← Тараджим

Тараджим · id 17563

الجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية خلال سبعة قرون وتكملة الجامع

محمد عزير شمس

Полный текст (869 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

لقْطة العَجْلانِ في مُخْتَصَرِ وَفَيَاتِ الأعْيَانِ (١) للعلّامة عبد الباقي بن عبد المجيد اليماني (٧٤٣) الحافظ تقي الدِّين ابن تيمية، أبو العبّاس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن تيميّة الحرّاني الدِّمشقي. شيخ العلوم الإسلامية، وأساس القواعد الدينيَّة، وابن بجدة الأحاديث النَّبويّة، جَمَع من المعقول والمنقول، وردَّ على فلاسفة الحكماء فيما يتعلّق بالمعقول، إذا تكلَّم في مسألةٍ فحدِّث عن البحر ولا حرج، وإذا استمرَّ في معنًى من المعاني لا يكاد سامعه يقول عنه خَرْج، مع فصاحة لسانٍ، وبلاغةٍ ملكت أزِمَّة التِّبيان. وأمَّا الزّهد في الدّنيا، ورفض زخرفها، فإليه الغاية، وعنده يوجد في هذا الشَّأن النهاية، أجْمَعَ من شاهد معارفه، وتحقّق عوارفه: أنّه نسيج وحده، وفريد وقته في علمه ومجده. كان له اطلاع على مذاهب الإسلام، وإتقان لمسالك الحلال والحرام، ودراية بالتَّوراة والإنجيل. وعلى الجملة؛ لم يسمح الزمن له بمثيل، تقصر العبارة عن ذكر صفاته على التَّفصيل، فلذلك جاء لسان العلم بها مسرودَة على طريق الإجمال، ولو شُرع في تفاصيلها لأوْقِرَ منه الأحمال فالأحمال. ما زال يَسْبِقُ حتَّى قال حاسِدُهُ ... له طريقٌ إلى العلياءِ مُخْتصرُ

стр. 282

خصَّه الله مع هذه المزايا بكرمٍ يستقلّ الدّنيا لوافده ويستنزرُ الكبريت الأحمر لقاصده، مع أمرٍ بالمعروف، وإغاثة للملهوف، واتِّباعٍ لسنن الصَّحابة، واقتفاءٍ لآثار أُولي الإنابة، ما ورث العلم عن كلالة، بل بيتُه لأهِلَّة العلوم هالة. ونقل الحافظ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذَّهبي الدِّمشقي أنَّ مصنَّفاته تُنِيْفُ على خمس مئة مجلَّد. ولد سنة ستين (١) وست مئة بحرَّان، وتوفي سنة ثمان وعشرين وسبع مئة بدمشق بقلعتها، لأمور جرت بينه وبين علماء عصره وعُقدت له مجالس فيما يتعلَّق بمسائل عديدة أُصولية وفروعيَّة، واستقرّ آخر الأمر على أن يُبنى له في القلعة مكان ويُمنع منه من أراد الوصول إليه، وأقبل بعد ذلك على التَّصنيف والإكثار منه، يُقال: إنَّه وضع تفسيرًا مطوَّلًا أتى فيه بالغريب والعجيب. ولقد سبقه من قبله الإمام أبو محمد علي بن حزم فيما اتفق له حذو القذَّة بالقذَّة، عفا الله عن الجميع، وغفر لهم، إنَّه وليُّ الإجابة. * * * *

стр. 283

مختصر طَبَقَاتِ عُلَمَاءِ الحَدِيث (١) للعلّامة محمد بن أحمد بن عبد الهادي الحنبلي (٧٤٤) ابن تَيْمِيَّة شيخُنا الإمام الرَّبَّاني، إمام الأئمة، ومُفتي الأُمة، وبحرُ العلوم، سَيِّد الحُفَّاظ، وفارس المعاني والألفاظ، فريدُ العَصْر، وقريع الدَّهر، شيخ الإسلام، قُدْوة الأنام، عَلَّامة الزَّمان، وتَرْجُمان القرآن، عَلَمُ الزُّهَّاد، وأوْحد العُبَّاد، قامعُ المبتدعين، وآخر المُجْتهدين، الشَّيخ تقي الدين؛ أبو العَبَّاس، أحمد بن الشَّيخ الإمام شهاب الدِّين أبي المحاسن عبد الحليم بن الشَّيخ الإمام شيخ الإسلام مجد الدِّين أبي البركات عبد السلام بن أبي محمد عبد الله بن أبي القاسم الخَضِر بن [محمَّد بن الخضر] بن عليّ بن عبد الله الحَرَّاني؛ نزيل دمشق، وصاحب التَّصانيف الَّتي لم يُسْبق إلى مثلها. قيل: إنَّ جَدَّه محمد بن الخَضِر حَجَّ ــ وله امرأة حامل ــ على درب تَيْماء، فرأى هناك جاريةً طِفْلة قد خرجت من خِبَاءٍ، فلما رجع إلى حَرَّان وجد امرأته قد ولدت بنتًا، فلما رآها قال: يا تَيْمِيَّة، يا تَيْمِيَّة، فلُقِّب بذلك. وقال ابنُ النَّجَّار: ذُكر لنا أنَّ محمَّدًا هذا كانت أمّه تسمى تَيْمِيَّة، وكانت واعظة، فنسب إليها، وعُرِفَ بها. ولد شيخنا بِحَرَّان يوم الاثنين عاشر ــ وقيل ثاني عشر ــ ربيع الأوَّل سنة إحدى وستين وست مئة.

стр. 284

وقدم مع والده وأهله إلى دمشق وهو صغير، وكانوا قد خرجوا من حَرَّان مُهَاجِرين بسنن جَوْر التَّتار، فساروا بالليل ومعهم الكتب على عجلة لعدم الدَّواب؛ فكاد العدو يلحقهم، ووقفتِ العجلة، فابتهلوا إلى الله واستغاثوا به فنجوا وسَلِموا، وقدموا دمشق في أثناء سنة سبع وستين فسمعوا من الشيخ زين الدِّين أحمد بن عبد الدائم بن نعمة المقدسي جُزْءَ ابنِ عرفة، وغير ذلك. ثمَّ سمع شيخنا الكثير من: ابن أبي اليُسْر، والكمال بن عبد، والشَّيخ شمس الدِّين الحَنْبَلي، والقاضي شمس الدِّين بن عطاء الحَنفِي، والشَّيخ جمال الدِّين بن الصَّيْرفي، ومجد الدِّين بن عَسَاكر، والنَّجيب المِقْداد، وابن أبي الخير، وابن علان، وأبي بكر الهَرَوي، والكمال عبد الرحيم، وفخر الدِّين بن البُخَاري، وابن شَيْبَان، والشرف بن القَوَّاس، وزينب بنت مكي، وخَلْق كثير. وشيوخه الَّذين سمع منهم أزيد من مئتي شيخ. وسمع «مسند الإمام أحمد» مَرَّات، و «معجم الطَّبَراني الكبير»، والكتب الكبار، والأجزاء، وعني بالحديث، وقرأ بنفسه الكثير، ولازم السماع مدة سنين، وقرأ «الغيلانيات» في مجلس، ونسخ وانتقى، كَتَبَ الطِّباق والأثبات، وتعلَّم الخَطَّ والحساب في المكتب، واشتغل بالعلوم، وحَفِظ القُرْآن، وأقبل على الفِقْه، وقرأ أيامًا في العربية على ابن عبد القوي (١) ثمَّ فهمها، وأخذ يتأمل «كتاب سيبويه» حتَّى فهِمَه، وبرع في النَّحْو، وأقبل على التفسير إقبالًا

стр. 285

كليًّا حتَّى حاز فيه قصب السَّبْق، وأحكم أُصول الفقه، وغير ذلك، هذا كلُّه وهو بَعْدُ ابن بضع عشرة سنة، فانبهر الفُضَلاء من فَرْط ذكائه، وسيلان ذهنه، وقوة حافظته، وسرعة إدراكه. نشأ في تصوُّنٍ تام، وعفاف وتألُّهٍ، واقتصاد في المَلْبَس والمأكل، ولم يزل على ذلك خلفًا صالحًا سلفيًّا، بَرًّا بوالديه، تقيًّا، ورعًا، عابدًا ناسكًا، صَوَّامًا قَوَّامًا، ذاكرًا لله تعالى في كل أمر وعلى كل حال، رجَّاعًا إلى الله تعالى في سائر الأحوال والقضايا، وقَّافًا عند حدود الله تعالى وأوامره ونواهيه، آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر، لا تكاد نَفْسُه تشبع من العِلْم، ولا تَرْوى من المطالعة، ولا تَمَلُّ من الاشتغال، ولا تَكِلُّ من البحث، وقلَّ أن يَدْخُلَ في علم من العلوم، في باب من أبوابه إلَّا ويُفتح له من ذلك الباب أبواب، ويستدرك أشياء في ذلك العلم على حُذَّاق أهله. وكان يحضر المدارس والمحافل في صِغَرِه، فيتكلَّم ويناظر، ويُفْحِمُ الكبار، ويأتي بما يتحيَّر منه أعيانُ البلد في العِلْم، وأفتى وله نحو سبع عشرة سنة، وشَرَع في الجمع والتأليف من ذلك الوقت. ومات والده ــ وكان من كبار الحنابلة وأئمتهم ــ فدرَّس بعده بوظائفه؛ وله إحدى وعشرون سنة، واشْتَهر أمره، وبَعُدَ صيته في العالم، وأخذ في تفسير الكتاب العزيز أيام الجُمَع على كرسي من حِفْظه، فكان يورد ما يقوله من غير توقُّفٍ ولا تلعثم، وكذا كان يورد الدَّرْس بتُؤَدَةٍ وصوتٍ جَهْوَري فصيح. وحَجَّ سنة إحدى وتسعين (١) وله ثلاثون سنة، ورجع وقد انتهت إليه

