← Тараджим

Тараджим · id 17563

الجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية خلال سبعة قرون وتكملة الجامع

محمد عزير شمس

Полный текст (869 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

درة الأسلاك، لابن حبيب

стр. 107

العقد الفاخر الحسن، للخزرجي

стр. 108

التبيان لبديعة الزمان، لابن ناصر الدِّين [ميكروفلم بجامعة أم القرى] ... [نسخة عارف حكمت]

стр. 109

مختصر طبقات الحنابلة، لابن نصر الله الحنبلي

стр. 110

عِقد الجمان، للعيني

стр. 111

دستور الأعلام، لابن عَزَم

стр. 112

قِلادة النحر، لبامخرمة ... الدر المكنون لياسين الموصلي

стр. 113

الجامع لِسِيرَة شيخِ الإسْلامِ ابْن تَيْمِيَّةَ خلال سَبعَة قرون جمَعَه ووضع فهارسَه محمد عزير شمس وعلي بن محمد العمران إشراف وتقديم بكر بن عبد الله أبو زيد

стр. 114

التَّذْكِرةُ والاعْتِبَارُ والانْتِصَارُ للأبْرَارِ (١) للعلّامة أحمد بن إبراهيم الواسطيّ المعروف بابن شيخ الحَزَّامين (٧١١) الرَّحِيمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ بِسْمِ الحمدُ لله وسبحان الله وبحمده، وتقدَّس في عُلُوِّه وجلاله، وتعالى في صفات كماله، وتعالى في سُبُحات فردانيَّتِهِ وجماله، وتكرّم في إفضاله نَواله، جَلَّ أن يُمثَّل بشيء من مخلوقاته، أو يُحاط به، بل هو المحيطُ بمبتدعاته، لا تَصَوَّرُهُ الأوهام، ولا تُقلُّه الأجرامُ، ولا تَعقل كُنْهَ ذاته البصائر ولا الأفهام. الحمدُ لله مؤيِّد الحقِّ وناصره، ودافعِ الباطل وكاسره، ومُعزِّ الطائع وجابره، ومُذلِّ الباغي ودائره، الذي سَعِد بحضرة الاقتراب من قُدُسه مَن قام بأعباء الاتباع في بنائه وأُسِّه، وفاز بمحبوبيتِهِ في ميادين أُنسه مَنْ بذل ما يهواه في طلبه من قلبه وحسِّه، وتثَبَّت في مَهامِهِ الشكوك منتظرًا زوال لَبْسِهِ، سبحانه وبحمده وله المَثَلُ الأعلى، والنورُ الأتمُّ الأجلى، والبرهان الظاهر في الشريعة المُثلى. وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الذي شهدت بوحدانيته الفِطَرُ، وأسلم لربوبيته ذوو العقل والنظر، وظهرت أحكامه في الآي والسور، وتمَّ اقتداره في تنزُّل القَدَر. وأشهد أن محمدًا ﷺ عبدُه ورسولُه، الذي شهدت بنبوته الهواتفُ

стр. 115

والأحْبار، فكان قبل ظهوره يُنْتَظر، وتلاحقت عند مبعثه معجزاته من حنين الجِذع وانقياد الشجر، صلوات الله عليه وعلى آله وأصحابه أهل الخشية والحذر، والعلم المُنَوَّر، فهم قدوة التابع للأثر. وبعد: فهذه رسالة سَطَرَها العبد الضعيف الراجي رحمة ربه وغفرانه، وكرمه وامتنانه: أحمدُ بن إبراهيمَ الواسِطي، عامله الله بما هو أهله، فإنه أهل التقوى والمغفرة. إلى إخوانه في الله السَّادة العلماء، والأئمة الأتقياء، ذوي العلم النافع، والقلب الخاشع، والنور الساطع، الذين كساهم الله كسوةَ الاتباع، وأرجو مِنْ كرمه أن يحققهم بحقائق الانتفاع: السيد الأجَلِّ العالم، الفاضل فخر المُحدِّثين، ومصباح المتعبدين، المتوجه إلى رب العالمين، تقي الدِّين أبي حَفْص عمر بن عبد الله بن عبد الأحد بن شُقَيْر. والشيخ الأجَلِّ، العالم الفاضل السالك الناسك ذي العلم والعَمَل، المُكتسي من الصفات الحميدة أجمل الحُلَل، الشيخ شمس الدِّين محمد بن عبد الأحد الآمِدي. والسيد الأخ، العالم الفاضل، السالك الناسكِ، التقيِّ الصالح، الذي سيما نورِ قلبه لائحٌ على صفحات وجهه، شرف الدِّين محمد ابن المُنَجَّى. والسيد الأخ، الفقيه العالم النبيل، الفاضل فخر المحدّثين، زين الدين، عبد الرحمن بن محمود بن عُبيْدان البَعْلَبَكِّي. والسيد الأخ، العالم الفاضل، السالك الناسك، ذي اللُّبِّ الراجح

стр. 116

والعمل الصالح، والسكينة الوافرة، والفضيلة الغامرة، نور الدِّين محمد بن محمد بن محمد بن الصَّائِغ. وأخيه السيد الأخ، العالم التقي الصالح، الخيِّر الدَّيِّن، العامل الثقة، الأمين الراجح، ذي السَّمْت الحسن، والدين المتين في اتباع السُّننِ، فخر الدِّين محمد. والأخ العزيز الصالح، الطالب لطريق ربه، والراغب في مرضاته وحُبه، العالم الفاضل، الولد شرف الدِّين محمد بن سعد الدِّين سعد الله ابن بُخَيْخٍ (١). وغيرهم من اللائذين بحضرة شيخهم وشيخنا السيد الإمام، الأمَّة الهُمام، مُحيي السنة، وقامع البدعة، ناصر الحديث، ومُفتي الفرق، الفاتق عن الحقائق، ومؤصَّلها بالأُصول الشرعية للطالب الذائق، الجامع بين الظاهر والباطن، فهو يَقْضي بالحق ظاهرًا، وقلبُه في العلى قاطن، أُنموذج الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين، الذين غابت عن القلوب سيرُهم، ونسيتِ الأمةُ حذْوَهم وسُبُلَهُم، فذكرهم بها الشيخُ، فكان في دارسِ نهجهم سالكًا، ولموَات حذوهم مُحييًا، وَلأعِنَّةِ قواعدهم مالكًا: الشيخ الإمام تقي الدِّين أبو العباس، أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تَيْمِيَّةَ، أعاد الله بركته، ورفع إلى مدارج العلى درجته، وأدام توفيق السَّادة المبدوءِ بذكرهم وتسديدهم، وأجزل لهم حظَّهم، ومزيدَهم.

стр. 117

السلام عليكم معشر الإخوان ورحمة الله وبركاته، جَعَلَنا الله وإياكم ممن ثبت على قَرْع نوائب الحق جأشَه، واحتسب لله ما بذله من نفسه في إقامة دينه، وما احْتَوَشَهُ من ذلك وحاشَه، واحتذى حذو السُّبَّق الأولين، من المهاجرين والأنصار، والذين لم تأخذهم في الله لومةُ لائم، فما ضَرَّهم مَنْ خذلهم ولا مَن خالفَهم، مَعَ قِلَّةِ عددهم في أوَّل الأمر، فكانوا ــ مع ذلك ــ كلٌّ منهم مجاهد بدين الله قائم، ونرجو من كرم الله تعالى أنْ يُوفِّقَنا لأعمالهم، ويرزق قلوبنا قِسطًا من أحوالهم، ويَنْظِمَنا في سِلكهم، تحت سَنْجقهم ولوائهم، مع قائدهم وإمامهم سيد المرسلين، وإمام المتقين، محمدٍ صلوات الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أُذّكِّرُكُم ــ رَحمكُم الله ــ ما أنتم به عالمون، عملًا بقوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥]. وأبدأُ مِن ذلك بأن أُوصي نفسي وإياكم بتقوى الله، وهي وصية الله تعالى إلينا وإلى الأمم مِن قَبْلنا، كما بَيَّنَ قائلًا وموصيًا: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣١]. وقد علمتم تفاصيل التقوى على الجوارح والقلوب، بحَسَبِ الأوقاتِ والأحوال: من الأقوال، والأعمال، والإرادات، والنِّيَّاتِ. وينبغي لنا جميعًا أن لا نقنعَ من الأعمال بصوَرِها حتى نطالبَ قلوبَنا بين يدي الله تعالى بحقائقها؛ ومع ذلك فلتكن لنا همة عُلْوِيَّةٌ، تترامى إلى أوطان القُرْبِ، والمحبوبية والحُبُّ، فالسعيدُ من حَظِيَ مِن ذلك بنصيب، وكان مولاه منه على سائر الأحوال قريبًا بخصوص التقريب، فيكتسي

