آلاء الله، ونهى عن التفكر في ذاته صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين علا بهم منار الإيمان وارتفع، وشيد الله بهم من قواعد الدِّين الحنيف ما شرع، وأخمد بهم كلمةَ من حاد عن الحق ومال إلى البدع، وبعد: فإن العقيدة الشرعية وقواعد الإسلام المرعية وأركان الإيمان العَلِيَّة ومذاهب الدِّين المرضية هي الأساس الذي يبنى عليه، والموئل الذي يرجع كل أحد إليه، والطريق الذي من سلكها فقد فاز فوزًا عظيمًا، ومن زاغ عنها فقد استوجب عذابًا أليمًا، فلهذا يجب أن تنفذ أحكامها، ويؤكد دوامها وتصان عقائد هذه الأمة عن الاختلاف، وتُزَان قواعد الأمة بالائتلاف، وتغمد بواتر البدع، ويفرق من فرقها ما اجتمع، وكان التقي ابن تيمية في هذه المدة قد بَسَطَ لسانَ قلمه، ومدَّ عنان كَلِمِه، وتحدث في مسائل الذات والصفات، ونصَّ في كلامه على أمور منكرات، وتكلَّم فيما سكت عنه الصحابة والتابعون، وفاه بما تجنبه السلف الصالحون، وأتى في ذلك بما أنكره أئمة الإسلام، واتفق على خلافه إجماع العلماء والحكام، وشهر من فتاويه في البلاد ما استخف به عقول العوام، وخالف في ذلك علماء عصره، وفقهاء شامه ومصره، وبعث رسائله إلى كل مكان، وسمَّى فتاويه أسماء ما أنزل الله بها من سلطان.
ولما اتصل بنا ذلك وما سلكه مريدوه من هذه المسائل وأظهروه، من هذه الأحوال وأشاعوه، وعلمنا أنه استخف قومَه فأطاعوه، حتى اتصل بنا أنهم صرحوا في حق الله بالحرف والصوت والتجسيم، قمنا في الله تعالى مشفقين من هذا النبأ العظيم، وأنكرنا هذه البدعة، وأنِفْنا أن يشيع عمن تضمه ممالكنا هذه السمعة، وكرهنا ما فاه به المبطلون وتلونا قوله: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١] فإنه ﷻ تنزه عن العديل والنظير: ﴿لَا
стр. 212
تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] وتقدمت مراسمنا باستدعاء ابن تيمية المذكور إلى بابنا عندما سادت فتاويه شامًا ومصرًا، وصرح فيها بألفاظ ما سمعها ذو فهمٍ إلا وتلا: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ [الكهف: ٧٤] ولما وصل إلينا، أمرنا بجمع أولي الحل والعقد، وذوي التحقيق والنقد، وحضر قضاة الإسلام وحكام الأنام، وعلماء الدين، وفقهاء المسلمين، وعُقِد له مجلس شَرْع، في ملأ من الأئمة وجَمْع، فثبت عند ذلك عليه جميع ما نُسِب إليه، بمقتضى خط يده الدال على منكر معتقده، وانفصل ذلك الجمع وهم لعقيدته منكرون، وآخذوه بما شهد به قلمه عليه تالين: ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: ١٩] وبلغنا أنه كان استتيب فيما تقدم، وأخَّره الشرع الشريف لما تعرض لذلك وأقدم، ثم عاد بعد منعه، ولم تدخل تلك النواهي في سمعه، ولما ثبت ذلك في مجلس الحكم العزيز المالكي، حكم الشرع الشريف بأن يسجن هذا المذكور ويُمْنع من التصرف والظهور ومرسومنا هذا يأمر بأن لا يسلك أحد ما سلكه المذكور من هذه المسالك، وينهى عن التشبه به في اعتقاد مثل هذا أو يغدو له في هذا القول متبعًا، ولهذه الألفاظ مستمعًا، أو يسري في التجسيم مسراه، أو أن يفوه بجهة العلو مخصصًا أحدٌ كما فاه، أو يتحدث إنسان في صوت أو حرف، أو يوسع القول في ذات أو
وصف، أو ينطق بتجسيم، أو يحيد عن طريق الحق المستقيم، أو يخرج عن آراء الأئمة، أو ينفرد عن علماء الأمة، أو يحيِّز الله في جهة، أو يتعرَّض إل حيث أو كيف، فليس لمن يعتقد هذا المجموع عندنا إلا السيف، فليقف كل أحد عند هذا الحد ولله الأمر من قبل ومن بعد، وليلزم كل من الحنابلة بالرجوع عما أنكره الأئمة من هذه العقيدة،
стр. 213
أو الخروج من هذه المشتبهات الشديدة، ولزوم ما أمر الله تعالى به من التمسُّك بمذاهب أهل الإيمان الحميدة، فإنه من خرج عن أمر الله تعالى فقد ضل سواء السبيل، وليس له غير السجن الطويل من مستقر ولا مقيل.
رسمنا بأن ينادى في دمشق المحروسة والبلاد الشامية وتلك الجهات بالنهي الشديد والتخويف والتهديد لمن يتبع ابن تيمية في الأمر الذي أوضحناه، ومن تبعه فيه تركناه في مثل مكانه وأحللناه ووضعناه من عيون الأمم كما وضعناه، ومن أصرَّ على الدفاع وأبى إلا الامتناع أمرنا بعزلهم من مدارسهم ومناصبهم وإسقاطهم من مراتبهم، وأن لا يكون لهم في بلادنا حكم ولا قضاء ولا إمامة ولا شهادة ولا ولاية ولا رتبة ولا إقامة فإننا أزلنا دعوة هذا المبتدع من البلاد، وأبطلنا عقيدته التي أضل بها كثيرًا من العباد أو كاد، ولتكتب المحاضر الشرعية على الحنابلة بالرجوع عن ذلك، وتسير إلينا بعد إثباتها على قضاة الممالك، وقد أعذرنا وحذرنا، وأنصفنا حيث أنذرنا، وليقرأ مرسومنا هذا على المنابر، ليكون أبلغ واعظ وزاجر، وأحمد ناهٍ وآمر، والاعتماد على الخط الشريف أعلاه، وكتب في ثامن عشرين شهر رمضان سنة خمس وسبعمائة.
ولما وصل هذا المثال إلى دمشق قُرِئ على المنابر كما رسم فيه وأُشْهِر وأُعْلن، وأما قاضي القضاة نجم الدِّين ابن صصري فإنه عومل بالإكرام وخلع عليه ونزل بدار الحديث الكاملية بقاعة التدريس بها، وأذن له السلطان أن يحكم بالقاهرة فأثبت مكاتيب كثيرة وجلس كتاب الحكم بين يديه، وخرجّت إسجالاته وشهدتُ عليه في بعضها، ثم عاد إلى دمشق على خيل البريد، وكان وصوله إليها في يوم الجمعة سادس ذي القَعْدة. وفي أثناء هذه الحادثة في
стр. 214
غُضُون هذه المدة كان للحنابلة في القاهرة مع قاضي القضاة زين الدِّين المالكي وقائع أُهيْن فيها بعض أعيانهم واعتقل وعزر بعضهم.
وكان ممن تعصب لتقي الدِّين ابن تيمية في هذه الواقعة بالشام قاضي القضاة شمس الدِّين محمد ابن الحريري الحنفي، وأثبتَ محضرًا له مما هو عليه من الخير، وكتبَ في أعلاه بخطه ثلاثة عشر سطرًا يقول في جملتها: إنه منذ ثلاث مئة سنة ما رأى الناس مثله، وأراني قاضي القضاة زين الدِّين المالكي هذا المحضر، وغضب منه وسعى في عزل قاضي القضاة الحنفية بدمشق شمس الدِّين ابن الحريري، فعُزِل وفُوِّض قضاء القضاة الحنفية بدمشق بعده لقاضي القضاة شمس الدِّين محمد ابن إبراهيم الأذرعي الحنفي مدرس المدرسة الشبلية، فوصل تقليده إلى دمشق في ثاني ذي القَعْدة.
وأما تقي الدِّين فإنه استمر في الجبِّ بقلعة الجبل إلى أن وصل الأمير حسام الدِّين مهنا إلى الأبواب السلطانية في شهر ربيع الأول سنة سبع وسبع مئة، فسأل السلطان في أمره وشفع فيه، فأمر بإخراجه فأخرج في يوم الجمعة الثالث والعشرين من الشهر، وأُحْضِر إلى دار النيابة بقلعة الجبل وحصل بحث مع بعض الفقهاء ثم اجتمع جماعة من أعيان العلماء ولم تحضره القضاة وذلك لمرض قاضي القضاة زين الدِّين المالكي، ولم يحضر غيره من القضاة، وحصل البحث وكتب خطه ووقع الإشهاد عليه وكتب بصورة المجلس مكتوب مضمونه:
بسم الله الرحمن الرحيم، شهد من يضع خطه آخره أنه لما عقد مجلس لتقي الدِّين أحمد ابن تيمية الحراني الحنبلي بحضرة المقر الأشرف العالي
стр. 215
المولوي الأميري الكبيري العالمي العادلي السيفي ملك الأمراء سَلَّار الملكي الناصري نائب السلطة المعظمة أسبغ الله ظله، وحضر فيه جماعة من السادة العلماء الفضلاء أهل الفتيا بالديار المصرية بسبب ما نُقِل عنه وَوُجِد بخطه الذي عرف به قبل ذلك من الأمور المتعلقة باعتقاده أن الله تعالى يتكلم بصوت وأن الاستواء على حقيقته وغير ذلك مما هو مخالف لأهل الحق، انتهى المجلس بعد أن جرت فيه مباحث معه ليرجع عن اعتقاده في ذلك إلى أن قال بحضرة شهود: أنا أشعري ورفع كتاب الأشعرية على رأسه وأشهد عليه بما كتب به خطًّا وصورته: الحمد لله، الذي أعتقده أن القرآن معنى قائم بذات الله، وهو صفة من صفات ذاته القديمة الأزلية وهو غير مخلوق وليس بحرف ولا صوت، كتبه: أحمد ابن تيمية، والذي أعتقده من قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] أنه على ما قاله الجماعة، أنه ليس على حقيقته وظاهره، ولا أعلم كُنْهَ المراد منه بل لا يعلم ذلك إلا الله تعالى. كتبه أحمد ابن تيمية.
