قال الشيخ: بعض الرافضة عمل هذا في هذا المكان، ولوح بين الناس أن رأس الحسين حطوه على هذا الحجر، حتى يضل به جهال الناس. قال: والرافضة من عادتهم أنهم يخربون المساجد ويعمرون المشاهد ويعظمونها بخلاف المساجد، وقد قال الله سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ١٨]. ولم يقل: «مشاهد الله». وقال: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن: ١٨]. ما قال: «وأن المشاهد لله». وقال النبي ﷺ : «مَنْ بنى لله مسجدًا ولو كَمَفْحَص قطاة بنى الله له بيتًا في الجنة» ما قال: من بنى لله مشهدًا بنى الله له بيتًا في الجنة.
وتكلم وهو جالس في هذا المكان، وقال من هذا الجِنس شيئًا كثيرًا.
وقال: زيارة القبور زيارة شرعية مأمور بها، وزيارة بدعية منهيّ عنها، فالزيارة الشرعية هي التي أمر بها النبي ﷺ ، فإنه زار قبر أمه فقال: «استأذنت ربي في زيارة قبر أمي فأذن لي، واستأذنته أن أستغفر لها فلم يأذن لي. فإني كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها فإنها تذكركم الآخرة»، فالكافر يزار قبره ليتذكر به الآخرة، ولا يُدْعَى له ولا يستغفر له، بخلاف المؤمن فإنه يزار قبره ليتذكر به الآخرة، ويدعى له، ويستغفر له، ويترحم عليه، ويسأل الله له من كلِّ خير، فإن زيارة قبره من جنس الصلاة عليه.
وكان النبي ﷺ يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقول قائلهم: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، ويرحم الله منا ومنكم المستقدمين والمستأخرين، ونسأل الله لنا ولكم العافية. اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنّا بعدهم، واغفر لنا ولهم». فهذا كله حق للمؤمن، وقد قال ﷺ : «أكثروا من الصلاة عليَّ يوم الجمعة وليلة الجمعة
стр. 142
فإن صلاتكم عليّ معروضة عليَّ». قالوا: يا رسول الله كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرِمتَ؟ فقال: «تقولون إني بليت؟ » قالوا: نعم. قال: «إن الله قد حرم على الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء». وقد روى ابن عبد البرّ حديثًا وصححه أن النبي ﷺ قال: «ما من رجل مؤمن يمرّ بقبر رجل مؤمن كان يعرفه في الدنيا فسلم عليه إلا ردّ الله عليه روحه حتى يرد ﵇».
وأما الزيارة البدعية؛ فهي أن تُزار القبور للتبرك بها، أو الدعاء عندها، أو الاستغاثة بأهلها، أو النذر لها ــ مثل زيت أو كسوة أو شمع أو دراهم ــ أو يشعلون عندها السُّرُج، أو يصلون عندها، فإن النبي ﷺ نهى عن جميع ذلك فقال: «لعن الله زوارات القبور، والمتخذين عليا المساجد والسرج» وقال: «إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك» وقال: «إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» يحذر ما فعلوا: قالت عائشة ﵂: «ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجدًا». فهذه الزيارة على هذا الوجه بدعية منهيٌّ عنها.
فصل
وكان تحت الطاحون التي قبلي (مسجد النارنج) في الماء عند فراش الطاحون صنم حجر يُعظَّم ويستسقى به، فكان بعض الناس يكون عنده مولود صغير وقد طال به المرض، فيأتون به حتى يغطسوه عند الصنم في الماء ويشفى، ويحطون عند الصنم خبزًا وحلوى وغير ذلك. فخرج إليه الشيخ شرف الدِّين أخو الشيخ تقي الدِّين فكسره وخلّص أولاد الناس منه.
وكان عمود في حارة الفرما يقال له: (العمود المخلق) وكان حاله كما
стр. 143
ذكر، فكسره وأراح الناس منه.
فصل
وكان مع أناس حجارين حجر رخام وقد قمّعوه بقصدير، وفي وسط الحجر أثر قدم، دائرين به في البلاد، ويدخلون به على بيوت الكبراء والسعداء في الأسواق، ويقولون لهم: هذا موضع قدم نبيكم، فيبقى الناس يقبلونه ويتبركون به ويعطونهم الأموال لأجل ذلك، فأمسكهم الشيخ، فكسر ذلك الحجر، وتهارب أصحابه من قدام الشيخ مخافة أن يضرهم.
فصل
وجاء إنسان إلى الشيخ يومًا بخبزٍ يابس فقال: «يا سيدي قد جِبتُ هذا من صماط الخليل على اسمك». فقال له: «ما لي به حاجة. أنا حاجتي إلى الدِّين الذي كان عليه الخليل، ومتابعة ملة الخليل الذي أمر الله أمة محمد بمتابعتها. ما لي حاجة بهذا الخبز، والخليل ما عمل هذا، ولا أمر بهذا العَدَس، ولا كان يطعم ويضيف غير اللحم. قال الله تعالى: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات: ٢٦]. وأما العَدَس فإنه شهوة اليهود، وقد سئل عبد الله بن المبارك ﵁ فقيل له: جاء حديث: أن العَدَس قدَّسه سبعون نبيًّا (١)، فقال: «لا، ولا نصف نبي».
فصل
ولما كان الشيخ في ديار مصر كان ينهى عن إتيان المشاهد وتعظيمها،
стр. 144
ويأمر بإتيان المساجد وتعظيمها. وأعظم المشاهد بالقاهرة مشهد الحسين فإن أمره عظيم، فإن جميع ما ذكر من البدع والضلال يقام عنده وأضعاف ذلك، حتى إذا غلَّظ أحدٌ اليمين على الحالف يحلفه عند مشهد الحسين، فكان الشيخ ينهاهم عن ذلك وينكره بجنانه وحاله، وقال: إن السلف ومن اتبعهم كانوا إذا حلَّفوا أحدًا وغلَّظوا عليه اليمين يحلّفونه بين المحراب والمنبر، ولم يحلفوه عند قبور أو أثر.
قال: وأما الحسين ــ ﵁ وعن سلفه ولعن قاتله ــ فما حُمل رأسه إلى القاهرة، فإنّ القاهرة بناها الملك المعز في أوائل المائة الرابعة، والحسين ــ ﵇ ــ قتل يوم عاشوراء سنة إحدى وستين، ودفنت جثة الحسين حيث قتل. وقد روى البخاري في «تاريخه»: أن رأس الحسين حُمل إلى المدينة ودفن بها في البقيع عند قبر أمه فاطمة ﵂. وبعض العلماء يقول: إنه حُمِل إلى دمشق ودفن بها. فبين مقتل الحسين وبين بناية القاهرة نحو مئتين وخمسين سنة. فإنه من المتواتر أن القاهرة بُنِيت بعد بغداد، وبعد البصرة والكوفة وواسط، فأين هذا من هذا؟ !
وقد ذكر صاحب الكتاب الذي سماه: (العَلَم المشهور، في فضل الأيام والشهور) (١) وصنف هذا الكتاب للملك الكامل ﵀، ذكر فيه أن هذا المشهد بناه بنو عبيد الملاحدة الزنادقة ملوك مصر في أواخر سنة خمسين وخمس مئة، وقوَّض الله دولة بني عُبيد بعد بنائهم لهذا المشهد بنحو أربع عشرة سنة. وهذا مشهد الكذب والمين، ما هو مشهد الحسين.
وكلا العلماء في ذمّ بني عبيد القدَّاح مشهور، وفي ذم مذاهبهم وما كانوا
стр. 145
عليه. قال الشيخ أبو حامد الغزالي: «ظاهرهم الرفض، وباطنهم الكفر المحض».
وكان الشيخ أبو عمرو عثمان بن مرزوق ' في زمن بني عُبيد في ديار مصر، وكان يفتي أنه لا تحل ذبائح بني عبيد، ولا نكاحهم، ولا يصلى خلفهم. وكان يغلظ في أمرهم.
وبلغ نور الدِّين بن زنكي حالهم وما هم عليه، فسأل العلماء في قتالهم وأخذ البلاد منهم، فأفتاه العلماء بذلك، وكتبت بذلك محاضر، وأثبتت على الحكام. فسيّر صلاح الدِّين ومعه جيش عظيم فغزاهم وفتح البلاد منهم.
وبعض الجهال يظن أن بني عبيد كانوا شرفاء من ذرية فاطمة وأنهم كانوا صالحين، وإنما كانوا زنادقة ملاحدة قرامطة باطنية وإسماعيلية ونصيرية، ومن عندهم طلع الرفض إلى الشام، وإلا قبل ذلك ما كان يعرف الرفض في الشام. وبقاياهم في ديار مصر إلى اليوم.
وكانت قصورهم بين القصرين. وكانوا ينادون «كل من لعن وسب، فله دينار وإردب». فبينما إنسان منهم يلعن عائشة، وإنسان مغربي أنكر عليه، فتحاملوا إلى عند الحاكم، فقال له الحاكم: «لم أنكرت عليه! » قال له المغربي: «إن امرأة جدي اسمها عائشة، وقد ربتني وأحسنت إليَّ، فلما سمعته يلعنها ما هان عليَّ». فقال له الحاكم: «ذا ما يلعن امرأة جدك أنت، ذا يلعن امرأة جدي أنا». فقال له المغربي: «منك إليه! ».
ورأيت رجلًا من أهل القاهرة جاء إلى الشيخ بالقاهرة بعد مجيئه من إسكندرية فقال له: «إن أبي حدثني عن أبيه أن هذا المشهد بناه بنو عبيد، وأن رأس الحسين ما جاء إلى ديار مصر، لكن جرت لي واقعة. أني وأنا صغير
стр. 146
كنت أجري فوق سطح هذا المشهد، وما له عندي حُرْمة بما حدثني أبي عنه، فبينما أنا نائم ليلة وأنا أرى عجوزًا زرقاء العينين شمطاء الرأس، ومعها قيد، فحطته في رجلي وقالت: تتوب ولا تعود تجري فوق سطح المشهد؟ فقلت: التوبة، التوبة، ما بقيت أعود. فقعدت وأنا مرعوب».
