← Тараджим

Тараджим · id 17563

الجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية خلال سبعة قرون وتكملة الجامع

محمد عزير شمس

Полный текст (869 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع (١) للعلّامة محمد بن عليّ الشوكاني (١٢٥٠) أحمد بن عبد الحليم بن عبد السَّلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن تيميَّة الحَرَّاني الدِّمشقي الحنبلي تقي الدِّين أبو العَبَّاس شيخ الإسلام إمام الأئمة المجتهد المطلق. ولد سنة (٦٦١) إحدى وستين وستمائة، وتحوّل به أبوه من حرَّان سنة (٦٦٧) سبع وستين وستمائة، فسمع من ابن عبد الدايم، والقاسم الإربلي، والمسلم ابن علان، وابن أبي عمر, والفخر ومن آخرين. قال ابن حجر في «الدرر»: وقرأ بنفسه ونسخ «سنن أبي داود» وحصَّل الأجزاء. ونظر في الرجال والعلل. وتفقه، وتمهر، وتقدم، وصنف، ودرس، وأفتى، وفاق الأقران، وصار عجبًا في سرعة الاستحضار وقوة الجنان والتوسُّع في المنقول والمعقول والاطلاع على مذاهِب السَّلف والخلف ... انتهي. وأقول أنا: لا أعلم بعد ابن حزم مثله وما أظنه سمح الزمان ما بين عصر الرجلين بمن شابههما أو يقاربهما. قال الذَّهَبيّ ما ملخصه: كَانَ يُقْضى منه العجب إذا ذكر مسألة من مسائل الخلاف، وما رأيت أسرعَ انتزاعًا للآيات الدالة على المسألة الَّتي يوردها منه، ولا أشد استحضارًا للمتون وعزوها منه. وكانت السنة نصب عينيه

стр. 772

وعلى طرف لسانه بعبارة رشيقة، وكان آية من آيات الله في التفسير والتوسع فيه. وأما أُصول الديانة ومعرفة أقوال المخالفين فكان لا يُشق غبارة فيه. هذا؛ مع ما كَانَ عليه من الكرم والشَّجاعة، والفراغ عن ملاذ النفس. ولعل فتاويه في الفنون تبلغ ثلاثمائه مجلد، بل أكثر. وكان قوَّالًا بالحق، لا تأخذه في الله لومة لائم. ثمَّ قال: ومن خالطه وعرفه قد ينسبني إلى التقصير فيه. ومن نابذه وخالفه قد ينسبني إلى التغالي فيه. وقد أُوذيت من الفريقين من أصحابه وأضداده. وكان أبيض، أسود الرأس واللحية، قليل الشيب، شعره إلى شحمة أُذنيه، كأنّ عينيه لسانان ناطقان، رَبْعة من الرجال، بعيد ما بين المنكبين، جهوري الصوت، فصيحًا سريع القراءة. تعتريه حدّة لكن يقهرها بالحلم. قال: ولم أر مثله في ابتهاله واستعانته بالله وكثرة توجهه. وأنا لا أعتقد فيه عصمة، بل أنا مخالف له في مسائل أصلية وفرعية؛ فإنه كَانَ مع سعة علمه، وفرط شجاعته وسيلان ذهنه وتعظيمه لحرمات الدِّين بشرًا من البشر، تعتريه حِدّة في البحث وغضب (١) وصدمة للخصوم، تزرع له عداوة في النفوس. ولولا ذلك لكان كلمة إجماع فإن كبارهم خاضعون لعلومه، معترفون بأنه بحر لا ساحل له، وكنز ليس له نظير. ولكن ينقمون عليه أخلاقًا وأفعالًا. وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك. قال: وكان محافظًا على الصّلاة والصّوم، معظمًا للشرائع ظاهرًا وباطنًا، لا يؤتى من سوء فهم؛ فإنَّ له الذكاء المفرط، ولا من قلة علم؛ فإنه بحر زاخر ولا كَانَ متلاعبًا بالدين ولا ينفرد بمسائل

стр. 773

بالتشهِّي ولا يطلق لسانه بما اتفق، بل يحتج بالقرآن والحديث والقياس ويبرهن ويناظر أُسْوةَ من تقدمه من الأئمة. فله أجر على خطئه وأجران على إصابته. انتهى. ومع هذا فقد وقع له مع أهل عصره قلاقل وزلازل. وامتحن مرة بعد أخرى في حياته. وجرت فتن عديدة، والناس قسمان في شأنه: فبعض منهم مقصر به عن المقدار الَّذي يستحقه بل يرميه بالعظائم، وبعض آخر يبالغ في وصفه ويجاوز به الحد ويتعصب له كما يتعصب أهل القسم الأوّل عليه. وهذه قاعدة مطَّردة في كل عالم يتبحر في المعارف العلمية ويفوق أهل عصره ويدين بالكتاب والسنة، فإنه لا بد أن يستنكره المقصِّرون، ويقع له معهم محنة بعد محنة. ثمَّ يكون أمره الأعلى وقوله الأوْلى، ويصير له بتلك الزلازل لسان صدق في الآخرين ويكون لعلمه حظ لا يكون لغيره وهكذا حال هذا الامام، فإنه بعد موته عرف النَّاس مقداره، واتفقت الألسن بالثناء عليه إلَّا من لا يعتد به، وطارت مصنفاته واشتهرت مقالاته. وأول ما أنكر عليه أهل عصره في شهر ربيع الأوَّل سنة (٦٩٨) أنكروا عليه شيئًا من مقالاته فقام عليه الفقهاء وبحثوا معه ومُنِع من الكلام. ثمَّ طلب ثاني مرة سنة (٧٠٥) إلى مصر فتعصب عليه بعض أركان الدولة. وهو (بيبرس الجاشنكير) وانتصر له ركن آخر وهو (الأمير سلار) ثمَّ آل أمره أن حبس في خزانة البنود مدة ثمَّ نقل في صفر سنه (٩) إلى الإسكندرية. ثمَّ أفرج عنه وأعيد إلى القاهرة ثمَّ أعيد إلى الإسكندرية. ثمَّ حضر السلطان الناصر من الكرك فأطلقة، ووصل إلى دمشق في آخر سنة (٧١٢) وكان السبب في هذه المحنة أن مرسوم السلطان ورد على النائب بامتحانه في معتقده لما رفع

стр. 774

إليه من أُمور تُنكر في ذلك، فعقد له مجلس في سابع رجب فسئل عن عقيدته، فأملى منها. ثمَّ أحضروا العقيدة الَّتي تعرف بالواسطية فقرأ منها. وبحثوا في مواضع ثمَّ اجتمعوا في ثاني عشره وقرروا الصفي الهندي يبحث معه. ثمَّ أخّروه وقدموا الكمال الزَّمْلَكانِي، ثمَّ انفصل الأمر على أنَّه أشهد على نفسه أنَّه شافعي المعتقد فأشاع أتباعه أنَّه انتصر، فغضب خضومه ورفعوا واحدًا من أتباع ابن تيميَّة إلى الجلال القزويني نائب الحكم بالعادلية فعزّره، وكذا فعل الحنفي باثنين منهم. وفي ثاني عشر رجب قرأ المزِّي فصلًا من كتاب «أفعال العباد» للبخاري في الجامع فسمع بعض الشافعية فغضب، وقال: نحن المقصودون بهذا ورفعوه إلي القاضي الشَّافعيّ فأمر بحبسه. فبلغ ابن تيميَّة فتوجّه إلى الحبس فأخرجه بيده، فبلغ القاضي، فطلع إلى القلعة فوافاه ابن تيميَّة فتشاجرا بحضرة النائب. فأمر النائب من ينادي أن من تكلَّم في العقائد فُعل به كذا، وقصد بذلك تسكين الفتنة. ثمَّ عقد له مجلس في سلخ شهر رجب، وجرى فيه من ابن الزَّمْلَكاني، وابن الوكيل مباحثة. فقال ابن الزَّمْلَكاني لابن الوكيل: ما جرى على الشافعية قليل، حيث تكون أنت رئيسهم، فظن القاضي ابن صصري أنَّه يعرض به فعزل نفسه. ثمَّ وصل بريد من عند السلطان إلى دمشق أن يرسلوا بصورة ما جرى في سنة (٦٩٨) ثمَّ وصل مملوك النائب وأخبر أنَّ بيبرس والقاضي المالكي قد قاما في الإنكار على ابن تيميَّة، وأن الأمر قد اشتد على الحنابلة حتَّى صفع بعضهم. ثم توجه القاضي ابن صصري، وابن تيمية صحبة البريد إلى القاهرة، ومعهما جماعة فوصلا في العشر الأخير من رمضان. وعقد مجلس في ثاني عِشريه بعد صلاة الجمعة فادّعى على ابن

