتَطِيل ... وَلَيْسَ الْفِقْهَ بِلْ أَكْلَ الْحَرَامِ
طَوِيلِ الْكُمِّ ذِي وُسعٍ مَليحٍ ... لأجْلِ الدَّكِّ عَنْ عَبْدِ الأنَامِ
وَوَصْفُ الْكُلِّ أَجْمَعِهِمْ لُصُوص ... وَمَا فِيهِمْ يَسُودُ سِوَى الْحَرَامِ
فصل
في سنة ثلاثٍ وتسعِ مئةً عند موت السلطان قايتباي، ونائب الشام قانصوه، وغيرهما من الحكام، وظهور الزُّعْر، حدثت مسألة، وهو أنه: لما ظهر هؤلاء الزعرُ، أفتاهم بعض الحنفية بقتل العَوانية وأعوانِ الظلمة، ووقع لنا بسبب ذلك أمرٌ كبير، وصنّفتُ في ذلك لما جاءتني هذه المسألةُ كتابي "الذُّعْر في أحوال الزُّعْر".
وذلك أن من أفتى، انعكس فهمُه، وقد تطلّبتُ مستندَهم في ذلك، ففي بعض كتبهم قيل: الأعوانُ والسعاة، وإنه تعريض بهم لفترة، ويُقتلون، وفي بعضها: قتلُ الأعوان. وتأملت ذلك، فلم أرَ لقتل أعوان الحكام وَجْهاً، ولا لسُعاة الإمام؛ فإن النبي ﷺ -أوصى بهم، ودعا لهم، حتى إنه كان في زمن الصحابة والتابعين أعوان أشدَّ تعسُّفاً وظلماً من هؤلاء؛ مثل: الحجّاجِ وغيرِه، ولم يرد عن أحد جوازُ قتلهم، وكان في زمن الإمام أحمدَ مَنْ خرج منهم عن الإسلام؛ مثل: المعتصمِ والمأمون، وإنهم قالوا بخَلْق القرآن، ولم يرد تكفيرُ أحدٍ
стр. 253
منهم، ولا القولُ بقتل أعوانهم، حتى ولم يُخرجهم -بذلك- من الإمامة، حتى إنه ﵇ لما أَخبر عن أنه تكون أمراءُ وولاةُ جَوْر، فقيل له: ألا نُنابذهم عند ذلك؟ فقال: "لَا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الدِّينَ" (١)، وقد أمرَ بالسمعِ والطاعةِ ما لم ترَ كفراً بَواحاً عندكم من الله فيه برهان (٢).
وكَثرُ تأملي لذلك، ولَعَمري! لئن جاز قتلُ أعوانهم، ليجوزُ به قتلُهم من بابٍ أولى، فلما كثر تأملي لذلك، وفحصي عنه، بان لي الحقُّ فيه، وأنّ هذه المسألة ليست في أعوان الحكام والولاة وسُعاتهم، وإنما هي أن في قرب الأربع مئة ظهر العَيَّارون على الحكام والناسِ، فكانوا يأخذون أموالَ الناس قهراً بالليل والنهار، ولا يفيد فيهم الغوثُ، ولا التجمُّع؛ بحيث إنه كان يخرج إليهم عسكرُ الإسلام، فيكسرونه ويردُّونه؛ بحيث إنّ كبيرَهم البرجميَّ لم يبقَ أحدٌ يتجاسر يقول عنه: البرجميّ، إنما يقال له: أبو العباس القائد بمسمى السلاطين؛ بحيث إن جميع الأجناد خرجوا إليه، فقال لهم: أنتم إليّ، وأنا كلَّ ليلة عندكم، وكسرَهم؛ بحيث إنهم قبضوا [على] السلطان، وأرادوا حبسه، فخلّصه منهم، وردّه إلى بنيه.
وكانوا قد صاروا ثلاثة أقسام:
قسم يدورون بالنهار ينظرون ويتأملون ما يأخذونه بالليل، وهم السُّعاة، ويأتون بالليل، منهم من يباشر القتلَ والأخذَ، وكبارُهم
стр. 254
لا يباشرون، إنما يكونون أعواناً لهم لمكانتهم، فأفتى العلماء بأن حكم الرِّدْء منهم حكمُ المباشِر، يُقتلون كلّهم، من باشرَ القتلَ، ومن لم يباشر من الأعوان والسعاة.
وهذه المسألة قد ذكرها صاحب "الفروع" من أصحابنا في باب: قطّاع الطريق عن صاحب "المفردات"، وأنه يقتل السعاة والأعوان، قال: لأن مجرى الجميع على أنهم قطاع طريق (١). وكلامُ الحنفيّة هو في هؤلاء، ولا يخرج عن ذلك، وليس أحد يقول: إنّ أعوان حكام الإسلام يقتلون، هذا ما أظن يقوله أحد.
• • •
стр. 255
الباب العاشر
في ذكر جماعة من الخلفاء والملوك ومُدَدهم وأخبارهم
أما قبل نبينا ﷺ ، فيقال: إنه ملكَ الدنيا جميعَها أربعةٌ لم يَتَّفِق ذلك لغيرهم: مؤمنان، وكافران: سليمان ﵇ والإسكندر، والنمرود وفرعون.
فأما النمرودُ فكان في زمن إبراهيم ﵇، وأما فرعونُ فكان في زمن موسى ﵇، وأما سليمان فهو نبيّ، وملّكه اللهُ ، وكان بعد موسى، والإسكندرُ وهما اثنان: الأصغر، والأكبر، والأكبرُ هو الذي ملك الدنيا.
ولم يملك من الأنبياء غيرُ سليمانَ ويوسفَ.
وأما الحكام غير هؤلاء قبل النبي ﷺ فثمّ ملوك كثيرة:
فالعزيز، وهو الريّان، كان في زمن يوسف، وكان بعدَ يوسفَ قابوسُ بنُ مطعم، وكان عدّه من التبابعة، وكسرى.
وأما الذين في زمنه ﵇، فالنجاشي صاحبُ الحبشة، وأَسْلَمَ، وكسرى، وقيصر، والمقوقس.
стр. 256
وأما حكام الإسلام ، فكان الأمر في حياة النبي ﷺ إليه، ثمّ بعد وفاته وَليَ الخلافةَ أبو بكر الصديق، وأقام سنتين وثلاثةَ أشهر، وولَّى عدة أمراء، وقاضيه عمرُ بن الخطاب، وحاجبه سديدٌ مولاه.
واستخلَفَ عند موته عمرَ ﵁، وفتحت غالبُ البلاد في أيامه، ومن أمرائه: خالد، وأبو عبيدة، وسعد بن أبي وَقَّاص، ومعاذ، والمثنى بن جارية، وأبو عبيد، وعمرُو بنُ العاص، ومعاويةُ، وغيرُهم.
كُتَّابه: عبدُ الله بن خلف، وزيدُ بن ثابت، وعلى بيتِ المال زيدُ بنُ أرقَم.
وقضاتُه بالمدينة: يزيدُ ابن أختٍ لعمر، وبالكوفة: أبو أمية، وشريح، ويقال: إنه أقام قاضياً خمساً وستين سنة.
حاجبُه: يرفأ مولاه.
وجعل الخلافةَ بعده في ستة، وبرَّأ ولده عبد الله منها، وأقام في الخلافة، وكانت خلافته عشرَ سنين ونصف.
وولي بعدَه عثمانُ بنُ عفان، وقام في الخلافة اثنتي عشرةَ سنةً، وفُتحت في أيامه عدة بلاد، وكان له عدةُ أمراء، وكاتبه: مروانُ بنُ الحكم، وقاضيه: كعب بن سور، وحاجبه: حُمرانُ مولاه، وصاحبُ شرطته: عبدُ الرحمن بن قيدن الهتمي، وهو أول من اتخذَ صاحبَ شرطة.
قُتل ظلماً في شوال سنة خمس وثلاثين.
стр. 257
وولي بعده عليُّ بن أبي طالب، وهو أولُ خليفة هاشمي الأبوين، ولم يكن بعده كذلك غيرُ محمّدٍ الأمين، وكانت خلافته خمسَ سنين تنقص ثلاثةَ أشهر، وفي أيامه بويع لمعاويةَ في الشام، وسار كلُّ واحد منهما إلى صاحبه، وكانت بينهما وقعةُ صِفِّين، قُتل فيها خلائقُ من الصحابةِ وغيرِهم، وقُتل على، ضربه ابنُ مُلْجِمٍ وهو خارجٌ إلى الصلاة، في شهر رمضان سنة أربعين، وكان له عدةُ أمراء، وكاتبه: عبدُ الله بنُ أبي رافع، وسعيدُ بن بحران، وقاضيه: شريحُ بنُ الحارث، وحاجبه: بِشْر مولاه، ثمّ قنبَرٌ مولاه.