стр. 118

العبدُ من ذلك ثمرةَ الخشية والتعظيم، للعزيز العظيم، فالحبُّ والخشية ثابتان في الكتاب العزيز والسنة المأثورة، قال تعالى: ﴿بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ﴾ [المائدة: ٥٤] ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] وفي الحديث: «أسألك حبَّك وحبَّ من أحبك وحبَّ عمل يُقَرِّبني إلى حبك» وفي الحديث: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتُم كثيرًا، ولخرجتم إلى الصُّعُداتِ تجأرون إلى الله». ومعلومٌ أن الناس يتفاوتون في مقامات الحب والخشية، في مقام أعلى من مقام، ونصيبٍ أرفعَ مِن نصيب، فلتكن همةُ أحدِنا من مقامات الحب والخشية أعلاه، ولا يقنع إلا بِذرْوَتِهِ وذُراه، فالهمم القصيرةُ تقنع بأيسر نصيب، والهِمَمُ العَليَّةُ تعلو مع الأنفاس إلى قُرْب الحبيب، لا يَشْغَلنا عن ذلك ما هو دونه من الفضائل، والعاقلُ لا يقنع بأمر مفضول عن حال فاضل، ولتكن الهمةُ مُنقسمةً على نَيْل المراتب الظاهرة، وتحصيل المقامات الباطنة، فليس من الإنصاف الانصبَابُ إلى الظواهر والتشاغل عن المطالِب العُلْوِيَّة ذوات الأنوار البواهر. وليكن لنا جميعًا بين الليل والنهار ساعة، نخلو فيها بربِّنا جل اسمه وتعالى قُدسه، نجمع بين يديه في تلك الساعة هُمومَنا، وَنَطَّرِحُ أشغالَ الدنيا عن قلوبنا، فنزهد فيما سوى الله ساعة من نهار، فبذلك يعرف الإنسانُ حالَه مَعَ رَبِّهِ، فَمَنْ كان له مع رَبِّهِ حالٌ، تَحَرَّكتْ في تلك الساعة عزائمُه، وابتهجت بالمحبة والتعظيم سرائرُه، وطارت إلى العلى زَفَراتُه وكوامِنُهُ، وتلك الساعة أُنموذجٌ لحالة العبد في قبره، حين خُلُوِّه عن ماله وحِبِّه، فمن لم يُخْلِ قلبَه لله ساعةً من نهار، لما احْتَوَشَه من الهموم الدنيويةِ وذوات الآصار، فليعلم أنه

стр. 119

ليس له ثَمَّ رابطةٌ علوية، ولا نصيبٌ من المحبة ولا المحبوبية، فليبكِ على نفسه، ولا يرضَ منها إلا بنصيب من قُرب ربه وأُنْسهِ. فإذا خَلَصَتْ لله تلك الساعةُ، أمكن إيقاعُ الصلوات الخمس على نمطها من الحضور والخشوع، والهيبة للرب العظيم في السجود والركوع. فلا ينبغي لنا أن نَبْخَل على أنفسنا في اليوم والليلة من أربع وعشرين ساعةً بساعة واحِدَة لله الواحد القهار، نعبدُه فيها حَقَّ عبادته، ثم نجتهد على إيقاع الفرائض والتهجد على ذلك النهج في رعايته، وذلك طريقٌ لنا جميعًا إن شاء الله تعالى إلى الفوز، فالفقيه إذا لم ينفُذْ في علمه حَصَلَ له الشَّطْرُ الظاهر، وَفَاتَهُ الشَّطْرُ الباطن، لاتِّصاف قلبه بالجمود، وبُعْدِهِ في العبادة والتلاوة عن لين القلوب والجلود، كما قال تعالى: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣] وبذلك يرتقي الفقيهُ عن فقهاءِ عصرنا، ويتميَّزُ به عنهم، فالنافذ من الفقهاء له البصيرة المُنوَّرة، والذَّوق الصحيح، والفراسة الصادقة، والمعرفة التامة، والشهادة على غيره بصحيح الأعمال وسقيمها، وَمَنْ لم يَنْفُذْ لم تكن له هذه الخصوصية، وأبْصَرَ بعضَ الأشياء وغاب عنه بعضها. فيتعينُ علينا جميعًا طلبُ النفوذ إلى حضرة قُربِ المعبود، ولقائه بذوق الإيقان، لنعبدَه كأنَّنا نراه، كما جاء في الحديث. وذلك بعدَ الحَظْوَةِ في هذه الدار بلقاءِ الرسول ﷺ غيبًا في غيب، وسِرًّا في سِرٍّ، بالعُكُوف على معرفة أيامه وسننه واتِّباعها، فتبقى البصيرةُ شاخصةً إليه، تراه عيانًا في الغيب، كأنها معه ﷺ ، وفي أيامه، فيجاهدُ على دينه، ويبذل ما استطاع من نفسه في نُصْرتِه.

стр. 120

وكذلك مَنْ سَلَك في طريق النفوذ يُرجَى له أنْ يلقَى ربّه بقلبه غيبًا في غيب، وسرًّا في سرٍّ، فيُرْزَقُ القلبُ قسطًا من المحبة والخشْيةِ والتعظيم، فيرى الحقائقَ بقلبه من وراء سترٍ رقيق، وذلك هو المُعَبَّرُ عنه بالنفوذ، ويصل إلى قلبه من وراء ذلك الستر ما يغمُرُه من أنوار العَظَمة والجلال، والبهاء والكمال، فيتنوَّر العلمُ الذي اكتسبه العبد، ويبقى له كيفيةٌ أخرى زائدةٌ عَلَى الكيفية المعهودة من البهجة والأُنس والقوة في الإعلان والإسرار. فلا ينبغي لنا أن نتشاغلَ عن نَيْلِ هذه الموهبة السَّنِيَّةِ، بشواغل الدنيا وهُمومها، فنَنْقَطِعَ بذلك ــ كما تقدم ــ بالشيء المفضول عن الأمر المهم الفاضل، فإذا سَلَكْنا في ذلك برهة من الزمان، ورزقَنا الله تعالى نفوذًا، وتمكَّنَّا في ذلك النُّفوذِ فلا تعودُ هذه العوارضُ الجزيئاتُ الكونياتُ تُؤثِّر فينا إنْ شاء الله تعالى، وليكن شأنُ أحدنا اليوم: التعديلَ بين المصالح الدنيوية والفضائل العلمية، والتوجُّهات القلبية، ولا يقنع أحدُنا بأحد هذه الثلاثة عن الآخَرَيْنِ، فيفوتَه المطلوبُ، ومتى اجتهد في التعديل فإنه ــ إن شاء الله تعالى ــ بِقَدْرِ ما يحصل للعبد جزءٌ من أحدهم، حصَّل جزءًا من الآخر، ثم بالصبر عَلَى ذلك تجتمعُ الأجزاء المُحصَّلة، فتصير مرتبة عالية عند النهائية ــ إن شاء الله تعالى ــ. هذا، وإن كنتم ــ أيدكم الله تعالى ــ بذلك عالمين، لكنَّ الذكرى تنفع المؤمنين. فصل واعلموا ــ أيدكم الله ــ أنه يجب عليكم أن تشكروا ربكم تعالى في هذا العصر، حيث جعلكم بين جميع أهل هذا العصر كالشامة البيضاء في الحيوان