والقول في النزول كالقول في الاستواء أقول فيه ما أقول فيه، ولا أعلم كنه المراد به، بل لا يعلم ذلك إلا الله تعالى، وليس على حقيقته وظاهره. كتبه: أحمد ابن تيمية، وذلك في يوم الأحد خامس عشرين شهر ربيع الأول سنة سبع وسبعمائة.
هذا صورة ما كتب به بخطه، وأشْهَد عليه أيضًا أنه تاب إلى الله تعالى مما ينافي هذا الاعتقاد في المسائل الأربع المذكورة بخطه (١)، وتلفظ
стр. 216
بالشهادتين المعظمتين وأشهد عليه أيضًا بالطواعية والاختيار في ذلك، ووقع ذلك كله بقلعة الجبل المحروسة من الديار المصرية حرسها الله تعالى بتاريخ يوم الأحد الخامس والعشرين من شهر ربيع الأول سنة سبع وسبعمائة، وشهد عليه في هذا المحضر جماعة من الأعيان المُفْتين والعدول، وأفرج عنه واستقر بالقاهرة بدار شقير، ثم عُقد له مجلس ثالث بالمدرسة الصالحية بالقاهرة في يوم الخميس سادس عشر شهر ربيع الآخر وكتب بخطه نحو ما تقدم ووقع الإشهاد فيه عليه أيضًا، وسكن الحال مدة ثم اجتمع جماعة من المشايخ والصوفية مع الشيخ تاج الدِّين ابن عطاء الله في نحو خمس مئة نفر وتبعهم جمع كثير من العوام وطلعوا إلى قلعة الجبل في العشر الأوسط من شوال من السنة، واجتمع الشيخ المذكور وأعيان المشايخ بنائب السلطان وقالوا: إن تقي الدِّين يتكلم في حق مشايخ الطريقة وأنه يقول: لا يُسْتغاث بالنبي ﷺ فرد الأمر إلى قاضي القضاة بدر الدِّين ابن جماعة الشافعي، واقتضى الحال أن رُسِمَ بتسفيره إلى الشام على خيل البريد فتوجه وكان قاضي القضاة زين الدِّين المالكي في ذلك الوقت في حال شديدة من المرض وقد أشرف على الموت، فبلغه ذلك عقيب إفاقة من غشي كان قد حصل له فأرسل إلى الأمير سيف الدِّين سلَّار وسأله في رده، فأمر برده إلى القاهرة فتوجه البريد وأعاده من مدينة بلبيس فوصل وقاضي القضاة زين الدِّين مغلوب بالمرض، فأرسل إلى نائبه القاضي نور الدِّين الزواوي، فحضر به إلى مجلس قاضي القضاة بدر الدِّين وحررت الدعوى عليه في أمر اعتقاده وما وقع منه، فشهد عليه الشيخ شرف الدِّين ابن الصابوني، وقيل: إن الشيخ
علاء الدِّين القُوْنوي يشهد عليه، فاعتقل بسجن الحاكم بحارة الديلم وذلك في ثامن عشر شوال سنة سبع وسبعمائة، واستمر
стр. 217
به إلى سلخ صفر سنة تسع وسبع مئة، فأُنهيَ عنه أن جماعة يحضرون إليه بالسجن وأنه يَعِظُهم ويتكلَّم في أثناء وعظه بما يشبه ما تقدم من كلامه، فأمر بنقله إلى ثغر الإسكندرية واعتقاله هناك، فجهز إلى الثغر في هذا التاريخ وحبس ببرج شرقي واستمر به إلى أن عادت الدولة الناصرية ثالثًا، فتحدث مع السلطان في يوم السبت ثامن عشر شوال سنة تسع وسبع مئة، فأكرمه السلطان وجمع القضاة وأصلح بينه وبين قاضي القضاة زين الدِّين المالكي فأشرط عليه قاضي القضاة أن يتوب عما تقدم الكلام فيه ويتوب عنه ولا يعود إليه، فقال السلطان: قد تاب وانفصل المجلس على خير، وسكن الشيخ تقي الدِّين بالقاهرة ببعض القاعات، وتردد الناس إليه واستمر إلى أن توجه السلطان إلى الشام في سنة ثنتي عشرة وسبع مئة، فتوجه بِنيَّة الغزاة، وأقام بدمشق إلى أن سطرنا هذه الأحرف في سنة خمس وعشرين وسبعمائة، وكان له في غضون هذه المدة بدمشق وقائع نذكرها في مواضعها إن شاء الله تعالى، ولنرجع إلى تتمة سياقة الحوادث في سنة خمس وسبعمائة.
ذكر اعتقال الشيخ تقي الدِّين ابن تيمية
وفي هذه السنة (١) ــ في يوم الاثنين السادس من شعبان ــ اعْتُقِل الشيخ تقي الدِّين أحمد ابن تَيْميَّةَ بقلعة دمشق المحروسة، حسب الأمر الشريف السلطاني، واعْتُقِل معه أخوه زين الدِّين عبد الرحمن، ومنع من الفُتْيا واجتماع الناس به.
وسبب ذلك: أنه أفتى أنه لا يجوز زيارة قبر رسول الله ﷺ ، ولا قبر
стр. 218
إبراهيم الخليل، ولا غيرهما من قبور الأنبياء والصالحين (١)، وتوجه بعض أصحابه وهو الشمس محمد بن أبي بكر إمام المدرسة الجَوْزية (٢) في هذه السنة لزيارة البيت المقدس، فرقي منبرًا في حرم القدس الشريف، ووعظ الناس وذكر هذه المسألة في أثناء وعظه، وقال: ها أنا من هنا أرجع ولا أزور الخليل، وجاء إلى نابُلُسَ، وعمل مجلس وعظ، وأعاد كلامه، وقال: ولا يزار قبر النبي ﷺ ، ولا يزار إلا مسجده، فقصد أهل نابلس قتله، فحال بينهم وبينه مُتَوَلِّيها، وكتب أهل القدس وأهل نابلس ودمشق بما وقع منه، فطلبه قاضي القضاة شرف الدِّين المالكي، فتغيب عنه، وبادر بالاجتماع بقاضي القضاة شمس الدِّين محمد بن مسلم الحنبلي قاضي الحنابلة، وتاب عنده، وقبل توبته، وحَقَن دمَه، ولم يُعَزِّره.
فنهض الفقهاء بدمشق عند ذلك، وتكلموا على الشيخ تقي الدين، وكتبوا فتيا تتضمن ما صدر منه، وذكروا هذه المسألة وغيرها، فأفتى العلماء بكفره! ! وعُرِضت الفتيا على نائب السلطنة بالشام، الأمير سيف الدِّين تنكز، فطالع السلطان بذلك، فجلس السلطان في يوم الثلاثاء التاسع والعشرين من شهر رجب بالميدان الذي هو بذيل قلعة الجبل، وأحضر القضاة والعلماء، وعرض عليهم ما ورد في أمره من دمشق، فأشار قاضي القضاة بدر الدِّين محمد بن جماعة الشافعي باعتقال تقي الدِّين المذكور، فرسم باعتقاله ومنعه من الفتيا، ومنع الناس من الاجتماع به، وأن يُؤَدَّب من هو على
стр. 219
معتقده، وتوجيه البريد بذلك، فوصل إلى دمشق في يوم الاثنين سادس شعبان، فاعتقل، وقرئ المثال السلطاني بعد صلاة الجمعة العاشر من الشهر على السدة بجامع دمشق.
ثم طلب قاضي القُضاة القزويني جماعةً من أصحاب تقي الدِّين في يوم الجمعة الرابع والعشرين من الشهر إلى المدرسة العادلية، وكانوا قد اعْتُقِلوا بسجن الحكم، فادُّعِيَ على العماد إسماعيل (١) صهر الشيخ جمال الدِّين المِزِّي أنه قال: إن التوراة والإنجيل لم يُبَدَّلا، وأنهما كما أنزلا، فأنكر، فشهد عليه بذلك، فضرب بالدِّرّة، وأشهر وأطلق.
وادُّعِي على عبد الله الإسكندري، والصلاح الكتبي (٢)، وغيرهما بأمور صدرت منهم، فثبت ذلك عليهم، فضربوا بالدِّرَّة، وأُشْهِروا في البلد.
وطُلِب الشمسي إمام المدرسة الجوزية، وسئل عما صدر منه في مجلس وعظه بالقدس ونابلس، فأنكر ذلك، فشهد عليه من حضر مجلسيه بما تلفظ ممن كان قد توجه من عدول دمشق لزيارة البيت المقدس، فثبت ذلك عليه فضُرِبَ بالدرة، وأُشْهِر على حمار بدمشق والصالحية، وقُيِّد، واعتُقِل بقلعة دمشق، فلم يزل في الاعتقال إلى يوم الثلاثاء العشرين من ذي الحجة سنة ثمان وعشرين، فأفرج عنه في هذا اليوم، وحضر إلى قاضي القضاة الشافعي، فشرط عليه شروطًا، فالتزمها، وأُطْلِق.