стр. 286

الإمامة في العِلْم، والعمل، والزُّهْد، والورع، والشجاعة، والكرم، والتَّواضع، والحِلْم، والأناة، والجلالة، والمهابة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، مع الصِّدْق والأمانة والعفَّة والصِّيانة، وحُسْن القَصْد والإخلاص، والابتهال إلى الله، وشِدَّة الخوف منه، ودوام المراقبة له، والتمسُّك بالأثر، والدُّعاء إلى الله، وحُسْن الأخلاق، ونفع الخلق والإحسان إليهم. وكان ﵀ سيفًا مسلولًا على المخالفين، وشجًى في حُلُوق أهل الأهواء والمبتدعين، وإمامًا قائمًا ببيان الحَقِّ ونُصْرة الدِّين، طَنَّت بذكره الأمصار، وضَنَّت بمثله الأعصار. وقال شيخنا الحافظ أبو الحَجَّاج: ما رأيتُ مِثْلَه، ولا رأى هو مِثْلَ نَفْسِه، وما رأيت أحدًا أعلم بكتاب الله وسُنَّة رسوله، ولا أتبع لهما منه. وقال العَلّامة كمال الدِّين بن الزَّمْلَكاني: كان إذا سُئل عن فنٍ من العِلْم ظَنَّ الرَّائي والسَّامع أنَّه لا يعرف غيرَ ذلك الفن، وحَكَمَ أن أحدًا لا يعرفه مِثْله، وكان الفقهاء من سائر الطوائف إذا جلسوا معه استفادوا في مذاهبهم منه ما لم يكونوا عرفوه قبل ذلك، ولا يُعرف أّنَّه ناظر أحدًا فانقطع معه، ولا تكلَّم في عِلْم من العلوم ــ سواء كان من علوم الشرع أو غيرها ــ إلَّا فاق فيه أهلَه والمنسوبين إليه، وكانت له اليد الطُّولى في حُسْن التصنيف، وجودة العبارة، والترتيب والتقسيم والتبيين، ووقعت مسألة فرعية في قسمةٍ جرى فيها اختلافٌ بين المُفتين في العَصْر؛ فكتب فيها مجلَّدة كبيرة، وكذلك وقعت مسألة في حدٍّ من الحدود؛ فكتب فيها أيضًا مُجَلَّدة كبيرة، ولم يخرجْ في كلِّ واحدةٍ عن المسألة، ولا طوَّلَ بتخليط الكلام والدخول في شيءٍ والخروج من شيءٍ، وأتى في كل واحدةٍ بما لم يكن يجري في الأوهام والخواطر،

стр. 287

واجتمعت فيه شروطُ الاجتهاد على وجهها. وقرأت بخطِّ الشَّيخ كمال الدِّين أيضًا على كتاب «رفع الملام عن الأئمة الأعلام» لشيخنا: تأليف الشَّيخ الإمام العالم، العلَّامة الأوْحد، الحافظ المُجْتهد، الزَّاهد العابد، القُدْوة، إمام الأئمة، قُدْوة الأُمة، علامة العلماء، وارث الأنبياء، آخر المجتهدين، أوحد علماء الدِّين، بركة الإسلام، حُجَّة الأعلام، بُرْهان المتكلمين، قامع المبتدعين، محيي السُّنَّة، ومَنْ عَظُمَتْ به لله علينا المِنَّة، وقامت به على أعدائه الحُجَّة، واستبانت ببركته وهديه المَحَجَّة، تقي الدِّين أبي العَبَّاس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السَّلام ابن تيميَّة الحَرَّاني، أعلى الله مناره، وشَيَّد به من الدِّين أركانه. ماذا يقولُ الواصفونَ له ... وصِفاته جلَّتْ عن الحَصْرِ هو حُجّةٌ لله قاهِرَةٌ ... هُو بيننا أُعجوبةُ الدَّهْرِ هو آيةٌ في الخَلْقِ ظاهِرَةٌ ... أنْوارها أرْبَتْ على الفَجْر وهذا الثَّناء عليه وكان عمره نحو الثَّلاثين سنة، وقد أثنى عليه خَلْقٌ من شيوخه، ومن كبار علماء عَصْره كالشيخ شمس الدِّين ابن أبي عمر، والشيخ تاج الدِّين الفَزَاري، وابن مُنَجَّى، وابن عبد القوي، والقاضي الخُوَيِّي، وابن دقيق العيد، وابن النَّحَّاس، وغيرهم. وقال الشَّيخ عماد الدِّين الواسطي ــ وكان من الصلحاء العارفين ــ وقد ذكره: هو شيخنا السيِّد الإمام، الأُمة الهمام، محيي السُّنَّة، وقامع البِدْعة، ناصر الحديث، مُفْتي الفِرَق، الفاتق عن الحقائق ومؤصّلها بالأُصول الشرعية للطالب الذائق، الجامع بين الظَّاهر والباطن، فهو يقضي بالحق ظاهرًا وقلبه في العُلَى قاطن، أُنموذج الخلفاء الرَّاشدين، والأئمة المهديين،

стр. 288

الشَّيخ الإمام تقي الدِّين أبو العَبَّاس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السَّلام ابن تيميَّة أعاد الله بركته، ورفع إلى مدارج العُلى درجتَه. ثمَّ قال في أثناء كلامه: واللهِ ثمَّ واللهِ ثمَّ واللهِ لم أرَ تحت أديم السَّماء مِثْلَه عِلْمًا وعملًا وحالًا وخُلُقًا وكرمًا وحِلْمًا في حقِّ نَفْسه، وقيامًا في حَقِّ الله عند انتهاك حرماته. ثمَّ أطال في الثناء عليه. وقال الشَّيخ عَلَم الدين (١) في «معجم شيوخه»: أحمد بن عبد الحليم بن عبد السَّلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد بن تيميَّة الحَرَّاني الشَّيخ تقي الدِّين أبو العَبَّاس، الإمام المُجْمَع على فَضْله ونُبْله ودينه، قرأ الفِقْه وبَرَعَ فيه، والعربية والأُصول، ومَهَرَ في عِلْمَي التفسير والحديث، وكان إمامًا لا يلحق غُبَاره في كلِّ شيء، وبَلَغ رُتْبة الاجتهاد، واجتمعت فيه شروط المجتهدين. وكان إذا ذكر التفسير أبهت النَّاس من كثرة محفوظه، وحُسْن إيراده، وإعطائه كلَّ قولٍ ما يستحقُّه من التَّرْجيح والتَّضْعيف والإبطال، وخَوْضه في كل عِلْم، كَانَ الحاضرون يقضون منه العَجَب، هذا مع انقطاعه إلى الزُّهد والعِبادة، والاشتغال بالله تعالى، والتجرُّد من أسباب الدُّنيا، ودعاء الخلق إلى الله تعالى، وكان يجلس في صبيحة كلِّ جُمُعة على النَّاس يفسِّر القُرْآن العظيم، فانتفع بمجلسه وبركة دعائه، وطهارة أنفاسه، وصِدْق نيته، وصفاء ظاهره وباطنه، وموافقة قوله لعمله، وأناب إلى الله خَلْقٌ كثير، وجَرَى على طريقة واحدة من اختيار الفقر، والتقلُّل من الدُّنيا، وردِّ ما يفتح به عليه.

стр. 289

وقال علم الدِّين في موضع آخر: رأيتُ في إجازة لابن الشَّهْرَزُوري المَوْصِلي خَطَّ الشَّيخ تقي الدِّين، وقد كَتَبَ تحته الشَّيخُ شمس الدِّين الذَّهَبيّ: هذا خَطُّ شيخنا الإمام، شيخ الإسلام، فَرْد الزَّمان، بحر العلوم، تقيِّ الدين. مولده عاشر ربيع الأوَّل سنة إحدى وستين وست مئة، وقرأ القُرْآن والفِقْه، وناظر واستدلَّ وهو دون البلوغ، وبَرَعَ في العلم والتفسير، وأفتى ودرَّس وله نحو العشرين، وصنَّف التَّصانيف، وصار من أكابر العلماء في حياة شيوخه، وله المُصَنَّفات الكبار الَّتي سارت بها الركبان، ولعلَّ تصانيفَه في هذا الوقت تكون أربعة آلاف كُرَّاس وأكثر، وفَسَّر كتاب الله تعالى مدة سنين من صَدْره أيام الجُمَع، وكان يتوقَّد ذكاءً، وسماعاتُه من الحديث كثيرة، وشيوخه أكثر من مئتي شيخ، ومعرفته بالتفسير إليها المُنْتَهى، وحِفْظُه للحديث ورجاله وصِحَّته وسُقمِه فما يُلْحق فيه، وأما نَقْلُه للفِقه ومذاهب الصَّحابة والتابعين ــ فضلًا عن المذاهب الأربعة ــ فليس له فيه نظير، وأما معرفته بالملل والنِّحَل والأصول والكلام فلا أعلم له فيه نظيرًا، ويدري جُمْلَةً صالحة من اللُّغة، وعربيته قويةٌ جِدًّا، ومعرفته بالتَّاريخ والسِّيَر فَعَجَبٌ عجيب، وأما شجاعتُه وجهادُه وإقدامه فأمر يتجاوز الوصفَ ويفوق النَّعتَ، وهو أحد الأجواد الأسخياء الَّذين يُضْرب بهم المَثَل، وفيه زُهْد وقَنَاعةٌ باليسير في المأكل والمَلْبَس. وقال الذَّهَبيّ في موضع آخر: كَانَ آيةً في الذكاء وسُرْعة الإدراك، رأسًا في مَعْرفة الكتاب والسُّنَّة والاختلاف، بحرًا في النَّقليات، هو في زمانه فريد عَصْره عِلْمًا وزُهْدًا وشجاعةً وسخاءً، وأمرًا بالمعروف، ونهيًا عن المنكر، وكثرة تصانيف.