стр. 775

تيميَّة عند المالكي، فقال: هذا عدُوِّي ولم يجب عن الدعوى، فكرَّر عليه فأصرّ. فحكم المالكي بحبسه، فأقيم من المجلس وحبس في برج. ثمَّ بلغ المالكي أن النَّاس يترددون إليه. فقال: يجب التضييق عليه إن لم يُقتل، وإلا فقد ثبت كفره. فنقلوه ليلة عيد الفطر إلى الجبِّ. ولقد أحسن المترجَمُ له ﵀ بالتصيميم على عدم الإجابة عند ذلك القاضي الجريء الجاهل الغبي، ولو وقعت منه الإجابة لم يبعد الحكم بإراقة دم هذا الإمام الَّذي سمح الزمان به، وهو بمثله بخيل. ولا سيَّما هذا القاضي من المالكية الَّذي يقال له: ابن مخلوف، فإنه من شياطينهم المتجرئين على سَفْك دماء المسلمين بمجرد أكاذيب وكلمات ليس المراد بها ما يحملونها عليه، وناهيك بقوله: إن هذا الإمام قد استحق القتل وثبت لديه كفره، ولا يساوي شعرة من شعراته، بل لا يصلح لأن يكون شسعًا لنعله. وما زال هذا القاضي الشيطان يتطلَّب الفرص الَّتي يتوصل بها إلى إراقة دم هذا الإمام فحجبه الله عنه، وحال بينه وبينه والحمد لله ربِّ العالمين. ثمَّ بعد هذا نودي بدمشق: أن من اعتقد عقيدة ابن تيميَّة حلّ دمه وماله، خصوصًا الحنابلة فنودي بذلك، وقُريء المرسوم، قرأه ابن الشهاب محمود في الجامع، ثمَّ جمعوا الحنابلة من الصّالحية وغيرها وأشْهَدوا على أنفسهم أنهم على معتقد الإمام الشَّافعيّ، وكان من أعظم القائمين على المترجم له الشَّيخ نصر المنبجي لأنَّه كَانَ بلغ ابن تيميَّة أنَّه يتعصب لابن العربي، فكتب إليه كتابًا يُعاتبه على ذلك فما أعْجبه. لكونه بالغ في الحط على ابن العربي وكفره. فصار هو يحط على ابن تيميَّة ويُغري بيبرس الَّذي يفرط في محبة

стр. 776

نصر وتعظيمه، وقام القاضي المالكي المتقدم ذكره مع الشَّيخ نصر وبالغ في أذيَّة الحنابلة واتفق أنَّ قاضي الحنابلة كَانَ قليل البضاعة في العلم فبادر إلى اجابتهم في المعتقد واستكتبوا خطَّه بذلك. واتفق أنَّ قاضي الحنفية بدمشق وهو شمس الدِّين ابن الحريري انتصر لابن تيميَّة وكتب في حقه محضرًا بالثناء عليه بالعلم والفهم، وكتب فيه بخطه ثلاثة عشر سطرًا، من جملتها أنَّه منذ ثلاث مئة سنة ما رأى النَّاس مثله فبلغ ذلك ابن مخلوف فسعى في عزل ابن الحريري فعزل وقرر عوضه شمس الدِّين الأذرعي، ثمَّ لم يلبث الأذرعي أنْ عُزِل في السنة المقبلة. وتعصب سلار لابن تيميَّة وأحضر القضاة الثلاثة الشَّافعيّ والمالكي والحنفي وتكلّم معهم في إخراجه فاتفقوا على أنهم يشترطون فيه شروطًا. وأن يرجع عن بعض العقيدة فأرسلوا إليه مرات. فامتنع من الحضور إليهم، واستمر على ذلك ولم يزل ابن تيميَّة في الجب إلى أن تشفَّع فيه مُهنَّا أمير آل فضل، فأخرج في ربيع الأوَّل في الثالث والعشرين منه. وأُحضر إلى القلعة ووقع البحث مع بعض الفقهاء فكتب عليه محضر بأنه قال: أنا أشعري (١). ثمَّ اجتمع جماعة من الصوفية عند تاج الدِّين بن عطاء فطلعوا في العشر الأوسط من شوال إلى القلعة وشكوا من ابن تيميَّة أنَّه تكلم في حق مشايخ الطريقة، وأنَّه قال: لا يُستغاث بالنبي ﵌، فاقتضى الحال أن أمر بتسييره إلى الشَّام فتوجه على خيل البريد، وكل ذلك والقاضي زين الدِّين ابن مخلوف مشتغل بالمرض. وقد أشرف على الموت فبلغه سير

стр. 777

ابن تيميًّة، فراسل النائب، فرده من نابُلُس، وادّعى عليه عند ابن جماعة وشهد عليه شرف الدِّين ابن الصّابوني. وقيل: إن علاء الدِّين القونوي شهد عليه أيضًا، فاعتقل بسجن حارة الديلمة في ثامن عشر شوال، إلى سلخ شهر صفر سنة (٧٠٩) فنقل عنه أنَّ جماعة يترددون إليه وأنَّه يتكلم عليهم في نحو ما تقدم، فأمر بنقله إلى الإسكندرية فنقل إليها في سلخ صفر. وكان سفره صحبة أمير مقدم ولم يمكَّن أحد من جهته من السفر معه. وحبس ببرج شرقي. ثمَّ توجه إليه بعض أصحابه فلم يُمنعوا منه، فتوجهت طائفة منهم بعد طائفة وكان موضعه فسيحًا، فصار النَّاس يدخلون إليه ويقرأون عليه ويبحثون معه. فلم يزل إلى أن عاد الناصر إلى السلطنة، فشفع فيه عنده فأمر بإحضاره فاجتمع به في ثامن عشر شوال سنة (٧٠٩) فأكرمه وجمع القضاة فأصلح بينه وبين القاضي المالكي. فاشترط المالكي أن لا يعود. فقال له السلطان قد تاب. وسكن القاهرة وتردد النَّاس إليه إلى أن توجَّه صحبة الناصر إلى الشَّام بنية الغزو سنة (٧١٢) فوصل إلى دمشق. وكانت غيبته منها أكثر من سبع سنين، وتلقاه جمع كثير فرحًا بمقدمه. وكانت والدته إذ ذاك حية. ثُمَّ قاموا عليه في شهر رمضان سنة (٧١٩) بسبب قوله إنَّ الطلاق الثلاث من دون تخلل رجعة بمنزلة طلقة واحدة. ثمَّ عقد له مجلس آخر في رجب سنة (٧٢٠) ثمَّ حبس بالقلعة، ثمَّ أخرج في عاشوراء سنة (٧٢١) ثمَّ قاموا عليه مرة أُخرى في شعبان سنة (٧٢٦) بسبب مسألة الزيارة واعتُقِل بالقلعة فلم يزل بها إلى أن مات في ليلة الاثنين، لعشرين من شهر القعدة سنة (٧٢٨) بجامع دمشق. وصار يضرب المثل بكثرة من حضر جنازته، وأقل ما قيل في

стр. 778

عددهم أنهم خمسون ألفًا. قال ابن فضل الله: لما قدم ابن تيميَّة على البريد إلى القاهرة في سنة (٧٠٠) حضّ أهل المملكة على الجهاد وأغلظ القول للسُّلطان والأمراء. ورتبوا له كل يوم دينارًا وطعامًا فلم يقبل ذلك. ثمَّ قال: حضر عنده شيخنا أبو حيان فقال: ما رأت عيناي مثل هذا الرَّجل، ومدحه بأبيات ذكر أنَّه نظمها بديهة منها: لمَّا أتانا تقيُّ الدِّين لاحَ لنا ... داعٍ إلى اللهِ فَرْدٌ ما له وَزَرُ على مُحَيَّاهُ من سِيْمَا الأُلَى صَحِبُوا ... خيرَ البريَّةِ نورٌ دونَه القَمَرُ قال: ثمَّ دار بينهما كلام فجرى ذكر سيبويه فأغلظ ابن تيميّة القول في سيبويه، فنافره أبو حيان وقطعه، وصيَّر ذلك ذنبًا لا يغفر. وسُئل عن السبب، فقال: ناظرته في شيء من العربية فذكرت له كلام سيبويه. فقال: ما كَانَ سيبويه نبيّ النحو ولا كَانَ معصومًا، بل أخطأ في «الكتاب» في ثمانين موضعًا! ما تفهمها أنت! فكان ذلك سبب مقاطعته إياه، وذكره في تفسيره «البحر» بكلِّ سوء، وكذلك في مختصره «النهر» وقد ترجم له جماعة وبالغوا في الثناء عليه، ورثاه كثير من الشعراء. وقال جمال الدِّين السرمرّي في «أماليه»: ومن عجائب زماننا في الحفظ ابن تيمية كَانَ يمر بالكتاب مرة مطالعة فينقش في ذهنه، وينقله في مصنفاته بلفظه ومعناه، وحكى بعضهم عنه أنَّه قال: من سألني مستفيدًا حقَّقت له ومن سألي متعنتًا ناقَضْتُه، فلا يلبث أن ينقطع فأُكْفى مؤنته. وقد ترجم له الصفدي وسرد أسماء تصانيفه في ثلاثة أوراق كبار. ومن أنفعها: كتابه في إبطال الحيل فأِنه نفيس جدًا، وكتاب «المنهاج في الرد على الروافض» في غاية الحسن،

