ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةَ مَنْ يرجو بإخلاصه حُسن العُقبى والمصير، وينزِّه خالقه عن التحيّز في جهة لقوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤].
ونشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، الذي نَهَج سبيل النجاة لمن سلك طريق مرضاته، وأمر بالتفكّر في آلاء الله، ونهى عن التفكّر في ذاته، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين علا بهم منار الإيمان وارتفع، وشيّد بهم من قواعد الدِّين الحنيفي ما شرع، وأخمد بهم كلمة من حاد عن الحق ومال إلى البدع، وبعد:
فإن العقائد الشرعية، وقواعد الإسلام المرعية، وأركان الإيمان العليّة، ومذاهب الدِّين المرضية، هي الأساس الذي يُبنى عليه، والموئل (١) الذي يرجع كلُّ أحد إليه، والطريق التي من سلكها فقد فاز فوزًا عظيمًا، ومن زاغ عنها فقد استوجب عذابًا أليمًا، فلهذا يجب أن تنفذ أحكامها، ويؤكد دوامها، وتُصان عقائد هذه الأمة عن الاختلاف).
وكلام كثير من هذا النوع وأشباهه، وقُرئ تقليد الخطيب بعده، وأحضروا بعد القراءة الحنابلةَ إلى عند قاضي القضاة المالكي، وبحضور رفاقه القضاة الشافعي والحنفي وتقي الدِّين الحنبلي، وسئلوا عما يعتقدونه، فقالوا: نحن نعتقد ما يعتقده الإمام الشافعي محمد بن إدريس ﵁، وهو قوله: آمنت بالله وما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله وما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله، وقال كل واحدٍ منهم هذه المقالة، ثم
стр. 177
نهضوا القضاة، فراح الحنبليُّ إلى المنارة الغربية، والمالكي إلى بيته، والشافعي إلى القاضي شمس الدِّين الحريري يتغمّم له بسبب عزله، وذكروا عنه ــ والله أعلم ــ أنه هو سعى في عزله، وشمس الدِّين الحنفي الأذرعي جلس للحكم في مشهد ابن عروة، وهنؤوه الناس بالخِلْعَة. (٢/ ٨٥٥ - ٨٥٧)
قال: ذكر الأسباب الموجبة لفتنة الشيخ تقي الدِّين والحنابلة
اتفق أن بعضَ أصحابه جاب له في سنة ثلاث وسبع مئة ... (١) كل طائفة على مذهبهم.
وفيه أيضًا: أن جميع من في الديار المصرية من قاضٍ وشيخ وفقير وعالم وعامّي وجاهل مُحِطّون على الشيخ تقي الدِّين الحنبلي ما خلا القاضي شمس الدِّين الحنفي فإنه متعصِّب له، وقاضي القضاة بدر الدِّين ابن جماعة ساكت، وما عداهما مطلقون الألسنة في حقِّه.
وحاصل الأمر أنه جرى بالقاهرة في حقِّ الحنابلة من الأذى والإهانة والتنكيل أمر كبير قبل طلب الشيخ تقي الدِّين وبعد وصوله وحبسه، وأُلزموا جميعهم بالرجوع عن العقيدة، وأُكرهوا أن يقولوا: القرآن هو المعنى القائم بالنفس، وأن ما في المصحف عبارة عنه، وأن ما هو موجود في المصاحف ومحفوظ في الصدور ومقروء بالألسنة مخلوق، وأن القديم هو القائم بالنفس، وأُلزموا بنفي مسألة العلو والتصريح بذلك، وأن (٢) جميع ما ورد من أحاديث الصفات لا يُجْرى على ظاهرها بوجه من الوجوه، وحُكم عليهم إن
стр. 178
لم يقولوا بذلك بالتجسيم، وجرى في حقّهم أذى كثير، وكان قاضيهم شرف الدِّين قليل البضاعة في العلم، فلم يَدْرِ ما يجيب به وتلكَّأ، وأخبروه رفقته الثلاثة أن هذا الذي يُدعى إليه ويُلْزَم به هو الصحيح، فأجاب إلى موافقتهم.
ثم هو ألزمَ جماعةً من أصحابه هذه المقالة وأخذ خطوطَهم.
وكان من تكلم في أمر العقيدة القاضي زين الدِّين المالكي انتصارًا للشيخ نَصْر المَنْبجي، ونكاية في حق رفيقيه شرف الدِّين الحنبلي وشيخ مالكي يعرف بشرف الدِّين القَروي، وساعدهما جماعة من الشافعية وغيرهم. وكانوا قد اتفقوا مع الأمير ركن الدِّين بيبرس المنصوري المعروف بالعُثماني والمتصرفين في الدولة على توهين هذه المقالة التي يعتقدها الحنابلة، وأنها بدعة، وقرروا ذلك معه، بحيث قام ينصرهم أتم قيام، ولم يُمكِنْ أحدًا معارضتُه ولا القيام بما يخالفه، فتم بأن قام في ذلك ما قصده.
وقرأت في بعض ما ورد من الكتاب أنه جرى على الحنابلة ما يعجزُ الإنسان أن يعبّر عنه، وفي بعضه: «ولقد تم على الطائفة الحنبلية شيء لم يجر مثلُه». (٢/ ٨٥٩ - ٨٦٠)
قال: وفيها في آخر يوم من شهر رمضان ليلة العيد أحضر الأمير سيف الدِّين سلّار بطبقته بقلعة القاهرة القضاةَ الثلاثةَ الشافعيّ والمالكي والحنفي، ومن الفقهاء: الباجي والجزري والنّمْراوي، وتكلم في إخراج تقي الدِّين ابن تيمية، فاتفقوا على أنه يُشْترط عليه أمور ويُلْزَم بالرجوع عن بعض العقيدة، فأرسلوا إليه من يُحضره ليتكلموا معه في ذلك، فلم يُجِب إلى الحضور، وتكرر الرسول إليه في ذلك ستّ مرات، وصمَّم على عدم الحضور في هذا الوقت،
стр. 179
فطال عليهم المجلس، وانصرفوا عن غير شيء.
وفي ثامن عِشْري ذي الحجة، أخبر نائب السلطنة بدمشق بوصول كتاب من ابن تيمية، وأعْلَم بذلك جماعةً ممن حضر مجلسه، ثم أثنى عليه وقال: ما رأيت مثله، ولا أشجع منه، وذكر ما هو عليه في السجن من التوجّه إلى الله تعالى، وأنه لم يقبل شيئًا من الكُسوة السلطانية ولا من الإدرارات السلطانية، ولا تدنَّس بشيء من ذلك.
وفيها، في يوم الخميس سابع عِشْري ذي الحجة طُلِبَ أخوا الشيخ تقي الدين، وهما شرف الدِّين عبد الله، وزين الدِّين عبد الرحمن إلى مجلس نائب السلطنة الأمير سيف الدِّين سلَّار، وحضر قاضي القضاة زين الدِّين المالكي وجرى بينهم كلام كثير، وأعيدا إلى مواضعهما بعد أن بحث شرف الدِّين مع القاضي وظهر عليه في النقل والمعرفة وخَطَّأه في مواضع ادَّعَى فيها الإجماع.
وفي يوم الجمعة التالي لليوم الأول، أُحْضر شرف الدِّين وحده وحضر القاضي شمس الدِّين ابن عدلان في مجلس نائب السلطنة سيف الدِّين سلار وتكلم معه، فظهر عليه ولكن ليس له مساعد، وقيل: إنه ظهر من نائب السلطنة تعصُّب على الشيخ وإخوته، والله أعلم. (٢/ ١١٢٥ - ١١٢٧).
(سنة ٧٠٦)
قال: وفيها في أوائل شهر ربيع الأول وصل الأمير حسام الدِّين مهنّا ابن الأمير شرف الدِّين عيسى بن مهنّا إلى دمشق، وتوجَّه إلى القاهرة، فوصلها في تاسع عشر الشهر، واجتمع بالسلطان فأكرمه وخلع عليه وزاد في إكرامه، وخاطب السلطان في أمر الشيخ تقي الدِّين ابن تيمية، فأجاب سؤاله فيه،
стр. 180
وحضر بنفسه إلى باب السجن إلى الشيخ تقي الدين، فأخرجه يوم الجمعة الثالث والعشرين من ربيع الأول إلى دار الأمير سيف الدِّين سلَّار بالقلعة، وحضره بعض الفقهاء، وحصل بينهم بحثٌ كثير، وفَوَّتت (١) صلاةُ الجمعة بينهم، ثم اجتمعوا إلى المغرب ولم ينفصل الأمر، ثم اجتمعوا بمرسوم السلطان يوم الأحد الخامس والعشرين من الشهر مجموع النهار، وحضر جماعة أكثر من الأولين، وحضر الشيخ نجم الدِّين ابن الرِّفْعَة، وعلاء الدِّين الباجي، وفخر الدِّين ابن بنت أبي سعد، وشمس الدِّين الجزري الخطيب، وعز الدِّين النّمْراوي، وشمس الدِّين ابن عدلان، وصهر المالكي، وجماعة من الفقهاء، ولم يحضر القضاة، وطُلِبوا واعتذروا أنفسهم (٢) بالمرض، وبعضهم تَبِعَ أصحابَه، وقَبِلَ عذرهم نائب السلطنة ولم يكلِّفهم الحضور بعد أن رسم السلطان بحضورهم، وانفصل المجلس عن خير. وبات الشيخ تقيّ الدِّين عند نائب السلطنة.
وكتب كتابًا بيده إلى دمشق بكرة الاثنين سادس عِشْري الشهر يتضمن خروجه في خير وعزّ، وأنه أقام بدار ابن شُقَير بالقاهرة، وأنّ الأمير سيف الدِّين سلّارًا رَسَم بتأخره عن الأمير حسام الدِّين مُهنَّا أيامًا (٣)،
стр. 181
ووصل مُهنَّا إلى دمشق يوم الخميس سادس ربيع الآخر وأقام ثلاثة أيام وسافر.
