الرسول لنائب دمشق: أنا ناصح لك، وقد قيل إنَّه يجمع الناسَ عليك، وعقد لهم بيعة، فجزع من ذلك، وأرسله إلى القاهرة في رمضان سنة خمس وسبعمائة، وكتب معه كتابًا إلى السلطان، وكُتِب معه محضر فيه خطوط جماعة من القضاة وكبار الصلحاء والعلماء بصورة ما جرى في المجلسين، وأنَّه لم يثبت عليه فيهما شيء، ولا مُنِع من الإفتاء، فما التفت إلى شيء من ذلك، وسُجِن بالإسكندرية مدةً ثمَّ عاد إلى دمشق.
وحكي من شجاعته في مواقف الحرب نوبة شَقْحب ونوبة كسروان ما لم يُسمع إلَّا عن صناديد الرجال وأبطالِ اللقاء وأحلاسِ الحرب، تارةً يباشر القتال، وتارةً يُحرّض عليه. وركب البريد إلى مهنّا بن عيسى واستحضره إلى الجهاد، وركب بعدها إلى السلطان واستنفره، وواجه بالكلام الغليظ أمراءه وعسكره، ولما جاء السلطان إلى شَقْحب لاقاه إلى قرن الحرَّة، وجعل يشجّعه ويُثبته، فلما رأى السلطان كثرة التَّتار قال: يا لخالد بن الوليد! ! فقال له: لا تقل هذا، بل قل يا الله، واستغثْ بالله ربِّك، ووحِّده وحدَه تُنْصر، وقل: يا مالكَ يوم الدِّين إياك نعبد وإياك نستعين. ثم ما زال يُقبل تارةً على الخليفة وتارةً على السلطان ويُهدّئُهما ويَربِط جأشهما حتَّى جاءَ نصرُ الله والفتح.
وحُكي أنَّه قال للسلطان: اثبُتْ فأنت منصور، فقال له بعض الأمراء: قل إن شاء الله تعالى، فقال: إن شاء الله تحقيقًا لا تعليقًا، فكان كما قال.
وحكى أبو حفص عمر بن عليّ بن موسى البزّار البغدادي، قال: حدّثني الشَّيخ المقرئ تقي الدِّين عبد الله بن أحمد بن سعيد قال: مرضتُ بدمشق مرضةً شديدةً، فجاءني ابن تَيْميَّة، فجلس عند رأسي وأنا مُثْقَل بالحمَّى والمرض، فدعا لي، ثمَّ قال: قم، جاءت العافية، فما كَانَ إلَّا أن قام وفارقني،
стр. 387
وإذا بالعافية قد جاءت، وشُفِيتُ لوقتي.
قلت: وكان يجيئه من المال في كل سنة ما لا يكاد يُحصى، فيُنفقه جميعه آلافًا ومئين، لا يلمس منه درهمًا بيده، ولا ينفقه في حاجةٍ له، وكان يعود المرضى، ويُشيّع الجنائز، ويقوم بحقوق النَّاس، ويتألَّف القلوب، ولا ينسب إلى باحثٍ لديه مذهبًا، ولا يحفظ لمتكلِّمٍ عنده زلَّةً، ولا يتشهَّى طعامًا، ولا يمتنع من شيء منه، بل هو مع ما حضر، لا يتجهَّم مَرآه، ولا يتكدَّرُ صفوه، ولا يسأمُ عفوَه.
وآخر أمره أنَّه تكلَّم في مسألتي الزيارة والطلاق، فأُخِذ وسُجِن بقلعةِ دمشق في قاعة، فتوفي بها في العشرين من ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، وحضر جمعٌ كبير إلى القلعة، وأُذِن لبعضهم في الدخول، وغُسل وصُلّي عليه بالقلعة، ثمَّ حُمِل على أصابع الرجال إلى جامع دمشق ضَحوةَ النهار، وصُلّي عليه، ودُفن بمقبرة الصوفية، وما وصل إلى قبره إلى وقت العصر، وخرج النَّاس من جميع أبواب البلد، وكانوا خلقًا لا يُحصيهم إلَّا الله تعالى، وحزِر الرجال بستين ألفًا والنساء بخمسة آلاف امرأةٍ، وقيل أكثر من ذلك. ورُئيَتْ له منامات صالحة. ورثاه جماعات من النَّاس بالشام ومصر والعراق والحجاز والعرب من آل فَضلٍ، رحمة الله عليه.
ورثيتُه بقصيدةٍ لي، هي:
أهكذا بالدياجي يُحجب القمر ... ويُحبس النوءُ حتى يذهبَ المطرُ؟
أهكذا تُمنع الشمسُ المنيرة عن ... منافع الأرض أحيانًا فتستَتِرُ؟
أهكذا الدهر ليلًا كلّه أبدًا ... فليس يُعرف في أوقاته سحَر؟
أهكذا السيف لا تَمضِي مضاربُه ... والسيف في الفتك ما في عزمه خَوَر؟
стр. 388
أهكذا القوس ترمى بالعراء وما ... تُصمِي الرَّمايا وما في باعها قصر؟
أهكذا يترك البحرُ الخِضمُّ ولا ... يُلوَى عليه، وفي أصدافه الدرر؟
أهكذا بِتَقِيّ الدِّين قد عَبِثتْ ... أيدي العِدى وتعدّى نحوَه الضررُ؟
ألابنِ تيميّة تُرمى سهامُ أذًى ... من الأنام ويُدْمى النابُ والظفُر؟
بذّ السوابقَ ممتدَّ العبادةِ لا ... ينالُه ملَلٌ فيها ولا ضجر
ولم يكن مثله بعد الصحابة في ... علم عظيمٍ وزهدٍ ما له خطرُ
طريقَةٌ كان يمشي قبل مشيتِه ... بها أبو بكرٍ الصدّيقُ أو عمرُ
فردُ المذاهب في أقوال أربعةٍ ... جاؤوا على أثر السُّبَّاقٍ وابتدروا
لمّا بنَوا قبله عُليا مذاهبهم ... بنى وعمّر منها مثلَ ما عمَروا
مثل الأئِمّة قد أحيا زمانَهُمُ ... كأنّه كان فيهم وهو منتَظَر
إن يرفعوهم جميعًا رفع مبتدإٍ ... فحقُّه الرفع أيضًا إنّه خبرُ
أمثلُه بينكم يُلقَى بمَضيَعةٍ ... حتّى يطيح له عمدًا دمٌ هدَرُ
يكون وهْوَ أمانيٌّ لغيركُمُ ... تنوبه منكُمُ الأحداثُ والغِير
والله لو أنّه في غيرِ أرضكمُ ... لكان منكم على أبوابه زُمَرُ
مثل ابن تيميّةٍ يُنسى بمحبسه ... حتى يموت ولم يُكحَل به بصر
مثل ابن تيميّة تُرْضى حواسدُه ... بحبسِه ولكُمْ في حبسِه عذر
مثل ابن تيميّةٍ في السجن معتقَلٌ ... والسجن كالغمدِ وهو الصارمُ الذكر
مثل ابن تيميّةٍ يُرمى بكلِّ أذًى ... وليس يُجلى قذًى منه ولا نظَرُ
مثل ابن تيميّةٍ تذوى خمائلُه ... وليس يُلقط من أفنانِه الزهَر
مثل ابن تيميّةٍ شمسٌ تغيبُ سُدًى ... وما تَرِقُّ لها الآصال والبُكر
مثل ابن تيميّةٍ يمضي وما عبقت ... بمسكه العاطِرِ الأردانُ والطُرَرُ
مثل ابن تيميّةٍ يمضي وما نهلَت ... له سيوفٌ ولا خطيّة سُمر
стр. 389
ولا تجارى له خيلٌ مسوّمَةٌ ... وجوهُ فرسانها الأوضاحُ والغرَرُ
ولا تَحُفّ به الأبطالُ دائرةً ... كأنهُم أنجمٌ في وسطها قمَر
ولا تعبّس حربٌ في موافِقِه ... يومًا ويضحكُ في أرْجائه الظفرُ
حتَى يقوّمَ هذا الدِّين مِن مَيَلٍ ... ويستقيم على منهاجه البشرُ
بل هكذا السلفُ الأبرارُ ما برِحُوا ... يُبلى اصطبارهمُ جهدًا وَهُمْ صبُرُ
تأسّ بالأنبياءِ الطُّهر كم بلغَتْ ... فيهم مضرّةُ أقوام وكم هُجروا
في يوسف في دخول السجن منقَبة ... لمن يكابدُ ما يلقى ويصطبرُ
ما أُهمِلوا أبدًا بل أمهلوا لمدًى ... والله يُعقِبُ تأييدًا وينتصِرُ
أيذهبُ المنهلُ الصافي وما نُقعت ... به الظماءُ وتبْقى الحمأةُ الكدر؟
مضى حميدًا ولم يعلق به وضرٌ ... وكلّهم وضرٌ في الناس أو وَذَر
طوْدٌ من الحِلم لا يَرقى له قُننٌ ... كأنّما الطودُ من أحجاره حجرُ
بحرٌ من العلم قد فاضت بقيّتُه ... فغاضت الأبحرُ العظمى وما شعروا
يا ليت شعريَ هل في الحاسدين له ... نظيره في جميع القوم إن ذُكِروا
هلْ فيهمُ لحديث المصطفى أحدٌ ... يميّزُ النقدَ أو يُروى له خبر؟
هل فيهمُ من يضمّ البحث في نظرٍ ... أو مثله من يضمّ البحثُ والنظرُ؟