стр. 779

لولا أنَّه بالغ في الدفع حتَّى وقعت له عبارات وألفاظ فيها بعض التحامل. وقد نسبه بعضهم إلى طلب الملك. لأنَّه كَانَ يلهج بذكر ابن تومرت ونظرائه، فكان ذلك مولدًا لطول سجنه. وله وقائع مشهورة. وكان إذا حوقق وأُلزم، يقول: لم أُرِد هذا وإنما أردت كذا فيذكر احتمالًا بعيدًا، ولعل ذلك ـ والله أعلم ـ أنه يصرِّح بالحقّ فتأباه الأذهان، وتنبو عنه الطبائع لقصور الأفهام، فيحوله إلى احتمال آخر دفعًا للفتنة. وهكذا ينبغي للعالم الكامل أن يفعل، يقول الحق كما يجب عليه ثمَّ يدفع المفسدة بما يمكنه. وحكي عنه أنَّه لما وصل إليه السؤال الَّذي وضعه السكاكيني على لسان يهودي وهو: أيا عُلماءَ الدِّين ذمِّي دينكم ... تحيَّر دُلُّوه بأعظم حُجَّة إذا ما قضى ربي بكفري بزعمكم ... ولم يرضه مني فما وجه حيلتي إلى آخرها، فوقف ابن تَيْمِيَّة على هذه الأبيات فثنى إحدى رجليه على الأخرى، وأجاب في مجلسه قبل أن يقوم بمائة وتسعة (١) عشر بيتًا أوَّلها: سُؤالك يا هذا سؤال مُعَاند ... مُخاصم ربِّ العرش ربِّ البريَّة وقال ابنُ سيِّد النَّاس اليعمري في ترجمة ابن تيميَّة: إنَّه برَّز في كلّ فنّ على أبناء جنسه، ولم تر عين من رآه مثله، ولا رأت عينُه مثل نفسه. وقال الذَّهَبيّ مترجمًا له في بعض الإجازات: قرأ القرآن والفِقه، وناظر واستدل وهو دون البلوغ، وبرع في العلوم والتفسير وأفتى ودرس، وهو دون

стр. 780

العشرين, وصنف التَّصانيف, وصار من أكابر العلماء في حياة مشايخه. وتصانيفه نحو أربعة آلاف كراسة وأكثر. وقال: وأما نقله للفقه ومذاهب الصَّحابة والتابعين، فضلًا عن المذاهب الأربعة فليس له نظير. وقال: إنّه لا يذكر مسألة إلَّا ويذكر فيها مذاهب الأئمة، وقد خالف الأئمة الأربعة في عدة مسائل، صنف فيها واحتجَّ لها بالكتاب والسنة. وقد أثنى عليه جماعة من أكابر علماء عصره فمن بعدهم. ووصفوه بالتفرد، وأطلقوا في نعته عبارات ضخمة وهو حقيق بذاك. والظاهر أنَّه لو سَلِم مما عرض له من المحن المستغرقة لأكثر أيامه، المكدِّرة لذهنه، المشوِّشة لفهمه، لكان من المؤلَّفات والاجتهادات ما لم يكن لغيره. قال الصَّفدي: وكان كثيرًا ما يُنْشد: تموتُ النفوسُ بأوصابها ... ولم يَدْرِ عُوّادُها ما بِها وما أنْصَفَتْ مهجةٌ تشتكي ... أذاها إلى غَيْر أرْبابِها ومما أُنشدَ له على لسان الفقراء: والله ما فَقرُنا اختيارُ ... وإنّما فقرُنا اضطرارُ جماعةٌ كُلُّنا كُسَالى ... وأكلُنا مَا لهُ عِيارُ تَسْمعُ منّا إذا اجتمعنا ... حقيقةً كُلّها فُشَارُ * * * *

стр. 781

نُزُل من اتَّقَى بكشفِ أحوال المنتقى (١) للعلامة عبد الرشيد بن محمود الكشميري (١٢٩٨) هو: أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن الخضر بن محمد بن الخضر بن علي بن عبد الله بن تيمية الحراني تقي الدين. شيخنا (٢) الإمام الرباني، مقدام الأئمة، ومفتي الأُمة، بحر العلوم، سيد الحفاظ، فريد العصر، قريع الدهر، شيخ الإسلام، قدوة الأنام، علّامة الزمان، وترجمان القرآن، عَلَمُ الزُّهاد، وأوْحَد العُبَّاد، قامع المبتدعين، وآخر المجتهدين، نزيل دمشق، وصاحب التصانيف التي لم يُسبق إلى مثلها. ولد بحرَّان يوم الاثنين عاشر شهر ربيع الأوَّل، وقيل: ثاني عشر ربيع الأول، سنة إحدى وستين وست مئة. وقدم مع والده وأهله إلى دمشق وهو صغير، وكانوا قد خرجوا من حرَّان مهاجرين بسبب جَوْر التتار، فساروا بالليل ومعهم الكتب على عجلة لعدم الدواب، فكاد العدو يلحقهم، ووقفتِ العجلة، فابتهلوا إلى الله تعالى، واستغاثوا به فنجوا وسلموا. وقدموا دمشق في أثناء سنة سبع وستين؛ فسمع من الشيخ زين الدِّين أحمد بن عبد الدائم بن نعمة المقدسي جُزْء ابن عرفة، وغير ذلك.

стр. 782

وسمع الكثير من ابن أبي اليُسر، والكمال ابن عَبْد، والشيخ شمس الدِّين الحنبلي، والقاضي شمس الدِّين بن عطاء الحنفي، والشيخ جمال الدِّين الصيرفي، ومجد الدِّين بن عساكر، والنجيب المقداد، وابن أبي الخير، وابن علان، وأبي بكر الهروي، والكمال عبد الرحيم، وفخرالدين ابن البخاري، وابن شيبان، والشرف بن القواس، وزينب بنت مكي، وخلق كثير. وشيوخه الذين سمع منهم أزيد من مئتي شيخ. وسمع «مسند الإمام أحمد» مرَّات، و «معجم الطبراني الكبير»، والكُتب الكبار، والأجزاء، وعُني بالحديث، وقرأ بنفسه الكثير، ولازم السماع مُدَّة سنين، وقرأ «الغيلانيات» في مجلس، ونسخَ وانتقى، وكتب الطِّباق والأثبات، وتعلم الخط والحساب في المكتب، واشتغل بالعلوم، وحفظ القرآن، وأقبل على الفقه، وقرأ أيامًا في العربية على ابن عبد القوي ثم فهمها، وأخذ يتأمل «كتاب سيبويه» حتى فهمه، وبرع في النحو، وأقبل على التفسير إقبالًا كليًّا حتى حاز فيه قصب السبق، وأحكم أُصول الفقه، وغير ذلك، هذا كله وهو ابن بضع عشرة سنة، فانبهر الفضلاء من فرط ذكائه، وسيلان ذهنه، وقُوَّة حافظته، وسرعة إدراكه. نشأ في تصوُّن تام، وعفاف وتألُّه، واقتصاد في الملبس والمأكل، ولم يزل على ذلك خلفًا صالحًا، برًّا بوالديه، تقيًّا وَرِعًا، عابدًا ناسكًا، صَوّامًا قوَّامًا، ذاكرًا لله تعالى في كل أمر وعلى كل حال، رجَّاعًا إلى الله تعالى في سائر الأحوال والقضايا، وقَّافًا عند حدود الله تعالى، وأوامره ونواهيه، آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر، لا تكاد نفسه تشبع من العلم، ولا تروى من المطالعة، ولا تمل من الاشتغال، ولا تكِلُّ من البحث، وقلَّ أن يدخل في علمٍ

стр. 783

من العلوم، في باب من أبوابه إلا ويُفْتَح له من ذلك الباب أبواب، ويستدرك أشياء في ذلك العلم على حُذَّاق أهله. وكان يحضر المجالس والمحافل في صغره، فيتكلّم ويناظر، ويُفحِم الكبار، ويأتي بما يتحيَّر منه أعيان البلدة في العلم، وأفْتى وله نحو سبع عشرة سنة، وشرع في الجمع والتأليف من ذلك الوقت، ومات والده ـ وكان من كبار الحنابلة وأئمتهم ـ ودرَّس بعده وقام بوظائفه؛ وله إحدى وعشرون سنة، فاشتهر أمره، وبَعُد صيته في العالم، وأخذ في تفسير الكتاب العزيز أيام الجمع على كرسي من حفظه، فكان يورد ما يقوله من غير توقف ولا تلعثم، وكذا كان يورد الدُّرُوْس بتؤدَةٍ وصوتٍ جهوري فصيح. وحجَّ سنة إحدى وتسعين وله ثلاثون سنة، ورجع وقد انتهت إليه الإمامة في العلم، والعمل، والزهد، والورع، والشجاعة، والكرم، والتواضع، والحلم، والأناة، والجلالة، والمهابة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، مع الصِّدق والأمانة، والعفة والصيانة، وحُسْن القصد والإخلاص، والابتهال إلى الله تعالى وشدة الخوف منه، ودوام المراقبة له، والتمسك بالأثر، والدعاء إلى الله تعالى، وحُسْن الأخلاق، ونفع الخَلْق، والإحسان إليهم. وكان ﵀ سيفًا مسلولًا على المخالفين، وشجًى في حلوق أهل الأهواء والمبتدعين، وإمامًا قائمًا ببيان الحق ونصرة الدين، طنَّت بذكره الأمصار، وظنَّت بمثله الأعصار. وقال أبو الحجاج (١): ما رأيت مثله، ولا رأى هو مثل نفسه، وما رأيت