وفي بكرة يوم الخميس عِشْري ربيع الآخر، وصل من الشيخ تقيّ الدِّين كتابٌ مؤرّخ بليلة الجمعة رابع عشر ربيع الآخر يذكر فيه أنه عُقِد له مجلس ثالث بالمدرسة الصالحية بالقاهرة بعد خروج مهنّا (١) في يوم الخميس سادس الشهر، وحصل الاتفاق على تغيير ألفاظٍ في العقيدة، وانفصل المجلس على خير كثيرٍ، وأنه في عافيةٍ، وأنّ في تأخُّره فوائد ومصالح. (٢/ ١١٦٨ - ١١٦٩)
قال: وفي العشر الأوسط من شهر شوال اجتمع الشيخ ابن عطاء السَّكَندري (٢)
وشيخ الخانْقاه وجميع (٣) الصوفية، فكانوا أكثر من خمس مئة، وطلعوا إلى القلعة، فلما وصلوها كان هناك جماعة من أرباب الصنائع والمتاجر فاختلطوا بهم، فصار من المجموع كيفية كبيرة، فلما رأى أرباب الدولة ذلك طُلب من أعيانهم نحو عشرة، وقيل: أيّ شيء مرادكم؟ فقالوا: إن
стр. 182
تقيَّ الدِّين ابن تيمية يتكلم في حقِّ المشايخ، وقال: إنه لا يُستغاث بالنبي ﷺ ، وسألوا أن يُعقد لهم وله مجلس، فرُدَّ الأمرُ في ذلك إلى عند قاضي القضاة بدر الدِّين ابن جماعة الشافعي، ففوَّضَه إلى القاضي نور الدِّين المالكي الزواوي، فاقتضى الحال تسفيره إلى الشام، فسافر مع البريد، ثم رُدَّ (١) وحُبس بحبس الحاكم في ثامن عشر شوال، عامله الله بلطفه. (٢/ ١١٧٤ - ١١٧٥)
قال: وفيها ... توفي الصاحب الكبير الصدر العالم الكامل الأوحد تاج الدِّين محمد بن الصاحب فخر الدِّين محمد بن الصاحب الكبير الوزير بهاء الدِّين علي بن محمد بن سليم المصري ... المعروف بابن حِنَّا رحمه الله تعالى ... وصلى عليه الشيخ أخو المرجاني أولًا، وثاني مرة الشيخ تقيّ الدِّين ابن تيمية، وكانت جنازته مشهودة. (٢/ ١١٨٣ - ١١٨٤)
(سنة ٧٠٩)
قال: وفيها في سَلْخ صفر سَفَّروا الشيخ تقيَّ الدِّين ابن تيمية من القاهرة إلى الإسكندرية مع أمير مقدّم، ولم يمكَّن أحدٌ من جماعته السفرَ معه، ووصل خبره إلى دمشق بعد عشرة أيام، وكان توجهه من القاهرة ليلة الجمعة، ووصوله إلى الإسكندرية يوم الأحد، دخل من باب الخوخة إلى دار السلطان، ونُقل ليلًا إلى بُرجٍ في شرقيِّ البلد. (٢/ ١٢٤٤)
قال: وفي ثامن شوال، طُلب الشيخ تقي الدِّين ابن تيمية من الإسكندرية فوصل إلى القاهرة ثامن عَشْرِه واجتمع بالسلطان في يوم الجمعة رابع عِشْريه، وأكرمه وتلقَّاه في مجلس حفل فيه قضاة المصريين والشاميين
стр. 183
والفقهاء، وأصلح بينه وبينهم. ثم سكن القاهرة ونزل بالقرب من مشهد الحسين بن علي رضوان الله عليهم، والناس يترددون إليه والأمراء والجند وطائفة من الفقهاء، ومنهم من يعتذرُ إليه ويتنصَّل مما وقع منه. (٢/ ١٢٥٩)
* * * *
стр. 184
رسالة من الشيخ أحمد بن محمد بن مُرِّي الحنبلي (بعد ٧٢٨) إلى تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية (١)
ولا [تنسَوا تقريراتِ] شيخِنا الحاذقِ الناقدِ [لمعا] ني قوله ﵎ في بيان الحِكم الأربع التي أودعها الله سبحانه في ضمن انكسار عَسْكَرِ الرسول في يوم أُحد، وهي قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٠ - ١٤١].
فلا تُهملوا أمرَ الفكرة الصالحةِ، في هذه المعاني الشريفة وغيرها، ولا تجزعوا لما حَصَلَ، فَإنَّ اللهَ حَيٌّ لا يموتُ، وهو المتكفلُ سبحانه بنصرِ الدِّين وأهلِهِ، والمختبر لعبادِهِ فيما يَبْتليهم بِهِ، والخبير بجملةِ مصالحهم، والرؤوف بهم، والهادي لمن يشاء إلى صراط مستقيم، ولا يهلك على الله إلا هالك، والسعيد مَن قام بما عليه إلى حال وفاته. ومن أراد عظيم الأجر التام، ونصيحة الأنام، ونشر علم هذا الإمام، الذي اختطفه من بيننا محتوم الحِمام، ويَخشى دُروس كثيرٍ من علومِهِ المتفرقةِ الفائقةِ، مع تكررِ مرورِ اللَّيالي والأيام، فالطريقُ في حقِّه: هو الاجتهاد العظيم على كتابة مؤلفاته الصغار
стр. 185
والكبار على جليتها من غيرِ تصرُّفٍ فيها ولا اختصار، ولو وُجِدَ فيها كثيرٌ من التكرار، ومقابلتها وتكثير النُّسَخِ بها وإشاعتها، وجَمْع النظائر والأشباهِ في مكانٍ واحدٍ، واغتنام حياةِ من بقي من أكابر الإخوان، فكأننا جميعًا بِكمال الفَوْتِ وقد حان، ويكفينا ما عند [نا على ما فرطنا] من عظيم الأسفِ.
فلِوَجْهِ الله معشرَ الإخوانِ لا تعاملوا الوقتَ الحاضرَ بما عاملتم به الوقتَ الذي قد [سلف، فإن حياته] ﵀ ورضي عنه كانت مأمولةً لاستدراك [الفارطات] الفائتات، وتكميل الغايات والنهايات (١)، فاغتنموا تحصيل كلِّ مهمةٍ في وقتِها بلا كسل ولا مَلَلٍ، ولا تشاغُلٍ ولا بخل. لأن هذا المهم الكبيرَ (٢) أحقُّ شيء [يُبْذَل] في تحصيله المالُ الكثير، وقد علمتم مضرةَ التعلل والتسويف، وكون ذلك من أكبر القواطعِ عن مصالح الدنيا والآخرة.
فاحتفظوا بالشيخ أبي عبد الله (٣) ـ أيده الله ــ وبما عنده من الذخائر والنفائس، وأقيموه لهذا المهم الجليل بأكثر ما تقدرون عليه ولو تألَّمتم أحيانًا من مطالبته؛ لأنه قد بقي في فنه فريدًا، ولا يقوم مقامه غيره من سائر الجماعة على الإطلاق، وكل أحوال الوجود لابد فيها من العوارض والأنكاد، فاحتسبوا مساعدته عند الله تعالى، وانهضوا بمجموع كُلْفته، فإن
стр. 186
الشدائد تزول، والخيرات تغتنم، فاكتبوا ما عنده وليكتب ما عندكم.
وأنا استودع الله دينَه وما عنده، وأوصيه بالصبر أيضًا وبمعاملة اللهِ سبحانه فيما هو فيه، وإن قصَّر الإخوان في حقه (١)، وليطلب نصيبَهُ من الله تعالى متكلًا عليه في تحرير (٢) المضمون، ومُجْمِلًا في الطلب، لأن ما قُسِم له لابد أن [يكون].
وإنَّ مما أحثّ هممكم الصالحة عليه: تحصيل كراريس [«الرد على عقائد] الفلاسفة» فإنه ليس في الوجود بهذا المؤلف نسخة [كاملة] غير النسخة التي بخطي، وكانت في الخرستان (٣) الشمالي من مدرسة شيخنا، وأخبرني الشيخ شرف الدين (٤) ــ رحمه الله تعالى ــ أنه أودع المجموع في مكان حريز، وقد شحَّ عليّ بإنفاذ هذه الكراريس وقتَ الذهاب من الشام، ولا قوة إلا بالله، والكراس الرابع منها أخذه أبو عبد الله من يدي وهو عنده، ونسخة الأصل التي بخط الشيخ هي في القطع الكبير، وكانت هناك أيضًا، وقد بقي من آخر نسختي أقل من ورقة، فأوصِلوا ذلك إلى أبي عبد الله، ليُكمل النسخة إلى عند قوله: «فهذا باب، وذاك باب، والله أعلم بالصواب».
стр. 187
وللطواسي نسخة بخط كَيّسٍ، فكملوها، لأنه مؤلَّف لا نظير له، ولا يكسر الفلاسفة مثله.
ومن الله نسأل المعونة على جَمْع شمل هذه المصالح الجليلة بعد شتاتها، ونعوذ بالله من عوارض القواطع وآفاتها، لأن الفَوْتَ صعب، وغاية التفريط رديّة، وانتهاز الفرص من أهم الأمور وأجْمَعها لمصالح الدنيا والآخرة، وما يعقلها إلا العالمون، وسيندم المفرطون في استدراك بقايا هذه الأمور الكاملة والمقصرون، كما ندم المتخيلون بطول حياة الشيخ والمغترون.