стр. 290

إلى أن قال: فإنْ ذُكر التفسير فهو حامل لوائه، وإن عُدَّ الفقهاء فهو مجتهدهم المُطْلق، وإن حَضَر الحُفَّاظ نَطَقَ وخَرِسُوا، وسَرَد وأبلسوا، واستغنى وأفلسوا، وإن سمِّي المتكلِّمون فهو فَرْدُهم، وإليه مَرْجعهم، وإن لاح ابنُ سينا يَقْدُم الفلاسفة فَلَّسهم وتيَّسَهُم (١)، وهَتَك أستارهم، وكشف عُوَارهم، وله يدٌ طُولى في معرفة العربية والصَّرْف واللُّغة، وهو أعظم من أن تَصِفَه كَلِمي، وينبِّه على شَأوه قلمي، فإنَّ سيرتَه وعلومَه ومعارفَه ومِحَنَه وتنقلاتِه يحتمل أنْ ترصَّع في مجلَّدتين. وقال في مكان آخر: وله خِبْرَة تامَّة بالرِّجال، وجَرْحهم وتَعْديلهم وطبقاتهم، ومعرفةٍ بفنون الحديث، وبالعالي والنَّازل، وبالصَّحيح والسَّقيم، مع حفظه لمتونه الَّذي انفرد به، فلا يبلغ أحد في العصر رتبته ولا يُقارِبه، وهو عَجَبٌ في استحضاره، واستخراج الحجج منه، وإليه المنتهى في عزوه إلى الكتب السِّتَّة والمُسند بحيث يَصْدُق عليه أن [يقال]: «كلُّ حديثٍ لا يعرفه ابنُ تيميَّة فليس بحديث»؛ ولكن الإحاطة لله، غير أنَّه يغترف فيه من بحر، وغيره من الأئمة يغترفون من السَّواقي، وأما التفسير فمسلَّم إليه، وله في استحضار الآيات من القُرْآن ــ وقت إقامة الدَّليل بها على المسألة ــ قوةٌ عجيبة، وإذا رآه المقرئ تحيَّر فيه، ولفرط إمامته في التفسير وعَظَمة اطِّلاعه يبيِّنُ خطأ كثيرٍ من أقوال المُفَسِّرين، ويُوهي أقوالًا عديدة، وينصُرُ قولًا واحدًا موافقًا لما دَلَّ عليه القُرْآن والحديث، ويكتب في اليوم والليلة من التفسير، أو من الفِقْه، أو من الأصلين، أو من الرَّدِّ على الفلاسفة والأوائل نحوًا من أربعة كراريس أو أزيد، وما أُبْعِدُ أنَّ تصانيفه إلى الآن تبلُغُ خمس

стр. 291

مئة مجلَّدة، وله في غير مسألةٍ مصنَّفٌ مفرد في مجلَّد. ثمَّ ذكر بعض مصنفاته وقال: ومنها كتاب في الموافقة بين المعقول والمنقول في مجلَّدتين. قلتُ: هذا الكتاب ــ وهو كتاب «درء تعارض العقل والنقل» ــ في أربع مجلدات كبار، وبعض النسخ به في أكثر. ومن مصنَّفاته: كتاب «بيان تَلْبيس الجَهْمية في تأسيس بِدَعهم الكلامية» في ستِّ مجلدات، وبعض النُّسخ به في أكثر، وكتاب «جواب الاعتراضات المِصْرية على الفُتْيا الحَمَوية» في مجلَّدات، وكذلك كتاب «مِنْهاج السُّنَّة النَّبوية في نَقْض كلام [الشِّيَع] والقدرية»، وكتاب في الرَّد على النَّصَارى سماه «الجواب الصَّحيح لمن بدَّل دين المسيح»، ومن مصنَّفاته أيضًا كتاب «الاستقامة» في مجلَّدين، وكتاب في محنته بمصر في مجلَّدين، وكتاب «الإيمان» في مجلَّد، وكتاب «تنبيه الرَّجل العاقل على تمويه المجادل في الجدل الباطل» في مجلَّد، وكتاب «الرد على أهل كسروان الرَّافضة» في مجلَّدين، وكتاب في الردِّ على المَنْطق، وكتاب في الوسيلة، وكتاب في الاستغاثة، وكتاب «بيان الدليل على بطلان التحليل»، وكتاب «الصارم المسلول على شاتم الرسول»، وكتاب «اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم»، وكتاب «التحرير في مسألة حفير»، وكتاب «رفع الملام عن الأئمة الأعلام»، وكتاب «السِّياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية»، وكتاب «تفضيل صالح النَّاس على سائر الأجناس»، وكتاب «التحفة العراقية في الأعمال القلبية»، وكتاب «الفرقان بين أولياء الرَّحمن وأولياء الشيطان»، وكتاب «المسائل الإسكندرية في الرد على الملاحدة والاتحادية» وتُعْرَف بالسَّبْعِينيَّة.

стр. 292

وعدد أسماء مصنَّفاته يحتاج إلى أوراق كثيرة، ولذكرها موضع آخر، وله من المؤلَّفات والفتاوى والقواعد والأجوبة والرسائل والتَّعالِيق ما لا ينحصر ولا ينضبط، ولا أعلم أحدًا من المتقدِّمين ولا من المتَأخِّرين جَمَعَ مثل ما جمع، ولا صنَّف نحو ما صنَّف، ولا قريبًا من ذلك؛ مع أنَّ تصانيفه كَانَ يكْتُبها من حِفْظه، وكتب كثيرًا منها في الحَبْس وليس عنده ما يحتاج إليه ويراجعه من الكتب. وقال الشَّيخ فتح الدِّين بن سَيِّد النَّاس ــ بعد أنْ ذكر ترجمة شيخنا الحافظ أبي الحَجَّاج الَّتي تقدَّم ذكرها ــ: وهو الَّذي حداني على رُؤية الشَّيخ الإمام شيخ الإسلام تقي الدِّين أبي العَبَّاس أحمد بن عبد الحليم ابن تيميَّة؛ فألفيْتُه ممن أدرك من العلوم حَظًّا، وكاد يستوعب السُّنَن والآثار حِفْظًا، إنْ تكلَّم في التفسير [فهو حامل رأيته، أو أفتى في الفِقْه فهو مدرك غايته، أو ذاكر بالحديث فهو صاحب عِلْمِه وذو روايته، أو حاضر بالنِّحَل والملل لم يُر أوسع من نحلته في ذلك، ولا أرفع من درايته، برز في كل فن على أبناء جنسه، ولم تر عين من رآه مثله، ولا رأت عينه مِثْلَ نفسه، كَانَ يتكلَّم في التفسير] فيحضر مجلِسَه الجمُّ الغفير، ويردون من بحر عِلْمه العَذْب النَّمير، ويرتعون من ربيع فَضْله في روْضة وغدير. إلى أنْ دبَّ إليه مِنْ أهل بلاده داء الحسد، وأكبَّ أهلُ النَّظر منهم على ما يُنْقد عليه من أمور المعتقد، فحفِظُوا عنه في ذلك كلامًا، أوسعوه بسببه ملامًا، وفوَّقُوا لتبديعه سِهامًا، وزعموا أنَّه خالف طريقهم، وفرَّق فريقَهم، فنازعهم ونازعوه، وقاطع بعضَهم وقاطعوه، ثمَّ نازع طائفة أخرى ينتسبون من الفقر إلى طريقة، ويزعمون أنهم على أدقِّ باطن منها وأجلى حقيقة،

стр. 293

فكشف تلك الطرائق، وذكر لها ــ على ما زعم ــ بوائق، فآضَتْ إلى الطَّائفة الأولى من منازعيه، واستعانت بذوي الضِّغْن عليه من مقاطعيه، فوصلوا بالأمراء أمرَه، وأعمل [كلٌّ] منهم في كُفْره فِكْرَه، فرتَّبوا محاضر، وألَّبوا الرُّوَيْبِضَة للسَّعي بها بين الأكابر، وسعوا في نقله إلى حَضْرة المملكة بالدِّيار المِصْرية، فَنُقِلَ وأُودع السِّجْن ساعةَ حُضُوره واعْتُقل، وعقدوا لإراقة دمه مجالس، وحشدوا لذلك قَوْمًا من عُمَّار الزَّوايا وسكان المدارس، من مُجَامل في المُنَازعة مخاتِلٍ في المخادعَة، ومن مُجاهر بالتَّكْفير مبارز بالمقاطعة، يسومونه رَيْبَ المَصنُون ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [القصص: ٦٩]. وليس المجاهر بكفره بأسوأ حالًا من المخاتل، وقد دبَّتْ إليه عقارب مكره، فَرَدَّ الله كيد كلٍّ في نحره، ونجاه على يد من اصْطَفَاه، والله غالب على أمره، ثمَّ لم يَخْلُ بعد ذلك من فتنة بعد فتنة، ولم ينتقل طول عمره من محنة إلّا إلى محنة، إلى أنْ فُوِّض أمره لبعض القُضَاة فتقلَّد ما تقلد من اعتقاله، ولم يزلْ بمحبسه ذلك إلى حين ذهابه إلى رحمة الله تعالى وانتقاله، وإلى الله ترجع الأمور، وهو المطَّلع على خائنة الأعين وما تخفي الصُّدور، وكان يومه مشهودًا، ضاقت بجنازته الطريق، وانتابها المسلمون من كلِّ فَجٍّ عميق، يتبركون بمشهده يوم يقوم الأشهاد، ويتمسكون بشَرْجَعِهِ (١) حتَّى كسروا تلك الأعواد! ! ثمَّ ذكر يوم وفاته ومَوْلده، ثمَّ قال: وقرأتُ على الشَّيخ الإمام حامل راية العلوم، ومُدْرك غاية الفهوم، تقي الدِّين أبي العَبَّاس أحمد بن