стр. 784

أحدًا أعلم بكتاب الله وسنة رسوله، ولا أتْبَع لهما منه. وقال العلَّامة كمال الدِّين الزملكاني: كان إذا سُئل عن فنٍّ من الفنون ظنَّ الرائي والسامع أنه لا يعرف غير ذلك الفن، وحكم أن أحدًا لا يعرف مثله، وكان الفقهاء من سائر الطوائف إذا جلسوا معه استفادوا في مذاهبهم منه ما لم يكونوا عرفوه قبل ذلك، ولا يُعرف أنه ناظر أحدًا فانقطع معه، ولا تكلم في علم من العلوم ــ سواء كان من علوم الشرعِ أو غيرها ــ إلَّا فاقَ فيه أهلَه والمنسوبين إليه، وكانت له اليد الطولَى في حسن التصنيف وجودة العبارة، والترتيب والتقسيم والتبيين. ووقعت مسألة فرعية في قسمة جري فيها اختلاف بين المفتين في العصر؛ فكتب فيها مجلدةً كبيرةً، وكذلك وقعت مسألةٌ في حدٍّ من الحدود؛ فكتب أيضًا مجلدة كبيرةً، ولم يخرج في كل واحدة عن المسألة ولا طَوَّلها بتخليط الكلام والدخول في شيءٍ والخروج من شيءٍ، وأتى في كل واحدة بما لم يكن يجري في الأوهام والخواطر، واجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها. وقرأت بخط الشيخ كمال الدِّين أيضًا على كتاب «رفع الملام عن الأئمة الأعلام» لشيخنا: تأليف الشيخ الإمام العالم العلَّامة الأوحد، الحافظ المجتهد، الزاهد العابد القدوة، إمام الأئمة، قدوة الأُمة، علّامة العلماء، وارث الأنبياء، آخر المجتهدين، أوحد علماء الدين، بركة الإسلام، حجة الأعلام، برهان المتكلمين، قامع المبتدعين، مُحيي السنة، ومن عَظُمت به لله علينا المنة، وقامت على أعدائه الحجة، واستبانت ببركته وهديه المحجة، تقي الدِّين أبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية

стр. 785

الحرَّاني، أعلى الله تعالى مكانه (١)، وشيّد من الدِّين أركانه. ماذا يقول الواصفون له ... وصفاتُه جَلَّتْ عن الحصر هو حُجَّة لله قاهرة ... هو بيننا أعجوبة الدهر هو آية في الخلق ظاهرة ... أنوارها أربت على الفجر وهذا الثناء عليه وكان عمره نحو الثلاثين سنة، وقد أثنى عليه خلقٌ من شيوخه، ومن كبار علماء عصره؛ كالشيخ شمس الدِّين بن أبي عُمر، والشيخ تاج الدِّين الفزاري، وابن منجَّا، وابن عبد القوي، والقاضي الخويي، وابن دقيق العيد، وابن النحاس، غيرهم. وقال الشيخ عماد الدِّين الواسطي ــ وكان من العلماء العارفين ــ وقد ذكره: هو شيخنا السيد الإمام الهمام، قامع البدعة، ناصر الحديث، مفتي الفرق، الفاتق عن الحقائق ومؤصّلها بالأصول الشرعية للطالب الذائق، الجامع بين الظاهر والباطن، وهو يقضي بالحق ظاهرًا وقلبه في العلى قاطن، أنموذج الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين، الشيخ الإمام تقي الدِّين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية الحرَّاني أعاد الله علينا بركته، ورفع إلى المدارج العليا درجته. ثم قال في أثناء كلامه: والله ثم والله لم أرَ تحت أديم السماء مثله علمًا وعملًا وحالًا وخلقًا واتباعًا وكرمًا وحلمًا في حقِّ نفسه، وقيامًا في حق الله تعالى عند انتهاك حرمته. ثم أطال في الثناء عليه.

стр. 786

وقال الشيخ علم الدِّين في «معجم شيوخه»: تقي الدِّين أبو العباس، الإمام المجمع على فضله ونبله ودينه، قرأ الفقه وبرع فيه وفي العربية والأصول، ومهر في علم التفسير والحديث، وكان إمامًا لا يلحق غباره في كل شيء، وبلغ رتبة الاجتهاد، واجتمعت فيه شروط المجتهدين. وكان إذا ذكر التفسير أبهت الناس من كثرة محفوظاته، وحسن إيراده، وإعطائه كل قول ما يستحقه من الترجيح والتضعيف والإبطال، وخوضه في كل فن، كان الحاضرون يقضون منه العجب، هذا مع انقطاعه إلى الزهد والعبادة، والاشتغال بالله تعالى، والتجرد عن أسباب الدنيا، ودعاء الخلق إلى الله تعالى، وكان يجلس في صبيحة كل جمعة على الناس يفسر القرآن العظيم، فانتفع بمجلسه وبركة دعائه، وطهارة أنفاسه، وصدق نيته، وصفاء ظاهره وباطنه، وموافقة قوله لعمله، أناب إلى الله خلق كثير، وجرى على طريقة واحدة من اختيار الفقر، والتقلل من الدنيا، ورد ما يفتح به عليه. وقال علم الدِّين في موضع آخر: رأيت في إجازة لابن الشهرزوري الموصلي خط الشيخ تقي الدين، وقد كتب تحته الشيخ الإمام شمس الدِّين الذهبي ﵀: هذا خط شيخنا الإمام، شيخ الإسلام، فرد الزمان، بحر العلوم، تقي الدين. مولده عاشر ربيع الأول سنة إحدى وستين وست مئة، وقرأ القرآن والفقه، وناظر واستدل وهو دون البلوغ، وبرع في العلم والتفسير، وأفتى ودرس وله نحو العشرين، وصنف التصانيف، وصار من أكابر العلماء في حياة شيوخه، وله المصنفات الكبار التي سارت بها الركبان، ولعل تصانيفه في هذا الوقت تكون أربعة آلاف كراس وأكثر، وفسر كتاب الله تعالى مدة سنين من صدره أيام الجمع، وكان يتوقد ذكاءً، وسماعاته من

стр. 787

الحديث كثيرة، وشيوخه أكثر من مئتي شيخ، ومعرفته بالتفسير إليها المنتهى، وحفظه للحديث ورجاله وصحته وسقمه مما لا يلحق فيه، وأما نقله للفقه ولمذاهب الصحابة والتابعين ــ فضلًا عن المذاهب الأربعة ــ فليس له فيه نظير، وأما معرفته بالملل والنحل والأصول والكلام فلا أعلم له فيها نظيرًا، وكان يدري جملة صالحة من اللغة، وعربيته قوية جدًّا، وأما معرفته بالتأريخ والسير فعجب عجيب، وأما شجاعته وجهاده وإقدامه فأمر يتجاوز الوصف ويفوق النعت، وهو أحد الأجواد الأسخياء الذين يضرب بهم المثل، وفيه زهد وقناعة باليسير في المأكل والملبس. وقال الذهبي في موضوع آخر: كان آية في الذكاء وفي سرعة الإدراك، رأسًا في معرفة الكتاب والسنة والاختلاف، بحرًا في النقليات، هو في زمانه فريد عصره علمًا وزهدًا وشجاعة وسخاءً، وأمرًا بالمعروف، ونهيًا عن المنكر، وكثرة تصانيف. إلى أن قال: فإن ذكر التفسير فهو حامل لوائه، وإن عد الفقهاء، فهو مجتهدهم المطلق، وإن حضر الحفاظ نطق وخرسوا، وسرد وأبلسوا، واستغنى وأفلسوا، وإن سمي المتكلمون فهو فردهم، وإليه مرجعهم، وإن لاح ابن سينا يقدم الفلاسفة فلسهم وتيسهم، وهتك أستارهم، وكشف عوارهم، وله يد طولى في معرفة العربية والصرف واللغة، وهو أعظم من أن تصفه كلمي، وينبه على شأوه قلمي، فإن سيرته وعلومه ومعارفه ومحنه وتنقلاته يحتمل أن ترصع في مجلدتين. وقال في مكان آخر: له خبرة تامة بالرجال، وجرحهم وتعديلهم وطبقاتهم، ومعرفة بفنون الحديث، وبالعالي والنازل، وبالصحيح والسيقم،

стр. 788

مع حفظه لمتونه الذي انفرد به، فلا يبلغ أحد في العصر رتبته ولا يقاربه، وهو عجيب في استحضاره، واستخراج الحجج منه، وإليه المنتهى في عزوه إلى الكتب الستة والمسند بحيث يصدق عليه أن يقال: «كل حديث لا يعرفه ابن تيمية فليس بحديث»؛ ولكن الإحاطه لله؛ غير أنه يغترف فيه من بحر، وغيره يغترف من السواقي، وأما التفسير فمسلم إليه، وله في استحضار الآيات من القرآن ــ وقت إقامة الدليل بها على المسألة ــ[قوة عجيبة]، وإذا رآه المقرئ تحير فيه، ولفرط إمامته في التفسير وعظمة اطلاعه يبين خطأ كثير من أقوال المفسرين، ويوهي أقوالًا عديدة، وينصر قولًا واحدًا موافقًا لما دل عليه القرآن والحديث، ويكتب في اليوم والليلة من التفسير، أو من الفقه، أو من الأصلين، أو من الرد على الفلاسفة الأوائل نحوًا من أربعة كراريس أو أزيد، وما أُبعِد أن تصانيفه إلى الآن تبلغ خمس مئة مجلدة، وله في غير مسألة مصنف مفرد. وله من المؤلفات القواعد والفتاوى والأجوبة والرسائل والتعاليق ما لا ينحصر ولا ينضبط، ولا أعلم أحدًا من المتقدمين ولا من المتأخرين جمع مثل ما جمع، ولا صنف نحو ما صنف، ولا قريبًا من ذلك؛ مع أن تصانيفه كان يكتبها من حفظه، وكتب كثيرًا منها في الحبس وليس عنده ما يحتاج إليه، ويراجعه من الكتب. وقال الشيخ فتح الدِّين بن سيد الناس بعد أن ذكر ترجمة شيخنا الحافظ أبي الحجاج المزي ﵁: وهو الذي حداني على رؤية الشيخ الإمام شيخ الإسلام تقي الدِّين أبي العباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية؛ فألفيته ممن أدرك من العلوم حظًّا، وكاد يستوعب السنن والآثار حفظًا، إذا تكلم في