هلّا جَمعتُمْ له من قومكم ملأً ... كفعل فرعَوْنَ مَعْ مُوسى لتعتبروا؟
قولوا لهم: قال هذا فابحثوا مَعه ... قدّامَنا وانظروا الجهّال إن قدروا
تُلقي الأباطيلَ أسحَارٌ لها دَهَشٌ ... فيلقفُ الحقُّ ما قالوا وما سحرُوا
فليتهُم مثل ذاك الرهطِ من ملأٍ ... حتى يكون لكم في شأنهم عِبَر
وليتهم أذعنوا للحقّ مثلهم ... فآمنوا كلّهم من بعد ما كفرُوا
يا طالما نفروا عنه مجانبةً ... وليتَهم نفَعوا في الضيم أو نفروا
هل فيهِمُ صادع بالحقّ مِقولُه ... أو خائض للوغى والحرب تَسْتَعِرُ؟
стр. 390
رمى إلى نحر غازانٍ مواجهةً ... سِهامَه من دعاءٍ عونُه القدَرُ
بتلِّ راهطَ والأعداءُ قد غلبوا ... على الشآم وطار الشرّ والشرر
وشَقّ في المرج الأسياف مسلطةٌ ... طوائفًا كلّها أو بعضُها التتر
هذا وأعداؤه في الدور أشجعهم ... مثلُ النساء بظلّ الباب مُستتِر
وبعدها كسروانٌ والجبال قد ... أقام أطوادها والطوْد منفطِر
واستحصد القوم بالأسياف جهدهُمُ ... وطالما بطلوا طغوى وما بطروا
قالوا: قبرناه، قلنا: إنّ ذا عجبٌ ... حقًّا أللكوكب الدرّيّ قد قبرُوا؟
وليس يذهبُ معنًى منه متّقدٌ ... وإنّما تذهبُ الأجسام والصور
لم يَبْكِه ندمًا من لا يصبّ دمًا ... يجري به ديَمًا تهمي وتنهمِر
لهفي عليك أبا العبّاس كم كرم ... لمَّا قَضَيتَ قضى من عمره العمرُ
سَقَى ثراك من الوسمِيّ صيّبُه ... وزانَ مغناك قَطْرٌ كلّه قُطُر
ولا يزال له برقٌ يغازله ... حلوُ المراشف في أجفانه حور
لِفقدِ مثلِك يا مَن ما له مَثَل ... تأسى المحاريب والآياتُ والسورُ
يا وارثًا من علوم الأنبياء نُهًى ... أورثت قلبيَ نارًا وقدُها الفِكَرُ
يا واحدًا لستُ أستَثْنِي به أحدًا ... من الأنام ولا أُبقِي ولا أذرُ
يا عالمًا بنقول الفقهِ أجمعِها ... أعنك تُحفظ زلّاتٌ كما ذكروا؟
يا قامعَ البدَع اللاتي تجنّبَها ... أهلُ الزمان، وهذا البدوُ والحضرُ
ومُرشد الفرقةِ الضلّال نهجَهُم ... من الطريق فما حارُوا ولا سهروا
الم تكن للنصارى واليهودِ معًا ... مجادلًا، وهمُ في البحث قد حَصِروا
وكم فتًى جاهلٍ غِرٍّ أبَنتَ له ... رُشدَ المقال فزال الجهلُ والغرَر
ما أنكروا منك إلّا أنَّهُمْ جَهِلوا ... عظيم قدرِك لكن ساعدَ القدر
قالوا بأنّك قد أخطأتَ مسألةً ... وقد يكون، فهلّا منك تُغْتَفَرُ؟
стр. 391
غلَطتَ في الدهرِ أو أخطأتَ واحدة ... أمَا أجَدتَ إصاباتٍ فتعتذرُ؟
ومَن يكون على التحقيق مجتهدًا ... له الثوابُ على الحالَين، لا الوزرُ
ألم تكن بأحاديث النبيّ إذا ... سُئِلتَ تعرِفُ ما تأتي وما تذر؟
حاشاك من شبُهٍ فيها ومن شبهٍ ... كلاهُما منك لا يبقى له أثرُ
عليك في البحث أن تبدي غوامضَهُ ... «وما عليك إذا لم تفهم البقر»
قدّمتَ لله ما قدّمتَ من عملِ ... وما عليك بهم، ذمّوك أو شكروا
هَل كان مثلُك من يخفى عليه هدًى ... ومن سَمائك تبدو الأنجمُ الزُّهُرُ
وكيف تحذر من شيءٍ تزلّ به ... أنت التقيّ فماذا الخوفُ والحذرُ؟
* * * *
стр. 392
تتِمَّةُ المخْتَصَر في أخْبارِ البَشَر (١)
للعلَّامة عمر بن المظفَّر ابن الوردي (٧٤٩)
وفيها (٢) في ليلة الاثنين العشرين من ذي القعدة توفي شيخ الإسلام تقي الدِّين أبو العَبَّاس، أحمد بن المفتي شهاب الدِّين عبد الحليم بن شيخ الإسلام مجد الدِّين أبي البركات عبد السَّلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن تَيْميَّة الحَرَّاني الحنبلي معتقلًا بقلعة دمشق، وغُسل وكُفن وأُخرج وصلَّى عليه أولًا بالقلعة الشَّيخ محمد بن تمام، ثمَّ بجامع دمشق بعد الظهر، وأُخرج من باب الفرج، واشتدّ الزحام في سوق الخيل، وتقدّم عليه في الصلاة هناك أخوه، وألقى الناس عليه مناديلهم وعمائمهم للتبرُّك! وتراصّ الناس تحت نعشه، وحُزِرت النساء بخمسة عشر ألفًا، وأما الرجال فقيل: كانوا مئتي ألف. وكَثُر البكاء عليه، وخُتمت له عدة ختم، وتردد الناس إلى زيارة قبره أيامًا، ورئيَتْ له منامات صالحة ورثاه جماعة.
قلت: ورثيته أنا بمرثية على حرف الطاء؛ فشاعت واشتهرت، وطلبها مني الفضلاء والعلماء من البلاد وهي:
عَثَا في عرضه قومٌ سِلاطٌ ... لهم من نَثْر جوهره التقاطُ
تقي الدِّين أحمد خيرُ حبر ... خُروق المعضلات به تُخاطُ
توفّي وهو محبوسٌ فريدٌ ... وليس له إلى الدنيا انبساطُ
стр. 393
ولو حضروه حين قضى لألفوا ... ملائكةَ النعيمِ به أحاطوا
قضى نحبًا وليس له قرينٌ ... ولا لنظيره لَفَّ القِماط
فتًى في علمه أضحى فريدًا ... وحلُّ المشكلات به يُناط
وكان إلى التقى يدعو البرايا ... وينهى فِرْقةً فسقوا ولاطوا
وكان الجن تَفْرق من سَطَاهُ ... بوعظٍ للقلوب هو السِّياط
فيا لله ما قد ضمَّ لحدٌ ... ويا للهِ ما غطَّى البلاط
هم حسدوه لمّا لم ينالوا ... مناقبه فقد مكروا وشاطوا
وكانوا عن طرائقه كُسالى ... ولكن في أذاه لهم نشاط
وحَبْسُ الدُّرِّ في الأصداف فخر ... وعند الشيخ بالسِّجْن اغتباط
بآل الهاشمي له اقتداء ... فقد ذاقوا المَنُون ولم يُواطوا
نبو تيميةٍ كانوا فبانوا ... نجوم العلم أدركها انهباط
ولكن يا ندامة حابسيه ... فشك الشرك كان به يماط
ويا فرح اليهود بما فعلتم ... فإن الضد يعجبه الخباط
ألم يك فيكم رجلٌ رشيد ... يرى سَجْن الإمام فيُسْتَشَاط
إمام لا وِلاية كان يرجو ... ولا وقف عليه ولا رِباط
ولا جاراكُمُ في كسب مالٍ ... ولم يُعهد له بكم اختلاط
ففيم سجنتموه وغِظْتُمُوه ... أما لجزا أذيته اشتراط
وسَجْن الشَّيخ لا يرضاه مثلي ... ففيه لِقَدْر مثلكم انحطاط
أما والله لولا كَتْم سرّي ... وخوف الشر لانحل الرباط
وكنتُ أقولُ ما عندي ولكن ... بأهل العلم ما حَسُن اشتطاط
فما أحد إلى الإنصاف يدعو ... وكلّ في هواه له انخراط
سيظهر قصدكم يا حابسيه ... وننبئكم إذا نُصِبَ الصِّراط
стр. 394
فها هو مات عنكم واسترحتم ... فعاطوا ما أردتم أن تُعاطوا
وحلوا واعْقِدوا من غير ردٍّ ... عليكم وانطوى ذاك البساط
وكنت اجتمعت به ــ رحمه الله تعالى ــ بدمشق سنة خمس عشرة وسبعمائة بمسجده بالقصاعين، وبحثت بين يديه في فقهٍ وتفسيرٍ ونحو، فأعجبه كلامي وقبَّل وجهي وإني لأرجو بركة ذلك، وحكى لي عن واقعته المشهورة في جبل كسروان، وسَهِرت عنده ليلة، فرأيت من فتوّته ومروءَته ومحبَّته لأهل العلم ولا سيما الغرباء منهم أمرًا كثيرًا، وصلَّيت خلفه التراويح في رمضان فرأيت على قراءته خشوعًا، ورأيت على صلاته رِقَّةَ حاشيةٍ تأْخذ بمجامع القلوب.