стр. 294

عبد الحليم بن عبد السَّلام بن تيميَّة ﵀ بالقاهرة ــ قدم علينا ــ ثمَّ ذكر حديثًا من جُزْء ابنِ عَرَفة. قلتُ: أملى شيخنا المسألة المعروفة بالحَمَوية سنةَ ثمانٍ وتسعين في قعدَةٍ بين الظُّهر والعَصْر، وهي جواب سؤال ورد من حماة في الصِّفات، وجرى له بسبب ذلك محنة، ونصره الله وأذلَّ أعداءه، وما حصل له بعد ذلك إلى حين وفاته من الأمور والمِحَن والتنقلات تحتاج إلى عِدَّة مجلَّدات، وذلك كقيامه في نوبة غازان سنة تسع، والتقائه أعباء الأمر بنفسه، واجتماعه بالملك وبنائه خطلوشاه وببُولايَ، وإقدامِه وجُرْأته على المغول، وعظيمِ جهاده، وفَعْلِهِ الخيرَ، من إنفاق الأموال، وإطعام الطَّعام، ودفن المَوْتى، ثمَّ توجهه بعد ذلك بعام إلى الدِّيار المِصْرية، وسوقه على البريد إليها في جُمُعةٍ لما قَدِمَ التَّتار إلى أطراف البلاد، واشتدَّ الأمر بالبلاد الشَّامية، واجتماعه بأركان الدَّوْلة، واستصراخه بهم، وحضِّهم على الجهاد، وإخباره لهم بما أعدَّ الله للمجاهدين من الثواب، وإبدائهم له العذر في رجوعهم، وتعظيمهم له، وتردد الأعيان إلى زيارته، واجتماع ابن دقيق العيد به، وسماعه كلامه، وثنائه عليه الثَّناء العظيم، ثمَّ توجهه بعد أيام إلى دمشق واشتغاله بالاهتمام لجهاد التَّتار، وتحريض الأمراء على ذلك، إلى ورود الخبر بانصرافهم، ثمَّ قيامه في وقعة شَقْحب المشهورة سنة اثنتين وسَبْع مئة، واجتماعه بالخليفة والسُّلْطان، وأرباب الحَلِّ والعقد، وأعيان الأمراء وتحريضه لهم على الجهاد، ومَوْعظته لهم، وما ظهر في هذه الواقعة من كراماته وإجابة دُعَائه، وعظيمِ جهاده، وقوَّة إيمانه، وشدَّة نُصْحه للإسلام، وفرط شجاعته، ثمَّ توجهه بعد ذلك في آخر سنة أربع لقتال الكِسْروانيين وجهادهم، واستئصال

стр. 295

شأفتهم، ثمَّ مناظرته للمخالفين سنةَ خمسٍ في المجالس الَّتي عُقِدَتْ له بحضرة نائب السلطنة الأفرم، وظهوره عليهم بالحُجَّة والبيان، ورجوعهم إلى قوله طائعين ومكرهين، ثمَّ توجهه بعد ذلك في السَّنَة المذكورة إلى الدِّيار المِصْرية صحبة قاضي الشَّافعية، وعَقْد مجلس له حين وصوله بحضور القُضَاة وأكابر الدَّوْلة، ثمَّ حبسه في الجُبِّ بقلعة الجبل، ومعه أخواه سنةً ونصفًا، ثمَّ خروجه بعد ذلك، وعقد مجالس له ولخصومه وظهوره عليهم، ثمَّ إقرائه للعِلْم وبَثِّه ونَشْره، ثمَّ عقد مجلس له في شَوَّال من سنة سبع لكلامه في الاتِّحادية وطعنه عليهم، ثمَّ الأمر بتسفيره إلى الشَّام على البريد، ثمَّ رَدِّه من مرحلةٍ وسجنه بحَبْس القُضَاة سنةً ونصفًا، وتعليمه أهلَ الحَبْس ما يحتاجون إليه من أمور الدِّين، ثمَّ إخراجه منه، وتوجهه إلى الإسكندرية، وجَعْلِهِ في برج حَسَنٍ منها ثمانية أشهُرٍ يدخل إليه مَنْ شاء، ثمَّ توجهه إلى مِصْر، واجتماعه بالسُّلْطان في مجلس حفل فيه القضاة وأعيان الأمراء، وإكرامه له إكرامًا عظيمًا، ومشاورتِه له في قَتْل بعض أعدائه، وامتناع الشَّيخ من ذلك، وجَعْله كل من آذاه في حِلٍّ ثمَّ سُكْناه بالقاهرة، وعودِهِ إلى نَشْر العِلْم ونفع الخَلْق، وما جرى بعد ذلك من قضيةِ البكري وغيرها، ثمَّ توجهه بعد ذلك إلى الشَّام صحبة الجيش المِصْري قاصدًا للغَزَاة بعد غيبته عن دمشق سَبْع سنين وسبع جُمَع، وتوجهه في طريقه إلى بيت المقدس، ثمَّ ملازمته بعد ذلك بدمشق لنشر العلم، وتصنيف الكتب، وإفتاء الخَلْق، إلى أنْ تكلَّم في مسألة الحَلِف بالطَّلاق، فأشار عليه بعض القُضَاة بتَرْك الإفتاء بها في سنة ثمان عشرة؛ فقبل إشارته، ثمَّ ورد كتاب السُّلْطان بعد أيام بالمَنْع من الفتوى عليها، ثمَّ عاد الشَّيخ إلى الإفتاء بها وقال: لا يَسَعُني كِتْمان العِلْم. وبقي كذلك مُدَّةً إلى أن حبسوه بالقلعة خمسة أشهر وثمانية عشر يومًا، ثمَّ

стр. 296

أُخرج، ورجع إلى عادته من الأشغال وتعليم العِلْم، ولم يزل كذلك إلى أن ظفروا له بجواب يتعلَّق بمسألة شَدِّ الرِّحال إلى قبور الأنبياء والصَّالحين، كَانَ قد أجاب به من نحو عشرين سنة؛ وكَبُرَتِ القضية، وورد مرسوم السُّلْطان في شعبان من سنة ستٍّ وعشرين بجَعْلِهِ في القَلْعة؛ فأُخليت له قاعة حسنة، وأجري إليها الماء، وأقام فيها ومعه أخوه يخدمه، وأقبل في هذه المُدَّة على العِبادة والتِّلاوة وتصنيف الكتب، والردِّ على المخالفين، وكَتَبَ على تفسير القرآن العظيم جملةً كبيرة تَشْتَمِلُ على نفائسَ جليلة، ونُكَتٍ دقيقة، ومعانٍ لطيفة، وأوضح مواضع كثيرة أشكلت على خَلْقٍ من المفسِّرين، وكَتَب في المسألة الَّتي حبس بسببها مجلَّدات عِدَّة، وظهر بعض ما كتبه واشتهر، وآل الأمر إلى أن مُنِعَ من الكتابة والمطالعة، وأخرجوا ما عنده من الكُتُب، ولم يتركوا عنده دواةً ولا قلمًا ولا ورقة، وكتب عقيب ذلك بفحمٍ يقول: إنَّ إخراج الكتب من عنده من أعظم النِّعَم (١). وبقي أشهرًا على ذلك، وأقبل على التِّلاوة والعِبادة والتهجُّد حتَّى أتاه اليقين، فلم يفجأ النَّاسَ إلَّا نعيُهُ، وما علموا بمرضه، وكان قد مَرِضَ عشرين يومًا، فتأسَّف الخَلْقُ عليه، وحضر جَمْعٌ كبير، فأُذِنَ لهم في الدخول، وجلس جماعةٌ عِنْدَه قبل الغُسْل، وقرؤوا القرآن، وتبركوا برؤيته وتقبيله، ثمَّ انصرفوا، وحضر جماعةٌ من النِّساء ففعلن مثل ذلك، ثمَّ انصرفن، واقْتُصِرَ على من يغسله ويعين عليه في غُسْله، فلما فُرِغَ من ذلك أُخرج وقد اجتمع النَّاس بالقَلْعة والطريق إلى جامع دمشق، وامتلأ الجامعُ وصحنه والكلّاسة وباب البريد وباب السَّاعات إلى اللَّبَّادين والفوَّارة، وحضرتِ الجَنازةُ في السَّاعة الرابعة من النَّهار أو نحو

стр. 297

ذلك، ووُضِعَتْ في الجامع، والجُنْد يحفظونَها من النَّاس من شِدَّةِ الزِّحام، وصُلِّيَ عليه أولًا بالقلعة، تقدَّم في الصَّلاة عليه الشَّيخ محمد بن تَمَّام، ثمَّ صُلِّيَ عليه بجامع دمشق عقيب صلاة الظُّهرِ، وحُمِلَ من باب البريد، واشتد الزِّحام، وألقى النَّاس على نعشه مناديلَهم وعمائمهم للتبرُّك! ! وصار النَّعش على الرؤوس، تارة يتقدَّم وتارة يتأخَّر، وخرج النَّاس من الجامع من أبوابه كلِّها من شِدَّةِ الزِّحام، وكل باب أعظم زحمةً من الآخر، ثمَّ خرج النَّاس من أبواب البلد جميعها من شدة الزِّحام، لكن كَانَ المعظم من الأبواب الأربعة باب الفَرَج الَّذي أُخرجت منه الجنازة، ومن باب الفراديس وباب النَّصْر وباب الجابية، وعَظُمَ الأمر بسوق الخيل، وتقدَّم في الصَّلاة عليه هناك أخوه زين الدِّين، وحُمِلَ إلى مقبرة الصُّوفية؛ فدفن إلى جانب أخيه الإمام شرف الدِّين ــ رحمهما الله ــ، وكان دَفْنُه وقتَ العَصْر أو قبلها بيسير، وغلَّق النَّاس حوانيتَهم، ولم يتخلَّف عن الحضور، إلا نَفَرٌ قليل، أو مَنْ عَجَزَ للزِّحام، وحضرها من الرِّجال والنِّساء أكثر من مئتي ألف، وشرب جماعةٌ الماء الَّذي فَضَل من غُسْله، واقتسم جماعة بقية السِّدْر الَّذي غُسل به، وقيل إنَّ الطَّاقية الَّتي كانت على رأسه دفع فيها خمسين مئة دِرْهم، وقيل إنَّ الخيط الَّذي فيه الزئبق الَّذي في عنقه لأجل القَمْل دُفع فيه مئة وخمسون دِرْهَمًا، وحصل في الجَنَازة ضجيجٌ وبكاء عظيم، وتضرع كثير، وكان وقتًا مشهودًا، وخُتِمَتْ له ختم كثيرةٌ بالصَّالحية والبلد، وتردد النَّاس إلى قبره أيامًا كثيرة ليلًا ونهارًا، ورؤيت له مناماتٌ كثيرة حَسَنةٌ، ورثاه جماعةٌ بقصائدَ جَمَّةٍ. وكانت وفاته ليلةَ الاثنين العشرين من ذي القَعْدة سنة ثمانٍ وعشرين وسَبْعِ مئة، ﵀ ورضي عنه، وأثابه الجَنَّة برحمته.

