← Тараджим

Тараджим · id 17563

الجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية خلال سبعة قرون وتكملة الجامع

محمد عزير شمس

Полный текст (869 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

صِدْقُ الأخْبار (١) للمؤرِّخ حمزة بن أحمد الغَرْبي المعروف بابن سباط (٢) (٩٢٦) وفي هذه السنة (٣) ثاني عشرين ذي القعدة توفي الشيخ الإمام العالم العامل الزاهد العابد الورع الخاشع القدوة العارف تقي الدين، أحمد ابن الشيخ الإمام العالم شهاب الدِّين عبد الحليم ابن الشيخ الإمام شيخ الإسلام مجد الدِّين أبي البركات عبد السلام بن عبد الله ابن تَيْمِيَّة الحراني الدمشقي بقلعة دمشق في القاعة التي كان محبوسًا بها، وغسّلوه وكفنوه وأخرجوه من القلعة، وصلى عليه بباب القلعة الشيخ محمد بن تمام، أتوا به إلى الجامع، وغُلِّق جميع الأسواق بدمشق، وامتلأ الجامعُ أكثر من يوم الجمعة، وحضروا (٤) الأمراء والحُجَّاب، وصلوا عليه صلاة الظهر، وحملوه (٥) الناس على رؤوسهم وأخرجوه من القلعة إلى باب الفرج، وبعض الناس من باب الفراديس، ومن باب النصر، ومن باب الجابية، وامتدَّ العالم إلى سوق الخيل إلى مقبرة الصوفية، ودفن إلى جانب قبر أخيه الشيخ شرف الدين، وانصرف الناس متأسِّفين عليه، وختموا على قبره الختمات.

стр. 702

وكان مولده بحران عاشر ربيع الأول سنة إحدى وستين وست مئة، سمع الحديث، واشتغل في العلوم، وحَصَّل في أسرع وقت ما لا يحصله غيره في سنين (١) كثيرة، وعلوم شتى (٢)، وكان كثير الذكر والصوم والصلاة والعبادة. * * * *

стр. 703

الدّارس في تاريخ المَدَارِس (١) للعلامة عبد القادر بن محمد النعيمي (ت ٩٢٧ هـ) في يوم الاثنين ثاني المحرم منها (٢): درَّس الشَّيخ الإمام العالم العلامة تقي الدِّين أبو العبَّاس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تَيْمِيَّة الحَرَّاني بدار الحديث السكرية الَّتي بالقصاعين، وحضر عنده قاضي القضاة بهاء الدِّين يوسف بن الزكي الشَّافعيّ، والشيخ تاج الدِّين الفزاري شيخ الشافعية، والشيخ زين الدِّين بن المرحِّل، والشيخ زين الدِّين المنجَّى الحنبلي، وكان درسًا [هائلًا] حافلًا ــ يعني في البسملة كما ذكره ابن مفلح في «طبقاته» ــ وقد ذكره (٣) الشَّيخ تاج الدِّين الفزاري بخطه لكثرة فوائده وكثرة ما استحسنه الحاضرون. وقد أطنب الحاضرون في شكره على حداثة سنه وصغره، فإنه كَانَ إذ ذاك عمره عشرين سنة وسنتين، ثمَّ جلس الشَّيخ تقي الدِّين المذكور أيضًا ــ يعني مكان والده بالجامع كما ذكره ابن كثير ــ يوم الجمعة عاشر صفر بالجامع الأموي بعد صلاة الجمعة على منبر قد هيئ له لتفسير القرآن العزيز، فابتدأ من أوله في تفسيره، وكان يجتمع عنده الخلق الكثير والجم الغفير، من كثرة ما كَانَ يورد من العلوم المتنوعة المحررة مع الديانة والزهادة والعبادة، سارت بذكره الركبان في سائر الأقاليم والبلدان واستمر على ذلك مدة سنين متطاولة.

стр. 704

زاد ابن مفلح في «طبقاته» وأنَّه كَانَ يورد من حفظه في المجلس نحو كراسين أو أكثر، وبقي يُفسِّر في سورة نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام عدة سنين. وأطال في ترجمته كثيرًا، وشهرته تغني عن الإطناب في ذكره والإسهاب في أمره. ولد يوم الاثنين عاشر شهر ربيع الأوَّل سنة إحدى وستين وستمائة بحرّان، وقدم مع أهله سنة سبع وستين وستمائة إلى دمشق فسمع بها من ابن عبد الدَّائم والمجد بن عساكر وابن أبي الخير والقاسم الإربلي والمسلم بن علان وإبراهيم بن الدرجي وابن أبي اليسر وخلق كثير، وأقبل على العلوم في صغره، فأخذ الفقه والأصول عن والده والشيخ شمس الدِّين ابن أبي عمر والشيخ شمس الدِّين بن المنجَّى، وبرع في ذلك، وقرأ في العربية أيامًا على ابن عبد القوي، ثمَّ أخذ «كتاب سيبويه» وتأمَّله ففهمه، وأقبل على تفسير القرآن العزيز فبرز فيه، وأحكم الفرائض والحساب والجبر والمقابلة وغير ذلك من العلوم، ونظر في علم الكلام وبرز في ذلك على أهله، وردّ على رؤسائهم. وتأهل للفتوى والتدريس وله دون العشرين سنة، وأمدَّه الله تعالى بكثرة الكتب وسرعة الحفظ وقوة الفهم وبطء النسيان، وعُنِي بالحديث أتمَّ عناية ونسخ الأجزاء، ودارعلى الشيوخ وخرَّج وانتقى وبرع في الرجال وعلل الحديث. وكان كثير المحاسن، فارغًا عن شهوات المأكل والملبس والجماع. لا لذة له في غير نشر العلم وتدوينه، عرض عليه قضاء [القضاة] قبل التسعين (١)

стр. 705

ومشيخة الشيوخ فلم يقبل شيئًا من ذلك، وامتُحِنَ وأوذي مرات وحبس بقلعة مصر والقاهرة وبالإسكندرية وبقلعة دمشق مرتين، وصنف التَّصانيف الحسنة الَّتي هي أشهر من أن تذكر، وأعرف من أن تنكر، وحدث بدمشق ومصر والثغر، وسمع منه خلق من الحفاط والأئمة من الحديث ومن تصانيفه، وخرَّج له ابن الواني أربعين حديثًا حدث بها، وقد أفرد له الحافظ أبو عبد الله بن عبد الهادي ترجمة في مجلَّدةٍ وكذلك أبو حفص البزار البغدادي في كراريس. ومات بدمشق قي القلعة معتقلًا سحر ليلة الاثنين عشرين ذي الحجة أو ذي القَعْدة سنة ثمان وعشرين وسبعمائة ثمَّ جُهِّز وأُخْرِجَ إلى جامع البلد وكان الجمع أعظم من جمع الجُمع، حُزِرَ الرجال بستين ألفًا وأكثر، والنساء بخمسة عشر ألفًا. صلى عليه أخوه زين الدِّين عبد الرَّحمن بسوق الخيل بعد خروج جنازته من باب الفرج، ودفن بمقابر الصوفية إلى جانب أخية الشرف وهو عبد الله ورُئِيَتْ له منامات حسنة. * * * *

стр. 706

العلامة مجير الدِّين عبد الرحمن العليمي الحنبلي (٩٢٨) - المنهج الأحمد في ذكر أصحاب الإمام أحمد - الدُّر المنضَّد في ذكر أصحاب الإمام أحمد

стр. 707

صفحة بيضاء

стр. 708

المَنْهج الأحمد في ذكر أصحاب الإمام أحمد (١) أحمدُ بن عبد الحليم بن عبد السَّلام بن أبي محمد عبد الله بن أبي القاسم الخَضِر بن محمد بن الخَضِر بن علي بن عبد الله بن تَيْمِيَّة الحَرَّاني. نزيلُ دمشقَ، الشَّيخ الإمام العالم المحقّق الحافظ المجتهد المحدِّث المفسّر القُدوة الزّاهد، نادرة العصر، شيخ الإسلام، قدوة الأنام، علّامة الزمان، تقي الدِّين أبو العَبَّاس ابن الشَّيخ شهاب الدِّين أبي المحاسن ابن شيخ الإسلام مجد الدِّين أبي البركات صاحب التَّصانيف الَّتي لم يسبق إلى مثلها، وشهرته تغني عن الإطناب في ذِكره والإسهاب في أمره. ولد يوم الاثنين عاشر ربيع الأوَّل سنة إحدى وستين وست مئة بحران، وقدم مع والده وأهله إلى دمشق وهو صغير، وكانوا قد خرجوا من حَرَّان مُهَاجِرين بسبب جَوْر التَّتار واستيلائهم على البلاد، فساروا باللَّيل ومعهم الكتب على عجلةٍ لعدم الدَّواب؛ فكاد العدو يلحقهم، ووقفتِ العجلة، وابتهلوا إلى الله تعالى واستغاثوا به، فَنَجَوا وسَلِموا، وقدموا دمشق في أثناء سنة سبع وستين وست مئة. فسمع الشَّيخ بها من جماعة منهم: الشيخ شمس الدِّين بن أبي عمر وخلق كثير، وعني بالحديث، وسمع «المُسْنَد» مرّات، و «الكتب السِّتَّة»، و «معجم الطَّبرانيّ الكبير» وما لا يُحصى من الكتب والأجزاء. وقرأ بنفسه، وكتب بخطّه جملةً من الأجزاء، وأقبل على العلوم في صغره، فأخذ الفقه