стр. 789

التفسير فهو حامل رايته، أو أفتى في الفقه فهو مدرك غايته، أو ذاكر بالحديث فهو صاحب علمه وذو رايته، أو حاضر بالنحل والملل لم ير أوسع من نحلته في ذلك، ولا أرفع من درايته، برز في كل فن على أبناء جنسه، ولم تر عين من رآه مثله، ولا رأت عينه مثل نفسه، كان يتكلم في التفسير فيحضر مجلسه الجم الغفير، ويردون من بحر علمه العذاب النمير، ويرتعون من رياض فضله في روضة وغدير، إلى أن دب إليه من أهل بلده الحسد، وأكب أهل النظر منهم بما يُنتقد عليه من أمور المعتقد، فحفظوا عنه في ذلك كلامًا، أوسعوه بسببه ملامًا، وفوقوا لتبديعه سهامًا، وزعموا أنه خالف طريقهم، وفرق فريقهم، فنازعهم ونازعوه، وقاطع بعضهم وقاطعوه، ثم نازعه طائفة أخرى ينتسبون من الفقر إلى طريقة، ويزعمون أنهم على أدق باطن منها وأجلى حقيقة، فكشف تلك الطرائق، وذكر لها مراغم وموابق (١)، فآضت إلى الطائفه الأولى من منازعيه، واستعانت بذوي الضغن عليه من مقاطعيه، فوصلوا بالأمراء أمره، وأعمل [كل] منهم في كفره فكره فرتبوا محاضر، وألبوا الرويبضة للسعي بها بين الأكابر، وسعوا في نقله إلى حضرة المملكة بالديار المصرية، فنقل وأودع السجن ساعة حضوره واعتقل، وعقدوا لإراقة دمه مجالس، وحشدوا لذلك قومًا من عُمَّار الزوايا وسكان المدارس، من مجامل في المنازعة مخاتل في المخادعة، ومن مجاهر بالتكفير مبارز بالمقاطعة، يسومونه ريب المنون، ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [القصص: ٦٩]، وليس المجاهر بكفره بأسوأ حالًا من المخاتل، وقد دبت إليه عقارب مكره، فرد الله كيد كلٍّ في نحره، ونجَّاه على يد من

стр. 790

اصطفاه، والله غالب على أمره، ثم لم يخل بعد ذلك من فتنة بعد فتنة، ولم ينتقل طول عمره من محنة إلا إلى محنة، إلى أن فُوِّض أمره لبعض القضاة فتقلد ما تقلد من اعتقاله، ولم يزل بمحبسه ذلك إلى حين ذهابه إلى رحمة الله وانتقاله، وإلى الله ترجع الأمور، وهو المطلع على خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وكان يومًا مشهودًا، ضاقت بجنازته الطريق، وانتابها المسلمون من كل فج عميق، يتبركون بمشهده يوم يقوم الأشهاد، ويتمسكون بشَرْجَعِهِ (١) حتى كسروا تلك الأعواد. هذا كلام الصلاح في: «فوات الوفيات» (٢) ذكرته ههنا بالألفاظ. وفي «طبقات الحنابلة» لزين الدِّين عبد الرحمن بن رجب الدمشقي: أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن الخضر بن محمد بن تيمية الحرَّاني ثم الدمشقي، الإمام الفقيه، المجتهد المحدث، الحافظ المفسر الأصولي، الزاهد تقي الدِّين أبو العباس شيخ الإسلام وعلم الأعلام، وشهرته تغني عن الإطناب في ذكره والإسهاب في أمره. ولد يوم الاثنين عاش ربيع الأول سنة إحدى وستين وست مئة بحرَّان، وقَدِم به والده وبإخوته دمشقَ عند استيلاء التتر على البلاد، فسمع الشيخ بها من ابن عبد الدائم، وابن أبي اليُسر، وابن عبد، والمجد بن عساكر،

стр. 791

ويحيى بن الصَّيْرفي الفقيه، وأحمد بن أبي الخير الحداد، والقاسم الإربلي، والشيخ شمس الدِّين بن أبي عُمر، والمسلم ابن علّان، وإبراهيم بن الدَّرجي، وخلق كثير. وعُني بالحديث، وسمع «المسند» مرَّات، والكتب الستة، و «معجم الطبراني الكبير» وما لا يُحصى من الكتب والأجزاء، وقرأ بنفسه، وكتب بخطه جملةً من الأجزاء، وأقبل على العلوم في صغره؛ فأخذ الفقه والأصول عن والده، وعن الشيخ شمس الدِّين بن أبي عُمر، والشيخ زين الدِّين بن مُنجَّا، وبرع في ذلك، وناظر، وأقبل على تفسير القرآن الكريم فبرَّز فيه، وأحكمَ أصول الفقه، والفرائض، والحساب، والجبر، والمقابلة، وغير ذلك من العلوم. ونظر في علمي الكلام والفلسفة وبرَّز في ذلك على أهله، وردَّ على رؤسائهم وأكابرهم، ومهر في هذه الفضائل، وتأهَّل للفتوى والتدريس وله دون العشرين سنة، وأفتى من قبل العشرين أيضًا، وأُمِدَّ بكثرة الكتب وبسرعة الحفظ، وقوة الإدراك والفهم وبُطء النسيان، حتى قال غير واحد: إنه لم يكن يحفظ شيئًا فينساه. ثم توفي والده الشيخ شهاب الدين، وكان له حينئذ إحدى وعشرون سنة، فقام بوظائفه بعده، فدرَّس بدار الحديث السكَّرية وحضر عنده قاضي القضاة بهاء الدِّين بن الزكي، والشيخ تاج الدِّين الفزاري، وزين الدِّين بن المرحل، والشيخ زين الدِّين بن مُنجَّا وجماعة. وذكر درسًا عظيمًا في البسملة وهو مشهور بين الناس، وعظَّمه الجماعة

стр. 792

والحاضرون، وأثنوا عليه ثناء كثيرًا. قال الذهبي: وكان الشيخ تاج الدِّين الفَزَاري يبالغ في تعظيم الشيخ تقي الدين، بحيث إنه علق بخطه درسه بالسكَّرية. ثم جلس عقب ذلك مكان والده بالجامع على منبره أيام الجُمع لتفسير القرآن الكريم، وشرع من أول القرآن، فكان يورد من حفظه في المجلس نحو كراسين أو أكثر، وبقي يفسِّر سورة نوح عِدة سنين أيام الجمع. وفي سنة تسعين: ذكر يوم الجمعة شيئًا من الصفات؛ فقام بعض المخالفين، وسعوا في منعه من الجلوس، فلم يمكنهم ذلك. وقال قاضي القضاة شهاب الدِّين الخويي: أنا على اعتقاد الشيخ تقي الدين، فعوتب على ذلك، فقال: لأن ذهنه صحيح، وموادّه كثيرة، فهو لا يقول إلا الصحيح. قال الشيخ شرف الدِّين المقدسي: أنا أرجو بركتَه ودعاءه، وهو صاحبي، وأخي. ذكر البرازلي في «تاريخه». قال الذهبي في «معجم شيوخه»: تقي الدِّين شيخنا وشيخ الإسلام، فريد الزمان علمًا ومعرفة، وشجاعةً وذكاءً، وكرمًا ونصحًا للأمة، وأمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر، سمع الحديث وأكثر بنفسه في طلبه، وكتب ونظر في الرجال، والطبقات، وحصل ما لم يحصِّله غيره. وفاقَ الناس في معرفة الفقه، واختلاف المذاهب، وفتاوى الصحابة والتابعين، بحيث إنه إذا أفتى لم يلتزم بمذهب، بل بما يقوم عنده دليله. وعرف أقوال المتكلمين، وردَّ عليهم، ونبَّه على خطئهم، وحذَّر منهم، ونصر السنة بأوضح حجج

