← Тараджим

Тараджим · id 17563

الجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية خلال سبعة قرون وتكملة الجامع

محمد عزير شمس

Полный текст (869 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

فظُنت بالله الظنون، وزلزل المؤمنون، واشْرَأبّ النفاق وأبدى صفحته، ومحاسنُه كثيرة، وهو أكبر من أن ينبه على سيرته مثلي، فلو حلفت بين الركن والمقام، لحلفت: أني ما رأيت بعيني مثله، وأنَّه ما رأى مثل نفسه. قال الذَّهبيّ: وقد قرأت بخط شيخنا العلامة كمال الدِّين بن الزَّمْلَكاني، ما كتبه سنة بضع وتسعين تحت اسم «ابن تَيْمِيَّة» كَانَ إذا سئل عن فنٍّ من العلم ظن الرائي والسامع: أنَّه لا يعرف غير ذلك الفن، وحكم أنَّ أحدًا لا يعرفه مثله. وكان الفقهاء من سائر الطوائف إذا جالسوه استفادوا في مذاهبهم منه أشياء كثيرة، ولا يعرف أنَّه ناظر أحدًا فانقطع معه، ولا تكلم في علم من العلوم ــ سواء كَانَ من علم الشرع أو غيره ــ إلَّا فاق فيه أهله، واجتمعت فيه شروط الاجتهاد علي وجهها. وأمَّا تصانيفه ﵀ فهي أشهر من أن تُذْكر، وأعرف من أن تنكر. سارت مسير الشمس في الأقطار، وامتلأت بها البلاد والأمصار، قد جاوزت حدّ الكثرة، فلا يمكن أحدًا حصرُها، ولا يتسع هذا الكلام، لعد المعروف منها ولا ذكرها. وقد بلغت ثلاثمائة مجلدة. وكتب بخطه من التَّصانيف والتعاليق المفيدة والفتاوى المشبعة في الأفرع والأصول والحديث ورد البدع بالكتاب والسنة شيئًا كثيرًا، يبلغ عدة أحمال، فمما كمل منها «كتاب الصارم المسلول على متنقص الرسول»، و «كتاب تبطيل التحليل»، و «كتاب اقتضاء الصراط المستقيم»، و «كتاب [الرد على] تأسيس التقديس» في عدة مجلدات، و «كتاب الرد علي طوائف الشيعة» أربع مجلدات، و «كتاب رفع الملام عن الأئمة الأعلام»، و «كتاب

стр. 737

السياسة الشرعية»، و «كتاب التصوف»، و «كتاب الكلم الطيب»، و «كتاب مناسك الحج»، وغير ذلك. وقد امتُحِن وأُوذي مرارًا ومات في سحر ليلة الاثنين العشرين من ذي القَعْدة سنة ثمانٍ وعشرين وسبعمائة مُعْتقلًا بقلعة الشَّام، وقد وقع أجره على الله. * * * *

стр. 738

قلادة النحر في وَفَيَات أعيان الدهر (١) للمؤرخ عبد الله بن أحمد بامخرمة (٩٤٧) أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله المعروف بابن تيميَّة. الشيخ الحافظ الكبير تقي الدين. ولد يوم الاثنين عاشر ربيع الأول سنة إحدى وستين وست مئة بحرَّان، وسمع من جماعة، وبرع في حفظ علم الحديث والأصْلَين، وكان يتوقَّد ذكاءً، قيل: مصنفاته أكثر من مئتي مجلد، وله مسائل غريبة أُنْكِر عليه فيها، وحُبِسَ بسببها؛ لمباينتها لمذهب أهل السنة، ومن أقبحها نهيه عن زيارة قبر النبي ﷺ ، وطعنه في مشايخ الصوفية العارفين؛ كحجة الإسلام أبي حامد الغزالي، والأستاذ أبي القاسم القُشَيري، والشيخ أبي الحسن الشاذلي، والشيخ ابن العريف، وغيرهم، وكذلك ما عُرِف من مذهبه كمسألة الطلاق وغيرها، وكذلك عقيدته في الجهة، وما نُقِل عنه فيها. اعْتُقِل بقلعة دمشق، ومُنع قبل وفاته بخمسه أشهر من الدواة والورق، وتوفي معتقلًا سنة ثمان وعشرين وسبع مئة. * * * *

стр. 739

كتاب الزّيارات (١) للقاضي محمود بن محمد العدوي (١٠٣٢) ابن تيمية العلامة أحمد بن عبد الحليم [بن عبد السلام] بن عبد الله النميري الحرّاني، نسبة إلى حرّان مدينة مشهورة بين الموصل والشام، بينها وبين الرّها يوم وبين الرقة يومان. وذكر قوم فيما حكاه ياقوت في «معجم البلدان» أنها أول مدينة بُنيت في الأرض بعد الطوفان. الإمام أستاذ الحفاظ وعَلَم الأئمة الأيقاظ الأصوليّ المفسّر المجتهد المنعوت بتقي الدِّين [ابن] العلامة شهاب الدِّين ابن المجتهد مجد الدين. وشهرته تُغني عن التمديد والإطناب في ذكره. وُلد بحرَّان يوم الاثنين عاشر شهر ربيع الأول سنة إحدى وستين وست مئة، وقدم إلى دمشق مع أهله سنة سبع وستين وست مئة. مات بقلعة دمشق معتقلًا ــ قيل على مسألة الزيارة ــ ليلة الاثنين عشرين ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وسبع مئة. وكانت له جنازة حافلة حُزر الرجال بستين ألفًا، وقيل: بمئتي ألف، والنساء بخمسة عشر ألفًا، وظهر بذلك ما قال أبو عبد الرحمن السُّلمي: حضرتُ جنازة أبي الفتح القواس الزاهد [مع] الشيخ أبي الحسن الدارقطني، فلما بلغ [إلى] ذلك الجمع الكثير أقبل علينا فقال: سمعت أبا

стр. 740

سهل بن زياد القطَّان يقول: إن ابن أحمد بن حنبل يقول سمعت أبي يقول: قولوا لأهل البدع: بيننا وبينكم الجنائز. ودفن بمقابر الصوفية، و [قبره] مشهور مقصود للزيارة. * * * *

стр. 741

أزهار الرياض في أخبار عياض (١) لشهاب الدِّين أحمد بن محمد المقَّري التِّلِمْساني (١٠٤١) فائدة: في تعليق البَسِيلي (٢) على التفسير مما التقطه من كلام شيخه ابن عَرَفَة: أن تقي الدِّين ابن تيمية قال ــ لمَّا رأى شِفاء القاضي عياض (٣) ــ: غلا هذا المُغَيربي (٤)!

стр. 742

قال: وإلى الردِّ عليه أشار شيخنا ابن عرفة رحمه الله تعالى بقوله: شفاء عياض في كمال نبينا ... كواصف ضوء الشمس ناظر قرصها فلا غَرْو في تبليغه كُنْه وصفه ... وفي عجزه عن وصفه كنه شخصها وإن شئتَ شبِّهه بذكر أمارة ... بأصلٍ لبرهان مبينٍ لنقصها وهذا لقول قيل عن زائغٍ: غلا ... عياضٌ فتبّت ذاتُه عن محيصها ونسب البَسِيلي المذكور لابن تيمية القولَ بالجهة. وكتب بعضُهم على طُرَّة البَسيلي ما نصه: رأيت أسئلة ابن تيمية في أسفار، فلا تسأل عن اطلاعه وحُسْن تصرّفه. والتجسيم نسَبَه له أبو حيان في آية الكرسي (١)، وأبو حيان مدحه بقصيدة، ثم عاداه؛ فوجب التوقف في نقله لأجلها. ولم يزل حاله في ظهور حتى ناظر السُّبْكيين (٢)، ومناظرته معهم