وهذه الأمور التي قد أشرت إليها في هذه الأوراق الخفيفة هي أغلى أبواب النصيحة وأسّها فيما أعلم، لأن الذاهب مضى، والوقت سيف فمنتضى، وكل من ذهب بعده من أكابر الإخوانِ ما عنه عوض، والدهر في إدبار، والشرور في زيادة.
وإذا جمعت هذه المؤلفات العزيزة الكثيرة، ونقل من المسوَّدات ما لم يُنْقَلْ، وقُبِلَ رأيُ أبي عبد الله في ذلك؛ لأنه على بصيرة من أمره، وهو أخبر الجماعة بمظان المصالح المفردة التي قد انقطعت مادتها، وقوبل كل ما يكتب مع أصلح الجماعة، على أصلح النّسَخ، أو على نسخة الأصل، وروجع شيخنا الحافظ جمال الدين (١) الذي هو بقية الخير لثقته وخبرته وشفقته وتحرُّقه على ظهور هذه المواد الصالحة في الوجود، ولسعة علمه وإحاطته بكثير من مقاصد شيخنا المؤلف. وروجع الشيخان الصالحان، الفاضلان المحققان: شرف
стр. 188
الدين القاضي (١) وشمس الدِّين بن أبي بكر (٢)، فإنهما أحذق الجماعة على الإطلاق في المناهج العقلية وغيرها، وأذْكَر للمباحث الأصولية، فيما يشتبه من المقاصد، خوفًا من التصحيف وتغيير بعض المعاني، وروجع غيرهم من أكابر الجماعة أيضًا، كان في ذلك خير كثير، واستدراكٌ كبير، إن شاء الله تعالى.
والشيخ أبو عبد الله يسلمه الله، هو بلا تردد واسطة نظام هذا الأمر التام، فساعِدوه وأزيلوا ضرورتَه، واجمعوا همته، واغتنموا بقية حياته، واقبلوا نصيحتي فيما أتحقّقه من هذا كله، كما كنت أتحقق أن اغتنام أوقات الشيخ وجَمْعها على التأليف والإتقان والمقابلة خيرٌ مِن صَرْفها في مجرَّد المفاكهة اللذيذة والمنادمة، والنفوسُ فرَّطت كثيرًا في ذلك الحال. والله المسؤول بأن يكفيها مضرة كمال الفَوْتِ الذي لا عوض عنه بحال، إنه رؤوف رحيم، جوادٌ كريمٌ.
فإن يسَّر الله تعالى وأعانَ على هذه الأمور العظيمة صارت إنْ شاء اللهُ تعالى مؤلفات شيخنا ذخيرةً صالحةً للإسلام وأهلِهِ، وخزانةً عظيمة لمن يؤلف منها وينقل، وينصر الطريقة السلفية (٣) على قواعدها ويستخرج ويختصر إلى آخر الدهر إن شاء الله تعالى؛ قال ﷺ : «لا يزال الله يغرس في هذا الدِّين غرسًا يستعملهم فيه بطاعة الله»، وقال: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى تقومَ الساعة». والله سبحانه يقول في كتابه: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨]. وكما انتفع الشيخ بكلام الأئمة قبله
стр. 189
فكذلك ينتفع بكلامه من بعده إن شاء الله تعالى.
فاتبعوا أمر الله، واقصدوا رضى الله بجمع كل ما تقدرون عليه من أنواع المؤلفاتِ الكبار، [وأشتاتِ المسائل] الصِّغار، ومن نسخ الفتاوى المتفرقة، وسائر كلامه الذي قد مُلِئَ، ولله الحمد، من الفوائد والفرائد والشوارد، فأيقظوا الهمم، وابذلوا الأموال الكثيرة في تحصيل هذا المطلب العظيم الذي لا نظير له، فهذا هو الذي يلزمنا من حيث الأسباب، والتمام على رب الأرباب ومسبب الأسباب وفاتح الأبواب، الذي يقيم دينه، وينصر كتابه وسنة نبيه على الدوام، ويثيت من يؤهله لذلك من أنواع الخاص والعام، وكلٌّ مَجزيٌّ في القيامة بعمله، وما ربك بظلامٍ.
وقد علم أن الإمام أحمد بن حنبل كان ينهى في حال حياته عن كتابة كلامه ليجمع القلوب على المادة الأصلية العظمى، ولما توفي استدرك أصحابه ذلك الأمر الكبير، فنقلوا علمه وبينوا مقاصده، وشهروا فوائده، فانتصرت طريقته، واقتفيت آثاره لأجل ذلك، والوجودُ هو على هذه الصفة قديمًا وحديثًا.
فلا تيأسوا من قبول القلوب القريبة والبعيدة لكلام شيخنا، فإنه ولله الحمد مقبول طوعًا وكرهًا، وأين غايات قبول القلوب السليمة لكلماته، وتتبع الهمم النافذة لمباحثه وترجيحاته، ووالله إن شاء الله ليقيمن الله سبحانه لِنَصْرِ هذا الكلام ونشره وتدوينه وتفهمه، واستخراج مقاصده واستحسان عجائبه وغرائبه، رجالًا هم إلى الآن في أصلاب آبائهم (١). وهذه هي سنة الله
стр. 190
الجارية في عباده وبلاده، والذي وقع من هذه الأمور في الكون لا يحصي عدَدَه غير الله تعالى.
ومن المعلوم أن البخاري مع جلالة قدره أُخرِج طريدًا، ثم مات بعد ذلك غريبًا، وعوضه الله سبحانه عن ذلك بما لا خطر في باله، ولا مرّ في خياله، من عكوف الهمم على كتابه، وشدة احتفالها به، وترجيحها له على جميع كتب السنن، وذلك لكمال صحته، وعظمة قدره، وحسن ترتيبه وجمعه، وجميل نية مؤلفه، وغير ذلك من الأسباب.
ونحن نرجو أن يكون لمؤلفات شيخنا أبي العباس من هذه الوراثة (١) نصيبٌ كثير إن شاء الله تعالى، [لأنه كان بنى] جملة أموره على الكتاب والسنة، ونصوص أئمة [سلف الأمة. وكان يقصد] تحرير الصحة بكل جهده ويدفع الباطل [بكل ما يقدر عليه]، لا يهاب مخالفَة أحدٍ من الناسِ في نصر هذه الطريقة، [وتبيين هذه] الحقيقة.
وقد عُلِم أن لكتبه من الخصوصية والنفع والصحة، والبسط والتحقيق، والإتقان والكمال، وتسهيل العبارات، وجَمْع أشتات المتفرقات، والنطق في مضايق الأبواب بحقائق فصل الخطاب، ما ليس لأكثر المصنفين، في أبواب مسائل أصول الدين، وغيرها من مسائل المحققين، لأنه كان يجعل النقل الصحيح أصله وعمدته في جميع ما يبني عليه، ثم يعتضد بالعقليات الصحيحة التي توافق ذلك وبغيرها، ويجتهد على دفع كل ما يعارض ذلك من شُبَه المعقولات، ويلتزم حَلَّ كلِّ شبهة كلامية وفلسفية كما قدمتُ الإشارة إلى ذلك، ويلتزم أيضًا الجمع بين صحيح المنقول وصريح المعقول، ويجزم بأن
стр. 191
فرض دليلين قطعيين يتعارضان من المحال إن كانا عقليين أو عقليًّا ونقليًّا، قال: لأن الدليل هو الذي يجب ثبوت مدلوله، فإمَّا أن لا يكونا قطعيين، وإمَّا أن لا يكون مدلولاهما متناقضين. وعلى هذا المقصد الجليل بنى كلامه المتين، وتقاسيمه العجيبة المحيطة المحضة في أول قاعدته الكبيرة الباهرة التي ألفها في [دفع «تعارض] العقل للنقل». فكانت مقاصده وتحقيقاته في هذا [الباب العظيم] عجبًا من عجائب الوجود.
وكان يقول: لا يتصور [أن يتعارض حديثـ]ـان صحيحان قط إلا أن يكون الثاني منهما ناسخًا للأول. قال: والإمام أحمد بن حنبل كان في زمنه يصرح [به، ويلتزم] تحقيقه، وأنا في زمني ألتزم حكم هذه القاعدة [أيضًا]، والنهوض بالجواب عن كل ما يعارضها.
وكان ﵀ ورضي عنه يذبُّ عن الشريعة ويحمي حوزَة الدِّين بكل ما يقدر عليه، وكان كما عُلم من حاله لا يخاف في هذا الباب لومة لائم، ولا ينثني عما يتحقق عنده، ولم يزل على ذلك إلى أن قضى نَحْبه، ولقي ربه، فقدس الله روحه، ونور ضريحه، ونصر مقاصده، وأيَّد قواعدَه، والله سبحانه يعلم حُسْن قصده، وصحة علومه ورجحان دليله، وهو ناصر الحق وأهله، ولو بعد حين.
وجميع ما وقع من هذه الأمور فيه من الدلالة إن شاء الله على [شمول أمره، وظهور] كلمة هذه العلوم الباهرةِ أكثر مما فيه من الدلالة على خلاف ذلك، ولا قوة إلا بالله، غير أن الأشياء المقدورة، تفتقر إلى أسبابها المعلومَة، ولهذا كان الرسولُ ﷺ وهو في العريش يوم بدر يجتهد على الاستغاثة (١)
стр. 192
بالله التي كانت أكبر أسباب النصرة في ذلك اليوم، بعد أن عرفه الله تعالى ــ قبل ذلك ــ جلية مصارع القوم. ولما التزمه أبو بكر من ورائه قائلًا له: «يا رسول الله، أهكذا مناشدتُك ربَّكَ، فإنه وافٍ لك بما وعدك»، لم يترك استغاثته بربه، لعلمه أن الأمور المقدورة لابد أن تقع بأسبابها اللازمة لها، المعروفة بها. ومصداق ذلك ما أنزله سبحانه في تقرير هذا الأمر، وتحقيق هذه القاعدة، وهو قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٩ - ١٠] لأنه سبحانه بيّن حكم الأسباب المتقدمة والمتأخرة، ورد الأمر إلى حقائق التوحيد، بقوله: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ وهذا هو نهاية مطالب هذا الباب، واتباع هذه الأحكام الثابتة على هذه الصفة المؤيدة، هو بلا شك أعلى مراتبِ العبودية، وأنفعها وأرفعها في حق مجموع البرية. فأكثروا من استعمال هذا الأمر الجليل، وحسبُنا الله ونعمَ الوكيلُ.