стр. 709

والأصول عن والده، وعن الشَّيخ شمس الدِّين بن أبي عمر، والشيخ زين الدِّين بن المُنجَّى، وبَرَعَ في ذلك، وناظر، وقرأ في العربية أيَّامًا على ابن عبد القوي، ثمَّ أخذ «كتاب سيبويه» فتأمله ففهمه، وأقبل على تفسير القرآن الكريم فبرّز فيه، وأحكم أصول الفقه، والفرائض، والحساب، والجبر، والمقابلة، وغير ذلك من العلوم، ونظر في علم الكلام والفلسفة، وبرّز في ذلك على أهله، وردَّ على رؤسائهم وأكابرهم، ومهر في هذه الفنون، وتأهل للفتوى والتَّدريس وله دون العشرين سنةً، وأفتى من قبل العشرين أيضًا، وأمدّه الله بكثرة الكتب، وسُرعة الحفظ، وقوة الإدارك والفهم، وبطء النسيان. ثمَّ توفي والده وكان له حينئذ إحدى وعشرون سنة، فقام بوظائفه بعده فدرَّس «بدار الحديث السكرية» في أول سنة ثلاثٍ وثمانين وست مئة، وحضر عنده قاضي القضاة بهاء الدِّين بن الزكي، والشيخ تاج الدِّين الفَزَاري، وزين الدِّين المرحّل، والشيخ زين الدِّين ابن المنجَّى وجماعة، وذكر درسًا عظيمًا في البسملة، وهو مشهور بين الناس، وعظَّمه الجماعة الحاضرون، وأثنَوْا عليه ثناءً كثيرًا، ثمَّ جلس بالجامع أيّام الجمع لتفسير القرآن العظيم، وشرع الشَّيخ في الجمع والتَّصنيف من دون العشرين، ولم يزل في علوّ وازدياد من العلوم والقدر، ورزقه الله شجاعةً وذكاءً وتنويرًا إلهيًّا وكرمًا ونصحًا وأمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر، وكان له شدّةُ استحضار وقت إقامة الدليل، وفاق النَّاس في معرفة الفقه واختلاف المذاهب وفتاوي الصّحابة والتابعين، بحيث إنّه إذا أفتى لم يلتزم بمذهب بل بما يقوم دليله عنده، وكان إذا سئل عن فن من العلم ظنَّ الرّائي والسّامع أنّه لا يعرف غير

стр. 710

ذلك الفن، وحَكَمَ أن أحدًا لا يعرفه مِثْله. وكان الفقهاء من سائر الطوائف إذا جالسوه استفادوا في مذاهبهم أشياء، ولا يُعرف أنَّه ناظر أحدًا فانقطع معه، ولا تكلَّم في عِلْم من العلوم ـ سواء كان من علوم الشّرع أو غيرها ـ إلَّا فاق فيه أهلَه، واجتمعت فيه شروطُ الاجتهاد على وجهها، وكان إمامًا متبحّرًا فارغًا عن شهوات المآكل والملابس والجماع، لا لذَّة له في غير نَشْر العلم وتدْوِينِه والعَمَل بمُقْتَضاه، وقد عرض عليه قضاء القضاء قبل التسعين، ومشيخة الشيوخ، فلم يقبل شيئًا من ذلك، وكان ممّن أدرك من العلوم حَظًّا، وكاد يستوعب السُّنَن والآثار حِفْظًا. إنْ تكلَّم في التفسير فهو حامل رايته، أو أفتى في الفِقْه فهو مدرك غايته، أو ذاكر بالحديث فهو صاحب علمه وذو روايته، أو حاضر بالنِّحَل والملل لم يُر أوسع من نحلته، ولا ارفع من درايته، برز في كل فن على أبناء جنسه، ولم تر عين من رآه مثله، ولا رأت عينه مِثْلَ نفسه. وكان له خِبْرَةٌ تامَّة بالرِّجال، وجَرْحهم وتَعْديلهم وطبقاتهم، ومعرفةٌ بفنون الحديث، وبالعالي والنَّازل، والصَّحيح والسَّقيم، مع حفظه لمتونه الَّذي انفرد به، فلا يبلغ أحد في العصر مرتبته ولا يقارِبُه، وهو عَجَبٌ في استحضاره، واستخراج الحجج منه، وإليه المنتهى في عزوه إلى «الكتب السِّتَّة» و «المُسند». فلقد كَانَ عجبًا في معرفة الحديث، وكان يكتب في اليوم والليلة نحوًا من أربعة كراريس أو أزيد. وكتب «الحموية» في قعدة واحدة، وهي أزيد من ذلك، وكتب في بعض الأحيان في اليوم ما يبيض منه مجلّد، وكان ﵀ فريد دهره في فهم القرآن ومعرفة حقائق الإيمان، وله يدٌ طُولى في الكلام على المعارف والأحوال

стр. 711

والتمييز بين صحيح ذلك وسقيمه ومعوجّه وقويمه، وقد ترجمه الشَّيخ الإمام العلَّامة القاضي البارع مجموع الفضائل شهاب الدِّين أبو العَبَّاس أحمد بن فضل الله كاتب السرّ بالديار المصرية والشامية في «تاريخه» الَّذي ذكر فيه البلاد وما فيها من الأعيان والمشاهير والعلماء والأماثل فذكر اسمه ثمَّ قال: هو البحرُ من أيِّ النواحِي جِئتَه، والبدرُ من أيّ الضواحِي رأيتَه، جَرَتْ آباؤُه لِشَأْوٍ ما قَنِعَ به، ولا وقفَ عنده طليحًا مُريحًا من تَعَبِه، طلبًا لا يَرضَى بِغاية، ولا يقضى له بنهاية. رَضَعَ ثَدْيَ العلمِ مُنذُ فُطِم، وطَلعَ الصباح ليُحَاكِيَهُ فَلُطِم، وقَطَعَ اللّيلَ والنهارَ دائبينِ، واتخذ العلمَ والعملَ صاحبَينِ، إلى أن أنسى السلَّفَ بِهُداه، وأنْأى الخَلَف عن بلوغ مَدَاه. وَثَقَّفَ الله أمْرًا بات يَكلؤُهُ ... يَمضِي حُساماه فيه السيفُ والقلمُ بهمَّةٍ في الثريَّا أثرُ أخْمَصِها ... وعَزْمَةٍ ليسَ من عادتِها السَّأمُ على أنَّه من بيتٍ نشأ منه علماء في سالفِ الدُّهُور، ونسأت منه عْظَماء على المشاهير الشُّهور، فأحْيَا معالمَ بيتهِ القديم إذْ دَرَسَ، وجَنَى من فننه الرَّطيبِ ما غَرَسَ، وأصبحَ في فضله آيةً إلَّا أنَّه آيةُ الحَرَسِ، عَرضَتْ له الكُدَى فزَحْزَحَها، وعارضَتْه البحارُ فضَحْضَحَها، ثمَّ إنَّه كَانَ أُمَّةٌ وحده، وفردًا حتَّى نزلَ لَحْدَه. أَخْمَلَ من القُرَناءِ كلَّ عَظِيم، وأخْمَدَ من أهل الفناءِ كلَّ قديم، ولم يكن منهم إلَّا مَن يُجْفِل عنه إجفالَ الظَّليم، ويَتَضاءلُ لديه تَضاؤُلَ الغَرِيم. مَا كانَ بعض الناسِ إلّا مِثْلَما ... بعضُ الحصَا الياقوتةُ الحمراءُ جاء في عصرٍ مأهولٍ بالعلماء، مشحونٍ بنجومِ السّماء، يَمُوجُ في جانبَيهِ بحورٌ خَضَارِمُ، ويطِيرُ بين خافِقيهِ نُسُورٌ قَشَاعِمُ، وتُشْرِقُ في أنديتهِ بُدورُ دُجُنَّةٍ، وصدورُ أسِنَّةٍ، ويَثْأرُ جُنُودُ رَعيلٍ، وتَزْأرُ أسودُ غِيْلٍ، إلَّا أنَّ صَبَاحَه طَمَسَ