стр. 743

حجة باهرة في فضله. وقد أثنى على عياض فلا يصح عنه ذمُّه، أو أراد أن القتل لا يقول به من الأربعة غير مالك، ولهذا رد حكم هذا الباب إليه في البلاد المشرقية. انتهى ما في الطرة. قلت: أما علمه فأمر لا يُنكَر ولا يُجْحد، وقد رأيت مؤلفًا في التعريف به ومحاشاته عما نُسب إليه من التجسيم وغيره من المقالات الشنيعة (١)، وذكر فيه قصيدة أبي حيان التي مدحه بها، وثناء الأكابر عليه، وغير ذلك من أموره، وكتب بالموافقة على ذلك الحافظ ابن حجر والعيني والبساطي وغيرهم. وقال بعض هؤلاء: إن مسألة الزيارة التي ردّ عليه فيها السبكي لا توجب في حقه بدعة، وغاية ما هنالك أنه أخطأ فيها، والتسليم في أمره أسلم. وهؤلاء نزَّهوه عن القول بالجهة وهم أعرف بحاله من غيرهم وإن صرح بخلاف ذلك غير واحد من المغاربة، منهم الحاج الرَّحال ابن بطوطة، فإنه قال في «رحلته» (٢): شاهدته نزل درجةً وقال: إن الله ينزل كما أنزل. انتهى. عياذًا بالله من هذه المقالة! وقد صرح بذلك أيضًا بعض سلفنا وهو الإمام القاضي أبو عبد الله محمد بن أحمد المقَّري التلمساني ﵀ في أول رحلته المسماة بـ «نظم اللآلي في سلوك الأمالي» عندما تعرَّض لشيخيه ابني الإمام التلمسانيين ... أبو زيد عبد الرحمن، وأبو موسى عيسى ابنا محمد ابن عبد الله بن الإمام (٣) ..

стр. 744

قال: ... ولقيا أيضًا جلال الدِّين القزويني صاحب البيان (١)، وسمعا «صحيح البخاري» على الحجّار، وقد سمعته أنا عليهما، وناظرا تقي الدِّين ابن تيمية وظهرا عليه، وكان ذلك من أسباب محنته (٢). وكانت له مقالات شنيعة من إمرار حديث النزول على ظاهره، وقوله فيه: كنزولي هذا (٣)، وقوله فيمن سافر إلى المدينة لا ينوي إلا زيارة القبر الكريم: لا يقصر حتى ينوي المسجد، لحديث: «لا تشد الرحال ... » (٤). وكان شديد الإنكار على الإمام فخر الدين. حدثني شيخنا الإمام أبو عبد الله الآبلي أن عبد الله بن إبراهيم الرزموري أخبره أنه سمع ابن تيمية ينشد لنفسه: محصَّلٌ في أصول الدِّين حاصله ... من بعد تحصيله علم بلا دين أصل الضلالة والإفك المبين فما ... فيه فأكثره وحي الشياطين

стр. 745

قال: وكان في يده قضيب فقال: والله لو رأيته لضربته بهذا القضيب هكذا، ثم رفعه ووضعه (١). * * * *

стр. 746

شذَرَاتُ الذَّهبِ في أخْبَارِ مَنْ ذَهَبَ (١) للعلّامة أبي الفلاح عبد الحيّ بن العِماد الحنبلي (١٠٨٩) وفيها [٧٢٨] شيخ الإسلام تقي الدِّين أبو العبَّاس أحمد بن عبد الحليم ابن عبد السَّلام ابن تّيْمِيَّة الحرَّاني الحنبلي، بل المجتهد المُطْلق. ولد بحَرّان يوم الاثنين عاشر ربيع الأوَّل، سنة إحدى وستين وستمائة، وقدم به والده وبأخويه عند استيلاء التَّتار علي البِلاد إلى دمشق سنة سبع وستين، فسمع الشَّيخ بها ابن عبد الدَّائم، وابن أبي اليسر، والمجد ابن عساكر، ويحيي بن الصّيرفي، والقاسم الإربلي، والشيخ شمس الدِّين ابن أبي عمر، وغيرهم. وعني بالحديث، وسمع «المسند» مرّات، والكتب السِّتَّة، و «معجم الطَّبرانيّ الكبير» وما لا يُحصى من الكتب والأجزاء. وقرأ بنفسه، وكتب بخطّه جملة من الأجزاء، وأقبل على العلوم في صغره، فأخذ الفقه والأصول عن والده، وعن الشَّيخ شمس الدِّين بن أبي عمر، والشيخ زين الدِّين بن المُنَجَّى، وبَرَعَ في ذلك، وناظر، وقرأ العربية على ابن عبد القوي. ثمَّ أخذ «كتاب سيبويه» فتأمله وفهمه، وأقبل على تفسير القرآن الكريم فبرّز فيه، وأحكم أصول الفقه، والفرائض، والحساب، والجبر، والمقابلة، وغير ذلك من العلوم. ونظر في الكلام والفلسفة، وبرز في ذلك على أهله، وردَّ علي رؤسائهم وأكابرهم، ومهر في هذه الفضائل، وتأهل للفتوى والتدريس، وله دون العشرين سنة. وأفتى من قبل العشرين أيضًا. وأمدّه الله بكثرة الكتب، وسُرعة الحفظ، وقوة الإدراك والفهم، وبُطء

стр. 747

النسيان، حتَّى قال غير واحد: إنَّه لم يكن يحفظ شيئًا فينساه، ثمَّ توفي والده وله إحدى وعشرون سنة، فقام بوظائفه بعده مدة، فدرَّس بدار الحديث السُّكَّريَّة المجاورة لحمّام نور الدِّين الشهيد في البزورية في أول سنة ثلاث وثمانين، وحضر عنده قاضي القضاة بهاء الدِّين بن الزّكي، والشيخ تاج الدِّين الفَزَاري، وابن المُرَحّل، وابن المُنَجَّي، وجماعة، فذكر درسًا عظيمًا في البسملة، بحيث بَهَرَ الحاضرين، وأثنوا عليه جميعًا. قال الذَّهبيّ: وكان الشَّيخ تاج الدِّين الفَزَاري يُبالغ في تعظيم الشَّيخ تقي الدِّين، بحيث إنَّه علّق بخطّه درسه بالسُّكرية. ثمَّ جلس مكان والده بالجامع على منبر أيام الجمع لتفسير القرآن العظيم، وشرع من أول القرآن، فكان يُوردُ في المجلس من حفظه نحوَ كُرَّاسين أو أكثر. وبقي يُفسّر في سورة نوح عِدَّةَ سنين أيامَ الجُمَع. وقال الذَّهبيّ في «معجم شيوخه»: شيخنا، وشيخ الإسلام، وفريد العصر، علمًا، ومعرفةً، وشجاعة، وذكاءً، وتنويرًا إلهيًّا، وكرمًا، ونصحًا للأمة، وأمرًا بالمعروف، ونهيًا عن المنكر. سمع الحديث، وأكثر بنفسه من طلبه، وكتب، وخرَّج، ونظر في الرجال والطبقات، وحصَّل ما لم يحصّله غيره، وبرع في تفسير القرآن، وغاص في دقيقِ معانيه بطبع سيالٍ، وخاطر وقّادٍ إلى مواضع الإشكال مَيَّال، واستنبط منه أّشياء لم يُسبق إليها، وبَرَعَ في الحديث وحفظه، فقلَّ مَنْ يحفظ ما يحفظ من الحديث مَعْزُوًّا إلى أصوله وصحابته، مع شدة استحضارٍ له وقت إقامة الدّليل. وفاق النَّاس في معرفة الفقه، واختلاف المذاهب، وفتاوى الصّحابة والتابعين، بحيث إنَّه إذا أفتى لم يلتزم بمذهب، بل بما يقوم دليله عنده،