مولده ــ ﵀ ورحمنا به (١) ــ بحرّان يوم الاثنين عاشر ربيع الأول سنة إحدى وستين وست مئة، هاجر والده به وبإخوته إلى الشَّام من جَوْر التتر، وعني الشَّيخ تقي الدِّين بالحديث، ونسخ جملةً، وتعلم الخط والحساب في المكتب، وحفظ القرآن، ثمَّ أقبل على الفقه، وقرأ أيامًا في العربية على ابن عبد القوي، ثمَّ فهمها، وأخذ يتأمَّل كتاب سيبويه حتَّى فهمه، وبرع في النحو، وأقبل على التّفسير إقبالًا كلِّيًّا حتَّى سبق فيه، وأحكم أُصول الفقه، كل هذا وهو ابن بضع عشرة سنة، فانبهر الفضلاء من فرط ذكائه وسيلان ذهنه وقوة حافظته وإدراكه، ونشأ في تصوُّن تامٍّ وعفاف وتعبُّد واقتصاد في الملبس والمأكل.
وكان يحضر المدارس والمحافل في صغره، فيناظر ويفحم الكبار ويأتي
стр. 395
بما يتحيّرون منه، وأفتى وله أقل من تسع عشرة سنة، وشرع في الجمع والتأليف ومات والده وله إحدى وعشرون سنة، وبعُدَ صيته في العالم فطبَّق ذكره الآفاق وأخذ في تفسير الكتاب العزيز أيام الجُمع على كرسي من حفظه فكان يورد المجلس ولا يتلعثم، وكذلك الدرس بتؤدة وصوت جَهْوري فصيح يقول في المجلس أزيد من كراسين، ويكتب على الفتوى في الحال عدة أُوصال بخط سريع في غاية التعليق والإغلاق.
قال الشَّيخ العلامة كمال الدِّين بن الزَّمْلَكاني علم الشافعية من خطٍّ كَتبَه في حق ابن تَيْميَّة: كَانَ إذا سئل عن فن من العلم ظن الرائي والسامع أنَّه لا يعرف غير ذلك الفن وحكم بأن لا يعرفه أحد مثله، وكانت الفقهاء من سائر الطوائف إذا جالسوه استفادوا في مذاهبهم منه أشياء، قال: ولا يعرف أنَّه ناظر أحدًا فانقطع معه ولا تكلم في علم من العلوم سواء كَانَ من علوم الشرع أو غيرها إلَّا فاق فيه أهله، واجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها. انتهى كلامه.
وكانت له خبرة تامَّة بالرجال وجرحهم وتعديلهم وطبقاتهم، ومعرفة بفنون الحديث وبالعالي والنازل والصحيح والسقيم، مع حفظه لمتونه الَّذي انفرد به وهو عجيب في استحضاره واستخراج الحجج منه، وإليه المنتهى في عزوه إلى «الكتب السِّتَّة» و «المسند» بحيث يصدق عليه أن يقال: «كل حديث لا يعرفه ابن تَيْميَّة فليس بحديث» ولكن الإحاطة لله غير أنَّه يغترف فيه من بحر وغيره من الأئمة يغترفون من السّواقي. وأمّا التفسير فسلم إليه، وله في استحضار الآيات للاستدلال قوة عجيبة، ولفرط إمامته في التفسير وعظمة اطّلاعه بيَّن خطأ كثير من أقوال المفسرين، وكان يكتب في اليوم
стр. 396
والليلة من التفسير، أو من الفقه أو من الأصلين أو من الرّدِّ على الفلاسفة والأوائل نحوًا من أربعة كراريس، قال: وما يبعد أنّ تصانيفه إلى الآن تبلغ خمس مئة مجلد.
وله في غير مسألة مصنَّف مفرد كمسألة التحليل وغيرها، وله مصنف في الرد على ابن مطهر العالم الحِلِّي في ثلاث مجلدات كبار، وتصنيف في الرد على «تأْسيس التقديس» للرازي في سبع مجلدات، وكتاب في الرد على المنطق، وكتاب في «الموافقة بين المعقول والمنقول» في مجلدين، وقد جمع أصحابه من فتاويه ست مجلدات كبار. وله باع طويل في معرفة مذاهب الصَّحابة والتابعين قلَّ أنْ يتكلَّم في مسألة إلَّا ويذكر فيها مذاهب الأربعة، وقد خالف الأربعة في مسائل معروفة، وصنف فيها واحتج لها بالكتاب والسنة.
قال القاضي المنشئ شهاب الدِّين أبو العَبَّاس أحمد بن فضل الله في ترجمته: «جلس الشَّيخ إلى السلطان محمود غازان حيث تَجِم الأُسْدُ في آجامِها، وتَسقُط القلوبُ في دواخلِ أجسامِها، وتجِدُ النارُ فتورًا في ضَرَمِها، والسيوفُ فرقًا في قَرَمِها، خوفًا من ذلك السَّبُعِ المغتال، والنمروذِ المختال، والأجل الَّذي لا يُدفَع بحيلةِ مُحتال، فجلس إليه وأومأ بيده إلى صدرِه، وواجَهَه ودرأ في نَحْرِه، وطَلَبَ منه الدُّعَاء، فرفعَ يديه ودعَا دُعاءَ مُنصفٍ أكثرُه عليه، وغازانُ يؤمِّنُ على دعائه.
وله مصنف سماه «السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية» وكتاب «رفع الملام عن الأئمة الأعلام» وبقي عدّة سنين لا يُفتي بمذهب معيَّن بل بما قام الدليل عليه عنده، ولقد نصر السنة المحضة والطريقة السلفية،
стр. 397
واحتج لها ببراهين ومقدمات وأُمور لم يُسبق إليها، وأطلق عبارات أحجم عنها الأولون والآخرون وهابوا وجَسَر هو عليها، حتَّى قام عليه خلق من علماء مصر والشام قيامًا لا مزيد عليه بدّعوه وناظروه وكابروه، وهو ثابت لا يداهن ولا يحابي بل يقول الحق المر الَّذي أدى إليه اجتهاده وحدة ذهنه وسعة دائرته في السنن والأقوال، وجرى بينه وبينهم حملات حربية ووقعات شامية ومصرية.
كَانَ معظِّمًا لحرمات الله دائم الابتهال كثير الاستعانة قوي التوكل ثابت الجأش، له أوراد وأذكار يُديمها، وله من الطرف الآخر محبون من العلماء والصلحاء والجند والأُمراء والتجار والكبراء وسائر العامة تحبه، بشجاعته تُضْرب الأمثال وببعضها يتشبه أكابر الأبطال، ولقد أقامه الله في نوبة غازان والتقى أعباء الأمر بنفسه واجتمع بالملك مرتين وبخطلو شاه وبولاي، وكان قبجق يتعجب من إقدامه وجرأته على المغل.