стр. 220
وفيها (١) في يوم الاثنين تاسع عشر جمادى الآخرة ورد مرسوم شريف سلطاني إلى دمشق بمنع الشيخ تقي الدِّين أحمد ابن تيمية من الكتابة مطلقًا في التصنيف والفتيا، فأخذ ما عنده من الكتب والأوراق والدواة والأقلام وأُوْدِع ذلك عند متولي قلعة دمشق، فكان عنده إلى مستهل شهر رجب، ثم أرسل المتولي ذلك إلى قاضي القضاة علاء الدين، فجعل الكتب في خزانة المدرسة العادلية، لأنها كانت عارية، وأما الأوراق التي كانت بخطه من تصانيفه فكانت نحو أربع عشرة ربطة، فنظر القضاة والفقهاء فيها، وفُرِّقت بينهم.
وكان سبب ذلك أنه وجد له جواب عما رده عليه قاضي القضاة تقي الدِّين المالكي، فأعلم السلطان بذلك، فاستشار قاضي القضاة، فأشار بذلك، فرسم به، فحينئذ عدل الشيخ عن ذلك إلى تلاوة القرآن.
وفيها (٢) في الثلث الأخير من ليلة الاثنين المسفر صباحها عن العشرين من ذي القَعْدة كانت وفاة الشيخ العالم الورع تقي الدِّين أحمد ابن الشيخ شهاب الدِّين أبي المحاسن عبد الحليم بن الشيخ مجد الدِّين أبي البركات عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني ثم الدمشقي في معتقله بدمشق، ومرض سبعة عشر يومًا، ولما مُنع من الكتابة والتصنيف عكف على تلاوة كتاب الله تعالى، فيقال إنه قرأ ثمانين ختمة، وقرأ من الحادية والثمانين إلى سورة الرحمن، وأكملها أصحابه الذين دخلوا عليه حال غسله وتكفينه، وتولى غسله مع المغسل الشيخ تاج الدِّين
стр. 221
الفارقي، والشيخ شمس الدِّين بن إدريس، وصُلِّيَ عليه في عدة مواضع؛ فصُلِّيَ عليه أولًا بقلعة دمشق وأمَّ الناس في الصلاة عليه الشيخ محمد بن تمَّام الصالحي الحنبلي، ثم حُمِل إلى الجامع الأموي، ووضعت جنازته في أول الساعة الخامسة، وامتلأ الجامع بالناس، وغلقت أسواق المدينة، وصلى عليه بعد صلاة الظهر، ثم حمل وأخرج من باب الفرج، وازدحم الناس حتى تفرَّقوا في أبواب المدينة وصُلِّيَ عليه بعد صلاة الظهر، ثم حمل فخرجوا من باب النصر وباب الفراديس وباب الجابية، وامتلأ سوق الخيل بالناس، وصُلِّي عليه مرة ثالثة وأمَّ الناس في الصلاة عليه أخوه الشيخ زين الدِّين عبد الرحمن، وحُمِل إلى مقبرة الصوفية، فدُفِن قريبًا من وقت العصر لازدحام الناس عليه.
ومولده بحران في يوم الاثنين عاشر شهر ربيع الأول سنة إحدى وستين وست مئة، وقدم مع والده في حال صغره، واشتغل عليه وسمع من جماعة من المشايخ، وكان شيخًا حافظًا مُفْرِط الذكاء، حسن البديهة، وله تصانيف كثيرة منها ما ظهر، ومنها ما لم يظهر، وشهرته بالعلم تغني عن بَسْط القلم فيه، وكان علمه أرجح من عقله (١)، وقد قدمنا من أخباره ووقائعه ما يغني عن إعادته، وكانت مدة اعتقاله من يوم الاثنين سادس شعبان سنة ست وعشرين وسبع مئة إلى حين وفاته سنتين وثلاثة أشهر وأربعة عشر يومًا، رحمه الله تعالى.
стр. 222
ولما مات أُفْرِج عن أخيه الشيخ زين الدِّين عبد الرحمن في يوم الأحد سادس عشرين ذي القَعْدة، وكان قد اعتقل معه، فلما مات كان يخرج في كل يوم إلى تربة أخيه، ويعود عشية النهار يبيت بقلعة دمشق، إلى أن حضر نائب السلطنة من الصيد، فأفرجَ عنه.
* * * *
стр. 223
أجوبة ابن سيِّد النّاس اليَعْمَري عن سؤالات ابن أيبك الدمياطي (١)
للعلامة أبي الفتح ابن سيِّد النَّاس اليَعْمَرِي (٧٣٤)
[قال ابن سيِّد الناس، بعد ثنائِه على المزِّي:] وهو الذي حداني على رؤية الشيخ الإمام شيخ الإسلام: تقي الدِّين أبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية.
فألفيته ممن أدرك من العلم حظًّا، وكاد يستوعب السنن والآثار حفظًا. إنْ تكلَّم في التفسير؛ فهو حامل رايته، أو أفتى في الفقه؛ فهو مُدْرك غايته، أو ذاكر بالحديث؛ فهو صاحب علم وذو روايته، أو حاضر بالنِّحل والملل؛ لم يُر أوسع من نِحْلَتِه في ذلك ولا أرفع من درايته، برز في كل فنٍّ على أبناء جِنسه، ولم تر عين من رآه مثله، ولا رأت عينه مثل نفسه. كان يتكلم في التفسير؛ فيحضر مجلسه الجم الغفير، ويَرِدون من بحر علمه العذب النمير، ويرتعون من ربيع فضله في روضة وغدير، إلى أنْ دبَّ إليه من أهل بلده داء الحسد، وأكبَّ أهل النظر منهم على ما يُنْتقد عليه في حنبليته من أُمور المعتقد، فحفظوا عنه في ذلك كلامًا؛ أوسعوه بسببه ملامًا، وفوَّقوا لتبديعه سِهامًا. وزعموا أنَّه خالف طريقتهم، وفرق فريقهم، فنازعهم ونازعوه، وقاطع بعضهم وقاطعوه، ثم نازع طائفة أخرى ينتسبون من الفقر إلى طريقةٍ، ويزعمون أنهم على أدقِّ باطن منها وأجْلى حقيقة، فكشف تلك الطرائق، وذكر لها ــ على ما زعم ــ بوائق، فآضت إلى الطائفة الأولى من منازعيه،
стр. 224
واستعانت بذوي الضغن عليه من مقاطعيه، فوصلوا بالأمراء أمره، وأعمل كل منهم في كفره فكره، فرتَّبوا محاضر، وألَّبوا الرويبضة للسّعي بها بين الأكابر، وسعوا لفي نقله إلى حضرة المملكة بالديار المصرية فنُقِل، وأُودع السجن ساعةَ حضوره واعتُقِل، وعقدوا لإراقة دمه مجالس، وحشدوا لذلك قومًا من عُمَّار الزوايا وسكَّان المدارس، من مجامل في المنازعة، مخاتل بالمخادعة، ومن مجاهر بالتكفير مبارز بالمقاطعة، يسومونه ريب المنون، ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [القصص: ٦٩].
وليس المجاهر بكفره بأسوأ حالًا من المخاتل، وقد دبّت إليه عقارب مكره فردّ الله كيد كلٍّ في نحره، ونجاه على حد من اصطفاه والله غالب على أمره.
ثم لم يخل بعد ذلك من فتنة بعد فتنة، ولم ينتقل طول عمره من محنة إلا إلى محنة، إلى أن فوِّض أمره لبعض القضاة فتقلَّد ما تقلَّد من اعتقاله، ولم يزل بمحبسه ذلك إلى حين ذهابه إلى ربه تعالى وانتقاله، وإلى الله ترجع الأمور، وهو المطّلع على خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
وكان يومه مشهودًا، ضاقت بجنازته الطريق، وانتابها المسلمون من كلِّ فجٍّ عميق، يتبركون بمشهده يوم يقوم الأشهاد، ويتمسكون بشرجعه (١) حتّى كسروا تلك الأعواد! ! وذلك في ليلة العشرين من ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وسبع مئة بقلعة دمشق المحروسة، وكان مولده بحرَّان في عاشر شهر ربيع الأوَّل من سنة إحدى وستين وست مئة ــ ﵀ وإيانا ــ.
стр. 225
قرأت على الشيخ الإمام حامل راية العلوم، ومدرِك غاية الفهوم؛ تقي الدِّين أبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية ﵀ بالقاهرة ــ قدِم علينا ــ قلت: أخبركم الشيخ الإمام زين الدِّين أبو العباس أحمد بن عبد الدائم بن نعمة المقدسي.
ح قال أبو الفتح: وأخبرنا الشيخان أبو الفرج عبد اللطيف إجازة، وأخوه أبو العز عبد العزيز سماعًا غير مرة قالوا: أنا أبو الفرج عبد المنعم بن عبد الوهاب بن سعد بن صدقة بن كليب.
قال ابن عبد الدائِم وعبد اللطيف: سماعًا، وقال عبد العزيز: إجازة. قال: أنا أبو القاسم علي بن أحمد بن محمد بن بيان الرزاز قراءة عليه وأنا أسمع، قال: أنا أبو الحسن محمد بن محمد بن مخلد قال: أنا أبو علي إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الصفَّار، ثنا أبو علي الحسن بن عَرَفَة العبدي، ثنا إسماعيل بن عيّاش عن بحير بن سعد الكلاعي عن خالد بن معدان عن كثير بن مرة الحضرمي عن عقبة بن عامر الجهني قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة».
رواه أبو داود في الصلاة عن أبي بكر بن أبي شيبة، والترمذي عن ابن عرفة كلاهما عن إسماعيل بن عيَّاش، وقال: حسن غريب. فوقع لنا موافقة عالية للترمذي، وبدلًا لأبي داود.