стр. 748

وأتقن العربية أصولًا وفروعًا، وتعليلًا واختلافًا. ونظر في العقليات، وعَرَفَ أقوال المتكلمين. وردّ عليهم، ونَبّه على خطئهم وحذَّر، ونصر السُّنِّة بأوضح حُججٍ وأبهر براهين، وأُوْذِيَ في ذات الله من المخالفين، وأُخيف في نصر السنة المحضة، حتَّى أعلى الله مناره، وجمع قلوب أهل التَّقوى على محبته والدعاء له. وكَبَتَ أعداءه، وهدى به رجالًا من أهل الملل والنِّحل، وجبل قلوب الملوك والأمراء على الانقياد له غالبًا، وعلى طاعته. وأحيا به الشَّام، بل الإسلام، بعد أنْ كاد ينثلم خصوصًا في كائنة التَّتار، وهو أكبر من أن يُنَبِّه علي سيرته مثلي: فلو حُلِّفْتُ بين الركن والمقام لحَلَفْتُ: أني ما رأيت بعيني مثله، وأنَّه ما رأى مثل نفسه. انتهى كلام الذَّهبيّ. وكتب الشَّيخ كمال الدِّين ابن الزَّمْلَكاني تحت اسم «ابن تَيْميِّة»: كَانَ إذا سُئِلَ عن فنٍّ من العلم ظَنَّ الرائي والسَّامع أَنَّه لا يعرف غير ذلك الفَنِّ، وحكم أنَّ أحدًا لا يعرفه مثله. وكان الفقهاء من سائر الطّوائف إذا جالسوه استفادوا في مذاهبهم منه أشياء، ولا يُعرف أنَّه ناظر أحدًا فانقطع معه، ولا تكلم في علمٍ من العلوم سَوَاء كَانَ من علم الشَّرع أو غيرها إلَّا فاق فيه أهله، واجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها. وكتب الحافظ ابن سَيِّد الناس في «جواب سؤالات الدّمْيَاطي» في حقِّ ابن تَيْمِية: ألفيتهُ ممن أدرك من العلوم حظًّا، وكاد يستوعب السُّنن والآثار حفظًا، إن تكلم في التفسير، فهو حامل رايته، وإن أفتي في الفقه فهو مدرك غايته، أو ذاكر بالحديث فهم صاحب علمه، وذو روايته، أو حاضر بالنّحَل والمِلَل لم يُرَ أوسع من نحلته، ولا أرفع من درايته. برز في كل فنٍّ على أبناء جنسه، ولم تَرَ عينُ من رآه مثله، ولا رأت عينه

стр. 749

مثل نفسه. وقال الذَّهبيّ في «تاريخه الكبير» بعد ترجمة طويلة: بحيث يصدق عليه أن يُقال: كل حديث لا يعرفه ابن تَيْمِيَّة فليس بحديث. وترجمه ابن الزَّمْلَكَاني أيضًا ترجمة طويلة وأثنى عليه ثناءً عظيمًا، وكتب تحت ذلك: ماذا يقول الواصفون له ... وصفاتُه جَلَّتْ عن الحَصْر هو حُجَّةٌ للهِ قاهرةٌ ... هو بيننا أعجوبَةُ العَصْرِ هو آيةٌ للخَلْق ظاهرةٌ ... أنوارُها أربتْ على الفَجْر وللشيخ أثير الدِّين أبي حيَّان النّحوي لما دخل الشَّيخ مصرَ واجتمع به فأنشد أبو حَيَّان: لمَّا رأيْنَا تَقِيَّ الدِّين لاحَ لنَا ... داعٍ إلى اللهِ فردٌ ما له وَزَرُ على مُحَيَّاهُ مِنْ سِيْمَا الأُولَى صَحِبُوا ... خيرَ البَرِيَّةِ نُوْرٌ دُوْنَهُ القَمَرُ حَبْرٌ تَسَرْبَلَ مِنْهُ دَهْرُهُ حِبرًا ... بَحرٌ تَقَاذَفُ مِنْ أمواجه الدُّرَرُ قامَ ابنُ تَيميَّةٍ في نَصْرِ شِرعَتِنَا ... مَقَامَ سَيِّدِ تَيْمٍ إذْ عَصَتْ مُضَرُ فأظْهَرَ الدِّين إذْ آثارُهُ دَرَسَتْ ... وأخْمدَ الشِّرْكَ إذ طارَتْ لَهُ شَرَرُ يا مَنْ يُحدثُ عن عِلْمِ الكتابِ أصِخْ ... هذا الإمامُ الذي قَدْ كان يُنتظر يشير بهذا إلى أنَّه المجدد. وممن صرَّح بذلك الشَّيخ عماد الدِّين الواسطي، وقد توفي قبل الشَّيخ. وقال في حقِّ الشَّيخ بعد ثناء طويل جميل ما لفظه: فوالله، ثمَّ والله، ثمَّ والله، لم يُرَ تحت أديم السماء مثل شيخكم ابن تَيْمِيَّة، علمًا، وعملًا، وحالًا،

стр. 750

وخُلقًا واتِّباعًا، وكرمًا، وحلمًا، وقيامًا في حقِّ الله عند انتهاك حُرُماته، أصدق النَّاس عقدًا، وأصحهم علمًا، وعزمًا، وأنفذهم وأعلاهم في انتصار الحقّ وقيامه همةً، وأسخاهم كفًّا، وأكملهم اتباعًا لنَبيّه محمد ﷺ . ما رأينا في عصرنا هذا من تستجلى النُّبُوة المحمدية وسُننها من أقواله وأفعاله إلَّا هذا الرَّجل، يشهد القلب الصحيح أنَّ هذا هو الاتباع حقيقة. وقال الشَّيخ تقي الدِّين بن دقيق العيد، وقد سئل عن ابن تَيْمِيَّة بعد اجتماعه به: كيف رأيته؟ فقال: رأيت رجلًا سائر العلوم بين عينيه، يأخذ ما شاء منها ويترك ما شاء، فقيل له: فلم لا تتناظران؟ قال: لأنَّه يحب الكلام وأحبُّ السّكوت. وقال برهان الدِّين بن مُفلْح في «طبقاته»: كتب العَلّامة تقي الدِّين السُّبْكي إلى الحافظ الذَّهَبيّ في أمر الشَّيخ تقي الدِّين ابن تَيْمِيَّة: فالمملوك يتحقق قدره وزخارة بحره وتوسّعه في العلوم الشرعية والعقلية، وفرط ذكائه واجتهاده، وأنَّه بلغ من ذلك كل المبلغ الَّذي يتجاوزه الوصف، والمملوك يقول ذلك دائمًا، وقدره في نفسي أكبر من ذلك وأجلُّ، مع ما جمعه الله تعالى له من الزَّهَادة، والوَرَع، والدِّيانة، ونصرة الحقِّ، والقيام فيه لا لغرض سواه، وجريه على سنن السَّلف، وأخذه من ذلك بالمأخذ الأوفي، وغرابة مثله في هذا الزَّمَان، بل من أزمان. انتهى. وقال العَلّامة الحافظ ابن ناصر الدِّين في «شرح بديعته» بعد ثناء جميل وكلام طويل: حَدَّث عنه خلقٌ، منهم الذَّهَبيّ، والبِرزالي، وأبو الفتح بن سيد النَّاس، وحدَّثنا عنه جماعة من شيوخنا الأكياس. وقال الذَّهَبيّ في عدَّ مصنّفاته المجوّدة: وما أُبعد أن تصانيفه إلى الآن