الحمد لله وحده، وصلى الله على خير خلقه محمد وآله، وسلامه على جميع الصالحين.
جاء في آخر النسخة: «نقلها من خط قائلها الشيخ الإمام شهاب الدين أبقاه الله ونفع به. كان الفراغ من نسخها نهار الجمعة الواقع رابع ذي القعدة الحرام على يد كاتبها محمد المجذوب في ميران الحصى ابتدأ بها بعد صلاة الجمعة يومها وأتمها مع أذان العصر».
* * * *
стр. 193
نِهَايةُ الأرَبِ في فنون الأدبِ (١)
للعلامة شهاب الدِّين أحمد بن عبد الوهَّاب النُّوَيري (٧٣٣)
ذكر توجه العساكر الشامية إلى بلاد الكسروان (٢)
وإبادة من بها وتمهيدها
كان أهل جبال الكسروان قد كثروا وطَغَوا واشتدت شوكتهم، وتطرقوا إلى أذى العسكر الناصري عند انهزامه في سنة تسع وتسعين وست مئة، وتراخى الأمر وتمادى وحصل إغفال أمرهم فزاد طُغْيَانُهم وأظهروا الخروج من الطاعة، واغتَرُّوا بِجبالِهِم المنيعة، وجموعهم الكثيرة، وأنه لا يمكن الوصول إليهم، فجُهِّز إليهم الشريف زين الدِّين ابن عدلان، ثم توجه بعده في ذي الحجة سنة أربع وسبع مئة الشيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة، والأمير بهاء الدِّين قراقوش الظاهري، وتحدثا معهم في الرجوع إلى الطاعة فما أجابوا إلى ذلك، فعند ذلك رسم بتجريد العساكر إليهم من كل جهةٍ ومملكةٍ من الممالك الشامية، وتوجه نائب السلطنة الأمير جمال الدِّين آقوش الأفرم من دمشق بسائر الجيوش في يوم الاثنين ثاني المحرم وجمع جمعًا كثيرًا من الرجال، فيقال: إنه اجتمع من الرجالة نحو خمسين ألفًا، وتوجهوا إلى جبال الكسروانيين والجرديين وتوجه الأمير سيف الدِّين أسندَمُر بعسكر الفتوحات من الجهة التي تلي بلاد طرابلس.
وكان قد نُسِب إلى مُبَاطَنَتِهم،
стр. 194
فكُتِبَ إليه في ذلك، فجرَّدَ العزمَ وأراد أن يفعل في هذا الأمر ما يمحو عنه أثرَ هذه الشناعة التي وقعت، وطلع إلى جبل الكسروان من أصعب مسالكه، واجتمعت عليهم العساكر فقُتِلَ منهم خَلْق كثير، وتبدد شملهم وتمزقوا في البلاد، واستخدم الأمير سيف الدِّين أسندَمُر جماعةً منهم بطرابلس بجامكية وجراية من الأموال الديوانية، وسماهم رجال الكسروان، وأقاموا على ذلك سنين وأقطع بعضهم أجنادًا من حلقة طرابلس، وتفرق بقيتهم في البلاد، واضمحلَّ أمرُهم وخمل ذكرهم، وعاد نائب السلطنة إلى دمشق في رابع عشر صفر من السنة وأقطع جبال الكسروانيين والجرديين لجماعة من الأمراء التركمان وغيرهم، منهم: الأمير علاء الدِّين بن معبد البعلبكِّي، وعز الدِّين خطاب، وسيف الدِّين بُكْتُمُر الحُسامي، وأُعْطُوا الطبلخانات وتوجهوا لعمارة إقطاعهم وحفظ ميناء البحر من جهة بيروت.
وفي هذه السنة (١) كانت بدمشق فتنة بين جماعة من الفقراء الأحمدية والشيخ تقي الدِّين ابن تيمية، وذلك أنهم اجتمعوا في يوم السبت تاسع جمادي الأولى عند نائب السلطنة، وحضر الشيخ تقي الدِّين فطلبوا منه أن يسلم إليهم حالهم، وأن تقي الدِّين لا يعارضهم ولا ينكر عليهم، وأرادوا أن يظهروا شيئًا مما يفعلونه فقال لهم الشيخ: إن اتباع الشريعة لا يسع الخروج عنه، ولا يُقَرُّ أحد على خلافه، وهذه البدَع التي تفعلونها من دخول النار وإخراج الزبد من الحلق؛ لها حِيَل ذَكَرَها، وقال: من أراد منكم دخول النار فليغسل جسده في الحمام ثم يدلكه بالخل ثم يدخل بعد ذلك، فإن قدر على الدخول دخلت معه، ولو دخل بعد ذلك لم يرجع إليه، بل هو فعل من أفعال
стр. 195
الدجال، فانكسرت حِدَّتهم وانفصل المجلس على أنهم يخلعون الأطواق الحديد من أعناقهم، وعلى أن من خرج منهم عن الكتاب والسنة قوبل بما يستحقه، وضبط المجلس المذكور وما وقع فيه وما التزم الفقراء الأحمدية الرفاعية به، وصنف الشيخ جزءًا يتعلَّق بهذه الطائفة وأفعالهم.
ذِكْر حادثة الشيخ تقي الدِّين أحمد ابن تيميَّة، وما اتفق لطائفة
الحنابلة، واعتقال تقي الدين، وما كان من خبره
إلى أن أُفْرِج عنه أخيرًا
كانت هذه الحادثة التي نذكرها في سنة خمسٍ وسبع مئة وانتهت في أواخر سنة تسع وسبع مئة، وكان لوقوعها أسباب وموجبات ووقائع اتفقت بالقاهرة ودمشق، وقد رأينا أن نذكر هذه الواقعة ونشرح أسبابها من ابتداء وقوعها إلى انتهائها ولا نقطعها بغيرها، وإن خرجت سنة ودخلت أخرى.
السببُ المحركُ لهذه الواقعة الموجبُ لطلب الشيخ تقي الدِّين المذكور إلى الديار المصرية فقد اطلعت عليه من ابتدائه وهو: أن بعض الطلبة واسمه: عبد الرحمن العينوسي سكن بالمدرسة الناصرية التي تقدم ذكرها بالقاهرة وكنت بها، وبها قاضي القضاة زين الدِّين المالكي وغيره، فاتفق اجتماعي أنا والقاضي شمس الدِّين محمد بن عدلان الكناني القرشي الشافعي بمنزلي بالمدرسة المذكورة في بعض الليالي، وهو أيضًا ساكن بالمدرسة ومعيد بها، فحضر عبد الرحمن المذكور إلينا ومعه فُتيا وقد أجاب الشيخ تقي الدِّين عنها فأخرجها من يده وشرع يذكرُ الشيخَ تقي الدِّين وبَسْط عبارته وعِلْمه، وقال: هذه من جملة فتاويه ولم يُرِد فيما ظهر أذاه وإنما قصد ــ والله أعلم ــ نشر فضيلته، فتناولها القاضي شمس الدِّين ابن عدلان منه
стр. 196
وقرأها فإذا مضمونها (١):
بسم الله الرحمن الرحيم، ما تقول السادة الفقهاء أئمة الدِّين ــ ﵃ أجمعين ــ أن يبينوا ما يجب على الإنسان أن يعتقده ويصير به مسلمًا بأوضح عبارة وأبينها، من أن ما في المصاحف هو كلام الله القديم أم هو عبارة عنه لا نفسه؟ وأنه هو حادث أو قديم؟ وأن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] هو استواء حقيقة أم لا؟ وأن كلام الله بحرفٍ وصَوْت أم كلامه صفة قائمة لا تفارق؟ وأن الإنسان إذا أجرى القرآن على ظاهره من غير أن يتأول شيئًا منه ويقول: أؤمن به كما أنزل؛ هل يكفيه ذلك في الاعتقاد أم يجب عليه التأويل؟ وأن السائل رجل متحيِّر لا يعرف شيئًا وسؤاله بجواب لين ليقلد قائله افتونا مأجورين رحمكم الله.
فأجاب الشيخ تقي الدِّين ما صورته:
الحمد لله ربِّ العالمين، الذي يجب على الإنسان اعتقاده في ذلك وغيره ما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله واتفق عليه سلف المؤمنين الذين أثنى الله على من اتبعهم وذم من اتبع غير سبيلهم، وهو أن القرآن الذي أنزله الله على محمد عبده ورسوله كلام الله وأنه منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، وأنه قرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون، وأنه قرآن مجيد في لوح محفوظ، وأنه في أم الكتاب لدى الله تعالى حفيظ، وأنه في الصدور كما قال النبي ﷺ : «استذكروا القرآن فهو أشد تفلُّتًا من صدور الرجال من النعم من عُقلها»، وقال: «الجوف الذي ليس فيه شيء من القرآن
стр. 197
كالبيت الخَرِب»، [و] أن ما بين لوحي المصحف الذي كتبه الصحابة كلام الله كما قال النبي ﷺ : «لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو مَخافةَ أن تناله أيديهم».