стр. 121

الأسود، لكنَّ مَنْ لم يسافر إلى الأقطار، ولم يتعرف أحوال الناس، لا يدري قَدْرَ ما هو فيه من العافية، فأنتم ــ إن شاء الله تعالى ــ في حقِّ هذه الأمة الأولى كما قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وكما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤١]. أصبحتم إخواني تحت سَنْجق (١) رسول الله ﷺ ــ إن شاء الله تعالى ــ مع شيخكم وإمامكم، شيخِنا وإمامنا المبدوءِ بذكره ﵁، قد تميزتم عن جميع أهل الأرض من فقهائها وفقرائها، وصوفيتها، وعوامِّها= بالدين الصحيح. وقد عرفتم ما أحدث الناسُ من الأحداث، في الفقهاء والفقراء والصوفية والعوام، فأنتم اليوم في مقابلة الجَهْمِيَّةِ من الفقهاء، نصرتم الله ورسولَه في حفظ الله ما أضاعوه من دين الله، تُصلحون ما أفسدوه من تعطيل صفات الله. وأنتم أيضًا في مقابلة مَن لم يَنْفُذْ في علمه من الفقهاء إلى رسول الله ﷺ ، وجمد على مجرد تقليد الأئمة فإنكم قد نصرتم الله ورسولَه في تنفيذ العلم إلى أصوله من الكتاب والسنة، واتخاذ أقوال الأئمة، تأنُّسًا بهم لا تقليدًا لهم. وأنتم أيضًا في مقابلة ما أحدَثَتْه أنواع الفقراء من الأحمدية والحريرية من إظهار شعار المُكاء والتَصْدِية ومؤاخاة النساء والصبيان، والإعراض عن دين

стр. 122

الله إلى خرافات مكذوبة عن مشايخهم، واستنادهم إلى شيوخهم وتقليدهم في صائب حركاتهم وخطئها، وإعراضهم عن دين الله الذي أنزله من السماء، فأنتم بحمد الله تُجاهدون هذا الصِّنْفَ أيضًا كما تجاهدون مَنْ سبق، حفظتم من دين الله ما أضاعوه، وعرفتم ما جهلوه، تُقَوِّمون من الدِّين ما عَوَّجوه، وتُصلحون منه ما أفسدوه. وأنتم أيضًا في مقابلة رَسْمِيَّة الصوفية والفقهاء، وما أحدثوه من الرسوم الوضعية، والآصار الابتداعية، من التصنُّع باللباس، والإطراق والسجادة لنيل الرزق من المعلوم، ولُبْسِ البقيار، والأكمام الواسعة في حَضْرةِ الدرس، وتنميق الكلام، والعَدْو بين يدي المدرس راكعين، حِفْظًا للمناصب، واستجلابًا للرزق والإدْرار! ! فخلط هؤلاء في عبادة الله غيرَه، وتألَّهوا سواه، ففسدت قلوبُهم من حيثُ لا يشعرون، يجتمعون لغير الله، بل للمعلوم (١)، ويلبسون للمعلوم، وكذلك في أغلب حركاتهم يراعون ولاةَ المعلوم، فضيَّعوا كثيرًا من دين الله وأماتوه، وحفظتم أنتم ما ضيَّعوه، وقوَّمتم ما عوَّجوه. وكذلك أنتم في مقابلة ما أحدثته الزنادقةُ من الفقراء والصوفية من قولهم بالحلول والاتحاد، وتأله المخلوقات. كاليونُسية، والعَرَبية، والصَّدْرية، والسَّبْعينية، والسعدية، والتِّلِمْسَانية. فكلُّ هؤلاء بَدَّلوا دينَ الله تعالى وَقَلبوه، وأعرضوا عن شريعة رسول الله ﷺ .

стр. 123

فاليونُسية: يتألهون شيخَهم، ويجعلونه مظهرًا للحق، ويستهينون بالعبادات، ويظهرون بالفَرْعَنة والصَّوْلةِ، والسفاهة والمُحالات، لِمَا وَقَرَ في بواطنهم من الخيالات الفاسدة، وقِبْلَتُهُمُ الشيخُ يونُس. ورسولُ الله ﷺ والقرآن المجيد عنهم بمعزِلٍ، يُؤمنون به بألسنتهم، ويكفرون به بأفعالهم. وكذلك الاتحاديةُ، يجعلون الوجودَ مَظْهَرًا للحق، باعتبار أن المُتحرِّك في الكون سواه، والناطق في الأشخاص غيرُه، وفيهم مَنْ لا يفرق بين الظاهر والمظهر، فيجعلُ الأمرَ كموجِ البحر، فلا يُفرّقُ بين عين الموجة وبين عين البحر، حتى إن أحدهم يتوهَّم أنه الله، فينطق على لسانه، ثم يفعل ما أراد من الفواحش والمعاصي لأنه يعتقد ارتفاعَ المثنوية، فمَنِ العابد ومَنِ المعبود؟ صار الكلُّ واحدًا! ! اجتمعنا بهذا الصنف في الرُّبُط والزوايا! ! فأنتم بحمد الله قائمون في وجه هؤلاء أيضًا تنصرون الله ورسوله، وتذبُّون عن دينه، وتعملون على إصلاح ما أفسدوا وعلى تقويم ما عَوَّجوا، فإن هؤلاء مَحَوْا رَسْمَ الدِّين وقَلعوا أثره، فلا يُقال: أفسدوا ولا عَوَّجوا بل بالغوا في هدم الدِّين ومَحْوِ أثَرِهِ، ولا قُربةَ أفضلُ عند الله من القيام بجهاد هؤلاء بِمهما أمكن، وتبيين مذاهبهم للخاص والعام، وكذلك جهاد كل من ألحد في دين الله وزاغ عن حدوده وشريعته، كائنًا في ذلك ما كان من فتنة وقول، كما قيل: إذا رَضِيَ الحبيبُ فلا أُبالي ... أقام الحيُّ أم جَدَّ الرَّحيل وبالله المستعان.

стр. 124

وكذلك أنتم بحمد الله قائمون بجهاد الأمراء والأجناد، تصلحون ما أفسدوا من المظالم والإجحافات، وسوء السيرة الناشئة عن الجهل بدين الله بما أمكن، وذلك لبعد العهد عن دين رسول الله ﷺ ، لأن اليوم له سبع مئة سنة، فأنتم بحمد الله تجددون ما دَثَرَ من ذلك بل يجدد الله بكم وبشيخكم إن شاء الله ما عفا من ذلك ودثر. وكذلك أنتم بحمد الله قائمون في وجوه العامة، مما أحدثوا من تعظيم الميلاد، والقَلَنْدس، وخميس البيض، والشَّعانين (١)، وتقبيل القبور والأحجار، والتوسل عندها. ومعلوم أن ذلك كلَّه من شعائر النصارى والجاهلية، وإنما بُعث رسول الله ﷺ ليُوَحَّد الله ويُعبَد وحدَه، ولا يتألّه معه شيءٌ من مخلوقاته، بعثه الله تعالى ناسخًا لجميع الشرائع والأديان والأعياد، فأنتم بحمد الله قائمون بإصلاح ما أفسد الناسُ من ذلك. وقائمون في وجوه من ينصر هذه البدعَ من مارقي الفقهاء، أهل الكيد والضِّرار لأولياء الله، أهل المقاصد الفاسدة، والقلوب التي هي عن نصر الحق حائِدةٌ. وإنما أعرض هذا الضعيفُ عن ذكر قيامكم في وجوه التتر، والنصارى، واليهود، والرافضة، والمعتزلة، والقَدَرية، وأصناف أهل البدع والضلالات، لأن الناس متفقون على ذمِّهم، يعمون أنهم قائمون برد بدعتهم، ولا يقومون بتوفية حقِّ الردِّ عليهم كما تقومون، بل يعلمون ويجبنُونَ عند اللقاء فلا

стр. 125

يجاهدون، وتأخذهم في الله اللائمة، لحفظ مناصبهم، وإبقاءً على أغراضهم. سافرنا البلاد فلم نر من يقوم بدين الله في وجوه مثل هؤلاء ــ حق القيام ــ سواكم، فأنتم القائمون في وجوه هؤلاء إن شاء الله، بقيامكم بنصرة شيخكم وشيخنا ــ أيده الله ــ حق القيام، بخلاف مَن ادَّعى من الناس أنهم يقومونَ بذلك. فصبرًا يا إخواني على ما أقامكم الله فيه، من نصرة دينه وتقويم اعوجاجه وخُذلان أعدائه، واستعينوا بالله، ولا تأخُذْكم في الله لومةُ لائم، وإنما هي أيامٌ قلائل، والدين منصورٌ، قد تولّى الله إقامَته، ونُصرةَ مَنْ قَامَ به من أوليائه، إن شاء الله ظاهرًا وباطنًا. وابذُلوا فيما أقمتم فيه ما أمكنكم من الأنفس والأموال، والأفعال والأقوال، عسى أن تُلحَقوا بذلك بِسَلَفِكُمْ أصحاب رسول الله ﷺ ، فلقد عرفتم ما لَقُوْا في ذات الله، كما قالَ خُبَيْبٌ حين صُلب على الجِذع. وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يُبارِكْ على أوصال شِلْوٍ مُمَزَّع وقد عرفتم ما لقي رسولُ الله ﷺ مِن الضُّرِّ والفاقة في شِعْبِ بني هاشم، وما لقي الأولون من التعذيب والهجرة إلى الحبشة، وما لقي المهاجرونَ والأنصارُ في أُحُد، وفي بئر مَعُونة، وفي قتال أهل الرِّدَّة، وفي جهاد الشام والعراق، وغير ذلك. وانظروا كيف بذلوا نفوسَهم وأموالَهم لله، حُبًّا له، وشوقًا إليه، فكذلك أنتم ــ رحمكم الله ــ كلٌّ منكم على قدر إمكانه واستطاعته، بفعله، وبقوله، وبخطه، وبقلبه، وبدعائه. كلُّ ذلك جهادٌ.