стр. 751

تبلغ خمسمائة مجلدة. وأثنى عليه الذَّهَبيّ وخلق بثناء حميد، منهم الشَّيخ عماد الدِّين الوَاسطي العارف، والعَلَّامة تاج الدِّين عبد الرَّحمن الفَزَاري، وابن الزَّمْلَكاني، وأبو الفتح ابن دقيق العيد. وحَسْبُه من الثناء الجميل قول أستاذ أئمة الجرح والتعديل أبي الحجَاج المِزِّي الحافظ الجليل، قال عنه: ما رأيت مثله، ولا رأى هو مثل نفسه، وما رأيت أحدًا أعلم بكتاب الله وسنة رسوله، ولا أتبع لهما منه. وترجمه بالاجتهاد وبلوغ درجته، والتمكن في أنواع العلوم والفُنون: ابن الزَّمْلَكاني، والذَّهبيّ، والبرزاليُ، وابن عبد الهادي، وآخرون. ولم يخلف بعده من يقاربه في العلم والفضل. انتهى كلام ابن ناصر الدِّين ملخَّصًا. وكان الشَّيخ العارف بالله أبو عبد الله ابن قوّام يقول: ما أسلمت معارِفُنا إلَّا على يد ابن تيميَّة. وقال ابن رجب: كان العلماء، والصُّلحاء، والجُند، والأُمراء، والتُّجار، وسائر العامّة تحبُّه، لأَنَّه منتصب لنفعهم ليلًا ونهارًا، بلسانه، وقلمه. ثمَّ قال ابن رجب وغيره: ذِكْر نبذة من مفرداته وغرائبه: اختار ارتفاع الحديث بالمياه المعتصرة كماء الورد ونحوه. والقول بأن المائع لا ينجس بوقوع النجاسة فيه إلَّا أن يتغير قليلًا كَانَ أو كثيرًا. والقول بجواز المسح على النَّعلين والقدمين وكل ما يُحتاج في نزعه من

стр. 752

الرّجل إلى معالجة باليد أو بالرِّجل الأخرى فإنه يجوز المسح عليه مع القدمين. واختار أن المسح على الخفين لا يتوقت مع الحاجة، كالمسافر على البريد ونحوه، وفعل ذلك في ذهابه إلى الديار المصرية على خيل البريد، ويتوقف مع إمكان النزع وتيسره. واختار جواز المسح على اللفائف ونحوها. واختار جواز التيمم لخشية فوات الوقت في حق غير المعذور، كمن أخّر الصلاة عمدًا حتَّى تضايق وقتها. وكذا من خشي فوات الجمعة والعيدين وهو مُحْدِثٌ. واختار أنَّ المرأة إذا لم يمكنها الاغتسال في البيت وشق عليها النزول إلى الحمّام وتكرره، أنها تتيمم وتُصلي. واختار أن لا حدَّ لأقلّ الحيض ولا لأكثره، ولا لأقلّ الطُّهر بين الحيضتين، ولا لسنِّ الإياس، وأن ذلك يرجع إلى ما تعرفه كل امرأة من نفسها. واختار أنَّ تارك الصلاة عمدًا لا يجب عليه القضاء، ولا يشرع له، بل يكثر من النوافل. وأن القصر يجوز في قصير السفر وطويله، كما هو مذهب الظّاهرية. واختار القول بأن البكر لا تستبرأ وإن كانت كبيرة، كما هو قول ابن عمر واختاره البخاريّ صاحب «الصحيح». والقول بأن سجود التلاوة لا يشترط له وضوء، كما هو مذهب ابن عمر واختيار البخاريّ.

стр. 753

والقول بأن من أكل في شهر رمضان معتقدًا أنَّه ليل وكان نهارًا لا قضاء عليه كما هو الصحيح عن عمر بن الخطّاب ﵁، وإليه ذهب بعض التَّابعين وبعض الفقهاء بعدهم. والقول بجواز المسابقة بلا محلّل وإن أخرج المتسابقان. والقول باستبراء المختلعة بحيضة، وكذلك الموطوءة بشبهة، والمطلقة آخر ثلاث تطليقات. والقول بإباحة وطء الوثنيات بملك اليمين. وجواز طواف الحائض، ولا شيء عليها إذا لم يمكنها أن تطوف طاهرًا. والقول بجواز بيع الأصل بالعصير، كالزيتون بالزيت، والسّمسم بالسّيرج. والقول بجواز بيع ما يتخذ من الفضة للتحلي وغيره كالخاتم ونحوه بالفضة متفاضلًا، وجعل الزائد من الثمن في مقابلة الصّنعة والقول. ومن أقواله المعروفة المشهورة الَّتي جرى بسبب الإفتاء بها محن وقلاقل قوله بالتفكير في الحلف بالطلاق، وأن الطّلاق الثلاث لا يقع إلَّا واحدة، وأن الطلاق المحرّم لا يقع، وله في ذلك مؤلفات كثيرة لا تنحصر ولا تنضبط. وقال ابن رجب: مكث الشَّيخ معتقلًا في القلعة من شعبان سنة ست وعشرين إلى ذي القعدة سنة ثمان وعشرين، ثمَّ مرض بضعة وعشرين يومًا، ولم يعلم أكثر النَّاس بمرضه، ولم يفجأهم إلَّا موته.

стр. 754

وكانت وفاته في سحر ليلة الاثنين عشري ذي القعدة، ذكره مؤذن القلعة على منارة الجامع، وتكلّم به الحرس على الأبرجة، فتسامع النَّاس بذلك، وبعضهم علم به في منامه، واجتمع النَّاس حول القلعة حتَّى أهل الغوطة والمَرْج، ولم يطبخ أهل الأسواق، ولا فتحوا كثيرًا من الدكاكين، وفُتح باب القلعة. واجتمع عند الشَّيخ خلق كثير من أصحابه يبكون ويثنون، وأخبرهم أخوه زينُ الدِّين عبد الرَّحمن أنَّه ختم هو والشَّيخ منذ دخلا القلعة ثمانين خَتْمَة، وشرعا في الحادية والثمانين، وانتهيا إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥]. فشرع حينئذ الشيخان الصّالحان عبد الله بن المحبّ الصّالحي، والزُّرَعيّ الضّرير ــ وكان الشَّيخ يحب قراءتهما ــ فابتدأا من سورة ﴿الرَّحْمَنُ﴾ حتَّى ختما القرآن. وخرج من عنده من كَانَ حاضرًا إلَّا من يغسّله ويساعد على تغسيله، وكانوا جماعة من أكابر الصَّالحين وأهل العلم، كالمِزَّي وغيره، وما فُرغ من تغسيله حتَّى امتلأت القلعة وما حولها بالرِّجال، فصَلى عليه بدركات القلعة الزَّاهد القُدوة محمد بن تمّام، وضجَّ النَّاس حينئذ بالبكاء، والثناء، والدعاء بالتّرحم. وأُخرج الشَّيخ إلى جامع دمشق، وصلّوا عليه الظُّهر، وكان يومًا مشهودًا لم يعهد بدمشق مثله، وصرخ صارخ: هكذا تكون جنائز أئمة السُّنَّة، فبكى النَّاس بكاءً كثيرًا، وأُخرج من باب البريد، واشتد الزحام وألقى النَّاس على نعشه مناديلهم! وصار النَّعش على الرؤوس يتقدم تارة ويتأخر أخرى،

стр. 755

وخرجت جنازته من باب الفرج، وازدحم النَّاس على أبواب المدينة جميعًا للخروج، وعظُم الأمر بسوق الخيلِ، وتقدم في الصلاة عليه هناك أخوه عبد الرَّحمن، ودفن وقتَ العصر أو قبلها بيسير إلى جانب أخيه شرف الدِّين عبد الله بمقابر الصُّوفية. وحُزِرَ من حضر جنازته بمائتي ألف، ومن النساء بخمسة عشر ألفًا. وخُتمت له ختمات كثيرة، ﵀ ورضي عنه. * * * *

стр. 756

دُرّة الحِجَال في غُرَّة أسْماء الرِّجال (١) لابن القاضي المكناسي (١١٢٥) أحمد بن عبد الحليم بن عبد السَّلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد بن تَيْمِيَّة. مفتي الشَّام ومحدِّثه وحافظه. كَانَ يرتكب شواذ الفتاوى!! ويزعم أنَّه مجتهد مصيب (٢)!! سمع من ابن عبد الدَّائم، وابن أبي اليسر، وابن أبي الخير، وابن عطاء، وابن عساكر، وابن البخاريّ فخر الدين، وله تآليف. مولده سنة ٦٦١ بحرَّان، ذكره ابن جابر في شيوخه. * * * *