فقال الشيخ: «وهذا أيضًا حجة لي على صحة ما أقوله، فإن هذه شيطانة هذا الموضع، وهي التي تزينه للناس. وكذلك لما بعث النبي ﷺ خالد بن الوليد ﵁ بقطع (العُزَّى) فقال له: لما قطعت العزَّى أيّ شيءٍ رأيتَ خرج؟ فقال: خَرَجَتْ منها عجوز شمطاء هاربة نحو اليمن، فقال النبي ﷺ : «تلك شيطانة العُزَّى». وسمعت الشيخَ غير مرَّة يحكيها للناس.
فصل
في كشف حال بني عبيد
سمعت الشيخ يحكي غير مرة في مجالسه يقول: زرت يومًا المارستان المنصوري، فجاء إليَّ أناس فقالوا لي: تصدَّق وزُر المارستان العتيق: فرحت معهم أزوره، فقالوا لي: ألا تزور قبور الخلفاء؟ ــ يعنون بني عبيد ــ فرحت معهم إلى قبورهم، فوجدت قبورهم إلى القطب الشمالي. فتكلم عليهم وعلى مذاهبهم فقال الحاضرون: نحن نعتقد أن هؤلاء قوم صالحون، لأنا إذا مغلت عندنا الخيل (١) نجيء بها إلى قبور هؤلاء فتبرأ، فلولا أنهم صالحون ما برأت الدواب من المغل عند قبورهم. فقلت: وهو أيضًا حجة على صحَّة ما أقوله فيهم، فإن المغل من بَرْد يحصل للدواب، فإذا جيء بها
стр. 147
إلى قبور اليهود والنصارى في الشَّام، وإلى قبور المنافقين كالقرامطة والإسماعيلية والنصيرية، فإن الدّوابَّ إذا سمعت أصوات المعذَّبين في قبورهم تفزع فيحصل لها حرارة تذهب بالمغل الذي حصل لها.
وكان النبي ﷺ يومًا راكبًا على بغلته فحادت حتى كادت تلقيه عن ظهرها، فقالوا: ما شأنها يا رسول الله؟ فقال: «إنها سمعت أصوات يهود تعذَّب في قبورها». وقال: إنهم ليعذبون في قبورهم عذابًا تسمعه البهائم. فما يروح أصحاب الدّوابّ بها إلى قبر الشافعي ولا إلى قبر أشهب فإن عند قبورهم تنزل الرحمة. وتكلَّم شيئًا كثيرًا من هذا الجنس ما ينحصر، وهذا شيء منه.
فصل
ولما كان الشيخ في قاعة الترسيم دخل إلى عنده ثلاثة رهبان من الصعيد. فناظرهم وأقام عليهم الحجة بأنهم كفار وما هم على الدِّين الذي كان عليه إبراهيم والمسيح. فقالوا له: نحن نعمل مثل ما تعملون، أنتم تقولون بالسيدة نفيسة ونحن نقول بالسيدة مريم، وقد أجمعنا نحن وأنتم على أن المسيح ومريم أفضل من الحسين ومن نفيسة، وأنتم تستغيثون بالصالحين الذين قبلكم ونحن كذلك.
فقال لهم: وإن من فعل ذلك ففيه شَبَهٌ منكم، وهذا ما هو دين إبراهيم الذي كان عليه، فإن الدِّين الذي كان إبراهيم عليه: أن لا نعبد إلا الله وحده، لا شريك له. ولا ندَّ له، ولا صاحبة له، ولا ولد له، ولا نشرك معه ملكًا ولا شمسًا ولا قمرًا ولا كوكبًا، ولا نشرك معه نبيًّا من الأنبياء ولا صالحًا: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣]. وإن الأمور التي
стр. 148
لا يقدر عليها غير الله لا تطلب من غيره مثل إنزال المطر، وإنبات النبات، وتفريج الكربات، والهدى من الضلالات، وغفران الذنوب، فإنه لا يقدر أحد من جميع الخلق على ذلك، ولا يقدر عليه إلا الله. والأنبياء ــ عليهم الصلاة والسلام ــ نؤمن بهم ونعظمهم ونوقرهم ونتبعهم ونصدِّقهم في جميع ما جاؤوا به ونطيعهم كما قال نوح وصالح وهود وشعيب: ﴿(٢) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ﴾ [نوح: ٣]. فجعلوا العبادة والتقوى لله وحده، والطاعة لهم، فإن طاعتهم من طاعة الله. فلو كفر أحد بنبيٍّ من الأنبياء وآمن بالجميع ما نفعه إيمانه حتى يؤمن بذلك النبي. وكذلك لو آمن بجميع الكتب وكذب بكتاب كان كافرًا حتَّى يؤمن بذلك الكتاب وكذلك الملائكة واليوم الآخر.
فلما سمعوا ذلك منه قالوا: الدِّين الذي ذكرته خيرٌ من الدِّين الذي نحن وهؤلاء عليه. ثم انصرفوا من عنده.
فصل
لما كان الشيخ في قاعة الترسيم، وكان الشيخ العارف القدوة شمس الدِّين الدباهي (١) قد طلع من الشام إلى مصر حتى يصلح بين الشيخ وبين الشيخ نصر المنبجي، فكتب ورقة فيها: «الطفيلي على الله محمد بن الدباهي يسأل من الشيخين الصالحين ــ شيخ المشايخ أبي الفتح نصر المنبجي وشيخ الإسلام أحمد بن تيمية ــ أنهما يتفقان على طاعة الله ورسوله بحسب ما يمكنهما» وذكرَ أشياءَ يلتزمانها بحسب الإمكان ويتفقان عليها. وجاءت الورقة إلى الشيخ فقال: «إني أجيب إلى ذلك»، فراح بها إلى الشيخ نصر، فوجد عنده المشايخ التدامرة:
стр. 149
أبا بكر والشيخ إبراهيم أولاد بروان، فقام الشيخ نصر من مجلسه وأقعد الشيخ شمس الدِّين فيه وعظَّمه تعظيمًا كبيرًا، فأوقفه على الورقة، فقال له: «يا سيدي، ولم كتبت إلى الشيخ مثل هذه وما سُمع بعدُ مِنّا كلام كثير؟ » فقال له: «اكتب أنك أجبتَ إلى ذلك» فقال: «إن كتب الشيخ كتبت» فقال له: «الله على ما تقول وكيل؟ » فقال: «نعم» فسيَّر الورقة إلى الشيخ، فكتب: «أجبت على ذلك ولا حول ولا قوة إلا بالله العليِّ العظيم. وكتبه أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية». وجاب الرسولُ الورقةَ إليه، فقال له الشيخ شمس الدين: «اكتب مع الشيخ مثل ما قلتَ وعاهدت الله عليه». فقال: «ما بقيت أكتب شيئًا». فقال له شمس الدِّين «عاديتك في الله»، وكشف رأسه وقال: «ثم نبتهل، ثم نبتهل» وقام ونزل من عنده.
فسيّر الشيخ نصر إلى والي المدينة أن يكبس بيت ابن تيمية، ويمسك أصحابه ويحطهم في الحبس. فسير الوالي نائبه، فكبس البيت، وكان قصدهم أن يمسكوا شرف الدِّين أخا الشيخ، فهرَّبوه من فوق السطح، وأمسك أصحاب الشيخ وجاءَ بِهم إلى الوالي، فحطهم في قاعة عند بيته، ومنعوا الناس من الدُّخول إلى عند الشيخ ثم بعد أيام عُزل الوالي. فسيَّب الجماعة، فتأخر عنده زين الدِّين أخو الشيخ، فسير إلى القاضي ابن مخلوف برسالة الشيخ نصر، فأمسك زين الدِّين وحبسه عند الشيخ في قاعة الترسيم. وفي تلك الأيام سرق مملوك زين الدِّين له قماش نفتة ومروزي وغيره وسافر به، ومرض زين الدين، فطلب الحمام فراح السجَّان وخادم الشيخ ــ إبراهيم بن أحمد الغياني ــ إلى القاضي، فقال له خادم الشيخ: هذا إن كان في حبسك؛ فاكتب له ورقة اعتقال، وإن كان ما هو في حبسك فلم ترسم عليه؟ [فقال: ] ما هو في حبسي أنا، بلغني أنه يطلب يخدم أخاه، ما استحللت منعه. فقال له:
стр. 150
أخوه رجل تاجر يريد وحده عشرة تخدمه، والشيخ أنا أخدمه، وقد قال نائب السلطان وغيره: إنهم ما رسموا بحبس زين الدين، والشيخ يفتي بأن القماش الذي سرق لزين الدِّين يلزمك، ويقول السجّان: ما هو في حبسي، ولا نخليه يطلع. فقال له: إذا نزلت في بيتي غدًا تعالَ إلى عندي مع السجَّان.
قال إبراهيم: ثم حدثنا الشيخ بذلك فقال لزين الدين: قم اطلع، هذا القاضي قد تبرّأ من قضيتك. فقال السجان: حتى يروح إلى القاضي مثلما رأيتم. فقال الشيخ: إن الظلمة وأعوان الظلمة يحطون يوم القيامة في توابيت من نار، ثم يقذفون في الجحيم، قال الله: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٢ - ٢٣]. فقال: أنا ما أجسر أقول له هذا. ثم إنه رسم بأن يخرج، فقال الشيخ: ما بقي يخرج. فأرسل القاضي ابنه محب الدِّين يسأله مرارًا متعددة حتى خرج.