стр. 126

أرجو أن لا يخيبَ مَنْ عامل الله بشيءٍ من ذلك، إذ لا عيشَ إلا في ذلك، ولو لم يكن فيه إلا أنَّ هِمَمَكم ــ مزاحِمةً لأهل الزيغ ــ مُشوِّشةٌ لهم، تبغضونهم في الله، وتطلبون استقامتهم في دين الله، وذلك من الجهاد الباطن إن شاء الله تعالى. فصل ثم اعرفوا إخواني حق ما أنعم الله عليكم من قيامكم بذلك، واعرفوا طريقَكم إلى ذلك، واشكروا الله تعالى عليها، وهو أن أقام لكم ولنا في هذا العصر مثل سيدنا الشيخ الذي فتح الله به أقفال القلوب، وكشف به عن البصائر عمى الشبهاتِ وحيرةَ الضلالاتِ، حيثُ تاه العقلُ بين هذه الفرق، ولم يهتد إلى حقيقة دين الرسول ﷺ . ومن العَجَب أن كلًّا منهم يدّعي أنه على دين الرسول، حتى كَشَفَ الله لنا ولكم بواسطة هذا الرجل عن حقيقة دينه الذي أنزله من السماء وارتضاه لعباده. واعلموا أنَّ في آفاق الدنيا أقوامًا يعيشون أعمارَهم بين هذه الفرق، يعتقدون أن تلك البدعَ حقيقةُ الإسلام، فلا يعرفون الإسلام إلا هكذا. فاشكروا الله الذي أقام لكم في رأس السبع مئة مِنَ الهجرة مَنْ بيَّن لكم أعلام دينكم، وهداكم الله به وإيانا إلى نهج شريعته، وبيَّن لكم بهذا النُّور المحمدي ضلالات العبّاد وانحرافاتهم، فصرتم تعرفون الزائغ من المستقيم، والصحيح من السقيم. وأرجو أن تكونوا أنتم الطائفة المنصورة، الذين لا يضرهم من خذلهم

стр. 127

ولا من خالفهم، وهم بالشام إن شاء الله تعالى. فصل ثم إذا علمتم ذلك، فاعرِفوا حقَّ هذا الرجل الذي هو بين أظهُركم وقدرَه، ولا يعرف حقَّه وقدره إلا من عرف دين الرسول ﷺ وحقه وقدره، فمن وقع دينُ الرسول ﷺ من قلبه بموقع يستحقُّه، عرفَ ما قام هذا الرجلُ به بين أظهر عباد الله، يُقوِّم معوجَّهم، ويصلحُ فسادَهم، ويَلُمُّ شَعَثهم، جهد إمكانه، في الزمان المظلم، الذي انحرف فيه الدينُ، وجُهلت السُّننُ، وعُهدت البدع، وصار المعروفُ منكَرًا، والمنكر معروفًا، والقابض على دينه كالقابض على الجمر، فإنّ أجر من قام بإظهار هذا النور في هذه الظلمات لا يوصف، وخَطَرُه لا يُعرف، هذا إذا عرفتموه أنتم من حيثية الأمر الشَّرعي الظاهر، فهنا قوم عرفوه من حيثية أخرى من الأمر الباطن، ومن نفوذه إلى معرفة أسماء الله تعالى وصفاته، وعظمة ذاته، واتصال قلبه بأشعة أنوارها، والاحتظاء من خصائصها وأعلى أذواقها، ونفوذه من الظاهر إلى الباطن، ومن الشهادة إلى الغيب، ومن الغيب إلى الشهادة، ومن عالم الخلق إلى عالم الأمر، وغير ذلك مما لا يمكن شرحُه في كتاب. فشيخُكم ــ أيدكم الله ــ عارفٌ بأحكام الله الشرعية، عارف بأحكامه القدرية، عارف بأحكام أسمائه وصفاته الذاتية، ومثلُ هذا العارفِ قد يُبْصر ببصيرته تنزُّلَ الأمر بين طبقات السماء والأرض. كما قال تعالى: ﴿(١١) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]. فالناس يُحِسُّون بما يجري في عالم الشهادة، وهؤلاء بصائرهم شاخصة إلى الغيب، ينتظرون ما تجري به الأقدارُ، يشعرون بها أحيانًا عند تنزلها.

стр. 128

فلا تُهوِّنوا أمر مثل هؤلاء في انبساطهم مع الخلق؛ واشتغال أوقاتهم بهم، فإنهم كما حُكي عن الجُنَيد ﵀ أنه قيل له: «كم تنادي على الله تعالى بين الخلق؟ فقال: أنا أنادي على الخلق بين يدي الله». فاللهَ اللهَ في حفظ الأدب معه، والانفعال لأوامره، وحفظ حُرُماته في الغيب والشهادة، وحبِّ مَنْ أحبَّه، ومجانبة من أبغضه أو عابه وانتقصه، وردِّ غِيبتهِ، والانتصارِ له في الحق. واعلموا ــ رحمكم الله ــ أن هنا مَنْ سافر إلى الأقاليم، وعرف الناس وأذواقَهم وأشرف على غالب أحوالهم، فواللهِ، ثم واللهِ، لم يَرَ تحت أديم السماء مثلَ شيخكم: علمًا، وحالًا، وخُلُقًا، واتِّباعًا، وكرمًا وحِلْمًا في حق نفسه، وقيامًا في حق الله عند انتهاك حرماته، أصدقُ الناس عَقْدًا، وأصَحُّهم علمًا وعزمًا، وأنفذهم وأعلاهم في انتصار الحق وقيامِه همَّةً، وأسخاهم كفًّا، وأكملهم اتباعًا لنبيِّه محمد ﷺ . ما رأينا في عصرنا هذا من تُستجلى النبوةُ المحمديةُ وسنتُها من أقواله وأفعاله إلا هذا الرجل، بحيث يشهد القلب الصحيح أن هذا هو الاتباع حقيقة. وبعد ذلك كلِّه فقولُ الحقِّ فريضةٌ، فلا نَدَّعي فيه العصمة عن الخطأ، ولا ندَّعي إكماله لغاياتِ الخصائص المطلوبة، فقد يكونُ في بعض الناقصين خصوصيةٌ مقصودةٌ مطلوبةٌ، لا يتمُّ الكمال إلا بها [و] تلك الخصوصية في غيره أكمل مما هي فيه، بمعنى أن ذلك متصف بحقائقها مثلًا؛ لانفراد همة وقته بها، وتفرق شيخنا فيه فضائل مهمة دينية وغيرها، ولو حققنا لوجدنا شيخنا أفضل من ذلك الرجل مع قيامه بتلك الخصوصيةِ، وهذا القَدْرُ لا يجهله منصفٌ عارف، ولولا أن قول الحق فريضة، والتعصبَ للإنسان هوًى، لأعرضت عن

