ذلك الشيخ تقي الدِّين فتألم له وأخرجه من الحبس بنفسه، وخرج إلى القصر فاجتمع هو وقاضي القضاة هناك ورد الشيخ تقي الدِّين عن المزي وأثنى عليه وغضب قاضي القضاة وأعاد المزي إلى حبسه بالقوصية فبقي أيامًا، وذكر الشيخ تقي الدِّين ما وقع في غيبة الأمير في حق بعض أصحابه من الأذى فرسم الأمير فنودي في البلد أنه من تكلم في العقائد حل ماله ودمه ونهبت داره وحانوته، وقصد الأمير تسكين الناس بذلك. (ص ٢٦٦).
وفي يوم الثلاثاء سابع شعبان عقد للشيخ تقي الدِّين مجلس ثالث بالقصر ورضي الجماعة بالعقيدة، وفي هذا اليوم عزل قاضي القضاة نجم الدِّين ابن صصري نفسه عن الحكم بسبب كلامه سمعه من بعض الحاضرين، وفي السادس والعشرين من شعبان ورد كتاب السلطان إلى قاضي القضاة بإعادته إلى الحكم وفيه: إنا كنا رسمنا بعقد مجلس للشيخ تقي الدِّين وقد بلغنا ما عقد له من المجالس وأنه على مذهب السلف وما قصدنا بذلك إلا برآءة ساحته. (ص ٢٦٨).
وفي يوم الاثنين خامس رمضان (سنة ٧٠٥) وصل كتاب السلطان بالكشف عما كان وقع للشيخ تقي الدِّين في ولاية جاغان، وفي ولاية القاضي إمام الدِّين وبإحضاره وإحضار قاضي القضاة إلى الديار المصرية، فطلب نائب السلطنة جماعة من الفقهاء وكتب ما ذكروه مما وقع في أيام جاغان.
وفي يوم الاثنين ثاني عشر رمضان توجه قاضي القضاة والشيخ تقي الدِّين على البريد ودخل الشيخ تقي الدِّين مدينة غزة يوم السبت، وعمل في جامعها مجلسًا، ووصلا معًا إلى القاهرة يوم الخميس الثاني والعشرين من رمضان، وعقد للشيخ تقي الدِّين مجلسًا بالقلعة وأراد أن يتكلم فلم يمكن
стр. 247
من البحث والكلام على عادته، وحبس في برج أيامًا ثم نقل إلى الجب ليلة عيد الفطر هو وأخوه.
وأكرم قاضي القضاة نجم الدِّين وجدد له توقيع وخلع عليه وسافر إلى دمشق فوصلها يوم الجمعة سادس ذي القعدة وقرئ تقليده بمقصورة الخطابة يوم الجمعة ثالث عشر ذي القعدة، وقرئ عقيبه الكتاب الذي وصل معه وفيه مخالفة الشيخ تقي الدِّين في العقيدة وإلزام الناس بذلك خصوصًا أهل مذهبه والوعيد بالعزل والحبس، وفيه أن يُنادى بذلك في البلاد الشامية، وكان قد نودي قبل صلاة الجمعة بالجامع والأسواق، ووصلت الأخبار بكثرة المتعصبين بالديار المصرية على الشيخ تقي الدِّين وأنه حصل أذى كثير للحنابلة، وحبس تقي الدِّين عبد الغني ابن الشيخ شمس الدِّين الحنبلي وألزموا جميعهم بالرجوع عن عقيدتهم في القرآن والصفات وأشار القضاة على رفيقهم قاضي القضاة شرف الدِّين الحراني الحنبلي بموافقة الجماعة، وكان قليل العلم فوافق وألزم جماعة من أهل مذهبه بذلك وأخذ خطوطهم ووقع أمر لم يجر على الحنابلة مثله، وكان ذلك بقيام الأمير ركن الدِّين الجاشنكير في القضية بسعي القاضي المالكي والقروي المالكي وجماعة من الشافعية. (ص ٢٧٠).
وفي سلخ رمضان (٧٠٦) أحضر الأمير سيف الدِّين سلار القضاة الثلاثة الشافعي والمالكي والحنفي ومن الفقهاء الباجي والجزري والنمراوي وتكلم في إخراج الشيخ تقي الدِّين من الحبس، فاتفقوا على أنه يشترط عليه أمور ويُلزم بالرجوع عن بعض العقيدة، فأرسلوا إليه من يحضره ليتكلموا معه في ذلك فلم يجب إلى الحضور، وتكرر الرسول إليه في ذلك
стр. 248
ست مرات وصمم على عدم الحضور في هذا الوقت، فطال عليهم المجلس وانصرفوا من غير شيء. (ص ٢٩٧).
وفي الثامن والعشرين من ذي الحجة وصل الشيخ تاج الدِّين محمود بن عبد الكريم بن محمود الفارقي من الديار المصرية وكان توجه لأجل زيارة الشيخ تقي الدِّين والقيام في نصرته، فأقام مدة ثم رجع والأمر على حاله، وفي هذا اليوم أخبر نائب السلطنة بوصول كتاب إليه من الشيخ تقي الدِّين ابن تيمية من الجب، وأُعلم بذلك جماعة ممن حضر مجلسه وأثنى عليه، وقال ما رأيت مثله ولا أشجع منه، وذكر ما هو عليه في السجن من التوجه إلى الله تعالى وأنه لا يقبل شيئًا من الكسوة السلطانية، ولا من الإدرار السلطاني، ولا تدنس بشيء من ذلك. (ص ٣٠٥).
وفي يوم الخميس السابع والعشرين من ذي الحجة طلب أخوا الشيخ تقي الدِّين ابن تيمية وهما شرف الدِّين عبد الله، وزين الدِّين عبد الرحمن من الحبس إلى مجلس نائب السلطنة، وحضر القاضي زين الدِّين المالكي، وجرى بينهم كلام كثير وأعيدا إلى موضعهما. (ص ٣٠٦).
واجتمع قاضي القضاة بدر الدِّين بالشيخ تقي الدِّين ابن تيمية في دار الأوحدي بالقلعة بكرة الجمعة رابع عشري صفر (سنة ٧٠٧) وتفرقا قبل الصلاة وطال بينهما الكلام. (ص ٣١١).
وفي أوائل ربيع الأول وصل الأمير حسام الدِّين مهنا بن عيسى إلى دمشق وتوجه إلى القاهرة، فوصلها في تاسع عشر الشهر المذكور، وحضر بنفسه إلى السجن إلى الشيخ تقي الدِّين ابن تيمية فأخرجه بعد أن استأذن في ذلك، فخرج يوم الجمعة الثالث والعشرين من الشهر إلى دار نائب السلطنة
стр. 249
بالقلعة، وحضر بعض الفقهاء وحصل بينهم بحث كثير، وفرقت صلاة الجمعة بينهم، ثم اجتمعوا إلى المغرب ولم ينفصل الأمر، ثم اجتمعوا بمرسوم السلطان يوم الأحد الخامس والعشرين من الشهر مجموع النهار، وحضر جماعة أكثر من الأولين، حضر نجم الدِّين ابن الرفعة، وعلاء الدِّين الباجي، وفخر الدِّين ابن بنت أبي سعد، وعز الدِّين النمراوي، وشمس الدِّين ابن عدلان، وصهر المالكي وجماعة من الفقهاء، ولم تحضر القضاة وطُلبوا واعتذر بعضهم بالمرض وبعضهم تبع أصحابه، وقبل عذرهم نائب السلطنة، ولم يكلفهم بالحضور بعد أن رسم السلطان بحضورهم، وانفصل المجلس على خير، وبات الشيخ عند نائب السلطنة، وكتب كتابًا إلى دمشق بكرة الاثنين السادس والعشرين من الشهر يتضمن خروجه، وأنه أقام بدار ابن شقير بالقاهرة، وأن الأمير سيف الدِّين سلار رسم بتأخره عن الأمير مهنا أيامًا ليرى الناس فضله ويحصل لهم الاجتماع به، ووصل مهنا إلى دمشق يوم الخميس سادس شهر ربيع الآخر، وأقام ثلاثة أيام وسافر، ثم عُقد للشيخ تقي الدِّين مجلس ثالث يوم الخميس سادس ربيع الآخر بالمدرسة الصالحية بالقاهرة. (ص ٣١٢ - ٣١٣).