وفي تلك الأيام جاء المشايخ التدامرة ــ إبراهيم وأبو بكر ــ إلى الشيخ وقالوا له: «قد اجتمعنا بهؤلاء القائمين عليك، وقالوا قد بُلشنا به، والناس تلعننا بسببه، وقد قلنا: إنا قد أخذناه بحكم الشرع في الظاهر، فليبصر شيئًا لا يكون علينا ولا عليه فيه رد فيكتبه لنا ونتفق نحن وهو عليه». فلما قالوا له ذلك قال لهم: «أنا منشرح الصدر، وما عندي قَلَق، وهم برّا الحبس فَلِمَ يقلقون؟ » وكتب: «عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله يرضى لكم ثلاثًا: أن تعبدوه لا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرَّقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم». رواه مسلم». فخرجوا من عنده على ذلك. ثم إنهم بعد أيام جاؤوا إلى عنده وقالوا له: قد وقفوا على الورقة وقالوا: «هذا رجل مِحْجاج خصِم، وما له قلب يفزع من الملوك، وقد اجتمع بغازان ملك التتر وكبار دولته وما خافهم،
стр. 151
ومتى اجتمع بالسلطان والدولة وقرأ عليهم كتاب «الفصوص» الذي كانت الفتنة بسببه قتلونا أو قطعونا من المناصب، ويقال عنا: إنه ما خرج من الحبس حتى دخلتم تحت ما شرط عليكم. ابعثوا أنتم اشرطوا عليه ما أردتم، فإن لم يدخل تحته تكونوا قد عُذِرتم فيه.
فلما أخبره بذلك المشايخ التدامرة قالوا: يا سيدي قد حملونا كلامًا نقوله لك، وحلّفونا أنه ما يطلع عليه غيرنا: أن تنزل لهم عن مسألة العرش ومسألة القرآن ونأخذ خطَّك بذلك، نوقف عليه السلطان ونقول له: هذا الذي حبسنا ابن تيمية عليه قد رجع عنه ونقطع نحن الورقة.
فقال لهم: تدعونني أن أكتب بخطي أنه ليس فوق العرش إله يعبد، ولا في المصاحف قرآن، ولا لله في الأرض كلام؟ ودق بعمامته الأرض وقام واقفًا ورفع برأسه إلى السماء وقال: اللهم إني أشهدك على أنهم يدعونني أن أكفر بك وبكتبك ورسلك، وأن هذا الشيء ما أعمله. اللهم أنزل بهم بأسك الذي لا ترده عن القوم المجرمين. نفذت فيهم سهام الله. والله لتقلبن دولة بيبرس أسفلها أعلاها. ويكون أعز من فيها أذل من فيها ولينتقمنّ الله من الكبير والصغير، وكم أجد عليهم وما أدعو عليهم». فقلت أنا وشرف الدِّين بن سعد الدين: شيخُ الإسلام الأنصاري عُرِض على السيف أربع عشرة مرة لا يقال له: «وافِقْنا» بل اسْكُت ويقول: أُقْتَل ولا يسعني أن أسكت عمن خالفني.
وكان الشيخ سَكَتَ عنهم في دمشق، وما كان جرى شيء من هذا، وهم انفلتوا فينا بالسبّ القبيح والشتم، وما عليه أضر من أصحابه. ثم خرجوا من عنده.
وبعد ذلك جاء إلى عند الشيخ رجلٌ يقال له الشيخ عليّ الفرّا له منامات
стр. 152
خوارق فقال: رأيت في منامي كأن البحر قد زاد حتى دخل الماء في جميع حارات المدينة، وهو أسود مثل القطران وهو يغلي مثل القدر على النار، والشيخ راكب سفينة وقد ركب معه جماعة يسيرة وهو يقول: النجاء النجاء. وقد طلعتْ به من باب سعادة حتى جاءت إلى باب اللوق، وإذا بالسلطان سنقر راكب فيلًا وخلفه راكب القاضي ابن مخلوف والشيخ نصر، وأنا أقول: يا سيدي كيف نعمل حتى نخرج من هذا الكدر الذي نحن فيه إلى البحر الصافي وهذا الفيل في طريقنا؟ وأنت تقرأ ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل: ١] إلى آخرها، وما أصبت السفينة إلا أنها قد صارت في البحر الكبير.
ثم بعد أيام جاء عند الشيخ شمس الدِّين بن سعد الدِّين الحراني وأخبره أنهم يسفرونه إلى الإسكندرية. وجاءت المشايخ التدامرة وأخبروه بذلك، وقالوا له: كل هذا يعملونه حتى توافقهم، وهم عاملون على قتلك، أو نفيك. أو حبسك. فقال لهم: «أنا إن قتلت كانت لي شهادة، وإن نفوني كانت لي هجرة، ولو نفوني إلى قبرص لدعوت أهلها إلى الله وأجابوني، وإن حبسوني كان لي معبدًا، وأنا مثل الغنمة كيفما تقلبت تقلبت على صوف»، فيئسوا منه وانصرفوا.
فلما كان بعدُ في صلاة المغرب جاء نائب والي المدينة بدر الدِّين المحب بن عماد الدِّين بن العفيف ومعه جماعة فقال: يا سيدي باسم الله. فقال له الشيخ: إلى أين؟ قال: إلى الإسكندرية قد رسم السلطان بذلك الساعة. فقال له: لو كنتم أخبرتموني بذلك حتى تجهزت للسفر وأخذت معي نفقة. فقال له: قد أمرت لك ولأصحابك ما يكفيك. فقال له: أنا الليلة ما أسافر. فقال له: ما
стр. 153
يمكنني أن أخالف مرسوم السلطان. فقال له معك مرسوم بأن تُسخطني؟ فقال: لا. وقام خرج من عنده. فغلق السجان باب الحبس، وراح.
فلما كان ثاني يوم، جاء عبد الكريم ابن أخت الشيخ نصر وحلف أن الشيخ نصر ما عنده علم من هذا، وانصرف.
فلما كان بعد صلاة العصر وقفت أبكي. فقال لي الشيخ: لا تبك، ما بقيت هذه المحنة تبطئ، فقلت له: أفتح لك في المصحف؟ فقال: افتح. فطلع قوله تعالى: ﴿(١٢٦) وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ﴾ [النحل: ١٢٧ - ١٢٨]، فقال: افتح في موضع آخر، فطلع قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ٥٠] إلى آخرها، فقال: افتح آخر، فطلع قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ ... ﴾ [الفتح: ٢٩] إلى آخرها (١).
стр. 154
فلما صلَّينا المغربَ بقي يدعو بدعاء الكرب، وأنزل الله عليه من النور والبهاء والحال شيئًا عظيمًا. وأشرت إلى المحبسين، كأن وجهه شمع يجلوه مثل العروس، حتى إذا راق الليل، جاء نائب الوالي فقال: «باسم الله»، فبقوا يودّعونه ويبكون ويدعون عليهم بدعاء مختلف، أقله أن يسلبه الله نعمته.
وركب على باب الحبس، فقال له إنسان: «يا سيدي هذا مقام الصبر». فقال له: «بل هذا مقام الحمد والشكر، والله إنه نازل على قلبي من الفرح والسرور شيء لو قُسِم على أهل الشام ومصر لفضل عنهم، ولو أن معي في هذا الموضع ذهبًا وأنفقته ما أديت عشر هذه النعمة التي أنا فيها».
وخرج من باب سعادة، وركبنا في البحر إلى ذلك البر فَلقِيَنا أميرٌ يقال له بدر الدِّين طبر أمير عَشَرة مقدّم مائة، فمنعنا من السفر مع الشيخ وقال: ما معي مرسوم أن يجيء أحد مع الشيخ فقال الشيخ: «يا إبراهيم انزل إلى الشام، وقل لأصحابنا: وحق القرآن ــ ثلاث مرات ــ ما بقيت هذه المحنة تبطئ، وتنفرج قريبًا فوق ما في النفوس، ويقلب الله مملكة بيبرس أسفلها أعلاها، وليجعلنّ الله أعز من فيها أذل من فيها».
فلما رجعنا بعد أن ودَّعناه انكسر في تلك الليلة البحر، ونقص الماء، وغلا الخبز وغيره، وما بقي شيءٌ لتقى، وبقيت الناس تلعنهم ويقولون: غرَّقوا ابن تيمية في البحر، ما بقي يطلع، فطلع جماعة من أكابر إسكندرية وصلحائها التقوا الشيخ، وقعد في البرج الأخضر حتى طلع السلطان الناصر من الكرك، وهرب بيبرس من السلطنة وسيَّر بطلبه مكرَّمًا.
* * * *
стр. 155
ذيل مرآة الزمان (١)
لقطب الدِّين موسى بن محمد اليونيني الحنبلي (ت ٧٢٦)
(سنة ٦٩٩)
قال: «واجتمعوا (أي أهل دمشق) في هذا اليوم (الأحد الثاني من ربيع الثاني) بمشهد عليٍّ، واشتوروا في أمر الخروج إلى الملك محمود غازان، وأخْذِهم أمانًا لأهل البلد، فحضر من الفقهاء: قاضي القضاة وهو يومئذ خطيب الجامع بدر الدِّين بن جَماعة، والشيخ زين الدِّين الفارقي، والشيخ تقي الدِّين ابن تيمية ... » وذكر جماعة كثيرة من العلماء. ثم قال: «وجماعة كثيرة من القُرَّاء والفقهاء والعدول». (١/ ٢٥٤).
وفيها أيضًا: قال: «وكان الناس بالبلد بلغهم ما حلَّ بإخوانهم (٢)، فشقّ على الناس، وتوجّه الشيخ تقي الدِّين ابن تيمية وجماعةٌ إلى شيخ المشايخ الذي نزل بالعادلية، وشَكَوا إليه الحال، فاتفق خروجه إليهم يوم الثلاثاء وسط النهار، فأدركهم بين الظهر والعصر، فردّ عنهم، وسمع التتار بقدومه وقدوم من سار معه، فهربوا ... ».