стр. 793

وأبهر براهين. وأُوذي في ذات الله من المخالفين، وأُخيف في نصر السنة المحضة، حتى أعلا الله مناره، وجمع قلوب أهل التقوى على محبته والدعاء له، وكبت أعداءه، وهدى به رجالًا من أهل الملل والنحل، وجبل قلوب الملوك والأمراء على الانقياد له غالبًا، وعلى طاعته، ومحاسنه كثيرة، وهو أكبر من أن ينبِّه على سيرته مثلي، فلو حلفت بين الركن والمقام وبالطلاق ألف طلقة (١): أني ما رأيتُ بعيني مثله، وأنه ما رأى مثل نفسه ما حنثت. إلى أن قال ابن رجب: وقد عُرِض عليه قضاء القضاة قبل التسعين، ومشيخة الحديث (٢)، فلم يقبل شيئًا من ذلك، قرأت ذلك بخط الإمام الذهبي. وقد كتب الذهبي في «تاريخه الكبير» للشيخ ترجمةً مطولةً، وقال: كان يكتب في اليوم والليلة من التفسير، أو من الفقه، أو من الأصلين، أو من الرد على الفلاسفة الأوائل: نحوًا من أربعة كراريس أو أزيد. قلت: وقد كتب «الحموية» في قَعْدةٍ واحدة، وهي أزْيد من ذلك. وكتب في بعض الأحيان في اليوم ما بُيِّض منه مجلدة. وكان ﵀ فريد دهره في فهم القرآن، ومعرفة حقائق الإيمان، وله يد طُوْلَى في الكلام على المعارف والأحوال، والتمييز بين الصحيح والسقيم، والمعوجّ والمستقيم. وللشيخ أثير الدِّين أبي حيان الأندلسي االنحوي ــ لما دخل الشيخ مصر واجتمع به، ويقال: إن أبا حيان لم يقل أبياتًا خيرًا منها ــ:

стр. 794

لما رأينا تقيَّ الدِّين لاح لنا ... داعٍ إلى الله فردٌ ما له وَزَر على محياه من سيما الأُولى صحبوا ... خير البرية نورٌ دونه القمر حبر تسربل منه دهره حِبَرا ... بحر تقاذَف من أمواجه الدرر قام ابن تيمية في نصر شِرْعتنا ... مقامَ سيّد تيمٍ إذ عصت مُضر فأظهر الدِّين إذ آثاره درست ... وأخمد الشرَّ إذ طارت له شرر يا من تحدث عن علم الكتاب أصِخ ... هذا الإمام الذي قد كان يُنتظر وحكى الذهبي عن الشيخ تقي الدِّين ابن دقيق العيد قال له ـ عند اجتماعه به وسماعه لكلامه ـ: ما كنت أظن أن الله بقي يخلق مثلك. وعن ابن الزَّمْلكاني: أنه سُئل عن الشيخ، فقال: لم نَر من خمس مئه سنة، أو أربع مئة سنة ـ الشك من الناقل. وغالب ظنه أنه قال: من خمسمائة سنة ـ: أحفظَ منه. قال الفقيه الأديب العلامة زين الدِّين عمر ابن الوردي في «تاريخه»: «تنقَّص مرة بعضُ الناس من ابن تيمية ﵀ عند قاضي القضاة كمال الدِّين الزَّمْلكاني وهو بحلب وأنا حاضر، فقال كمال الدين: ومن يكون مثل الشيخ تقي الدِّين في زهده، وصبره، وشجاعته، وكرمه، وعلومه، والله لولا تعرّضه للسلف لزاحمهم بالمناكب» انتهى. وكان القدوة أبو عبد الله محمد بن قوام يقول: ما أسلمت معارفنا إلا على يد ابن تيمية. والشيخ عماد الدِّين الواسطي كان يعظمه جدًّا، وتَلْمذ له، مع أنه كان

стр. 795

أسن منه. وكان يقول: قد شارف مقام الأئمة الكبار، ويناسب قيامه في بعض الأمور قيام الصديقين. وكتب رسالة إلى خواص أصحاب الشيخ يوصيهم بتعظيمه واحترامه، ويعرفهم حقوقه، ويذكر فيها: أنه طاف أعيان بلاد الإسلام، ولم يَر فيها مثل الشيخ علمًا وعملًا، وحالًا وخلقًا واتباعًا، وكرمًا وحلمًا في حق نفسه، وقيامًا في حق الله تعالى عند انتهاك حرماته، وأقْسَم على ذلك بالله ثلاث مرات. ثم قال: أصدق الناس عقدًا وأصحهم علمًا وعزمًا، وأنفذهم وأعلاهم في انتصار الحق وقيامه، وأسخاهم كفًّا، وأكملهم اتباعًا لنبيه محمد ﷺ ، ما رأينا في عصرنا هذا من تُسْتجلى النبوة المحمدية وسننها من أقواله وأفعاله إلا هذا الرجل، بحيث يشهد القلب الصحيح: أن هذا هو الاتباع حقيقة. قال الإمام الذهبي: لقد نصر السنة المحضة، والطريقة السلفية، واحتج [لها] ببراهين ومقدمات وأمور لم يسبق إليها، وأطلق عبارات أحجم عنها الأولون والآخرون وهابوا، وجسر هو عليها حتى قام عليه خلق من علماء مصر والشام قيامًا لا مزيد عليه، وبدَّعوه وناظروه وكابروه، وهو ثابت لا يداهن ولا يحابي، بل يقول الحق المر الذي أداه إليه اجتهاده، وحِدَّةُ ذهنه، وسَعَةُ دائرته في السنن والأقوال، مع ما اشتهر عنه من الورع، وكمال الفكرة، وسرعة الإدراك، والخوف من الله، والتعظيم لحرمات الله. فجرى بينه وبينهم حملات حربية، ووقعات شامية ومصرية، وكم من نوبة قد رموه عن قوس واحدة، فأنجاه الله، فإنه كان دائم الابتهال، كثير الاستعانة، قوي التوكل، ثابت الجأش، له أوراد وأذكار يدمنها بكيفية وجمعية. [وله محبون من] العلماء والصلحاء، ومن الجند والأمراء، ومن

стр. 796

التجار والكبراء، وسائرُ العامةِ تحبّه؛ لأنه منتصبٌ لنفعهم ليلًا ونهارًا، بلسانه وقلمه. وأما شجاعته: فبها تضرب الأمثال، وببعضها يتشبه أكابر الأبطال. وله إقدام وشهامة، وقوة نفس توقعه في أمورٍ صعبة، فيدفع الله عنه. وله نظم قليل وسط. ولم يتزوج، ولا تسرَّى، ولا له من المعلوم إلا شيء قليل. وأخوه يقوم بمصالحه، ولا يطلب منه غداءً ولا عشاءً في غالب الأوقات. وما رأيت في العالم أكرم منه، ولا أفرغ منه عن الدينار والدرهم، لا يذكره، ولا أظنه يدور في ذهنه، وفيه مروءة، وقيام مع أصحابه، وسَعْي في مصالحهم. وهو فقير لا مال له، وملبوسه كآحاد الفقهاء: فَرَجيَّة، ودَلَق، وعمامة تكون قيمة ثلاثين درهمًا، ومداس ضعيف الثمن، وشعره مقصوص. وهو ربع القامة، بعيد ما بين المنكبين، كأنَّ عينيه لسانان ناطقان، ويصلي بالناس صلاة لا تكون أطول من ركوعها ولا سجودها، وربما قام لمن يجيء من سفر أو غاب عنه، وإذا جاء فربما يقومون له، والكل عنده سواء، كأنه فارغ من هذه الرسوم ولم ينحنِ لأحدٍ قط، وإنما يسلِّم ويصافح ويبتسم، وقد يعظِّم جليسَه مرة، ويُهينه في المحاورة مرات. قلت: وقد سافر الشيخ مرةً على البريد إلى الديار المصرية يستنفر السلطان عند مجيء التتر سنةً من السنين، وتلا عليهم آيات الجهاد، وقال: إن تخليتم عن الشام ونصرة أهله والذب عنهم، فإن الله تعالى يقيم لهم من

стр. 797

ينصرهم غيركم، ويستبدل بكم، وتلا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ [التوبة: ٣٩]. وبلغ ذلك الشيخ تقي الدِّين بن دقيق العيد ــ وكان هو القاضي حينئذٍ ــ فاستحسن ذلك، وأعجبه هذا الاستباط، وتعجب من مواجهة الشيخ للسلطان بمثل هذا الكلام. وأما محن الشيخ: فكثيرة، وشرحها يطول جدًّا. وقد اعتقله مرة بعض نواب السلطان بالشام قليلًا، بسبب قيامه على نصراني سبَّ الرسول ﷺ : واعتقل معه الشيخ زين الدِّين الفارقي، ثم أطلقهما مكرمين. ولما صنف المسأله «الحموية» في الصفات؛ شنع بها جماعة، ونودي عليها في الأسواق على قصبة، وأن لا يُستفتى، من جهةِ بعض القضاة الحنفية. ثم انتصر للشيخ بعضُ الولاة، ولم يكن في البلد حينئذٍ نائب، وضرب المنادي وسكن الأمر. ثم امتُحِن سنة خمس وسبع مئة بالسؤال عن معتقده بأمر السلطان، فجمع نائبه القضاة واالعلماء بالقصر، وأحضر الشيخ، وسألهُ عن ذلك؛ فبعث الشيخ وأحضر من داره «العقيدة الواسطية» فقرؤوها في ثلاثة مجالس، وحاققوه، وبحثوا معه، ووقع الاتفاق بعد ذلك على أن هذه عقيدة سُنِّية سلفية، فمنهم من قال ذلك طوعًا، ومنهم من قاله كرهًا.