وفي شوال شكا شيخ الصوفية بالقاهرة كريم الدِّين الآملي وابن عطاء وجماعة نحو الخمس مائة من الشيخ تقي الدِّين ابن تيمية وكلامه في ابن عربي وغيره إلى الدولة، فردوا الأمر في ذلك إلى الحاكم الشافعي، وعُقد له مجلس وادعى عليه ابن عطاء بأشياء فلم يثبت شيء منها، لكنه اعترف أنه قال لا يستغاث بالنبي ﷺ استغاثة بمعنى العبادة ولكن يتوسل به، فبعض الحاضرين قال ليس في هذا شيء، ورأى قاضي القضاة بدر الدِّين أن هذه
стр. 250
إساءة أدب وعنفه على ذلك فحضرت رسالة إلى القاضي أن يعمل معه ما تقتضيه الشريعة في ذلك، فقال القاضي: قد قلت له ما يقال لمثله، ثم إن الدولة خيروه بين أشياء وهي الإقامة بدمشق أو الإسكندرية بشروط أو الحبس، فاختار الحبس، فدخل عليه جماعة في السفر إلى دمشق ملتزمًا ما شُرط فأجابهم فأركبوه خيل البريد ليلة الثامن عشر من شوال، ثم أرسل خلفه من الغد بريد آخر فرده، وحضر عند قاضي القضاة بحضور جماعة من الفقهاء فقال له بعضهم: ما ترضى الدولة إلا بالحبس، فقال قاضي القضاة وفيه مصلحة له واستناب شمس الدِّين التونسي المالكي وأذن له أن يحكم عليه بالحبس فامتنع، وقال: ما يثبت عليه شيء، فأذن لنور الدِّين الزواوي المالكي، فتحير، فقال الشيخ: أنا أمضي إلى الحبس وأتبع ما تقتضيه المصلحة فقال نور الدِّين المأذون له في الحكم: فيكون في موضع يصلح لمثله، فقيل له: ما ترضى الدولة إلا بمسمى الحبس، فأرسل إلى حبس القاضي وأجلس في الموضع الذي أجلس فيه القاضي تقي الدِّين ابن بنت الأعز لما حُبِس، وأذن في أن يكون عنده من يخدمه، وكان جميع ذلك بإشارة الشيخ نصر المنبجي ووجاهته في الدولة، واستمر الشيخ في الحبس يُسْتَفتى ويقصده الناس ويزورونه وتأتيه الفتاوى المشكلة من الأمراء وأعيان الناس. (ص ٣٣٤ - ٣٣٥).
* * * *
стр. 251
نموذج من قراءة شيخ الإسلام ابن تيمية على شيوخه
مستخرجة من تعليقات البرزالي لسماعاته على مشايخه سنة (٦٨٠)(١)
قال البرازلي (٢٢٥ أ):
وسمعت على ابن الدرجي كتاب «البيوع» لابن أبي عاصم ــ وهو جزءان ــ بإجازته من الصيدلاني عن الحداد عن أبي نعيم عن أحمد بن بندار الشعار عنه بقراءة (تقي الدِّين ابن تيمية) من وقف الضياء بخطه، في يوم الجمعة، ثاني عشر جمادى الأولى بجامع دمشق. كتبه ابن البرزالي.
قال البرزالي (٢٢٥ ب):
سمعت على ابن الدرجي كتاب «المحبين مع المحبوبين» لأبي نعيم بإجازته من الصيدلاني عن الحداد عن أبي نعيم عن احمد بن بندار الشعار عنه، بقراءة (تقي الدِّين ابن تيمية) من وقف الضياء في يوم الجمعة، خامس جمادى الأولى بجامع دمشق كتبه ابن البرزالي.
قال البرازلي (٢٢٥ ب):
وسمعتُ في هذا التاريخ (السبت السابع والعشرين من جمادى الأولى) على الشيخ فخر الدِّين علي بن أحمد بن عبد الواحد جزءًا فيه «فوائد
стр. 252
محمد بن عبد الله بن عبد الحكم» بإجازته من اللبان، بإجازته من الشيروي بسماعه من أبي سعيد بن شاذان الصيرفي بسماعه من لفظ الأصم عنه، أوله: «أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم»، وآخره: «لما قدم رسول الله ﷺ وُعِك أبو بكر وبلال»، وذلك بقراءة (تقي الدِّين ابن تيمية) من نسخته بالسميساطية ... المسعودي بالجامع المظفّري. كتبه ابن البرزالي
قال البرزالي (٢٢٦ أ):
وسمعتُ على ابنِ شيبان المجلسَ الأول من «أمالي الضبي» بسماعه من ابن طبرزد، عن الأنماطي عن ابن البغوي عنه من نسختي، بقراءة (تقي الدِّين ابن تيمية) يوم السبت السابع والعشرين من جمادى الأولى بدكانه بالصالحية. كتبه ابن البرزالي.
قال البرزالي (٢٢٦ ب):
وسمعتُ على ابن شيبان جزءًا فيه أربعة مجالس من «أمالي أبي بكر الخطيب» أملاها بدمشق ــ وهو الجزء الخامس ــ بسماعه من ابن طبرزد عن أبي منصور بن خيرون عنه بقراءة (تقي الدِّين ابن تيمية) يوم السبت السابع والعشرين من جمادى الأولى، بدكانه بسفح قاسيون. كتبه ابن البرزالي.
قال البرزالي (٢٢٧ أ):
وسمعتُ على ابن علّان الجزء الأول من حديث «أبي حفص الكناني» بسماعه من ابن ملاعب وإجازته من ابن الأخضر وابن صِرْما بسماعهم من الأرموي، عن جابر بن ياسين عنه بقراءة (تقي الدِّين ابن تيمية) في العشر الأوسط من جمادى الأولى بدار الحديث الأشرفية بدمشق. كتبه ابن البرزالي.
стр. 253
قال البرزالي (٢٢٨ أ):
وسمعت على ابن علَّان الجزء الأول من «فوائد العياد» تخريج البيهقي بإجازته من منصور بن الفُرَاوي بسماعه من جدِّه عنه، بقراءة (تقي الدِّين ابن تيمية) في يوم الجمعة عاشر جمادى الآخرة، بمنزله بدرب البقسماطي بدمشق. كتبه ابن البرزالي.
قال البرزالي (٢٢٨ أ):
وسمعت عليه (ابن الدرجي) في هذا التاريخ (يوم الجمعة عاشر جمادى الآخرة) والمكان (بجامع دمشق) جزءًا فيه من «عوالي أبي بكر القباب» بإجازته من أبي زرعة عبيد الله بن محمد بن اللّفْتُواني، بسماعه من أبي بكر بن أبي ذر الصالحاني بسماعه من أبي طاهر بن عبد الرحيم عنه، أوله: «لقد هبط يوم مات سعد بن معاذ ... » وآخره: «من ظلم معاهدًا فأنا حجيجه ... » من وقف ابن الجوهري بقراءة (تقي الدِّين ابن تيمية). كتبه ابن البرزالي.
قال البرزالي (٢٣١ أ):
وسمعت عليه (شمس الدِّين ابن علان) جزءًا فيه «فضائل رجب» لعبد العزيز الكناني، بإجازته من الخشوعي، بسماعه من جمال الإسلام، بسماعه منه، بقراءة (تقي الدِّين ابن تيمية) في يوم الجمعة منتصف شهر رجب بمنزله بدرب البقسماطي بدمشق. كتبه ابن البرزالي.
وقال:
وسمعته عليه بالقراءة والتاريخ والمكان أربعة أحاديث من جزء من
стр. 254
«حديث أبي مسلم الكاتب»، بإجازته من القاسم بن عساكر، بإجازته من أبي سهل محمد بن إبراهيم بن سعدون الأصبهاني، بسماعه من أبي الفضل عبد الرحمن بن أحمد بن الحسن الرزاي بسماعه منه، من نسختي، وهي بخط ابن الجوزي. كتبه ابن البرزالي.
وقال البرزالي (٢٣١ ب):
وسمعتُ على الشيخ الإمام ...
«القناعة» لأبي بكر بن السني بسماعه من ابن رواحه، وإجازته من ابن الصيقل، بسماعه من ... أحمد بن موسى بن مردويه، بسماعه من أبي القاسم علي بن عمر بن إسحاق الهمذاني عنه من نسخة وقف ابن ..... بقراءة (الإمام تقي الدِّين ابن تيمية) في يوم الأحد سابع عشر رجب بجامع دمشق. كتبه ابن البرزالي.
وقال البرزالي (٢٣١ ب):
وسمعت على ست العرب بنت يحيى بن قايماز الكندية بقراءة (تقي الدِّين ابن تيمية) جزءًا فيه «نسخة خالد بن مرداس السراج» بسماعها من ..... بسماعه من أبي الفتح عبد الله بن محمد بن البيضاوي، عن ابن النقور، عن ابن الجرَّاح الوزير، عن البغوي عنه من نسختي في عشيَّة السبت الثالث والعشرين من رجب بمنزلها بدمشق. كتبه ابن البرزالي.
وقال البرزالي (٢٣١ ب):
وسمعتُ عليه (الخطيب بدر الدِّين بن عبد اللطيف بن محمد بن محمد ابن المغيرك خطيب حماة) بقراءة (تقي الدِّين ابن تيميّة) جزءًا فيه
стр. 255
«بغية المرتاد للحديث العالي الصحيح الإسناد» من ... من «مسند الشافعي» عن ابن ..... عن أبي زُرْعة، وصح ذلك من نسختي يوم الجمعة التاسع والعشرين من رجب بالمدرسة التقوية (١) بدمشق. كتبه ابن البرزالي.
وقال البرزالي (٢٣١ ب):
وسمعتُ على ست العرب الكندية المجلس الثالث من «أمالي القاضي أبي يعلى بن الفراء»، بحضورها على الكندي، بسماعه من القاضي أبي بكر الأنصاري وعنه، بقراءة (تقي الدِّين ابن تيمية) في عشية السبت، الثالث والعشرين من رجب بمنزلها بدمشق. كتبه ابن البرزالي.
وقال البرزالي (٢٣١ ب):
وسمعت على الشيخ تقي الدِّين ابن مزيز وولده تاج الدِّين أحمد «الأربعين البلدانية» لابن عساكر، بسماع الأول وإجازة الثاني من أبي المظفَّر عبد المنعم بن محمد بن محمد بن حمزة بن أبي المضاء، بسماعه منه.
وبسماع الأول من النفيس محمد بن الحسين بن رواحة، بإجازته منه، بقراءة (تقي الدِّين ابن تيمية) في مجلسين، يوم السبت ويوم الأحد سابع عشر رجب المبارك على المسلمين بجامع دمشق.