وكتب ابن الزَّمْلَكاني على بعض تصانيف ابن تَيْميَّة هذه الأبيات:
ماذا يقولُ الواصفونَ له ... وصفاته جلَّت عن الحصر
هو حجَّةٌ لله قاهرةٌ ... هو بيننا أُعجوبةُ العصرِ
هو آيةٌ في الخلقِ ظاهرةٌ ... أنوارها أربتْ على الفجر
ولما سافر ابن تَيْميَّة على البريد إلى القاهرة سنة سبع مئة وحضَّ على الجهاد رتب له مرتب في كل يوم وهو دينار وتحفة (١)، وجاءته بقجة قماش فلم يقبل من ذلك شيئًا.
стр. 398
وقال القاضي أبو الفتح بن دقيق العيد: لما اجتمعت بابن تَيْميَّة رأيت رجلًا كل العلوم بين عينيه يأْخذ ما يريد ويدع ما يريد. وحضر عنده شيخ النحاة أبو حيَّان وقال: ما رأت عيناي مثله. وقال فيه على البديهة أبياتًا منها:
قامَ ابن تيميَّة في نصر شِرْعتنا ... مقام سيِّد تَيْم إذ عَصَتْ مُضَر
فأظهر الحقَّ إذ آثاره دَرَست ... وأخْمد الشرَّ إذ طارت له الشرر
كنا نُحدَّث عن حَبْرٍ يجيء فها ... أنت الإمام الذي قد كان يُنْتظر
ولما جاء السلطان إلى شَقْحب والخليفة لاقاهما إلى قرن الحرة، وجعل يثبتهما، فلما رأى السلطان كثرة التَّتار قال: يا خالد بن الوليد! قال: قل: يا مالك يوم الدِّين إياك نعبد وإياك نستعين، وقال للسلطان: اثبت فأنت منصور. فقال له بعض الأمراء: قل: إن شاء الله. فقال: إن شاء الله تحقيقًا لا تعليقًا. فكان كما قال». انتهى ملخصًا (١).
وهو أكبر من أن ينبه مثلي على نعوته، فلو حلفت بين الركن والمقام لحلفت: أني ما رأيت بعيني مثله ولا رأى هو مثل نفسه في العلم، وكان فيه قلَّة مداراة وعدم تؤدة غالبًا، ولم يكن من رجال الدول ولم يسلك معهم تلك النواميس، وأعان أعداءه على نفسه بدخوله في مسائل كبار لا تحتملها عقول أبناء زماننا ولا علومهم، كمسألة: التكفير في الحلف بالطلاق، ومسألة: أنَّ الطلاق بالثلاث لا يقع إلَّا واحدة، وأنَّ الطلاق في الحيض لا يقع، وساس نفسه سياسة عجيبة فحبس مرات بمصر ودمشق والإسكندرية، وارتفع وانخفض واستبد برأيه وعسى أنْ يكون ذلك كفارة له، وكم وقع في صعب
стр. 399
بقوة نفسه وخلَّصه الله.
وله نظم وسط، ولم يتزوج ولا تسرَّى ولا كَانَ له من المعلوم إلَّا شيء قليل وكان أخوه يقوم بمصالحه، وكان لا يطلب منهم غداء ولا عشاء غالبًا، وما كانت الدنيا منه على بال. وكان يقول في كثير من أحوال المشايخ إنها شيطانية أو نفسانية فينظر في متابعة الشَّيخ الكتاب والسنة فإن كَانَ كذلك فحاله صحيح وكشفه رحماني غالبًا وما هو بالمعصوم، وله في ذلك عدة تصانيف تبلغ مجلدات، من أعجب العجب، وكم عوفي من «الصراعِ الجنيِّ» إنسانٌ بمجرد تهديده للجني، وجَرَت له في ذلك فصول ولم يفعل أكثر من أن يتلوَ آيات ويقول: إن لم تنقطع عن هذا المصروع وإلّا عملنا معك حكم الشرع وإلّا عملنا معك ما يرضي الله ورسوله، وفي آخر الأمر ظفروا له بمسألة السفر لزيارة قبور النبيين، وأنَّ السفر وشد الرحال لذلك منهي عنه لقوله ﷺ : «لا تُشَد الرِّحال إلَّا إلى ثلاثة مساجد». مع اعترافه بأنَّ الزيارة بلا شدِّ رحلٍ قربة، فشنعوا عليه بها، وكتب فيها جماعة بأنه يلزم من منعه شائبة تنقيص للنبوَّة فيكفر بذلك.
وأفتى عدّة بأنه مخطئٌ بذلك خطأ المجتهدين المغفور لهم، ووافقه جماعة وكبرت القضية فأُعيد إلى قاعة بالقلعة فبقي بضعة وعشرين شهرًا، وآل الأمر إلى أن مُنِع من الكتابة والمطالعة، وما تركوا عنده كراسًا ولا دواة، وبقي أشهرًا على ذلك، فأقبل على التلاوة والتهجد والعبادة حتَّى أتاه اليقين فلم يفجأ الناسَ إلَّا نعيُه وما علموا بمرضه، فازدحم الخلق عند باب القلعة وبالجامع زحمة صلاة الجمعة وأرجح، وشيَّعه الخلق من أربعة أبواب البلد وحمل على الرؤوس، وعاش سبعًا وستين سنة وأشهرًا، وكان أسود الرأْس
стр. 400
قليل شيب اللحية، ربْعةً، جَهْوري الصوت أبيض أعْيَن.
قلت: تنقَّص مرة بعض النّاس من ابن تَيْميَّة عند قاضي القضاة كمال الدِّين ابن الزَّمْلَكاني وهو بحلب وأنا حاضر فقال كمال الدين: ومن يكون مثل الشَّيخ تقي الدِّين في زهده وصبره وشجاعته وكرمه وعلومه! ! والله لولا تعرضه للسلف (١) لزاحمهم بالمناكب. وهذه نبذة من ترجمة الشيخ مختصرةٌ، أكثرها من «الدرة اليتيمية في السيرة التيمية» للإمام الحافظ شمس الدِّين محمد الذهبي. والله أعلم.
* * * *
стр. 401
برنامج ابن جابر الوادي آشي (١)
للشيخ شمس الدِّين محمد بن جابر الوادي آشي (٧٤٩)
أحمد بن عبد الحليم بن عبد السَّلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد بن تَيْميَّة.
مفتي الشام، ومحدِّثه، وحافظه، ويركب شواذ الفتاوي (٢)، ويزعم أنَّه مجتهد مصيب!!
سمع ابن عبد الدَّائم، وابن أبي اليُسر، وابن أبي الخير، وابن عطاء، وفخر الدِّين بن عساكر، وفخر الدِّين بن البخاري، وغيرهم، وله تواليف.
ومولده بحرَّان يوم الاثنين العاشر لربيع الأوَّل عام أحدٍ وستين وست مئة.
* * * *
стр. 402
سيرة شيخ الإسلام ابن تيميَّة
مِن كتب تلميذه ابن قيِّم الجوزيَّة (٧٥١)
١ ــ مكانة الشيخ في العلم، ومواقفه في الإفتاء.
٢ ــ أخلاق الشيخ وصفاته وعبادته.
٣ ــ مواقفه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
٤ ــ الكافية الشافية.
стр. 403
ــ ١ ــ
[مكانة الشيخ في العلم، ومواقفه في الإفتاء]
* منزلته في فقه المذهب:
قال ابن القيم: «ولا يختلف عالمان مُتحلِّيان بالإنصاف: أن اختيارات شيخ الإسلام لا تتقاصر عن اختيارات ابن عقيل وأبي الخطاب، بل وشيخهما أبي يعلى، فإذا كانت اختيارات هؤلاء وأمثالهم وجوهًا يُفتَى بها في الإسلام، ويَحكم بها الحكام، فلاختيارات شيخ الإسلام أسوة بها إن لم تَرْجح عليها، والله المستعان وعليه التكلان» (١).
وقال في موضع آخر: «وأقلّ درجات اختياراته أن يكون وجهًا في المذهب، ومن الممتنع أن يكون اختيار ابن عقيل وأبي الخطَّاب والشيخ أبي محمد وجوهًا يُفْتى بها واختيارات شيخ الإسلام لا تصل إلى هذه المرتبة» (٢).
* علمه باللغة:
وقال: «وقلت يومًا لشيخنا أبي العباس ابن تيمية ــ قدس الله روحه ــ: قال ابن جنِّي: مكثتُ بُرهةً إذا ورد عليَّ لفظٌ آخذ معناه من نفس حروفه وصفاتها، وجَرْسه وكيفية تركيبه، ثم أكشفه، فإذا هو كما ظننته أو قريبًا منه.