стр. 712

تلك النجوم، وبحْرهُ طَمَّ تِلكَ الغُيُوم، ففَاءَتْ سُمْرَتُه على تلك التلاعِ، وأطلَّتْ قَسورتُه على تلك السِّبَاعِ، ثُمَّ عُبِّئَتْ له الكتائبُ فحَطَّمَ صفوفَها، وخَطَمَ أُنوفَها، وابتلَعَ غَدِيرُهُ المطمئنُّ جَداولَها، واقتلَعَ طَوْدُهُ المُرْجَحِنُّ جَنَادِلَها، وأخمدتْ أنفاسَهم رِيحُه، وأكْمَدَت شَرَاراتِهم مصابِيحُه: تَقدَّمَ راكبًا فيهم إمامًا ... ولولاه لما رَكِبُوا وَراءَا فجَمعَ أشْتَاتَ المذاهب، وشُتَّاتَ المذاهب. ونَقَلَ عن أئمةِ الإجماعِ فمَنَ سِواهم مذاهبَهم المختلفةَ واستَحْضَرَها، ومَثَّل صُوَرَهم الذاهبةَ وأحْضَرها، ولو شعَرَ أبو حنيفةَ بزَمانِه ومَلَكَ أمرَه لأدْنَى إليه عَصْرَهُ مُقترِبًا، ومالكٌ لأجْرَى وراءَه أشْهَبَهُ ولو كَبَا، أو الشَّافعيُّ لقالَ: ليتَ هذا كَانَ لـ الأمِّ وَلَدًا ولَيتَني كنت له أبَا، أو الشيبانيُّ ابنُ حنبلٍ لما لامَ عِذَارَه إذا غَدا منه لفَرْطِ العَجبِ أشيبا. لَا بل داودُ الظاهريُّ، وسِنَان الباطنيُّ لظَنَّا تحقيقَه من مُنْتَحَلِه، وابنُ حَزْمٍ والشَّهْرِستانيُّ لحَشَرَ كلٌّ منهما ذِكرَه أمَّة في نِحَلِه، والحاكمُ النَّيسابوري والحافظ السِّلَفي لأضافَه هذا إلى «استدراكِه» وهذا إلى «رِحَلِه»، تَرِدُ إليه الفتاوى ولا يردّها، وتَفِدُ عليه فيُجِيب عنها بأجوبة، كأنَّهُ كَانَ قاعدًا لها يُعِدُّهَا. أبدًا على طَرَفِ اللسانِ جوابُه ... فكأنَّما هي دَفعةٌ مِن صَيِّبِ يَغدُو مُسَاجلُه بغُرَّةِ صافحٍ ... ويَرُوحُ مُعتَرِفًا بذلَّةِ مُذْنِب ولقد تَضَافَرتْ عليه عُصَبُ الأعداءِ فَأُقْحِمُوا إذْ هَدَرَ فَحْلُه، وأُفْحِمُوا إذ زَمزَمَ ليجني الشهَد نَحْلُه، ورُفِعَ إلى السُّلطانِ غيرَ مَا مَرَّةٍ، ورُمِيَ بالكبَائِر،

стр. 713

وتُرُبِّصَتْ به الدَّوائِرُ، وسُعِيَ به ليُؤْخَذَ بالجَرائِر، وحَسَدَه مَن لم يَنَل سَعْيَه وكثر فَارتَابَ، ونَمَّ وما زادَ على أنَّه اغتابَ، وأُزْعِجَ من وَطنِه تارةً إلى مِصْرَ، وتارة إلى الإسكندريّة، وتارةً إلى محبس القَلْعَةِ بدمَشْقَ، وفي جميعها يُودَعُ أخْبِيةَ السُّجونِ، ويُلْدَغُ بزنَابى المَنُونِ، وهو على علمٍ يُسَطِّرُ صُحُفَه، ويَدَّخِرُ تُحَفَه، وما بينه وبين الشيء [إلا أن يصنفه] ويُقرِّط به ولو سَمْعَ امرئٍ واحدٍ ويُشَنِّفَه، حتَّى تسْتَهديَ أطرافُ البلادِ طُرَفَه، ويَسْتَطلعَ ثَنايا الأقاليم شُرَفَه، إلى أنْ خَطَفَتْه آخرَ مَرَّةٍ من سِجْنِه عُقَابُ المنَايا، وجذبته إلى مَهْوَاتِها قرارةُ الرَّزايَا، وكَانَ قبلَ مَوتِه قَد مُنِعَ الدَّواةَ والقَلَم، وطُبِعَ على قلبه منه طابعُ ألَمِ، وكان مبدأُ مَرَضِه ومَنْشَأ عَرَضِه، حتَّى نزلَ قِفارَ المقابر، وتركَ فِقَارَ المنابِر، وحَلَّ بساحة تُربِه ومَا يُحاذِر، وأخذَ راحةَ قَلبِه من اللائِم والعاذِر. وقد كتب الشَّيخ العلَّامة كمال الدِّين بن الزَّماكاني بخطه على كتاب «إبطال التحليل» للشيخ ترجمة الكتاب، واسم الشَّيخ، وترجم له ترجمةً عظيمة، وأثنى عليه ثناءً عظيمًا، وكتب أيضًا تحت ذلك: ماذَا يَقُوْلُ الوَاصِفُونَ لَهُ ... وصِفَاتُهُ جَلَّتْ عن الحَصْرِ هُوَ حُجَّةٌ للهِ قَاهِرَةٌ ... هو بَيْنَنَا أُعْجُوْبَةُ الدَّهْرِ هو آيةٌ للخَلْقِ ظَاهِرَةٌ ... أنْوارُها أُرْبَتْ على الفَجْر وللشيخ أثير الدِّين أبي حيَّان الأندلسي النَّحوي: لمَّا دخل الشَّيخُ مصرَ واجتمع به: لمَّا رأينا تقيَّ الدِّين لاحَ لنا ... داعٍ إلى اللهِ فرْدًا ما لَه وَزَرُ على مُحَيَّاهُ من سِيْمَا الأُلَى صَحِبُوا ... خيرَ البريَّةِ نورٌ دونَه القَمَرُ حَبْرٌ تَسَرْبَلَ منه دَهرُه حِبَرًا ... بَحرٌ تَقَاذَفُ مِن أمواجه الدُّرَرُ

стр. 714

قامَ ابنُ تَيميَّةٍ في نَصْر شِرعَتِنَا ... مَقامَ سَيِّدِ تَيْمٍ إذْ عَصَتْ مُضَرُ فأظهرَ الدِّين إذْ آثارُهُ دَرَسَتْ ... وأخمدَ الشِّرك إذ طارتْ له شَرَرُ يا من تحدّثَ عن علم الكتاب أصِخْ ... هذا الإمامُ الذي قد كان يُنتظرُ وحكى الذَّهَبيّ: أنَّ الشَّيخ تقي الدِّين بن دقيق العيد قال للشيخ تقي الدِّين بن تَيْميَّة عند اجتماعه به وسماعه لكلامه: ما كنت أظن أنَّه بقي يُخلق مثلك. وكان المشايخ يعظِّمونه تعظيمًا زائدًا، وكان الشَّيخ عماد الدِّين الواسطي يتلمذ له مع أنَّه كَانَ أسنَّ منه، وكان يقول: قد شارفَ مقام الأئمة الكبار، ويناسب قيامه في بعض الأمور قيام الصديقينَ. ولكن كَانَ هو وجماعةٌ من خواص أصحابه ربّما أنكروا من الشَّيخ كلامه في بعض الأعيان من العلماء، أو في أهل التخلِّي والانقطاع ونحو ذلك. وكان الشَّيخ ﵀ لا يقصد بذلك إلَّا الخير والانتصار للحقّ ــ إن شاء الله تعالى. وطوائف من أئمة أهل الحديث حفاظهم وفقهائهم كانوا يحبُّون الشَّيخ ويعظِّمونه، ولم يكونوا يحبون له التَّوغُّل مع أهل الكلام والفلاسفة، كما هو طريقة أئمة أهل الحديث المتقدّمين، كالشَّافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد، وكذلك كثير من العلماء من الفقهاء والمحدِّثين والصّالحين كرهوا له التفرُّد ببعض شذوذ المسائل الَّتي أنكرها السلف على من شذَّ بها، حتَّى إنَّ بعض قضاة العدل من أصحابنا وهو قاضي القضاة شمس الدِّين بن مُسَلَّم المتقدِّم ذكره منعه من الإفتاء ببعض ذلك كما تقدَّم في ترجمته.

стр. 715

وغالبُ حطِّه على الفضلاء والمتنزهّدة فبحق، وبعضُه هو مجتهد فيه، ومذهبه توسعة العذر للخلق، ولا يكفِّر أحدًا إلَّا بعد قيام الحجّة عليه. وقد قام على الشَّيخ خلق من علماء مصر والشام قيامًا لا مزيد عليه، وبدَّعوه وناظروه وكابروه، وهو ثابتٌ لا يداهن ولا يحابي، بل يقول ما أدَّاه إليه اجتهاده وحدّةُ ذهنه وسعة دائرته، فجرى بينه وبينهم حملات حربية، ووقعات شامية ومصرية، وكم من نوبة قد رمَوْه فينجيه الله، فإنّه كَانَ دائم الابتهال، كثير الاستعانة، قويَّ التوكل، وكان له عصبة يحبُّونه من العلماء والصُّلحاء والجند والأمراء والتّجار والكبراء والعامة. وأما شجاعته فبها تُضرب الأمثال، وببعضها يشتبه أكابر الأبطال، ولقد أقامه الله تعالى في نوبة غَازَان، والتقى أعباءَ الأمر بنفسه، وقام، وقعد، وطلع، وخرج، واجتمع بالملك غازان مرتين وبخطلوشاه وبُولاي، وكان قبجق يتعجب من إقدامه وجرأته، وله حدة قوية تعتريه في البحث، حتَّى كأنه لَيثٌ حَرِب وكان ﵀ فيه قلة مداراة، وعدم تؤدة غالبًا، وله إقدام وشهامة، وقوة نفس، توقعه في أمور صعبة، فيدفع الله عنه، وله نظم قليل، ولم يتزوّج ولا تسرّى، ولا له من المعلوم إلَّا شئ قليل، وكان كريمًا فارغًا عن الدّينار والدِّرهم، وفيه مروءة وقيام مع أصحابه، وسعي في مصالحهم، وهو فقير لا مال له، وملبوسه كآحاد الفقهاء فَرَجِيَّة، ودَلَق، وعمامة تكون قيمته ثلاثون درهمًا، ومداس ضعيف الثمن، وشعره مقصوص، وهو رَبْع القامة، بعيد ما بين المنكبين، كأنّ عينيه لسانان ناطقان ويصلِّي بالناس صلاةً لا يكون أطولُ من ركوعها ولا سجودها، ولم ينحن لأحد قطُّ، وإنما يسلِّم ويصافح ويبتسم.