стр. 298

الإمام الذَّهَبيّ (٧٤٨) ١ - الدرة اليتيمية في السيرة التيمية ٢ - ذيل تاريخ الإسلام. ٣ - معجم الشيوخ. ٤ - تذكرة الحفاظ. ٥ - ذيل العِبر. ٦ - دول الإسلام. ٧ - الإعلام بوفيات الأعلام. ٨ - المعين في طبقات المحدثين. ٩ - ذِكْر من يُعتمد قوله في الجرح والتعديل. ١٠ - المعجم المختصّ. ١١ - ترجمة مختصرة، نقلها ابن المهندس

стр. 299

نبذة من سيرة شيخ الإسلام ابن تيمية (١) (الدّرة اليتيميّة في السيرة التيميّة) الحمد لله وحده. هذه نبذة من سيرة شيخ الإسلام تقيّ الدِّين ابن تيمية ﵁ مما (٢) ألفه الشيخ الإمام العلّامة الحافظ شمس الدِّين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن (٣) عثمان الذهبي الشافعي، تغمَّدَهما الله تعالى برحمته ورضوانه. قال: ابن تيميَّة تقيُّ الدِّين الإمام (٤) أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم الخضر بن محمد بن الخضر بن علي بن عبد الله بن تيمية، الإمام الحبر البحر، العَلَم الفرد، شيخ الإسلام، ونادرة العصر، تقي الدِّين أبو العباس أحمد، الحرَّاني الحنبلي، نزيل دمشق.

стр. 300

ولد بحرَّان يوم الاثنين عاشر ربيع الأول سنة إحدى وستين وستمائة، وهاجر والده به وبإخوته إلى الشام عند جور التتار، فسار بالليل بهم وبالكتب على عَجَلةٍ لعدم الدواب، وكاد العدو أن يلحقهم، ووقفت العَجَلة، فابتهل إلى الله واستغاث به؛ فنجوا وسلموا. وقدموا دمشقَ في أثناء سنة سبع وستين، فسمعوا من الزين بن عبد الدائم «نسخة ابن عَرَفة» (١) وغير ذلك. ثم سمع شيخنا الكثير من ابن أبي اليُسْر، والكمال ابن عَبْدٍ (٢)، والمجد (٣) ابن عساكر ــ أصحاب الخُشُوعي (٤) ــ، ومن الجمال يحيى ابن الصيرفي، وأحمد بن أبي الخير سلامة، والقاسم الإربلي، والشيخ شمس الدِّين عبد الرحمن بن أبي عمر، وأبي الغنائم ابن علّان، وخَلْق كثير. وسمع «مسند أحمد» مرَّات، والكتب الكبار والأجزاء، وعُني بالحديث، ونسَخَ جملةً صالحةً، وتعلَّم الخطَّ والحساب في المكتب، وحفظ

стр. 301

القرآن، ثم أقبَل على الفقه، وقرأ أيَّامًا في العربية على ابن عبد القوي (١)، ثم فهمها، وأخذ يتأمل «كتاب سيبويه» حتى فَهِمه، وبَرَع في النحو. وأقبل على التفسير إقبالًا كليًّا، حتى حاز فيه قَصَب السَّبْق، وأحْكَم أصول الفقه، وغير ذلك. هذا كله وهو بعدُ ما بلغ ابن بضع عشرة سنة، فانبهر الفضلاء من فَرْط ذكائه، وسيلان ذهنه، وقوة حافظته، وسرعة إدراكه. ونشأ في تصوّنٍ تامّ، وعفافٍ وتألُّهٍ وتعبُّد، واقتصاد في الملبس والمأكل. وكان يحضر المدارس والمحافل في صِغَرِه، فيتكلَّم ويُناظر ويُفحم الكبار، ويأتي بما يتحيَّر منه أعيان البلد في العلم؛ فأفتى وله تسع عشرة سنة، بل أقل، وشرع في الجمع والتأليف من ذلك الوقت، وأكبّ على الاشتغال. ومات والده ــ وكان من كبار الحنابلة وأئمتهم ــ فدرَّس بَعْده بوظائفه وله إحدى وعشرون سنة، واشتهر أمرُه، وبَعُد صِيتُه في العالم. وأخذ في تفسير الكتاب العزيز أيام الجُمَع على كرسيّ من حفظه، وكان يورد المجلس ولا يتلعثم، وكذا كان يورد الدرس بتُؤدَةٍ وصوتٍ جهوري فصيح، فيقول في المجلس أزيد من كراسين أو أقل، ويكتب على الفتوى في الحال عدَّة أوصال بخط سريع إلى غاية التعليق والإغلاق. قرأت بخط شيخنا العلامة كمال الدِّين عَلَم الشافعية (٢) في حقِّ ابن

стр. 302

تيمية: كان إذا سُئل عن فنّ من العلم ظن الرائي والسامع أنه لا يعرف غير ذلك الفن، وحكم بأن لا يعرفه أحد مثله (١)، وكان الفقهاء من سائر الطوائف إذا جالسوه استفادوا منه في مذاهبهم أشياء. قال: ولا يُعرف أنه ناظر أحدًا فانقطع معه، ولا تكلم في علم من العلوم ــ سواء كان من علوم الشرع أو غيرها ــ إلا فاقَ فيه أهلَه. واجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها كما يجب (٢). قلت: وله خبرة تامَّة بالرجال وجَرْحهم وتعديلهم وطبقاتهم، ومعرفةٌ بفنون الحديث، وبالعالي والنازل، وبالصحيح والسقيم، مع حفظه لمتونه الذي انفرد به، فلا يبلغ أحدٌ في العصر رتبتَه ولا يُقاربه، وهو عجبٌ في استحضاره واستخراج الحُجَج منه، وإليه المنتهى في عزوه إلى الكتب الستة و «المسند»، بحيث يَصدُق عليه أن يُقال: «كلُّ حديث لا يعرفه ابن تيمية فليس بحديث» ولكنَّ الإحاطة لله، غير أنه يغترف فيه من بحر، وغيره من الأئمة يغترفون من السواقي. وأما التفسير فمُسَلَّم إليه، وله في استحضاره (٣) الآياتِ من القرآن ــ وقت إقامة الدليل بها على المسألة ــ قوةٌ عجيبة، وإذا رآه المقرئ تحيّر فيه، ولفَرْط إمامته في التفسير وعظَمَة اطلاعه يبيّن خطأ كثيرٍ من أقوال المفسرين، ويوهّي أقوالًا عديدة، وينصر قولًا واحدًا موافقًا لما دلّ عليه القرآن والحديث.

стр. 303

ويكتب في اليوم والليلة من التفسير أو من الفقه أو من الأصلين أو من الردّ على الفلاسفة والأوائل نحوًا من أربعة كراريس أو أزْيد. وما أُبعِد أن تصانيفه إلى الآن تبلغ خمسمائة مجلد، وله في غير مسألة مصنفٌ مفرد في مجلدة؛ كمسألة التحليل، ومسألة حفير، ومسألة من سبَّ الرسول (١)، ومسألة «اقتضاء الصراط المستقيم» في ذم البدع، وله مصنَّف في الرَّدّ على ابن المطهَّر الرافضي في ثلاث مجلدات كبار (٢)، ومصنف في الردّ على تأسيس التقديس للرَّازي في سبع مجلدات (٣)، وكتاب في الردّ على المنطق (٤)، وكتاب في الموافقة بين المعقول والمنقول في مجلدين (٥)، وقد جمع أصحابه من فتاويه نحوًا من ست مجلدات كبار.

стр. 304

وله باعٌ طويل في معرفة مذاهب الصحابة والتابعين، وقلّ أن يتكلَّم في مسألة إلا ويذكر فيها مذاهب الأئمة الأربعة، وقد خالف الأربعةَ في مسائل معروفة، وصنَّف فيها، واحتجَّ لها بالكتاب والسنة. وله مصنف سماه: «السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية» (١)، وكتاب «رفع الملام عن الأئمة الأعلام» (٢). ولما كان معتقلًا بالإسكندرية (٣) التَمَس منه صاحب سَبْتة أن يجيز له مروياته، وينصّ (٤) على أسماء جملةٍ منها، فكتب في عشر ورقات جملةً من ذلك بأسانيدها من حفظه، بحيث يعجز أن يعمل بعضَه أكبرُ محدّثٍ يكون. وله الآن عدَّة سنين لا يُفتي بمذهب معيَّن، بل بما قامَ الدليلُ عليه عنده، ولقد نصَرَ السنةَ المَحْضة والطريقة السلفية، واحتجَّ لها ببراهين ومقدِّمات وأمور لم يُسبق إليها، وأطلق عبارات أحجم عنها الأولون والآخرون وهابوا، وجَسَر هو عليها، حتى قام عليه خلقٌ من علماء مصر والشام قيامًا لا مزيد عليه، وبدّعوه وناظروه وكابروه، وهو ثابت لا يُداهن ولا يُحابي، بل يقول الحقَّ المُرَّ الذي أداه إليه اجتهادُه، وحِدَّةُ ذهنه، وسَعَة دائرته في السنن والأقوال، مع ما اشتهر منه من الوَرَع، وكمال الفكر، وسرعة الإدراك، والخوف من الله، والتعظيم لحُرمات الله.