قال: «وكان الشيخ تقي الدِّين ابن تيمية يمشي إلى من يُرْجى نفعُه أو شفاعته، فمضى إلى المعلم سليمان الهندي، وإلى شيخ المشايخ نظام الدِّين محمود بن علي الشيباني، وإلى سيف الدِّين قَبْجَق.
стр. 156
ثم إنه خرج يوم الخميس العشرين (١) من الشهر إلى مخيّم السلطان الذي يسمونه الأردو ــ وكان بِتَلّ راهط ــ فدخل عليه، ولم يمكَّن من إعلامه بما وقع، بل أُذِن له في الدّعاء له والإسراع، وقيل: إنه موجوعٌ من رجله، ومشغولُ الدماغ، وإنه إن علم بذلك لابدّ له من قتل جماعةٍ من المغل، ويحصل بذلك فتنةٌ وتَفَرقُ كلمة، وتكون الدائرة على أهل البلد وما شاكل ذلك، فاجتمع بالوزيرين سعد الدِّين ورشيد الدِّين وتحدَّث معهما، فذُكر أن جماعةً من المقدَّمين الأكابر لم يصل إليهم إلى الآن شيءٌ من مال دمشق، ولابدَّ من إرضائهم، وأُمر بإحضار جماعةٍ ممن كان أُسر، ورسم بالتفتيش على الأسرى في الجيش.
فدخل الشيخ تقي الدِّين ومن معه ليلةَ السبت إلى البلد، فلما كان في أثناء نهار السبت اشتدَّ الأمرُ بالناس، وضاق ضيقًا عظيمًا إلى غاية، وكَثُرت الأراجيف، وقيل: إن الأمر قد انتهى إلى البلد، وقد خبأ ما فيه للمغل خاصةً، وقد كتب السلطان أمانًا إلى أرْجَوَاشَ، فلم يلتفت إلى ذلك، وهم (٢) يدخلون لا محالة بسبب تلك القلعة، ويجري في البلد ما جرى في الجبل (٣)، وقيل: إنه من لم يخرج من البلد فدَمُه في عنقه، ومن أراد الخروج فليخرج إلى جبل الصالحية، والأولى أن يخرج الصُّلحاء والعلماء من البلد. فهلك الناسُ من هذا الكلام، وكان يُعزى أكثره إلى شيخ المشايخ، ثم إنه حمل حوائجه وخرج من العادِليَّة، فجَزَم الناسُ بذلك، وقالوا: لو لم يكن الخبر
стр. 157
صحيحًا لما خرج منه مسرعًا، فلما كان مساءُ النهارِ المذكور رجع ببعض حوائجه، ورجع إليه الجماعة والأعيانُ، وقالوا: إن رَسَمَ السلطان بأن يضع على البلد شيئًا معلومًا سعينا في استخراجه، ويكون مثل الشراءِ للبلد، ويمنّ علينا السلطانُ بعِتقِ المسلمين». (١/ ٢٧٢ - ٢٧٤).
وقال: «وحكى لي الشيخ الإمام علمُ الدِّين ابن البِرْزَالي، قال:
في يوم الخميس خامس وعشرين، اجتمعتُ بالشيخ تقيِّ الدِّين ابن تيمية، فذكر اجتماعه بالأمير قُطْلُو شاه (١)، قال: وذكر لي قُطْلُوشاه أنه من أولاد جنكزخان، وأنه أصفر الوجه لا شعرةَ بوجهه أيضًا، من أبناء خمسين سنة، وأنه ذكر لهم أن الله ختم الرسالة بمحمد، وأن جنكزخان جدَّه كان ملك البسيطة، وكُلُّ من خرج عن طاعته وطاعة ذريته فهو خارجي.
وذكر اجتماعه بالملك غازان وبالوزيرين سعد الدِّين ورشيد الدِّين الوزير الطبيب، والشريف قطب الدِّين ناظر الخزانة، ومكاتبه صدر الدين، وبالنجيب الكحَّال اليهودي، وبشيخ المشايخ نظام الدِّين محمود، وبأصيل الدِّين ابن النَّصير الطُّوسي ناظر الأوقاف.
وذكر أنه رأى عند قُطْلو شاه صاحبَ سيس (٢)، وهو أشقر كثُّ اللحية، ومعهم طائفةٌ قليلةٌ عليهم الذِّلَّةُ والإجرام، وذكر أن سفر قُطْلُوشاه كان ظهر
стр. 158
الثلاثاء الثالث والعشرين من الشهر، وكان اجتماعه به بسبب الأسرى يوم الأحد حادي عِشريه، وبات ليلة الاثنين بالمُنَيْبِعِ (١) هو والقاضي الحنبلي والحنفي، بسبب أنهم يمضونَ إلى القلعة في الرسالة، وذكر أنهم يكتبون في جميع كتبهم وفرامينهم: بقوة الله تعالى وميامين الملَّة المحمدية.
وذكر أنه اجتمع بواحدٍ منهم، وظهر له منه صلاةٌ وسكينةٌ، فسأله: ما السبب في خروجك وقتال المسلمين؟ فقال: أفتانا شيخُنا بتخريب الشام، وأخْذِ أموالهم لأنهم لايصلّون إلا بأُجرةٍ، ولا يتَفقَّهون إلا بأُجرةٍ، وغير ذلك، وقال: إذا فعلتم ذلك بهم يرجعون إلى الله ويتوكلون عليه!
وذكر وجيه الدِّين ابن مُنَجَّا وابن القُطَيْنةِ أنه هلك لكلٍّ منهما مئة ألفٍ وخمسون ألف درهم، وذكر الوجيه ابن مُنجَّا أن الذي حُمِلَ إلى خِزانة قازان ثلاثةُ آلاف ألف وستُّ مئة ألف درهم، سوى ما تَمَحَّقَ من التَّراسيم عليهم والبراطيل (٢) والاستخراج لغيره من الأمراءِ والوزراءِ وغير ذلك، بحيث إن الصفيَّ السِّنجاري استخرج لنفسه ما يخصُّه أكثرَ من ثمانين ألفِ درهم، وللأمير إسماعيل مئتي ألف، وللوزيرين نحو أربع مئة ألف درهم، وغيرهم، ما في الجماعة إلا من سفى وجبى. وهذا المبلغ الذي ذكرناه خارجٌ عما تَبَرْطَلوه من المصادَرِين المطلوبين، وجماعةٌ أخرى ما يمكن تعيينهم، حصل لهم بمقدارِ ما ذُكر وزيادة، نسأل الله العافية. (١/ ٢٩١ - ٢٩٤).
стр. 159
قال: وفي يوم الاثنين الثامن والعشرين من الشهر، دخلَ القلعةَ الخطيبُ بدرُ الدين، والشيخ تقي الدينِ، ومعهما نائب الأميرِ يحيى وقومٌ من جهته، وتكلم الناسُ في صلحٍ يقع بين نائبِ القلعةِ وبين نُواب قازانَ، ولم يُعْلَمْ ما جرى بينهم.
ثم استهلَّ شهرُ رجب المبارك ليلةَ الأربعاءِ، والخطيبُ بدرُ الدِّين وتقيُّ الدِّين ابن تيميَّة داخلان إلى أرْجَواشَ وقَبْجَقَ ساعيان في أمرِ الصُّلح بينهما، وتسكينِ أمرِ البلدِ، ولم يتم أمر الصلح بينهما.
وفي يوم الخميس ثاني الشهرِ، طُلب الأعيان من القضاة والعلماءِ والرؤساءِ بأوراقٍ عليها علامة قَبْجَق إلى داره، فحضر جماعة منهم، فحلفوا للدولةِ المحموديةِ بالنصحِ وعدمِ المداجاة وغير ذلك.
وفي يوم الخميس أيضًا، توجه الشيخ تقي الدِّين إلى مخيّم بولاي بسبب الأسرى واستفكاكهم، وكان معه خلقٌ من الأسرى كثيرون إلى غاية، فأقام ثلاثَ ليالٍ، وتحدث معه في أمر يزيد بن معاوية، وهل تجبُ محبتُه أو بغضُه، فقال له تقي الدين: لا نحبُّه ولا نبغضُه، فقال: (١) تجب لعنته؟ فعلم الشيخ أن عنده ولاء، فكلمه بما طابت نفسُه. فقال له: هؤلاء أهل دمشق قتلوا الحُسين، فقال له الشيخ: لم يكن من أهل الشام من حضر قتل الحُسين، والحسين قُتِل بأرض كَرْبلاء من العراق. فقال: صحيح، وكانوا بنو أُمَيَّةَ خلفاء الدنيا، وكانوا يحبون سُكنى الشام، وهذه بلاد الأنبياء والصلحاء، فسكن غيظُه عن أهل الشام، وذكر أن أصله مسلم من أهل خُراسان، وجرى بينه وبين الشيخ بحوثٌ كثيرةٌ وكلامٌ كثير. (١/ ٢٩٩ - ٣٠٠).
стр. 160
قال: وفي بُكرة يومِ الجمعةِ المذكور دار الشيخ تقي الدِّين ابن تيميَّة بدمشق على ما جُدِّدَ من الخَمَّاراتِ، فَبدَّدَ الخمور، وكسر الجرار، وشقَّ الظُّروف، وعزَّر الخمَّارين هو وجماعتُه، أثابه الله تعالى.