стр. 716

وقد سافر مرَّة على البريد إلى الديار المصرية يستنفر السُّلطان عند مجيء التتار سنةً من السنين، وتلا عليهم آيات الجهاد، وقال: إن تخليتم عن الشَّام ونصرة أهله والذَّب عنهم فإنَّ الله تعالى يقيم لهم من ينصرهم غيركم، ويستبدل بكم سواكم. وتلا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٩]. وبلغ ذلك الشَّيخ تقي الدِّين بن دقيق العيد ــ وكان هو القاضي حينئذٍ ــ فاستحسن ذلك، وأعجبه الاستنباط، وتعجب من مواجهة الشَّيخ للسُّلطان بمثل هذا الكلام. وأما مِحَنُ الشَّيخ: فكثيرة، وشرحها يطول، وقد نقلها المؤرخون ودوّنوها، وقد اعتقله مرّة بعضُ نواب السُّلطان بالشام قليلًا، بسبب قيامه على نَصْراني سَبَّ الرَّسولَ ﷺ ، واعتقل معه الشَّيخ زين الدِّين الفارقي، ثمَّ أطلقهما مكرمين، وقد شُنِّع عليه غيرَ مرّة بسبب أحاديث الصِّفات. ثمَّ امتحن سنة خمس وسبعمائة بالسُّؤال عن معتقده بأمر السُّلطان؟ فجمع نائبه القضاة والعلماء بالقصر، وأحضر الشَّيخ، وسأله عن ذلك، فبعث الشَّيخ فأحضر من داره «العقيدة الواسطية» فقرؤوها في ثلاثة مجالس، وحاقَقُوه، وبحثوا معه، ووقع الاتفاق بعد ذلك على أَنَّ هذه عقيدة سُنيَّة سلفيّة، فمنهم من قال ذلك طوعًا، ومنهم من قاله كرها، ثمَّ تعصَّب جماعة من المصريين منهم بيبرس الشَّشْنَكير الَّذي تسلطن بعد ذلك وغيره من

стр. 717

الفقهاء منهم نصر المنبجي وابن مخلوف قاضي المالكيّة، وطُلب الشَّيخ على البريد إلى القاهرة، وعُقد له ثاني يوم وصوله ــ وهو ثاني عشري رمضان سنة خمس وسبع مئة مجلسٌ بالقلعة، ادُّعي عليه بدعاوى عند ابن مخلوف قاضي المالكية، فاستخصم الشَّيخ ابن مخلوف القاضي، ولم يثبت عليه ما يُوجب التَّعزير ولا غيره، ثمَّ حبس هو وأخوه شرف الدِّين في برجٍ أيّامًا ويقال: إنَّ أخاه شرف الدِّين ابتهل ودعا الله عليهم، فمنعه الشَّيخ، وقال له: بل قل: اللهم هب لهم نورًا يهتدون به. وحصل أذًى كثيرٌ للحنابلة بالقاهرة، واستمرَّ الشَّيخ في السّجن، وهو متوجه إلى الله تعالى، لا يقبل شيئًا من الكُسْوة السُّلطانية، ولا تَدنَّس بشيءٍ من ذلك. ثمَّ في ربيع الأوَّل سنة سبع وسبع مئة أخرج الشَّيخ من السّجن، وعقد له مجالس حضرها أكابر الفقهاء، وانفصلت علي خيرٍ، ثمَّ أُطلق وامتنع من المجيء إلى دمشق، وأقام بالقاهرة يقرئ العلم ويتكلم في الجوامع والمجالس العامة، ويجتمع عليه خلق، ثمَّ حصل بينه وبين جماعة من الصُّوفية تنازع، وعقد له مجلس لكلامه في ابن عربي، وادّعي عليه بأشياء لم يثبت شيء منها، فطلب من بعض القضاة الحكم عليه بالحبس، فلم يتوجّه عليه الحكم بذلك، فاختار الشَّيخ أنْ يحبس فأُرسل إلى حبس القاضي وأُجلس في الموضع الَّذي أجلس فيه القاضي تقي الدِّين ابن بنت الأعز لمَّا حبس. وكل ذلك بسعي نصر المنبجي، واستمرّ الشَّيخ في الحبس يستفتى، ويقصده النَّاسُ ويزورونه، وتأتيه الفتاوى المشكلة من الأمراء وأعيان النَّاس، ثمَّ أخرجوه في سلطنة بيبرس الشَّشْنكير الملقب بالمظفر إلى

стр. 718

الإسكندرية على البريد، وحبس بها في برجٍ حسن متَّسع مضيء، يدخل عليه من شاء ويمنع هو من شاء، ويخرج إلى الحمَّام إذا شاء. وبقي في الإسكندرية مدة سلطنة المظفَّر، وكانت أحد عشر شهرًا، فلما عاد الملك النّاصر محمدَّ ابن قلاوون وكان دخوله إلى القاهرة وجلوسه على سرير ملكه بعد العصر من نهار الأربعاء مستهل شوّال سنة تسعٍ وسبع مئة، وتمكن، وأهلك المظفّر، وخمد شيخُه نصر المنبجي، واشتد غضب السُّلطان على القضاة لمداخلتهم المظفر وعزل بعضهم، بادر بإحضار الشَّيخ إلى القاهرة مكرمًا في شوّال سنة تسع وسبع مئة وأكرمه إكرامًا زائدًا وقام إليه وتلقّاه في مجلس حفل فيه قضاة المصريين والشاميين والفقهاء وأعيان الدّولة، وزاد في إكرامه، وبقي يُسَارّه ويستشيره، وأثنى عليه بحضورهم ثناءً كثيرًا، وأصلح بينه وبينهم، ويقال: إنَّه شاوره في أمرٍ هَمَّ به في حقّ القضاة فصرفه عن ذلك، وأثنى عليهم، وأنّ ابن مخلوف المالكي كَانَ يقول: ما رأينا أفتى من ابن تَيْميَّة، سعينا في دمه فلمّا قدر علينا عفا. وسكن الشَّيخ بالقاهرة، والناسُ يتردّدون إليه والأمراء والجند وطائفة من الفقهاء وفيهم من يعتذر إليه ويتنصّل مما وقع، وهو في هذه المدّة يقرئ العلم، ويجلس للناس مجالس عامة. ثمَّ قدم إلى الشَّام هو وأخواه سنة اثنتي عشرة بنيَّة الجهاد لمّا قدم السُّلطان لكشف التتر عن الشَّام فخرج مع الجيش، وفارقهم في عسقلان وزار البيت المقدَّس، ثمَّ دخل دمشق بعد غيبته عنها فوق سبع سنين ومعه أخواه وجماعة من أصحابه، وخرجَ خلقٌ كثير لتلقيه، وسُرَّ النَّاس بمقدمه، واستمر على ما كانَ عليه أولًا من إقراء العلم وتدريسه بمدرسة السُّكريّة

стр. 719

والحَنْبلية وإفتاء النَّاس. ثمَّ في سنة ثماني عشرة ورد كتابٌ من السُّلطان بمنعه من الفتوى في مسألة الحلف بالطّلاق بالتكفير، وعقد له مجلس بدار السّعادة، ومنع من ذلك. ثمَّ في سنة تسع عشرة عقد له مجلس أيضًا كالأول وانفصل على تأكيد المنع، ثمَّ عقد له مجلس ثالث بسبب ذلك وحبس بالقلعة ثمَّ حبس لأجل ذلك مرَّة أخرى، ومنع بسببه من الفتيا مطلقًا فأقام مدة يفتي بلسانه، ويقول: لا يَسَعُني كتمُ العلم، وفي آخر الأمر تكلّموا معه في مسألة المنع من السَّفر إلى قبور الأنبياء والصّالحين وأفتى قضاة مصر الأربعة بحبسه، فحبس بقلعة دمشق سنتين وأشهرًا. وبها مات ﵀. وقد بين أنَّ ما حُكم عليه به باطل بإجماعِ المسلمين من وجوه كثيرة جدًّا، وأفتى جماعةٌ بأنه مخطئ في ذلك خطأ المجتهدين المغفور لهم، ووافقه جماعة من علماء بغداد وغيرهم، وكذلك ابنا أبي الوليد شيخ المالكية بدمشق أفتيا أنَّه لا وجه للاعتراض عليه فيما قاله أصلًا، وأنَّه نقل خلاف العلماء في المسألة، ورجَّح أحد القولين فيها، وبقي مدَّة في القلعة يكتب العلمَ ويصنفه، ويرسل إلى أصحابه الرسائل، ويذكر ما فتح الله به عليه في هذه المرة من العلوم العظيمة، والأحوال الجسيمة، وقال: قد فتح الله عليّ في هذا الحصن في هذه المرة من معاني القرآن، ومن أصول العلم بأشياء، مات كثير من العلماء يتمنّونها، ثمَّ إنَّه منع من الكتابة، ولم يُترك عنده دواةٌ ولا قلمٌ ولا ورقٌ، فأقبل على التّلاوة والتهجُّد والذّكر، وقال مرة: ما يصنع أعدائي بى؟ أنا جنَّتي وبستاني في صدري، أين رحت فهي معي لا تفارقني، أنا حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلادي سياحة.