стр. 129

ذكر هذا ــ لكن يجبُ قولُ الحق إن ساءَ أو سَرَّ ــ والله المستعان. إذا علمتم ذلك ــ أيدكم الله تعالى ــ فاحفظوا قلبه، فإن مثل هذا قد يُدْعَى عظيمًا في ملكوت السماء، واعملوا على رضاه بكل ممكن واستجلبوا وُدَّهُ لكم، وحبه إياكم بمهما قدرتم عليه، فإن مثل هذا يكون شهيدًا، والشهداءُ في العصر تَبَعٌ لمثله، فإنْ حصلت لكم محبته رجوت لكم بذلك خصوصيةً أكتمها ولا أذكرها، وربما يَفْطَنُ لها الأذكياءُ منكم، وربما سمحت نفسي بذكرها، كيلا أكتم عنكم نصْحي. وتلك الخصوصية: هي أن تُرْزَقوا قسطًا من نصيبه الخاص المحمدي مع الله تعالى، فإن ذلك إنما يسري بواسطة محبة الشيخ للمريد، واستجلاب المريد محبةَ الشيخ بتأتِّيه معه، وحفظ قلبه وخاطره، واستجلاب وُدِّه ومحبته، فأرجو بذلك لكم قسطًا مما بينه وبين الله تعالى، فضلًا عما تكتسبونه من ظاهر علمه وفوائده وسياسته، إن شاء الله تعالى. وأرجو أنكم إذا فتحتم بينكم وبين ربكم تعالى تصحيح المعاملة بحفظ تلك الساعة مع الله تعالى بالزهد فيها عما سواه، واستصحاب حكم تلك الساعة في الصلوات الخمس والتهجُّد أن ينفتح لكم معرفة حقيقة هذا الرجل ونبئِهِ إن شاء الله تعالى. وإنما ذكرت حفظ الساعة ــ وإن كان في الصلوات الخمس كفايةٌ إذا قام العبد فيها بحقِّ الله تعالى ــ وذلك لأن الصلاة قد تهجُمُ على العبد وقلبُه مأخوذٌ في جواذب الظاهر، فلا يعرفُ نصيبَ قَلْبِهِ من ربه فإذا عرف فيها، كان للعبد ساعةٌ بين الليل والنهار عَرَفَ فيها نصيبَ قلبه من ربه، فإذا جاءت الصلواتُ، عرف فيها حاله وزيادته ونقصانه باعتبار حالته مع ربه في تلك

стр. 130

الساعة، وبالله المستعان. فصل وإذا عرفتم قَدْرَ دين الله تعالى الذي أنزله على رسوله ﷺ ، وعرفتم قدر حقائق الدِّين الذي يُعَبَّر عنه بالنفوذ إلى الله تعالى، والحظوة بقربه، ثم عرفتم اجتماعَ الأمرين في شخص مُعيَّن، ثم عرفتم انحرافَ الأمة عن الصراط المستقيم، وقيامَ الرجل المُعيَّن الجامعِ للظاهر والباطن في وجوه المنحرفين، ينصر اللهَ تعالى ودينه، ويقوِّم مُعوجهم يَلُمُّ شعثهم، ويصلح فاسدهم، ثم سمعتم بعد ذلك طعنَ طاعن عليه من أصحابه أو من غيرهم، فإنه لا يخفى عليكم مُحِقٌّ هو، أو مبطل؟ إن شاء الله. وبرهان ذلك: أن المُحقَّ يطلب الهدى والحق يَعرِض عند من أنكر عليه ذلك الفعل الذي أنكره، إما بصيغة السؤال أو الاستفهام بالتلطف عن ذلك النقص الذي رآه فيه، أو بلغه عنه، فإن وجد هناك اجتهادًا، أو رأيًا أو حجة، قنع بذلك، وأمسك، ولم يُفْشِ ذلك إلى غيره، إلا مع إقامةِ ما بَيَّنَه من الاجتهاد، أو الرأي، أو الحجة، ليَسُد الخَلَل بذلك. مثل هذا يكون طالب هدى، محبًّا، ناصحًا، يطلب الحق، ويروم تقويم أستاذه عن انحرافه بتعريفه وتفويضه، كما يروم أستاذُه تقويمَه، كما قال بعضُ الخلفاء الراشدين (١) ــ ولا يحضرني اسمه ــ: «إذا اعوجَجْتُ فقوِّموني». فهذا حقٌّ واجبٌ بين الأستاذ والطالب، فإن الأستاذ يطلب إقامة الحق على نفسه ليقوم به، ويتَّهمُ نفسه أحيانًا، ويتعرّف أحواله من غيره، مما عنده

стр. 131

من النَّصَفَةِ وطلب الحق، والحذر من الباطل، كما يطلب المريد ذلك من شيخه من التقويم، وإصلاح الفاسد من الأعمال والأقوال. ومِنْ براهينِ المُحِقِّ: أن يكون عدلًا في مدحه، عدلًا في ذمِّه، لا يحمله الهوى ــ عند وجود المُراد ــ على الإفراط في المدح، ولا يحمله الهوى ــ عند تعذُّر المقصود ــ على نسيان الفضائل والمناقب، وتعديد المساوئ والمثالب. فالمُحِقُّ في حالَتَيْ غضبهِ ورضاهُ ثابتٌ على مدح مَنْ مدحه وأثنى عليه؛ ثابت على ذم من ثلبه وحطّ عليه. وأما مَنْ عَمِلَ كُرَّاسةً في عَدِّ مثالب هذا الرجل القائم بهذه الصفات الكاملة بين أصناف هذا العالم المنحرف، في هذا الزمان المظلم، ثم ذكر مع ذلك شيئًا من فضائله، ويعلم أنه ليس المقصودُ ذكرَ الفضائل، بل المقصودُ تلك المثالب، ثم أخذ الكُرَّاسةَ يقرؤها على أصحابه واحدًا واحدًا في خَلْوة، يوقف بذلك هَمَّهُمْ عن شيخهم، ويُريهم قدحًا فيه، فإني أستخير الله تعالى وأجتهد رأيي في مثل هذا الرجل، وأقول انتصارًا لمن ينصرُ دينَ الله، بين أعداءِ الله في رأس السبع مئة، فإن نصرة مثل هذا الرجل واجبة على كل مؤمن، كما قال وَرَقَةَ بن نوفل: «لئن أدْرَكَني يومُك لأنصُرنَّك نصرًا مُؤَزّرًا» (١). ثم أسأل الله تعالى العصمة فيما أقول عن تَعَدِّي الحدود والإخلاد إلى الهوى. أقولُ: مثل هذا ــ ولا أُعَيِّن الشخصَ المذكور بعينه ــ لا يخلو من أمور: أحدها: أن يكون ذا سنٍّ تغيَّر رأيه لِسنِّه؛ لا بمعنى أنه اضطرب بل بمعنى أن السنَّ إذا كَبِرَ يجتهد صاحبه للحق، ثم يضعُه في غير مواضعه، مثلًا يجتهد

стр. 132

أن إنكارَ المنكرِ واجبٌ، وهذا منكر، وصاحبه قد راج على الناس، فيجب عَلَيَّ تعريفُ الناس ما راج عليهم، وتَغِيبُ عليه المفاسد في ذلك. فمنها: تخذيلُ الطَّلَبة، وهم مضطرون إلى محبة شيخهم، ليأخذوا عنه، فمتى تغيرت قلوبُهم عليه ورَأؤا فيه نقصًا حُرموا فوائدَه الظاهرةَ والباطنة: وخِيفَ عليهم المقتُ من الله أولًا، ثم من الشيخ ثانيًا. المفسدة الثانية: إذا شعر أهلُ البِدَع الذين نحن وشيخُنا قائمون الليلَ والنهارَ بالجهاد والتوجُّه في وجوههم لنصرة الحق: أنَّ في أصحابنا مَنْ ثلب رئيس القوم بمثل هذا، فإنهم يتطرَّقون بذلك إلى الاشتفاء مِنْ أهل الحق ويجعلونه حُجَّة لهم. المفسدة الثالثة: تعديل المثالب في مقابلة ما يستغرقها وما يزيد عليها بأضعاف كثيرة من المناقب، فإن ذلك ظلم وجهل. والأمر الثاني من الأمور الموجبة لذلك: تغير حاله وقلبه، وفساد سلوكه بحسد كان كامِنًا فيه، وكان يكتمه بُرهة من الزمان، فظهر ذلك الكمين في قالبٍ، صورته حق ومعناه باطل. فصل وفي الجملة ــ أيَّدكم الله ــ إذا رأيتم طاعنًا على صاحبكم فافتقدوه في عقله أولًا، ثم في فهمه، ثم في صدقه، ثم في سِنِّه، فإذا وجدتم الاضطرابَ في عقله، دَلَّكم على جهله بصاحبكم، وما يقول فيه وعنه، ومثله قلَّة الفهم، ومثله عدم الصدق، أو قصوره، لأن نقصان الفهم يؤدي إلى نقصان الصدق بحسب ما غاب عقله عنه، ومثله العلة في السنّ فإنه يشيخ فيه الرأيُ والعقلُ