وقال (٢٣١ ب):
وسمعتُ على الشيخ جمال الدِّين أحمد بن أبي بكر بن سليمان بن الحموي «جزءَ طالوت بن عباد الصيرفي» بسماعه من ابن مندويه عن نصر
стр. 256
البَرْمكي عن ابن النقور عن ابن حبان عن البغوي عنه، بقراءة (تقي الدِّين ابن تيمية) في يوم الجمعة التاسع والعشرين من رجب بجامع دمشق.
وقال (٢٣٢ أ):
[وسمعت على الشيخ أبي إسحاق] إبراهيم بن إسماعيل بن الدرجي، ونجم الدِّين أبي المعالي عبد العالي بن عبد الملك بن عبد الكافي الربعي كتاب «السنن» عن الإمام الشافعي ﵁ رواية محمد بن عبد الله بن عبد الحكم عنه، وفيه شيء من روايته عن غيره .... وصح بقراءة (تقي الدِّين ابن تيمية) يوم الجمعة غرة رجب بجامع دمشق.
وقال (٢٣٤ أ):
وسمعت على الشيخ رشيد الدِّين محمد بن أبي بكر بن محمد بن سليمان العامري كتاب «الأمثال والاستشهادات» لأبي عبد الرحمن السلمي بسماعه من ابن الحرستاني بإجازته من المشايخ الثلاثة: أبي الأسعد، وعبد الرزاق حافِدَيْ أبي القاسم القشيري، وأبي الخير جامع بن أبي نصر بن أبي إسحاق الصوفي بسماعهم من أبي سعيد محمد بن عبد العزيز الصفّار عنه، وذلك بقراءة (الإمام تقي الدِّين ابن تيمية)، من نسخة ابن سونج في يوم الأحد ثاني شعبان بالمدرسة المجاهدية (١) بدمشق.
ثم سمعت كتاب «الأمثال والاستشهاد» للسلمي المذكور مرة أخرى في يوم الخميس سادس شعبان بالمدرسة المذكورة على الشيخ كمال الدِّين
стр. 257
عبد الرحمن بن أحمد بن عباس العاقوسي بحضوره على ابن الحرستاني في الثالثة، بسنده أعلاه، بقراءة (تقي الدِّين ابن تيمية) من نسخة ابن سونج (١).
وقال أيضًا:
وسمعت على كمال الدِّين عبد الرحمن بن أحمد بن عباس العاقوسي جزءًا فيه «منتخب من الجزء الرابع من معجم أبي سعيد بن الأعرابي» بسماعه من أبي نصر محمد بن عبد الله بن الشيرازي بسماعه من الضياء بن أبي الحسين هبة الله بن الحسن بن عساكر بإجازته من الخِلَعي عن ابن النحاس عنه من نسختي وفيه أربعة عشر حديثًا، وذلك بقراءة (تقي الدِّين ابن تيمية) يوم الاثنين ثالث شعبان.
وسمعتُ عليه بالقراءة والتاريخ مجلسًا من «أمالي ... الثلاثة» وآخره على الأرض، بسماعه من ابن الحرستاني بإجازته في الثانية ... وعبد المنعم القشيري بن أبي بكر السقافي، والموفق بن سعيد، وأبي بكر السبعي، وأبي نصر الحرضي، ومسعود السجزي بسماعهم من أبي بكر الصيرفي عنه، وذلك بالمدرسة المجاهدية بدمشق.
وقال (٢٣٤ ب):
وسمعتُ على أم الخير ست العرب بنت يحيى بن قايماز الكندية جميع «المئة المنتقاة» من الجزء الأول والثاني من حديث قتيبة، وهي موافقات سوى الخمسة الأخيرة منها فإنها أبدال، بإجازتها من أبي روح عن الفضيلي عن مُحَلِّم عن الخليل السجزي عن السَّرَّاج عنه بقراءة (تقي الدِّين ابن تيمية)
стр. 258
يوم الثلاثاء رابع شعبان بمنزلها بدمشق.
(وقبل هذا):
وسمعت على ابن الدرجي أربعة أحاديث من عوالي ..... (١) في يوم الجمعة الحادي والعشرين من شعبان ... بقراءة (تقي الدِّين ابن تيمية).
* * * *
стр. 259
كَنْز الدُّرر وجامِعُ الغُرَر (١)
لأبي بكر بن عبد الله بن أيْبَك الدَّوادَاري (بعد ٧٣٦)
ذكر ما جرى لدمشق من الأحوال الناكدة
ولمّا تحقّق الأمر عند أهل دمشق اشتدَّ خوفهم وكثرت الأراجيف واختلفت الأقوال. فمنهم من قال: إنّ غازان مسلم، وإنّ غالب جيوشه كذلك، وإنَّهم لم يتبعوا المسلمين من المنهزمين، وبعد انفصال الوقعة لم يقتلوا أحدًا. وكثرت الأقاويل في ذلك. فلمّا كان يوم السبت رابع اليوم من الوقعة وقعت صيحة عظيمة بالبلد، وخرجت النساء مهتّكات لمّا بلغهم أنّ التتار دخلوا البلد. ولم يكن لذلك ضجّة، وانفرجت في ساعةٍ، لكن بعدما مات في ذلك اليوم على أبواب دمشق جماعة نحو عشرين نفر، منهم شخص يسمّى النجم المحدِّث البغداديّ. وذلك لعظم الازدحام بالأبواب. وكان ليلة السبت قد خرج من البلد جماعة من أعيان الناس وكبار البلد وهم قاضي القضاة إمام الدين، والقاضي جمال الدِّين المالكيّ، وتاج الدِّين بن الشيرازيّ، ووالي البلد ووالي البرّ والمحتسب مع جماعةٍ كبيرةٍ من بياض الناس، وتوجّهوا إلى الديار المصريّة. وفي ليلة الخميس، أحرقوا المحابيس، باب سجن باب الصغير، وخرجوا منه في عِدّة مايتي وخمسين نفر، وتوجّهوا إلى باب الجابية وكسروا الأقفال وفتحوا الباب وخرجوا. وأصبح الناس يوم الأحد لا يدرون ما هم فيه، ولا ماذا يفعلون.
стр. 260
واجتمع الناس في ذلك اليوم في مشهد عليّ، وتشاوروا في أمر الخروج إلى غازان. فكان ممّن اجتمع ذلك اليوم مَن يُذكر وهم: القاضي بدر الدِّين ابن جماعة، والشيخ زين الدِّين الفارقيّ، والشيخ تقيّ الدِّين ابن التيميّة، وقاضي القضاة نجم الدِّين بن صصري، والصاحب فخر الدِّين بن الشيرجيّ، والقاضي عزّ الدِّين بن الزكيّ، والشيخ وجيه الدِّين بن منجَّى، والصدر عزّ الدِّين بن القلانسيّ، وأمين الدِّين بن شقير الحرّانيّ، والشريف زين الدِّين بن عدنان، والشيخ نجم الدِّين [بن] أبي الطيّب، وناصر الدِّين عبد السلام، والصاحب شهاب الدِّين بن الحنفي، والقاضي شمس الدِّين ابن الحريري، والشيخ الصالح شمس الدِّين قوام النابلسي، وجماعة كبيرة من القراء والفقهاء والعدول، وأجمعوا رأيهم على الخروج إلى غازان. فلما كان نهار الاثنين صلوا صلاة الظهر وتوجهوا إلى الله وخرجوا ليتقنوا أمر صلاح البلد. (٩/ ١٨ - ١٩).
ثم إن التتار طلعوا إلى جبل الصالحية، وفعلوا فيه من الأفعال القبيحة ما يطول شرحه مما تقشعر لهول سماعه الأبدان. فخرج الشيخ تقي الدِّين ابن التيمية إلى عند شيخ الشيوخ وصحبته جماعة من أهل البلد، وشكوا إليه الحال. فخرج إليهم في يوم الثلاثاء وسط النهار. فلما بلغ التتار الذين كانوا بجبل الصالحية مجي شيخ الشيوخ هربوا بعد أن أخربوا جميع مساكنه ونهبوا ساير أمواله وسبوا حريم أهله وأولادهم وبناتهم، وجرت عليهم أمور عظام لا يطاق سماعها، أضربت عن ذكر جميع ذلك. (٩/ ٢٨).
وحكى الشيخ علم الدِّين البرزالي، قال: اجتمعتُ يوم الخميس الخامس والعشرين من الشهر بالشيخ تقي الدِّين ابن التيمية، فذكر أنه اجتمع
стр. 261
ببهاء الدِّين قطلوشاه، وذكر له أنه من عظم جنكزخان، ولحية قطلوشاه أجرود ولا شعرةَ بوجهه أصلًا، وأنه كان له في ذلك العهد من العمر اثنتين وخمسين سنة، وأنه ذكر له أن الله ختم الرسالة بمحمد ﷺ ، وأن جنكزخان جده كان مسلمًا، وكل من خرج من ذريته مسلمين، ومن خرج من طاعته فهو خارجي، وذكر أيضًا اجتماعه بالملك غازان، والوزير سعد الدين، ورشيد الدولة الوزير المتطبب، وكذلك بالشريف قطب الدِّين ناظر الخزانة، والكاتب صدر الدين، والنجيب الكحال اليهودي، وشيخ الشيوخ نظام الدِّين محمود، وأصيل الدِّين بن النصير الطوسي ناظر الأوقاف، وهؤلاء كانوا أعيان دولة الملك غازان، وذكر أيضًا أنه رأى عند قطلوشاه صاحب سيس الملعون، وهو أشقر أزرق كث اللحية ومعه طايفة من الأرمن عليهم الذلة والمسكنة. وكان سفر قطلوشاه ظهر يوم الثلاثاء الثالث والعشرين من الشهر. وكان سبب اجتماع الشيخ تقي الدِّين بهؤلاء الأسرا، وقال: إنهم يكتبون في جميع فرامينهم بقوة الله وبميثاق الملة المحمدية! وذكر أنه اجتمع بشخص منهم فيه دين وسكون وصلاة حسنة، فسأله: ما السبب في خروجك وقتالك المسلمين وأنت كما أرى منك؟ فقال: أفتانا شيخنا بتخريب الشأم وأخذ أموالهم، لأنهم لا يصلون إلا بالأجرة، ولا يؤذنون إلا لذلك، ولا يتفقهون إلا بمثل ذلك. (٩/ ٣٢ - ٣٣).