стр. 720

وقال مرة: المحبوس من حبس قلبُه عن ربّه، والمأسور من أسره هواه. ولمّا دَخل القلعة، وصار داخل سورها نظر إليه، وقال: ﴿بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (١٣) يُنَادُونَهُمْ﴾ [الحديد: ١٣]. وكَانَ مع ما هو فيه من الحبس والتهديد والإرجاف، وهو مع ذلك أطيب النَّاس عيشًا، وأشرحهم صدرًا، وأقواهم قلبًا، وأسرّهم نفسًا ــ ﵀ وعفا عنه ــ. ذكر بعض تصانيفه: وهي كثيرة جدًا، ولكن نذكر نَبْذةً من أسماء أعيان المصنّفات الكبار: كتاب «الايمان» مجلد. «الاستقامة» مجلدان. «جواب الاعتراضات المصريّة على الفتاوى الحموية» أربع مجلدات. «بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية» في ستة مجلدات كبار. كتاب «المحنة المصرية» مجلدان. «المسائل الإسكندرية» مجلد. «الفتاوى المصرية» سبع مجلدات. كل هذه التَّصانيف ما عدا كتاب «الإيمان» كتبه وهو بمصر في مدّة سبع سنين، صنّفها في السجن، وكتب معها أكثر من مئة لَفّة ورق أيضًا. كتاب «درء تعارض العقل والنقل» أربع مجلدات كبار. «الجواب عما أورده الشَّيخ كمال الدِّين الشريشي على هذا الكتاب» نحو مجلد. وكتاب «منهاج السنّة النبويّة في نقض كلام الشيع والقدرية» أربع مجلدات. «الجوابُ الصَّحيح لمن بَدَّل دين المسيح» مجلدان. «شرح أول المحصّل» للرازي مجلد. «شرح بضع عشرة مسألة من الأربعين للرازي» مجلدان. «الرد على المنطق» مجلد كبير. «الرد على البكري في مسألة

стр. 721

الاستغاثة» مجلد. «الرَدّ على أهل كسروان الرّوافض» مجلدان. «الصّفدية جواب من قال: إنَّ معجزات الأنبياء قوًّى نفسانية» مجلد. «الهلاوونية» مجلد. «شرح عقيدة الأصبهاني» مجلد. «شرح العمدة للشيخ موفق الدين» كتب منه أربعة مجلدات. «تعليقة على المحرر في الفقه لجدِّه» عدَّة مجلدات. «الصَّارم المسلول على شاتم الرسول» مجلد. «بيان الدليل على بطلان التحليل» مجلد. «اقتضاء الصّراط المستقيم في مخالفة أصحاب الجحيم» مجلد. «التحرير في مسألة حفير» مجلد في مسألة من القسمة كتبها اعتراضًا على الخويّي في حادثة حكم فيها. «الرد على من اعتراض عليه في مسألة الحلف بالطلاق» ثلاث مجلدات. كتاب «تحقيق الفرقان بين التطليق والأيمان» مجلد كبير. «الرد على الإخنائي في مسألة الزّيارة» مجلد. وأما القواعد المتوسطة والصغار وأجوبة الفتاوى فلا يمكن الإحاطة بها لكثرتها وانتشارها وتفرقها. ومن أشهرها «الفرقان بين أولياء الرَّحمن وأولياء الشيطان» مجلد لطيف. «الفرقان بين الحق والبطلان» مجلد لطيف. «الفرقان بين الطّلاق والأيمان» مجلد لطيف. «السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية» مجلد لطيف. «رفع الملام عن الأئمة الأعلام» مجلد لطيف. ذكر نبذة من مفرداته وغرائبة - اختار ارتفاع الحدث بالمياه المتعصرة، كماء الوَرْد ونحوه. - واختار جواز المسح على النَّعلين، والقدمين وكل ما يُحتاج في نزعه من الرِّجل إلى معالجة باليد أو بالرجل الأخرى، فإنه يجوز عنده المسح عليه مع القدمين.

стр. 722

- واختار أنَّ المسح على الخفين لا يتوقف مع الحاجة كالمسافر على البريد ونحوه، وفعل ذلك في ذهابه إلى الدّيار المصرية على خيل البريد، ويتوقف مع إمكان النزع وتيسره. - واختار جواز المسح علي اللّفائف ونحوها. - واختار جواز التَّيمُّم لخشية فوات الوقت في حق غير المعذور، كمن أخَّر الصلاة عمدًا حتَّى تضايق وقتُها. وكذا من خشي فوات الجمعة والعيدين، وهو محدث، فأما من استيقظ أو ذكر في آخر وقت الصَّلاة فإنَّه يتطهر بالماء ويصلي لأنَّ الوقت متسع في حقه. - واختار أنَّ المرأة إذا لم يمكنها الاغتسال في البيت وشقّ عليها النزول إلى الحمام وتكرره، أنَّها تتيمّم وتُصلي. - واختار أنْ لا حَدَّ لأقلِّ الحيض ولا لأكثره، ولا لأقل الطُّهر بين الحيضتين، ولا لسنّ اليأس من الحيض، وأنّ ذلك يرجع إلى ما تعرفه كلُّ امرأة من نفسها. - واختار أنَّ تارك الصَّلاة عمدًا لا يجب عليه القضاء، ولا يُشرع له، بل يكثر من النّوافل. - وأنَّ القصر يجوز في قصير السفر وطويله. - وأن سجود التّلاوة لا يُشترط له الطَّهارة. ومن إنشاد الشَّيخ ﵀ لنفسه قبل موته بأيَّام: أنا الفقير إلى ربِّ السّموات ... أنَا المُسَيكين في مجموع (١) حالاتي

стр. 723

أنَا الظَّلوم لنفسي وَهْيَ ظالمتي ... والخيرُ إن جاءَنا من عنده ياتي لا أستطيع لنفسي جلبَ منفعةٍ ... ولا عَنِ النَّفس في دفع المَضَرَّاتِ وليسَ لي دونَه مولى يدبِّرُني ... ولا شَفيعٌ إلى ربِّ البريّات إلا بإذنٍ من الرَّحمن خالقنا ... إلى الشَّفيع كما قد جا في الآيات ولستُ أملكُ شيئًا دونَهُ أبدًا ... ولا شريك أنَا في بعض ذرَّاتِ ولا ظهيرَ لهُ كيما أُعاونُه ... كما يكونُ لأرْبَاب الولايَاتِ والفَقْرُ لي وصفُ ذاتٍ لازمٌ أبَدًا ... كمَا الغِنَى أبَدًا وصفٌ له ذاتي وهذهِ الحالُ حالُ الخلقِ أجمعِهِ ... وكلُّهم عنده عبد له آتي فمن بَغَى مطلَبًا من دون خالقه ... فَهْوَ الجَهول الظَّلومُ المشرك العاتي والحمدُ لله ملءَ الكون أجمعِهِ ... ما كان فيه وما من بعدِهِ ياتي وهذه الأبيات متضمنة حسن اعتقاد وافتقار. ذكر وفاته ﵀ مكث الشَّيخ في القلعة من شعبان سنة ست وعشرين إلى ذي القعدة سنة ثمانٍ وعشرين، ثمَّ مرض بضعةً وعشرين يومًا، ولم يعلم أكثر النَّاس بمرضه، ولم يفجأهم إلَّا موتُه، وكانت وفاته في سحر ليلة الاثنين عشري ذي االقعدة، سنة ثمانٍ وعشرين وسبع مئة. وذكره مؤذّن القلعة على منارة الجامع، وتكلَّم به الحرسُ على الأبرجة، فتسامع النَّاس بذلك، وبعضهم أُعلم به في منامه، وأصبح النَّاسُ، واجتمعوا حول القلعة حتَّى أهل الغوطة والمرج، ولم يطبخ أهل الأسواق شيئًا، ولا فتحوا كثيرًا من الدكاكين الَّتى من شأنها أن تفتح أوّل النّهار. وفتح باب القلعة وكان نائبُ السَّلطنة غائبًا عن البلد، فجاء الصَّاحبُ إلى نائب القلعة، فعزاه به، وجلس عنده، واجتمع عند الشَّيخ في القلعة خلق