стр. 133

كما تشيخ فيه القُوى الظاهرة الحسِّيةُ، فاتَّهموا مثل هذا الشخص واحذروه، وأعرضوا عنه إعراض مداراةٍ بلا جدلٍ ولا خصومةٍ. وصفةُ الامتحان بصحة إدراك الشخص وعقله وفهمه: أنْ تسألوه عن مسألة سلوكية، أو علمية، فإذا أجاب عنها فأوْرِدوا على الجواب إشكالًا متوجِّهًا بتوجيه صحيح، فإن رأيتم الرجل يروح يمينًا وشمالًا، ويخرُج عن ذلك المعنى إلى معانٍ خارجة، وحكايات ليست في المعنى حتى ينسى ربُّ المسألةِ سؤالَه، حيث تَوَّهَهُ عنه بكلامٍ لا فائدة فيه، فمثل هذا لا تعتمدوا على طعنه، ولا على مدحه، فإنه ناقصُ الفطرة، كثيرُ الخيال، لا يثبُت على تحرِّي المدارك العلمية، ولا تُنكروا مثل إنكار هذا، فإنه اشتهر قيام ذي الخُوَيْصِرة التَّميمي إلى رسول الله ﷺ وقوله له: «اعدل ــ فإنك لم تعدِلْ ــ إن هذه قسمةٌ لم يُرَدْ بها وجهُ الله تعالى» (١) أو نحو ذلك. فوقوع هذا وأمثالِه من بعض معجزات الرسول ﷺ . فإنه قال: «لتركَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كان قبلكم حَذوَ القُذَّة بالقُذَّة» (٢)، وإن كان ذلك في اليهود والنصارى، لكنْ لَمَّا كانوا منحرفين عن نَهْج الصواب، فكذلك يكون في هذه الأمة من يحذو حَذوَ كل منحرف وجد في العالم، متقدّمًا كان أو متأخّرًا، حَذو القُذَّة بالقذة، حتى لو دخلوا جُحْرَ ضَبٍّ لدخلوه. يا سبحانَ الله العظيم! أين عقولُ هؤلاء؟ أعَمِيَت أبصارُهم وبصائرُهم؟ أفلا يرون ما الناسُ فيه من العَمَى والحيرة في الزمان المظلم المُدْلَهِمِّ، الذي

стр. 134

قد ملكت فيه الكفارُ معظَم الدنيا؟ وقد بقيت هذه الخُطَّة الضيقة، يَشُمُّ المؤمنون فيها رائحةَ الإسلام؟ وفي هذه الخُطَّة الضيقة من الظُّلُمات من علماء السوء والدُّعاة إلى الباطل وإقامته، ودَحْض الحق وأهله مالا يُحْصَرُ في كتاب، ثم إن الله تعالى قد رَحِمَ هذه الأمةَ بإقامة رجل قويِّ الهمة، ضعيف التركيب، قد فرَّق نفسَه وهمَّهُ في مصالح العالم، وإصلاح فسادهم، والقيام بمهماتهم، وحوائجهم، ضِمْنَ ما هو قائم بصد البدع والضلالات، وتحصيل موادِّ العلم النبوي الذي يصلح به فساد العالم، ويردهم إلى الدِّين الأول العتيق جهْد إمكانه! ! وإلا فأين حقيقةُ الدِّين العتيق؟ فهو مع هذا كله قائمٌ بجملة ذلك وَحْدَه، وهو منفرد بين أهل زمانه، قليلٌ ناصرُه، كثيرٌ خاذلُه، وحاسدُه، والشامتُ فيه! ! فمثل هذا الرجلِ في هذا الزمان، وقيامُه بهذا الأمر العظيم الخطير فيه، أيقال له: لِمَ تردُّ على الأحمدية؟ لمَ لا تعدِلُ في القسمة؟ لِمَ تَدخل على الأمراء؟ لِمَ تُقَرِّبُ زيدًا وعَمْرًا؟ أفلا يستحي العبد من الله؟ يذكر مثل هذه الجزئياتِ في مقابلة هذا العِبْء الثقيل؟ ولو حُوقِقَ الرجلُ على هذه الجزئيات وُجد عنده نصوصٌ صحيحةٌ، ومقاصدُ صحيحةٌ ونِيَّاتٌ صحيحةٌ! ! تغيب عن الضعفاء العقول، بل عن الكُمَّلِ منهم، حتى يسمعوها. أما رَدُّه على الطائفة الفُلانية أيها المُفرِطُ التائهُ، الذي لا يدري ما يقول، أفيقوم دينُ محمد بن عبد الله الذي أُنزل من السماء، إلا بالطعن على هؤلاء؟ وكيف يظهر الحق إن لم يُخْذَلِ الباطل؟ لا يقولُ مثل هذا إلا تائهٌ، أو مُسنٌ أو حاسدٌ.

стр. 135

وكذا القسمةُ للرجل، في ذلك اجتهادٌ صحيحٌ، ونظرٌ إلى مصالح تترتب على إعطاء قوم دون قوم، كما خَصَّ الرسول ﷺ الطُّلَقاء بمئة من الإبل، وحَرَمَ الأنصار! حتى قال منهم أحداثُهم شيئًا في ذلك، لا ذووا أحلامهم، وفيها قام ذو الخُوَيْصرة فقال ما قال! وأما دخولُه على الأمراء، فلو لم يكن، كيف كان شمَّ الأمراءُ رائحةَ الدِّين العتيق الخالص؟ ولو فتَّش المفتش، لوجد هذه الكيفيةَ التي عندهم من رائحة الدين، ومعرفة المنافقين، إنما اقتبسوها من صاحبكم. وأما تقريبُ زيدٍ وعمرو، فلمصلحة باطنة، لو فتَّش عنها مع الإنصاف وجد هنالك ما يرى أن ذلك من المصلحة ونفرض أنك مصيب في ذلك، إذ لا نعتقد العصمةَ إلا في الأنبياء، والخطأُ جارٍ على غيرهم، أيُذْكَرُ مثلُ هذا الخطأ في مقابلة ما تقدم من الأمور العظام الجِسَام؟ لا يذكر مثلَ هذا في كُرَّاسة ويُعدِّدُها، ثم يدور بها على واحد واحد، كأنه يقول شيئًا، إلا رجلٌ نسأل الله العافية في عقله، وخاتمَة الخير على عمله، وأن يردَّه عن انحرافِه إلى نهج الصواب، بحيث لا يبقى مَعْشَرُهُ يَعِيبُهُ بعلمه، وتصنيفه، من أولي العقول والأحلام. ونستغفرُ الله العظيم، من الخطأ والزلل، في القول والعمل، والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم (١).

стр. 136

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ فصل فيما قام به ابن تيمية وتفرد به وذلك في تكسير الأحجار (١) لخادم شيخ الإسلام: إبراهيم بن أحمد الغياني ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١]، ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الفرقان: ٣]، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠]، ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢]. وصلى الله على محمد عبده ورسوله، خير الخلق وأكرمهم على الله المصطفى المأمون، صلاة دائمة ما دامت الأيام والدهور والسنون. أما بعد؛ فهذا فصل فيما قام به الشيخ الإمام العلامة شيخ الإسلام تقي الدِّين أبو العباس أحمد ابن تيمية ﵁ وتفرّد به دون غيره من العلماء ﵃ الذين كانوا قبله وفي زمانه، وذلك بتكسير الأحجار التي كان الناس يزورونها، ويتبركون بها، ويقبلونها، وينذرون لها النذور، ويلطخونها الخَلُوق، ويطلبون عندها قضاء حاجاتهم، ويعتقدون أنَّ فيها ــ أوْ