ثمّ بويع بعده بالعراق لولدِه الحسن، فأقام إلى شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين، ثمّ سار إلى معاويةَ، ثمّ اصطلحا، وسلَّم الأمرَ إلى معاوية، ودفع إليه معاويةُ كلَّ ما أراد، وحقنَ الحسنُ دماء المسلمين، وحقق قولَ جده: "إِنَّ ابني هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللهَ أَنْ يُصْلحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ" (١)، وقولَه ﵇: "الْخِلاَفَةُ ثَلاثُونَ عَاماً، ثُمَّ يكُونُ مُلْكاً" (٢)؛ فإن تمامَ الثلاثين بمدَّته، ولما خرجَ عنها لله، رجع إلى المدينة، فأقام بها حتى مات مسموماً، وكاتبُه كاتبُ أبيه، وقاضيه قاضي أبيه.
стр. 258
ثمّ كان الأمر كلُّه لمعاويةَ، وأقام على الشام أربعين سنة أميراً وخليفة، فأقام أميراً عليها لعُمَرَ أربعَ سنين، ولعثمانَ اثنتي عشرةَ سنة، ومناظراً لعليٍّ خمسَ سنين، وخلص له الأمرُ تسعَ عشرةَ سنة، وهو أول من عمل المقصورة، وأخذَ البيعةَ لابنه يزيد، كاتبه: عبيدُ بنُ أوس، قَاضيه: فَضالَةُ بنُ عُبيد، أمراؤه: عمرُو بنُ العاص، وغيرُه، حاجبه: يزيدُ مولاه، ثمّ صفوانُ مولاه.
ثمّ يزيدُ بنُ معاويةَ، ولي بعهد أبيه إليه في رجب سنة ستين، فأقام ثلاثَ سنين، وسبعةَ شهر، وعمرُه تسع وثلاثون سنة، وفي أيامه قُتل الحسين، وفي أيامه وَقْعَةُ الحَرَّة، أباح فيها المدينةَ ثلاثةَ أيام، وذلك كفرٌ والعياذُ بالله، وبذلك أجاز أحمدُ لعنَه في إحدى الروايتين عنه، وهو أولُ من اتخذ ديوانَ الخاتم، وأولُ من اتّخذ الحصيات. كُتَّابه: عبيد بن أوس، دويدُ بنُ عمر، قاضيه: أبو إدريسَ الخولانيُّ، حاجبه: خالدٌ مولاه، وقيل: صفوان، أمراؤه: عمرُو بن العاص، وعُبيد الله بن زياد، وعمر بنُ سعد.
وبعدَه ولي معاويةُ ابنهُ، وكان رجلاً صالحاً، فأقام في الخلافة أربعين يوماً، وقيل: ثلاثة أشهر، وتوفي وسنّهُ إحدى وعشرون سنة.
ثمّ كانت بيعة عبد الله بن الزبير بمكة والحجاز، ثمّ بايعه أهل العراق، وولَّى أخاه مصعباً في البصرة، وعبدَ الله بن مطيع الكوفة، وبنى الكعبة على ما أخبرت عائشةُ عن رسول الله ﷺ من إرادة بنائها (١)، وولّى
стр. 259
أخاه عبيدةَ المدينةَ، ولم يزل حتى قتله الحجاجُ في خلافة عبد الملك، وصَلَبه على البيت سنة ثلاث وسبعين، وكان سلطانه بالحجاز والعراق تسعَ سنين، كاتبُه: زيد بن عمرو، وحاجبه: سالم مولاه، وأمراؤه: أخواه، وعبدُ الله بن مطيع، وهو أول مولود ولد بالمدينة للمسلمين.
وكان قد بويع لمروانَ بنِ الحكم بالشام بالخلافة في رجب سنة أربع وستين، ثمّ جُدِّدت له البيعة في ذي القعدة، وكان سلطانه بالشام ومصر، وتوفي في رمضان سنة خمس وستين، وكانت ولايته في الأول والثاني تزيد على السنة بيسير، وكاتبُه: سفيان الأحول، وقيل: عبيد بن أوس، وقاضيه: أبو إدريس، وحاجبه: أبو سعيدٍ مولاه.
وبويع بعده في شهر رمضان سنة خمس وستين لولده عبدِ الملك بالشام، ولما ولي، خرج إلى العراق، وقتلَ مصعبَ بنَ الزبير، وأخذ العراق، ثمّ بعث الحجَّاجَ إلى عبد الله بن الزبير فحاصره، وقتله وصلبه على الكعبة، ونقضها وردَّها على ما كانت من البناء، وأخذ جميع بلاد الحجاز من بني الزبير، وأصبح الأمرُ لعبد الملك، ثمّ ردَّ الحَجَّاجَ إلى العراق، وكانت خلافته إحدى وعشرين سنةً وأياماً، منها سبعُ سنين وسبعةُ أشهر وستةَ عشرَ يوماً قبل قتل ابن الزبير، وباقيها بعد.
وكتابُه: زيدُ بنُ زنباع، ثمّ قَبيصةُ بن ذؤيب، وغيرهما، قاضيه: أبو إدريسَ الخولانيُّ، وعبيد الله بنُ قيس، حاجبُه: يوسفُ مولاه، وغيره.
стр. 260
ثمّ ولي بعدَه الوليدُ بنُ عبدِ الملك بعهدٍ من أبيه إليه، وإلى أخيه سليمانَ من بعدِه، [في] نصف شوال، سنة ستٍّ وثمانين، وهو الذي بنى مسجدَ دمشق، وزال فيه كنيسةَ النصارى، وولَّى عمرَ بنَ عبدِ العزيز المدينةَ، فأقام بها سبعَ سنين، وخمسةَ أشهر، وشيّد مسجد الرسول ﵇، ورصعه بالفسافس، وبنى الأميال في الطرقات، وفي أيامه كان الطاعونُ الجارِفُ.
ومات الحجاجُ سنة خمس وتسعين، وكانت ولايته العراقَ عشرين سنة.
وتوفي الوليد سنة ستٍّ وتسعين، وكانت خلافته تسمعَ سنين، وثمانية أشهر، ودُفن بدمشق، كاتبُه برّةُ بنُ شريك، ثمّ قَبيصة بن ذؤيب، ثمّ الضَّحَّاك، ثمّ يزيدُ بنُ أبي كبشة، ثمّ عبد الله بن بلال، وقضاته [.....]، حُجَّابه: خالدٌ مولاه، وسعيدٌ مولاه.
ثمّ بويع بعده لأخيه سليمانَ بنِ عبد الملك سنة ستٍّ وتسعين، فأقام سنتين وثمانيةَ أشهر، وتُوفي سنة تسمع وتسعين، وله خمس وأربعون سنة، وجعل ابنَه أيوبَ وليَّ عهده، فمات، فجعل ذلك لعمرَ بنِ عبد العزيز، كُتَّابه: يزيدُ بنُ المهلَّب، ثمّ الفضلُ بن المهلب، ثمّ عبدُ العزيز بنُ الحارث، قاضيه: محمّدُ بنُ حزم، حاجبُه: أبو عبيد مولاه، أمراؤه: عمرُ بن عبد العزيز، وغيره.
ثمّ ولي بعدَه عمرُ بنُ عبد العزيز بعهد من سليمان، وبويع له بذلك [في] صفر سنة تسمع وتسعين، وله تسع وثلاثون سنة، فأقام سنتين وخمسة أشهر وأياماً، وقام بالعدل والخير حتى أُلحق بالخلفاء
стр. 261
الراشدين ﵁، كتابُه: رجاءُ بنُ حيوة، وابن أبي رقية، قاضيه: عبدُ الله بن سعد، حجابه: حبيش، ومزاحم، توفي بدير سَمعان من حمص.