فهذه الجملة تكفي المسلم في هذا الباب، وأمَّا تفصيل ما وقع في ذلك من النزاع فكثير، منه [ما] يكون كِلا الإطلاقَين خطأ، ويكون الحق في التفصيل، ومنه ما يكون مع كل من المتنازعين نوع من الحق ويكون كل منهما ينكر حقَّ صاحبه، وهذا من التفرُّق والاختلاف الذي ذمه الله ونهى عنه؛ فقال: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ﴾ [البقرة: ١٧٦]، وقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: ١٠٥]، وقال: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، وقال: ﴿مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣) أَمْ حَسِبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢١٣]، فالواجب على المسلم أن يلزم سنة رسول الله ﷺ وسنة خلفائه الراشدين والسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان. وما تنازعت فيه الأمة وتفرَّقت فيه إن أمكنه أن يفصل النزاع بالعلم والعدل وإلا استمسك بالجمل الثابتة بالنص والإجماع، وأعرض عن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا، فإن مواقع التفرق والاختلاف عامتها تصدر عن اتباع الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى، وقد بسطت القول من جنس هذه المسائل ببيان ما كان عليه سلف الأمة الذي اتفق عليه العقل والسمع، وبيان ما يدخل في هذا الباب من الاشتراك والاشتباه والغلط في مواضع متعددة، ولكن نذكر هنا جُمْلةً مختصرة بحسب حال السائل،
стр. 198
والواجب أمر العامة بالجمل الثابتة (١) بالنص والإجماع، ومَنْعهم من الخوض في التفصيل الذي يُوْقع بينهم الفرقة والاختلاف، فإن الفرقة والاختلاف من أعظم ما نهى الله عنه ورسوله.
والتفصيل المختصر فنقول: من اعتقد أن المِداد الذي في المصحف وأصوات العباد قديمة أزلية؛ فهذا ضال مخطئ مخالف للكتاب والسنة وإجماع السابقين الأولين وسائر علماء المسلمين ولم يقل أحد قطُّ من علماء المسلمين: إن ذلك قديم، لا من أصحاب الإمام أحمد ولا من غيرهم ومن نقلَ قِدَم ذلك عن أحدٍ من علماء أصحاب الإمام أحمد ونحوهم؛ فهو مخطئ في هذا النقل أو متعمد الكذب، بل المنصوص عن الإمام أحمد وعامة أئمة أصحابه تبديع من قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق، كما جهَّموا من قال: اللفظ بالقرآن مخلوق، وقد صنف أبو بكر المروذي ــ أخص أصحاب الإمام أحمد به ــ في ذلك رسالةً كبيرة مبسوطة، ونقلها عنه أبو بكر الخلال في «كتاب السنة» الذي جمع فيه كلام الإمام أحمد وغيره من [أئمة] السنة في أبواب الاعتقاد، وكان بعض أهل الحديث إذ ذاك أطلق القولَ بأن «لفظي بالقرآن غير مخلوق» فبلغ ذلك الإمام أحمد فأنكر ذلك إنكارًا شديدًا وبدَّعَ من قال ذلك، وأخبر أن أحدًا من العلماء لم يقل ذلك، فكيف من يزعم أن صوت العبد قديم؟ وأقبح من ذلك من يحكي عن بعض العلماء: أنّ المِداد الذي في المصحف قديم، وجميع أئمة أصحاب الإمام أحمد وغيره أنكروا ذلك، وما علمتُ أنَّ عالمًا نقل ذلك إلا ما بلغنا عن بعض الجهال من الأكراد ونحوهم.
стр. 199
وقد ميَّز الله تعالى في كتابه بين الكلام والمِداد، فقال: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩] فهذا خطأ من هذا الجانب، وكذلك من زعم أن القرآن محفوظ في الصدور، كما أن الله معلوم بالقلوب، وأنه مَتْلُوّ بالألسن، كما أن الله مذكور بالألسن، وأنه مكتوب في المصحف، كما أن الله مكتوب في المصحف، وجعل ثبوت القرآن في الصدور والألسنة والمصاحف مثل ثبوت ذات الله في هذه المواضع، فهذا أيضًا مخطئ في ذلك، فإن الفرق بين ثبوت الأعيان في المصحف وبين ثبوت الكلام فيها بيِّن واضح، فإن الأعيان لها أربع مراتب: مرتبة في الأعيان، ومرتبة في الأذهان، ومرتبة في اللسان، ومرتبة في البنان، فالعلم يطابق العين، واللفظ يطابق العلم، والخط يطابق اللفظ.
فإذا قيل: إن العين في الكتاب كما في قوله: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ [القمر: ٥٢] فقد عُلِم أن الذي في الزبر إنما هو الخط المطابق للفظ المطابق للعلم، فبين الأعيان وبين المصحف مرتبتان وهي اللفظ والخط، وأما الكلام نفسه فليس بينه وبين الصحيفة مرتبة غيرهما، بل نفس الكلام يجعل في الكتاب، وإن كان بين الحرف الملفوظ والحرف المكتوب فرق من وجهٍ (١) آخر إلا إذا أريدَ أن الذي في المصحف هو ذكره والخبر عنه، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣)﴾ [إلى قوله: ] ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦) أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٧]، فالذي في زبر الأولين ليس هو نفس القرآن المنزل على محمد.
стр. 200
فإن هذا القرآن لم ينزل على أحد قبله ولكن في زبر الأولين صحَّ ذكر القرآن وخبره، كما فيها ذكر محمد وخبره، كما أن أفعال العباد في الزبر كما قال: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ [القمر: ٥٢] فيجب الفرق بين كون هذه الأشياء في الزُّبُر وبين كون الكلام نفسه في الزبر، كما قال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٧٨] وقال: ﴿صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣)﴾ [البينة: ٢ - ٣]، فمن قال: إن المِداد قديم؛ فقد أخطأ، ومن قال: ليس في المصحف كلام الله وإنما فيه المِداد الذي هو عبارة عن كلام الله فقد أخطأ، بل القرآن في المصحف، كما أن سائر الكلام في الأوراق كما عليه الأمة مجتمعة، وكما هو في فِطَر المسلمين، فإن كلَّ مرتبة لها حكم يخصها، وليس وجود الكلام من الكتاب كوجود الصفة بالموصوف، مثل [وجود] العلم والحياة بمحلها حتى يقال: إن صفة الله حلَّت بغيره أو فارقته، ولا وجوده فيه كالدليل المحض، مثل وجود العالم الدال على الباري تعالى، حتى يقال: ليس فيه إلا ما هو علامة على كلام الله، بل هو قسم آخر، ومن لم يُعْط كل مرتبة فيما يستعمل فيها أداة الظرف (١) حقها، فيفرق بين وجود الجسم في الحيز وفي المكان، ووجود العرض بالجسم، والصورة بالمرآة، ويفرق بين رؤية الشيء بالعين يقظة ورؤيته بالقلب يقظة ومنامًا، ونحو ذلك، وإلا اضطراب عليه الأمر.
وكذلك سؤال السائل عما في المصحف، هل هو حادث أو قديم؟ سؤال مجمل. فإن لفظ «القديم» أولًا [ليس] (٢) مأثورًا عن السلف، وإنما الذي اتفقوا عليه أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وهو كلام الله حيث تُلى،
стр. 201
وحيث كُتِب، وهو قرآن واحد وكلام [واحد] وإن تنوَّعت الصور التي يُتْلَي بها ويكتب من أصوات العباد ومدادهم، فإن الكلام كلام من قاله مبتدئًا، لا كلام من بلغه مؤديًا، فإن سمعنا محدثًا يحدث بقول النبي ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات» قلنا: هذا كلام رسول الله لفظه ومعانيه، مع عِلْمنا أن الصوت صوت المبلِّغ لا صوت رسول الله، وهكذا كل من بلَّغ كلامَ غيره من نظم ونثر.
ونحن إذا قلنا: هذا كلام الله، لِمَا نسمعه من القارئ من قراءةٍ في المصحف فالإشارة إلى الكلام من حيث هو هو مع قطع النظر عما اقترن به البلاغ من صوت المبلغ ومِداد الكاتب، فمن قال: صوت القارئ ومداد الكاتب كلام الله الذي ليس بمخلوق فقد أخطأ، وهذا الفرق الذي بيَّنه الإمام أحمد لمن سأله وقد قرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] فقال: هذا كلام الله غير مخلوق؟ فقال: نعم، فنقل السائل عنه أنه قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق، فدعا به أحمد وزبره زَبْرًا شديدًا وطلب عقوبته وتعزيره وقال: أنا قلت لك: لفظي بالقرآن غير مخلوق؟ فقال: لا ولكن قلت لي لما قرأت: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ هذا كلام الله غير مخلوق، فقال: فلِمَ تنقل عني ما لم أقله؟ ! فبيَّن الإمام أحمد أن القائل إذا قال ــ لما يسمعه من المبلغين والمؤدِّين ــ: هذا كلام الله، فالإشارة إلى الحقيقة التي تكلم بها الله وإن كنا إنما سمعناها ببلاغ المبلغ وحركته وصوته، فإذا أشار إلى شيءٍ من صفات المخلوق لفظه أو صوته أو فعله، وقال: هذا غير مخلوق، فقد ضل وأخطأ، فالواجب أن يقال: القرآن كلام الله غير مخلوق، والقرآن في المصاحف كما أن سائر الكلام في الصُّحُف، ولا يقال: إن شيئًا من المداد والورق غير مخلوق، بل كل ورق ومِداد في العالم فهو مخلوق، ويقال أيضًا: القرآن الذي في المصحف كلام الله غير مخلوق والقرآن الذي يقرؤه المسلمون كلام الله غير مخلوق.