стр. 757

حدائق الإنعام في فضائل الشام (١) لعبد الرحمن بن إبراهيم بن عبد الرزاق الدمشقي (١١٣٨) أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام، المعروف بابن تيمية الحنبلي، الإمام العلامة الحافظ المتقن، أبو العباس الحرَّاني ثم الدمشقي. ولد سنة إحدى وستين وستمئة، وبرع وأفتى ودرّس، وصنَّف التصانيف البديعة الكثيرة. سرد الإمام صلاح الدِّين الصفدي أسماءها في ثلاث أوراق كبار، وجرت له مِحنٌ كثيرة، إلى أن توفي مسجونًا بقلعة دمشق في ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وسبعمئة، وشيَّعَه أممٌ لا يُحْصون، ودُفن بمقبرة الصوفية، وقبره معروف يزار. ذكره ابن قاضي شُهبة. * * * *

стр. 758

ديوان الإسلام (١) شمس الدِّين محمد بن عبد الرحمن الغزي (١١٦٧) الشَّيخ الإمام العلَّامة الحبر البحر، شيخ الإسلام تقيّ الدِّين أبو العَبَّاس الدِّمشقي الحنبلي، صاحب التَّصانيف الكثيرة الشَّهيرة الَّتي تزيد على مئتي مجلَّد كِبار. توفّي بدمشق سنة ثمانٍ وعشرين وسبعمئة. * * * *

стр. 759

رسالة في مناقب ابن تَيْمِيَّة والدفاع عنه (١) للعلّامة الشاه وليّ الله الدِّهلوي (١١٧٦) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله مُفيضِ النِّعَم وملهمِ الحِكمِ، وصلى الله على سيدنا محمد سيد العرب والعجم، وعلى آله وصحبه عَوالي الهمم. أما بعد، فيقول الفقير ولي الله بن عبد الرحيم عاملهما الله تعالى بفضله الجسيم: وردتْ رقيمة كريمة من مخدوم مكرم، لا زال مُعينًا للحق والدين، في الفحص عن حال الشَّيخ تقي الدِّين أحمد بن تَيْمِيَّة عامله الله تعالى بفضله، وأي شيء ينبغي أنْ يعتقده فيه، فوجب الائتمار بأمره، وإن كنت بمعزل عن مثل ذلك. والذي أعتقده أنا وأحبّ أنْ يعتقده جميع المسلمين في علماء الإسلام حملةِ الكتاب والسنة والفقه، الذابين عن عقيدة أهل السنة والحديث، أنهم عدول بتعديل النَّبي ﷺ حيث قال: «يحمل هذا الدِّين من كل طبقة عدوله» (٢). وإن كَانَ بعضهم تكلّم بما لا يرتضيه هذا المعتقد، إذا كَانَ قوله غير مردود بنص الكتاب والسنة والإجماع، وكان قوله ذلك محتملًا، وكان مجال ومساغ للخوض فيه، سواء كَانَ قوله ذلك في أصول الدين، أو في المباحث الفقهية، أو في الحقائق الوجدانية.

стр. 760

وعلى هذا الأصل اعتقدنا في الشَّيخ الأجل محيي الدِّين محمد بن عليّ بن العربي، وفي الشَّيخ المجدد أحمد بن عبد الأحد السهرندي أنهما من صفوة عباد الله، ولم نلتفت إلى ما قيل فيهما (١). وكذلك ابن تَيْمِيَّة، فإنّا قد تحققنا من حاله أنَّه عالم بكتاب الله ومعانيه اللغوية والشرعية، وحافظ لسنة رسول الله ﷺ وآثار السلف، عارف بمعانيها اللغوية والشرعية، أستاذ في النحو واللغة، محرر لمذهب الحنابلة فروعه وأصوله، فائق في الذكاء، ذو لسان وبلاغة في الذَّب عن عقيدة أهل السنة، لم يؤثر عنه فسق ولا بدعة، اللهم إلَّا هذه الأمور الَّتي ضُيِّق عليه لأجلها، وليس شيءٌ منها إلَّا ومعه دليله من الكتاب والسنة وآثار السلف. فمثل هذا الشَّيخ عزيز الوجود في العالم، ومن يطيق أنْ يلحق شأوه في تحريره وتقريره؟ والذين ضيَّقوا عليه ما بلغوا معشار ما آتاه الله تعالى، وإن كَانَ تضييقهم ذلك ناشئًا من اجتهاد، ومشاجرة العلماء في مثل ذلك ما هي إلَّا كمشاجرة الصَّحابة فيما بينهم، والواجب في ذلك كف اللسان إلَّا بخير. وقد ذكر أّنَّه قال: إنَّ الله تعالى فوق العرش، والتحقيق أنَّ في هذه المسألة ثلاث مقامات: أحدها: البحث عما يصح إثباته للحق توقيفًا وعمّا لا يصح توقيفًا، والحق في هذا المقام أنَّ الله تعالى أثبت لنفسه جهة الفوق، وأن الأحاديث متظاهرة على ذلك، وقد نقل التِّرمذيّ ذلك عن الإمام مالك ونظرائه.

стр. 761

وثانيها: أنَّ العقل هل يجوِّز كون مثل هذا الكلام حقيقةً أو يوجب حملَه على المجاز؟ والحق في هذا المقام أنَّ العقل يوجب أنَّه ليس على ظاهره في نفس الأمر. وثالثها: أنَّه هل يجب تأويله أو يجوز وقفُه على ظاهرهِ من غير تعيين المراد؟ والحق فيه أنَّه لم يثبت في حديث صحيح أو ضعيف أّنَّه يجب تأويله ولا أنَّه لا يجوز استعمال مثل تلك العبارات من الأمة. أخبرني أبو طاهر عن أبيه أنَّه قال: قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: لم ينقل عن النَّبي ﷺ ولا عن الصَّحابة من طريقٍ صحيح التصريح بوجوب تأويل شيء من ذلك يعني المتشابهات ولا المنع من ذكره، ومن المحال أن يأمر الله نبيه بتبليغ ما أنزل إليه من ربّه وينزل عليه ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] ثمَّ يترك هذا الباب، فلا يميز ما يجوز نسبته إليه تعالى مما لا يجوز، مع حثّه على تبليغ الشاهد الغائب، حتَّى نقلوا أقواله وأفعاله وأحواله وما فعل بحضرته، فدلّ على أنهم اتفقوا على الإيمان بها على الوجه الَّذي أراده الله تعالى منها وأوجب تنزيهه عن مشابهة المخلوقات بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، فمن أوجب خلاف ذلك بعدهم، فقد خالف سبيلهم، انتهى. وهذا الَّذي حقّقناه هو مذهب الشَّيخ أبي الحسن الأشعري. أقرأني أبو طاهر المدني ﵁ بخط أبيه أنَّ الشَّيخ أبا الحسن قال في كتابه: «إني على مذهب أحمد في مسألة الصفات وأن الله فوق العرش» وكلام ابن تَيْمِيَّة محمول على المقام الأوَّل والثالث، وإذا رجعنا إلى الوجدان فلا شك أنَّ لله

стр. 762

تعالى خصوصية مع العرش كما أنا لا نجد عبارة في انكشاف المسموعات والمبصرات أفصح من السمع والبصر، والله أعلم بحقائق الأمور. وقد ذكر عنه أنَّه منع السفر لزيارة (قبر) النَّبي ﷺ ، ولا يروى كلامه ذلك بدليل صريح صحيح، فإنه لم يمنع الزيارة مطلقًا، بل منع السفر لزيارة القبر بحديث «لا تشدوا الرحال» وبحديث «لا تتخذوا قبري عيدًا» فإذا كَانَ لقوله مساغ اجتهادي لا ينبغي أّنْ يشدد عليه ذلك التشدد. وقد ذكر عنه أنَّه قد أنكر وجود القطب والغوث والخضر والذي تدعيه الشيعة أنَّه المهدي، وحق له ذلك فإنَّ السني ما دام على شرطه من اعتقاد ما ثبت بالكتاب والسنة والإجماع والسكوت عما لا يثبت بها يجوز له أنْ لا يعتقد ذلك، ومن أثبت ذلك من الصوفية، فإنه لم يثبت عن كتاب وسنة، اللهم إلَّا الكشف، وليس من أدلّة الشرع، والذي أفهم من كلامه أنَّه يريد أنَّ هذا القول مبتدع باطل اعتقاده من حيث الشرع لقوله ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» ولو كَانَ قطع بالإنكار لم يستحق التكفير ولا التفسيق أيضًا. وههنا دقيقة وهي أنَّه كم من مسألة لم يدل عليها الشرع لا نفيًا ولا إثباتًا، ودل عليها العقل كقولنا: يحصل من ضرب العشرة في العشرة المائة، أو الكشف والوجدان كقولنا المحبة الذاتية ثابتة لِكمَّل من عباد الله وهي ميل الوجود الخاص إلى أصله المطلق من القيود كمثل ميل كل عنصر إلى مقرّه. وهذه المسائل حقة في الحقيقة ولو اعتقد إنسان أنها من الشرع كَانَ اعتقاده ذلك خطأ ولو أحلها محل الثابت بالشرع فأنكر على من لم يقل بها أو حاول إثباتها على منكريها كإثبات الشرعيات كَانَ خطأ أيضًا. وقد ذكر عنه أنَّه أنكر اعتقاد الشيعة في الإمام المحجوب على زعمهم،