ثمّ ولي بعده يزيدُ بن عبد الملك، أقام في الخلافة أربع سنين وشهراً، وتوفي بحوران سنة خمس، وله تسع وعشرون سنة، كتابُه: عمر بنُ هبيرة، ثمّ إبراهيمُ بن صِلَة، ثمّ أسامةُ، وقضاتُه: عبد الرحمن بنُ الخشخاش، وسعيدُ بنُ أبي وقاص، حجابه: سعيد مولاه، ثمّ خالد مولاه.
ثمّ ولي بعدَه هشامُ بنُ عبد الملك، بويع له بعهدِ أخيه إليه في شعبان، سنة خمس ومئة، فأقام في الخلافة تسعَ عشرةَ سنةً، وسبعةَ أشهر، ويومين، وتوفي بالرّصافة [في] شهر ربيع الآخر، سنة خمس وعشرين ومئة، وله ثلاث وخمسون سنة، كتابُه: سعيدُ بن الوليد، ثمّ محمد بنُ عبد الله، قاضيه: محمّدُ بنُ صفوان، حاجبه: غالبٌ مولاه.
ثمّ بويع بعده للوليد بن يزيدَ بنِ عبد الملك [في] شهر ربيع الآخر سنة خمس وعشرين، وقد جاوز الأربعين، وكان منهمِكاً على اللهو، واللذَّات، ثمّ قتله ابنُ عمه سنة ستٍّ وعشرين، وكانت ولايته سنةً وشهرين وأياماً، كاتبُه: العباسُ بنُ مسلم، قاضيه: محمّدُ بنُ صفوان، حاجبه: قَطَن مولاه.
ثمّ بويع بعدَه ليزيدَ بنِ الوليد بنِ عبد الملك في جمادى الآخرة سنة ست وعشرين، فأقام خمسة أشهر وأياماً، وتوفي بعدَ عيد الأضحى بالطاعون، وله أربعون سنة، كاتبُه: ثابت بنُ سليمان، قاضيه:
стр. 262
عثمان بن عمر التيميُّ، حاجبه: قطنٌ مولاه.
وبويع بعده لإبراهيمَ بنِ الوليد بن عبد الملك في ذي الحجة سنة ستٍّ وعشرين، وكانت ولايته شهرين، وعشرة أيام، كاتبه: دُكَيْن، قاضيه: عثمانُ بنُ عمر، حاجبه: قطن، ثمّ وردان.
ثمّ بويع لمروانَ بنِ محمّدٍ في صفر سنة سبع وعشرين ومئة، وكان والياً على أرمينية، ولم يزل أمرُه مضطرباً إلى أن ظهر أبو مسلمٍ بخراسان.
وبويع السفاحُ بالكوفة في شهر ربيع الأول سنة اثنتين وثلاثين، فسيَّر السفاحُ عبدَ الله بنَ على بن عبد الله بن عباس إلى مروان، وانهزم، واتبعه عبدُ الله، ثمّ تبعه أخوه صالح، فقُتل بصعيد مصر ليلة الأحد من ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين، وله تسع وخمسون سنة، كاتبه: عبدُ الحميد بن يحيى، قاضيه: عثمانُ، حاجبه: صقلان، وبه زالت خلافةُ بني أمية.
وجميعُ مَنْ ولي منهم من لدن معاويةَ أربعةَ عشرَ رجلاً، ومدةُ خلافتهم بعد معاوية إحدى وسبعون سنة، وتسعة أشهر، وخمسة أيام.
ثمّ تفرقت بنو أمية في البلاد هرباً بأنفسهم، فهرب عبدُ الرحمن بنُ معاويةَ بنِ هشام إلى الأندلس، فبايعه أهلُها سنة تسع وثلاثين ومئة، وأقام والياً ثلاثاً وثلاثين سنة وأربعةَ أشهر، وتوفي في جمادى الأولى سنة اثنتين وسبعين.
ثمّ ولي ابنهُ هشام سبعَ سنين وسبعةَ أشهر.
стр. 263
ثمّ ولي الحَكَمُ بنُ هشام سبعاً وعشرين سنة، وشهراً، وخمسة وعشرين يوماً.
ثمّ ولي عبد الرحمن بن الحكم اثنتين وثلاثين سنة، وأربعةَ أشهر.
ثمّ ولي محمّدُ بنُ عبدِ الرحمن أربعاً وثلاثين سنة، وأحدَ عشر شهراً.
ثمّ ولي المنذرُ بنُ محمد سنة، وأحدَ عشرَ شهراً، وثلاثةَ عشرَ يوماً.
ثمّ ولي أخوه عبدُ الله خمساً وعشرين سنةً، ونصف شهر.
ثمّ ولي ابنُ ابنه عبدُ الرحمن بنُ محمد بنِ عبد الله، وتسمَّى: أمير المؤمنين، وكان مَنْ قبله يسمون: بني الخلائف، ولم يزل والياً خمسين سنة.
ثمّ ولي بعده ابنُه الحَكَمُ بن عبد الرحمن، ولقبُه: المستنصرُ بالله، وأقام والياً إلى أن مات خمسَ عشرةَ سنة وأشهراً.
ثمّ ولي ابنُه هشام تسعاً وثلاثين سنة إلى أن قتله ابنُ عمه سليمانُ سنة ثلاث وأربع مئة، وانحلّ نظام بني أمية، وغلب على كل ناحية من الأندلس أميرُها، وصار بعضُها لرجل من ولد الحسن تلقب بالمأمون.
• • •
стр. 264
فصل
في دولة بني العباس
أولُهم: أبو العباس السفاح، عبدُ الله بنُ محمّدِ بنِ عليِّ بنِ عبدِ الله بنِ العباس، بويع له بالكوفة يومَ الجمعة لثلاثَ عشرةَ ليلةً خلت من شهر ربيع الأول، سنة اثنتين وثلاثين ومئة، فأقام في الخلافة أربعَ سنين، وسبعةَ أشهر، وتوفي بالأنبار بمدينته التي بناها وسمّاها الهاشمية يومَ الأحد، ثالث عشر ذي الحجة، سنة ست وثلاثين، وله اثنتان وثلاثون سنة ونصف، وزراؤه: أبو سَلَمَةَ حفصٌ الخَلاَّل، وهو أولُ من لُقب بالوزارة، ثمّ قتله، واستوزر خالدَ بنَ بَرْمَك، قاضيه: ابن أبي ليلى، ثمّ يحيى بن سعيد، حاجبه: صالح بن الهيثم.
وبعده بويع لأبي جعفر المنصور، وهو أخوه من أبيه، بويع له وهو بمكة، وقام عمّه عيسى بنُ على ببيعته، وأتته الخلافة وهو بطريق مكّة، فأقام في الخلافة اثنتين وعشرين سنة، وتوفي عند بئر معونة على أمتار من مكّة، يوم السبت سادس ذي الحجّة، سنة ثمان وخمسين ومئة وهو محرِم، وله ثلاث وستون سنة، وولد في ذي الحجّة، وأعذر في ذي الحجّة، وولي في ذي الحجّة، ومات في ذي الحجّة، ولم يكن به
стр. 265
بأس، وزراؤه: أبو عطية الباهليُّ، ثمّ أبو أيوبَ الموزراني، ثمّ الرّبيعُ وخالدُ بنُ برمك مدّة، قضاتُه: عبد الله بن محمد بن صفوان، وشريكُ بن عبد الله، والحسنُ بن عمار، والحجاجُ بنُ أرطاة، ويحيى بن سعيد، وعثمان التيميُّ، حُجَّابه: الربيعُ مولاه، ثمّ عيسى مولاه، ثمّ أبو الحصين مولاه.
وبويع بعده لولدِه محمّدٍ المهديِّ، فأقام عشر سنين وشهراً ونصف شهر، وتوفي بالمحرم سنة تسع وستين ومئة، وزراؤه: أبو عبيدةَ معاويةُ بنُ عبد الله، ثمّ يعقوبُ بن داود، والفيضُ بن أبي صالح، قضاتُه: محمد بن عبد الله بن علاثة، وعاقبة بن يزيد، حاجبه: سلام الأبرش.
وبويع بعده لولده موسى الهادي، فأقام سنة وشهراً وأربعة عشر يوماً، وتوفي ليلة الجمعة، نصف شهر ربيع الأول، سنة سبعين ومئة، وله أربع وعشرون سنة، وزراؤه: الربيعُ بن يونسَ، ثمّ عمرُ بنُ بزيع، قضاته: أبو يوسفَ، وسعيدُ بنُ عبد الرحمن، حاجبُه: الفضلُ بنُ الربيع.