ولازم الناس في هذه الليالي المبيت على الأسوار، ثم أظهروا عُددًا حسنة وتجمُّلًا. وكان الشيخ تقي الدِّين وأصحابه يمشون على الناس، ويَقرأ الشيخُ عليهم سُوَر القتال وآيات الجهاد، وأحاديث الغزو والرِّباط والحَرَس، ويحثّهم (١) على ذلك ويحرِّضهم. (١/ ٣٠٢)
(سنة ٧٠٢)
قال: وفيها في جمادى الأولى وقع بيد نائب السلطنة بدمشق كتابٌ إليه، له صورة نصيحة في حقه على لسان قُطُز ــ من مماليك الأمير سيف الدِّين قَبْجَق ــ وفيه: أن الشيخ تقي الدِّين ابن تيمية والقاضي شمس الدِّين ابن الحريري يكاتبان قَبْجَق ويختارانه لنيابة المُلك، ويعملان على الأمير، وأن كمال الدِّين ابن العطار وكمال الدِّين ابن الزَّملْكاني كاتبَي الدَّرَج يطالعان بأخبار الأمير، وأن جماعةً من الأمراء معهم في هذه القضية، حتى ذكروا جماعة من مماليك الأمير وخواصّه، وأدخلوهم في ذلك، وذكروا عنهم غير ذلك.
فلما قرأ الأمير هذا الكتاب وفهمه عَرَف بطلانه، وأسرّه إلى بعض الكتّاب، وطلب التعريف بمن نقله، فاجتهدوا في ذلك، حتى وقع الخاطر والحَدْسُ على
стр. 161
فقير يُعرف باليَعْفوري، ممن كان قد نُسب قبل ذلك إلى فضول وتزوير، فمُسِك، فوُجِد معه مسوّدة بالكتاب المذكور بعينه، فضُرب فأقرّ على شخصٍ آخر يعرف بأحمد القُبّاري، كان أيضًا قد نُسِب إليه زور ودخولٌ فيما لا يعنيه، فضُرب الآخر، فاعترف وعيَّن جماعةً من الأكابر كانوا هم الحاملين لهما على ذلك، وكان قصدهم تشويش خاطر الأمير من خواصِّه والسعي إلى هلاك المذكورين في الكتاب، فانجلت القضيةُ للأمير وعرف الأمرَ فيها معرفة شافية، وتُركوا في الحبس.
فلما كان يوم الاثنين مستهلّ جمادى الآخرة بُكْرة النهار أخذوا المذكورين والكاتب، وطيف بهم بدمشق ونُودي عليهم: هذا جزاء من يتكلم فيما لا يعنيه ويفتري على الأكابر. وعقيب ذلك وصلوا بهم إلى سوق الخيل، وَوُسِّطَ (١) منهم اثنان وهما الفقيران: اليعفوري وأحمد القُبّاري، وعُلقا على الخشب. والثالث وهو التاج الناسخ ابن المناديلي قُطعت يمينه وحُمل على البيمارستان. (٢/ ٦٨٤ - ٦٨٥)
قال: ثم إن الجيش الذي كان قد اجتمع بحماة من عسكرها وعسكر حلب وعسكر الحصون تأخر إلى حمص، وخرج معهم جماعة كبيرة من حماة، وتركوا أهاليهم وأموالهم، وحصلت لهم مشقة كبيرة، وشدة عظيمة، ووصلوا إلى حمص فلم يروا المقام بها خوفًا من أن يدهمهم العدو المخذول، فتأخروا عن حمص، فلم يروا منزلةً تليق بهم بالجيش، فوصلوا إلى المَرْج يوم الأحد الخامس والعشرين من الشهر، وذكروا أن التتار جاوزوا حمص إلى
стр. 162
قارا، ثم رجعوا إلى حمص، وذكروا أن طائفةً منهم وصلت بعلبك ثم رجعت، وذلك على طريق الغارة والعبث والفساد، وأصبح الناس يوم الأحد المذكور في أمر عظيم لقرب العدو، وتأخر السلطان وجمهور الجيش، فشرعوا وتحركوا في الجَفْل، وذكروا أن هذا الجيش الذي قد اجتمع بالمرج ودمشق ليس لهم طاقة بلقائه، هذا وإنما سبيلهم أن يتأخروا عنهم مرحلتين، واحتيط البلد، فلما تعالى النهارُ اجتمع الأمراء بالميدان، وتحالفوا على لقائهم، وشجعوا أنفسهم، ونوديَ في البلد: أن لا يجفل أحد، ولا يسافر أحد، فسكنَ الناسُ، وجلس القضاة بالجامع وحلَّفوا جماعةً من الفقهاء والعامة على حضور الغزاة، وتوجه الشيخ تقي الدِّين ابن تيمية إلى جهة العسكر الواصل من حماة، فأدركه بالقُطَيفة (١) والمَرْج، فاجتمع بهم وأعلمهم بما اتفق عليه رأي الأمراء بدمشق، فوافقوا على ذلك.
وفي يوم الأربعاء الثامن والعشرين من شهر شعبان اختبط الناس كثيرًا، وجَفَل جميع القرى والحواضر، واعتكر الناسُ بأبواب دمشق، ودخل كثير من الناس إلى القلعة، وامتلأت المنازل والطرق، وحصل التنازع في ذلك، وتشوَّشت القلوب بسبب أنَّ جماعةً من الجيش توجهوا إلى الكُسْوة (٢) وناحيتها، فتكلّم الناسُ في أن هؤلاء يريدون اللحاق بالسلطان وبقية الجيش، وهذا يقتضي ترك الكسوة، يقولون: ليس ثَمَّ شيء بالكلية ويتعجّبون لما فعل الله
стр. 163
بهذا الجيش وأزاله في لحظة، [وتركوا] (١) البلدَ [ومن فيه وراء ظهورهم]، وانزعج الناس لذلك. ومن الناس من ذكر أن القصد أن يرتادوا موضعًا للوقعة يكون أصلح من المَرْج، فإن فيه خضرًا ومياهًا كثيرة، والله أعلم بحقيقة الحال.
وذكروا أن التتار قرّبوا حتى وصل منهم طائفة إلى القُطَيفة، ومنهم من يقول: تُرك الجيش بأسره على الجسور قبلي دمشق، فسكن الناس بين الظهر والعصر، فلما كان بعد العصر شرع الناس يتحدثون في رحيلهم من هناك، فمن الناس من يقول: قد شرع المصريون في الرحيل والشاميون يتبعونهم بلا شك، واضطرب الناس، وكان الشيخ تقي الدِّين في البلد، وأما القضاة فكانوا قد خرجوا مع الجيش.
وبات الناس ليلة الخميس، وفي أول الليل رأى الناس نيرانهم وخيمهم، وفي آخره لم يروا لهم أثرًا، فأصبح الناسُ بكرةَ يوم الخميس، وقد اشتدَّ الأمرُ واضطربَ البلدُ، وغُلِّقت الأبواب، وازدحم الناس في القلعة، وهرب من قدر منهم، ومنهم من عجز، وخرج الشيخ تقي الدِّين بُكرةً إلى جهتهم، ففُتِح له باب النصر بمشقَّة، وحصل له لومٌ كثير من الناس، لكونه كان من مواقع الجفل، وبقي البلد لا متولي فيه والناس رَعاع، وغلا السِّعر، ثم انحصر الناس فلا يجسر أحدٌ على الخروج إلى بستانه ولا مزرعته ولا داره، وخرجت الشلوح واللصوص إلى البساتين يقطفون المشمش قبل أوانه، وكذلك الباقلاء والقمح والشعير في السنبل، والخسّ والثوم والبصل وغير ذلك من الزرعات، والناس في حيرة، وحيل بينهم وبين خبر المسلمين، وانقطعت الطريق من دمشق إلى
стр. 164
الكسوة في ساعة واحدة، فيرجع هذا وهو مجروح، وهذا وهو مُشَلَّح، وظهرت الوَحْشة على البلد والحواضر وجميع الحواضر أُخليت، وليس للناس غير الصعود في مآذن الجامع ينظرون كذا وكذا، فتارة يقولون: رأينا سوادًا وغبرة من جهة المرج، فيخاف الناس ويجزمون بأن التتار قد أحاطت بهم، وينظرون إلى جهة الكسوة يقولون: ليس ثَمَّ شيء بالكلية، ويتعجبون لما فعل الله بهذا الجيش وأزاله في لحظة (١) مع الكثرة وجَودة العُدَد والسلاح والثياب والهيئات، ثم يقولون: ليس لهم من يجمعهم على أمر واحد، فلهذا حصل فيه الفشل والجبن والتخاذل، فإنا لله وإنا إليه راجعون. (٢/ ٦٨٩ - ٦٩١)
قال: فلما كان بعد الظهر قُرئ كتاب السلطان إلى متولي القلعة يخبر فيه باجتماع الجيش ظهر السبت بشَقْحَب، وبعد العصر قُرئت بطاقة من نائب السلطنة الأمير جمال الدِّين آقوش الأفرم فيها تصريح بالمقصود أكثر من الكتاب السلطاني مضمونها: أن الوقعة كانت منذ عصر السبت إلى الساعة الثانية من يوم الأحد، وأن السيف كان يعمل في رقابهم ليلًا ونهارًا، وأنهم هربوا وركنوا إلى الفرار، ومنهم من اعتصم بالهضائب والتلال، وأنه لا يفلت منهم أحدٌ إلا القليل، فأمسوا الناس وقد استقرَّت خواطرهم، واستبشروا بهذا الأمر العظيم والنصر المبارك، ودقَّت البشائر بالقلعة من أول النهار المذكور، وبعد الظهر نُودي بالقلعة بإخراج مَنْ دخلها من الجُفَّال لأجل نزول السلطان بها.