стр. 763

وحق له أن ينكر ذلك بل الأشاعرة كلهم على هذا الإنكار ولا أعلم أحدًا قال به، وقد ذكر عنه أنَّه أساء الأدب مع سيدنا عليّ رضي الله تعالى عنه، وحاشاه من ذلك، وقد طالعت كلامه فوجدت بعضه مسوقًا في مناقضة الشيعة في طعنهم على الخلفاء الثلاثة بأمور تخيلوها نقصًا كما هو مذكور في آخر «التجريد». فقام هذا الشَّيخ يعدّد عليهم أمورًا اعترفوا بها في سيدنا عليّ هي مثلها، كأنه يقول: ليست هذه الأمور نقصًا كما تخيلتم فإنَّ مثلها مأثور عن سيدنا عليّ وهو ﵁ مرضي عندنا وعندكم، وما هو جوابكم في سيدنا عليّ هو جوابنا في الخلفاء الثلاثة ﵃ وهذا من كمال علمه وفوة مناظرته ومن الاعتراف بفضل سيدنا عليّ ﵁. وعلى هذا الأصل يخرج قول معلوم أنَّ الرأي إن لم يكن مذمومًا ... الخ وقوله فإنَّ الحسين ــ رضي الله تعالى عنه ــ لم يعظم إنكار الأمة لقتله كما عظم إنكارهم بقتل عثمان ﵁ وقوله فإنَّ فصل أبي بكر ... إلخ، معناه الردّ على الشيعة في طعنهم على الصدّيق بمنع فدك وأّنَّه إيذاء لفاطمة ــ رضي الله تعالى عنها ــ وقد قال النَّبي ﷺ : «يؤذيني من آذاها» وحاصله أّنَّ مثل هذه الأمور مستثنًى من مطلق الإيذاء لإنه مما يشرع للشرع. وكذلك قوله: وأما فعل يؤذيني حاشاه أن يشنّع على عليّ وفاطمة ــ رضي الله تعالي عنها ــ بل هو علي سبيل المناقضة، كأنّه قال: تشنيعكم على أبي بكر هو مثل ما يفرض من تشنيع أحد على عليّ وفاطمة، وجوابكم هو جوابنا بعينه، وبعضه في مناقضة الشيعة في إثباتهم فضيلة سيدنا عليَ على الخلفاء الثلاثة كما هو مذكور في آخر «التجريد» أيضًا، فقام هذا الشَّيخ يثبت للخلفاء الثلاثة مثل ما أثبتوا لسيدنا عليّ أو أفضل منه وليس في التفضيل إساءة أدب فإنَّ التفضيل مذهب أهل السنة أجمع حاشاهم أنْ يسيئوا الأدب معه ــ رضي الله تعالى عنه ــ.

стр. 764

أما تفسير آية الطهارة بالإرادة التشريعية دون الإرادة التكوينية فصحيح، ومثله ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، و ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٧] إلى غير ذلك من الآيات. وبعد؛ فإنَّي أذكّر الله كل مسلم في هذه المسألة وأمثالها، الله الله أن يسب أحد من المسلمين عالمًا مجتهدًا في أمثال هذه، هذا ما تيسر لي من الجواب، وما حملني على الجواب إلَّا النصح، والله أعلم بحقيقة الأمور. * * * *

стр. 765

الذّبّ عن ابن تيمية (١) لمحمد بدر الدِّين الشُّرُنْبابلي الأزْهَري الشافعي (ت ١١٨٢) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي يقول الحق وهو يهدي السبيل، ويهزم بقهر سلطانه جيوشَ البغي ويُدْحِض الأباطيل، والصلاة والسلام على الهادي إلى الحق والداعي إليه، والمقاتل بشكيمة بأسه من خالفه فيه وعانده عليه، وعلى آله وصحبه الذين بذلوا نفوسهم في نُصرته، وخذلوا أولئك المعادين بواضح حجته وفاضح محجّته. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، المتعالي في أحديّته عن أن تُشْبه ذاتُه الذوات، المتعالي في صَمَديته عن سمات الشوائب وشوائب السّمات، جلّ ربّنا أن تشبه صفاته الصفات، بل له المثل الأعلى في الأرض والسماوات. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وحبيبه وخليله، سيِّد من لله عليه السيادة، وإمام أهل العبودية في مراتب العبادة. اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى

стр. 766

من ينتمي إليه ما اختلف المَلَوان وتعاقب الجديدان. أما بعد؛ فطالما طَنّ على أذني طنين الذباب، وحام على عيني ما كأنه جناح غراب أو خيال سراب، من القَدْح الفظيع والقول الشنيع في إمام الأئمة وحافظ هذه الأمة، مَن أجمع الموافقُ والمخالفُ على فضله ونُبْله، واتفقت الآراء قديمًا وحديثًا على ذكائه وحُسْن عمله. من دلّت أخلاقُه الكريمة فيه على حُسْن النية والطويّة، الإمام المجتهد تقي الدِّين شيخ الإسلام ابن تيمية. فقلت: لا يخلو إما أن يكون الطعن من جهة العقيدة السلفية، أو من جهة الأحكام الفقهية والمسائل الفرعية. فإن كان من الجهة الأولى، فما عليه في ذلك ملام. وحق الجواب لمن لامه أو تعقّبه أن يقال فيه: سلام. وإن كان من الجهة الثانية، فما رأيت أحدًا بدّع ولا ضلّل ولا فسّق بسبب ذلك، ولا أُهمل، فإن المسائل الفقهية أدلتها ظنية. وأما القطعيات فخارجة عن محلّ الاجتهاد، ويعد من خالفها من أهل الكفر والإلحاد أو الزيغ والعناد. وهذه (١) العلماء في القديم والحديث يتفقَّهون ويتناظرون، وما سمعت أنهم في ذلك يُبدّعون ويُضلّلون، بل من ظهر الحقّ على يديه يُعترف له به ويُعَوَّل عليه. وغاية الأمر أن المجتهد يخطئ ويصيب، ولو سُلّم عدم أهلية