وبويع بعده لأخيه هارونَ الرشيدِ ليلة وفاته، فمات خليفةٌ، وبويع لخليفة، وولد فيها خليفةٌ، وهو المأمون، فأقام في الخلافة ثلاثاً وعشرين سنة وشهراً وسبعة عشر يوماً، وتوفي ليلة السبت شهر جمادى الآخرة، سثة ثلاث وتسعين ومئة، وله خمس وأربعون سنة، وخمسة أشهر، وزراؤه: يحيى بنُ خالد، وابناه: جعفرٌ، والفضلُ، ثمّ بمَبَهم، ووزرَ بعدهم الفضل بن الربيع، قضاته: برج بن درّاج، وحفصُ بن غياث بالجانب الشرقي، والحسن بن الحسن، ثمّ
стр. 266
عون الله بن عبد الله بالجانب الغربي، ومحمّد بن سماعة، وشريك بن عبد الله، وعلي بن حرملة، حجابه: بشر مولاه، ثمّ محمّدُ بن خالد، ثمّ الفضلُ بنُ الربيع.
وبويع بعده لولده محمّدٍ الأمين سنة ثمان وتسعين ومئة، وله تسع وعشرون سنة، وثلاثة أشهر، فأقام أربع سنين وسبعةَ أشهر وثمانية عشر يوماً، وكان الرشيد جعل عهده إلى ابنيه: الأمين، والمأمون، وكتب بينهما شرطاً، وتخالفا، وعلّق الكتاب في الكعبة، ودفع إلى إبراهيمَ الحَجَبِيِّ ليعلّقه، فوقع من يده، فعُرف من ذلك سرعةُ انتقاضه، ولم يزل المأمون في دَعَة، والمأمونُ بخراسان سنتين وأشهراً، ثمّ أغرى الفضل بن الربيع، فنصّب الأمينُ ابنَه موسى لولاية العهد بعدَه، وأخذ البيعةَ، ولقّبه: الناطقَ بالحقِّ سنةَ أربع وتسعين، وجعله في حجر عليِّ بنِ عيسى، ووجّه عليَّ بن عيسى إلى خراسان، ووجّه المأمونُ هزيمةَ بن عمرٍو على مقدّمة طاهر بن الحسين، فقتل عليَّ بنَ عيسى، ولم تزل الحربُ بين الأمين والمأمون سنين، ثمّ لجأ الأمينُ إلى مدينة أبي جعفر، ثمّ قُتل سنة ثمان وتسعين، وزراؤه: الفضلُ بنُ الربيع، ثمّ إسماعيلُ بنُ صبيح، وغيرُه، قضاتُه: إسماعيل بنُ حمادِ بنِ أبي حنيفةَ، وأبو البَخْتريِّ، ومحمّد بن سماعة، حاجبه: العبّاس بن الفضل.
ولم يكن الأمينُ بمحمودِ السّيرة في ولايته.
ثمّ ولي بعدَه المأمون، بويع له يوم الأحد، لخمسٍ بقين من المحرم، سنة ثمان وتسعين، فأقام في الخلافة عشرين سنة وخمسةَ
стр. 267
أشهر، وبايع لعليِّ الرضا بن موسى بن جعفر لولاية عهدِه في شهر رمضان سنة إحدى ومئتين، ولبس الخضرة، ومات على سنة ثلاث، ودعا إبراهيمُ بنُ المهديِّ لنفسه بالخلافة، ولقّب نفسه: المبارك، وبويع له ببغداد سنة اثنتين [ومئتين]، وأقام أحدَ عشر شهراً وأياماً، ثمّ استخفى.
وفي سنة أربع ومئتين رجع المأمون إلى الناس بالسواد، وفي سنة اثنتي عشرة أظهر المأمونُ القولَ بخَلْق القرآن، وقال في عليٍّ: إنّه أفضلُ الناس بعدَ الرسول، فأتعسَ نفسَه، وابتدعَ البدعَ التي لم تُطْفَ حتّى حصل بها الشرورُ والفتن والمحن الزائدة، وكان عليه وزرُ ذلك كلّه إلى يوم القيامة، وزراؤه: الفضلُ بنُ سهل ذو الرئاستين، ثمّ أخوه الحسن، ثمّ أحمد بن أبي خالد، ثمّ أحمد بن يوسف، قضاته: محمد بن عمر الواقديّ، ثمّ محمد بن عبد الرحمن، ثمّ بشير بن الوليد، ثمّ يحيى بن أكثم، حجابه: عبد الحميد بن شبيب، ثمّ محمد، وعليّ بنُ صالح، ثمّ إسماعيلُ بن محمد بن صالح.
ثمّ بويع بعده لأخيه المعتصم بالله، فأقام ثمانَ سنين وثمانية أشهر، وتوفي لاثنتي عشرة ليلةً بقيت من شهر ربيع الأول، سنة سبع وعشرين ومئتين، وسنّه ثمان وأربعون سنة، وهو المثمِّن من اثنتي عشرة جهة: الثامنُ من ولد العباس، والثامن من الخلفاء منهم، وولي سنة ثمان عشرة، وكانت خلافته ثمان سنين وثمانية أشهر، وتوفي وله ثمان وأربعون سنة، في الشّهر الثامن من السنة، وخلّف ثمانية ذكور، وثمان إناث، وغزا ثمان غزوات، وخلّف ثمانية آلاف دينار، وثمانية آلاف درهم.
стр. 268
وهو الذي أظهرَ الكفرَ، والقولَ بخلق القرآن، وقتل خلائقَ من العلماء بسبب ذلك، وضربَ أحمدَ بنَ حنبل، ومات شرَّ موتة، وزراؤه: الفضل بنُ مروان، ثمّ أحمدُ بن عمار، ثمّ محمد بنُ عبدالملك، قضاتُه: سعيد بن سهل، ثمّ محمد بن سماعة، ثمّ عبد الله بن غالب، وأحمدُ بن أبي دؤاد، وأبو جعفر بن عيسى،
حجَّابُه: وصيفٌ مولاه، ثمّ محمّدُ بنُ حماد.
ثمّ بويع بعده لولده الواثقِ بالله، بويع له يوم الخميس، لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول، سنة سبع وعشرين ومئتين، فأقام خمس سنين، وسبعة أشهر، وستة أيام، وكان رديء السيرة، أظهرَ المحنَ والأمور الرّديّة، وتوفي في ذي الحجة سنة اثنتين ومئتين، وزيره: محمّدُ بنُ عبد الملك، قاضيه: أحمدُ بن أبي دؤاد، حجابه: رباح، ثمّ وصيفٌ، ثمّ أحمدُ بن عمار.
ثمّ بويع بعده لأخيه المتوكّل على الله سنة اثنتين ومئتين، فأقام أربعَ عشرةَ سنة، وتسعة أشهر، وتسعة أيام، وقُتل ليلة الأربعاء في شوّال سنة سبع وأربعين ومئتين، وله أحدٌ وأربعون سنة، وهو الذي رفع المحنةَ، ومنع من الجدل، وصَفَت له الدنيا، وزراؤه: محمد بن عبد الملك، ثمّ محمد بن الفضل الجرجاني، ثمّ عبيد الله بن يحيى بن خاقان، قضاتُه: يحيى بن أكثم، ثمّ جعفرُ بنُ محمد، ثمّ جعفر بن عبد الله العباسيُّ، حجابه: وصيفٌ، ثمّ محمد بن عاصم، ثمّ يعقوبُ بن قوصرةَ، ثمّ الموريانيُّ، ثمّ إبراهيم بن الحسن.
ثمّ بويع بعده لولده المنتصر بالله في شوّال سنة سبع وأربعين
стр. 269
ومئتين، وتوفي بالرقة سنة ثمان وأربعين، وزيره: أحمدُ بنُ الخصيب، قاضيه: جعفرٌ العباسيُّ، حجابه: وصيفٌ، ثمّ بُغا، ثمّ ابنُ المرزبان، ثمّ أوتامش.
ثمّ بويع للمستعين أبي العباس أحمدَبنِ محمّدِ بنِ المعتصم يوم الائنين شهر ربيع الآخر، سنة ثمان وأربعين ومئتين، وخلع نفسَه لأربعٍ خلون من المحرم سنة اثنتين وخمسين ومئتين، وكانت خلافته ثلاث سنين، وتسعة أشهر، وأحدر إلى واسط، وكان بها أحمدُ بن طولون، ثمّ قُتل آخر شهر رمضان من هذه السنة عن إحدى وثلاثين سنة وثلاثة أشهر.