* * * *
стр. 226
تاريخ حوادث الزمان وأنبائه ووفيات الأكابر والأعيان من أبنائه (١)
لشمس الدِّين أبي عبد الله محمد بن إبراهيم الجزري القرشي (٧٣٩)
في يوم الاثنين السادس من شعبان (سنة ٧٢٦) قدم البريد من مصر إلى دمشق وعلى يده مرسوم سلطاني أن يعتقل الشيخ تقي الدِّين ابن تيمية، فلما كان بعد صلاة العصر حضر ناصر الدِّين مشد الأوقاف، والأمير بدر الدِّين (أمير مسعود) (٢) ابن الخطير الحاجب إلى عند الشيخ وعرَّفوه صورة الحال، فأظهر أن في هذا خير كثير (٣)، وأحضروا له مركوبًا، فركب معهم إلى قلعة دمشق، فأخليت له دار يجري إليها الماء، وكان في جملة المرسوم أن يكون معه ولد أو أخ وخادم يخدمه، وأن يُجرى عليهم كفايتهم، فاختار أخوه زين الدِّين عبد الرحمن المقام معه لخدمته. وكان السبب في ذلك أنه قد أفتى فتيا وذكر فيها (أنه) (٤) لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث (٥) مساجد. الحديث المشهور. وأن زيارة قبور الأنبياء ﵈ لايشد إليها الرحال كقبر أبونا (٦) إبراهيم الخليل والنبي ﵇ وغيرهما من الأنبياء
стр. 227
والصالحين صلى الله عليهم أجمعين.
واتفق أن الشمس محمد إمام الجوزية (١) سافر إلى القدس الشريف ورَقَا في الحرم على منبر ووعظ، وفي أثناء وعظه ذكر هذه المسألة، وقال: ها أنا هاهنا أرجع ولا أزور الخليل إساءة أدب عليه ﷺ . وجاء إلى نابلس وعُمِل له مجلس وعظ وذكر المسألة بعينها حتى أنه قال: ولا يزار قبر النبي ﷺ إلا مسجده، فقاموا (٢) عليه الناس، فحماه منهم والي نابلس سيف الدِّين بهادر، وكتبوا أهل القدس ونابلس إلى دمشق يعرفوهم (٣) صورة ما وقع منه، فطلبه القاضي المالكي، فتودد منه وطلع إلى الصالحية إلى القاضي الحنبلي وتاب على يديه وأسلم، فقبل توبته وحكم بإسلامه وحَقْن دمه ولم يعزره لأجل الشيخ. فحينئذ قامت الفقهاء الشافعية والمالكية وكتبوا فتيا في الشيخ تقي الدِّين بن تيمية لكون أنه هو أول من تكلم بهذه المسألة وغيرها، فكتب عليها الشيخ الإمام برهان الدِّين (أبي (٤) إسحاق إبراهيم بن الشيخ تاج الدِّين عبد الرحمن الفزاري الشافعي) (٥) نحو أربعين سطرًا بأشياء كثيرة أنه يقولها ويفتي بها، وآخر الكلام أفتى بتكفيره، ووافقه شهاب الدِّين بن جهبل الشافعي وكتب تحت خطه، وكذلك الصدر المالكي، وغيرهم، وحملت الفتيا إلى نائب السلطنة، فأراد أن يُعقد لهم مجلس ويُجمع القضاة
стр. 228
والعلماء في ذلك، فرأى أن الأمر يتسع الكلام فيه، ولابد من إعلام السلطان، فأخذ الفتوى وجعلها في المطالعة، وسيرها إلى السلطان، عز نصره، فجمع لها القضاة، ولم يحضر المالكي فإنه كان مريضًا، فلما قرئت عليهم أخذها قاضي القضاة بدر الدِّين بن جماعة وكتب على ظهرها: القائل بهذه المقالة صال مُضِلّ (١)
مبتدع، ووافق الحنفي والحنبلي، فقال الأمير بهادر لقاضي القضاة بدر الدين: ما ترى في أمره؟ فقال: يُحبس، فإنه من العلماء وقد أفتى، فقال مولانا الناصر، عز نصره: وكذا كان في نفسي أن أفعل به، فكتب إلى نائب السلطنة بما اعتمده من حبسه، وفي (يوم) (٢) الجمعة عاشر شعبان بعد (صلاة) (٣) الجمعة قرئ كتاب السلطان على السُّدَّة في حديثه.
وفي يوم الجمعة الرابع والعشرين من شعبان قعد قاضي القضاة جلال الدِّين بعد الصلاة بالمدرسة العادلية (٤)، وأحضروا جماعة من جماعة تقي الدِّين بن تيمية كانوا معتقلين في حبس الشرع، فادُّعي على العماد إسماعيل صهر جمال الدِّين المزي أنه قال: إن التوراة والإنجيل ما بدلت وإنها بحالها كما أنزلت، وشهدوا عليه، وثبت ذلك في وجهه، فعُزِّر بالمجلس بالدرة، وأخرج طيف به، ونادوا: هذا جزاء من قال إن التوراة والإنجيل ما بدلت، وبعد ذلك سيبوه.
стр. 229
وأحضر عبد الله الإسكندري وادُّعي عليه أنه قال عن مؤذني الجامع: هؤلاء كفرة، أو أنهم كفار بسبب أنهم يقولوا (١) في المنارة: ألا يا رسول الله أنت وسيلتي، وشيء (٢) آخر من هذا الجنس. فذكر أنه اعترف بذلك وبغيره عند قاضي القضاة شمس الدِّين الحنبلي، وأنه أسلم على يده وقبل توبته وحقن دمه، وأبقى على جهاته وزوجتيه، فسيروا إلى الحنبلي يسألوه (٣) عن ذلك.
وأحضر بعده الصلاح الكتبي (٤) وادُّعي عليه أنه قال: لا فرق بين حجارة سقاية جيرون (٥) وحجارة صخرة بيت المقدس، فأنكر فقامت عليه البينة بذلك.
وأحضر بعدهم إمام الجوزية الشمس محمد بن أبي بكر الذي عمل الفتنة من أصلها وادُّعي عليه في المجلسين الذين (٦) عملهما بالقدس الشريف ونابلس فأنكر، وكان من قطوعه أنه قد سافر جماعة من أهل دمشق كلهم فقهاء وعدول، من جملتهم مدرس الطرخانية الحنفية (٧) وغيره، فحضروا مجلسه بنابلس، فأنكر، فشهدوا عليه بما قال، وثبت ذلك.
стр. 230
وجاء الحنبلي إلى عند ملك الأمراء وقال: أنا حكمت بإسلامهم وهو مظلومين (١) بحبسهم فنازعوه (٢) القضاة، وجرى أمور يطول شرحها. وأخذوا (٣) المالكية إمام الجوزية إلى حبسهم، فعاد الحنبلي سيرًا إلى قاضي القضاة جلال الدِّين يسأله أن يتم المسلّم عنده ولا يؤديهم إلى المالكي، فعاد جلال الدِّين عزَّر عبد الله الإسكندري على حمار غير مقلوب، والصلاح الكتبي، وآخر أساء الأدب، وقال: كل من قال عن ابن تيمية شيء (٤) فهو كاذب وأضربه بمداس، وضربوهم جميعهم بالدرة في قُفِيِّهم على الحمير وردوا إلى الحبس، وأحضر بعدهم إمام الجوزية وعزَّره عنده بالعادلية بالدرة، ثم أركبه حمار وطاوفه (٥) البلد، وراحوا به إلى الصالحية، وآخر النهار رد إلى الحبس، وأعلموا نائب (٦) السلطنة بما فعلوه. وبعد ذلك حضر (ناصر الدين) (٧) مشد الأوقاف تسلَّم إمام الجوزية وودّاه إلى القلعة فحبس المذكور مقيدًا، وسيَّبوا الباقي، وسكنت القضية.
وفي تاسع ذي القعدة قدم نائب السلطنة إلى دمشق من الصيد والقنص، وسير الحاجب بدر الدِّين الخطير إلى الشيخ تقي الدِّين ابن تيمية إلى الحبس مرتين، ولم يعلم ما جرى.
стр. 231
وفي يوم الخميس حادي عشر ذي القعدة سير نائب السلطنة للقاضي جمال الدِّين (يوسف) (١) بن جملة الشافعي نائب الحكم العزيز، وناصر الدِّين مشد الأوقاف (للشيخ تقي الدِّين بن تيمية) (٢) وسألوه عما أفتا وما يعتقده فكتب بخطه ثمانين سطرًا بصورة ما أفتى وما يعتقده وغير ذلك، فسيرها ملك الأمراء طي مطالعته للسلطان، عز نصره.
وفي يوم الاثنين تاسع عشر جمادى الآخرة (٧٢٨) ورد المرسوم السلطاني بمنع الشيخ تقي الدِّين بن تيمية أن يصنف أو يكتب، فحضر إليه من أخذ جميع ما كان عنده من كتاب وورق ومن دواة وأقلام، وتركت عند والي القلعة إلى مستهل رجب سيرها متولي القلعة إلى عند قاضي القضاة علاء الدِّين (القونوي) (٣) الشافعي، فجعل الكتب في خزانة العادلية لأن أكثرها كانت عند الشيخ عارِية، والرزم التي بخطه وتصنيفه طالعوها حتى يردوا عليه ما قاله خلاف الإجماع.
وكان سبب ذلك أنه رد على قاضي القضاة (تقي الدِّين الإخنائي) (٤) المالكي بالديار المصرية في كتاب كان قد صنفه في الزيارة، وجرى حديث يطول شرحه وتفصيله، وكان له في ذلك خيرة كبيرة لأنه اشتغل بالصلاة وتلاوة القرآن الكريم إلى حيث مات، رحمه الله تعالى وإيانا (٥).