стр. 137

لها ــ سرًّا، وأن من تعرَّض لها بسوء ــ بقالٍ أو فعال ــ أصابته في نفسه آفة من الآفات! ! فشرع الشيخ يعيب تلك الأحجار، وينهى الناس عن إتيانها، أو أن يُفعل عندها شيء مما ذُكر، أو أن يُحسَنَ بها الظن. فقال له بعض الناس: إنه قد جاء حديث أن أم سلمة سمعت النبيَّ ﷺ يقرأ بالتين والزيتون، فأخذت تينة وزيتونة وربطت عليهما وعلقتهما حِرْزًا. وبقيت كلما جاء إليها أحد به مرض تحطه عليه فيبرأ من ذلك المرض. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فسألها عن ذلك، فقالت: سمعتك تقرأ بالتين والزيتون، فقلتُ: ما قرأ رسول الله ﷺ بذلك إلا وفيه سرّ أو منفعة، فعملت تينة وزيتونة لي حرزًا، وأحسنت ظني به، ونفعت بذلك الناسَ. فقال لها النبي ﷺ : «لو أحسن أحدكم ظنَّه بِحَجَرٍ لنفعه الله به». فقال الشيخ: هذا الحديث كله ــ من أوله إلى آخره ــ كذب مختلق، وإفك مفترى على رسول الله ﷺ وعلى أم سلمة ﵂. والذي صحَّ وثبتَ عن النبي ﷺ فيما يروي عن ربه أنه قال: «أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا دعاني ... » الحديث. و «أنا عند ظن عبدي بي، فليظنَّ بي خيرًا». وقال: «لا يموتنَّ أحدُكم إلا ويحسن ظنَّه بالله الذي تفرَّد بخلقه، وأوجده من العدم ولم يكن شيئًا، وبيده ضرُّه ونفعه»، كما قال إمامنا وقدوتنا إبراهيم خليل الرحمن: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٧٨ - ٨٢]. فهذا الرب العظيم الكبير المتعال، الذي بيده ملكوت كل شيءٍ، يُحسن العبد به ظنه، ما يحسن ظنه بالأحجار،

стр. 138

فإن الكفار أحسنوا ظنهم بالأحجار فأدخلتهم النار. وقد قال الله تعالى في الأحجار وفيمن أحسنوا بها الظنَّ حتى عبدوها من دونه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦]. وقال: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]. وقد أمر النبي ﷺ أن يُسْتجمر من البول بثلاثة أحجار، ما قال أحسنوا ظنكم بها، بل قال: استجمروا بها من البول. وقد كسر النبي ﷺ الأحجار التي أُحسِن بها الظن حتى عُبدتْ حول البيت وحرَّقها بالنار. فبلغ الشيخَ أن جميع ما ذكر من البدع يتعمدها الناس عند العمود المُخَلَّق الذي داخل (الباب الصغير) الذي عند (درب النافدانيين (١)). فشدَّ عليه وقام، واستخار الله في الخروج إلى كسره، فحدَّثني أخوه الشيخ الإمام القدوة شرف الدِّين عبد الله ابن تيمية قال: فخرجنا لكسره، فسمع الناسُ أن الشيخ يخرج لكسر العمود المخلّق، فاجتمع معنا خلق كثير. قال: فلما خرجنا نحوه، وشاع في البلدان: ابنُ تيمية طالعٌ ليكسر العمود المُخَلَّق، صاح الشيطانُ في البلد، وضجّت الناس بأقوال مختلفة، هذا يقول: «ما بقيت عين الفيجة تطلع»، وهذا يقول: «ما ينزل المطر، ولا يثمر شجر»، وهذا يقول: «ما بقي ابن تيمية يفلح بعد أن تعرَّض لهذا»، وكل من يقول شيئًا غير هذا. قال الشيخ شرف الدين: فما وصلنا إلى عنده إلا وقد رجع عنا غالب الناس، خشية أن ينالهم منه في أنفسهم آفة من الآفات، أو ينقطع بسبب كسره بعض الخيرات.

стр. 139

قال: فتقدَّمنا إليه، وصِحنا على الحجَّارين: «دونكم هذا الصنم» فما جَسَر أحد منهم يتقدم إليه. قال: فأخذت أنا والشيخ المعاول منهم، وضربنا فيه، وقلنا: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١]. وقلنا: إن أصاب أحدًا منه شيء نكون نحن فداه. وتابعنا الناسُ فيه بالضرب حتّى كسرناه، فوجدنا خلفه صنمين حجارة مجسَّدة مصوَّرة، طول كل صنم نحو شبر ونصف. وقال الشيخ شرف الدين: قال الشيخ النووي: «اللهم أقم لدينك رجلًا يكسر العمود المخلّق، ويخرب القبر الذي في جيرون» فهذا من كرامات الشيخ محي الدِّين (أي النووي). فكسرناه ولله الحمد، وما أصاب الناس من ذلك إلا الخير. والحمد لله وحده. فصل قد بلغ الشيخ أن في المسجد الذي خلف (قبة اللحم) في (العلافين) يُعْرف باسم (مسجد الكف) بلاطة سوداء، وقد شاع بين الناس أن إنسانًا من قديم الزمان رأى في منامه النبي ﷺ وحدثه بأمور فقال: يا رسول الله إن حدَّثتُ الناس بالذي حدَّثتني لا يصدّقونني، فقال له: هذا كفِّي اليمينُ في هذه البلاطة دليلًا على صدقك. وحط كفه فيها، فغاص، فبقي فيها موضع كف وخمس أصابع، وانعكف الناسُ عليه ــ كما ذكر ــ بالنذر له والتبرك به، والاستسقاء. فبلغ ذلك الشيخ، فطلع إليه ومعه جماعته وأخوه الشيخ شرف الدِّين فسمعته غير مرة يحدِّث يقول: لما نظرت إليها قلت: هذا الكف منحوت، مصنوع، مكذوب. فإن النحّات جاء يعمله كف يمين فعمله كف شمال.

стр. 140

فبقي معكوسًا يجيء الخِنْصر موضع الإبهام، والإبهام موضع الخنصر. فكسرها، وما بقي لها ذكر ولا أثر. ولله الحمد. فصل وكانت صخرة كبيرة عظيمة في وسط محراب (مسجد النارنج) فيتوجه المصلي إليه ضرورة، وعليها ستر أسود مرخيّ ودَرَابزين (١) حولها. وقد استفاض بين الناس أنه حُطّ عليها رأس الحسين ــ ﵇ ــ فانشقت له، وأنها متى انشقت كلها قامت القيامة. ولها في كل سنة ــ يومَ عاشوراء ــ عيدٌ يجتمع فيه الناس، ويبقون في ذلك اليوم وفي غيره من الأيام يتبرّكون بها ويقبلونها، وينذرون لها النذور، ويلطخونها بالخَلَوق، ويدعون عندها. فبلغ ذلك الشيخ، فطلب الحجَّارين من القلعة، وخرج إليها ومعه شرف الدِّين في جماعة كبيرة. فأول شيء عمله قلع الدرابزين من حولها، ونتش الستر عنها ورماه. وصاح على الحجارين: «دَهْ عليه! » (٢)، فتأخروا عنها، فتقدم هو وأخوه شرف الدِّين وضربها بنعله وقال: «إن أصاب أحدًا منها شيء أصابنا نحن قبله». فتقدم إليها عند ذلك الحجارون، وحفروا عليها. فإذا هي رأس عمود كبير قد حفر له ونزل في ذلك المكان، فكسروه، وحملوه على أربع عشرة بهيمة وأحرقوه كلسًا.

стр. 141

قال الشيخ: بعض الرافضة عمل هذا في هذا المكان، ولوح بين الناس أن رأس الحسين حطوه على هذا الحجر، حتى يضل به جهال الناس. قال: والرافضة من عادتهم أنهم يخربون المساجد ويعمرون المشاهد ويعظمونها بخلاف المساجد، وقد قال الله سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ١٨]. ولم يقل: «مشاهد الله». وقال: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن: ١٨]. ما قال: «وأن المشاهد لله». وقال النبي ﷺ : «مَنْ بنى لله مسجدًا ولو كَمَفْحَص قطاة بنى الله له بيتًا في الجنة» ما قال: من بنى لله مشهدًا بنى الله له بيتًا في الجنة. وتكلم وهو جالس في هذا المكان، وقال من هذا الجِنس شيئًا كثيرًا. وقال: زيارة القبور زيارة شرعية مأمور بها، وزيارة بدعية منهيّ عنها، فالزيارة الشرعية هي التي أمر بها النبي ﷺ ، فإنه زار قبر أمه فقال: «استأذنت ربي في زيارة قبر أمي فأذن لي، واستأذنته أن أستغفر لها فلم يأذن لي. فإني كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها فإنها تذكركم الآخرة»، فالكافر يزار قبره ليتذكر به الآخرة، ولا يُدْعَى له ولا يستغفر له، بخلاف المؤمن فإنه يزار قبره ليتذكر به الآخرة، ويدعى له، ويستغفر له، ويترحم عليه، ويسأل الله له من كلِّ خير، فإن زيارة قبره من جنس الصلاة عليه. وكان النبي ﷺ يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقول قائلهم: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، ويرحم الله منا ومنكم المستقدمين والمستأخرين، ونسأل الله لنا ولكم العافية. اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنّا بعدهم، واغفر لنا ولهم». فهذا كله حق للمؤمن، وقد قال ﷺ : «أكثروا من الصلاة عليَّ يوم الجمعة وليلة الجمعة