وكان تسلّم الخلافةَ منه المعتزُّ بالله سنة اثنتين وخمسين ومئتين، وفي سنة ثلاث توفي نائبُ بغداد محمّدُ بن عبد الله بن طاهر، وكبيرُ الأمراء وصيفٌ التركي.
وفي سنة أربع توفي بُغا الصغيرُ.
وفي سنة خمس كانت وقعةُ الزَّنْج، وفيها دخل جماعةٌ من الجند على الخليفة، فأحاطوا بقصر الخلافة، وهمّ عليه جماعةٌ، فضربوه بالدبابيس، وألزموه بخلع نفسه، ثمّ أطلقوه بعد ذلك.
ثمّ بويع بعده للمهتدي بالله في رجب، سنة خمس وخمسين ومئتين، فأقام أحد عشر شهراً وأيامًا، وكان تَشَبَّه بعمرَ بن عبد العزيز من بني أمية، وقُتل يوم الثلاثاء لأربعَ عشرةَ خلت من رجب، سنة ستٍّ وخمسين، وله تسع وثلاثون سنة، وزراؤه: سليمانُ بنُ وهب، وجعفرٌ أبو محمد الإسكافي، وصالح بن أحمد، قاضيه: الحسنُ بن
стр. 270
أبي الشوارب، حجابه: صالحُ بنُ وصيف، وبايك باك، وموسى بن بُغا.
وأقام بعده في الخلافة المعتمدُ على الله، وكان قد بويع له لأربعَ عشرةَ ليلةً خلت من رجب سنة اثنتين وخمسين ومئتين، وكانت خلافته ثلاثاً وعشرين سنة وبعض أيام، وتوفي ببغداد في رجب، سنة سبع وسبعين ومئتين وله خمسون سنة، وكان مقبِلاً على اللذات، مشغولاً عن الرعية، وكان جعل أخاه طلحةَ وليَّ عهده، ولقّبه: الموفق، وجعل إليه المشرق، وجعل ابنه جعفراً وليَّ عهده، ولقّبه: المفوّض إلى الله، وجعل إليه المغرب، وغلب الموفقُ على الأمر، وقام أحسنَ قيام، ومال الناس إليه، وكان مشغولاً بقتال عليِّ بنِ محمّدٍ صاحبِ الزنج، المعروف بعلويِّ البصرة، وكان ظهوره في شوّال، سنة خمس وخمسين في خلافة المهتدي، وقُتل في صفر سنة سبعين، وكان من الخوارج الخبثاء، قتل خلائقَ من الناس، وكان المعتمد قد سار في جمادى الآخرة سنة سبع وستين ومئتين يريد مصر بمكاتبة جرت بينه وبين أحمد بن طولون، فلما بلغ الموفقَ ذلك وهو في القتال، إذا صاحبُ الزّنج وجَّهَ إسحاقَ بن كيراج، فردّه، وسلّمه إلى صاعد بن مخلد، فأنزله دارَ ابن الخصيب بسُرَّ مَنْ رأى، وحَجَر عليه، ولقّب الموفقُ إسحاقَ بذي السبقين، وولَّاه أَعمالَ ابن طولون، ولقّب صاعدَ بن مخلد بذي الوزارتين، وصار ابنُ طولون بدمشق، فجمع القضاة والعلماء، وخلع الموفَّق، وأفتى الفقهاء كلُّهم بخلعه إلا بكّارَ بنَ قتيبة، فحبسه، وأمر الموفقُ بلعن ابنِ طولون على المنابر، ثمّ مات ابنُ طولون بشهر [ذي] القعدة سنة
стр. 271
سبعين ومئتين، ومات ابنه العباس بعده باثنتي عشرة سنة، ثمّ مات الموفق سنة ثمان وسبعين ومئتين، فردّ المعتمدُ ولاية عهده إلى ابنِ الموفَّق، وهو أحمد المعتضدُ بالله، ووزراء المعتمد: عبيدُ الله بنِ يحيى بن خاقان، ثمّ سليمانُ بن وهب، ثمّ بُسْرُ بن خالد، ثمّ صاعدُ بن مخلد، ثمّ أبو الصقر، وقضاتُه: الحسنُ بن أبي الشوارب، وعليُّ بن محمد، وحُجَّابُه: موسى بن بُغا، ثمّ جعفر، ثمّ خطارمش، ثمّ بكتمر، ثمّ عليٌّ الحسار.
وأما المعتضد بالله أحمدُ بنُ الموفق، فبويع له لإحدى عشرة ليلة بقيت من رجب، سنة سبع وسبعين ومئتين، فأقام تسع سنين، وتسعة أشهر، وأربعة أيام، وتوفي آخر سنة سبع وثمانين ومئتين، وعمره ستٌّ وأربعون سنة. وزراؤه: عبيد الله بن سليمان، وغيرُه، قضاتُه: إسماعيل بن إسحاق، ثمّ أبو العباس أحمدُ بن محمد اليزيديُّ، ثمّ أبو حازم عبدُ الحميد بن عبد العزيز، ثمّ يوسفُ بن يعقوب بن أبي الشوارب، ثمّ أبو عمر محمّدُ بن يوسف، حاجبُه: صالح الأمين.
وكان بعده المكتفي بالله بنُ المعتضد، بويع له لسبعٍ بقين من شهر ربيع الآخر، سنة تسع وثمانين، فأقام ستَّ سنين، وستة أشهر، وعشرين يوماً، وتوفي ببغداد [في] شهر [ذي] القعدة، سنة خمس وتسعين ومئتين، وعمره إحدى وثلاثون سنة وأشهُر، وزراؤه: القاسم بنُ عبيد الله بن يعقوب، ثمّ أبو عمرو بنُ أبي الشوارب، حاجبه: خفيف.
ثمّ بويع بعده للمقتدِر بالله بنِ المعتضِد في ذي القعدة، سنة خمس
стр. 272
وتسعين ومئتين، فأقام أربعاً وعشرين سنة، وأحدَ عشَر شهراً، وأربعةَ عشَر يوماً، وقُتل يوم الأربعاء لثلاث بقين من شوال سنة عشرين وثلاث مئة، وسنه ثمان وثلاثون سنة، وشهر، وخمسة أيام، أفضت إليه الخلافة وله ثلاث عشرة سنة، وشهر وبعض شهر، فدبَّر الوزراء والكُتَّاب، وغلب على أمره النساء والخدم، حتى إن جارية لأمه كانت تجلس للمظالم ويحضرها القضاة والفقهاء، وخلع مرتان، فأما المرة الأولى؛ فإن الحسن بن حمدان ومحمد بن داود بن الجراح دبرا مع جماعةٌ من القواد خلعه، فخلع يوم السبت لعشر بقين من شهر ربيع الأول سنة ست وتسعين، وبويع لعبد الله بن المعتز، ولقب المرتضى بالله، ثمّ اضطرب أمره وهرب واستتر عند ابن الجصاص، ولم يتم له الأمر غير يوم واحد وليلة، وعاد الأمر إلى المقتدر، ثمّ قبض على ابن المعتز،
وصودر ابن الجصاص، ثمّ أخرج ابن المعتز ميتا من دار السلطان لليلتين خلتا من شهر ربيع الآخر من السنة المذكورة، فسلم إلى أهله، فدفن، وله خمسون سنة. والخلع الثاني في نصف المحرم سنة ست عشرة وثلاث مئة، وأشهد على نفسه بالخلع، وبويع أخوه القاهر، وأقام يومين، ثمّ عاد الأمر إليه، وأمن القاهر على نفسه، ثمّ إن موسى الخادم سار يريد بغداد بعد أن استولى على ديار ربيعة وأعمال الموصل، فحسَّن للمقتدر أن يخرج إلى قتاله، فخرج إلى باب الشماسة، واقتحم العسكر، فقتله رجلٌ من البربر وأخذ رأسه وثيابه، ودفن هناك، ووقع في أيامه ما لم يوجد قبله، منها أنه ولي وهو صبي ولم يلي في الإسلام أحد قبله في سنه، ومنها: أنه استوزر اثني عشر وزيراً، ومنها: أن الحج بطل في أيامه سنة سبع عشر وثلاث مئة، ومنها: أن الحجر الأسود
стр. 273
أخذ في أيامه، وذلك أن أبا طاهر سليمان بن الحسن الجنابي القرمطي دخل مكة يوم التروية، فقتل الحاجَّ، ورمى القتلى في زمزم، وأخذ الحجر الأسود، وعرَّى الكعبة، وقلع بابها، وبقي الحجر عندهم اثنتين وعشرين سنة إلا شهراً، ثمّ ردوه على يد سنبر لخمس خلون من ذي القعدة سنة تسع وثلاثين وثلاث مئة، وكان بجكم بذل لهم في رده على ما يذكر خمسين ألف دينار، فما فعلوا، وقالوا: أخذناه بأمر، ولا نرده إلا بأمر، وكان أخذه في أيام أحد أئمة مذهبنا أبي القاسم الخرقي ﵁ ذكره الذهبي، ولذلك قال في "مختصره" الذي وضعه في الفقه على مذهب الإمام أحمد-: يستلم الحجر الأسود إن كان، وإلَّا استلم موضعه (١).