стр. 798

وورد بعد ذلك كتاب من السلطان فيه: إنما قصدنا براءة ساحة الشيخ، وتبين لنا أنه على عقيدة السلف. ثمَّ إن المصريين دبروا الحيلة في أمر الشيخ، ورأوا أنه لا يمكن البحث معه، ولكن يُعقد له مجلس، ويُدَّعى عليه، وتقام عليه الشهادات. وكان القائمون في ذلك منهم: بيبرس الجاشنكير، الذي تسلطن بعد ذلك، ونصر المنبجي، وابن مخلوف قاضي المالكية، فطُلِب الشيخ على البريد إلى القاهرة، وعقد له ثاني يوم وصوله ــ وهو ثاني عشرين من رمضان سنة خمس وسبعمائة ــ مجلس بالقلعة، وادُّعي عليه عند ابن مخلوف أنه يقول: إن الله تعالى تكلم بالقرآن بحرف وصوت، وأنه على العرش بذاته، وأنه يشار إليه بالإشارة الحسية. وقال المدعي ـ وهو ابن عدلان ـ: أطلبُ تعزيره على ذلك، التعزير البليغ ـ يشير إلى القتل على مذهب مالك ـ فقال القاضي: ما تقول يا فقيه؟ فحمد الله وأثنى عليه، فقيل له: أسرع ما جئت لتخطب، فقال: أُمنع من الثناء على الله تعالى؟ فقال القاضي: أجب، فقد حمدت الله تعالى. فسكت الشيخ، فقال: أجب. فقال الشيخ له: من هو الحاكم في؟ فأشاروا إلى القاضي وقالوا: هو الحاكم، فقال الشيخ لابن مخلوف: أنت خصمي، كيف تحكم في؟ وغضب، ومراده: أني وإياك متنازعان في هذه المسائل، فكيف يحكم أحد الخصمين على الآخر فيها، فأقيم الشيخ ومعه أخواه، ثم رُدَّ الشيخ، وقال: رضيت أن تحكم فيَّ، فلم يمكن له الجلوس، ويقال: إن أخاه الشيخ شرف الدِّين ابتهل، ودعا عليهم في حال خروجهم، فمنعه الشيخ، وقال له: قل: اللهم هب لهم نورًا يهتدون به إلى الحق.

стр. 799

ثم حُبِسوا في برج أيامًا، ونقلوا إلى الجب ليلة عيد الفطر، ثم بعث كتاب السلطان إلى الشام بالحط على الشيخ، وإلزام الناس ـ خصوصًا أهل مذهبه ـ بالرجوع عن عقيدته، والتهديد بالعزل والحبس، ونودي بذلك في الجامع والأسواق: ثم قُرئ الكتاب بسدة الجامع بعد الجمعة، وحصل أذى كثير للحنابلة بالقاهرة، وحبس بعضهم، وأخذ خطوط بعضهم بالرجوع، وكان قاضيهم الحراني قليل العلم. ثم في سلخ رمضان سنة ست: أحضر سلار ـ نائب السلطنة بمصر ـ القضاة والفقهاء، وتكلم في إخراج الشيخ، فاتفقوا على أن يُشترط عليه أمور، ويلزم بالرجوع عن بعض العقيدة، فأرسلوا إليه من يحضره، ليتكلموا معه في ذلك، فلم يُجب إلى الحضور، وتكرر الرسول إليه في ذلك مرات، وصمم على عدم الحضور، فطال عليهم المجلس، وانصرفوا عن غير شيءٍ. ثم في آخر هذه السنة وصل كتاب إلى نائب السلطنة بدمشق من الشيخ، فأخبر بذلك جماعة ممن حضر مجلسه، وأثنى عليه، وقال: ما رأيت مثله، ولا أشجع منه. وذكر ما هو عليه في السجن من التوجه إلى الله تعالى، وأنه لا يقبل شيئًا من الكسوة السلطانية، ولا من الإدرار السلطاني، ولا تدنَّس بشيء من ذلك. ثم في ربيع الأول سنة سبع وسبعمائة دخل مُهنَّا بن عيسى أمير العرب إلى مصر، وحضر بنفسه إلى السجن، وأخرج الشيخ منه، بعد أن استأذن في ذلك، وعُقد للشيخ مجالس حضرها أكابر الفقهاء وانفصلت على خير. وذكر الذهبي والبرزالي وغيرهما: أن الشيخ كتب لهم بخطه مجملًا من القول وألفاظًا فيها بعضُ ما فيها، لما خاف وهُدِّد بالقتل، ثم أُطلق وامتنع من

стр. 800

المجيء إلى دمشق. وأقام بالقاهرة يُقرئ العلم، ويتكلم في الجوامع والمجالس العامة ويجتمع عليه خلق. ثم في شوال من السنة المذكورة: اجتمع جماعة كثيرة من الصوفية، وشكوا من الشيخ إلى الحاكم الشافعي، وعقد له مجلس لكلامه في ابن عربي وغيره، وادَّعى عليه ابنُ عطاء بأشياء، ولم يَثْبُت منها شيءٌ، لكنه اعترف أنه قال: لا يُستغاث بالنبي ﵌، استغاثة بمعنى العبادة، ولكن يُتوسَّل به، فبعض الحاضرين قال: ليس في هذا شيء. ورأى الحاكم ابن جماعة: أن هذه إساءة أدب، وعنَّفه في ذلك، فحضرت رسالة إلى القاضي: أن يعمل معه ما تقتضيه الشريعة في ذلك، فقال القاضي: قد قلت له ما يقال لمثله. ثم إن الدولة خيرته بين أشياء، وهي الإقامة بدمشق أو بالاسكندرية، بشروط، أو الحبس، فاختار الحبس. فدخل عليه أصحابه في السفر إلى دمشق، ملتزمًا ما شُرِط عليه، فأجابهم، فأركبوه خيل البريد، ثم ردُّوه من الغد، وحضر عند القاضي بحضور جماعة من الفقهاء، فقال له بعضهم: ما ترضى الدولة إلا بالحبس، فقال القاضي: وفيه مصلحة له، واستناب التونسي المالكي، وأذن له أن يحكم عليه بالحبس، فامتنع، وقال: ما ثبت عليه شيء، فأذن لنور الدِّين الزواوي المالكي، فتحيَّر، فقال الشيخ: أنا أمضي إلى الحبس، وأتَّبع ما تقتضيه المصلحة، فقال الزواوي المذكور: فيكون في موضع يصلُح لمثله، فقيل له: ما ترضى الدولة إلا بمسمى الحبس، فأرسل إلى حبس القاضي وأُجلس في الموضع الذي أجلس فيه القاضي تقي الدِّين ابن بنت الأعز لما حُبِس، وأذن أن يكون عنده من يخدمه. وكان

стр. 801

جميع ذلك بإشارة نصر المنبجيّ. واستمر الشَّيخ في الحبس يستفتى ويقصده الناس، ويزورونه، وتأتيه الفتاوي المشكلة من الأمراء وأعيان الناس. وكان أصحابه يدخلون عليه أولًا سرًّا، ثمَّ شرعوا يتظاهرون بالدخول عليه، فأخرجوه في سلطنة الششنكير الملقب بالمظفر، إلى الإسكندرية على البريد، وحبس بها في برج حسن مضيء متسع، يدخل عليه من شاء، ويمنع هو من شاء، ويخرج إلى الحمام إذا شاء. وكان قد أخرج وحده، وأرجف الأعداء بقتله وتفريقه غير مرة، فضاقت بذلك صدور محبيه بالشام وغيره، وكثر الدعاء له، وبقي في الإسكندرية مدة سلطنة المظفر. فلما عاد الملك الناصر إلى السلطنة وتمكن، وأهلك المظفر، وحمل شيخه نصر المنبجي، واشتدت موجدة السلطان على القضاة لمداخلتهم المظفر، وعزل بعضهم: بادر بإحضار الشَّيخ إلي القاهرة مكرمًا في شوال سنة تسع وسبعمائة، وأكرمه السلطان إكرامًا زائدًا، وقام إليه، وتلقاه في مجلس حفل، فيه قضاة المصريين والشاميين، والفقهاء وأعيان الدولة. وزاد في إكرامه عليهم، وبقي يسُارّه ويستشيره سويعة، وأثنى عليه بحضورهم ثناء كثيرًا، وأصلح بينه وبينهم. ويقال: إنَّه شاوره في أمر همَّ به في حق القضاة، فصرفه عن ذلك، وأثنى عليهم، وأن ابن المخلوف كَانَ يقول: ما رأينا أفتى من ابن تَيْمِيَّة، سعينا في دمه. فلما قدر علينا عفا عنا. واجتمع بالسلطان مرة أخرى بعد أشهر، وسكن الشَّيخ بالقاهرة، والناس يترددون إليه، والأمراء والجند، وطائفة من الفقهاء، وفيهم من يعتذر إليه ويتنصل مما وقع منه.