стр. 767

الاجتهاد له، فهو رأيٌ له، وهو غير معيب، فإن الاختيارات من أهل المذاهب المرضيّة أكثر من أن تُحصى أو تخفى إلا على أرباب العصبية. فإن قيل: قد ذكر أئمة فضلاء وقادة نبلاء القدح فيه، وذلك لا محالة مما ينقصه ويُزريه. قلت: لا شكَّ في وقوع ذلك، ولكن لا يضرّ بعد العلم بما هنالك، فإن هؤلاء القادحين كانوا لغيرهم تابعين. وقد قام عليه الجمّ الغفير من أهل زمانه وأنكروا عليه النكير، وانتصر له أئمة هم بيت القصيد، فنطقوا بما تحققوا وقمعوا كلّ جبار عنيد، وإنما قيل الذي قيل فيه ــ قالت الأئمة: ــ لتفرده وعلوّ مراقيه، وعدم مبالاته في الحق بأحدٍ كائنًا من كان، فإنه لا يحابي فيه ولا يداهن مدى الأزمان. وقد كان بشهادة من ذُكِر حافظ السنة وترجمان القرآن وناصر هذه الملة المحمدية بوسع الإمكان. فلا يغترّ بتلك المقالات، إذ بقدر الفضل تحدث العداوات؛ لأن من جهل شيئًا عاداه، فلا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم إلا امرأً أنصفَ من نفسه وترك المراء مخالفًا لحَدْسِه وطبيعة أبناء جنسه، وذلك من أقلّ القليل ولا يكاد يوجد إليه من سبيل. وقد وقع لكل إمام من الأئمة محنة بعد محنة مدلهِمَّة، بل أكثرهم عِرفانًا هو أشدهم امتحانًا كما تشهد له الآيات والأخبار، ولا يخفى على أهل الاستبصار، فقد وضح الحقُّ واستبان، وأنَّ الشيخَ من أهل العِرفان، وأنه لا ينكر ذلك إلا جاهل أو معاند هالك. فإن قيل: ليس إلى ذلك من سبيل؛ لأن أئمة مذهبنا عليهم التعويل، وقد قدحوا فيه وأبانوا عن خوافيه.

стр. 768

قلت: الجمُّ الغفير من الجماهير سلّموا له من غير نكير، ولا سيما كالحافظين السيوطي وشيخه (١) الإمامين، فلو قوبلا بالألوف لكان النقد لهما، إذ هما أدرى بالزيف. ويشهد لما قلناه: أن الإمام الثاني (٢) نصّ في بعض تأليفاته على هذه المعاني، فقال: لا يُعوّل في كلِّ فنٍّ إلا على أربابه، فإنه بذلك يُعْرَف خطأ القول من صوابه. فالمفسّر من حيث أنه مفسِّر لا يُعوّل عليه إلا في فنِّ التفسير، وكذلك المحدّث والفقيه وبقية الفنون من غير نكير. وأئمة النقد بحمد الله معروفون وبتمييز الخبيث من الطيب موصوفون، فهم الذين يُعوّل عليهم ويُرجع في أمثال ذلك إليهم. وهذا الذي نحن فيه من هذا القبيل فلا يُرْجَم فيه بالظنون، وقد قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]. وعلى الحقيقة ما خلا متكلِّم فيه من العصبية والحمية الجاهلية، وإلا فما لأمثال هذه القوادح تجرّ هذه القضية، وأيّ ضلالة ارتكبها حتى يقول فيه الشهاب ابن حجر (٣): إنه ضالّ مُضِل، وساق العُجَر والبُجَر (٤)، وقد قضى

стр. 769

بنفسه على ابن المقري حين كفّر من تردّد في كفر الطائفة الحاتمية (١)، بأنه قد بالغ في التعصُّب المزيد والحمية، وأيّ حميّة مع كونه أعلى منه مقامًا وأكبر منه ذروةً وسنامًا؟ ! فيقال له ما قال فيه ويُنتحى به النحو الذي ينتحيه. وهلّا ضُلل من قال منّا في المسألة الدوريّة بعدم وقوع الثلاث، فإنها أشنع وأبشع من قوله بوقوع واحدة ولا اكتراث. وأيضًا يقال له: لمَ قبلتَ شهادة الأئمة كاليافعي وغيره في الطائفة الأخرى ولمَ لم تقبلْها فيه؟ ! فإن قبولها فيه أولى وأحرى، وإنما لم نعوّل إلا عليه لأنه ممن يُحْتفل به ويُنظر إليه ولكنَّ الحقَّ أحق بالاتباع، وإذا عُرف فقد عُرف أهله بلا دفاع أو نزاع. قاله عجلًا ونمّقه خجِلًا: الفقير من العمل واليقين محمد بدر الدِّين الشافعي الأزهري سبط الشرنبابلي حامدًا مصليًّا مسلمًا مُحسبلًا محوقلًا مستسلمًا مفوّضًا، والحمد لله وحده وصلى الله على من لا نبي بعده، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والحمد لله رب العالمين. * * * *

стр. 770

كتاب الدُّر المكنون في مآثر الماضي من القرون (١) للشيخ ياسين بن خير الله الخطيب الموصلي (بعد ١٢٣٢) وفيها (سنة ٧٢٨) توفي تقي الدِّين المشهور بابن تيمية ابن المفتي عبد الحليم بن شيخ الإسلام عبد السلام مُعْتَقلًا بقلعة دمشق. ولما حُمِلَت جَنازتُه اجتمع عليه نحو مئتي ألف من الرجال، وخمسة عشر ألفًا من النساء. وتصانيفة كثيرة؛ نحو خمس مئة مجلَّد، منها كتاب في الرد على ابن المطهر الرافضي في ثلاث مجلَّدات، وكتاب في الرد على «تأسيس التقديس» للرازي، سبع مجلدات، وكتاب «السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعيَّة»، وكتاب «رفع الملام عن الأئمة الأعلام». * * * *

стр. 771

البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع (١) للعلّامة محمد بن عليّ الشوكاني (١٢٥٠) أحمد بن عبد الحليم بن عبد السَّلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن تيميَّة الحَرَّاني الدِّمشقي الحنبلي تقي الدِّين أبو العَبَّاس شيخ الإسلام إمام الأئمة المجتهد المطلق. ولد سنة (٦٦١) إحدى وستين وستمائة، وتحوّل به أبوه من حرَّان سنة (٦٦٧) سبع وستين وستمائة، فسمع من ابن عبد الدايم، والقاسم الإربلي، والمسلم ابن علان، وابن أبي عمر, والفخر ومن آخرين. قال ابن حجر في «الدرر»: وقرأ بنفسه ونسخ «سنن أبي داود» وحصَّل الأجزاء. ونظر في الرجال والعلل. وتفقه، وتمهر، وتقدم، وصنف، ودرس، وأفتى، وفاق الأقران، وصار عجبًا في سرعة الاستحضار وقوة الجنان والتوسُّع في المنقول والمعقول والاطلاع على مذاهِب السَّلف والخلف ... انتهي. وأقول أنا: لا أعلم بعد ابن حزم مثله وما أظنه سمح الزمان ما بين عصر الرجلين بمن شابههما أو يقاربهما. قال الذَّهَبيّ ما ملخصه: كَانَ يُقْضى منه العجب إذا ذكر مسألة من مسائل الخلاف، وما رأيت أسرعَ انتزاعًا للآيات الدالة على المسألة الَّتي يوردها منه، ولا أشد استحضارًا للمتون وعزوها منه. وكانت السنة نصب عينيه

стр. 772

وعلى طرف لسانه بعبارة رشيقة، وكان آية من آيات الله في التفسير والتوسع فيه. وأما أُصول الديانة ومعرفة أقوال المخالفين فكان لا يُشق غبارة فيه. هذا؛ مع ما كَانَ عليه من الكرم والشَّجاعة، والفراغ عن ملاذ النفس. ولعل فتاويه في الفنون تبلغ ثلاثمائه مجلد، بل أكثر. وكان قوَّالًا بالحق، لا تأخذه في الله لومة لائم. ثمَّ قال: ومن خالطه وعرفه قد ينسبني إلى التقصير فيه. ومن نابذه وخالفه قد ينسبني إلى التغالي فيه. وقد أُوذيت من الفريقين من أصحابه وأضداده. وكان أبيض، أسود الرأس واللحية، قليل الشيب، شعره إلى شحمة أُذنيه، كأنّ عينيه لسانان ناطقان، رَبْعة من الرجال، بعيد ما بين المنكبين، جهوري الصوت، فصيحًا سريع القراءة. تعتريه حدّة لكن يقهرها بالحلم. قال: ولم أر مثله في ابتهاله واستعانته بالله وكثرة توجهه. وأنا لا أعتقد فيه عصمة، بل أنا مخالف له في مسائل أصلية وفرعية؛ فإنه كَانَ مع سعة علمه، وفرط شجاعته وسيلان ذهنه وتعظيمه لحرمات الدِّين بشرًا من البشر، تعتريه حِدّة في البحث وغضب (١) وصدمة للخصوم، تزرع له عداوة في النفوس. ولولا ذلك لكان كلمة إجماع فإن كبارهم خاضعون لعلومه، معترفون بأنه بحر لا ساحل له، وكنز ليس له نظير. ولكن ينقمون عليه أخلاقًا وأفعالًا. وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك. قال: وكان محافظًا على الصّلاة والصّوم، معظمًا للشرائع ظاهرًا وباطنًا، لا يؤتى من سوء فهم؛ فإنَّ له الذكاء المفرط، ولا من قلة علم؛ فإنه بحر زاخر ولا كَانَ متلاعبًا بالدين ولا ينفرد بمسائل