وذكروا أنهم لما أخذوه، ثَقُل عليهم، فلم يقدروا على أن يوصلوه إلى مكانهم، حتى بدَّلوا تحته بضعةَ عشرَ بعيراً، وإنهم لما ردُّوه، ردَّهُ بعيرٌ واحد أقلَّ ما يكون من الثِّقل.
وفي أيامه قُتل الحَلَّاج.
ويقال: إنه جمع أموالاً لم يجمعها أحدٌ من الخلفاء قبله، وزراؤه: العباسُ بن الحسن، أبو الحسن بنُ القزاز، محمد بن عبيد الله بن خاقان، أبو الحسن على بن عيسى، حامد بن العباس، أبو القاسم الخاقاني، أبو على بن مقلة، أحمد بن عبيد الله بن الخصيب، سليمان بن الحسن بن مخلد، عبيد الله بن محمد الكلوذاني، الحسن بن
стр. 274
القاسم بن عبد الله، الفضل بن جعفر بن الفرات، قضاتُه: يوسفُ بن يعقوب، ثمّ ابنه محمّدُ بنُ يوسف أبو عمر، ثمّ عبد الله بنُ أبي الشوارب، ثمّ ابنه محمد بن أحمد بن إسحاق بن البهلول، ثمّ عمر بن محمد بن سيف، ثمّ الحسن بن عبد الله، ثمّ محمد بن الحسن بن مالك، ثمّ ابن أبي الشوارب، حجابهُ: سوسن مولى المكتفي، نصرٌ القسوري، ياقوتُ مولى المعتضد، إبراهيم ومحمّد ابنا رائق.
وبويع بعده للظاهر بالله محمّدِ بن المعتضد يومَ الخميس، لليلتين بقيتا من شوال سنة عشرين وثلاث مئة، فأقام سنةً، وستةَ أشهر، وثمانية أيام، وخُلع، وسُمِلَتْ عيناه لستٍّ خلون من جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين وثلاث مئة، ثمّ كبس عليه الغلمان، فقبض [عليه]، وحبس، وأُخرج أبو العباس أحمدُ بنُ المقتدر من حبسه، ولقب: الراضي بالله، وسُلِّم عليه بالخلافة في يوم الأربعاء، لستٍّ خلون من جمادى الأولى، وأحضر القضاة وجماعة من الشهود، وأُدخلوا على القاهر ليشهدوا عليه بالخلع، فقال: لي في أعناقكم بيعة، ولست أُحَلِّلُكم منها، فانصرفوا، واستدعى في تلك الليلة أحمد بن أبي الحسين الصابئ، وكحل القاهر بمسمار محمي دفعتين، بعد أن أقيم بين يدي الراضي، وسلم عليه بالإمارة، وكان القاهر أولَ من سُمِلَ من الخلفاء، ولم يزل باقياً في دار السلطان إلى أن أخرجه المستكفي سنة ثلاث وثلاثين وثلاث مئة ورده إلى ولده، فأقام مدة، ثمّ خرج إلى جامع البصرة في يوم الجمعة، وقام يعرّف الناسَ بنفسه، وسألهم أن يتصدَّقوا عليه، فقام إليه ابنُ أبي موسى الهاشميُّ الحنبليُّ، فأعطاه ألفَ درهم، وردَّه إلى داره، وتوفي في خلافة المطيع ليلة الجمعة في جمادى الأولى، سنة تسع
стр. 275
وثلاثين وثلاث مئة، وله اثنتان وخمسون سنة، وزراؤه: أبو علي بن مُقْلَة، ثمّ محمد بن القاسم، ثمّ أحمد بن عبيد الله، ثمّ علي بن يلبق، ثمّ سلامة الطولوني، قاضيه: عمر بن محمد.
ثمّ استمر الراضي بالله، وكان قد بويع له يوم الأربعاء من جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين وثلاث مئة، وكانت خلافته ستَّ سنين، وعشرة أشهر، وعشرة أيام، وتوفي بالإستسقاء شهر ربيع الأول سنة سبع وعشرين، وكان سنُّه اثنتين وثلاثين سنة، ومات في أيامه عبيدُ الله المهدي صاحبُ المغرب سنة اثنتين وعشرين، وكانت ولايته خمساً وعشرين سنة وأشهراً، وكان في أيامه ظهورُ عليِّ بن محمد السمعاني أبي العذافر، وكان ادَّعى الربوبية سنة اثنتين وعشرين، وقُتل هو وابن أبي عون، لأنه أقر أنه إلهُهُ، وقيل: إن الحسن بن القاسم بن وهب الوزيرَ اعتقد ذلك -أيضاً-.
وفي أيامه ضَرب أبو علي بنُ مقلة ابنَ سنبوذ المقرئ سبعَ درر؛ لأجل قراءات أُنكرت عليه، فدعا عليه بقطع اليد، وتشتيت الشمل، فلم يمض عليه غيرُ القليل حتى قُبض عليه، وقطعت يده ولسانه، ولحقته أمور كثيرة، وعللٌ ومصائب، ثمّ مات، ونُبش ثلاث مرات.
وفي أيامه اعترض له أبو طاهر -الذي كان أخذ الحجر الأسود- الحاجَّ، وقتل منهم خلائقَ، وسبى جماعة سنة ثلاث وعشرين.
وفي أيامه مات ابنُ مجاهد.
وزراؤه: أبو علي بنُ مقلة، ثمّ ابنه الحسين، ثمّ عبد الرحمن بن عيسى، ثمّ محمد بن القاسم، ثمّ سليمان بن الحسن بن مخلد، ثمّ
стр. 276
الفضل بن جعفر، وأبو عبد الله اليزيديُّ، وقضاتُه: عمر بن محمد بن يوسف، ثمّ ابنه يوسف بن عمر، حُجَّابه: محمد بن ياقوت، ثمّ ذكيٌّ مولاه.
وبعده كان المتقي بالله إبراهيمُ بنُ المقتدر، بويع له يوم الأربعاء، لعشرٍ بقين من ربيع الأول، سنة تسعٍ وعشرين وثلاث مئة، فأقام ثلاث سنين، وأحدَ عشرَ شهراً، ثمّ خُلع، وسُملت عيناه لعشرٍ بقين من صفر، سنة ثلاث وثلاثين وثلاث مئة، وكان بجكم يدبر الملك إلى أن قتل، وأقام سنتين وثمانيةَ أشهر، ثمّ صار التدبيرُ بعده لكورتكين أبي شجاع، فكتب المتقي يستدعي ابنَ رائق، فسار من دمشق، ووصل إلى بغداد، فهرب كورتكين، وكانت إمارته ثمانين يوماً، وخلع على ابن رائق سنة تسع وعشرين، وكان في أيامه غلاء وشدة، ووصل أبو الحسن اليزيديُّ إلى بغداد، وملك أصحابُه دار السلطان، وصرف المتقي وابنَه وابنَ رائق إلى الموصل، فقُتل ابنُ رائق، قتله ابنُ حمدان، واعتذر إلى المتقي من قتله، وقال: إنما قتلته؛ لأني علمتُ أنه يريد الإيقاعَ بك، فعذرَه، ورد إليه تدبير الملك، ولقّبه: ناصر الدولة، ثمّ سار المتقي وابنُ حمدان وأخواه إلى بغداد، فأقام ناصرُ الدولة ثلاثة عشر شهراً، ثمّ خلع المتقي على توزون، وصار إليه التدبير، وقامت الحرب بين سيف الدولة ابن حمدان وبين توزون، وسار المتقي بنفسه وحرمه إلى الموصل في شهر ربيع الأول، سنة اثنتين وثلاثين وثلاث مئة خوفاً على نفسه، وانهزم سيفُ الدولة، وعاد توزون إلى بغداد، وراسله المتقي في الصلح، فأجاب إليه، ووصل الأخشيد من مصر في المحرم سنة ثلاث
стр. 277
وثلاثين، فسأل المتقي أن يسير معه إلى مصر، فأتى، وظهر له أن بني حمدان قد ضجروا من مقامه عندهم، فاستقبله توزون، وقبّل له الأرض، وقبّل يده ورجله، وركب وسار معه، ونزل المتقي هو وحرمُه في مضرب توزون، وأنفذ توزون، فأحضر عبد الملك بنَ المكتفي، وبويع له، ولقّب: المستكفي، وسلّم إليه المتقي، فأخرجه إلى جزيرة بقرب السندية، وسُملت عيناه بعد أن أقيم بين يدي المستكفي، وسُلِّم عليه بالخلافة، وأشهدَ على نفسه بالخلع.