وفي العشر الأخير من الشهر المذكور (١) نزل أيضًا جماعة من القلعة وقتلوا جماعة من التتار وحصلت خبطة عظيمة، ومسك جماعة من الذين كانوا ينسبون إلى المشي مع التتار، وجبيت أيضًا جباية أخرى لبوليه مقدم التتار.
стр. 262
ودخل الخطيب بدر الدِّين بن جماعة والشيخ ابن التيمية إلى القلعة ومشوا في الصلح بين أرجواش ونواب التتار. فلم يوافق أرجواش ' على ذلك، ولم يزل الأمر كذلك إلى مستهل شهر رجب الفرد.
وفي الثاني من الشهر طلب قبجق أعيان البلد وحلفهم للدولة المحمودية بالنصح وعدم المداجاة.
وفي يوم الخميس توجه الشيخ تقي الدِّين ابن التيمية إلى مخيم بولاي مقدم التتار يسأل في المأسورين، وكانوا خلقًا كثيرًا. وتحدث بولاي في أمر يزيد بن معاوية مع الشيخ، وسأله: هل يجوز لعنته أم لا؟ ففهم الشيخ أن فيه موالاة، فكلمه بما لاق بخاطره بغير شيء يكره. فقال: هؤلاء أهل دمشق هم قتلة الحسين بن علي صلوات الله عليه. فقال له الشيخ: إنه لم يكن من أهل دمشق من حضر قتلة الحسين ﵇، وقتل ﵇ بأرض كربلا من العراق. فقال: صحيح، وكانوا بنو أمية خلفاء الدنيا، وكانوا يحبون سكنى الشام. فقال الشيخ: وماذا يلزم من ذلك في قتلة الحسين، وهذه الشام ما برحت أرضًا مباركة ومحل الأولياء والصلحاء بعد الأنبياء صلوات الله عليهم. ولم يزل به حتى سكن غضبه على أهل الشأم. ثم ذكر للشيخ أن أصله مسلم من أهل خراسان. وجرى بينه وبين الشيخ كلام كثير. (٩/ ٣٥ - ٣٦).
ذكر واقعة الشيخ تقي الدِّين ابن التيمية '
وذلك لما كان يوم الاثنين ثامن شهر رجب الفرد من هذه السنة المذكورة، طُلب القضاة والفقهاء والشيخ تقي الدِّين ابن التيمية إلى مجلس الأمير جمال الدِّين الأفرم نايب الشام المحروس بدمشق، وكان اجتماعهم بالقصر الأبلق. ثم سألوا الشيخ تقي الدِّين ابن التيمية عن عقيدته.
فأملى
стр. 263
شيئًا منها. ثم أحضر عقيدته «الواسطية» وقرئت في المجلس المذكور، وبحث فيها وتأخر منها مواضع إلى مجلس آخر. ثم اجتمعوا يوم الجمعة ثامن عشر الشهر المذكور. وحضر المجلس أيضًا صفي الدِّين الهندي. وبحثوا مع الشيخ تقي الدِّين وسألوه عن مواضع خارجًا عن العقيدة. وجعل الشيخ صفي الدِّين يتكلم معه كلامًا كثيرًا. ثم إنهم رجعوا عنه واتفقوا أن كمال الدِّين بن الزملكاني يحاققه من غير مسامحة، ورضوا بذلك الجميع. وانفصل الأمر بينهم أنه أشهد على نفسه الحاضرين أنه شافعي المذهب، يعتقد ما يعتقده الإمام الشافعي ﵁، ورضوا منه بهذا القول، وانصرفوا على ذلك.
فعند ذلك حصل من أصحاب الشيخ تقي الدِّين كلام كثير وقالوا: ظهر الحق مع شيخنا، فأحضروا واحدًا منهم إلى عند القاضي جلال الدِّين الشافعي في العادلية، فصفعه وأمر بتعزيره، فشفعوا فيه. وكذلك فعل الحنفي بآخر وآخر من أصحاب الشيخ تقي الدين.
ثم لما كان يوم الاثنين ثاني وعشرين الشهر قرأ الجمال المِزِّيُّ المُحَدِّث فصلًا في الرد على الجهمية من كتاب «أفعال العباد» تصنيف البخاري ﵁، قرأ ذلك في مجلس العام تحت النسر. فغضب بعض الفقهاء الحاضرين وقالوا: ما قرئ هذا الفصل إلا ونحن المقصودون بهذا التكفير، قال: فحملوه إلى قاضي القضاة الشافعي، فرسم بحبسه. فبلغ الشيخ تقي الدِّين ذلك، فقام حافيًا في جماعة من أصحابه، وأخرج المذكور من الاعتقال. فعند ذلك اجتمع القاضي بملك الأمراء، وكذلك الشيخ تقي الدِّين والنقباء عند ملك الأمراء، واشتط تقي الدِّين على القاضي، وذكر نايبه جلال الدِّين وأنه آذى أصحابه
стр. 264
بسبب غيبة نايب السلطان في الصيد. فلما حضر نايب السلطان رسم بطلب كل من أكثر كلامه من الطايفتين، وأمر باعتقالهم، ونودي في البلد بمرسوم سلطاني: من تكلم في العقائد حل ماله ودمه ونهب داره وهتكت عياله. وقصد نايب السلطان بذلك إخماد الفتنة الثايرة.
ثم لما كان سلخ شهر رجب اجتمع القضاة والفقهاء وعقدوا مجلسًا بالميدان بحضور ملك الأمراء وبحثوا في العقيدة. فجرى من الشيخ صدر الدِّين بن الوكيل كلام في معنى الحروف وغيره. فأنكر عليه كمال الدِّين ابن الزملكاني القول في ذلك. ثم قال للقاضي نجم الدِّين بن صصري قاضي القضاة: أما سمعت ما قال؟ فكأن نجم الدِّين تغافل عن ذلك طلبًا لإخماد الشر. فقال كمال الدِّين بن الزملكاني: ما جرى على الشافعية قليل كون أن تكون رئيسها، إشارة على ما كان ادعاه صدر الدِّين بن الوكيل. فظن القاضي نجم الدِّين أن الكلام له، فقال: اشهدوا على أنني قد عزلت نفسي! وقام من المجلس فلحقه الحاجب الأمير ركن الدِّين بيبرس العلائي وعلاء الدِّين أيدغدي بن شقير وأعادوه إلى المجلس. وجرى كلام كثير بعد ذلك يطول شرحه. ثم إن ملك الأمراء ولاه الحكم، وحكم القاضي الحنفي بذلك وصحة الولاية، وأنفذها المالكي وقبل الولاية بحضور ملك الأمراء. فلما عاد إلى داره لاموه أصحابه. وخشى على نفسه ورأى أن الولاية لا تصح، فعاد طلع إلى تربته بسفح قاسيون، فأقام بها وصمم على العزل.
فلما كان بعد ثلاثة أيام رسم ملك الأمراء لنوابه بالمباشرة إلى حيث يرد جواب مولانا السلطان. فأما نايبه جلال الدِّين فإنه باشر الحكم، وأما تاج الدِّين فامتنع.
стр. 265
فلما كان ثامن عشرين شهر شعبان المكرم وصل البريد من الأبواب العالية أعلاها الله تعالى وعلى يده كتابين، كتاب لملك الأمراء وكتاب للقاضي نجم الدِّين بعودته إلى الحكم العزيز. ومضمون الكتاب في فصل منه يقول: قد فرحنا باجتماع رأي العلماء عقيدة الشيخ تقي الدين. فباشر القاضي نجم الدِّين يوم الخميس مستهل شهر رمضان المعظم، وسكنت الفتنة.
فلما كان خامس رمضان، وصل من الأبواب العالية بريد، وهو الأمير حسام الدِّين لاجين العمري يطلب القاضي نجم الدِّين بن صصري والشيخ تقي الدِّين بن التيمية وكمال الدِّين بن الزملكاني. وفي المرسوم الوارد يقول: وتعرفونا ما كان وقع في زمان جاغان في سنة ثمان وتسعين وست ماية بسبب عقيدة ابن التيمية ــ وفيه إنكار عظيم عليه ــ وأن تكتبوا صورة العقيدتين: الأولة والثانية. ــ فعند ذلك طلبوا القاضي جلال الدِّين الحنفي وسألوه عما جرى في أيامه. فقال: نقل إلي عنه كلام، وسألناه فأجاب عنه. وكذلك القاضي جلال الدِّين الشافعي لما طلب أحضر نسخة العقيدة التي كانت أحضرت في زمان أخيه. ثم إنهم تحدثوا مع ملك الأمراء في أن يكاتب بسببهم ويسد هذا الباب، فأجاب إلى ذلك.