стр. 773

بالتشهِّي ولا يطلق لسانه بما اتفق، بل يحتج بالقرآن والحديث والقياس ويبرهن ويناظر أُسْوةَ من تقدمه من الأئمة. فله أجر على خطئه وأجران على إصابته. انتهى. ومع هذا فقد وقع له مع أهل عصره قلاقل وزلازل. وامتحن مرة بعد أخرى في حياته. وجرت فتن عديدة، والناس قسمان في شأنه: فبعض منهم مقصر به عن المقدار الَّذي يستحقه بل يرميه بالعظائم، وبعض آخر يبالغ في وصفه ويجاوز به الحد ويتعصب له كما يتعصب أهل القسم الأوّل عليه. وهذه قاعدة مطَّردة في كل عالم يتبحر في المعارف العلمية ويفوق أهل عصره ويدين بالكتاب والسنة، فإنه لا بد أن يستنكره المقصِّرون، ويقع له معهم محنة بعد محنة. ثمَّ يكون أمره الأعلى وقوله الأوْلى، ويصير له بتلك الزلازل لسان صدق في الآخرين ويكون لعلمه حظ لا يكون لغيره وهكذا حال هذا الامام، فإنه بعد موته عرف النَّاس مقداره، واتفقت الألسن بالثناء عليه إلَّا من لا يعتد به، وطارت مصنفاته واشتهرت مقالاته. وأول ما أنكر عليه أهل عصره في شهر ربيع الأوَّل سنة (٦٩٨) أنكروا عليه شيئًا من مقالاته فقام عليه الفقهاء وبحثوا معه ومُنِع من الكلام. ثمَّ طلب ثاني مرة سنة (٧٠٥) إلى مصر فتعصب عليه بعض أركان الدولة. وهو (بيبرس الجاشنكير) وانتصر له ركن آخر وهو (الأمير سلار) ثمَّ آل أمره أن حبس في خزانة البنود مدة ثمَّ نقل في صفر سنه (٩) إلى الإسكندرية. ثمَّ أفرج عنه وأعيد إلى القاهرة ثمَّ أعيد إلى الإسكندرية. ثمَّ حضر السلطان الناصر من الكرك فأطلقة، ووصل إلى دمشق في آخر سنة (٧١٢) وكان السبب في هذه المحنة أن مرسوم السلطان ورد على النائب بامتحانه في معتقده لما رفع

стр. 774

إليه من أُمور تُنكر في ذلك، فعقد له مجلس في سابع رجب فسئل عن عقيدته، فأملى منها. ثمَّ أحضروا العقيدة الَّتي تعرف بالواسطية فقرأ منها. وبحثوا في مواضع ثمَّ اجتمعوا في ثاني عشره وقرروا الصفي الهندي يبحث معه. ثمَّ أخّروه وقدموا الكمال الزَّمْلَكانِي، ثمَّ انفصل الأمر على أنَّه أشهد على نفسه أنَّه شافعي المعتقد فأشاع أتباعه أنَّه انتصر، فغضب خضومه ورفعوا واحدًا من أتباع ابن تيميَّة إلى الجلال القزويني نائب الحكم بالعادلية فعزّره، وكذا فعل الحنفي باثنين منهم. وفي ثاني عشر رجب قرأ المزِّي فصلًا من كتاب «أفعال العباد» للبخاري في الجامع فسمع بعض الشافعية فغضب، وقال: نحن المقصودون بهذا ورفعوه إلي القاضي الشَّافعيّ فأمر بحبسه. فبلغ ابن تيميَّة فتوجّه إلى الحبس فأخرجه بيده، فبلغ القاضي، فطلع إلى القلعة فوافاه ابن تيميَّة فتشاجرا بحضرة النائب. فأمر النائب من ينادي أن من تكلَّم في العقائد فُعل به كذا، وقصد بذلك تسكين الفتنة. ثمَّ عقد له مجلس في سلخ شهر رجب، وجرى فيه من ابن الزَّمْلَكاني، وابن الوكيل مباحثة. فقال ابن الزَّمْلَكاني لابن الوكيل: ما جرى على الشافعية قليل، حيث تكون أنت رئيسهم، فظن القاضي ابن صصري أنَّه يعرض به فعزل نفسه. ثمَّ وصل بريد من عند السلطان إلى دمشق أن يرسلوا بصورة ما جرى في سنة (٦٩٨) ثمَّ وصل مملوك النائب وأخبر أنَّ بيبرس والقاضي المالكي قد قاما في الإنكار على ابن تيميَّة، وأن الأمر قد اشتد على الحنابلة حتَّى صفع بعضهم. ثم توجه القاضي ابن صصري، وابن تيمية صحبة البريد إلى القاهرة، ومعهما جماعة فوصلا في العشر الأخير من رمضان. وعقد مجلس في ثاني عِشريه بعد صلاة الجمعة فادّعى على ابن

стр. 775

تيميَّة عند المالكي، فقال: هذا عدُوِّي ولم يجب عن الدعوى، فكرَّر عليه فأصرّ. فحكم المالكي بحبسه، فأقيم من المجلس وحبس في برج. ثمَّ بلغ المالكي أن النَّاس يترددون إليه. فقال: يجب التضييق عليه إن لم يُقتل، وإلا فقد ثبت كفره. فنقلوه ليلة عيد الفطر إلى الجبِّ. ولقد أحسن المترجَمُ له ﵀ بالتصيميم على عدم الإجابة عند ذلك القاضي الجريء الجاهل الغبي، ولو وقعت منه الإجابة لم يبعد الحكم بإراقة دم هذا الإمام الَّذي سمح الزمان به، وهو بمثله بخيل. ولا سيَّما هذا القاضي من المالكية الَّذي يقال له: ابن مخلوف، فإنه من شياطينهم المتجرئين على سَفْك دماء المسلمين بمجرد أكاذيب وكلمات ليس المراد بها ما يحملونها عليه، وناهيك بقوله: إن هذا الإمام قد استحق القتل وثبت لديه كفره، ولا يساوي شعرة من شعراته، بل لا يصلح لأن يكون شسعًا لنعله. وما زال هذا القاضي الشيطان يتطلَّب الفرص الَّتي يتوصل بها إلى إراقة دم هذا الإمام فحجبه الله عنه، وحال بينه وبينه والحمد لله ربِّ العالمين. ثمَّ بعد هذا نودي بدمشق: أن من اعتقد عقيدة ابن تيميَّة حلّ دمه وماله، خصوصًا الحنابلة فنودي بذلك، وقُريء المرسوم، قرأه ابن الشهاب محمود في الجامع، ثمَّ جمعوا الحنابلة من الصّالحية وغيرها وأشْهَدوا على أنفسهم أنهم على معتقد الإمام الشَّافعيّ، وكان من أعظم القائمين على المترجم له الشَّيخ نصر المنبجي لأنَّه كَانَ بلغ ابن تيميَّة أنَّه يتعصب لابن العربي، فكتب إليه كتابًا يُعاتبه على ذلك فما أعْجبه. لكونه بالغ في الحط على ابن العربي وكفره. فصار هو يحط على ابن تيميَّة ويُغري بيبرس الَّذي يفرط في محبة
следующие страницы →