стр. 404
فقال لي ــ ﵀ ــ: وهذا كثيرًا يقع لي» (١).
* اطلاع شيخ الإسلام:
قال ابن القيم في معرض حديثه عن إجماع الرسل عليهم الصلاة والسلام على إثبات الفوقية لله :
وكذا أبو العباس أيضًا قد حكى ... إجماعَهم عَلَمُ الهدى الحرَّاني
وله اطلاع لم يكن من قبله ... لسواه من متكلِّم ولسان (٢)
* وظائف الشيخ:
ذكر ابن القيم أن الشيخ تولى التدريس بمدرسة ابن الحنبلي (٣).
* مواقف الشيخ في الإفتاء:
ذكر ابن القيم أن من فِقْه المفتي ونُصْحه إذا سأله المستفتي عن شيء فمنعه منه، وكانت حاجته تدعوه إليه أن يدلَّه على ما هو عِوَض له منه، ثم قال: «ورأيت شيخنا ــ قدس الله روحه ــ يتحرَّى ذلك في فتاويه مهما أمكنه، ومن تأمل فتاويه وجد ذلك ظاهرًا فيها» (٤).
стр. 405
وقال ابن القيم في معرض كلامه عن المفتي، وأن عليه أن يتفطَّن لحقيقة السؤال وصورته، وأن بعض المستفتين قد يصوغ السؤال في قالب مزخرف ليفتي بما يوافق هواه ...
قال: «وأذكر لك من هذا مثالًا وقع في زماننا، وهو أن السلطان أمر أن يُلْزَم أهلُ الذمة بتغيير عمائمهم، وأن تكون خلاف ألوان عمائم المسلمين، فقامت لذلك قيامتهم، وعَظُم عليهم، وكان في ذلك من المصالح وإعزاز الإسلام وإذلال الكفرة ما قرَّت به عيونُ المسلمين، فألقى الشيطان على ألسنة أوليائه وإخوانه أن صَوّروا فُتيا يتوصّلون بها إلى إزالة هذا الغيار، وهي: ما تقول السادة العلماء في قوم من أهل الذمة أُلزموا بلباس غير لباسهم المعتاد، وزيٍّ غير زِيِّهم المألوف، فحصل لهم بذلك ضررٌ عظيم في الطرقات والفلوات، وتجرَّأ عليهم بسببه السُّفهاء والرَّعاع، وآذوهم غايةَ الأذى، فطُمِعَ بذلك في إهانتهم والتعدِّي عليهم، فهل يسوغ للإمام ردّهم إلى زِيّهم الأول، وإعادتهم إلى ما كانوا عليه مع حصول التميز بعلامة يُعرفون بها؟ وهل في ذلك مخالفة للشرع أم لا؟
فأجابهم مَنْ مُنِعَ التوفيق وصُدَّ عن الطريق، بجواز ذلك، وأن للإمام إعادتهم إلى ما كانوا عليه.
قال شيخنا: فجاءتني الفتوى، فقلت: لا تجوز إعادتهم إلى ما كانوا عليه، ويجب إبقاؤهم على الزِّي الذي يتميَّزون به عن المسلمين، فذهبوا، ثم غيروا الفتوى، ثم جاءوا بها في قالب آخر، فقلت: لا تجوز إعادتهم. فذهبوا، ثم أتوا بها في قالَبٍ آخر، فقلت: هي المسألة المعيَّنة وإن خَرَجَت في عدة قوالب. ثم ذهب إلى السلطان وتكلم عنده بكلام عَجِب منه
стр. 406
الحاضرون، فأطبق القوم على إبقائهم، ولله الحمد» (١).
وذكر ابن القيم أن من الناس من لا يَستفتي ديانة، وإنما يَستفتي ليتوصَّل إلى حصول غرضه بأيِّ طريقٍ اتفق، ثم قال: «قال شيخنا ــ ﵀ ــ مرة: أنا مُخيَّر بين إفتاء هؤلاء وتركهم، فإنهم لا يستفتون للدين، بل لوصولهم إلى أغراضهم حيث كانت، ولو وجدوها عند غيري لم يجيئوا إليَّ، بخلاف من يسأل عن دينه.
وقد قال الله تعالى لنبيه ﷺ في حقِّ من جاءه يتحاكم إليه لأجل غرضه لا لالتزامه لدينه ﷺ من أهل الكتاب: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤٢]. فهؤلاء لمَّا لم يلتزموا دينَه لم يلزمه الحكم بينهم، والله تعالى أعلم» (٢).
стр. 407
* الفطر للتقوِّي على الجهاد:
قال ابن القيم: «وأجاز شيخنا ابن تيمية الفطر للتقوِّي على الجهاد وفَعَلَه، وأفتى به لما نزل العدوّ دمشق في رمضان (١)، فأنكر عليه بعضُ المتفقِّهة، وقال: ليس هذا بسفرٍ طويل. فقال الشيخ: هذا فِطْرٌ للتقوِّي على جهاد العدوّ، وهو أولى من الفطر لسفر يومين سفرًا مباحًا أو معصيةً، والمسلمون إذا قاتلوا عدوَّهم وهم صيامٌ لم يمكنهم النكايةُ فيهم، وربما أضعفهم الصومُ عن القتال، فاستباح العدوُّ بيضةَ الإسلام، وهل يشكّ فقيهٌ أنَّ الفطر ههنا أولى من فطر المسافر، وقد أمرهم النبي ﷺ في غزاة الفتح بالإفطار ليتقوَّوا على عدوِّهم، فعلَّل ذلك للقوة على العدوِّ لا للسفر، والله أعلم» (٢).
* فقه الفتوى:
١ - قال ابن القيم: «ولقد سئل شيخُنا أبو العباس ابن تيمية ــ قدس الله روحه ــ سأله شيخٌ، فقال: هربتُ من أستاذي وأنا صغير، إلى الآن لم أطلع له على خبر، وأنا مملوك، وقد خفت من الله ، وأريد براءة ذمتي من حق أستاذي من رقبتي، وقد سألتُ جماعةً من المفتين، فقالوا لي: اذهب فاقعد في المستودع. فضحك شيخنا!
وقال: تصدَّق بقيمتك ــ أعلى ما كانت ــ عن سيدك، ولا حاجة لك بالمستودع تقعد فيه عبثًا في غير مصلحة، وإضرارًا
стр. 408
بك، وتعطيلًا عن مصالحك، ولا مصلحة لأستاذك في هذا، ولا لك ولا للمسلمين، أو نحو هذا من الكلام، والله أعلم» (١).
٢ - وقال: «وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ــ قدَّس الله روحه ونور ضريحه ــ يقول: مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر، فأنكر عليهم مَنْ كان معي، فأنكرتُ عليه، وقلت له: إنما حرَّم الله الخمرَ لأنها تصدُّ عن ذِكْر الله وعن الصلاة، وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس وسَبْي الذرّية وأخْذِ الأموال، فدَعْهم» (٢).
* رؤية النبي ﷺ في المنام واستفتاؤه:
قال ابن القيم: «وقال شيخنا: كان يُشْكِل عليَّ أحيانًا حال من أصلي عليه الجنائز، هل هو مؤمن أو منافق؟ فرأيت رسول الله ﷺ في المنام، فسألته عن مسائل عديدة، منها هذه المسألة، فقال: يا أحمد، الشرط الشرط. أو قال: علق الدعاء بالشرط» (٣).
* جود شيخ الإسلام بالعلم:
قال ابن القيم: «ومن الجود بالعلم أن السائل إذا سألك عن مسألة استقصيتَ له جوابها جوابًا شافيًا، لا يكون جوابك له بقدر ما تدفع به الضرورة، كما كان بعضهم يكتب في جواب الفتيا: «نعم» أو «لا» مقتصرًا عليها.
стр. 409
ولقد شاهدت من شيخ الإسلام ابن تيمية ــ قدس الله روحه ــ في ذلك أمرًا عجيبًا، كان إذا سُئل عن مسألة حُكمية ذكر في جوابها مذاهب الأئمة الأربعة ــ إذا قَدَر ــ ومأْخَذَ الخلاف، وترجيح القول، وذكر متعلقات المسألة التي ربما تكون أنفع للسائل من مسألته، فيكون فرحه بتلك المتعلقات واللوازم أعظم من فرحه بمسألته، وهذه فتاويه ــ ﵀ ــ بين الناس، فمَنْ أحبَّ الوقوفَ عليها رأى ذلك.
فمِنْ جُود الإنسان بالعلم: أنه لا يقتصر على مسألة السائل، بل يذكر له نظائرها ومتعلَّقها ومأخذها، بحيث يشفيه ويكفيه.