فلما كان يوم السبت عاشر رمضان المعظم وصل مملوك ملك الأمراء على البريد المنصور، وأخبر أن الطلب على الشيخ تقي الدِّين حثيث، وأن القاضي زين الدِّين بن مخلوف المالكي قد قام في هذا الأمر قيامًا عظيمًا، وأن الأمير ركن الدِّين بيبرس الجاشنكير معه في هذا الأمر، وأخبر بأشياء كثيرة جرت مما وقع بمصر في حق الحنابلة، وأن بعضهم أُهِين، وأن القاضي
стр. 266
المالكي والحنبلي جرى بينهما كلام كثير. فلما سمع الأمراء ذلك رجع عن المكاتبة بسببهم وأمر بتجهيزهم إلى الأبواب العالية وتوجهوا. فلما كان يوم الجمعة سابع شهر شوال وصل البريد، وأخبر أن كان وصول القاضي نجم الدِّين والشيخ تقي الدِّين إلى الديار المصرية يوم الخميس ثاني وعشرين رمضان المعظم من هذه السنة المذكورة. (٩/ ١٣٣ - ١٣٦).
ذكر ما جرى للشيخ تقي الدِّين بمصر المحروسة
وذلك أنه لما وصل في ذلك التأريخ المذكور، عقد له مجلس في دار النيابة بحضور الأمير سيف الدِّين سلَّار، وأحضروا العلماء والأئمة القضاة الأربعة، وحضر الأمير ركن الدِّين بيبرس. فتكلم القاضي شرف الدِّين بن عدلان الشافعي، وادعى على الشيخ تقي الدِّين دعوى شرعية في أمر عقيدته. فعند ذلك قام الشيخ تقي الدِّين وحمد الله تعالى وأثنى عليه وتلجلج (١). ثم أراد أن يذكر الله ويذكر عقيدته في فصل طويل. فقالوا له: يا شيخ، الذي بتقوله معلوم، ولا حاجة إلى الإطالة، وأنت قد ادعى عليك هذا القاضي بدعوى شرعية، أجيب عنها! فأعاد القول في التحميد وحاد عن الجواب، فلم يمكن في تتمة تحاميده. فقال: عند من هي هذه الدعوى؟ فقالوا: عند القاضي زين الدِّين المالكي، فقال: عدوي وعدو مذهبي، فكرروا عليه القول مرارًا، ولم يزدهم على ذلك شيئًا وطال الأمر. فعند ذلك حكم القاضي المالكي باعتقاله على رد الجواب. فقتال الشيخ: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف: ٣٣] فأقاموه من المجلس واعتقل، وسجن أيضًا
стр. 267
إخوته في برج من أبراج القلعة.
فبلغ القاضي أن جماعة من الأمراء يترددون إليه وينقلون له المآكل الطيبة. فطلع القاضي واجتمع بالأمير ركن الدِّين في قضيته وقال: هذا يجب عليه التضييق إذا لم يقتل، وإلا فقد ثبت كفره. فنقلوه هو وإخوته ليلة عيد الفطر إلى الجب بالقلعة.
وكان بعد قيام ابن التيمية من المجلس قد تكلم قاضي القضاة بدر الدِّين ابن جماعة ' في مسائل القرآن العظيم وشيء من عقيدة الإمام الشافعي ﵁. فقيل لقاضي القضاة الحنفي: ما تقول؟ قال: كذا أعتقد. فقيل لقاضي القضاة شرف الدِّين الحنبلي: ما تقول؟ فتلجلج، فقال له الشيخ شمس الدِّين القروي المالكي: قم، جدد إسلامك! وإلا لحقوك بابن التيمية وأنا أحبك وأنصحك، فخجل. فلقنه القاضي بدر الدِّين بن جماعة القول، فقال مثل قوله، وانفصل الحال.
ثم كتب إلى دمشق كتاب يتضمن أن مولانا السلطان ــ خلد الله ملكه ــ قد رسم: أي من اعتقد عقيدة ابن التيمية حل ماله ودمه. وبعد صلاة الجمعة حضروا القضاة جميعهم بمقصورة الخطابة بجامع دمشق ومعهم الأمير ركن الدِّين بيبرس العلائي أمير حاجب الشام يوم ذاك. وجمعوا جميع الحنابلة، وأحضر تقليد قاضي القضاة نجم الدِّين بن صصري باستمراره على القضاء وقضاء العسكر ونظر الأوقاف مع زيادة المعلوم، وقرأه زين الدِّين أبو بكر. وقرئ عقيبه نسخة الكتاب الذي وصل فيما يتعلق بمخالفة عقيدة الشيخ تقي الدِّين ابن التيمية وإلزام الناس بذلك، خصوصًا الحنابلة. فكان ما هذا نسخته:
стр. 268
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي تنزه عن الشبيه والنظير، وتعالى عن المثيل ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ [الشورى: ١١].
نحمده على أن ألهمنا العمل بالسنة والكتاب، ورفع في أيامنا أسباب الشك والارتياب.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة من يرجو بإخلاصه حسن العقبى والمصير.
ونُنزِّه الخالق عن التحيير في جهة لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤].
ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله الذي نهج سبل النجاة لمن سلك طريق مرضاته، وأمر بالتفكر في آلاء الله ونهى عن التفكر في ذاته.
صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين علا بهم منار الإيمان وارتفع، وشيد الله بهم قواعد الدِّين الحنيفي ما شرع، فأخمد بهم كلمة من حاد عن الحق ومال إلى البدع.
وبعد: فإن العقائد الشرعية، وقواعد الإسلام المرعية، وأركان الإسلام العلية، ومذاهب الدِّين المضية، هي الأساس الذي يبنى الإيمان عليه، والمؤمل الذي يرجع كل أحد إليه، والطريق التي من سلكها: ﴿فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧١]، ومن زاغ عنها فقد استوجب عذابًا أليمًا. فلهذا يجب أن تنفذ أحكامها ويؤكد زمامها، وتصان عقائد هذه الأمة عن
стр. 269
الاختلاف، وتزان قواعد الأمة بالائتلاف، وتخمد ثوائر البدع، ويفرق من قوتها ما جمع.
وكان التقي ابن التيمية في هذه المدة قد سلط لسان قلمه، ومد عنان كلمه، وتحدث في مسائل الذات والصفات، ونص في كلامه على أمور منكرات، وتكلم فيما سكت عنه الصحابة والتابعون، وفاه بما يخفيه السلف الصالحون، وأتى في ذلك بما أنكره أئمة الإسلام، وانعقد على خلافه اجتماع العلماء والحكام، وشهر من فتاويه في البلاد ما استخف به عقول العوام، فخالف في ذلك علماء عصره، وأئمة شأمه ومصره، وبعث رسائله إلى كل مكان، وسمى فتاويه أسماء: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [يوسف: ٤٠].
ولما اتصل بنا ذلك، وما سلكوه ومريدوه من هذه المسالك، وأظهروه من هذه الأحوال وأشاعوه، وعلمنا أنه: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ [الزخرف: ٥٤] حتى اتصل بنا أنهم صرحوا في حق الله بالحرف والصوت والتجسيم، قمنا في الله تعالى مستعظمين لهذا النبإ العظيم. فأنكرنا هذه البدعة، وأنفنا أن نسمع عن من تضمه ممالكنا هذه السمعة. وكرهنا ما فاه به المبطلون، وتلونا قوله: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٥٩] فإنه ﷻ تنزه عن العديل والنظير ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣].
وتقدمت مراسمنا باستدعاء التقي ابن التيمية المذكور إلى أبوابنا عندما شاعت فتاويه شامًا ومصرًا، وصرح فيها بألفاظ ما سمعها ذو فهم إلا وتلا: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ [الكهف: ٧٤].
стр. 270
ولما وصل إلينا، تجمع أولوا الحل والعقد، وذوو التحقيق والنقد، وحضر قضاة الإسلام، وحكام الأنام، وعلماء الدين، وفقهاء المسلمين، وعقد له مجلس شرع، في ملأ من الأئمة والجمع، فثبت عند ذلك عليه، جميع ما نُسِبَ إليه، بمقتضى خط يده، الدال على معتقده، وانفصل ذلك الجمع، وهم لعقيدته منكرون، وآخذوه بما شهد به قلمه عليه: ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: ١٩].
وبلغنا أنه كان قد استتيب فيما تقدم، وأخره الشرع الشريف لما تعرض إلى ذلك وأقدم. ثم عاد بعد ردعه ومنعه، ولم تدخل تلك النواهي في سمعه.
فلما ثبت ذلك في مجلس الحكم العزيز المالكي، حكم الشرع الشريف بأن يسجن هذا المذكور، ويمنع من التصرف والظهور.
ومرسومنا هذا يأمر بأن لا يسلك أحد ما سلكه المذكور من هذه المسالك، وينهى عن التشبه به في اعتقاد مثل ذلك، أو يغدو له في هذا القول متبعًا، أو لهذه الألفاظ مستمعًا، أو يسري في التجسيم مسراه، أو أن يفوه بجهة للعلو، مخصصًا أحدًا كما فاه، أو يتحدث إنسان في صوت أو حرف، أو يوسع القول في ذات أو وصف، أو يطلق لسانه بتجسيم، أو يحيد عن طريق الحق المستقيم، أو يخرج عن رأي الأمة، أو ينفرد عن علماء الأئمة، أو يحيز الله تعالى في جهة، أو يتعرض إلى حيث وكيف، فليس لمن يعتقد هذا المجموع عندنا غير السيف.