стр. 202
ويَتبيَّن هذا الجوابُ بالكلام على المسألة الثانية وهي قوله: إن كلام الله هل هو بحرف وصوت أم لا؟ فإن إطلاق الجواب في هذه المسألة نفيًا وإثباتًا خطأ، وهي من البدع المولَّدة الحادثة بعد المئة الثالثة لما قال قوم من متكلمة الصفاتية: إنّ كلام الله الذي أنزله على أنبيائه كالتوراة والإنجيل والقرآن، والذي لم ينزله، والكلمات التي كون بها الكائنات والكلمات المشتملة على أمره ونهيه وخبره، ليست إلا مجرد معنى واحد، هو صفة واحدة قامت بالله، إن عبَّر عنها بالعِبْرية كانت التوراة، وإن عبر عنها بالعربية كانت القرآن، وأن الأمر والنهي والخبر صفات لها لا أقسام لها، وأن حروف القرآن مخلوقة خلقها الله تعالى ولم يتكلم بها وليست كلامه؛ إذ كلامه لا يكون بحرف وصوت.
عارضهم آخرون من المثبتة فقالوا: بل القرآن هو الحروف والأصوات، وتوهم قوم أنهم يعنون بالحروف المداد وبالأصوات أصوات العباد، وهذا لم يقله عالم.
والصواب الذي عليه سلف الأمة كالإمام أحمد والبخاري صاحب «الصحيح» في كتاب «خلق أفعال العباد» وغيره وسائر الأئمة قبلهم وبعدهم اتباع النصوص الثابتة وإجماع سلف الأمة، وهو أن القرآن جميعه كلام الله تعالى؛ حروفه ومعانيه ليس شيء من ذلك كلامًا لغيره ولكن أنزله على رسله، وليس القرآن اسمًا لمجرد المعنى ولا لمجرد الحرف، بل لمجموعهما، وكذلك سائر الكلام ليس هو الحروف فقط ولا المعاني فقط، بل مجموعهما، كما أن الإنسان المتكلم الناطق ليس هو مجرد الروح ولا مجرد الجسد، بل مجموعهما، وأن الله تعالى يتكلم بصوت كما جاءت به
стр. 203
الأحاديث الصحاح، وليس ذلك هو أصوات العباد، لا صوت القارئ ولا غيره، فإن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، وكما لا يشبه علمه وقدرته وحياته علم المخلوق وقدرته وحياته، فكذلك لا يشبه كلامه كلام المخلوق ولا معانيه تشبه معانيه ولا حروفه تشبه حروفه، ولا صوت الرب يشبه صوت العبد فمن شبَّه اللهَ بخلقه فقد ألحد في أسمائه وآياته، ومن جحد ما وصف به نفسه فقد ألحد في أسمائه وآياته، وقد بينتُ في الجواب المبسوط مراتبَ مذاهب أهل الأرض في ذلك، وأن المتفلسفة تزعم أن كلام الله ليس له وجود إلا في نفس الأنبياء تفيض عليهم المعاني من العقل الفعال فتصير في نفوسهم حروفًا كما أن ملائكة الله عندهم ما يحدث في نفوس الأنبياء من الصور النورانية، وهذا من جنس قول فيلسوف قريش الوليد بن المغيرة: ﴿(٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ﴾ [المدثر: ٢٥] فحقيقة قولهم أن القرآن تصنيف الرسول لكنه كلام شريف صادر عن نفس صافية، وهؤلاء هم الصابئة فنفرت (١)
منهم الجهمية فقالوا: إن الله لم يتكلم ولا يتكلم ولا قام به كلام وإنما كلامه ما يخلقه من الهواء أو غيره، فأخذ بعض ذلك قوم من متكلمة الصفات فقالوا: بل نصفه، وهو المعنى كلام الله، ونصفه وهو الحروف ليس كلام الله بل هو خلق من خلقه.
وقد تنازع الصفاتية القائلون بأن القرآن غير مخلوق هل يقال: إنه قديم لم يزل ولا يتعلق بالمشيئة؟ أم يقال يتكلم إذا شاء ويسكت إذا شاء؟ على قولين مشهورين في ذلك، وفي السمع والبصر ونحوهما ذكرهما الحارث المحاسبي عن أهل السنة، وذكرهما أبو بكر [عبد العزيز] عن أهل السنة من
стр. 204
أصحاب أحمد وغيرهم.
وكذلك النزاع بين أهل الحديث والصوفية وفرق الفقهاء من المالكية والشافعية والحنفية بل وبين فرق المتكلمين والفلاسفة في جنس هذا الباب وليس هذا موضع بسط ذلك الفصل.
وأما سؤاله عن قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] فهو حق أخبر الله به، وأهل السنة متفقون على ما قاله ربيعة بن أبي عبد الرحمن ومالك بن أنس وغيرهما من الأئمة: أن الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عن الكيف بدعة، فمن زعم أن الله مفتقر إلى عرش يُقلّه أو أنه محصور في سماء تُظلّه أو أنه محصور في شيءٍ من مخلوقاته، أو أنه تحيط به جهة من جهات مصنوعاته؛ فهو مخطئ ضال، ومن قال: إنه ليس على العرش رب، ولا فوق السموات خالق، بل ما هنالك إلا العدم المحض والنفي الصرف؛ فهو معطِّل جاحد لرب العالمين مُضاهٍ لفرعون الذي قال: ﴿يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧] بل أهل السنة والحديث وسلف الأمة متفقون على أنه فوق سماواته على عرشه بائنٌ من مخلوقاته، ليس في ذاته شيء من مخلوقاته ولا في مخلوقاته شيء من ذاته، وعلى ذلك نصوص الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمة السنة، بل على ذلك جميع المؤمنين من الأولين والآخرين، وأهل السنة وسلف الأمة متفقون على أن من تأوَّل «استوى» بمعنى استولى أو بمعنى آخر ينفي أن يكون الله فوق السموات؛ فهو جهمي ضال مضل.
وأما سؤاله عن إجراء القرآن على ظاهره؛ فإنه إذا آمن بما وصف الله به
стр. 205
نفسه ووصفه به رسوله من غير تحريف ولا تكييف فقد اتبع سبيل المؤمنين. ولفظ الظاهر في عرف المتأخرين قد صار فيه اشتراك؛ فإن أراد بإجرائه على الظاهر الذي هو في خصائص المخلوقين حتى يشبّه الله بخلقه فهذا ضلال، بل يجب القطع بأن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، بل قد قال ابن عباس ﵄: ليس في الدنيا مما في الآخرة إلا الأسماء، يعني أن موعود الله في الجنة من الذهب والحرير والخمر واللبن يخالف حقًّا بقية حقائق هذه الأمور الموجودة في الدنيا، فالله تعالى أبعد عن مشابهة مخلوقاته بما لا تدركه العباد؛ إذ ليست حقيقته كحقيقة شيء منها، وأما إن أراد بإجرائه على الظاهر الذي هو الظاهر في عُرف سلف الأمة بحيث لا يحرف الكَلِم عن مواضعه ولا يُلحد في أسماء الله تعالى، ولا يفسر القرآن والحديث بما يخالف تفسير سلف الأمة وأهل السنة بل يجري ذلك على ما اقتضته النصوص وتطابق عليه دلائل الكتاب والسنة وأجمع عليه سلف الأمة، فهذا مصيب في ذلك وهو الحق، وهذه جملة لا يسع هذا الموضع تفصيلها، والله أعلم (١).
فلما وقف القاضي شمس الدِّين ابن عدلان على هذه الفتيا أنكر منها مواضع، وعرضها على القاضي زين الدِّين المالكي، فقال قاضي القضاة: أحتاج أن يثبت عندي أن هذا خط تقي الدِّين المذكور، فإذا ثبت ذلك رتبت عليه مقتضاه، وانفصل المجلس في تلك الليلة على هذا.
ثم شهد جماعة عند قاضي القضاة أن الجواب المذكور بخط
стр. 206
تقي الدِّين المذكور، فثبت ذلك عنده، وأشهد على نفسه به في شعبان من السنة، واجتمع قاضي القضاة زين الدِّين بالأمراء وعرَّفهم ما أنكره من فُتياه، فرُسِمَ بطلبه إلى الأبواب السلطانية وتوجه البريد بذلك، فتوقف نائب السلطنة بالشام الأمير جمال الدِّين في إرساله، واتفق وصول الأمير سيف الدِّين الطنقش الجمالي أستاذ دار نائب السلطنة بالشام إلى الأبواب السلطانية في الشهر المذكور في بعض المهمات وملك السلطان مخدومه من أملاكه بالشام أماكن احتاج إلى إثباتها على قاضي القضاة زين الدِّين المالكي فاجتمع بي بسبب ذلك، فدخلت على قاضي القضاة وعرَّفته مكانة سيف الدِّين المذكور ومنزلته من أرباب الدولة، ومحل مخدومه والتمست منه الإذن له في الدخول وإكرامه إذا دخل عليه فأذن له في الدخول، فلما دخل عليه أطَّرَحَه ولم يكترث لدخوله، وكلَّمه بكلام غليظ فكان مما قال له عند دخوله عليه: أنت أستاذ دار جمال الدين؟ قال: نعم، قال: لا بيَّض الله وجهه. وحَمَّله رسالة لمخدومه فقال: قل له عني أنت تعرف كيف كنت، وأنني اشتريتك للسلطان الملك المنصور وكنت على حالٍ من الضرورة في جنديتك وإمرتك ثم خوَّلك الله تعالى من نِعَمه وأفاض عليك منها ما أنت عليه الآن، وألحقكَ بأكابر الملوك ونُعِتَّ بملك الأمراء، ثم أنت تدافع عن رجلٍ طلبته لقيام حق من حقوق الله عليه، والله لئن لم ترسله ليعجلن الله تعالى هلاكك ... ، إلى غير ذلك مما قاله في وقت خروجه، فالتزم الأمير سيف الدِّين الطنقش أنه عند وصوله إلى دمشق لا يبيت ابن تيمية بها، ويرسله إليه.