فشرع الناس في نقل أمتعتهم وحوائجهم، ووقع أيضًا بين الظهر والعصر مطر عظيم غزير، ويوم الاثنين رابِعِه وصل الشيخُ تقي الدِّين ابن تيمية
стр. 165
وأصحابه بكرة النهار والناس يُهنّئونهم ويصافحونهم، وخرج خلق وجمع كثير من البلد إلى مكان الوقعة لأجل الفُرْجة والعيان والمكاسب، ووصل نائب الشام والعسكر الشامي معه وتوجهوا إلى جهة المرج، ونودي: أن لا يبيت بالبلد منهم أحد، ومن بات شُنِق وسبب ذلك الإسراع خلف المنهزمين، ونودي: من أراد الكسب والغزاة فليخرج إلى الثنية فإن هناك طائفة منهم. (٢/ ٦٩٥ - ٦٩٦)
قال: وفيها (سنة ٧٠٢)، توفي الشيخ المحدِّث الفقيه نجم الدِّين موسى بن إبراهيم بن يحيى الشَّقْراوي الحنبلي بقاسيون ودفن به من الغد، وكان فاضلًا، سمع على الحافظ ضياء الدين، وعلى جماعة كثيرة، واشتغل كثيرًا بالفضائل، وله نظم حسن، فمنه ما مدح به شيخَنا العلامة تقيَّ الدِّين أبا العباس أحمد ابن تيمية الحراني، رحمه الله تعالى قوله:
إن بَني المجد (١) أهلُ بيتٍ ... لله في بيتهم عنايه
ما زال في بيتهم إمامٌ ... يقول بالعدل في الولايه
فأحمدٌ أحمدٌ مقامًا ... في العلم والفضل والدِّرايه
فخذ علوم الحديث نصًّا (٢) ... تُسْنَد بالنقل والروايه
فهو إمامٌ لكل فضلٍ ... يحوطه الله بالكلايه
(٢/ ٧٣٤ - ٧٣٥)
стр. 166
(سنة ٧٠٣)
قال: فلما كان بكرة الاثنين ثاني عشري الشهر، وصل صدر الدين (١) على البريد إلى دمشق، وتلقَّاه جماعة، وحضر عند نائب السلطنة بالقصر، وانفصل عنه قاصدًا للجامع المعمور عَقيبَ الظهر، ففُتِح له باب دار الخطابة، فدخلها، وحضر المهنئون والمؤذنون والقراء والناس على اختلاف طبقاتهم، فلما حضرت (٢)
العصر صلى بالناس بالمقصورة، وعلم من قوَّة نفسه وهمَّته أنه لا يترك شيئًا من المناصب التي وليها والتي كان مباشرها، وأنه يستعيد الشامية الجُوَّانية من كمال الدِّين ابن الزَّمَلْكاني، والعذراوية من القاضي جلال الدين، واختلف الناس في أمره، فطائفة تختاره، وطائفة ما تختاره، وبقوا حزبين، فاتفق رأي جماعةٍ على القيام عليه مع الشيخ تقيّ الدِّين ابن تيمية، فاجتمع بالكَلَّاسة بعد الظهر يوم الأربعاء رابع عِشْري الشهر، كانوا خلقًا كثيرًا، وتوجهوا إلى القصر الأبلق إلى نائب السلطنة، وكان منهم قاضي القضاة نجم الدِّين ابن صَصْرَى، وابن الحريري، وكمال الدِّين [ابن] الشريشي، والقاضي جلال الدِّين القَزْويني، والشيخ محمد بن قوام، والشيخ علي الكردي، وعلاء الدِّين ابن العطار، وتقي الدِّين ابن تيمية، وجماعة من الفقهاء والفقراء وعامة التجار والناس خلقًا كثيرًا، وكل واحد منهم معروف بالصلاح والهمة وقوة النفس، فلما حضروا عند نائب السلطنة أكرمهم، وعظّم شأنهم، وأجابهم إلى ما سألوه من مراجعة السلطان في هذه التولية، وإعلامه أنها وقعت غير الموقع، ومُنِع صدر الدِّين
стр. 167
من الإمامة والخطابة إلى أن يصل الجواب السلطاني بما يعتمده المسلمون.
وأمرَ أن تُكْتَب الكتبُ بذلك، ورَسَم أن يستمرّ في الوظيفة نائبًا للشيخ زين الدِّين على ما كان عليه، فشرع الشيخ أبو بكر الجزري في الإمامة عشاء الآخرة ليلة الخميس، والخطابة القاضي تاج الدِّين [الجَعْبري]، وكانت قد هُيئت الخِلْعَة للخطيب، فحُمِلت ليلة الخميس إلى نائب السَّلْطنة، وتحدَّث الناس مع نائب السلطنة في أمر صدر الدِّين المذكور في سؤاله بإمضاء ما بتوقيعه من المدارس فيها، وذلك بكرة الأحد الثامن والعشرين من الشهر، وهي المدرسة الشامية البرّانية، والشامية الجُوَّانية، ودار الحديث، والعذراوية.
فلما كان يوم الحادي والعشرين من ربيع الآخر وصل البريد ومعه الأجوبة من السلطان بما يعتمدون في أمره حُكْم الشرع الشريف، وأن المسلمين إذا لم يختاروه للخطابة والإمامة فلا يولَّى عليهم، بل يتفقون على من يرونه أهلًا لذلك فيكون هو المُولَّى، وأمْر دار الحديث والشامية يُتْبَع فيه حكم شرط الواقف ولا يُعدل عنه، وفي الكتب: وأننا لا نولِّي إلا لمن هو معدود في المقرّبين وفي العلماء وفيه الأوصاف الجميلة. (٢/ ٧٦٤ - ٧٦٦).
(سنة ٧٠٤)
قال: وفيها في يوم الاثنين سادس عِشْري شهر رجب حضر الشيخ تقي الدِّين ابن تيمية وجماعته بمسجد النارنج جوار المصلى، وحضر معهم من الحَجَّارين، وقطعوا الصخرة التي يزورونها، وذكروا أنها (١) كانت سبب
стр. 168
بنيان المسجد ومجيء النذور، وكان للناس فيها [اعتقادات] (١) كثيرة. (٢/ ٨١٤)
قال: وفيها، في ذي الحجة، توجه الشيخ تقي الدِّين ابن تيمية إلى الجبليَّة (٢)، وصُحْبتَه الأميرُ بهاء الدِّين قراقوش. وهم الجرديون والكسروانيون، بسبب الإصلاح، وأن يحضروا إلى الطاعة، وكان قبل سفر الشيخ تقي الدِّين قد توجّه السيد الشريف زين الدِّين ابن عدنان إليهم، فغاب أيامًا وعاد ولم يحصل اتفاق، فعند ذلك جُرّدت العساكر، وجُمعت الرجال من جميع بلاد الشام، ولم تزل تَرِد الجُموع من كل ناحية إلى سَلْخ الشهر، كما سيأتي ذكره في مستهل سنة خمس وسبع مائة إن شاء الله تعالى. (٢/ ٨١٨ - ٨١٩)
(سنة ٧٠٥)
قال: فلما كان مستهلّ رجب أمروا الناسَ بالصوم لأجل الاستسقاء، وخرج الناسُ يوم الخميس ثالث الشهر إلى ميدان المِزَّة، وحُمِل إلى هناك المنبر، وخرج نائب السلطنة وجميع الأمراء والقضاة والعلماء والفقهاء والقُراء والصوفية وعامة الناس مشاةً إلى هناك على الهيئة المشروعة. وخطب الخطيب شرف الدِّين [الفزاري] خطبةً حسنة، وزادها حُسْنًا بإيراده وفصاحته وإعرابه، وكان جمعًا عظيمًا.
стр. 169
واصطلح عَقيب الاستسقاء تقيُّ الدِّين ابن تيمية وصدر الدِّين ابن الوكيل، تلاقيا وتسالما وتعاتبا معاتبة لطيفة (١). (٢/ ٨٤٥)
قال: وفي يوم الاثنين ثامن رجب طُلِب القضاة والفقهاء، ومن جُمْلتهم الشيخ تقي الدِّين ابن تيمية إلى حضرة نائب السلطنة بالقصر الأبلق، فلما اجتمعوا عنده سأل تقيَّ الدِّين عن (٢) التعيين عن عقيدته، فأملى شيئًا منها، ثم أحضر «عقيدته الواسطية»، وقُرِئت في المجلس وبُحِثَ فيها، وبقي مواضع أخرى إلى مجلس آخر.
ثم اجتمعوا يوم الجمعة ثاني عشر رجب الفرد، وحضر المجلس أيضًا الشيخ صفيُّ الدِّين الهندي، وبحثوا معه وسألوه عن مواضع خارج العقيدة، وجعلوا الشيخَ صفيَّ الدِّين يتكلم معه، ثم رجعوا عنه، واتفقوا على الشيخ كمال الدِّين ابن الزَّمَلْكاني يُحاقِقُه، ويبحث معه من غير مسامحة ورضوا بذلك، وانفصل الأمر فيما بينهم أنه أشْهَد تقيُّ الدِّين على نفسه الحاضرين أنه شافعي المذهب يعتقد ما يعتقده الإمام الشافعي ﵁، فرُضِيَ منه بهذا القول، وانصرف كلٌّ منهم إلى منزله، وبعد ذلك حصل من أصحاب الشيخ تقي الدِّين ابن تيمية كلام هذياني وقالوا: ظهر الحق مع شيخنا تقيّ الدين، فأحضروا أحدًا منهم إلى القاضي جلال الدِّين الشافعي إلى العادلية فصُفِعَ وأُمِر بتعزيره، فشُفِعَ فيه، وكذا فعل الحنفي باثنين آخرين.
стр. 170
فلما كان يوم الاثنين ثاني عِشْري رجب الفرد قرأ الجمال المِزِّي المحدِّث فصلًا في الرد على الجهمية من كتاب «أفعال العباد» من تصنيف البخاري، قرأ ذلك تحت النسر (١) في المجلس العام المعقود لقراءة «البخاري»، فغضب بعض الفقهاء الحاضرين وقال: نحن المقصودون بهذا التكفير، وسَعَوا به إلى قاضي القضاة نجم الدِّين ابن صَصْرَى الشافعي، فطلبه ورَسَم بحبسه، فبلغ تقي الدِّين ابن تيمية، فقام وأصحابه خلفه إلى الحبس وأخرجوه منه، فطلع قاضي القضاة إلى عند ملك الأمراء، وطلعَ أيضًا تقيّ الدين، فالتقيا هو والقاضي نجم الدين، واشتطَّ تقي الدِّين على القاضي نجم الدين، [وذكر نائبه] جلال الدين، وأنه آذى أصحابه بسبب غيبة نائب السلطان في الصيد، وجرى أمور يطول شرحها، فعند ذلك رسم نائب السلطنة الأمير جمال الدِّين الأفرم أن ينادى بدمشق بظاهرها بمرسوم سلطاني: من تكلم في العقائد حلَّ ماله ودمه ونُهِبت داره، وكان قصد نائب السلطنة تسكين الفتنة.