стр. 232
وفي يوم الأحد سادس عشرين ذي القعدة (٧٢٨) أفرج عن الشيخ زين الدِّين عبد الرحمن أخو (١) الشيخ تقي الدِّين بن تيمية، وكان من بعد موت أخيه كل ليلة يروح يبات في القلعة بسبب غيبة نائب السلطنة في الصيد، لما حضر أفرج عنه.
وفي ليلة الاثنين العشرين من ذي القعدة (سنة ٧٢٨) تُوفّي الشيخ الإمام، العالم، العامل، العلامة، الزاهد، العابد، الورع، الخاشع، الناسك، القدوة، العارف، المحقق، شيخ الإسلام تقي الدِّين أبو العباس أحمد بن الشيخ الإمام العالم المفتي شهاب الدِّين أبي المحاسن عبد الحليم بن الشيخ الإمام شيخ الإسلام مجد الدِّين أبو (٢) البركات عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد بن تيمية الحراني ثم الدمشقي بقلعة دمشق، في القاعة التي كان محبوسًا فيها الثلث الأخير من الليل، وكان له مدة سبع (٣) عشر يومًا بالحمى. كذا أخبرني أخوه الشيخ زين الدِّين عبد الرحمن، وذكر لي أن من حيث منع من الكتابة والتصنيف (في يوم الاثنين تاسع عشر جمادى الآخرة من هذه السنة) (٤) قرأ إحدى وثمانين ختمة، وكان قد بقي من الختمة الأخيرة من سورة الرحمن إلى الحمد، فقرأ أصحابه الذين دخلوا إليه ليبصروه قبل تغسيله وإلى حيث فرغ من غسله وتكفينه تمام الختمة المباركة إن شاء الله تعالى.
стр. 233
والذي تولى غسله مع المغسل الشيخ الصالح تاج الدِّين (محمود) (١) الفارقي، والشيخ شمس الدِّين ابن الرزير خطيب جامع كريم الدين، فغسلوه، وكفنوه، وتقدم في الصلاة عليه الشيخ الصالح محمد بن تمام الصالحي الحنبلي، وصلى عليه جميع من في قلعة دمشق، ثم حمل وأخرج منها إلى جامع دمشق، ووضعت الجنازة أول الخامسة، وقد امتلأ الجامع بالناس، وغلقت جميع أسواق دمشق ولم يبق حانوت مفتوح، إلا أن يكون نصراني (٢)، لأن اليهود كانوا في عيد المظلة.
وأما دكاكين المراوزة والحريريين والقزازين وجميع أرباب الأنوال والحاكة والصناع، وجميع أرباب الصنائع، وسكان الأحكار ظاهر دمشق، وأهل الصالحية بأجمعهم حضروا إلى الجامع المعمور لأجل الصلاة عليه، وامتلأ الجامع أكثر من يوم الجمعة، لأن أهل الصالحية من أهل الأحكار يصلون يوم الجمعة في جوامعهم، وفي هذا اليوم حضروا إلى الجامع بأجمعهم، ولعل من لا له عادة بالصلاة حضر لأجل الصلاة عليه، وصلى عليه (قاضي القضاة الشيخ علاء الدِّين القونوي الشافعي) (٣) عقيب صلاة الظهر بالجامع، ثم حضروا (٤) الأمراء والحجاب والنقباء بالعصي والدبابيس حول نعشه، وحملوه (٥) الترك من الأمراء والمقدمين على رؤوسهم تبركًا به، والأجناد يضربون الناس، ولولا ذلك لما قدروا يصلوا به إلى قبره من
стр. 234
كثرة الزحام والتبرك به. وكانت سويقة باب البريد قد أخربوها، فشق على الناس ذلك، وحملوه وخرجوا به من باب الفرج، وبعض الناس من باب الفراديس وباب النصر وباب الجابية من كثرة الناس. وامتد العالم إلى سوق الخيل وامتلأ، فصلى عليه أخوه زين الدِّين عبد الرحمن، ثم حمل من سوق الخيل فمُرَّ به تحت القلعة المحروسة. والله العظيم، لقد رأيت الناس قاعدين على الطريق يمينًا وشمالًا، الرجال والنساء مختلطين كأنهم ينتظرون عبور السلطان، ومنهم من يبكي، ومنهم من يضج ويصيح، ومن يتأسف، ومنهم من يتفرج. فلما وصلت إلى مقبرة الصوفية رأيتها وقد امتلت بالعالم، وقد حفروا قبره إلى جانب أخيه الشيخ شرف الدين. وحضر أخوه زين الدِّين وحوله نُقباءُ يحموه (١) من الناس، حتى شاهد القبر قبل وضع أخيه، وتأخرت الجنازة إلى قريب العصر حتى وضع في قبره وألحدوه وطم عليه ولقنوه، وبعد ذلك انصرف الناس أولًا بأول متأسفين عليه.
وكنت من حيث حضرت إلى الجامع المعمور شرعت في قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فقريت (٢) إلى حيث دفن وانصرفت من عند قبره ألف مرة ومائة مرة وأحد عشر (٣) مرة، قل هو الله أحد، والمعوذتين، وفاتحة الكتاب، وآية الكرسي، وأهديت ثواب ذلك جميعه إليه، وطلبت له من الله تعالى المغفرة والمفاداة والرضوان، ووصلت إلى بيتي أذان العصر. وبعد انصرافي ذكروا أن بعض الأمراء أحضر خيمة كبيرة نصبت على قبره، وحضر جماعة من القراء
стр. 235
وختموا على قبره. وأنه أحضر لهم مأكول كثيرًا (١) من الطعام وغيره، وحضروا بكرة النهار وتُليت ختمات كثيرة عند قبره، وفي الصالحية، وفي بيوت أصحابه، وإهدي ثوابها له، وتردد الناس إلى قبره أيام (٢) كثيرة. ورأوا له منامات صالحة كثيرة لم أضبطها.
مولده يوم الاثنين عاشر شهر ربيع الأول سنة إحدى وستين وستمائة بحران، وقدم مع والده إلى دمشق صغيرًا، واشتغل عليه، وسمع منه، ومن الشيخ شمس الدِّين ابن أبي عمر، ومن شمس الدِّين ابن عطاء، ومن شمس الدِّين بن علان، وابن أبي اليسر، وابن عبد، وابن عبد الدائم، وابن البخاري، وابن الواسطي، وابن الصيرفي، وابن المقداد، والهروي، وابن عساكر، وجماعة كثيرة. وأجاز له جماعة، وقرأ بنفسه الكثير، وطلب الحديث، وكتب الطباق، ولازم السماع مدة سنين، واشتغل بالعلوم على والده وغيره، وحصّل في أول وقت ما لا حصّله غيره في سنين كثيرة. وكان عنده ذكاء مفرط، وبديهة حسنة، وعنده طرف جيد من التفسير، والفقه، والأصول، والنحو، واللغة، والخلاف، فكان فيه إمامًا ماهرًا، وأما علوم الحديث فكان يعرف الحديث الصحيح من السقيم، ويذكر رجاله، العدل فيهم والضعيف، وهو في ذلك إمامًا مبرزًا (٣). وكان في أكثر العلوم له فيها اليد الطولى. وصنف تصانيف كثيرة في علوم شتَّى. وكان علمه أكثر من عقله (٤).
стр. 236
وكان كثير الذكر والصوم والصلاة والعبادة، ومن ذكره كان دائمًا يقول: ياحي ياقيوم، برحمتك أستغيث، لا إله إلا أنت ياذا الجلال والإكرام، ثم يشخص إلى السماء حتى يغيب بكليته. وكان من غرائب الزمان وعجائبه.
عاش سبع وستون (١) سنة وثمانية أشهر وتسعة أيام، وخرج من بطن أمه يوم الاثنين وحبس الآن يوم الاثنين سادس شعبان سنة ست وعشرين وسبعمائة، فيكون مدة اعتقاله سنتين وثلاث (٢) شهور وخمس عشرة (٣) يومًا، وبينه وبين أخيه الشيخ شرف الدِّين عبد الله سنة وستة أشهر وأربعة أيام، لأنه توفي في الرابع عشر من جمادى الأولى سنة سبع وعشرين وسبعمائة، رحمهم الله تعالى وإيانا والمسلمين أجمعين.
(شيخ الإسلام، ومفتي الأنام، حافظ وقته، ومحدث زمنه، له اليد العالية في العلوم، صالحًا زاهدًا ورعًا متقشفًا متقيًا (٤)، قائم بالحق آمر بالمعروف، ناه عن المنكر، لا تأخذه في الله لومة لائم. [له] الفتاوى المشهورة والتصانيف المذكورة. لم يكن في وقته أحفظ منه، ولا لنقل في التفسير وأقوال العلماء فيه، ولا في الحديث واختلاف الصحابة منه، ولا في الفقه واختلاف الفقهاء منه) (٥).
* * * *
стр. 237
المُقْتَفِي لتاريخ أبي شامة (١)
تأليف: علم الدِّين القاسم بن محمد البرزالي (٧٣٩)
وفي يوم السبت منتصف ربيع الآخر (سنة ٦٩٩) شرع في نهب الصالحية والعيث والفساد فيه، وكسروا الأبواب وقلعوا الشبابيك وأخذوا بسط الجامع، وحصل لهم في الصالحية شيء كثير من القمح والذخائر والمطعومات والكتب، والتجأ الناس إلى دير الحنابلة من جوانب الصالحية، فاحتاط التتار به يوم الثلاثاء ثامن عشر ربيع الآخر، ودخلوا إليه ونهبوا منه وسبوا، وخرج إليهم في هذا اليوم يوم الثلاثاء شيخ المشايخ المذكور وجماعة (٢) بين الظهر والعصر، فأدركوا وردوا عنهم وهرب التتار بين أيديهم وتوجهوا إلى قرية المزة فنهبوا وأسروا وتوجهوا إلى داريا فدخل أهلها إلى الجامع فاحتاطوا به ودخلوه ونهبوا وأسروا وقتلوا أيضًا.