فليقف كل أحد عند هذا الحد، فـ ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾، فليزم كل من الحنابلة بالرجوع عما أنكره الأئمة من هذه العقيدة، والخروج من هذه المشتبهات الشديدة، ولزوم ما أمر الله به من التمسك بمذاهب أهل
стр. 271
الإيمان الحميدة، فإنه من خرج عن أمر الله تعالى فقد ضل سواء السبيل وليس له منا غير السجن الطويل من مقيل.
ومتى أصروا على الامتناع، وأبوا إلا الدفاع، فليس لهم عندنا حكم ولا قضاء ولا إمامة، ولا نسنح لهم في بلادنا بشهادة ولا منصب ولا إقامة، ونأمر بإسقاطهم من مراتبهم، وإخراجهم من مناصبهم. وقد حذرنا وأعذرنا، وأنصفنا حيث أنذرنا.
فليقرأ مرسومنا هذا على المنابر، ليكون أعظم زاجر وأعدل ناه وآمر. وليبلغ للغائب الحاضر.
والخط الشريف أعلاه، حجة بمقتضاه.
وكتب هذا المرسوم عدة نسخ، ونفذ إلى سائر الممالك الإسلامية. وتولى قراءة هذا المرسوم الوارد بدمشق القاضي شمس الدِّين محمد بن شهاب الدِّين محمود الموقع، وبلغ عنه ابن صبيح المؤذن. وأحضروا الحنابلة بعد ذلك، واعترفوا عند قاضي القضاة جمال الدِّين المالكي بأنهم جميعهم يعتقدون ما يعتقده الإمام محمد ابن إدريس الشافعي ﵁، وهو قوله: آمنت بالله وما جاء عن الله عن من آمن بالله، وآمنت برسول الله وما جاء عن رسول الله عن مراد رسول الله ﷺ . (٩/ ١٣٧ - ١٤٣).
ذكر السبب الموجب لهذه الفتن المذكورة
وذلك أن بعض أصحاب الشيخ تقي الدِّين ابن التيمية أحضر للشيخ كتابًا من تصانيف الشيخ محي الدِّين ابن العربي يسمى «فصوص الحكم» وذلك في سنة ثلاث وسبع مئة. فطالعه الشيخ تقي الدين، فرأى فيه مسائل تخالف اعتقاده. فشرع في لعنة ابن العربي وسبَّ أصحابه الذين يعتقدون
стр. 272
اعتقاده. ثم اعتكف الشيخ تقي الدِّين في شهر رمضان وصنف نقيضه وسماه «النصوص على الفصوص» وبين فيه الخطأ الذي ذكره ابن العربي. وبلغه أن شيخ الشيوخ كريم الدِّين شيخ خانقاه سعيد السعداء بالقاهرة المحروسة له اشتغال بمصنفات ابن العربي، وأنه يعظمه تعظيمًا كبيرًا وكذلك الشيخ نصر المنبجي. ثم إن الشيخ تقي الدِّين صنف كتابين فيهما إنكار كثير على تأليف ابن العربي، ولعنه فيهما مصرحًا ولعن من يقول بقوله، وسير الكتاب الواحد للشيخ نصر المنبجي والآخر للشيخ كريم الدين. فلما وقف عليه الشيخ نصر حصل عنده من ذلك أمر عظيم، وتألم له تألمًا بالغًا وحصل له إنكار شديد.
وكان الشيخ نصر كما قد تقدم من الكلام منزلته عند الأمير ركن الدِّين بيبرس الجاشنكير العالية. وأن بيبرس لايقوم ويقعد إلا به في سائر حركاته. وكان سائر الحكام من القضاة والأمراء وأرباب المناصب يترددون إلى عند الشيخ نصر لأجل منزلته عند بيبرس الجاشنكير. فحضر عنده القاضي زين الدِّين بن مخلوف المالكي عقيب وقوف الشيخ نصر على كتاب الشيخ تقي الدين، فأوقف القاضي على الكتاب المذكور. فقال له القاضي: أوقف الأمير ركن الدِّين عليه وقَرِّرْ معه ما أحببت، وأنا معك كيف شئت. وألزم الأمير ركن الدِّين بطلبه إلى الديار المصرية وتسأله عن عقيدته. فقد بلغني أنه أفسد عقول جماعة كبيرة، وهو يقول بالتجسيم، وعندنا من اعتقد هذا الاعتقاد كفر ووجب قتله. فلما حضر الأمير ركن الدِّين بيبرس الجاشنكير عند الشيخ نصر على عادته، أجرى له ذكر ابن التيمية وأمر عقيدته، وأنه أفسد عقول جماعة كبيرة، ومن جملتهم نائب الشام وأكبر الأمراء الشاميين، والمصلحة تقتضي طلبه إلى الأبواب العالية ويطلب منه عقيدته، وتقرأ على
стр. 273
العلماء بالديار المصرية من المذاهب الأربعة، فإن وافقوه وإلا يستتيبوه ويرجعوه ليرجع عن مذهبه واعتقاده سائر من لعب بعقله من الناس أجمعين. ثم ذكر له ذنوبًا أخر حتى حَرَّضَ بيبرس على طلبه.
ثم بعد ذلك جرت فتن للحنابلة بمدينة بلبيس. ثم انتقل الحال إلى القاهرة، وحصل لبعض الحنابلة إهانة واعْتُقِلَ منهم جماعة. وجرت فتن عظيمة بين الأشاعرة والحنابلة بالشام، وكان النائب غائبًا بالصيد. فلما حضر أمر بإصلاح ذات البين، وأقر كل طائفة على حالها. وجرى في القاهرة أيضًا على الحنابلة أمور شنيعة، وألزموهم بالرجوع عن العقيدة وأن يقولوا: إن القرآن العظيم هو المعنى القائم بالنفس، وإن ما في الصحف عبارة عنه، وإن ما هو في الصحف موجود ومحفوظ في الصدور ومقروء بالألسنة مخلوق، وإن القديم هو القائم بالنفس، وألزموا بنفي مسألة العلو والتصريح بذلك، وأن جميع ما ورد من أحاديث الصفات لا يجري على ظاهرها بوجه من الوجوه. وجرى عليهم كل مكروه. وكان القاضي شرف الدِّين الحنبلي قليل البضاعة في العلم، ولم يدري ما يجيب به، وكان أكبر من تحدث فيهم وألزمهم بذلك القاضي زين الدِّين المالكي ﵀، انتصارًا للشيخ نصر في ذلك الوقت. وكان القاضي زين الدِّين عالمًا جيدًا وفقيهًا حسنًا ﵁، يتحدث في المذاهب الأربعة. وكذلك ساعدوه جماعة من الشافعية. فكان هذا سبب أصول الفتن المذكورة، وسيأتي ذكر بقية ما جرى لتقي الدِّين ابن التيمية في سنة ست وسبع مائة إن شاء الله تعالى. (٩/ ١٤٣ - ١٤٥).
ذكر سنة ست وسبع مائة
وفيها في آخر يوم من شهر رمضان المعظم، أحضر الأمير سيف الدِّين
стр. 274
سلّار، الموالي القضاة الثلاثة الشافعي والمالكي والحنفي، ومن الفقهاء الباجي والجزري والنمراوي، وتكلم معهم في إخراج الشيخ تقي الدِّين ابن التيمية، فاتفقوا على أن يُشْتَرط عليه أمور ويلزم بالرجوع عن العقيدة. فأرسلوا إليه من يحضره ليتكلموا معه في ذلك. فلم يجب إلى الحضور، وتكرر إليه الرسول ست دفعات، وهو مصمم على عدم الحضور، وطال عليهم المجلس، فانصرفوا على غير شيء. (٩/ ١٤٦).
وفيها (١) في العشر الأول من شهر ربيع الأول، وصل الأمير حسام الدِّين مهنا بن الأمير شرف الدِّين عيسى بن مهنا إلى الأبواب العالية، واجتمع بالمقام الأعظم السلطاني، وحصل له من الإقبال والإنعام شيء كثير. وخاطب مولانا السلطان في أمر الشيخ تقي الدِّين ابن التيمية، فأنعم مولانا السلطان به بإطلاقه. فتوجه إليه الأمير حسام الدِّين مهنا بنفسه إلى السجن، وأخرجه يوم الجمعة الثالث والعشرين من ربيع الأول، وأحضر إلى دار النيابة بحضرة الأمير سيف الدِّين سلار وأحضر له بعض الفقهاء، وحصل بينهم كلام كثير وبحث زايد يضيق هذا المجموع عن بعضه، وقربت صلاة الجمعة فافترقوا. ثم اجتمعوا وبحثوا إلى المغرب ولم ينفصل لهم أمر. ثم اجتمعوا يوم الأحد الخامس والعشرين من الشهر، وحضروا جماعة فقهاء أخر، وحضر الشيخ نجم الدِّين بن رفعة، وعلاء الدِّين الباجي، وفخر الدِّين بن أبي سعد، وشمس الدِّين الخطيب الجزري، وعز الدِّين النمراوي، وشمس الدِّين عدلان، وصهر المالكي، وجماعة أخر في تعدادهم طول كثير. ولم تحضر الموالي القضاة، وطلبوهم فاعتذروا. وقبل عذرهم نائب
стр. 275
السلطان، ولم يكلفهم إلى الحضور. وتباحثوا ذلك اليوم في مجلس الأمير سيف الدِّين سلار، وانفصل المجلس على خير. وبات الشيخ تقي الدِّين عند نائب السلطان، وكتب بيده كتابًا إلى دمشق مضمنًا خروجه من السجن. وأقام بعد ذلك بدار ابن شقير بالقاهرة. ورسم نائب السلطان بتأخيره عن التوجه مع مهنا لمصلحة في ذلك.