стр. 724

كثير من أصحابه، يبكون ويُثْنُون، وأخبرهم أخوه زين الدِّين عبد الرَّحمن أنَّه ختم هو والشيخ منذ دخلا القلعة ثمانينَ ختمَة، وشرعا في الحادية والثمانين، فانتهيا إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥]. فشرع حينئذ الشَّيخان الصّالحان: عبد الله بن المحب الصَّالحي، والزُّرَعيّ الضَّرير ــ وكان الشَّيخ يحبُّ قراءتهما ــ فابتدأا من سورة ﴿الرَّحْمَنُ﴾ حتَّى ختما القرآن، وخرج الرّجالُ، ودخل النساءُ من أقارب الشَّيخ فشاهدوه، ثمَّ خرجوا واقتصر على من يغسله، ويساعدُ في تغسيله، وكانوا جماعة من أكابر الصَّالحين وأهل العلم، كالمِزِّي وغيره، ولم يفرغ من غسله حتَّى امتلأت القلعة بالرّجال وما حولها إلى الجامع، فَصلّى عليه بدركات القلعة الزاهد القدوة محمد بن تمَّام، وضجّ الناسُ حينئذ بالبكاء والثَّناء، وبالدعاء والترحمُّ، وأُخرج الشَّيخ إلى جامع دمشق في السّاعة الرابعة أو نحوها، وكان قد امتلأ الجامع وصحنه، والكلّاسة، وباب البريد، وباب السّاعات إلى اللبادين والفوارة، وكان الجمع أعظم من جمع الجُمَع، ووضع الشَّيخ في موضع الجنائز ممّا يلي المقصورة، والجند يحفظون الجنازة من الزّحام، وجلس النَّاسُ على غير صفوف، بل مرصوصين، لا يتمكن أحد من الجلوس ولا السّجود إلَّا بكلفة، وكثر الناس كثرةً لا توصف، فلما أذَّن المؤذِّن بالظهر أقيمت الصَّلاة علي السُّدة، بخلاف العادة، وصلوا الظُّهر، ثمَّ صُلّي على الشَّيخ، وكان الإمام نائب الخطابة علاء الدِّين بن الخراط لغيبة القَزْويني بالديار المصرية، ثمَّ ساروا به، والنَّاس في بكاءٍ ودعاءٍ وثناءٍ، وتهليل وتأسُّفٍ، والنّساء فوق الأسطحة من هناك إلى المقبرة يدعين ويبكين أيضًا،

стр. 725

وكان يومًا مشهودًا لم يعهد بدمشق مثله، ولم يتخلّف من أهل البلد وحواضره إلَّا القليل من الضُّعفاء والمُخدَّرات، وصرخ صارخ: هكذا تكون جنائز أئّمة السُّنّة. فبكى النَّاس بكاءً كثيرًا عند ذاك؛ وأُخرجَ من باب البريد، واشتدَّ الزّحام، وألقى النَّاسُ على نعشه مناديلهم وعمائمهم، وصار النّعش على الرّؤوس يتقدّم تارة ويتأخّر أخرى، وخرج النَّاس من أبواب الجامع كلّها، وهي مزدحمة، ثمَّ من أبواب المدينة كلها، لكن كَانَ المعظم من باب الفرج، ومنه خرجت الجنازة، وباب الفراديس، وباب النّصر، وباب الْجابية، وعظم الأمر بسوق الخيل، وتقدّم في الصلاة عليه هناك أخوه زين الدِّين عبد الرَّحمن. ودفن وقت العصر أو قبلها بيسير إلى جانب أخيه شرف الدِّين عبد الله بمقابر الصوفية، وحُزِر الرّجالُ بستين ألفًا، أو أكثر إلى مائتي ألف، والنساء بخمسة عشر ألفًا. وظهر بذلك قول الإمام أحمد ﵁: «بيننا وبين أهل البدع يوم الجنائز». وختم له ختمات كثيرة بالصّالحية والمدينة، وتردَّد النَّاسُ إلى زيارة قبره أيّامًا كثيرة ليلًا ونهارًا، ورئيت له منامات كثيرة صالحة. ورثاه خلق من العلماء والشعراء بقصائد كثيرة من بلدان شتى وأقطار متباعدة، وتأسَّف المسلمون لفقده ــ رحمه الله تعالى وغفر له ــ وصُلِّي عليه صلاة الغائب في غالب بلاد الإسلام القريبة والبعيدة، حتَّى في اليمن والصِّين، وأخبر المسافرون: أنَّه نُودي بأقصى الصِّين للصلاة عليه يوم جمعة: «الصَّلاةُ علة تَرْجُمَان القرآن». وقد أفرد الشَّيخ الإمام العلَّامة المتقن المحقِّق بحر العلوم شمس الدِّين

стр. 726

أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادي بن عبد الحميد المقْدِسِيّ الحنبلى ــ ﵁ وغفر له ــ للشيخ تقي الدِّين ترجمةً في مجلد. وكذلك أبو حفص عمر بن علي البزار البغدادي في كراريس. وقد حدّث الشَّيخ كثيرًا وسمع منه خلق من الحفاظ والأئمة من الحديث ومن تصانيفه. وقد أنشد الشَّيخُ الحافظ شمس الدِّين محمد بن أحمد بن عثمان الذَّهّبيّ ــ رحمه الله تعالى ــ يرثي الشَّيخ تقي الدِّين ﵁: يا موتُ خُذْ من أرَدْتَ أوْ فَدَعِ ... مَحوْتَ رَسْمَ العُلوم والوَرَعِ غَيَّبتَ بحرًا مفسّرًا جبلًا ... حَبْرًا تقيًّا مجانب الشِّبَعِ فإن يحدّث «فمسلمٌ» ثقةً ... وإن يُناظر فصاحبُ «اللُّمَعِ» وإن يَخُض نحو «سيبويه» يَفُهْ ... بكلّ معنًى في الفنّ مخترعِ وصارَ عالي الإسناد حافظه ... كشُعبة أو سعيد الضُّبَعيِ والفقه فيه فكان مجتهدًا ... وذا جهادٍ عارٍ من الجَزَعِ وجودُه «الحاتميّ» مشْتهر ... وزُهده «القادري» في الطَّمعِ أسكنه الله في الجنان ولا ... زال عَلِيًّا في أجمل الخلع معْ مالك والإمام أحمد والـ ... ـنُّعمان والشّافعي والنَخَعي مضى ابن تيمية وموعده ... مع خصمه يوم نفخةِ الفزع ورثاه أيضًا الشَّيخ زينُ الدِّين عمر بن الوَرْدي الشَّافعيّ ﵀ فقال: عَثَا في عرضه قومٌ سِلاطٌ ... لهم من نَثْر جوهره التقاطُ تقي الدِّين أحمد خيرُ حبرٍ ... خُروق المعضلات به تُخاطُ

стр. 727

توفّي وهو محبوسٌ فريدٌ ... وليس له إلى الدنيا انبساطُ ولو حضروهُ حينَ قَضى لألْفَوْا ... ملائكةَ النَّعيمِ به أحاطوا قضى نحبًا وليس له قرينٌ ... ولا لنظيره لُفَّ القِماط فريدًا في ندَى كفٍّ وعلم ... وحلُّ المشكلات به يُناط وكان إلى التقى يدعو البرايا ... وينهى فِرْقةً فَسَقُوا ولاطُوا وكان يخافُ إبليسٌ سطاه ... بوعظٍ للقلوب هو السِّياط فيالله ماذا ضمَّ لحدٌ ... ويالله ما غطَّى البلاط هُمُ حَسَدَوه لما لم ينالوه ... مناقبَهُ فقد مكَرَوا وشاطوا وكانوا عن طرائقه كُسَالى ... ولكنْ في أذاه لهم نشاط وحَبْسُ الدُّرِّ في الأصداف فخرٌ ... وعند الشيخ بالسِّجن اغتباطُ بآل الهاشمي له اقتداءٌ ... فقد ذاقوا المنون ولم يواطوا بنو تيميَّةٍ كانوا فبانوا ... نجوم العلم أدركها انهباط ولكن يا ندامة حابسيه ... فشك الشرك كان به يماط ويا فرح اليهود بما فعلتم ... فإن الضد يعجبه الخباط ألم يك فيكم رجل رشيد ... يرى سجن الإمام فيستشاط إمام لا وِلاية كان يرجو ... ولا وقف عليه ولا رِباط ولا جاراكم في كسب مال ... ولم يُعهد له بكم اختلاط ففيم سجنتموه وغظتموه ... أما لجزا أذيته اشتراط وسجن الشيخ لا يرضاه مثلي ... ففيه لقدر مثلكم انحطاط أما والله لولا كتم سري ... وخوف الشر لانحل الرباط وكنت أقول ما عندي ولكن ... بأهل العلم ما حَسُن اشتطاط فما أحد إلى الإنصاف يدعو ... وكلّ في هواه له انخراط

стр. 728

سيظهر قصدكم يا حابسيه ... ونيتكم إذا نُصِبَ الصراط فها هو مات عنكم واسترحتم ... فعاطوا ما أردتم أن تُعاطوا وحلوا واعقدوا من غير ردٍّ ... عليكم وانطوى ذاك البساط * * * *

стр. 729

الدُّرُّ المنضَّد في ذكر أصحاب الإمام أحمد (١) أحمد بن عبد الحليم بن عبد السَّلام بن أبي محمد عبد الله بن أبي القاسم الخضر بن محمد بن الخضر بن عليّ بن عبد الله ابن تَيْمِيَّة الحَرَّاني. نزيلُ دمشقَ، الشَّيخ، الإمام، العالم، المحقّق، الحافظ، المجتهد، المحدِّث، المفسّر، القُدوة، الزّاهد، نادرة العصر، شيخ الإسلام، قدوة الأنام، علّامة الزمان، تقي الدِّين، أّبو العَبَّاس ابن الشَّيخ شهاب الدِّين أبي المحاسن ابن شيخ الإسلام مجدِ الدِّين أبي البركات صاحبُ التَّصانيف الَّتي لم يُسبَق إلى مثلِها، ولد يومَ الاثنين عاشر ربيع الأوَّل سنةَ إحدى وستِّين وستِّمائة بحرَّان، وقَدِمَ مع والده وأهلِهِ إلى دمشق مُهَاجِرين بسبب جَوْرِ التَّتار في أثناء سنةِ سبعٍ وستِّين وستِّمائة وصار من شأنه ما هو مشهورٌ. ذكر نبذة من أسماء أعيان تصانيفه الكبار كتاب «الإيمان» مُجلَّدٌ، كتاب «الاستقامة» مُجلَّدان، «جواب الاعتراضات المصريَّة على الفتاوى الحَمَوِيَّة» أربعُ مُجلَّداتٍ، «بيان تلبيس الجَهْمِيَّة في تأسيس بدعهم الكلامِيَّة» في ستِّ مُجلَّداتٍ كبارٍ، كتابُ «المِحْنَة المِصْرِيَّة» مُجلَّدان، «المسائل الاسكندرية» مُجلَّدٌ، «الفتاوى المصريَّة» سبعُ مُجلَّداتٍ.