وقد سأل الصحابةُ ﵃ النبيَّ ﷺ عن المتوضّئ بماء البحر؟ فقال: «هو الطَّهور ماؤُه الحلُّ ميتتُه» (١). فأجابهم عن سؤالهم، وجادَ عليهم بما لعلَّهم في بعض الأحيان إليه أحوَج مما سألوه عنه.
وكانوا إذا سألوه عن الحكم نبَّههم على عِلَّته وحِكْمته، كما سألوه عن بيع الرُّطب بالتَّمْر؟ فقال: «أينقص الرُّطب إذا جفَّ؟ » قالوا. نعم قال: «فلا إذن» (٢). ولم يكن يخفى عليه ﷺ نُقصان الرطب بجفافه، ولكن نبّههم على عِلّة الحُكْم.
стр. 410
وهذا كثير جدًّا في أجوبته ﷺ ، مثل قوله: «إن بعتَ من أخيك ثمرة، فأصابتها جائحة فلا يحلُّ لكَ أن تأخذ من مال أخيك شيئًا، بم يأخذ أحدُكم مال أخيه بغير حقّ؟ ». وفي لفظ: «أرأيت إن منعَ الله الثمرة، بم يأخذ أحدُكم مالَ أخيه، بغير حق؟ » (١). فصرَّح بالعلة التي يَحْرُم لأجلها إلزامه بالثمن، وهي منع الله الثمرة التي ليس للمشتري فيها صُنْع.
وكان خصومه ــ يعني شيخ الإسلام ابن تيمية ــ يعيبونه بذلك، ويقولون: سأله السائل عن طريق مصر ــ مثلًا ــ فيذكر له معها طريق مكة، والمدينة، وخراسان، والعراق، والهند، وأيّ حاجة بالسائل إلى ذلك؟
ولعمر الله ليس ذلك بعيب، وإنما العيب الجهل والكِبْر، وهذا موضع المثل المشهور:
لقَّبوه بحامضٍ وهو حُلوٌ ... مثل مَنْ لم يصل إلى العنقود» (٢)
* * *
стр. 411
ــ ٢ ــ
[أخلاق الشيخ وصفاته وعبادته]
* أحوال الشيخ في الصدقة والإنفاق:
قال ابن القيم: «وشاهدت شيخَ الإسلام ابن تيمية ــ قدَّس الله روحه ــ إذا خرج إلى الجمعة يأخذ ما وجد في البيت من خبز أو غيره، فيتصدق به في طريقه سرًّا، وسمعته يقول: إذا كان الله قد أمرنا بالصدقة بين يدي مناجاة رسول الله ﷺ ، فالصدقة بين يدي مناجاته تعالى أفضل وأولى بالفضيلة» (١).
وقال في موضع آخر: «نَسْخ وجوب الصدقة بين يدي مناجاة الرسول ﷺ لم يبطل حكمه بالكُليَّة، بل نُسِخ وجوبه وبقي استحبابه والندب إليه، وما عُلِم من تنبيهه وإشارته، وهو أنه إذا اسْتُحِبَّت الصدقة بين يدي مناجاة المخلوق فاستحبابها بين يدي مناجاة الله عند الصلوات والدعاء أولى. فكان بعض السلف الصالح يتصدق بين يدي الصلاة والدعاء إذا أمكنه، ويتأوَّل هذه الأولوية.
ورأيت شيخَ الإسلام ابن تيمية يفعله ويتحرَّاه ما أمكنه، وفاوضته فيه، فذكر لي هذا التنبيه والإشارة» (٢).
* أحوال الشيخ في الذكر والدعاء:
قال ابن القيم: «وشهدت شيخَ الإسلام ــ قدس الله روحه ــ إذا أعيته
стр. 412
المسائل واستصعبت عليه، فرَّ منها إلى التوبة والاستغفار والاستغاثة بالله واللَّجأ إليه، واستنزال الصواب من عنده، والاستفتاح من خزائن رحمته، فقلَّما يلبث المدد الإلهي أن يتتابع عليها مدًّا، وتزدلف الفتوحات الإلهية إليه بأيتهنَّ يبدأ» (١).
وقال: «حقيقٌ بالمفتي أن يكثر الدَّعاء بالحديث الصحيح: «اللهم ربَّ جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنتَ تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اخْتُلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» (٢).
وكان شيخنا كثير الدعاء بذلك، وكان إذا أشكلت عليه المسائل يقول: «يا معلم إبراهيم علمني»، ويكثر الاستغاثة بذلك، اقتداءً بمعاذ بن جبل ﵁ حيث قال لمالك بن يَخامِر السَّكْسكي عند موته ــ وقد رآه يبكي ــ فقال: والله ما أبكي على دنيا كنتُ أصيبها منك، ولكن أبكي على العلم والإيمان اللذين كنتُ أتعلمهما منك. فقال معاذ بن جبل ﵁: إن العلم والإيمان مكانهما من ابتغاهما وجدهما، اطلب العلم عند أربعة: عند عُويمر أبي الدرداء، وعند عبد الله ابن مسعود، وأبي موسى الأشعري ــ وذكر الرابع ــ فإن عَجَز عنه هؤلاء فسائر أهل الأرض أعجز، فعليك بمعلم إبراهيم صلوات الله عليه» (٣).
стр. 413
وذكر ابن القيم قراءة آية الكرسي عقب الصلاة، ثم قال: «وبلغني عن شيخنا أبي العباس ابن تيمية ــ قدس الله روحه ــ أنه قال: ما تركتها عقيب كل صلاة» (١).
قال ابن القيم: «وكان شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إذا اشتدت عليه الأمور: قرأ آيات السكينة.
وسمعته يقول في واقعة عظيمة جرت له في مرضه، تعجز العقول عن حملها ــ من محاربة أرواحٍ شيطانية، ظهرت له إذ ذاك في حال ضعف القوة ــ قال: فلما اشتدَّ عليَّ الأمر، قلت لأقاربي ومَن حولي: اقرؤوا آيات السكينة. قال: ثم أقلع عني ذلك الحال، وجلست وما بي قَلَبَة» (٢).
قال ابن القيم: «وسمعتُ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقول: من واظب على: «يا حي يا قيوم، لا إله إلا أنت» كل يوم ــ بين سنة الفجر وصلاة
стр. 414
الفجر ــ أربعين مرة أحيا الله بها قلبَه» (١).
قال ابن القيم: «وحضرت شيخَ الإسلام ابن تيمية مرَّة صلى الفجر، ثم جلس يذكر الله تعالى إلى قريبٍ من انتصاف النهار، ثم التفت إليَّ وقال: هذه غَدْوتي، ولو لم أتغدَّ هذا الغداء لسقطت قوتي. أو كلامًا قريبًا من هذا.
وقال لي مرةً: لا أترك الذِّكْر إلا بنيّة إجمام نفسي وإراحتها، لأستعدَّ بتلك الراحة لذِكْر آخر. أو كلامًا هذا معناه» (٢).
وقال: «وكان ــ أي شيخ الإسلام ابن تيمية ــ يقول في سجوده ــ وهو محبوس ــ: «اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك» ما شاء الله» (٣).
قال ابن القيم ضمن فوائد الذكر: «إن الذِّكْر يعطي الذَّاكر قوة، حتى إنه ليفعل مع الذِّكْر ما لا يطيق فعله بدونه، وقد شاهدت من قوة شيخ الإسلام ابن تيمية في مشيته وكلامه وإقدامه وكتابته أمرًا عجيبًا، فكان يكتب في اليوم من التصنيف ما يكتبه الناسخ في جمعة وأكثر، وقد شاهد العسكرُ من قوَّته في الحرب أمرًا عظيمًا» (٤).
وقال: «قال يونس بن عُبيد: ليس رجلٌ يكون على دابَّة صعبة فيقول في أذنها: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا
стр. 415
وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣] إلا وقفت بإذن الله تعالى.
قال شيخنا ــ قدس الله روحه ــ: وقد فعلنا ذلك فكان كذلك» (١).
* مقابلة الإساءة بالإحسان:
وذكر ابن القيم مقابلة الإساءة بالإحسان ثم قال: «ومن أراد فهم هذه الدرجة كما ينبغي، فلينظر إلى سيرة النبي ﷺ مع الناس يجدها هذه بعينها، ولم يكن كمال هذه الدرجة لأحدٍ سواه، ثم للورثة منها بحسب سهامهم من التَّرِكة.