وفي يوم الخميس العشرين من شهر ربيع الآخر خرج جماعة منهم الشيخ تقي الدِّين ابن تيمية إلى ملك التتار وكان نازلًا بتَلّ راهط بالمرج فدخل عليه وأراد أن يشكي إليه ما وقع فلم يمكن من ذلك، وأشار الوزير سعد الدين، ومشير الدولة الرشيد بأن لا يخاطب الملك بشيء من ذلك فانه يحصل لكما، ونحن نتولى إصلاح الأمر، ولكن لابد من إرضاء المغُل فإن
стр. 238
منهم جماعة لم يحصل لهم شيء إلى الآن، وعاد الشيخ تقي الدِّين ومن معه إلى البلد ليلة السبت الثاني والعشرين من شهر ربيع الآخر. (ص ٥٥).
في يوم الخميس ثاني رجب (سنة ٦٩٩) طلب الأعيان من القضاة والعلماء والرؤساء بأوراق عليها علامة الأمير سيف الدِّين قبجق إلى داره، فحضر جماعة منهم حلفوا للدولة المحمودية بالنصح وعدم المداجاة وغير ذلك، وفي يوم الخميس المذكور توجه الشيخ تقي الدِّين ابن تيمية إلى مخيم بولاي بسبب الأسرى واستفكاكهم وكان معهم خلق من الأسري فأقام ثلاث ليال. (ص ٨٤).
وفي بكيرة الجمعة المذكورة [السابع عشر من رجب سنة ٦٩٩] دار الشيخ تقي الدِّين ابن تيمية بدمشق على ما جدد من الخمارات فبدد الخمور وكسر الجرار وشق الظروف وعزر الخمارين هو وجماعته، ولازم الناس هذه الليالي المبيت على الأسوار وأظهروا عددًا حسنة وتحملًا وكان الشيخ تقي الدِّين وأصحابه يمشون على الناس ويقرأ الشيخ عليهم سور القتال وآيات الجهاد وأحاديث الغزو والرباط والحرس، ويحثهم على ذلك ويحرضهم. ونودي بكرة السبت الثامن عشر من رجب بالأمر بزينة البلد مع ملازمة السور فشرع الناس في الزينة. (ص ٨٨).
واستهل شهر صفر (سنة ٧٠٠) والأخبار قد وصلت بقصد التتار البلاد، والناس بدمشق مهتمون بأمر الهرب إلى الديار المصرية والكرك وغيرهما، والأراجيف تتبع بعضها بعضًا، والإزعاج وافر، والصدور ضيقة، وغلت الأكرية وبلغ كرى المَحَارَة إلى مصر خمس مائة درهم، وبلغ ثمن الجمل ألف درهم، وثمن الحِمَار خمس مائة درهم، وباع الناس الأمتعة بالثمن
стр. 239
البخس من الحلي والنحاس والقماش، وطاشت الألباب، وتحير الناس، وتفرقت القلوب، وجلس الشيخ تقي الدِّين ابن تيمية في مكانه بالجامع يوم الاثنين ثاني صفر يفسر آيات الجهاد، ويحض الناس على لقاء العدو، وعلى الغزو والإنفاق في سبيل الله، ويوجه وجوب قتالهم ويقلل عددهم، ويضعف أمرهم، ويوبخ من قَصَد الهرب، ويحضه على إنفاق مقدار ما يخرجه في ذلك الغزو، واستمر يجلس أيامًا متوالية. (ص ١٢٢).
واستهل جمادى الأولى (سنة ٧٠٠) والناس في رجفات وخوف ووجل وشدة، وأرباب المناصب قد ضاقت صدورهم وتمنوا الهرب، وأن يؤذن لهم في ذلك، والناس في خوف من عدم قدوم العسكر والسلطان، ومن لم يتحيل أولًا قام وتحيل وباع ورهن، وقاسى الناس شدة شديدة، ويقولون: أين العسكر وما هذه أحوال من نيته الحضور؟ ! وهؤلاء قد تركوا الشام وإنما يقاتلون عن ديار مصر وما شابه ذلك، وخرج الشيخ تقي الدِّين ابن تيمية مستهل جمادى الأولى إلى المرج إلى المخيم فاجتمع بنائب السلطنة وسكنه وثبته، وأقام عنده إلى بكرة الأحد ثالث الشهر فودعه وساق على خيل البريد إلى الجيش المصري فما أدركهم إلا بعد دخولهم القاهرة. (ص ١٣١).
وفي بكرة الاثنين الخامس والعشرين من جمادى الأولى وصل كتاب الشيخ تقي الدِّين ابن تيمية إلى دمشق، متضمنًا أنه دخل القاهرة على البريد في سبعة أيام والثامن، وأن وصوله كان يوم الاثنين حادي عشر جمادى الأولى، وأنه اجتمع بجميع أركان الدولة، وذكر لهم حاجة المسلمين إلى الإعانة والغوث، وحصل بسببه همم علية ونودي بالغزاة وجرد جماعة وقويت العزائم ونزل بالقلعة، وفي ظهر يوم الأربعاء السابع والعشرين من
стр. 240
جمادى الأولى وصل الشيخ تقي الدِّين المذكور إلى دمشق على البريد بعد أن أقام بقلعة القاهرة ثمانية أيام وتكلم مع السلطان والنائب والوزير والأمراء الأكابر أهل الحل والعقد في أمر الجهاد وكسر هذا العدو المخذول وقهره والظفر به وإصلاح أمر الجند وتقوية ضعائفهم، والنظر في أرزاقهم، والعدل في ذلك، وأمرهم بإنفاق فضول أموالهم في هذا الوجه، وتلا عليهم آية الكنز، وقوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ الآيات [التوبة: ٣٨]، وكان خروجه من ديار مصر في يوم الثلاثاء التاسع عشر من جمادى الأولى. (ص ١٣٤).
وفي جمادى الأولى (سنة ٧٠٢) وقع بيد نائب السلطنة الأمير جمال الدِّين الأفرم كتاب إليه صورة نصيحة على لسان قطز من مماليك الأمير سيف الدِّين قبجق، وفيه أن الشيخ تقي الدِّين ابن تيمية، والقاضي شمس الدِّين ابن الحريري يكاتبان قبجق ويختارانه لنيابة الملك ويعملان على الأمر، وأن الصدر كمال الدِّين ابن العطار والشيخ كمال الدِّين ابن الزملكاني يطالعان بأخبار الأمير وأن جماعةً من الأمراء معهم في هذه القضية، وذكروا جماعة من مماليك الأمير وخواصه، وأدخلوهم في ذلك، فلما قرأ الأمير هذا الكتاب وفهمه علم بطلانه وأسرَّه إلى بعض الكتاب وطلب التعريف بمن فعله، فاجتهد في ذلك حتى وقع الخاطر والحدس على فقير يعرف باليعفوري ممن كان نُسب قبل ذلك إلى فضول وتزوير فمُسك، فوجد معه مسوَّدة بالكتاب المذكور بعينه فضرب فأقر على شخص آخر يعرف بأحمد القباري كان أيضًا قد نسب إليه زور ودخول فيما لا يعنيه، فضرب الآخر فاعترف وعين جماعة من الأكابر أشاروا عليهما بذلك، وكان
стр. 241
قصدهم تشويش خاطر الأمير على خواصه والسعي في إهلاك المذكورين في الكتاب، فانجلت القضية للأمير وعرف الآمر فيها معرفة شافية وعزر الفقيرين المذكورين في مستهل جمادى الآخرة، ثم بعد التعزير أمر بتوسيطهما وتعليقهما في اليوم المذكور، وكذلك أيضًا عزر التاج ابن المناديلي الناسخ في التاريخ المذكور وقطعت يمينه وهو الذي كان كتب لهما الكتاب، وخطه معروف. (ص ١٩١ - ١٩٢).
وأصبح الناس بدمشق يوم الأحد المذكور (٢٥ شعبان سنة ٧٠٢) في أمر كبير لقرب العدو وتأخر السلطان وجمهور الجيش، فشرعوا وتحركوا في الجفل، وذكروا أن هذا الجيش الذي قد اجتمع بالمرج ودمشق ليس لهما طاقة بلقاء هذا العدو وإنما سبيلهم أن يتأخروا عنهم مرحلة مرحلة، فاختبط البلد، فلما تعالى النهار اجتمع الأمراء بالميدان وتحالفوا على لقائهم، وشجعوا أنفسهم ونودي بالبلد أن لا يجفل أحد ولا يسافر أحد فسكن الناس وجلس القضاة بالجامع وحلَّفوا جماعة من الفقهاء والعامة على حضور الغزاة، وتوجه الشيخ تقي الدِّين ابن تيمية إلى جهة العسكر الواصل من حماة فأدركه بالقطيفة (١) والمرج فاجتمع بهم وأعلمهم بما اتفق عليه الأمراء بدمشق فوافقوا على ذلك.