стр. 305

فترى بينه وبينهم حملاتٌ حربية ووقعات شامية ومصرية، وكم من نوبةٍ قد رموه عن قوسٍ واحدة فينجّيه الله؛ فإنه دائم الابتهال، كثير الاستغاثة، قويّ التوكل، ثابت الجأش، له أورادٌ وأذكارٌ يُدْمنها بكيفية وجَمْعِية. وله من الطرف الآخر مُحِبّون من العلماء والصلحاء، ومن الجُند والأمراء، ومن التجار والكبراء. وسائرُ العامة تحبُّه؛ لأنه مُنْتصب لنفعهم ليلًا ونهارًا، بلسانه وقلمه. وأما شجاعته؛ فبها تُضرب الأمثال، وببعضها يتشبه أكابر الأبطال، فلقد أقامه الله في نوبة غازان (١)، والتقى أعباء الأمر بنفسه، وقام وقعد، وطلع وخرج، واجتمع بالملك مرتين، وبخطلوشاه (٢)، وببُولاي (٣). وكان قَفْجَق (٤) يتعجَّب من إقدامه وجرأته على المغول. وله حِدَّة قوية تعتريه في البحث، حتى كأنه ليثٌ حَرِب.

стр. 306

وهو أكبر من أن يُنبّه مثلي على نعوته؛ فلو حُلِّفْتُ (١) بين الركن والمقام لحلفتُ أني ما رأيت بعيني مثله، ولا والله ما رأى هو مثل نفسه في العلم. وفيه قلَّة مداراة وعدم تؤدة غالبًا، والله يغفر له. وهو فقير لا مال له، وملبوسه ــ كأحد الفقهاء ــ: فرَّجية، ودَلَق، وعمامة، يكون قيمة ثلاثين درهمًا، ومداس ضعيف الثمن. وشعره مقصوص، وعليه مهابةٌ، وشيبُه يسير، ولحيته مستديرة، ولونه أبيض حِنْطي اللون، وهو رَبْع القامة، بعيد ما بين المَنْكِبين، كأنَّ عينيه لسانان ناطقان. ويصلي بالناس صلاةً لا يكون أطول من ركوعها وسجودها. وربما قام لمن يجيء من سفر أو غاب عنه، وإذا جاء فربما يقومون له، والكلُّ عنده سواء؛ فإنه فارغٌ من هذه الرسوم، ولم ينحَنِ لأحدٍ قط، وإنما يُسلِّم ويُصافح ويتبسم، وقد يُعظِّم جليسَه مرة، ويهينه في المحاورة مرات. ولما صنف «المسألة الحموية» في الصفات سنة ثمان وتسعين تحزبوا له، وآل بهم الأمر إلى أن طافوا بها على قصبة من جهة القاضي الحنفي (٢)، ونُودي عليه بأن لا يُستفتى، ثم قام بنصره طائفة آخرون، وسلّم الله. فلما كان في سنة خمس وسبعمائة جاء الأمر من مصر بأن يُسأل عن معتقده، فجُمِعَ له القضاةُ والعلماء بمجلس نائب دمشق الأفرم، فقال: أنا

стр. 307

كنت قد سُئلت عن معتقد السنّة، فأجبتُ عنه في جزء من سنين، وطلبه من داره، فأُحضر وقرأه، فنازعوه في موضعين أو ثلاثةٍ منه، وطال المجلس، فقاموا واجتمعوا مرتين أيضًا لتتمة الجزء، وحاققوه، ثم وقع الاتفاق على أن هذا معتقدٌ سلفيّ جيِّد، وبعضهم قال ذلك كرهًا. وكان المصريون قد سعوا في أمر الشيخ، وملأوا الأميرَ ركنَ الدِّين الششنكير ــ الذي تسلطن ــ عليه، فطُلِبَ إلى مصر على البريد، فثاني يوم دخوله اجتمع له القضاة والفقهاء بقلعة مصر، وانتصب ابنُ عَدْلان له خصمًا، وادَّعى عليه عند القاضي ابن مخلوف المالكي: أن هذا يقول: إن الله تكلم بالقرآن بحرفٍ وصوت، وإنه تعالى على العرش بذاته، وإن الله يُشار إليه الإشارة الحِسّية، وقال: أطلب عقوبته على ذلك. فقال القاضي: ما تقول يا فقيه؟ فحمد الله وأثنى عليه. فقيل له: أسرع، ما أحضرناك لتخطب. فقال: أُمنع من الثناء على الله؟ ! فقال القاضي: أجِب فقد حمدت الله. فسكت، فألحّ عليه. فقال: فمَن الحاكمُ فيَّ؟ فأشاروا له إلى القاضي ابن مخلوف. فقال: أنتَ خصمي فكيف تحكم فيّ؟ ! وغضب وانزعج، وأسكت القاضي. فأُقيم الشيخ وأخواه، وسُجنوا بالجبّ بقلعة الجبل، وجرت أمور طويلة، وكُتب إلى الشام كتاب سلطاني بالحطِّ عليه، فقُرئ بجامع دمشق، وتألم الناس له. ثم بقي سنة ونصفًا وأُخرج، وكتب لهم ألفاظًا اقترحوها عليه، وهُدِّد

стр. 308

وتُوعِّد بالقتل إن لم يكتبها (١). فأقام بمصر يُقرئ العلم ويجتمع خلق عنده، إلى أن تكلَّم في الاتحادية القائلين بوحدة الوجود (٢)، فتحزَّب عليه صوفية وفقراء، وسعوا فيه، وأنه يتكلم في صفوة الأولياء، فعُمِلَ له محفل، ثم أخرجوه على البريد، ثم ردوه على مرحلة من مصر، ورأوا مصلحتهم في اعتقاله، فسجنوه في حبس القضاة سنة ونصفًا، فجعل أصحابه يدخلون إليه في السرّ، ثم تظاهروا، فأخرجته الدولة على البريد إلى الإسكندرية، وحُبس ببرج منها، وشيع بأنه قُتل، وأنه غرق غير مرةٍ. فلما عاد السلطان من الكرك، وأباد أضداده، بادر باستحضار الشيخ إلى القاهرة مكرَّمًا، واجتمع به، وحادثه وسارره بحضرة القضاة والكبار، وزاد في إكرامه، ثم نزل وسكن في دار، واجتمع بعد ذلك بالسلطان، ولم يكن الشيخ من رجال الدولة، ولا يسلك معهم تلك النواميس، فلم يعد السلطان يجتمع به. فلما قدم السلطان لكشف العدوّ عن الرحبة جاء الشيخ إلى دمشق سنة اثنتي عشرة. ثم جرت له أمورٌ ومِحَن ما بين ارتفاع وانخفاض وفتَرَ سوقُه، ودخل في مسائل (٣) كبار لا تحتملها عقول أبناء زمانه ولا علومهم، كمسألة التكفير في

стр. 309

الحلف في الطلاق، ومسألة أن الطلاق الثلاث لا يقع إلا واحدة، وأن الطلاق في الحيض لا يقع، وصنف في ذلك تواليف لعلّ تبلغ أربعين كراسًا، فمُنع لذلك من الفتيا، وساس نفسَه سياسةً عجيبةً، واستبدَّ برأيه، وعسى أن يكون ذلك كفارة له، فالله يؤيده بروحٍ منه ويوفقه لمراضيه. وهو الآن يُلقي الدَّرْس، ويُقرئ العلم، ولا يُفتي إلا بلسانه، ويقول: لا يسعني أن أكتمَ العلم. وله إقدام و (١) شهامة وقوة نفسٍ توقعه في أمور صعبة، ويدفع الله عنه. وله نظمٌ قليل وسط، ولم يتزوج ولا تسرَّى، ولا له من المعلوم إلا شيء قليل، وأخوه يقوم (٢) بمصالحه، ولا يطلب منهم غداء ولا عشاء في غالب الوقت. وما رأيت في العالم أكرم منه، ولا أفرغَ منه عن الدينار والدرهم، بل لا يذكره، ولا أظنه يدور في ذهنه. وفيه مروءةٌ وقيام مع أصحابه، وسَعْي في مصالحهم. وهو لونٌ عجيبٌ، ونبأٌ غريب. وهذا الذي ذكرتُ من سيرته فعلى الاقتصاد، وإلا فحوله أُناسٌ من الفضلاء يعتقدون فيه وفي علمه وزهده ودينه وقيامه في نصر الإسلام بكل طريقٍ أضعاف ما سُقت. وثَمّ أناس من أضداده يعتقدون فيه وفي علمه، لكن يقولون: فيه طيشٌ وعجَلَةٌ وحدّة ومحبة للرياسة. وثَمّ أناس ــ قد علم الناس قلة خيرهم وكثرة هواهم ــ ينالون منه سبًّا وتكفيرًا، وهم إما متكلمون، أو من

стр. 310

صوفية الاتحادية، أو من شيوخ الزَّوْكَرَة (١)، أو ممن قد تكلَّم هو فيهم فأقذع وبالغ، فالله يكفيه شرَّ نفسه. وغالبُ حَطِّه على الفضلاء أو المتزهِّدة فبحقّ، وفي بعضه هو مجتهد. ومذهبُه توسعة العذر للخلق، ولا يُكفّر أحدًا إلا بعد قيام الدليل والحجة عليه، ويقول: هذه المقالة كفرٌ وضلال، وصاحبها مجتهدٌ جاهل لم تقم عليه حجة الله، ولعله رجع عنها أو تاب إلى الله. ويقول: إيمانه ثبت له بيقين فلا نخرجه منه إلا بيقين، أما من عرف الحقَّ وعاندَه وحادَ عنه فكافرٌ ملعون كإبليس، وإلا من الذي يسلم من الخطأ في الأصول والفروع؟ ! ويقول في كبار المتكلِّمين والحكماء: هؤلاء ما عرفوا الإسلام ولا ما جاء به محمد ﷺ . ويقول في كثير من أحوال المشايخ: إنها شيطانيةٌ أو نفسانية، فيُنظر في متابعة الشيخ الكتاب والسنة، وفي شمائله وتألُّهه وعلمه، فإن كان كذلك فحاله صحيح وكشفه رحماني، وبعضهم له رئيٌّ من الجن فيخبر بالمغيَّبات ليُغوِيَه، وله في ذلك تصانيف عديدة، وعنده في ذلك حكايات عن هذا الضرب وهذا الضرب، لو جُمع لبلغت مجلدات، وهي من أعجب العجب.