وما رأيت أحدًا قطُّ أجمع لهذه الخصال من شيخ الإسلام ابن تيمية ــ قدس الله روحه ــ، وكان بعضُ أصحابه الأكابر يقول: ودِدْتُ أني لأصحابي مثله لأعدائه وخصومه، وما رأيته يدعو على أحدٍ منهم قط، وكان يدعو لهم.
وجئتُ يومًا مبشرًا له بموت أكبر أعدائه، وأشدّهم عداوةً وأذى له، فنهرني وتنكَّر لي واسترجع، ثم قام من فوره إلى بيت أهله فعزَّاهم، وقال: إني لكم مكانه، ولا يكون لكم أمر تحتاجون فيه إلى مساعدة إلا وساعدتكم فيه. ونحو هذا من الكلام، فسرُّوا به، ودعوا له، وعظَّموا هذه الحال منه، فرحمه الله ورضي عنه» (٢).
* تواضعه وهضمه لنفسه:
قال ابن القيم: «فلا شيء أنفع للصادق من التحقق بالمسكنة والفاقة
стр. 416
والذلّ، وأنه لا شيء، وأنه ممن لم يصح له بَعْدُ الإسلام حتى يدَّعي الشرفَ فيه.
ولقد شهدت من شيخ الإسلام ابن تيمية ــ قدس الله روحَه ــ من ذلك أمرًا لم أشاهده من غيره، وكان يقول كثيرًا: ما لي شيء، ولا منِّي شيء، ولا فيَّ شيء.
وكان كثيرًا ما يتمثَّل بهذا البيت:
أنا المكدِّي وابنُ المكدِّي ... وهكذا كان أبي وجدي
وكان إذا أُثني عليه في وجهه يقول: والله إني إلى الآن أجدد إسلامي كل وقت، وما أسلمتُ بعدُ إسلامًا جيِّدًا.
وبعث إليَّ في آخر عمره قاعدةً في التفسير بخطه، وعلى ظهرها أبيات بخطِّه من نظمه:
أنا الفقير إلى رب البريات ... أنا المُسَيْكين في مجموع حالاتي (١)
وساق بعدها أبياتًا ستأتي بتمامها (٢).
* فراسة الشيخ:
قال ابن القيم: «ولقد شاهدت من فراسة شيخ الإسلام ابن تيمية ــ ﵀ ــ أمورًا عجيبة، وما لم أشاهده منها أعظم وأعظم، ووقائع فراسته تستدعي سِفْرًا ضخمًا:
стр. 417
- أخبر أصحابه بدخول التتار الشام سنة تسع وتسعين وستمائة، وأن جيوش المسلمين تُكْسَر، وأن دمشق لا يكون بها قتل عام، ولا سبي عام، وأن كَلَب الجيش وحدّته في الأموال، وهذا قبل أن يهمّ التتارُ بالحركة.
- ثم أخبر الناس والأمراء سنة اثنتين وسبعمائة ــ لما تحرك التتار وقصدوا الشام ــ أن الدائرة والهزيمة عليهم، وأن الظَّفَر والنصر للمسلمين، وأقسم على ذلك أكثر من سبعين يمينًا، فيقال له: قل «إن شاء الله» فيقول: «إن شاء الله تحقيقًا لا تعليقًا».
وسمعته يقول ذلك، قال: فلما أكثروا عليَّ، قلت: لا تكثروا، كتب الله تعالى في اللوح المحفوظ: أنهم مهزومون في هذه الكرَّة، وأن النصر لجيوش الإسلام. قال: وأطعمت بعضَ الأمراء والعسكر حلاوة النصر قبل خروجهم إلى لقاء العدو.
- وكانت فراسته الجزئية في خلال هاتين الواقعتين مثل المطر.
- ولما طُلِب إلى الدِّيار المصرية وأُرِيد قتله ــ بعد ما أُنْضِجت له القدور، وقُلِّبَت له الأمور ــ اجتمع أصحابه لوداعه، وقالوا: قد تواترت الكتب بأن القوم عاملون على قتلك. فقال: والله لا يصلون إلى ذلك أبدًا. قالوا: أفتحبس؟ قال: نعم، ويطول حبسي، ثم أخْرُج وأتكلَّم بالسنة على رؤوس الناس (١). سمعته يقول ذلك.
ولما تولى عدوُّه الملقب بالجاشنـگير المُلكَ أخبروه بذلك، وقالوا: الآن بلغ مرادُه منك. فسجد لله شكرًا وأطال، فقيل له: ما سبب هذه
стр. 418
السجدة؟ فقال: هذا بداية ذلّه ومفارقة عِزّه من الآن، وقُرْب زوال أمره. فقيل له: متى هذا؟ فقال: لا تُرْبَط خيول الجند على القرط حتى تُقْلَب دولته. فوقع الأمر مثل ما أخبر به. سمعت ذلك منه وعنه.
- وقال مرة: يدخل عليَّ أصحابي وغيرهم، فأرى في وجوههم وأعينهم أمورًا ولا أذكرها لهم. فقلت له ــ أو غيري ــ: لو أخبرتهم؟ فقال: أتريدون أن أكون معرِّفًا كمعرِّف الولاة؟ !
- وقلت له يومًا: لو عاملتنا بذلك لكان أدعى إلى الاستقامة والصلاح. فقال: لا تصبرون معي على ذلك جمعة. أو قال: شهرًا.
- وأخبرني غير مرَّة بأمور باطنة تختصُّ بي مما عزمت عليه، ولم ينطق به لساني.
- وأخبرني ببعض حوادث كبار تجري في المستقبل، ولم يعيِّن أوقاتها، وقد رأيتُ بعضَها، وأنا أنتظر بقيتها.
- وما شاهده كبار أصحابه من ذلك أضعافُ أضعافِ ما شاهدتُه، والله أعلم» (١).
* أحوال الشيخ مع أصحابه وتلاميذه:
قال ابن القيم: «ولقد حدّثني من أثق به أن نملةً خرجت من بيتها، فصادفت شقّ جرادة، فحاولت أن تحمله فلم تُطِق، فذهبت وجاءت معها بأعوان يحملنه معها، قال: فرفعتُ ذلك من الأرض، فطافتْ في مكانه فلم تجده، فانصرفوا وتركوها، قال: فوضعتُه، فعادت تحاول حَمْله فلم تقدر،
стр. 419
فذهبت وجاءت بهم، فرفعتُه، فطافت، فلم تجده، فانصرفوا. قال: فعلت ذلك مرارًا، فلما كان في المرة الأخيرة استدار النمل حلقة، ووضعوها في وسطها وقطعوها عضوًا عضوًا.
قال شيخنا ــ وقد حكيتُ له هذه الحكاية ــ: هذه النمل فطرها الله سبحانه على قبح الكذب وعقوبة الكذَّاب» (١).
قال ابن القيم: «ولا ريب أن للمحبة سلطانًا قاهرًا للقلب أعظم من سلطان من يقهر البدن، فأين من يقهر قلبك وروحك إلى من يقهر بدنك؟ ولذلك تعجبت الملوك والجبابرة مِن قَهْرهم للخلق، وقهر المحبوب لهم وذلهم له، فإذا فاجأ المحبوب مُحبه، ورآه بغتة= أحسَّ القلبُ بهجوم سلطانه عليه، فاعتراه روعة وخوف.
وسألنا يومًا شيخ الإسلام ابن تيمية ــ قدس الله روحه ــ عن هذه المسألة، فذكرتُ أنا هذا الجواب، فتبسَّم ولم يقل شيئًا» (٢).
قال ابن القيم:
«يا قوم والله العظيم نصيحة ... من مشفق وأخٍ لكم معوان
جرّبتُ هذا كلّه ووقعت في ... تلك الشباك وكنت ذا طيران
حتى أتاح لي الإلهُ بفضله ... من ليس تجزيه يدي ولساني
حَبْر أتى من أرض حرَّانٍ فيا ... أهلًا بمن قد جاء من حرَّان
فالله يجزيه الذي هو أهله ... من جنة المأوى مع الرضوان
стр. 420
أخذت يداه يدي وسار فلم يَرِم ... حتى أراني مطلع الإيمان» (١)
* أحوال الشيخ في المحن الخاصة والعامة:
قال ابن القيم: «ومن جنايات التأويل ما وقع في الإسلام من الحوادث بعد موت رسول الله ﷺ وإلى يومنا هذا ... » ــ ثم ساق جملة من ذلك إلى أن قال ــ: «ولا جرى على شيخ الإسلام ابن تيمية ما جرى من خصومِه بالسَّجْن، وطلب قتله أكثر من عشرين مرة= إلا بالتأويل» (٢).