стр. 730

وكلُّ هذه التَّصانيف ما عدا كتاب «الإيمان» كتبه وهو بمصر في مدّةِ سبعِ سنين صنَّفها في السِّجن. وكتب معها أكثر من مائة لَفَّة (١) ورق أَيضًا، كتاب «درءُ تَعَارض العَقلِ والنَّقْلِ» أربع مُجلَّداتٍ كبارٍ، و «الجوابُ عمَّا أورده الشَّيخ كمال الدِّين بن الشَّرِيشيُّ على هذا الكتاب» نحو مُجلَّد، كتاب «منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية» أربع مُجلَّداتٍ، «الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح» مُجلَّدان، «شرح أول المحصل» للرازي مُجلَّدٌ، «شرح بضعة عشر (٢) مسألة من الأربعين للرازي» مُجلَّدان، «الرَّدُّ على المَنطق» مُجلَّدٌ كبيرٌ، «الرَّدُّ على البكريِّ في مسألة الاستغاثة» مُجلَّدٌ، «الرَدُّ على أهل كسروان الروافض» مُجلَّدان، «الصَّفدِيّةُ جواب من قال: إنَّ معجزات الأنبياء قوًى نفسانية» مُجلَّدٌ، «الهلاوونية» مُجلَّدٌ، «شرح عقيدة الأصبهاني» مُجلَّدٌ، «شرحُ العُمدة» للشَّيخ موفَّق الدِّين، كتب منه أربَع مُجلَّداتٍ، «تعليقة علي المُحرَّر في الفقه» لجدّه عدّة مُجلَّداتٍ، «الصَّارِمُ المَسْلُول على شاتم الرَّسُول» مُجلَّدٌ، «بيانُ الدَّليل على بطلان التَّحليل» مُجلَّدٌ، «اقتضاء الصِّراط المُستقيم في مخالفة أصحاب الجَحيم» مُجلَّدٌ، «التحرير في مسألة حفير» مّجلَّدٌ في مسألة من القسمة كتبها اعتراضًا على الخُويي في حادثة حكم فيها، «الردُّ الكَبِير على من اعتَرض عليه في مسألةِ الحَلف بالطلاق» ثلاثُ مُجلَّداتٍ، كتاب «تَحقيق الفُرقان بين التطليق (٣) والأيمان» مَجلَّدٌ كبيرٌ، «الرَّدُّ على الإخنائي في مسألة الزِّيارة» مُجلَّدٌ.

стр. 731

وأمَّا القواعدُ المُتوسطة والصِّغار وأجوبة الفتاوى فلا يُمكن الإحاطة بها، لكثرتها وانتشارها وتَفرُّقها، ومن أشهرها «الفُرقان بين أولياء الرَّحمن وأولياء الشَّيطان» مُجلَّدٌ لطيف، «الفُرقان بين الحقِّ والبُطلان» مُجلَّدٌ لطيفٌ، «الفرقان بين الطَّلاق والأيمان» مُجلَّدٌ لطيفٌ، «السِّياسة الشَّرعِيَّة في إصلاح الرَّاعي والرَّعيَّة» مُجلَّدٌ لطيفٌ، «رفع المَلام عن الأئمة والأعلام» مُجلَّدٌ لطيفٌ. وقد حصل للشيخ محنٌ كثيرةٌ، وسُجن غيرَ مرَّةٍ، ثمَّ في آخر عمره سُجن بقلعة دمشق في دولة الملك الناصر محمد قلاوون فمكثَ في القلعةِ من (١) شعبان سنة ستٍّ وعشرين إلى ذي القعدة سنةَ ثمانٍ وعشرين ثمَّ مرض بضعةً وعشرين يومًا ولم يَعلم أكثرُ النَّاسِ بمرضه ولم يفجأهم إلَّا موته وكانت وفاته في سحرِ ليلةِ الاثنين عشري ذي القَعْدة سنةَ ثمان وعشرين وسبعِمائة، وذكره مؤذِّن القَلعة على منارةِ الجامعِ وتكلَّم به الحَرَسُ على الأبرجة ثمَّ في صَبيحة ذلك اليوم غُسِّل بحضرة جماعةٍ من أكابر الصَّالحين وأهلِ العلمِ كالمِزِّي وغيره، وصَلَّى عليه بدركات القَلعة الزَّاهِدُ القُدوة محمد بن تَمَّام، وأُخرج إلى جامع دمشق وكان الجمعُ أعظمَ من جمع الجمعِ، وصُلِّي عليه بعد صلاةِ الظُّهرِ وكان الإمام نائب الخطابة عَلاء الدِّين بن الخراط وأُخرج من بابِ البَريد، واشتَدَّ الزِّحامُ وخرجت الجَنازةُ من بابِ الفرج، وعَظُمَ الأمرُ بسوقِ الخيلِ، وتقدّم في الصَّلاة عليه هناك أخوه زين الدِّين عبد الرَّحمن ودُفن وقت العَصْرِ أو قبلها بيسيرٍ إلى جانب أخيه شرف الدِّين عبدِ الله بمقابر الصُّوفية، وحُزِر الرِّجال

стр. 732

بستين ألفًا وأكثر، إلى مائتي ألف، والنِّساء بخمسةَ عشرَ ألفًا، ﵀ وغفر له، وصُلّي عليه صلاة الغَائِبِ في غالبِ بلادِ الإسلامِ القَريبةِ والبعيدةِ، حتَّى في اليَمَنِ والصِّين، وأخبر المُسافرون أنَّه نودي بأقصى الصِّين للصَّلاة عليه يومَ جُمعةٍ: الصلاةُ على ترجمان القرآن ــ رحمه الله تعالى ــ. * * * *

стр. 733

طبَقَاتُ المفَسِّريْن (١) للعلَّامة شمس الدِّين محمد بن عليّ بن أحمد الداوودي (٩٤٥) أحمد بن عبد الحليم بن عبد السَّلام بن عبد الله بن أبي القاسم الخضر ابن محمد بن تَيْمِيَّة الحَرَّاني ثمَّ الدِّمشقي الحنبلي، الإمام العلامة الفقيه المجتهد الناقد المفسر البارع الأصولي شيخ الإسلام علم الزهاد، نادرة دهره، تقي الدِّين أبو العبَّاس، ابن المفتي شهاب الدِّين عبد الحليم، ابن الإمام المجتهد شيخ الإسلام مجد الدين، شهرته تُغني عن الإطناب في ذكره، والإسهاب في أمره. ولد يوم الاثنين عاشر ربيع الأوَّل سنة إحدى وستين وستمائة بحرَّان، وقدِم به والده وبإخوته إلى دمشق، عند استيلاء التَّتار على البلاد سنة سبع وستين. فسمع بها من ابن عبد الدَّائم، وابن أَبي اليُسر، والمجد بن عساكر، ويحيي بن الصيرفي الفقيه، وابن أبي الخير الحداد، والقاسم الإرْبِليّ، والشيخ شمس الدِّين بن أبي عمر، والمسلم بن علّان، وإِبراهيم بن الدرجي؛ وخلق. وعُني بالحديث، وسمع «المسند» مرّات، والكتب السِّتَّة، و «معجم الطَّبرانيّ الكبير»، وما لا يحصى من الكتب والأجزاء. وقرأ بنفسه وكتب بخطه جملة من الأجزاء، وأقبل على العلوم في صغره. فأخذ الفقه والأصول عن والده، وعن الشَّيخ شمس الدِّين بن أبي عمر،

стр. 734

والشيخ زين الدِّين بن المنجّى. وبرع في ذلك. وقرأ في العربية أيامًا على ابن عبد القوي، ثمَّ أخذ «كتاب سيبويه»، فتأمله ففهمه. وأقبل علي تفسير القرآن الكريم، وبرز فيه، وأحكم أصول الفقه والفرائض والحساب والجبر والمقابلة، وغير ذلك من العلوم، ونظر في علم الكلام والفلسفة وبرز في ذلك على أهله، ورد على رؤسائهم وأكابرهم، ومهر في هذه الفضائل. وتأهل للفتوى والتدريس، وله دون العشرين سنة، وأفتى من قبل العشرين أيضًا، وأمدَّه الله بكثرة الكتب وسرعة الحفظ، وقوة الإدراك والفهم، وبُطْء النسيان، حتَّى قال غير واحد: إنَّه لم يكن يحفظ شيئًا فينساه، ثمَّ توفي والده وكان له حينئذٍ إحدى وعشرون سنة. فقام بوظائفه بعده، فدرس بدار الحديث السكرية في أول سنة ثلاث وثمانين. وحضر عنده قاضي القضاة بهاء الدِّين بن الزكي، والشيخ تاج الدِّين الفزاري، وزين الدِّين بن المرحِّل، والشيخ زين الدِّين بن المنجَّي، وجماعة، وذكر درسًا عظيمًا في البسملة. وهو مشهور بين الناس، وعظّمه الجماعة الحاضرون، وأثْنَوا عليه ثناء كثيرًا. قال الذَّهبيّ: وكان الشَّيخ تاج الدِّين الفزاري يبالغ في تعظيمه، بحيث إنَّه علق بخطه درسه بالسكرية، ثمَّ جلس عقب ذلك مكان والده بالجامع على منبر أيام الجمع، لتفسير القرآن العظيم، وشرع من أول القرآن، وكان يورد من حفظه في المجلس نحو كراسين أو أكثر، وبقي يفسر في سورة نوح ﵇، عدة سنين أيامَ الجُمَع. وفي سنة تسعين: ذكر على الكرسي يوم