стр. 311

ولقد عُوفي من الصَّرْع الجنيّ غيرُ واحدٍ بمجرَّد تهديده للجنّي، وجرت له في ذلك ألوانٌ وفصولٌ، ولم يفعل أكثر من أن يتلو آيات، ويقول: إن لم تنقطع عن هذا المصروع أو المصروعة وإلا عملنا معك حكم الشرع، وإلا عملنا معك ما يُرضي الله ورسوله. وقد سمعتُ منه «جزء ابن عرفة» مراتٍ، وخرّج له المحدِّث أمين الدِّين الواني أربعين حديثًا عن أربعين شيخًا (١). وقد حجَّ سنة إحدى وتسعين، وقرأ بنفسه (٢) الكثير من الحديث؛ وقرأ «الغيلانيات» (٣) في مجلسٍ، ومن مسموعه «معجم الطبراني الأكبر» سمعه من البرهان الدَّرَجي (٤) بإجازته من أبي جعفر الصيدلاني وغيره. ثم ظفروا له بمسألة السفر لزيارة قبور النبيين، وأن السفر وشدَّ الرِّحال لذلك منهيٌ عنه؛ لقوله ﵇: «لا تُشَدّ الرِّحال إلا إلى ثلاثةِ مساجد» (٥) مع اعترافه بأن الزيارة بلا شدِّ رحلٍ قُرْبة، فشنَّعوا عليه بها

стр. 312

واستفتوا (١) عليه، وكتب فيها جماعة بأنه يلزم من منعه شائبة تنقّصٍ للنبوة؛ فيَكفر بذلك، وأفتى عِدَّة بأنه مخطئٌ في ذلك خطأ المجتهدين المغفور لهم، ووافقه جماعة، وكبرت القضية؛ وأُعيد إلى قاعةٍ بالقلعة فبقي بها بضعة وعشرين شهرًا. وآل الأمر إلى أن مُنع من الكتابة والمطالعة، وما تركوا عنده كراسًا ولا دواةً، وبقي أشهرًا على ذلك؛ فأقبل على التلاوة، وبقي يختم في ثلاثٍ وأكثر، ويتهجَّد ويعبد ربه، حتى أتاه اليقين. وفَرحتُ له بهذه الخاتمة؛ فإنه كان لا لذَّة عنده توازي كتابة العلم وتأليفه فمنع أطيب غاية (٢) ــ ﵀ ــ فلم يفجأ الناس إلا نعيُه، وما علموا بمرضه، فتأسَّف الخلقُ عليه، ودخل إليه أقاربه وخواصّه، وازدحم الخلق على باب القلعة وبالجامع، حتى بقي مثل صلاة الجمعة سواء أو أرجح، فصلى عليه بالقلعة ابن تمَّام (٣)، وبالجامع الأموي الخطيب، وبظاهر البلد أخوه زين الدين، وكان الجَمْع وافرًا إلى الغاية، شيّعه الخلقُ من أربعةِ أبوابِ البلد، وحُمِل على الرؤوس، وحُزِرَ الخلقُ بستين ألفًا، والنساء اللاتي على الطريق بخمسة عشر ألفًا، وكَثُر البكاءُ والتأسُّف عليه، ودُفِن بمقابر الصوفية إلى جانب أخيه الإمام شرف الدِّين عبد الله.

стр. 313

وانتاب الناسُ زيارةَ قبره، ورُئيت له عدة مناماتٍ حسنة، ورثاه جماعة، وكانت وفاته في جوف ليلة الاثنين العشرين من ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، غفر الله له آمين، وعاش سبعًا وستين سنة وأشهرًا. وكان أسود الرأس، قليل شيب اللحية، رَبْعةً من الرِّجال، جهوري الصوت، أبيض، أعْين، مقتصدًا في لباسه وعمامته، يقصّ شعره دائمًا، وكان لم يتغير عليه شيء من حواسِّه إلا أن عينه الواحدة نقص نورُها قليلًا. ﵀ ورضي عنه، ورضي عنَّا ببركته (١)، وغفر لنا بمنّه وكرمه، آمين. * * * *

стр. 314

ذيل تاريخ الإسلام (١) ابن تَيْميَّة الشَّيخ، الإمام، العالم، المُفسر، الفقيه، المُجتهد، الحافظ، المحدِّث، شيخ الإسلام، نادرة العصر، ذو التَّصانيف الباهرة والذكاء المفرط، تقي الدين، أبو العَبَّاس، أحمد، ابن العالم المفتي شهاب الدِّين عبد الحليم، ابن الإمام شيخ الإسلام مجد الدِّين أبي البركات عبد السَّلام مؤلف «الأحكام»، ابن عبد الله بن أبي القاسم الحَرَّاني، ابن تَيْميَّة، وهو لقب لجده الأعلى. مولده في عاشر ربيع الأوَّل، سنة إحدى وستين وست مئة بحرَّان، وتحول به أبوه وأقاربه إلى دمشق في سنة سبع وستين عند جور التَّتار؛ منهزمين في الليل؛ يجرون الذرية والكتب على عجلة؛ فإنَّ العدو ما تركوا في البلد دواب سوى بقر الحرث، وكلَّت البقر من ثقل العجلة، ووقف الفران (٢)، وخافوا من أن يدركهم العدو، ولجأوا إلى الله، فسارت البقر بالعجلة، ولطف الله تعالى، حتَّى انحازوا إلى حد الإسلام. فسمع من: ابن عبد الدَّائم، وابن أبي اليُسر، والكمال ابن عبد، وابن أبي الخير، وابن الصيرفي، والشَّيخ شمس الدين، والقاسم الإربلي، وابن علان، وخلق كثير، وأكثر وبالغ. وقرأ بنفسه على جماعة وانتخب، ونسخ عدة أجزاء، و «سنن أبي داود»،

стр. 315

ونظر في الرجال والعلل. وصار من أئمة النقد، ومن علماء الأثر، مع التدين والنبالة، والذكر، والصيانة. ثمَّ أقبل على الفقه ودقائقه وقواعده وحججه، والإجماع والاختلاف؛ حتَّى كان يقضى منه العجب إذا ذكر مسألة من مسائل الخلاف، ثمَّ يستدل ويرجح ويجتهد، وحُقَّ له ذلك، فإنَّ شروط الاجتهاد كانت قد اجتمعت فيه؛ فإنني ما رأيت أحدًا أسرع انتزاعًا للآيات الدالة على المسألة الَّتي يوردها منه، ولا أشد استحضارًا لمتون الأحاديث، وعزوها إلى الصحيح أو إلى المسند، أو إلى السنن منه؛ كأن الكتاب والسنن نصب عينيه، وعلى طرف لسانه، بعبارة رشيقة، وعين مفتوحة، وإفحام للمخالف. وكان آية من آيات الله تعالى في التفسير، والتوسع فيه، لعله يبقى في تفسير الآية المجلس والمجلسين. وأما أصول الديانة، ومعرفتها، ومعرفة أحوال الخوارج والروافض والمعتزلة وأنواع المبتدعة؛ فكان لا يُشق فيه غباره، ولا يلحق شأوه. هذا مع ما كَانَ عليه من الكرم الَّذي لم أشاهد مثله قط، والشجاعة المفرطة الَّتي يضرب بها المثل، والفراغ عن ملاذِّ النفس من اللباس الجميل، والمأكل الطيب، والراحة الدنيوية. ولقد سارت بتصانيفه الركبان في فنونٍ من العلم وألوان، لعلَّ تواليفه وفتاويه في الأصول، والفروع، والزهد، والتفسير، والتوكل، والإخلاص، وغير ذلك تبلغ ثلاث مئة مجلد، لا بل أكثر. وكان قوَّالًا بالحق، نهَّاءً عن المنكر، لا تأخذه في الله لومة لائم، ذا سطوة وإقدام، وعدم مداراة الأغيار. ومن خالطه وعرفه؛ قد ينسبني إلى التقصير في