قال ابن القيم: «لما قضى في القدم بسابقة سلمان (٣) عرج به دليل التوفيق عن طريق آبائه في التمجُّس، فأقبل يناظر أباه في دين الشرك، فلما علاه بالحجة لم يكن له جوابٌ إلا القيد، وهذا جواب يتداوله أهل الباطل من يوم حرفوه، وبه أجاب فرعونُ موسى: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩]، وبه أجاب الجهمية الإمام أحمد لما عرضوه على السِّياط، وبه أجاب أهلُ البدع شيخَ الإسلام حين استودعوه السجن، وها نحن على الأثر» (٤).
قال ابن القيم: «وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ــ قدس الله روحه ــ يقول: إن في الدنيا جنةً من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة.
стр. 421
وقال لي مرة: ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، أين رُحْت فهي معي لا تفارقني، إنَّ حَبْسي خَلْوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة.
وكان يقول في محبسه بالقلعة: لو بذلت لهم ملء هذه القلعة ذهبًا ما عَدَل عندي شكر هذه النعمة. أو قال: ما جزيتهم على ما تسببوا لي فيه من الخير. ونحو هذا.
وكان يقول في سجوده ــ وهو محبوس ــ: «اللهم أعِنّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك» ما شاء الله.
وقال لي مرّة: المحبوس من حُبِس قلبُه عن ربه تعالى، والمأسور من أسره هواه.
ولما أُدْخِل إلى القلعة وصار داخل سورها نظر إليه وقال: ﴿بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (١٣) يُنَادُونَهُمْ﴾ [الحديد: ١٣].
وعَلِم الله ما رأيت أحدًا أطيب عيشًا منه قط، مع ما كان فيه من ضيق العيش، وخلاف الرفاهية والنعيم، بل ضدها، ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرجاف، وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشًا، وأشرحهم صدرًا، وأقواهم قلبًا، وأسرّهم نفسًا، تلوح نضرة النعيم على وجهه.
وكنا إذا اشتدَّ بنا الخوف، وساءت مِنّا الظنون وضاقت بنا الأرض= أتيناه، فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه، فيذهب ذلك كله وينقلب انشراحًا وقوةً ويقينًا وطمأنينةً.
فسبحان من أشهد عبادَه جنتَه قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل،
стр. 422
فأتاهم من رَوحِها ونسيمها وطيبها ما استفرغ قُواهم لطلبها والمسابقة إليها» (١).
* أحوال الشيخ في مرضه وعلاجه للمرضى (٢):
قال ابن القيم: «وحدثني شيخنا قال: ابتدأني مرض، فقال لي الطبيب: إن مطالعتك وكلامك في العلم يزيد المرض. فقلت له: لا أصبر على ذلك، وأنا أحاكمك إلى علمك، أليست النفس إذا فرحت وسُرَّت قويَت الطبيعة، فدفعت المرض؟ فقال: بلى. فقلت له: فإن نفسي تُسَرُّ بالعلم، فتقوى به الطبيعة، فأجد راحة. فقال: هذا خارج عن علاجنا. أو كما قال» (٣).
قال ابن القيم: «وكان شيخ الإسلام ابن تيمية ــ ﵀ ــ إذا اشتدَّت عليه الأمور: قرأ آيات السكينة.
وسمعته يقول في واقعة عظيمة جرت له في مرضه، تعجز العقول عن حملها ــ من محاربة أرواح شيطانية، ظهرت له إذ ذاك في حال ضعف القوة ــ قال: فلما اشتدّ عليَّ الأمر، قلت لأقاربي ومن حولي: اقرؤوا آيات السكينة. قال: ثم أقْلع عنِّي ذلك الحال، وجلست وما بي قَلَبَة» (٤).
стр. 423
قال ابن القيم: «وشاهدت شيخنا يرسل إلى المصروع من يخاطب الروح التي فيه، ويقول: قال لك الشيخ: اخرجي، فإن هذا لا يحلّ لكِ، فيفيق المصروع. وربما خاطبها بنفسه، وربما كانت الروح ماردةً فيخرجها بالضرب، فيُفيق المصروع ولا يحسّ بألم، وقد شاهدنا نحن وغيرنا منه ذلك مرارًا.
وكان كثيرًا ما يقرأ في أُذُن المصروع: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥].
وحدثني أنه قرأها مرة في أذن المصروع، فقالت الروح: نعم، ومدَّ بها صوته. قال: فأخذتُ له عصا، وضربتُه بها في عروق عنقه حتى كلَّت يداي من الضرب، ولم يشكّ الحاضرون أنه يموت لذلك الضرب، ففي أثناء الضرب قالت: أنا أُحِبه. فقلتُ لها: هو لا يحبك. قالت: أنا أريد أن أحجّ به، فقلت لها: هو لا يريد أن يحجَّ معك. فقالت: أنا أدعه كرامةً لك. قال: قلت: لا ولكن طاعةً لله ولرسوله. قالت: فأنا أخرج منه. قال: فقعد المصروع يلتفت يمينًا وشمالًا. وقال: ما جاء بي إلى حضرة الشيخ؟ قالوا له: وهذا الضرب كلّه؟ فقال: وعلى أيّ شيء يضربني الشيخ ولم أذنب؟ ! ولم يشعر بأنه وقع به ضرب البتةَ.
وكان يعالج بآية الكرسي، وكان يأمر بكثرة قراءتها المصروع ومن يعالجه بها، وبقراءة المعوذتين» (١).
وذَكَر الرُّعاف، ثم قال: «كان شيخ الإسلام ابن تيمية ــ ﵀ ــ يكتب
стр. 424
على جبهته: ﴿وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [هود: ٤٤]. وسمعته يقول: كتبتها لغير واحدٍ فبرأ. وقال (١): ولا يجوز كتابتها بدم الراعف، كما يفعله الجُهَّال، فإن الدم نجس، فلا يجوز أن يُكْتب به كلام الله تعالى» (٢).
* أحوال الشيخ مع أهل عصره:
قال ابن القيم: «ولقد أنكر بعض المقلِّدين على شيخ الإسلام في تدريسه بمدرسة ابن الحنبلي (٣)، وهي وقْفٌ على الحنابلة، والمجتهد ليس منهم، فقال: إنما أتناول ما أتناوله منها على معرفتي بمذهب أحمد، لا على تقليدي له.
ومن المحال أن يكون هؤلاء المتأخرون على مذهب الأئمة دون أصحابهم الذين لم يكونوا يقلدونهم، فأتْبَع الناس لمالك ابن وهب وطبقته ممن يحَكِّم الحجة وينقاد للدليل أين كان، وكذلك أبو يوسف ومحمد أتبع لأبي حنيفة من المقلدين له مع كثرة مخالفتهما له، وكذلك البخاري ومسلم وأبو داود والأثرم وهذه الطبقة من أصحاب أحمد أتْبَع له من المقلِّدين المحض المنتسبين إليه. وعلى هذا فالوقف على أتباع الأئمة أهل الحجة والعلم أحقّ به من المقلدين في نفس الأمر» (٤).
стр. 425
وذكر ابن القيم مسألة المفلس إذا استغرقت الديونُ مالَه فهل يصح تبرعه قبل الحَجْر بما يضرّ بأرباب الديون؟ وذَكَر في المسألة قولين: مذهب مالك وابن تيمية عدم الصحة، وذهب الأئمة الثلاثة إلى الصحة، ثم قال: «وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ــ ﵀ ــ يحكي عن بعض علماء عصره من أصحاب أحمد أنه كان ينكر هذا المذهب ويضعِّفه ــ القول بعدم الصحة ــ، قال: إلى أن بُلِي بغريم تبرَّع قبل الحجر عليه، فقال: والله مذهب مالك هو الحق في هذه المسألة» (١).
قال ابن القيم: «كان في زماننا رجل مشار إليه بالفتوى، وهو مقدَّم في مذهبه، وكان نائب السلطان يرسل إليه في الفتاوى، فيكتب: يجوز كذا ــ أو يصح كذا، أو ينعقد ــ بشرطه، فأرسل إليه يقول له: تأتينا فتاوى منك فيها: يجوز ــ أو ينعقد أو يصح ــ بشرطه، ونحن لا نعلم شرطه، فإما أن تبين شرطه، وإما أن لا تكتب ذلك.
وسمعت شيخنا يقول: كلُّ أحدٍ يحسن أن يفتي بهذا الشرط، فإن أي مسألة وردت عليه يكتب فيها: يجوز بشرطه، أو يصح بشرطه، أو يقبل بشرطه ... ونحو ذلك، وهذا ليس بعلم، ولا يفيد فائدة أصلًا سوى حيرة السائل وتنكّده» (٢).
وقال ابن القيم: «سمعت شيخنا يقول: سمعت بعض الأمراء يقول عن