وفي يوم الأربعاء الثامن والعشرين من شعبان اختبط الناس كثيرًا وجفل جميع أهل القرى والحواضر، واعتكر الناس بأبواب البلد ودخل كثير من الناس إلى القلعة وامتلأت المنازل والطرق وحصل التنازع في ذلك
стр. 242
وتشوشت القلوب بسبب أن جماعة من الجيش توجهوا إلى الكسوة (١) وناحيتها فتكلم الناس أن هؤلاء يريدون اللحاق بالسلطان وبقية الجيش، وهذا يقتضي ترك البلد ومن فيه وراء ظهورهم وانزعج الناس لذلك، ومن الناس من ذكر أن القصد أن يختاروا موضعًا للوقعة يكون أصلح من المرج فإن فيه حفرًا ومياهًا كثيرة.
وذكروا أن التتار ظلوا بعيدًا حتى ذكروا أنه وصل منهم طائفة إلى القطيفة، ومنهم من يقول: إنهم على قارا، ونزل الجيش بأسره على الجسور قبلي دمشق فسكن الناس بين الظهر والعصر، فلما كان بعد العصر شرع الناس يتحدثون في رحيلهم من هناك، فمن الناس من يقول أنا كنت فيهم وهم ثابتون لا يتغيرون من هناك أصلًا، ومنهم من يقول قد شرع المصريون في الرحيل والشاميون يتبعونهم بلا شك واضطرب الناس، وكان الشيخ تقي الدِّين في البلد، وأما القضاة فكانوا أخرجوا مع الجيش وبات الناس ليلة الخميس، ففي أول الليل رأى الناس نيرانهم وخيمهم، وفي آخره لم يروا لهم أثرًا، فأصبح الناس بكرة الخميس وقد اشتد الأمر واضطرب البلد وغلقت الأبواب وازدحم الناس في القلعة، وهرب من قدر وخرج الشيخ تقي الدِّين بكرة إلى جهتهم ففتح له باب النصر بمشقة وحصل له لوم من الناس لكونه كان من موانع الجفل، وبقي البلد لا متولي فيه والناس رعاع، وغلا السعر حتى بيع الخبز ثلاث أوراق بدرهم وانحصر الناس فلا يجسر أحد على الخروج إلى بستانه ولا مزرعته ولا داره وخرج الشلوح واللصوص إلى البساتين يقطعون الفواكه قبل أوانها، وكذلك الزرع
стр. 243
والبقول وغير ذلك، والناس في حيرة، وحيل بينهم وبين خبز الجيش وانقطعت الطريق إلى الكسوة في ساعة واحدة، فيرجع هذا وهو مجروح، وآخر وهو مشلح، وظهرت الوحشة على البلد والحواضر. (ص ١٩٨ - ١٩٩).
وفي يوم الاثنين رابعه وصل الناس من الكسوة ودخل الشيخ تقي الدِّين وأصحابه بكرة النهار والناس يهنئونهم ويدعون لهم، وخرج خلق كثير من البلد إلى مكان الوقعة للفرجة والعيان والمكاسب، ووصل نائب الشام الأمير جمال الدِّين الأفرم والعسكر الشامي وتوجهوا إلى جهة المرج، ونودي أن لا يبيت بالبلد منهم أحد إلا شنق، وذكر أن ذلك للإسراع خلف المنهزمين، ونودي من أراد الغزاة فليخرج إلى ... (١). (ص ٢٠٢).
وفي ليلة الأحد رابع رجب (سنة ٧٠٤) أُحْضِر المجاهد إبراهيم القطان صاحب الدلق الكبير إلى الشيخ تقي الدِّين ابن تيمية فقص شعره المفتل وشاربه المسبل وأظفاره، وأمره بترك الصياح والفحش وأكل ما يغير العقل، وترك لبس الدلق الكبير، وأُخِذَ وفُتِقَ وكان قِطَعًا كثيرة، فيه بسط وعبي.
وفي يوم السبت سابع عشر رجب أُحْضِر الشيخ محمد الخباز البلاسي إلى الشيخ تقي الدِّين أيضًا، فتاب على يده، وأشهد عليه بترك المحرمات واجتنابها، وأنه لا يخالط أهل الذمة ولا يتكلم في تعبير الرؤيا ولا في شيء من العلوم بغير معرفة، وكتب عليه مكتوب شرعي بذلك. (ص ٢٤٥).
وفي يوم الاثنين السادس والعشرين من رجب (سنة ٧٠٤) حضر الشيخ
стр. 244
تقي الدِّين ابن تيمية وجماعة بمسجد النارنج جوار المصلى، وحضر معهم بعض الحجارين وقطعوا الصخرة التي كانت هناك وأزالوها واستراح الناس من زيارة شيء لا أصل له، والاعتقاد فيه بغير طريق شرعي. (ص ٢٤٦).
توجه الشيخ تقي الدِّين ابن تيمية إلى الجبلية الجرديين والكسراونيين وصحبته الأمير قراقوش في مستهل ذي الحجة (سنة ٧٠٤) ثم توجه بعدهم إلى الجهة المذكورة الشريف زين الدِّين ابن عدنان في نصف ذي الحجة. (ص ٢٥٣).
وفي يوم السبت تاسع جمادى الأولى (٧٠٥) اجتمع جماعة من الأحمدية الرفاعية عند نائب السلطنة بالقصر، وحضر الشيخ تقي الدِّين ابن تيمية وطلبوا أن يسلم إليهم حالهم، وأن الشيخ تقي الدِّين لا يعارضهم ولا ينكر عليهم، وأرادوا أن يظهروا شيئًا مما يفعلونه فانتدب لهم الشيخ وتكلم باتباع الشريعة وأنه لا يسع أحدًا الخروج عنها بقول ولا فعل، وذكر أن لهم حيلًا يتحيلون بها في دخول النار وإخراج الزَّبد من الحلوق، وقال لهم: من أراد دخول النار فليغسل جسده في الحمام، ثم يدلكه بالخل ثم يدخل، ولو دخل لا يلتفت إلى ذلك، بل هو نوع من فعل الدجال عندنا، وكانوا جمعًا كبيرًا، وقال الشيخ صالح شيخ المنيبع: نحن أحوالنا تنفق عند التتار ما تنفق قدام الشرع، وانفصل المجلس على أنهم يخلعون الأطواق الحديد، وعلى أن من خرج عن الكتاب والسنة ضربت رقبته، وحفظ هذه الكلمة الحاضرون من الأمراء والأكابر وأعيان الدولة، وكتب الشيخ عقيب هذه الواقعة جزءًا في حال الأحمدية ومبدئهم وأصل طريقتهم، وذكر شيخهم وما في طريقهم من الخير والشر وأوضح الأمر في ذلك. (ص ٢٦٣ - ٢٦٤).
стр. 245
وفي يوم الاثنين ثامن رجب (سنة ٧٠٥) طُلب القضاة والفقهاء وطُلب الشيخ تقي الدِّين ابن تيمية إلى القصر إلى مجلس نائب السلطنة، فلما اجتمعوا عنده سأل الشيخ تقي الدِّين على التعيين عن العقيدة، فأحضر الشيخ عقيدته «الواسطية» وقرئت في المجلس، وبحث فيها وبقي مواضع أخرت إلى مجلس آخر ثم اجتمعوا يوم الجمعة بعد الصلاة ثاني عشر رجب المذكور، وحضر هذا المجلس أيضًا الشيخ صفي الدِّين الهندي، وبحثوا معه وسألوه عن أشياء ليست في العقيدة، وجعلوا الشيخ صفي الدِّين يتكلم معه ثم اتفقوا على الشيخ كمال الدِّين ابن الزملكاني فحاققه وبحث معه من غير مسامحة ورضوا بذلك عن الشيخ كمال الدِّين وعظموه وأثنوا عليه وعلى بحثه وفضائله، وخرجوا من هناك والأمر قد انفصل، وانصرف الشيخ تقي الدِّين إلى منزله. والذي حمل الأمير على هذا الفعل كتاب ورد عليه من مصر في هذا المعنى، وكان السبب فيه القاضي زين الدِّين المالكي قاضي ديار مصر والشيخ نصر المنبجي، وبعد ذلك عزر بعض القضاة بدمشق لشخص ممن يلوذ بالشيخ تقي الدِّين وطلب جماعة ثم أطلقوا، ووقع هرج في البلد، وكان الأمير نائب السلطنة قد خرج للصيد وغاب نحو جمعة ثم حضر.
وفي يوم الاثنين الثاني والعشرين من رجب قرأ المحدث جمال الدِّين المزي فصلًا في الرد على الجهمية من كتاب «أفعال العباد» تصنيف البخاري، وكانت قراءته لذلك في المجلس المعقود لقراءة الصحيح تحت النسر، فغضب لذلك بعض الفقهاء الحاضرين وقالوا: نحن المقصودون بهذا، ورفعوا الأمر إلى قاضي القضاة الشافعي فطلبه ورسم بحبسه، فبلغ
стр. 246
ذلك الشيخ تقي الدِّين فتألم له وأخرجه من الحبس بنفسه، وخرج إلى القصر فاجتمع هو وقاضي القضاة هناك ورد الشيخ تقي الدِّين عن المزي وأثنى عليه وغضب قاضي القضاة وأعاد المزي إلى حبسه بالقوصية فبقي أيامًا، وذكر الشيخ تقي الدِّين ما وقع في غيبة الأمير في حق بعض أصحابه من الأذى فرسم الأمير فنودي في البلد أنه من تكلم في العقائد حل ماله ودمه ونهبت داره وحانوته، وقصد الأمير تسكين الناس بذلك. (ص ٢٦٦).
وفي يوم الثلاثاء سابع شعبان عقد للشيخ تقي الدِّين مجلس ثالث بالقصر ورضي الجماعة بالعقيدة، وفي هذا اليوم عزل قاضي القضاة نجم الدِّين ابن صصري نفسه عن الحكم بسبب كلامه سمعه من بعض الحاضرين، وفي السادس والعشرين من شعبان ورد كتاب السلطان إلى قاضي القضاة بإعادته إلى الحكم وفيه: إنا كنا رسمنا بعقد مجلس للشيخ تقي الدِّين وقد بلغنا ما عقد له من المجالس وأنه على مذهب السلف وما قصدنا بذلك إلا برآءة ساحته. (ص ٢٦٨).