ثم لم يقنع قاضي القضاة بذلك إلى أن اجتمع بالأمراء، وجدَّد معهم الحديث في أمر تقي الدين، فاقتضى ذلك إرسال الأمير حسام الدِّين لاجين
стр. 207
العمري أحد الحُجَّاب بالأبواب السلطانية إلى دمشق بمثالٍ شريف سلطاني بطلبه، فتوجه ووصل إليها في خامس شهر رمضان.
هذا هو السبب الموجب لطلبه وانحمال قاضي القضاة زين الدِّين المالكي عليه، نقلتُه عن مشاهدةٍ واطلاع.
واتفق في هذه المدة له وقائع بدمشق، نحن نوردها ملخَّصة بمقتضى ما أورده الشيخ شمس الدِّين محمد بن إبراهيم الجزري في «تاريخه» (١) ليجمع بين أطراف هذه الحادثة أسبابها بمصر والشام، وهو أنه لما كان في يوم الاثنين ثامن شهر رجب عُقِد مجلس بين يدي نائب السلطنة بدمشق حَضَره القضاة والعلماء والشيخ تقي الدِّين المذكور وسُئل عن عقيدته، فأملى شيئًا منها ثم أحضر عقيدته «الواسطية» وقرئت في المجلس وحصل البحث في مواضع منها، وأُخِّرت مواضع إلى مجلس آخر، ثم اجتمعوا في يوم الجمعة ثاني عشر الشهر، وحصل البحث وسُئل عن مواضع خارجة عن العقيدة، ونُدِب للكلام معه الشيخ صفي الدِّين الهندي، ثم عدل عنه إلى الشيخ كمال الدِّين ابن الزملكاني، فبحث معه من غير مسامحة، فأشهد الشيخ تقي الدِّين على نفسه من حضر المجلس أنه شافعي المذهب يعتقد ما يعتقده الإمام الشافعي، فحصل الرِّضى منه وعنه بهذا القول وانفصل المجلس.
ثم حصل بعد ذلك من بعض أصحاب الشيخ تقي الدِّين كلام وقالوا: ظهر الحقُّ مع شيخنا فأحضر الشيخ كمال الدِّين القزويني نائب قاضي
стр. 208
القضاة نجم الدِّين أحدَهم إلى المدرسة العادلية وعزَّره، وفعل قاضي القضاة الحنفي مثل ذلك باثنين من أصحابه، فلما كان يوم الاثنين ثاني عشرين (١) الشهر قرأ الشيخ جمال الدِّين المِزِّي فصلًا في الرد على الجهمية من كتاب «أفعال العباد» من كتاب البخاري (٢)، وكان ذلك بالجامع الأموي تحت النسر في المجلس العام المعقود لقراءة «صحيح البخاري» فغضب بعض الفقهاء الحاضرين، وقال نحن قُصِدنا بهذا التكفير، فبلغ ما قاله قاضي القضاة نجم الدِّين الشافعي فأحضره ورسم باعتقاله، فبلغ ابن تيمية الخبر فقام حافيًا وتبعه أصحابه، وأخرجه من الحبس، فغضب القاضي وتوجَّه إلى نائب السلطنة واجتمع هو وتقي الدِّين فاشتطَّ تقي الدِّين عليه وذكر نائبه جلال الدِّين وأنه آذى أصحابه، فرسم نائب السلطان بإشهار النداء في البلد بالكف عن العقائد والخوض فيها، ومن تكلم في ذلك سفك دمه ونهب ماله.
وأراد بذلك تسكين هذه الفتنة ثم عُقِد مجلس في ثاني يوم، الثلاثاء سلخ رجب بالقصر الأبلق بحضور نائب السلطنة والقضاة والفقهاء وحصل البحث في أمر العقيدة وطال البحث، فوقع من الشيخ صدر الدِّين كلام في معنى الحروف فأنكره الشيخ كمال الدِّين ابن الزملكاني فأنكر صدر الدِّين القول، فقال كمال الدِّين لقاضي القضاة نجم الدِّين بن صَصْرَي: ما سمعتَ ما قال؟ فتغافل عن إجابته لتنكسر الفتنة، فقال ابن الزملكاني: ما جرى على الشافعية قليل إذ صرت رئيسهم، يريدُ بذلك ابنَ الوكيل ــ فيما يزعم ــ فظن قاضي القضاة أنه أراده بكلامه فأشهد عليه أنه عزل نفسه عن القضاء، وقام من
стр. 209
المجلس، فرسم نائب السلطنة بعوده، فأدركه الأمير ركن الدِّين بيبرس العلائي الحاجب وغيره من الأمراء وأعادوه إلى المجلس، وجرى كلام كثير ثم ولاه نائب السلطنة القضاء، وحكم قاضي القضاة الحنفي بصحة ولايته ونفذها المالكي، فلما وصل إلى داره انقطع عن الحكم وطالع نائب السلطنة في أمره فعاد الجواب السلطاني باستمراره في القضاء في ثامن عشرين شعبان.
ثم وصل الأمير حسام الدِّين لاجين العمري في خامس شهر رمضان بطلب قاضي القضاة نجم الدِّين وتقي الدِّين ابن تيميَّة، وتضمن المثال السلطاني بأن يطالع بما وقع من أمر تقي الدِّين المذكور في سنة ثمان وتسعين وست مئة بسبب عقيدته، وأن تكتب صورة العقيدتين الأولى والثانية فأراد نائب السلطنة أن يدافع عنه ويكتب في حقه فوصل مملوكه سيف الدِّين الطنقش من الديار المصرية وأخبر باشتداد الحال عليه وقيام الأمير ركن الدِّين بيبرس الجاشنكير وذكر له كلام قاضي القضاة زين الدين، فعند ذلك أمر بإرساله وإرسال قاضي القضاة نجم الدين، فتوجَّها في يوم الاثنين ثاني عشر شهر رمضان فتوجه القاضي نجم الدِّين في الخامسة من النهار وتوجه تقي الدِّين في التاسعة وصحبته جماعة من أصحابه منهم تقي الدِّين بن شقير، وزين الدِّين بن زين الدِّين بن مُنَجَّى، وشمس الدِّين التدمري، وفخر الدِّين وعلاء الدِّين أولاد شرف الدِّين الصايغ، وابن بُخَيْخ، وشرف الدِّين عبد الله أخو الشيخ، وكان وصولهم إلى القاهرة في يوم الخميس ثاني عشري شهر رمضان وعُقِد مجلس بدار النيابة بقلعة الجبل وحضره الأمير ركن الدِّين بيبرس الجاشنكير وغيره من الأمراء والقضاة والعلماء وذلك بعد صلاة الجمعة الثالث والعشرين من الشهر، فادَّعى
стр. 210
القاضي شمس الدِّين محمد ابن عدلان دعوى شرعية على تقي الدِّين في عقيدته عند قاضي القضاة زين الدِّين في المجلس، وطالبه بالجواب فنهض تقي الدِّين قائمًا وقال: الحمد لله، وأرادَ أن يذكرَ خطبة ووعظًا، ويذكر عقيدته في أثناء ذلك، فقيل له: أجب عما ادُّعِيَ عليك به ودَعْ هذا فلا حاجة لنا بما تقول، فأراد أن يعيد القول في الخطبة فمُنِعَ وطُولِبَ بالجواب، فقال: عند من الدعوى عَلَيَّ؟ فقيل عند قاضي القضاة زين الدِّين المالكي، فقال هو عدوي وعدو مذهبي، فلم يرجع إلى قوله، ولما لم يأت بجواب أمر قاضي القضاة زين الدِّين باعتقاله على رد الجواب، فأقيم
من المجلس واعتقل هو وأخواه شرف الدِّين عبد الله وعبد الرحمن وحُبِسُوا في برج، فتردد إليه بعض الناس فاتصل ذلك بقاضي القضاة زين الدِّين فأمر بالتضييق عليه، فنقل إلى الجب في ليلة عيد الفطر وكتب مثال شريف سلطاني وسير إلى دمشق في أمر تقي الدِّين والحنابلة، ونسخته (١):
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي تنزه عن الشبيه والنظير، وتعالى عن المثيل، فقال : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ [الشورى: ١١] نحمده على أن ألهمنا العملَ بالسنة والكتاب، ورفع في أيامنا أسباب الشك والارتياب، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة من يرجو بإخلاصه حسن العقبى والمصير وينزه خالقه عن التحييز في جهة لقوله : ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤] ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله، الذي نهج سبيل النجاة لمن سلك طريق مرضاته، وأمر بالتفكر في
стр. 211
آلاء الله، ونهى عن التفكر في ذاته صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين علا بهم منار الإيمان وارتفع، وشيد الله بهم من قواعد الدِّين الحنيف ما شرع، وأخمد بهم كلمةَ من حاد عن الحق ومال إلى البدع، وبعد: فإن العقيدة الشرعية وقواعد الإسلام المرعية وأركان الإيمان العَلِيَّة ومذاهب الدِّين المرضية هي الأساس الذي يبنى عليه، والموئل الذي يرجع كل أحد إليه، والطريق الذي من سلكها فقد فاز فوزًا عظيمًا، ومن زاغ عنها فقد استوجب عذابًا أليمًا، فلهذا يجب أن تنفذ أحكامها، ويؤكد دوامها وتصان عقائد هذه الأمة عن الاختلاف، وتُزَان قواعد الأمة بالائتلاف، وتغمد بواتر البدع، ويفرق من فرقها ما اجتمع، وكان التقي ابن تيمية في هذه المدة قد بَسَطَ لسانَ قلمه، ومدَّ عنان كَلِمِه، وتحدث في مسائل الذات والصفات، ونصَّ في كلامه على أمور منكرات، وتكلَّم فيما سكت عنه الصحابة والتابعون، وفاه بما تجنبه السلف الصالحون، وأتى في ذلك بما أنكره أئمة الإسلام، واتفق على خلافه إجماع العلماء والحكام، وشهر من فتاويه في البلاد ما استخف به عقول العوام، وخالف في ذلك علماء عصره، وفقهاء شامه ومصره، وبعث رسائله إلى كل مكان، وسمَّى فتاويه أسماء ما أنزل الله بها من سلطان.