وفي يوم الجمعة رابع عشر ربيع الآخر، عقد له مجلس آخر بالمدرسة الصالحية بعد الصلاة. وكان مهنا قد سافر، وبحثوا معه. ووقع الاتفاق على تغيير الألفاظ في العقيدة، وانفصل المجلس على خير. واستقر بعد ذلك بالقاهرة، والناس يجتمعون به ويهرعون إليه، ولم يزل كذلك إلى أن سافر في سنة اثنتي عشرة وسبع مائة. واستقر إلى أن توفي رحمه الله تعالى في تأريخ ما يأتي ذكره. (٩/ ١٥٠ - ١٥١).
وفيها (١) توفي الشيخ تقي الدِّين ابن التيمية، رحمه الله تعالى. (٩/ ٣٤٩).
* * * *
стр. 276
رسالة من عبد الله بن حامد أحد علماء الشافعية إلى أبي عبد الله [ابن رُشَيِّق] في الثناء على شيخ الإسلام (١)
الرَّحِيمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ بِسْمِ
من أصغر العباد عبد الله بن حامد إلى الشيخ الإمام العالم العامل، وقدوة الأفاضل والأماثل، مجمّل المجالس والمحافل، المحامي عن دين الله، والذَّابّ عن سنة رسول الله ﷺ ، والمعتصم بحبل الله، الشيخ المبجل المكرم أبي عبد الله، أسبغ الله عليه نعمه، وأيَّد بإصابة الصواب لسانه وقلمه، وجمع له بين السعادتين، ورفع درجته في الدارين بمنِّه ورحمته.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أمَّا بعد، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، ثم وافاني كتابك وأنا إليك بالأشواق، ولم أّزل مسائلًا ومستخبرًا الصادرَ والوارد عن الأنباء، طاب مسموعها، وسرَّ ما يسرّ منها.
стр. 277
وما تأخر كتابي عند هذه المدّة مللًا ولا خللًا بالمودّة، ولا تهاونًا بحقوق الإخاء، حاشا لله أنْ يشوب الأُخوّةَ في الله جفاء، ولا أزال أتعلل بعد وفاة الشيخ الإمام ــ إمام الدنيا ﵁ ــ بالاسترواح إلى أخبار تلامذته وإخوانه وأقاربه وعشيرته والخصيصين به، لما في نفسي من المحبة الضرورية التي لا يدفعها شيءٌ، على الخصوص لمَّا اطلعت على مباحثه واستدلالاته التي تُزلزِل أركان المبطلين، ولا يثبت في ميادينها سفسطة المتفلسفين، ولا يقف في حلباتها أقدام المبتدعين من المتكلِّمين.
وكنت قبل وقوفي على مباحث إمام الدنيا ﵀ قد طالعت مصنفات المتقدمين، ووقفت على مقالات المتأخرين من أهل الفلسفة ونُظَّار أهل الإسلام؛ فرأيت فيها الزخارف والأباطيل والشكوك التي يأنف المسلم الضعيف في الإسلام أن تخطر بباله، فضلًا عن القوي في الدين؛ فكان يتعب قلبي ويحزنني ما يصير إليه الأعاظم من المقالات السخيفة والآراء الضعيفة، التي لا يعتقد جوازَها آحادُ الأمة، وكنت أفتش على السنة المحضة في مصنفات المتكلمين من أصحاب الإمام أحمد ﵀ على الخصوص، لاشتهارهم بالتمسك بمنصوصات إمامهم في أُصول العقائد فلا أجد عندهم ما يكفي، وكنت أراهم يتناقضون إذ يؤصِّلون أُصولًا يلزم فيها ضد ما يعتقدون، أو يعتقدون خلاف مقتضى أدلتهم، فإذا جمعتُ بين أقاويل المعتزلة والأشعرية، وحنابلة بغداد وكرَّامية خراسان أرى أن إجماع هؤلاء المتكلمين في المسألة الواحدة على ما يخالف الدليل العقلي والنقلي، فيسوؤني ذلك، وأظل أحزن حزنًا لا يعلم كنهه إلا الله، حتّى قاسيت من مكابدة هذه الأُمور شيئًا عظيمًا لا أستطيع شرح أيسره، وكنت ألتجئ إلى الله وأتضرّع إليه، وأهرب إلى ظواهر النصوص، وألقى
стр. 278
المعقولات المتباينة، والتأويلات المصنوعة فتنبو الفطرة عن قبولها، ثم قد تشبثت فطرتي بالحق الصَّريح في أمهات المسائل، غير متجاسرة على التصريح بالمجاهرة قولًا وتصميمًا للعقد عليه، حيث لا أراه مأثورًا عن الأئمة وقدماء السَّلف، إلى أن قدَّر الله سبحانه، وقوع مصنّف (١)
الشيخ الإمام ــ إمام الدنيا ' ــ في يدي، قبيل واقعته الأخيرة بقليل، فوجدت فيه ما بهرني من موافقة فطرتي لما فيه، وعزو الحقّ إلى أئمة السنة وسلف الأُمة، مع مطابقة المعقول والمنقول! فبهت لذلك سرورًا بالحقّ، وفرحًا بوجود الضَّالّة التي ليس لفقدها عوض، فصارت محبة هذا الرجل ﵀ محبة ضروريّة، تقصر عن شرح أقلّها العبارات ولو أطنبت، ولما عزمت على المهاجرة إلى لقيه، وصلني خبر اعتقاله، وأصابني لذلك المقيم المقعِد.
ولما حججت سنة ثمان وعشرين وسبعمائة صممت العزم على السفر إلى دمشق لأتوصل إلى ملاقاته، ببذل مهما أمكن من النفس والمال للتفريج عنه، فوافاني خبر وفاته ــ رحمه الله تعالى ــ مع الرجوع إلى العراقِ، قبيل وصولي الكوفة، وجدت عليه ما لا يجده الأخ على شقيقه ــ وأستغفر الله ــ بل ولا الوالد الثّاكِل على ولده، وما دخل في قلبي من الحزن لموت أحدٍ من الولد والأقارب والإخوان كما وجدته عليه ــ رحمه الله تعالى ــ ولا تخيلته قط في نفسي ولا تمثلته في قلبي؛ إلا ويتجدد لي حزن قديمُه كأنه محدث، ووالله ما كتبتها إلا وأدمعي تتساقط عند ذكره أسفًا على فراقه وعدم ملاقاته، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
стр. 279
وما شرحت هذه النبذة من محبة الشيخ ــ رحمة الله تعالى عليه ــ إلا ليتحقق بعدي عن الملل (١) الموهوم، لكن لما سبق الوعد الكريم منكم بإنفاذ فهرست مصنفات الشيخ ﵁ وتأخر ذلك عني، اعتقدت أن الإضراب عن ذلك نوع تقيّة، أو لعذر لا يسعني السؤال عنه، فسكتّ عن الطلب خشية أن يلحق أحدًا ضرر ــ والعياذ بالله ــ بسببي، لما كان قد اشتهر من تلك الأحوال، فإن أنعمتم بشيءٍ من مصنفات الشيخ ــ رحمه الله تعالى ــ كانت لكم الحسنة عند الله تعالى علينا بذلك، فما أشبه كلام هذا الرجل بالتِّبر الخالص المصفى! وقد يقع في كلام غيره من الغش، والشبه المدلس بالتبر ما لا يخفى على طالب الحقّ بحرص وعدم هوى، ولا أزال أتعجّب من المنتسبين إلى حبّ الإنصاف في البحث، المُزْرِين على أهل التقليد؟ المعقولات التي يزعمون أن مستندَهم الأعظمَ الصريحُ منها، كيف يباينون ما أوضحه من الحق وكشف عن قِناعه؟ وقد كان الواجب على الطلبة شدّ الرحال إليه من الآفاق ليرو العجب، وما أشبه حال المباينين له من المنتسبين إلى العلم، الطالبين للحقّ الصريح الذي أعياهم وجدانه بحال قوم ذبحهم العطش والظمأ في بعض المفازات، فحين أشرفوا على التلف لمع لهم شطّ كالفرات أو دجلة أو كالنيل، فعند معاينتهم لذلك اعتقدوه سرابًا لا شرابًا، فولّوا عنه مدبرين، وتقطّعت أعناقهم عطشًا وظمأً! ! فالحكم لله العلي الكبير، وأما إرسال الكتب للمقابلة من إحدى الطرفين ففيه تعسُّف! (٢)
стр. 280
وتمهدون العذر في الإطناب.
فهذا الذي ذكرته في حالي مع الشيخ كالقطرة من بحر، وإن أنعمتم بالسلام على أصحاب الشيخ وأقاربه ــ كبيرهم وصغيرهم ــ كان ذلك مضافًا إلى سابق إنعامكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأنتم في أمان الله ورعايته، والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد، وآله وسلّم تسليمًا كثيرًا.
* * * *
стр. 281
لقْطة العَجْلانِ في مُخْتَصَرِ وَفَيَاتِ الأعْيَانِ (١)
للعلّامة عبد الباقي بن عبد المجيد اليماني (٧٤٣)
الحافظ تقي الدِّين ابن تيمية، أبو العبّاس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن تيميّة الحرّاني الدِّمشقي.