وفي يوم الاثنين خامس رمضان (سنة ٧٠٥) وصل كتاب السلطان بالكشف عما كان وقع للشيخ تقي الدِّين في ولاية جاغان، وفي ولاية القاضي إمام الدِّين وبإحضاره وإحضار قاضي القضاة إلى الديار المصرية، فطلب نائب السلطنة جماعة من الفقهاء وكتب ما ذكروه مما وقع في أيام جاغان.
وفي يوم الاثنين ثاني عشر رمضان توجه قاضي القضاة والشيخ تقي الدِّين على البريد ودخل الشيخ تقي الدِّين مدينة غزة يوم السبت، وعمل في جامعها مجلسًا، ووصلا معًا إلى القاهرة يوم الخميس الثاني والعشرين من رمضان، وعقد للشيخ تقي الدِّين مجلسًا بالقلعة وأراد أن يتكلم فلم يمكن
стр. 247
من البحث والكلام على عادته، وحبس في برج أيامًا ثم نقل إلى الجب ليلة عيد الفطر هو وأخوه.
وأكرم قاضي القضاة نجم الدِّين وجدد له توقيع وخلع عليه وسافر إلى دمشق فوصلها يوم الجمعة سادس ذي القعدة وقرئ تقليده بمقصورة الخطابة يوم الجمعة ثالث عشر ذي القعدة، وقرئ عقيبه الكتاب الذي وصل معه وفيه مخالفة الشيخ تقي الدِّين في العقيدة وإلزام الناس بذلك خصوصًا أهل مذهبه والوعيد بالعزل والحبس، وفيه أن يُنادى بذلك في البلاد الشامية، وكان قد نودي قبل صلاة الجمعة بالجامع والأسواق، ووصلت الأخبار بكثرة المتعصبين بالديار المصرية على الشيخ تقي الدِّين وأنه حصل أذى كثير للحنابلة، وحبس تقي الدِّين عبد الغني ابن الشيخ شمس الدِّين الحنبلي وألزموا جميعهم بالرجوع عن عقيدتهم في القرآن والصفات وأشار القضاة على رفيقهم قاضي القضاة شرف الدِّين الحراني الحنبلي بموافقة الجماعة، وكان قليل العلم فوافق وألزم جماعة من أهل مذهبه بذلك وأخذ خطوطهم ووقع أمر لم يجر على الحنابلة مثله، وكان ذلك بقيام الأمير ركن الدِّين الجاشنكير في القضية بسعي القاضي المالكي والقروي المالكي وجماعة من الشافعية. (ص ٢٧٠).
وفي سلخ رمضان (٧٠٦) أحضر الأمير سيف الدِّين سلار القضاة الثلاثة الشافعي والمالكي والحنفي ومن الفقهاء الباجي والجزري والنمراوي وتكلم في إخراج الشيخ تقي الدِّين من الحبس، فاتفقوا على أنه يشترط عليه أمور ويُلزم بالرجوع عن بعض العقيدة، فأرسلوا إليه من يحضره ليتكلموا معه في ذلك فلم يجب إلى الحضور، وتكرر الرسول إليه في ذلك
стр. 248
ست مرات وصمم على عدم الحضور في هذا الوقت، فطال عليهم المجلس وانصرفوا من غير شيء. (ص ٢٩٧).
وفي الثامن والعشرين من ذي الحجة وصل الشيخ تاج الدِّين محمود بن عبد الكريم بن محمود الفارقي من الديار المصرية وكان توجه لأجل زيارة الشيخ تقي الدِّين والقيام في نصرته، فأقام مدة ثم رجع والأمر على حاله، وفي هذا اليوم أخبر نائب السلطنة بوصول كتاب إليه من الشيخ تقي الدِّين ابن تيمية من الجب، وأُعلم بذلك جماعة ممن حضر مجلسه وأثنى عليه، وقال ما رأيت مثله ولا أشجع منه، وذكر ما هو عليه في السجن من التوجه إلى الله تعالى وأنه لا يقبل شيئًا من الكسوة السلطانية، ولا من الإدرار السلطاني، ولا تدنس بشيء من ذلك. (ص ٣٠٥).
وفي يوم الخميس السابع والعشرين من ذي الحجة طلب أخوا الشيخ تقي الدِّين ابن تيمية وهما شرف الدِّين عبد الله، وزين الدِّين عبد الرحمن من الحبس إلى مجلس نائب السلطنة، وحضر القاضي زين الدِّين المالكي، وجرى بينهم كلام كثير وأعيدا إلى موضعهما. (ص ٣٠٦).
واجتمع قاضي القضاة بدر الدِّين بالشيخ تقي الدِّين ابن تيمية في دار الأوحدي بالقلعة بكرة الجمعة رابع عشري صفر (سنة ٧٠٧) وتفرقا قبل الصلاة وطال بينهما الكلام. (ص ٣١١).
وفي أوائل ربيع الأول وصل الأمير حسام الدِّين مهنا بن عيسى إلى دمشق وتوجه إلى القاهرة، فوصلها في تاسع عشر الشهر المذكور، وحضر بنفسه إلى السجن إلى الشيخ تقي الدِّين ابن تيمية فأخرجه بعد أن استأذن في ذلك، فخرج يوم الجمعة الثالث والعشرين من الشهر إلى دار نائب السلطنة
стр. 249
بالقلعة، وحضر بعض الفقهاء وحصل بينهم بحث كثير، وفرقت صلاة الجمعة بينهم، ثم اجتمعوا إلى المغرب ولم ينفصل الأمر، ثم اجتمعوا بمرسوم السلطان يوم الأحد الخامس والعشرين من الشهر مجموع النهار، وحضر جماعة أكثر من الأولين، حضر نجم الدِّين ابن الرفعة، وعلاء الدِّين الباجي، وفخر الدِّين ابن بنت أبي سعد، وعز الدِّين النمراوي، وشمس الدِّين ابن عدلان، وصهر المالكي وجماعة من الفقهاء، ولم تحضر القضاة وطُلبوا واعتذر بعضهم بالمرض وبعضهم تبع أصحابه، وقبل عذرهم نائب السلطنة، ولم يكلفهم بالحضور بعد أن رسم السلطان بحضورهم، وانفصل المجلس على خير، وبات الشيخ عند نائب السلطنة، وكتب كتابًا إلى دمشق بكرة الاثنين السادس والعشرين من الشهر يتضمن خروجه، وأنه أقام بدار ابن شقير بالقاهرة، وأن الأمير سيف الدِّين سلار رسم بتأخره عن الأمير مهنا أيامًا ليرى الناس فضله ويحصل لهم الاجتماع به، ووصل مهنا إلى دمشق يوم الخميس سادس شهر ربيع الآخر، وأقام ثلاثة أيام وسافر، ثم عُقد للشيخ تقي الدِّين مجلس ثالث يوم الخميس سادس ربيع الآخر بالمدرسة الصالحية بالقاهرة. (ص ٣١٢ - ٣١٣).
وفي شوال شكا شيخ الصوفية بالقاهرة كريم الدِّين الآملي وابن عطاء وجماعة نحو الخمس مائة من الشيخ تقي الدِّين ابن تيمية وكلامه في ابن عربي وغيره إلى الدولة، فردوا الأمر في ذلك إلى الحاكم الشافعي، وعُقد له مجلس وادعى عليه ابن عطاء بأشياء فلم يثبت شيء منها، لكنه اعترف أنه قال لا يستغاث بالنبي ﷺ استغاثة بمعنى العبادة ولكن يتوسل به، فبعض الحاضرين قال ليس في هذا شيء، ورأى قاضي القضاة بدر الدِّين أن هذه
стр. 250
إساءة أدب وعنفه على ذلك فحضرت رسالة إلى القاضي أن يعمل معه ما تقتضيه الشريعة في ذلك، فقال القاضي: قد قلت له ما يقال لمثله، ثم إن الدولة خيروه بين أشياء وهي الإقامة بدمشق أو الإسكندرية بشروط أو الحبس، فاختار الحبس، فدخل عليه جماعة في السفر إلى دمشق ملتزمًا ما شُرط فأجابهم فأركبوه خيل البريد ليلة الثامن عشر من شوال، ثم أرسل خلفه من الغد بريد آخر فرده، وحضر عند قاضي القضاة بحضور جماعة من الفقهاء فقال له بعضهم: ما ترضى الدولة إلا بالحبس، فقال قاضي القضاة وفيه مصلحة له واستناب شمس الدِّين التونسي المالكي وأذن له أن يحكم عليه بالحبس فامتنع، وقال: ما يثبت عليه شيء، فأذن لنور الدِّين الزواوي المالكي، فتحير، فقال الشيخ: أنا أمضي إلى الحبس وأتبع ما تقتضيه المصلحة فقال نور الدِّين المأذون له في الحكم: فيكون في موضع يصلح لمثله، فقيل له: ما ترضى الدولة إلا بمسمى الحبس، فأرسل إلى حبس القاضي وأجلس في الموضع الذي أجلس فيه القاضي تقي الدِّين ابن بنت الأعز لما حُبِس، وأذن في أن يكون عنده من يخدمه، وكان جميع ذلك بإشارة الشيخ نصر المنبجي ووجاهته في الدولة، واستمر الشيخ في الحبس يُسْتَفتى ويقصده الناس ويزورونه وتأتيه الفتاوى المشكلة من الأمراء وأعيان الناس. (ص ٣٣٤ - ٣٣٥).
* * * *