стр. 316

وصفه، ومن نابذه وخالفه؛ ينسبني إلى التغالي فيه، وليس الأمر كذلك. مع أنني لا أعتقد فيه العصمة، كلا! فإنه مع سعة علمه، وفرط شجاعته، وسيلان ذهنه، وتعظيمه لحرمات الدين، بشرٌ من البشر، تعتريه حدة في البحث، وغضب وشظف للخصم؛ تزرع له عداوة في النفوس، ونفورًا عنه. وإلا والله فلو لاطف الخصوم، ورفق بهم، ولزم المجاملة وحسن المكالمة؛ لكان كلمة إجماعٍ؛ فإنَّ كبارهم وأئمتهم خاضعون لعلومه وفقهه، معترفون بشفوفه وذكائه، مقرّون بندور خطئه. لست أعني بعض العلماء الَّذين شعارهم وهجِّيراهم الاستخفاف به، والازدراء بفضله، والمقت له، حتَّى استجهلوه وكفّروه ونالوا منه، من غير أن ينظروا في تصانيفه، ولا فهموا كلامه، ولا لهم حظ تام من التوسع في المعارف، والعالم منهم قد ينصفه ويرد عليه بعلم. وطريق العقل السكوت عما شجر بين الأقران ــ رحم الله الجميع ــ. وأنا أقلّ من أن ينبّه على قدره كلمي، أو أن يوضح نبأه قلمي؛ فأصحابه وأعداؤه خاضعون لعلمه، مقرّون بسرعة فهمه، وأنَّه بحر لا ساحل له، وكنز لا نظير له، وأن جُوده حاتمي، وشجاعته خالدية. ولكن قد يَنْقِمون عليه أخلاقًا وأفعالًا؛ منصفُهم فيها مأجور، ومقتصدهم فيها معذور، وظالمهم فيها مأزور، وغاليهم مغرور، وإلى الله ترجع الأمور. وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك، والكمال للرسل، والحجة في الإجماع. فرحم الله امرأً تكلم في العلماء بعلم، أو صمت بحلم، وأمعن في مضايق أقاويلهم بتؤدة وفهم، ثمَّ استغفر لهم، ووسَّع نطاق المعذرة، وإلّا؛ فهو لا يدري، ولا يدري أنَّه لا يدري.

стр. 317

وإن أنت عذرت كبار الأئمة في معضلاتهم، ولا تعذر ابن تَيْميَّة في مفرداته؛ فقد أقررت على نفسك بالهوى وعدم الإنصاف! وإن قلت: لا أعذره، لأنَّه كافر، عدو الله تعالى ورسوله! قال لك خلقٌ من أهل العلم والدين: ما علمناه والله إلَّا مؤمنًا محافظًا على الصلاة، والوضوء، وصوم رمضان، معظمًا للشريعة ظاهرًا وباطنًا. لا يؤتى من سوء فهم، بل له الذكاء المفرط، ولا من قلة علم، فإنه بحر زخَّار، بصير بالكتاب والسنة، عديم النظير في ذلك. ولا هو بمتلاعب بالدين؛ فلو كَانَ كذلك؛ لكان أسرع شيء إلى مداهنة خصومه، وموافقتهم، ومنافقتهم. ولا هو يتفرد بمسائل بالتشهي، ولا يفتي بما اتفق، بل مسائله المفردة يحتج لها بالقرآن أو بالحديث أو بالقياس، ويبرهنها ويناظر عليها، وينقل فيها الخلاف، ويطيل البحث؛ أُسوةَ مَنْ تقدمه من الأئمة، فإن كَانَ قد أخطأ فيها؛ فله أجر المجتهد من العلماء، وإن كَانَ قد أصاب؛ فله أجران. وإنَّما الذم والمقت لأحد رجلين: رجل أفتى في مسألة بالهوى ولم يُبْدِ حجة، ورجل تكلم في مسألة بلا خميرةٍ من علم ولا توسُّعٍ في نقل؛ فنعوذ بالله من الهوى والجهل. ولا ريب أنَّه لا اعتبار بذم أعداء العالم؛ فإنَّ الهوى والغضب يحملهم على عدم الإنصاف والقيام عليه. ولا اعتبار بمدح خواصه والغلاة فيه؛ فإنَّ الحب يحملهم على تغطية هناته، بل قد يعدوها محاسن. وإنما العبرة بأهل الورع والتقوى من الطرفين، الَّذين يتكلمون بالقسط، ويقومون لله ولو على أنفسهم وآبائهم. فهذا الرَّجل لا أرجو على ما قلته فيه دنيا ولا مالًا ولا جاهًا بوجه أصلًا،

стр. 318

مع خبرتي التامة به، ولكن لا يسعني في ديني ولا عقلي أن أكتم محاسنه، وأدفن فضائله، وأبرز ذنوبًا له مغفورة في سعة كرم الله تعالى وصفحه، مغمورة في بحر علمه وجوده، فاللهُ يغفر له، ويرضى عنه، ويرحمنا إذا صرنا إلى ما صار إليه. مع أني مخالفٌ له في مسائل أصلية وفرعية، قد أبديت آنفًا أنَّ خطأه فيها مغفور، بل قد يثيبه الله تعالى فيها على حسن قصده، وبذل وسعه، والله الموعد. مع أنِّي قد أوذيت لكلامي فيه من أصحابه وأضداده؛ فحسبي الله! وكان الشَّيخ أبيض، أسود الرأس واللحية، قليل الشيب، شعره إلى شحمة أذنيه، كأن عينيه لسانان ناطقان، رَبْعَة من الرجال، بعيد ما بين المنكبين، جهْوَري الصوت، فصيحًا، سريع القراءة. تعتريه حِدَّة، ثمَّ يقهرها بحلم وصفح، وإليه كان المنتهى في فرط الشجاعة، والسماحة، وقوة الذكاء. ولم أرَ مثله في ابتهاله واستغاثته بالله تعالى، وكثرة توجهه. وقد تعبت بين الفريقين: فأنا عند محبه مُقصِّر، وعند عدوه مُسرف مُكثر، كلا والله! توفي ابن تَيْميَّة إلى رحمة الله تعالى معتقلًا بقلعة دمشق، بقاعةٍ بها، بعد مرضٍ جدَّ أيامًا، في ليلة الاثنين، العشرين من ذي القَعْدة، سنة ثمان وعشرين وسبع مئة. وصُلِّي عليه بجامع دمشق عقيب الظهر، وامتلأ الجامع بالمصلين كهيئة يوم الجمعة، حتَّى طلع الناس لتشييعه من أربعة أبواب البلد، وأقلُّ ما قيل في عدد من شهده خمسون ألفًا، وقيل أكثر من ذلك، وحُمل على الرؤوس إلى مقابر الصوفية، ودفن إلى جانب أخيه الإمام شرف الدين، رحمهما الله تعالى وإيانا والمسلمين.

стр. 319

معجم الشيوخ (١) ابن تَيْميَّة أحمد بن عبد الحليم بن عبد السَّلام بن عبد الله بن أبي القاسم ابن تَيْميَّة، شيخنا الإمام تقيّ الدِّين أبو العَبَّاس الحَرَّاني. فريد العصر عِلمًا ومعرفةً وذكاءً وحفظًا وكرمًا وزهدًا، وفرطَ شجاعةٍ وكثرةَ تآليف والله يصلحه ويسدِّده، فلسنا بحمد الله ممن نَغْلُو فيه، ولا نجفو عنه، ما رُئي كاملًا أئمةُ التَّابعين وتابعيهم، فما رأيته إلّا ببطن كتاب. ولد شيخنا في عاشر ربيع الأوَّل سنة إحدى وستين وست مئة بحرَّان، وتحوَّلوا إلى دمشق سنة سبعٍ وستين. فسمع من ابن عبد الدَّائم وابن أبي اليُسر، وخلق كثير، وعُني بالرِّواية، وسمع الكتب و «المسند» و «المعجم الكبير». سمعت جُملةً من مصنفاته، وجزء ابن عَرَفة، وغير ذلك. وكانت وفاته في العشرين من شهر ذي القَعْدة، سنة ثمانٍ وعشرين وسبع مئة، مسجونًا بقاعة من قلعة دمشق، وشيَّعه أُممٌ لا يُحصون إلى مقبرة الصوفية، ولم يخلف بعده مثله في العلم، ولا من يُقاربه. * * * *

стр. 320

تذكرة الحفَّاظ (١) ابن تَيْميَّة الشيخُ الإمام العلّامةُ الحافظُ الناقد المجتهدُ المفسّرُ البارعُ شيخ الإسلام، عَلَم الزُّهَّاد، نادرةُ العصر، تقي الدِّين أبو العَبَّاس أحمد ابن المفتي شهاب الدِّين عبد الحليم ابن الإمام المجتهد شيخ الإسلام مجد الدِّين عبد السَّلام بن عبد الله بن أبي القاسم الحَرَّاني. أحدُ الأعلام. وُلد في ربيع الأوَّل سنة إحدى وستين وست مئة، وقدم مع أهله سنة سبع، فسمع من ابن عبد الدَّائم، وابن أبي اليُسر، والكمال بن عبد، وابن الصيْرَفي، وابن أبي الخير، وخلق كثير. وعُني بالحديث، ونَسَخَ الأجزاء، ودار على الشّيوخ، وخَرَّجَ، وانتقى، وبرع في الرجالِ وعِلل الحديث وفقهه، وفي علوم الإسلام وعلم الكلام وغير ذلك. وكان من بحور العلم، ومن الأذكياء المعدودين، والزُّهاد الأفراد، والشُّجعان الكبار، والكرماء الأجواد. أثنى عليه الموافِقُ والمخُالِفُ، وسارت بتصانيفه الركبان، لعلّها ثلاث مئة مجلد. حدَّث بدمشق، ومصر، والثغر. وقد امتُحن وأُوذِيَ مرّات، وحُبس بقلعة مصر والقاهرة والإسكندرية، وبقلعة دمشق مرّتيْن. وبها توفي في العشرين من ذي القَعْدة سنة ثمانٍ وعشرين وسبع مئة، في قاعة، معتقلًا. ثمَّ جُهِّز وأُخرج إلى جامع البلد، فشهده أُمم لا يُحْصَوْن، فحُزروا بستين ألفًا. ودُفن إلى جنب
следующие страницы →