ولم يزل المتقي باقياً إلى أن توفي في خلافة المطيع سنة سبع وخمسين وثلاث مئة، وله ستون سنة.
وزراؤه: أحمدُ بن محمد، ثمّ اليزيديُّ، ثمّ سليمانُ بن الحسن، ثمّ أبو إسحاق المرابطيُّ، ثمّ محمد بنُ القاسم الكرخيُّ، ثمّ أحمد بن عبد الله الأصبهانيُّ، ثمّ علي بن مقلة، ثمّ محمد بن عيسى، ثمّ أبو طاهر محمد بن أحمد، ثمّ أبو الحسن أحمد بن عبد الله، حُجَّابه: سلامة مولى خمارويه، ثمّ بدرٌ الجوشني، ثمّ أحمد بن خاقان.
ثمّ بعده المستكفي بالله بنُ المكتفي، بويع له لعشرٍ بقين من صفر سنة ثلاث وثلاثين، فأقام سنة وأربعةَ أشهر، وخُلع، وسُملت عيناه في جمادى الآخرة سنة أربع وثلاثين، ولقّب نفسَه آخرَ سنة ثلاث وثلاثين: إمام الحقّ، وضرب ذلك على الدينار والدرهم.
ومات توزون لثمان بقين من المحرم سنة أربع وثلاثين، وكانت إمارته سنتين وأربعةَ أشهر، واجتمع الجيشُ على محمد بن يحيى بن شيرزاد كاتبِ توزون، ووصل بنو بويه في جمادى الأولى سنة أربع
стр. 278
وثلاثين، فقلّد المستكفي أبا الحسين أحمدَ بنَ بُوَيْه الإمارةَ، ولقّبه: معزّ الدولة، ولقّب أخاه أبا الحسن عليّاً: عمادَ الدولة، ولقّب أخاه أبا عليٍّ الحسنَ: ركنَ الدولة، وخلع عليهم، ونزل الديلمُ دورَ الناس.
ثمّ إن قهرمانة المستكفي صَنَعت دعوة، وأحضرت جماعةً من الديلم، فاتهمها معزُّ الدولة أنها أرادت أن تعقد على الديلم بيعةً في بعض رئاسته، فركب إلى دار السلطان في يوم الخميس، لثمانٍ بقين من جمادى الآخرة سنة أربع وثلاثين، ووقف بين يدي المستكفي على رسمه، وتقدّم إلى المستكفي رجلان من الديلم، فمدّا إليه أيديهما، وصاحا صياحاً عظيماً بالفارسيّة، فقدّر أنهما يريدان تقبيلَ يده، فمدّها إليهما، فجذباه، وسحباه بعمامته في عنقه، وقام معزّ الدولة، وقبض الديلمُ على القهرمانة وابنيها، وسبق المكتفي إلى دار معزّ الدولة، ماشياً، ونهبت دار السلطان، ثمّ أُحضر المطيع، وأُقيم المستكفي بين يديه، وسُلِّم عليه بالخلافة، وأشهدَ على نفسه بالخلع، ثمّ سُمِلَ، ولم يزل في دار السلطان إلى أن توفي في شهر ربيع الآخر سنة ثمانٍ وثلاثين، وله لستّ وأربعون سنة وأشهر، وزراؤه: محمد بن عليٍّ، وغيرُه، قضاتُه: أحمدُ بنُ عبد الله الحرميُّ، ابن أبي موسى، موسى بن محمد، ابن أبي الشوارب، محمد بن أحمد بن نصر، عتبة بن عبد الله الهمذاني، محمد بن صالح بن أم سيّار، كاتبُه: أحمد بن خاقان.
وكان بعده المطيعُ لله بنُ المقتدر، بويع له لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة أربع وثلاثين، فأقام تسعاً وثلاثين سنة، وأربعةَ أشهر، وأياماً، ثمّ خلع نفسه، ولقّب ابنَه أبا بكر: الطائعَ لله في اليوم الثالث
стр. 279
عشر من ذي القعدة سنة ثلاث وستين وثلاث مئة، ومات لثمان ليال من المحرم، سنة أربع وستين، وله ثلاث وستون سنة، والمدبر للملك معز الدولة ابن بويه إلى أن توفي شهر ربيع الآخر سنة ست وخمسين، وصارت المملكة لابنه بختيار أبي منصور عز الدولة، وفي أيامه مات الإخشيد محمد بن طغج أمير مصر بدمشق سنة أربع وثلاثين، وأخذ مكانه ابنه محمود، وغلب كافور الخادم على أمره، ثمّ مات محمود سنة خمس وخمسين، فأخذها كافور إلى أن مات سنة سبع وخمسين، فعقد الأمر لأحمد بن علي بن الإخشيد.
وفي أيامه مات القائم أبو القاسم صاحب المغرب سنة أربع وثلاثين، وعمره خمس وخمسون سنة، ومات ابنه المنصور سنة إحدى وأربعين، وعمره تسع وثلاثون، ثمّ دخل جوهر إلى مصر من قبل المعز صاحب المغرب سنة ثمان وخمسين، وخرجت مصر والشام والحجاز عن دولة بني العباس.
وفي أيام المطيع تغلب الدمستق على كثير من ثغور المسلمين، وملك حلب وأقام بها أياماً، وسبا من المسلمين عدة ألوف، وقتل ملك الروم وتزوج زوجة الملك، وعزم على خصي ولديها، فأدارت عليه الحيلة وقتلته سنة تسع وخمسين، وقعد الأكبر من ولديها في الملك، وزراء المطيع: أبو الحسن بن مقلة، أبو أحمد الشيرازي، وكان أبو جعفر الصَّيمري يكتب لمعز الدولة، ثمّ كتب له أبو محمد المهلبي، ثمّ أبو العباس الشيرازي، وأبو الفرج محمد بن العباس الشيرازي، قضاته: محمد بن الحسن، ابن أبي الشوارب، ومحمد الهاشمي،
стр. 280
ومحمد بن أكثم، وأبو الشوارب، حجابه: بختيار بن معز الدولة، ثمّ عبد الواحد بن أبي عمر الشيرازي.
وبعده الطائع لله بويع له يوم الأربعاء لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة ثلاث وستين وثلاث مئة، فأقام سبع عشرة سنة، وتسع أشهر، وخمسة أيام، إلى أن قبض عليه بهاء الدولة أبو نصر بن عضد الدولة يوم السبت لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شعبان سنة إحدى وثمانين وثلاث مئة، وخلع نفسه بعد أن بويع للقادر، وتوفي يوم الثلاثاء سلخ شهر رمضان سنة ثلاث وتسعين وثلاث مئة، وكان مدبر الملك في أيام بختيار بن معز الدولة إلى أن قتله ابن عمه أبو شجاع عضد الدولة، ولم يزل عضد الدولة في الملك إلى أن مات سنة ثلاث وسبعين، وولي ولده ضمضام الدولة ثمّ سمل وقتل، ثمّ بعده أخوه أبو الفوارس شرف الدولة، ثمّ توفي وولي أخوه بهاء الدولة.