شيخ العلوم الإسلامية، وأساس القواعد الدينيَّة، وابن بجدة الأحاديث النَّبويّة، جَمَع من المعقول والمنقول، وردَّ على فلاسفة الحكماء فيما يتعلّق بالمعقول، إذا تكلَّم في مسألةٍ فحدِّث عن البحر ولا حرج، وإذا استمرَّ في معنًى من المعاني لا يكاد سامعه يقول عنه خَرْج، مع فصاحة لسانٍ، وبلاغةٍ ملكت أزِمَّة التِّبيان.
وأمَّا الزّهد في الدّنيا، ورفض زخرفها، فإليه الغاية، وعنده يوجد في هذا الشَّأن النهاية، أجْمَعَ من شاهد معارفه، وتحقّق عوارفه: أنّه نسيج وحده، وفريد وقته في علمه ومجده.
كان له اطلاع على مذاهب الإسلام، وإتقان لمسالك الحلال والحرام، ودراية بالتَّوراة والإنجيل.
وعلى الجملة؛ لم يسمح الزمن له بمثيل، تقصر العبارة عن ذكر صفاته على التَّفصيل، فلذلك جاء لسان العلم بها مسرودَة على طريق الإجمال، ولو شُرع في تفاصيلها لأوْقِرَ منه الأحمال فالأحمال.
ما زال يَسْبِقُ حتَّى قال حاسِدُهُ ... له طريقٌ إلى العلياءِ مُخْتصرُ
стр. 282
خصَّه الله مع هذه المزايا بكرمٍ يستقلّ الدّنيا لوافده ويستنزرُ الكبريت الأحمر لقاصده، مع أمرٍ بالمعروف، وإغاثة للملهوف، واتِّباعٍ لسنن الصَّحابة، واقتفاءٍ لآثار أُولي الإنابة، ما ورث العلم عن كلالة، بل بيتُه لأهِلَّة العلوم هالة.
ونقل الحافظ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذَّهبي الدِّمشقي أنَّ مصنَّفاته تُنِيْفُ على خمس مئة مجلَّد.
ولد سنة ستين (١) وست مئة بحرَّان، وتوفي سنة ثمان وعشرين وسبع مئة بدمشق بقلعتها، لأمور جرت بينه وبين علماء عصره وعُقدت له مجالس فيما يتعلَّق بمسائل عديدة أُصولية وفروعيَّة، واستقرّ آخر الأمر على أن يُبنى له في القلعة مكان ويُمنع منه من أراد الوصول إليه، وأقبل بعد ذلك على التَّصنيف والإكثار منه، يُقال: إنَّه وضع تفسيرًا مطوَّلًا أتى فيه بالغريب والعجيب.
ولقد سبقه من قبله الإمام أبو محمد علي بن حزم فيما اتفق له حذو القذَّة بالقذَّة، عفا الله عن الجميع، وغفر لهم، إنَّه وليُّ الإجابة.
* * * *
стр. 283
مختصر طَبَقَاتِ عُلَمَاءِ الحَدِيث (١)
للعلّامة محمد بن أحمد بن عبد الهادي الحنبلي (٧٤٤)
ابن تَيْمِيَّة
شيخُنا الإمام الرَّبَّاني، إمام الأئمة، ومُفتي الأُمة، وبحرُ العلوم، سَيِّد الحُفَّاظ، وفارس المعاني والألفاظ، فريدُ العَصْر، وقريع الدَّهر، شيخ الإسلام، قُدْوة الأنام، عَلَّامة الزَّمان، وتَرْجُمان القرآن، عَلَمُ الزُّهَّاد، وأوْحد العُبَّاد، قامعُ المبتدعين، وآخر المُجْتهدين، الشَّيخ تقي الدين؛ أبو العَبَّاس، أحمد بن الشَّيخ الإمام شهاب الدِّين أبي المحاسن عبد الحليم بن الشَّيخ الإمام شيخ الإسلام مجد الدِّين أبي البركات عبد السلام بن أبي محمد عبد الله بن أبي القاسم الخَضِر بن [محمَّد بن الخضر] بن عليّ بن عبد الله الحَرَّاني؛ نزيل دمشق، وصاحب التَّصانيف الَّتي لم يُسْبق إلى مثلها.
قيل: إنَّ جَدَّه محمد بن الخَضِر حَجَّ ــ وله امرأة حامل ــ على درب تَيْماء، فرأى هناك جاريةً طِفْلة قد خرجت من خِبَاءٍ، فلما رجع إلى حَرَّان وجد امرأته قد ولدت بنتًا، فلما رآها قال: يا تَيْمِيَّة، يا تَيْمِيَّة، فلُقِّب بذلك.
وقال ابنُ النَّجَّار: ذُكر لنا أنَّ محمَّدًا هذا كانت أمّه تسمى تَيْمِيَّة، وكانت واعظة، فنسب إليها، وعُرِفَ بها.
ولد شيخنا بِحَرَّان يوم الاثنين عاشر ــ وقيل ثاني عشر ــ ربيع الأوَّل سنة إحدى وستين وست مئة.
стр. 284
وقدم مع والده وأهله إلى دمشق وهو صغير، وكانوا قد خرجوا من حَرَّان مُهَاجِرين بسنن جَوْر التَّتار، فساروا بالليل ومعهم الكتب على عجلة لعدم الدَّواب؛ فكاد العدو يلحقهم، ووقفتِ العجلة، فابتهلوا إلى الله واستغاثوا به فنجوا وسَلِموا، وقدموا دمشق في أثناء سنة سبع وستين فسمعوا من الشيخ زين الدِّين أحمد بن عبد الدائم بن نعمة المقدسي جُزْءَ ابنِ عرفة، وغير ذلك.
ثمَّ سمع شيخنا الكثير من: ابن أبي اليُسْر، والكمال بن عبد، والشَّيخ شمس الدِّين الحَنْبَلي، والقاضي شمس الدِّين بن عطاء الحَنفِي، والشَّيخ جمال الدِّين بن الصَّيْرفي، ومجد الدِّين بن عَسَاكر، والنَّجيب المِقْداد، وابن أبي الخير، وابن علان، وأبي بكر الهَرَوي، والكمال عبد الرحيم، وفخر الدِّين بن البُخَاري، وابن شَيْبَان، والشرف بن القَوَّاس، وزينب بنت مكي، وخَلْق كثير.
وشيوخه الَّذين سمع منهم أزيد من مئتي شيخ.
وسمع «مسند الإمام أحمد» مَرَّات، و «معجم الطَّبَراني الكبير»، والكتب الكبار، والأجزاء، وعني بالحديث، وقرأ بنفسه الكثير، ولازم السماع مدة سنين، وقرأ «الغيلانيات» في مجلس، ونسخ وانتقى، كَتَبَ الطِّباق والأثبات، وتعلَّم الخَطَّ والحساب في المكتب، واشتغل بالعلوم، وحَفِظ القُرْآن، وأقبل على الفِقْه، وقرأ أيامًا في العربية على ابن عبد القوي (١) ثمَّ فهمها، وأخذ يتأمل «كتاب سيبويه» حتَّى فهِمَه، وبرع في النَّحْو، وأقبل على التفسير إقبالًا
стр. 285
كليًّا حتَّى حاز فيه قصب السَّبْق، وأحكم أُصول الفقه، وغير ذلك، هذا كلُّه وهو بَعْدُ ابن بضع عشرة سنة، فانبهر الفُضَلاء من فَرْط ذكائه، وسيلان ذهنه، وقوة حافظته، وسرعة إدراكه.
نشأ في تصوُّنٍ تام، وعفاف وتألُّهٍ، واقتصاد في المَلْبَس والمأكل، ولم يزل على ذلك خلفًا صالحًا سلفيًّا، بَرًّا بوالديه، تقيًّا، ورعًا، عابدًا ناسكًا، صَوَّامًا قَوَّامًا، ذاكرًا لله تعالى في كل أمر وعلى كل حال، رجَّاعًا إلى الله تعالى في سائر الأحوال والقضايا، وقَّافًا عند حدود الله تعالى وأوامره ونواهيه، آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر، لا تكاد نَفْسُه تشبع من العِلْم، ولا تَرْوى من المطالعة، ولا تَمَلُّ من الاشتغال، ولا تَكِلُّ من البحث، وقلَّ أن يَدْخُلَ في علم من العلوم، في باب من أبوابه إلَّا ويُفتح له من ذلك الباب أبواب، ويستدرك أشياء في ذلك العلم على حُذَّاق أهله.
وكان يحضر المدارس والمحافل في صِغَرِه، فيتكلَّم ويناظر، ويُفْحِمُ الكبار، ويأتي بما يتحيَّر منه أعيانُ البلد في العِلْم، وأفتى وله نحو سبع عشرة سنة، وشَرَع في الجمع والتأليف من ذلك الوقت.
ومات والده ــ وكان من كبار الحنابلة وأئمتهم ــ فدرَّس بعده بوظائفه؛ وله إحدى وعشرون سنة، واشْتَهر أمره، وبَعُدَ صيته في العالم، وأخذ في تفسير الكتاب العزيز أيام الجُمَع على كرسي من حِفْظه، فكان يورد ما يقوله من غير توقُّفٍ ولا تلعثم، وكذا كان يورد الدَّرْس بتُؤَدَةٍ وصوتٍ جَهْوَري فصيح.
وحَجَّ سنة إحدى وتسعين (١) وله ثلاثون سنة، ورجع وقد انتهت إليه