стр. 735

جمعة شيئًا من الصفات، فقام بعض المخالفين، وسعوا في منعه من الجلوس، فلم يمكنهم ذلك. وقال قاضي القضاة شهاب الدِّين بن الخُويِّيّ: أنا على اعتقاد الشَّيخ تقي الدين، فعوتب في ذلك. فقال: لأن ذهنه صحيح، وموادَّه كثيرة. فهو لا يقول إلَّا الصحيح، فقال الشَّيخ شرف الدِّين المقْدِسِيّ: أَنا أرجو بركته ودعاءه، وهو صاحبي وأخي، ذكر ذلك البرزالي في «تاريخه». وشرع الشَّيخ في الجمع والتصنيف من دون العشرين، ولم يزل في علُوٍّ وازدياد من العلم والقدر إلى آخر عمره. قال الذَّهبيّ في «معجم شيوخه»: برع في تفسير القرآن، وغاص في دقيق معانيه بطبع سيال، وخاطر إلى مواقع الإشكال ميَّال، واستنبط منه أشياء لم يُسْبَق إليها. وبرع في الحديث وحفظه، فقلَّ من يحفظ ما يحفظه معزوًّا إلى أصوله وصحابته، مع شدة استحضار له وقت إقامة الدليل، وفاق الناس في معرفة الفقع واختلاف المذاهب، وفتاوي الصَّحابة والتابعين، بحيث إنَّه إذا أفتى لم يلتزم بمذهب بل بما يقوم دليله عنده، وأتقن العربية أصولًا وفروعًا وتعليلًا واختلافًا، ونظر في العقليات، وعرف أقوال المتكلمين، وَرَدّ عليهم، ونبه على أخطائهم، وحذَّر منهم، ونصر السنة بأوضح حجج وأبهر براهين. وأُوذي في ذات الله من المخالفين، وأخيف في نصر السنة المحضة، حتى أعلى الله مناره، وجمع قلوب أهل التقوى على محبته والدعاء له، وكَبتَ أعداءه، وهدى به رجالًا من أهل الملل والنحل، وجبل قلوب الملوك والأمراء على الانقياد له غالبًا، وعلى طاعته، وأحيا به الشَّام، بل الإسلام، بعد أن كاد ينثلم بتَثْبِيتِ أولي الأمر لمّا أقبل حزب التتر والبغي في خيلائهم،

стр. 736

فظُنت بالله الظنون، وزلزل المؤمنون، واشْرَأبّ النفاق وأبدى صفحته، ومحاسنُه كثيرة، وهو أكبر من أن ينبه على سيرته مثلي، فلو حلفت بين الركن والمقام، لحلفت: أني ما رأيت بعيني مثله، وأنَّه ما رأى مثل نفسه. قال الذَّهبيّ: وقد قرأت بخط شيخنا العلامة كمال الدِّين بن الزَّمْلَكاني، ما كتبه سنة بضع وتسعين تحت اسم «ابن تَيْمِيَّة» كَانَ إذا سئل عن فنٍّ من العلم ظن الرائي والسامع: أنَّه لا يعرف غير ذلك الفن، وحكم أنَّ أحدًا لا يعرفه مثله. وكان الفقهاء من سائر الطوائف إذا جالسوه استفادوا في مذاهبهم منه أشياء كثيرة، ولا يعرف أنَّه ناظر أحدًا فانقطع معه، ولا تكلم في علم من العلوم ــ سواء كَانَ من علم الشرع أو غيره ــ إلَّا فاق فيه أهله، واجتمعت فيه شروط الاجتهاد علي وجهها. وأمَّا تصانيفه ﵀ فهي أشهر من أن تُذْكر، وأعرف من أن تنكر. سارت مسير الشمس في الأقطار، وامتلأت بها البلاد والأمصار، قد جاوزت حدّ الكثرة، فلا يمكن أحدًا حصرُها، ولا يتسع هذا الكلام، لعد المعروف منها ولا ذكرها. وقد بلغت ثلاثمائة مجلدة. وكتب بخطه من التَّصانيف والتعاليق المفيدة والفتاوى المشبعة في الأفرع والأصول والحديث ورد البدع بالكتاب والسنة شيئًا كثيرًا، يبلغ عدة أحمال، فمما كمل منها «كتاب الصارم المسلول على متنقص الرسول»، و «كتاب تبطيل التحليل»، و «كتاب اقتضاء الصراط المستقيم»، و «كتاب [الرد على] تأسيس التقديس» في عدة مجلدات، و «كتاب الرد علي طوائف الشيعة» أربع مجلدات، و «كتاب رفع الملام عن الأئمة الأعلام»، و «كتاب

стр. 737

السياسة الشرعية»، و «كتاب التصوف»، و «كتاب الكلم الطيب»، و «كتاب مناسك الحج»، وغير ذلك. وقد امتُحِن وأُوذي مرارًا ومات في سحر ليلة الاثنين العشرين من ذي القَعْدة سنة ثمانٍ وعشرين وسبعمائة مُعْتقلًا بقلعة الشَّام، وقد وقع أجره على الله. * * * *

стр. 738

قلادة النحر في وَفَيَات أعيان الدهر (١) للمؤرخ عبد الله بن أحمد بامخرمة (٩٤٧) أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله المعروف بابن تيميَّة. الشيخ الحافظ الكبير تقي الدين. ولد يوم الاثنين عاشر ربيع الأول سنة إحدى وستين وست مئة بحرَّان، وسمع من جماعة، وبرع في حفظ علم الحديث والأصْلَين، وكان يتوقَّد ذكاءً، قيل: مصنفاته أكثر من مئتي مجلد، وله مسائل غريبة أُنْكِر عليه فيها، وحُبِسَ بسببها؛ لمباينتها لمذهب أهل السنة، ومن أقبحها نهيه عن زيارة قبر النبي ﷺ ، وطعنه في مشايخ الصوفية العارفين؛ كحجة الإسلام أبي حامد الغزالي، والأستاذ أبي القاسم القُشَيري، والشيخ أبي الحسن الشاذلي، والشيخ ابن العريف، وغيرهم، وكذلك ما عُرِف من مذهبه كمسألة الطلاق وغيرها، وكذلك عقيدته في الجهة، وما نُقِل عنه فيها. اعْتُقِل بقلعة دمشق، ومُنع قبل وفاته بخمسه أشهر من الدواة والورق، وتوفي معتقلًا سنة ثمان وعشرين وسبع مئة. * * * *

стр. 739

كتاب الزّيارات (١) للقاضي محمود بن محمد العدوي (١٠٣٢) ابن تيمية العلامة أحمد بن عبد الحليم [بن عبد السلام] بن عبد الله النميري الحرّاني، نسبة إلى حرّان مدينة مشهورة بين الموصل والشام، بينها وبين الرّها يوم وبين الرقة يومان. وذكر قوم فيما حكاه ياقوت في «معجم البلدان» أنها أول مدينة بُنيت في الأرض بعد الطوفان. الإمام أستاذ الحفاظ وعَلَم الأئمة الأيقاظ الأصوليّ المفسّر المجتهد المنعوت بتقي الدِّين [ابن] العلامة شهاب الدِّين ابن المجتهد مجد الدين. وشهرته تُغني عن التمديد والإطناب في ذكره. وُلد بحرَّان يوم الاثنين عاشر شهر ربيع الأول سنة إحدى وستين وست مئة، وقدم إلى دمشق مع أهله سنة سبع وستين وست مئة. مات بقلعة دمشق معتقلًا ــ قيل على مسألة الزيارة ــ ليلة الاثنين عشرين ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وسبع مئة. وكانت له جنازة حافلة حُزر الرجال بستين ألفًا، وقيل: بمئتي ألف، والنساء بخمسة عشر ألفًا، وظهر بذلك ما قال أبو عبد الرحمن السُّلمي: حضرتُ جنازة أبي الفتح القواس الزاهد [مع] الشيخ أبي الحسن الدارقطني، فلما بلغ [إلى] ذلك الجمع الكثير أقبل علينا فقال: سمعت أبا

стр. 740

سهل بن زياد القطَّان يقول: إن ابن أحمد بن حنبل يقول سمعت أبي يقول: قولوا لأهل البدع: بيننا وبينكم الجنائز. ودفن بمقابر الصوفية، و [قبره] مشهور مقصود للزيارة. * * * *
следующие страницы →