وكان بعد الطائع القادر بالله أبو العباس أحمد، بويع له لتسع بقين من شعبان سنة إحدى وثمانين وثلاث مئة، وجدِّدت له البيعة في شهر رمضان من السنة، فأقام في الخلافة إحدى وأربعين سنة وثلاثة أشهر، وتوفي بذي الحجة سنة اثنتين وعشرين وأربع مئة، وله ست وثمانون سنة وأشهر، ودبر الملك في أيامه بهاء الدولة إلى أن مات، ثمّ ابنه أبو شجاع سلطان الدولة إلى أن توفي، ثمّ أخوه أبو على شرف الدولة إلى أن توفي، ثمّ بغداد خاصة أبو طاهر جلال الدولة. وزراؤه: محمد بن أحمد الشيرازي، وسعيد بن نصر، وسعيد بن الحسن، وعلي بن عبد العزيز، ثمّ ابنه أبو الفضل، ثمّ أبو أيوب محمد بن محمد بن
стр. 281
صاحب النعمان، ثمّ محمد بن أيوب.
ثمّ كان بعده القائم بالله أبو جعفر، بويع له في ذي الحجة سنة اثنتين وعشرين وأربع مئة، فأقام في الخلافة خسماً وأربعين سنة وله سبع وسبعون سنة، وأول ما ولي كانت السلطنة لجلال الدولة. وفي سنة ثلاث ثارت الأتراك عليه وهموا بعزله، فهرب إلى عكبرا، وافتقر حتى باع بعض قماشه، وفي سنة أربع اشتد البلاء بالعيارين والحرامية، وقتلوا صاحب الشرطة، ونهبوا الناس، ولم يبق أحد يجسر يسمي مقدمهم البرجمي، بل يقولون القائد أبو على، وتطلبه جماعةٌ من الأمراء فبرز لقتالهم وقال: من العجب خروجكم إلي وأنا كل ليلة عندكم، فلم يتجاسروا على الإقدام عليه، وقوي الشر، وثار الجند لجلال الدولة، وقبضوا عليه وأهين، فانتصر له القائد وأخذه منهم ورده إلى داره، ثمّ تحول إلى دار الشريف المرتضى وهم العسكرية، ثمّ اختلفوا ثمّ أذعنوا لطاعته.
وفي سنة خمس: قتل البرجمي مقدم العيارين.
وفي سنة ست: قوي أمر العيارين بحيث إنهم تملكوا البلاد في المعنى. وفي سنة سبع: مات صاحب مصر الطاهر لإعزاز دين الله علي بن الحاكم العبيدي، وكانت دولته ستة عشر سنة، وضعفت دولة العبيدية.
وبايع المصريون بعده ولدَه المستنصر بالله.
وفي سنة ثمان وعشرين: شغّب الجند على السلطان جلال
стр. 282
الدولة، ثمّ قُطعت الخطبة له، وخُطب لأبي كاليجار، ثمّ اختلفوا، فخطبوا لهما، وشدّ مع جلال الدولة الخليفة.
وفيها: مات الأمير وجيه الدولة بنُ صاحب الموصل، وقد ولي نيابة دمشق ثلاث مرات.
وفي سنة ثلاثين: تملّكت السلجوقية بخراسان، وقهروا مسعود بن السلطان محمود.
وفيها: لقّبت الملوك بأسماء ملوك زماننا، فلقّب أبو من صور بن جلال الدولة بالملك العزيز.
وفي سنة اثنتين وثلاثين: استولت السلجوقية على جميع خراسان.
وفيها: قتلٌ ونهبٌ ومصادرُ تزيد على الوصف.
وفي سنة ثلاث: سار الملك أبو كليجار، ودفع عسكر السلجوقية عن همدان، ومات ملك إشبيليّة ابنُ عبّاد، وتملّك بعده ابنُه عبّاد، ثمّ ابنُ ابنه.
وفيها: مات السلطان مسعود بعد أن قهرته السلجوقية.
وفي سنة خمس: استولى السلطان طُغْرلبك السلجوقي على الريِّ، وأخربها عسكره بالقتل والنهب.
وفيها: مات السلطان جلال الدولة.
وفيها: دخلت السلجوقية إلى الموصل.
стр. 283
وفيها: خطب ببغداد لملك العزيز بن جلال الدولة.
وفيها: مات صاحب قرطبة أبو الحزم جَهْوَر، وأبى أن يتسمّى بالملك.
وفي سنة ست: دخل أبو كليجار الديلمي بغداد، وضرب له الطبل في أوقات الصلوات الخمس.
وفي سنة ثمان وثلاثين: حاصر طغرلبك السلجوقي أصفهان، وخطب له بها.
وفي سنة أربعين: مات السلطان أبو كليجار الديلمي، وتسلطن ابنُه الملأ الرحيم أبو نصر، وكانت دولته أربع سنين.
وفيها: خلع المعزّ طاعة المستنصر العبيدي ببلاد المغرب، وجعلت لبني العباس، وأقام الدعوة للقائم بأمر الله.
وفي سنة إحدى وأربعين: مات صاحب الموصل معتمد الدولة قراووش، وملكَ خمسين سنة، وكان أعرابياً جَلفاً جافياً.
وفيها: مات سلطان غزنة مودود بن مسعود، وكانت دولته عشرين سنة.
و [في] سنة اثنتين وأربعين: ولي شرطة بغداد ابن النسوي.
وفيها: مات الملك العزيز بن جلال الدولة.
وفي سنة سبع وأربعين: تملّك طغرلبك العراق، وقبض على الملك الرحيم، وفرغت دولة آل بويه.
стр. 284
وفي سنة ثمان وأربعين: عظم دستُ الخلافة بطغرلبك، وتزوج الخليفة بأخته.
وفي سنة تسع وأربعين: سُلِّمت حلب لصاحب مصر.
وفي سنة خمسين: توفي الملك الرحيم آخرُ ملوك الديلم.
وفي سنة إحدى وخمسين: قُتل البساسيري.
وفيها: مات صاحب خراسان أخو السلطان طغرلبك، وكان أعدل من أخيه.
وفي سنة اثنتين: حوصرت حلب والرحبة.
وفي سنة ثلاث: ولي نيابة دمشق حسامُ الدولة من جهة صاحب مصر.
وفيها: مات ناصر الدولة صاحبُ مَيَّافارِقين، وكانت دولته إحدى وخمسين سنة.
وفيها: مات صاحب الموصل، وكانت دولته عشرين سنة.
وفي سنة أربع: مات صاحب المغرب.
وفي سنة خمس: ولي نيابة دمشق بنو المستنصري.
وفي سنة ست وخمسين: تسلطن ألب أرسلان بعد عمّه.
وفي سنة ثمان: سلطنَ ألبُ أرسلان ولدَه ملكشاه.
وفي سنة اثنتين وستين: مات ملك المغرب أبو بكر بن عمر، وقام بعده يوسفُ بن تاشفين.
стр. 285
وفي سنة خمس وستين: قُتل السلطان ألب أرسلان.
وفي سنة سبع وستين: مات الخليفة القائم بأمر الله، ولما مرض، افتصد، فانفجر فصاده، فخرج دم عظيم، وخارت قوته، وطلب ابنَ ابنه عبد الله، وعَهِدَ إليه بالأمر، ولقّبه: المقتدي بأمر الله، بمحضر القاضي الدَّامغاني، وأبي إسحاق صاحب "التنبيه"، وأبي نصر بن الصَّبَّاغ، وأبي جعفر بن أبي موسى الهاشمي، والوزير ابن جهير، وطرَّاد الزينبي.
وفي هذه السنة: مات عزّ الدولة صاحبُ حلب.
وفي سنة ثمان: أخذ أتسز دمشقَ من نائب المستنصر، وخطب بها للمقتدي بأمر الله.
وفي سنة تسع: مضى أتسز إلى مصر، وحاصرها، ثمّ قطع، واتخذ القدس، وذبح القاضي والشهود، وقتل بها خلائق.
وفي سنة إحدى وسبعين: أخذ تاجُ الدولة حلب، ثمّ تملَّكَ دمشقَ، وخرج إلى خدمته الملك أتسز، فقبض عليه، وقتله في الحال.
وفي سنة اثنتين: مات صاحبُ ديار بكر، وتملك بعده ابنُه منصور.
وفي سنة سبع وسبعين: سار سليمان بن قتلمش السلجوقي، فنازل أنطاكية، وأخذها من النصارى.
وفي سنة تسع وسبعين: أخذ تتش حلبَ، ثمّ أخذها منه ملكشاه، وسلّمها إلى نائبه قسيم الدولة.