ولما اتصل بنا ذلك وما سلكه مريدوه من هذه المسائل وأظهروه، من هذه الأحوال وأشاعوه، وعلمنا أنه استخف قومَه فأطاعوه، حتى اتصل بنا أنهم صرحوا في حق الله بالحرف والصوت والتجسيم، قمنا في الله تعالى مشفقين من هذا النبأ العظيم، وأنكرنا هذه البدعة، وأنِفْنا أن يشيع عمن تضمه ممالكنا هذه السمعة، وكرهنا ما فاه به المبطلون وتلونا قوله: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١] فإنه ﷻ تنزه عن العديل والنظير: ﴿لَا
стр. 212
تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] وتقدمت مراسمنا باستدعاء ابن تيمية المذكور إلى بابنا عندما سادت فتاويه شامًا ومصرًا، وصرح فيها بألفاظ ما سمعها ذو فهمٍ إلا وتلا: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ [الكهف: ٧٤] ولما وصل إلينا، أمرنا بجمع أولي الحل والعقد، وذوي التحقيق والنقد، وحضر قضاة الإسلام وحكام الأنام، وعلماء الدين، وفقهاء المسلمين، وعُقِد له مجلس شَرْع، في ملأ من الأئمة وجَمْع، فثبت عند ذلك عليه جميع ما نُسِب إليه، بمقتضى خط يده الدال على منكر معتقده، وانفصل ذلك الجمع وهم لعقيدته منكرون، وآخذوه بما شهد به قلمه عليه تالين: ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: ١٩] وبلغنا أنه كان استتيب فيما تقدم، وأخَّره الشرع الشريف لما تعرض لذلك وأقدم، ثم عاد بعد منعه، ولم تدخل تلك النواهي في سمعه، ولما ثبت ذلك في مجلس الحكم العزيز المالكي، حكم الشرع الشريف بأن يسجن هذا المذكور ويُمْنع من التصرف والظهور ومرسومنا هذا يأمر بأن لا يسلك أحد ما سلكه المذكور من هذه المسالك، وينهى عن التشبه به في اعتقاد مثل هذا أو يغدو له في هذا القول متبعًا، ولهذه الألفاظ مستمعًا، أو يسري في التجسيم مسراه، أو أن يفوه بجهة العلو مخصصًا أحدٌ كما فاه، أو يتحدث إنسان في صوت أو حرف، أو يوسع القول في ذات أو
وصف، أو ينطق بتجسيم، أو يحيد عن طريق الحق المستقيم، أو يخرج عن آراء الأئمة، أو ينفرد عن علماء الأمة، أو يحيِّز الله في جهة، أو يتعرَّض إل حيث أو كيف، فليس لمن يعتقد هذا المجموع عندنا إلا السيف، فليقف كل أحد عند هذا الحد ولله الأمر من قبل ومن بعد، وليلزم كل من الحنابلة بالرجوع عما أنكره الأئمة من هذه العقيدة،
стр. 213
أو الخروج من هذه المشتبهات الشديدة، ولزوم ما أمر الله تعالى به من التمسُّك بمذاهب أهل الإيمان الحميدة، فإنه من خرج عن أمر الله تعالى فقد ضل سواء السبيل، وليس له غير السجن الطويل من مستقر ولا مقيل.
رسمنا بأن ينادى في دمشق المحروسة والبلاد الشامية وتلك الجهات بالنهي الشديد والتخويف والتهديد لمن يتبع ابن تيمية في الأمر الذي أوضحناه، ومن تبعه فيه تركناه في مثل مكانه وأحللناه ووضعناه من عيون الأمم كما وضعناه، ومن أصرَّ على الدفاع وأبى إلا الامتناع أمرنا بعزلهم من مدارسهم ومناصبهم وإسقاطهم من مراتبهم، وأن لا يكون لهم في بلادنا حكم ولا قضاء ولا إمامة ولا شهادة ولا ولاية ولا رتبة ولا إقامة فإننا أزلنا دعوة هذا المبتدع من البلاد، وأبطلنا عقيدته التي أضل بها كثيرًا من العباد أو كاد، ولتكتب المحاضر الشرعية على الحنابلة بالرجوع عن ذلك، وتسير إلينا بعد إثباتها على قضاة الممالك، وقد أعذرنا وحذرنا، وأنصفنا حيث أنذرنا، وليقرأ مرسومنا هذا على المنابر، ليكون أبلغ واعظ وزاجر، وأحمد ناهٍ وآمر، والاعتماد على الخط الشريف أعلاه، وكتب في ثامن عشرين شهر رمضان سنة خمس وسبعمائة.
ولما وصل هذا المثال إلى دمشق قُرِئ على المنابر كما رسم فيه وأُشْهِر وأُعْلن، وأما قاضي القضاة نجم الدِّين ابن صصري فإنه عومل بالإكرام وخلع عليه ونزل بدار الحديث الكاملية بقاعة التدريس بها، وأذن له السلطان أن يحكم بالقاهرة فأثبت مكاتيب كثيرة وجلس كتاب الحكم بين يديه، وخرجّت إسجالاته وشهدتُ عليه في بعضها، ثم عاد إلى دمشق على خيل البريد، وكان وصوله إليها في يوم الجمعة سادس ذي القَعْدة. وفي أثناء هذه الحادثة في
стр. 214
غُضُون هذه المدة كان للحنابلة في القاهرة مع قاضي القضاة زين الدِّين المالكي وقائع أُهيْن فيها بعض أعيانهم واعتقل وعزر بعضهم.
وكان ممن تعصب لتقي الدِّين ابن تيمية في هذه الواقعة بالشام قاضي القضاة شمس الدِّين محمد ابن الحريري الحنفي، وأثبتَ محضرًا له مما هو عليه من الخير، وكتبَ في أعلاه بخطه ثلاثة عشر سطرًا يقول في جملتها: إنه منذ ثلاث مئة سنة ما رأى الناس مثله، وأراني قاضي القضاة زين الدِّين المالكي هذا المحضر، وغضب منه وسعى في عزل قاضي القضاة الحنفية بدمشق شمس الدِّين ابن الحريري، فعُزِل وفُوِّض قضاء القضاة الحنفية بدمشق بعده لقاضي القضاة شمس الدِّين محمد ابن إبراهيم الأذرعي الحنفي مدرس المدرسة الشبلية، فوصل تقليده إلى دمشق في ثاني ذي القَعْدة.
وأما تقي الدِّين فإنه استمر في الجبِّ بقلعة الجبل إلى أن وصل الأمير حسام الدِّين مهنا إلى الأبواب السلطانية في شهر ربيع الأول سنة سبع وسبع مئة، فسأل السلطان في أمره وشفع فيه، فأمر بإخراجه فأخرج في يوم الجمعة الثالث والعشرين من الشهر، وأُحْضِر إلى دار النيابة بقلعة الجبل وحصل بحث مع بعض الفقهاء ثم اجتمع جماعة من أعيان العلماء ولم تحضره القضاة وذلك لمرض قاضي القضاة زين الدِّين المالكي، ولم يحضر غيره من القضاة، وحصل البحث وكتب خطه ووقع الإشهاد عليه وكتب بصورة المجلس مكتوب مضمونه:
بسم الله الرحمن الرحيم، شهد من يضع خطه آخره أنه لما عقد مجلس لتقي الدِّين أحمد ابن تيمية الحراني الحنبلي بحضرة المقر الأشرف العالي
стр. 215
المولوي الأميري الكبيري العالمي العادلي السيفي ملك الأمراء سَلَّار الملكي الناصري نائب السلطة المعظمة أسبغ الله ظله، وحضر فيه جماعة من السادة العلماء الفضلاء أهل الفتيا بالديار المصرية بسبب ما نُقِل عنه وَوُجِد بخطه الذي عرف به قبل ذلك من الأمور المتعلقة باعتقاده أن الله تعالى يتكلم بصوت وأن الاستواء على حقيقته وغير ذلك مما هو مخالف لأهل الحق، انتهى المجلس بعد أن جرت فيه مباحث معه ليرجع عن اعتقاده في ذلك إلى أن قال بحضرة شهود: أنا أشعري ورفع كتاب الأشعرية على رأسه وأشهد عليه بما كتب به خطًّا وصورته: الحمد لله، الذي أعتقده أن القرآن معنى قائم بذات الله، وهو صفة من صفات ذاته القديمة الأزلية وهو غير مخلوق وليس بحرف ولا صوت، كتبه: أحمد ابن تيمية، والذي أعتقده من قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] أنه على ما قاله الجماعة، أنه ليس على حقيقته وظاهره، ولا أعلم كُنْهَ المراد منه بل لا يعلم ذلك إلا الله تعالى. كتبه أحمد ابن تيمية.
والقول في النزول كالقول في الاستواء أقول فيه ما أقول فيه، ولا أعلم كنه المراد به، بل لا يعلم ذلك إلا الله تعالى، وليس على حقيقته وظاهره. كتبه: أحمد ابن تيمية، وذلك في يوم الأحد خامس عشرين شهر ربيع الأول سنة سبع وسبعمائة.
هذا صورة ما كتب به بخطه، وأشْهَد عليه أيضًا أنه تاب إلى الله تعالى مما ينافي هذا الاعتقاد في المسائل الأربع المذكورة بخطه (١)، وتلفظ