стр. 142

فإن صلاتكم عليّ معروضة عليَّ». قالوا: يا رسول الله كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرِمتَ؟ فقال: «تقولون إني بليت؟ » قالوا: نعم. قال: «إن الله قد حرم على الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء». وقد روى ابن عبد البرّ حديثًا وصححه أن النبي ﷺ قال: «ما من رجل مؤمن يمرّ بقبر رجل مؤمن كان يعرفه في الدنيا فسلم عليه إلا ردّ الله عليه روحه حتى يرد ﵇». وأما الزيارة البدعية؛ فهي أن تُزار القبور للتبرك بها، أو الدعاء عندها، أو الاستغاثة بأهلها، أو النذر لها ــ مثل زيت أو كسوة أو شمع أو دراهم ــ أو يشعلون عندها السُّرُج، أو يصلون عندها، فإن النبي ﷺ نهى عن جميع ذلك فقال: «لعن الله زوارات القبور، والمتخذين عليا المساجد والسرج» وقال: «إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك» وقال: «إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» يحذر ما فعلوا: قالت عائشة ﵂: «ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجدًا». فهذه الزيارة على هذا الوجه بدعية منهيٌّ عنها. فصل وكان تحت الطاحون التي قبلي (مسجد النارنج) في الماء عند فراش الطاحون صنم حجر يُعظَّم ويستسقى به، فكان بعض الناس يكون عنده مولود صغير وقد طال به المرض، فيأتون به حتى يغطسوه عند الصنم في الماء ويشفى، ويحطون عند الصنم خبزًا وحلوى وغير ذلك. فخرج إليه الشيخ شرف الدِّين أخو الشيخ تقي الدِّين فكسره وخلّص أولاد الناس منه. وكان عمود في حارة الفرما يقال له: (العمود المخلق) وكان حاله كما

стр. 143

ذكر، فكسره وأراح الناس منه. فصل وكان مع أناس حجارين حجر رخام وقد قمّعوه بقصدير، وفي وسط الحجر أثر قدم، دائرين به في البلاد، ويدخلون به على بيوت الكبراء والسعداء في الأسواق، ويقولون لهم: هذا موضع قدم نبيكم، فيبقى الناس يقبلونه ويتبركون به ويعطونهم الأموال لأجل ذلك، فأمسكهم الشيخ، فكسر ذلك الحجر، وتهارب أصحابه من قدام الشيخ مخافة أن يضرهم. فصل وجاء إنسان إلى الشيخ يومًا بخبزٍ يابس فقال: «يا سيدي قد جِبتُ هذا من صماط الخليل على اسمك». فقال له: «ما لي به حاجة. أنا حاجتي إلى الدِّين الذي كان عليه الخليل، ومتابعة ملة الخليل الذي أمر الله أمة محمد بمتابعتها. ما لي حاجة بهذا الخبز، والخليل ما عمل هذا، ولا أمر بهذا العَدَس، ولا كان يطعم ويضيف غير اللحم. قال الله تعالى: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات: ٢٦]. وأما العَدَس فإنه شهوة اليهود، وقد سئل عبد الله بن المبارك ﵁ فقيل له: جاء حديث: أن العَدَس قدَّسه سبعون نبيًّا (١)، فقال: «لا، ولا نصف نبي». فصل ولما كان الشيخ في ديار مصر كان ينهى عن إتيان المشاهد وتعظيمها،

стр. 144

ويأمر بإتيان المساجد وتعظيمها. وأعظم المشاهد بالقاهرة مشهد الحسين فإن أمره عظيم، فإن جميع ما ذكر من البدع والضلال يقام عنده وأضعاف ذلك، حتى إذا غلَّظ أحدٌ اليمين على الحالف يحلفه عند مشهد الحسين، فكان الشيخ ينهاهم عن ذلك وينكره بجنانه وحاله، وقال: إن السلف ومن اتبعهم كانوا إذا حلَّفوا أحدًا وغلَّظوا عليه اليمين يحلّفونه بين المحراب والمنبر، ولم يحلفوه عند قبور أو أثر. قال: وأما الحسين ــ ﵁ وعن سلفه ولعن قاتله ــ فما حُمل رأسه إلى القاهرة، فإنّ القاهرة بناها الملك المعز في أوائل المائة الرابعة، والحسين ــ ﵇ ــ قتل يوم عاشوراء سنة إحدى وستين، ودفنت جثة الحسين حيث قتل. وقد روى البخاري في «تاريخه»: أن رأس الحسين حُمل إلى المدينة ودفن بها في البقيع عند قبر أمه فاطمة ﵂. وبعض العلماء يقول: إنه حُمِل إلى دمشق ودفن بها. فبين مقتل الحسين وبين بناية القاهرة نحو مئتين وخمسين سنة. فإنه من المتواتر أن القاهرة بُنِيت بعد بغداد، وبعد البصرة والكوفة وواسط، فأين هذا من هذا؟ ! وقد ذكر صاحب الكتاب الذي سماه: (العَلَم المشهور، في فضل الأيام والشهور) (١) وصنف هذا الكتاب للملك الكامل ﵀، ذكر فيه أن هذا المشهد بناه بنو عبيد الملاحدة الزنادقة ملوك مصر في أواخر سنة خمسين وخمس مئة، وقوَّض الله دولة بني عُبيد بعد بنائهم لهذا المشهد بنحو أربع عشرة سنة. وهذا مشهد الكذب والمين، ما هو مشهد الحسين. وكلا العلماء في ذمّ بني عبيد القدَّاح مشهور، وفي ذم مذاهبهم وما كانوا

стр. 145

عليه. قال الشيخ أبو حامد الغزالي: «ظاهرهم الرفض، وباطنهم الكفر المحض». وكان الشيخ أبو عمرو عثمان بن مرزوق ' في زمن بني عُبيد في ديار مصر، وكان يفتي أنه لا تحل ذبائح بني عبيد، ولا نكاحهم، ولا يصلى خلفهم. وكان يغلظ في أمرهم. وبلغ نور الدِّين بن زنكي حالهم وما هم عليه، فسأل العلماء في قتالهم وأخذ البلاد منهم، فأفتاه العلماء بذلك، وكتبت بذلك محاضر، وأثبتت على الحكام. فسيّر صلاح الدِّين ومعه جيش عظيم فغزاهم وفتح البلاد منهم. وبعض الجهال يظن أن بني عبيد كانوا شرفاء من ذرية فاطمة وأنهم كانوا صالحين، وإنما كانوا زنادقة ملاحدة قرامطة باطنية وإسماعيلية ونصيرية، ومن عندهم طلع الرفض إلى الشام، وإلا قبل ذلك ما كان يعرف الرفض في الشام. وبقاياهم في ديار مصر إلى اليوم. وكانت قصورهم بين القصرين. وكانوا ينادون «كل من لعن وسب، فله دينار وإردب». فبينما إنسان منهم يلعن عائشة، وإنسان مغربي أنكر عليه، فتحاملوا إلى عند الحاكم، فقال له الحاكم: «لم أنكرت عليه! » قال له المغربي: «إن امرأة جدي اسمها عائشة، وقد ربتني وأحسنت إليَّ، فلما سمعته يلعنها ما هان عليَّ». فقال له الحاكم: «ذا ما يلعن امرأة جدك أنت، ذا يلعن امرأة جدي أنا». فقال له المغربي: «منك إليه! ». ورأيت رجلًا من أهل القاهرة جاء إلى الشيخ بالقاهرة بعد مجيئه من إسكندرية فقال له: «إن أبي حدثني عن أبيه أن هذا المشهد بناه بنو عبيد، وأن رأس الحسين ما جاء إلى ديار مصر، لكن جرت لي واقعة. أني وأنا صغير
следующие страницы →