فلما كان يوم الثلاثاء سَلْخ رجب جمعوا القضاة والفقهاء، وعُمِل مجلس آخر بالميدان بحضور نائب السلطنة، وتباحثوا في أمر العقيدة كثيرًا، فجرى من صدر الدِّين ابن الوكيل كلام في معنى الحروف وغيره، فأنكر عليه ابن الزَّمَلكاني، فقال كمال الدِّين لقاضي القضاة نجم الدِّين ابن صَصْرَى: ما سمعت ما قال؟ فكأنه تغافل حتى تنكسر الفتنة، فقال كمال الدين: ما جرى على الشافعية قليل كونك تكون رئيسهم إشارة إلى ما ادعاه على صدر الدين، فاعتقد قاضي القضاة نجم الدِّين أن الكلام له، فقال: اشهدوا عليّ
стр. 171
أنني عزلت نفسي، وقام من المجلس، فلحقه الأمير ركن الدِّين بيبرس العلائي، وعلاء الدِّين أيدُغْدي شقير، وأعادوه إلى المجلس، وجرى كلام كثير في ذلك.
وبعد ذلك ولَّاه الأمراء الحكم، وحكم القاضي الحنفي بصحة الولاية، وأنفذها المالكي وقبل الولاية بحضور ملك الأمراء، فلما نزل إلى داره لاموه [أصحابه، وخشي على نفسه ورأى أن الولاية لا تصح]، فطلع إلى تربتهم بسفح قاسيون وأقام بها وصَمَّم على العزل، وبقي الأمر متوقفًا، فلما كان بعد أيام رسم ملك الأمراء لنوابه بالمباشرة إلى حيث يرد جواب السلطان.
فأما القاضي جلال الدِّين فباشر، وأما تاج الدِّين الجَعْبري فلم يباشر الحكم، فلما كان ثامن عِشْري شعبان وصل بريديٌّ من مصر وعلى يده كتابان: كتاب لملك الأمراء، وكتاب لقاضي القضاة بعوده إلى ولايته ويقولون في الكتاب:
فرِحْنا باجتماع رأي العلماء على عقيدة الشيخ، فباشر القاضي يوم الخميس مستهل رمضان، وسكنت القضية.
فلما كان يوم الاثنين خامس رمضان وصل من السلطان بريديٌّ يُعرف بالعُمَري إلى دمشق بطلب قاضي القضاة نجم الدِّين ابن صَصْرَى وتقي الدِّين ابن تيمية، ويقولون: تُعرِّفوننا مما وقع في زمن جاغان سنة ثمان وتسعين وست ومئة بسبب عقيدة ابن تيمية وفيه إنكار عليه، وأن تكتبوا لهم صورة العقيدتين الأولى والأخيرة، فطلبوا القاضي جلال الدِّين الحنفي وسألوه عما جرى في أيامه. فقال: نُقِل عنه كلام قاله فطلبناه فأجاب عنه،
стр. 172
وكذلك القاضي جلال الدِّين القزويني، فإنه أحضر العقيدة التي كانت قد أُحضرت في زمان أخيه (١)، وجرى ما تقدم ذكره، وتحدَّثوا مع ملك الأمراء في أن يكاتب في أمرهم فأجاب.
فلما كان يوم السبت عاشر رمضان، وصل غلام ملك الأمراء على البريد من مصر، وأخبرَ أنَّ الطلب على ابن تيمية كثير، وأنَّ القاضي (٢) قد قام في قضيته قيامًا عظيمًا، وأن الأمير ركن الدِّين الجاشنكير معه في هذا الأمر، ونقل أشياءَ كثيرة عن الحنابلة قد وقعت بالديار المصرية، وأن بعضهم قد عُزِّروا، وأن القاضي الحنبلي والمالكي جرى بينهما كلام، فلما سمع ملكُ الأمراء كلامَه انحلَّت عزائمه عن المكاتبة بسببهم، وحضر البريديُّ العُمَري، وقال له: إما أن تسيّرهما معي، وإما أن تكتب جواب المطالعة، فلما كان بكرة يوم الأحد حادي عشر شهر رمضان حضر شمس الدِّين محمد المَهْمَندار إلى تقي الدِّين ابن تيمية وقال له: قد رسم ملك الأمراء أن تسافر غدًا أنت والقاضي، فأجاب بالسمع والطاعة، وراح إلى القاضي وعرّفه، وشرعوا في تجهيز أشغالهما، وسافروا في يوم الاثنين ثاني عشر شهر رمضان، فسافر القاضي خامسة النهار، وتقي الدِّين الثامنة، وفي صحبته أخواه: الشيخ شرف الدِّين عبد الله، وزين الدِّين عبد الرحمن، ومن أصحابه: شرف الدِّين ابن منجّا، وتقيّ الدِّين [أبو حفص بن] شُقَير، وفخر الدِّين وعلاء الدِّين أولاد الصائغ، وشمس الدِّين التّدْمري وغيرهم.
стр. 173
وفي يوم الجمعة سابع شوال وصل البريد إلى دمشق وأخبر بوصول القاضي نجم الدِّين وتقي الدِّين إلى القاهرة يوم الخميس ثاني عشري رمضان.
وفي يوم الجمعة ثالث عِشْريّه (١) عُقِد له مجلس في دار نائب السلطنة بقلعة القاهر، حَضَره القضاة والعلماء والفقهاء والأمراء والأمير ركن الدِّين الجاشنكير عقيب صلاة الجمعة.
فتكلَّم القاضي شمس الدِّين ابن عدلان (٢) الشافعي وادعى دعوة شرعيَّة على تقي الدِّين ابن تيمية.
فحمد الله تعالى، وأراد أن يتكلم في ذلك، وأن يُدْخِل أمرَ العقيدة في عقيب وعظه.
فقيل له: قد ادّعي عليك بدعوى شرعية أجب عنها.
فأراد أن يعيد التحمُّدات، وأن يذكر الأدلة والحجج، فما مُكِّن، وقيل له: أجب، فتوقف، فأُلِحَّ عليه، وكُرِّر عليه القول مرارًا عديدة.
فقال لهم: عند من هي الدعوى؟
قيل له: عند قاضي القضاة زين الدِّين المالكي.
стр. 174
فقال: هو عدوِّي وعدوّ [مذهبي]. وأظنه أساء القول على الحاكم (١) .... فطال الأمر، ولم يزدهم على هذا القول .... (٢)
فعند ذلك حكم القاضي المالكي بسحبه (٣) من المجلس، ورَسَم بحبسه وحبس أخويه شرف الدِّين وزين الدِّين معه، فحبسوهم في برج من أبراج القلعة، فقيل: دخل عليهم بعض غلمان الأمراء ومعه حلاوة، وتردَّد إليه جماعةٌ من الأمراء، فبلغ القاضي، فطلع واجتمع بالأمراء في أمره، وقال: يجب عليه التضييق إذا لم يقبل، وإلا فقد ثبت كفره ووجب قتله، فنقلوه وأخويه إلى الجبِّ بقلعة الجبل ليلة عيد الفطر.
وبعد قيام تقي الدِّين ابن تيمية من المجلس المذكور تكلَّم قاضي القضاة بدر الدِّين ابن جَماعة في مسألة القرآن المجيد وشيء من عقيدة الإمام الشافعي ﵁، فقيل لقاضي القضاة شمس الدِّين الحنفي السروجي: ما تقول في ذلك؟ فقال: كذا أقول وأعتقد، فقالوا بعده لقاضي القضاة شرف الدِّين الحنبلي: ماذا تقول؟ فتلَجْلَج، فقال له الشيخ شمس الدِّين القروي المالكي: جدِّد إسلامك وإلا ألحقوك به، أنا أحبك وأنصحك، فخجل فلقَّنه قاضي القضاة بدر الدِّين ابن جماعة ما يقول، فقال الذي لقنه، وانفصل المجلس.
стр. 175
ووصل كتابٌ للشيخ علاء الدِّين القونوي إلى القاضي جلال الدِّين القزويني يخبر بذلك، وورد عقيب ذلك كتاب من فخر الدِّين المعايكي إلى الشيخ كمال الدِّين ابن الزَّمَلْكاني بذلك، ويخبر أن السلطان رسم بعزل جماعة من متولي دمشق يأتي ذكرهم. (٢/ ٨٤٦ - ٨٥٣)
وقال: وكان قاضي القضاة عرض الكتب (١) على ملك الأمراء، فرسم بقراءتها، وكانوا قد بيَّتوا على جَمْع (٢) الحنابلة، وجمعوهم في مقصورة الخطابة بالجامع، وبعد الصلاة حضروا القضاة ومعهم الأمير ركن الدِّين العلائي إلى المقصورة، فقُرِئ تقليد القاضي نجم الدِّين باستمراره على القضاء، وقضاء العسكر، ونظر الأوقاف وزيادة المعلوم.
وقرئ بعده الكتاب الذي يتعلق بمخالفة تقي الدِّين ابن تيمية في عقيدته وإلزام القضاة خصوصًا الحنابلة، وفيه الوعيد الشديد والعزل من المناصب والحبس وأخذ المال والروح.
وبعض نُسْخةِ الكتاب:
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي تنزَّه عن الشبيه والنظير، وتعالى عن المثيل، فقال : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ [الشورى: ١١]، نحمده على أن ألهمنا العمل بالسنة والكتاب، ودفع في أيامنا أسبابَ الشكّ والارتياب،
стр. 176
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةَ مَنْ يرجو بإخلاصه حُسن العُقبى والمصير، وينزِّه خالقه عن التحيّز في جهة لقوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤].
ونشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، الذي نَهَج سبيل النجاة لمن سلك طريق مرضاته، وأمر بالتفكّر في آلاء الله، ونهى عن التفكّر في ذاته، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين علا بهم منار الإيمان وارتفع، وشيّد بهم من قواعد الدِّين الحنيفي ما شرع، وأخمد بهم كلمة من حاد عن الحق ومال إلى البدع، وبعد:
فإن العقائد الشرعية، وقواعد الإسلام المرعية، وأركان الإيمان العليّة، ومذاهب الدِّين المرضية، هي الأساس الذي يُبنى عليه، والموئل (١) الذي يرجع كلُّ أحد إليه، والطريق التي من سلكها فقد فاز فوزًا عظيمًا، ومن زاغ عنها فقد استوجب عذابًا أليمًا، فلهذا يجب أن تنفذ أحكامها، ويؤكد دوامها، وتُصان عقائد هذه الأمة عن الاختلاف).
وكلام كثير من هذا النوع وأشباهه، وقُرئ تقليد الخطيب بعده، وأحضروا بعد القراءة الحنابلةَ إلى عند قاضي القضاة المالكي، وبحضور رفاقه القضاة الشافعي والحنفي وتقي الدِّين الحنبلي، وسئلوا عما يعتقدونه، فقالوا: نحن نعتقد ما يعتقده الإمام الشافعي محمد بن إدريس ﵁، وهو قوله: آمنت بالله وما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله وما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله، وقال كل واحدٍ منهم هذه المقالة، ثم
стр. 177
نهضوا القضاة، فراح الحنبليُّ إلى المنارة الغربية، والمالكي إلى بيته، والشافعي إلى القاضي شمس الدِّين الحريري يتغمّم له بسبب عزله، وذكروا عنه ــ والله أعلم ــ أنه هو سعى في عزله، وشمس الدِّين الحنفي الأذرعي جلس للحكم في مشهد ابن عروة، وهنؤوه الناس بالخِلْعَة. (٢/ ٨٥٥ - ٨٥٧)
قال: ذكر الأسباب الموجبة لفتنة الشيخ تقي الدِّين والحنابلة
اتفق أن بعضَ أصحابه جاب له في سنة ثلاث وسبع مئة ... (١) كل طائفة على مذهبهم.
وفيه أيضًا: أن جميع من في الديار المصرية من قاضٍ وشيخ وفقير وعالم وعامّي وجاهل مُحِطّون على الشيخ تقي الدِّين الحنبلي ما خلا القاضي شمس الدِّين الحنفي فإنه متعصِّب له، وقاضي القضاة بدر الدِّين ابن جماعة ساكت، وما عداهما مطلقون الألسنة في حقِّه.
وحاصل الأمر أنه جرى بالقاهرة في حقِّ الحنابلة من الأذى والإهانة والتنكيل أمر كبير قبل طلب الشيخ تقي الدِّين وبعد وصوله وحبسه، وأُلزموا جميعهم بالرجوع عن العقيدة، وأُكرهوا أن يقولوا: القرآن هو المعنى القائم بالنفس، وأن ما في المصحف عبارة عنه، وأن ما هو موجود في المصاحف ومحفوظ في الصدور ومقروء بالألسنة مخلوق، وأن القديم هو القائم بالنفس، وأُلزموا بنفي مسألة العلو والتصريح بذلك، وأن (٢) جميع ما ورد من أحاديث الصفات لا يُجْرى على ظاهرها بوجه من الوجوه، وحُكم عليهم إن
стр. 178
لم يقولوا بذلك بالتجسيم، وجرى في حقّهم أذى كثير، وكان قاضيهم شرف الدِّين قليل البضاعة في العلم، فلم يَدْرِ ما يجيب به وتلكَّأ، وأخبروه رفقته الثلاثة أن هذا الذي يُدعى إليه ويُلْزَم به هو الصحيح، فأجاب إلى موافقتهم.
ثم هو ألزمَ جماعةً من أصحابه هذه المقالة وأخذ خطوطَهم.
وكان من تكلم في أمر العقيدة القاضي زين الدِّين المالكي انتصارًا للشيخ نَصْر المَنْبجي، ونكاية في حق رفيقيه شرف الدِّين الحنبلي وشيخ مالكي يعرف بشرف الدِّين القَروي، وساعدهما جماعة من الشافعية وغيرهم. وكانوا قد اتفقوا مع الأمير ركن الدِّين بيبرس المنصوري المعروف بالعُثماني والمتصرفين في الدولة على توهين هذه المقالة التي يعتقدها الحنابلة، وأنها بدعة، وقرروا ذلك معه، بحيث قام ينصرهم أتم قيام، ولم يُمكِنْ أحدًا معارضتُه ولا القيام بما يخالفه، فتم بأن قام في ذلك ما قصده.
وقرأت في بعض ما ورد من الكتاب أنه جرى على الحنابلة ما يعجزُ الإنسان أن يعبّر عنه، وفي بعضه: «ولقد تم على الطائفة الحنبلية شيء لم يجر مثلُه». (٢/ ٨٥٩ - ٨٦٠)
قال: وفيها في آخر يوم من شهر رمضان ليلة العيد أحضر الأمير سيف الدِّين سلّار بطبقته بقلعة القاهرة القضاةَ الثلاثةَ الشافعيّ والمالكي والحنفي، ومن الفقهاء: الباجي والجزري والنّمْراوي، وتكلم في إخراج تقي الدِّين ابن تيمية، فاتفقوا على أنه يُشْترط عليه أمور ويُلْزَم بالرجوع عن بعض العقيدة، فأرسلوا إليه من يُحضره ليتكلموا معه في ذلك، فلم يُجِب إلى الحضور، وتكرر الرسول إليه في ذلك ستّ مرات، وصمَّم على عدم الحضور في هذا الوقت،
стр. 179
فطال عليهم المجلس، وانصرفوا عن غير شيء.
وفي ثامن عِشْري ذي الحجة، أخبر نائب السلطنة بدمشق بوصول كتاب من ابن تيمية، وأعْلَم بذلك جماعةً ممن حضر مجلسه، ثم أثنى عليه وقال: ما رأيت مثله، ولا أشجع منه، وذكر ما هو عليه في السجن من التوجّه إلى الله تعالى، وأنه لم يقبل شيئًا من الكُسوة السلطانية ولا من الإدرارات السلطانية، ولا تدنَّس بشيء من ذلك.
وفيها، في يوم الخميس سابع عِشْري ذي الحجة طُلِبَ أخوا الشيخ تقي الدين، وهما شرف الدِّين عبد الله، وزين الدِّين عبد الرحمن إلى مجلس نائب السلطنة الأمير سيف الدِّين سلَّار، وحضر قاضي القضاة زين الدِّين المالكي وجرى بينهم كلام كثير، وأعيدا إلى مواضعهما بعد أن بحث شرف الدِّين مع القاضي وظهر عليه في النقل والمعرفة وخَطَّأه في مواضع ادَّعَى فيها الإجماع.
وفي يوم الجمعة التالي لليوم الأول، أُحْضر شرف الدِّين وحده وحضر القاضي شمس الدِّين ابن عدلان في مجلس نائب السلطنة سيف الدِّين سلار وتكلم معه، فظهر عليه ولكن ليس له مساعد، وقيل: إنه ظهر من نائب السلطنة تعصُّب على الشيخ وإخوته، والله أعلم. (٢/ ١١٢٥ - ١١٢٧).
(سنة ٧٠٦)
قال: وفيها في أوائل شهر ربيع الأول وصل الأمير حسام الدِّين مهنّا ابن الأمير شرف الدِّين عيسى بن مهنّا إلى دمشق، وتوجَّه إلى القاهرة، فوصلها في تاسع عشر الشهر، واجتمع بالسلطان فأكرمه وخلع عليه وزاد في إكرامه، وخاطب السلطان في أمر الشيخ تقي الدِّين ابن تيمية، فأجاب سؤاله فيه،
стр. 180
وحضر بنفسه إلى باب السجن إلى الشيخ تقي الدين، فأخرجه يوم الجمعة الثالث والعشرين من ربيع الأول إلى دار الأمير سيف الدِّين سلَّار بالقلعة، وحضره بعض الفقهاء، وحصل بينهم بحثٌ كثير، وفَوَّتت (١) صلاةُ الجمعة بينهم، ثم اجتمعوا إلى المغرب ولم ينفصل الأمر، ثم اجتمعوا بمرسوم السلطان يوم الأحد الخامس والعشرين من الشهر مجموع النهار، وحضر جماعة أكثر من الأولين، وحضر الشيخ نجم الدِّين ابن الرِّفْعَة، وعلاء الدِّين الباجي، وفخر الدِّين ابن بنت أبي سعد، وشمس الدِّين الجزري الخطيب، وعز الدِّين النّمْراوي، وشمس الدِّين ابن عدلان، وصهر المالكي، وجماعة من الفقهاء، ولم يحضر القضاة، وطُلِبوا واعتذروا أنفسهم (٢) بالمرض، وبعضهم تَبِعَ أصحابَه، وقَبِلَ عذرهم نائب السلطنة ولم يكلِّفهم الحضور بعد أن رسم السلطان بحضورهم، وانفصل المجلس عن خير. وبات الشيخ تقيّ الدِّين عند نائب السلطنة.
وكتب كتابًا بيده إلى دمشق بكرة الاثنين سادس عِشْري الشهر يتضمن خروجه في خير وعزّ، وأنه أقام بدار ابن شُقَير بالقاهرة، وأنّ الأمير سيف الدِّين سلّارًا رَسَم بتأخره عن الأمير حسام الدِّين مُهنَّا أيامًا (٣)،