стр. 802

قال الدَّهبيّ: وفي شعبان سنة إحدى عشرة: وصل النبأ أنَّ الفقيه البكري ــ أحد المبغضين للشيخ ــ استفرد بالشيخ بمصر، ووثب عليه، ونتش بأطواقه، وقال: احضر معي إلى الشرع، فلي عليك دعوى، فلما تكاثر الناس انملص، فطُلِب من جهة الدولة، فهرب واختفي. وذكر غيره: أنَّه ثار بسبب ذلك فتنة، وأراد جماعة الانتصار من البكري فلم يُمَكنهم الشَّيخ من ذلك. واتفق بعد مدة: أنَّ البكري همّ السلطان بقتله، ثمَّ رسم بقطع لسانه؛ لكثرة فضوله وجراءته، ثمَّ شفع فيه، فنفي إلى الصعيد، ومنع من الفتوى والكلام في العلم. وكان الشَّيخ في هذه المدة يُقْرئ العلم، ويجلس للناس في مجالس عامة. ثم قدم إلى الشَّام هو وإخوته سنة اثنتي عشرة بنيَّة الجهاد، لما قدم السلطان لكشف التتر عن الشَّام. فخرج مع الجيش، وفارقهم من عسقلان، وزار البيت المقدس. ثمَّ دخل دمشق بعد غيبته عنها فوق سبع سنين، ومعه أخواه وجماعة من أصحابه، وخرج خلق كثير لتلقيه، وسُرَّ الناس بمقدمه، واستمر على ما كَانَ عليه أولًا، من إقراء العلم، وتدريسه بمدرسة السكرية، والحنبلية، وإفتاء الناس ونفعهم. ثمَّ في سنة ثمان عشرة: ورد كتاب من السلطان بمنعه من الفتوى في مسألة الحلف بالطلاق بالتكفير، وعُقِد له مجلس بدار السعادة، ومنع من ذلك، ونودي به في البلد.

стр. 803

ثمَّ في سنة تسع عشرة عُقِد له مجلس أيضًا كالمجلس الأوَّل، وقرئ كتاب السلطان بمنعه من ذلك، وعوتب على فتياه بعد المنع، وانفصل المجلس على تأكيد المنع. ثمَّ بعد مدة عُقِد له مجلس ثالث بسبب ذلك، وعوتب وحبس بالقلعة. ثمَّ حبس لأجل ذلك مرة أخرى. ومنع بسببه من الفتيا مطلقًا، فأقام مدة يفتي بلسانه، ويقول: لا يسعني كتم العلم. وفي آخر الأمر: دبروا عليه الحيلة في مسألة المنع من السفر إلى قبور الأنبياء والصالحين، وألزموه من ذلك التنقص بالأنبياء، وذلك كفر، وأفتى بذلك طائفة من أهل الأهواء، وهم ثمانية عشر نفسًا، رأسهم القاضي الإخنائِي المالكي وأفتى قضاة مصر الأربعة بحبسه، فحبس بقلعة دمشق سنتين وأشهرًا. وبها مات رحمه الله تعالى ورضي عنه. وقد بيَّن ﵀: أنَّ ما حكم عليه به باطل بوجوه كثيره جدًّا، وأفتى جماعة: أنه يخطئ كخطأ المجتهدين المغفور لهم، ووافقه جماعة من علماء بغداد. وكذلك ابنا أبي الوليد المالكي شيخ المالكية بدمشق أفتيا: أنَّه لا وجه للاعتراض عليه فيما قاله أصلًا، وأنَّه نقل خلاف العلماء في المسألة، ورجَّح أحدَ القولين فيها. وبقي مدة في القلعة يبث (١) العلم ويصنفه، ويرسل إلى أصحابه الرسائل، ويذكر ما فتح الله به عليه هذه المرة من العلوم العظيمة، والأحوال الجسيمة.

стр. 804

وقال: قد فتح الله عليَّ في هذا الحصن في هذه المرة من معاني القرآن، ومن أصول العلم بأشياء، كَانَ كثير من العلماء يتمنونها، وندمت على تضييع أكثر أوقاتي في غير معاني القرآن، ثمَّ إنَّه مُنِع من الكتابة، ولم يُترك عنده دواة ولا قلم ولا ورق، فأقبل على التلاوة والتهجد والمناجاة والذكر. قال الذهبي في «تاريخه الكبير»: ولما كان معتقلًا في الإسكندرية، التمس منه صاحب سبتة أن يجيز لأولاده، فكتب لهم في ذلك نحوًا من ست مئة سطرٍ، منها سبعة أحاديث بأسانيدها والكلام على صحتها ومعانيها، وبحث وعمل، فإذا نظر فيه المحدث خضع له في صناعة الحديث. وذكر أسانيدَه في عدة كتب، ونبَّه على العوالي، عمل ذلك كله من حفظه، من غير أن يكون عنده ثبت أو ما يراجعه. قال في «فوات الوفيات» (١): منع من الكتابة والمطالعة، وأخرجوا ما عنده من الكتب، ولم يتركوا له دواةً، ولا قلمًا، ولا ورقةً، وكتب عقب ذلك بفحمٍ. وكان يقول: إن إخراج الكتب من عنده من أعظم النعم. قال الحافظ ابن القيم ﵀ : قال لي مرة: ما يصنع أعدائي بي؟ جنتي في قلبي، وبستاني في صدري، أين رحت فهي معي؛ لا تفارقني، أنا حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة. وكان في حبسه في القلعة يقول: لو بذلت ملء هذه القلعة ذهبًا ما عدل عندي شكر هذه النعمة. أو قال: ما جزيتهم عل ما تسَبَّبوا لي فيه من الخير، وكان يقول في سجوده: اللهم أعنّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.

стр. 805

وقال مرة: المحبوس من حُبس قلبُه عن ربه، والمأسور من أسره هواه. ولما دخل إلى القلعة وصار داخل سورها، نظر إليه، وقال: ﴿بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (١٣) يُنَادُونَهُمْ﴾ [الحديد: ١٣]. قال شيخنا: وعلم الله ما رأيت أحدًا أطيب عيشًا منه قط، مع ما كان فيه من الحبس، والتهديد، والإرجاف، وهو مع ذلك أطيب الناس عيشًا، وأشرحهم صدرًا، وأقواهم قلبًا، وأسرّهم نفسًا، تلوح نضرة النعيم على وجهه. وكان إذا اشتد بنا الخوف، وساءت بنا الظنون، وضاقت بنا الأرض؛ أتيناه، فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه، فيذهب عنا ذلك كله، وينقلب انشراحًا وقوة ويقينًا وطمأنينة. كل هذا في «طبقات الحنابلة» لابن رجب. وقال الشِّهاب بن فضل الله العمري في «مسالك الأبصار». منهم: أحمد بن عبد الحليم الحرَّاني، الحافظ الحجة. هو البحرُ من أيِّ النواحِي أتيته، والبدرُ من أيّ الضَّواحِي رأيته، جَرَتْ آباؤُه لِشَأْوٍ ما قَنِعَ به، ولا وقفَ عنده طليحًا مُريحًا من تَعَبه. رَضَعَ ثَدْيَ العلمِ مُنذُ فُطِم، وطَلعَ وجهُ الصباحِ ليُحَاكِيَهُ فَلُطِم، وقَطَعَ الليلَ والنهارَ دائبينِ، واتخذ العلمَ والعملَ صاحبَينِ، إل أن أنسَى السلفَ بِهُداه، وأنْأى الخَلَفَ عن بلوغِ مَدَاه. أحْيَا معالمَ بيتهِ إذْ دَرَسَ، وجَنَى من فَنَنِه الرَّطيبِ ما غَرَسَ، فأصبحَ في فضله آيةً إلّا أنه آيةُ الحَرَسِ، عَرضَتْ له الكُدَى فزَحْزَحَها، وعارضَتْه البحارُ فضَحْضَحَها، كان أُمَّةً وحدَه، وفردًا حتَّى نزلَ لَحْدَه. أخْمَلَ من القُرَناءِ كلَّ

стр. 806

عَظِيم، وأخْمَدَ من أهل الفناءِ كلَّ قديم، ولم يكن منهم أحد إلّا يُجْفِلُ عنه إجفالَ الظَّليم، ويَتَضاءلُ لديه تَضاؤُلَ الغَرِيم. جاء في عصرٍ مأهولٍ بالعلماء، مشحونٍ بنجوم السماء، تَمُوجُ في جانبَيهِ بحورٌ خَضَارِمُ، وتَطِيرُ بين خافِقَيهِ نُسُورٌ قَشَاعِمُ، وتُشْرِقُ في أنديتهِ بُدورُ دُجُنَّةٍ، وصدورُ أسِنَّةٍ، إلّا أن صَبَاحَه طَمَسَ تلك النجوم، وبَحْرَهُ طَمَّ على تِلكَ الغُيُوم، ففَاءَتْ سُمْرَتُه على تلك التِّلاعِ، وأطلَّتْ قَسورتُه على تلك السِّبَاعِ، تُمَّ عُبِّئَتْ له الكتائبُ فحَطَّمَ صفوفَهَا، وخَطَمَ أُنوفَها، وابتلَعَ غَدِيرُهُ المطمئنُّ جَداولَها، واقتلَعَ طَوْدُهُ المُرْجَحِنُّ جَنادِلَها، وأخمدتْ أنفاسَهم رِيحُه، وأكْمَدَتْ شَرَاراتِهم مصابيحُه، نَقَلَ عن أئمة الإجماع فمَنَ سِواهم مذاهبَهم المختلفةَ واستَحْضَرَها، ومَثَّل صُوَرَهم الذاهبةَ وَأحْضَرها، فلو شَعَر أبو حنيفةَ بزَمانِه ومَلَكَ أمرَه لأدْنَى عَصْرَهُ إليه مُقترِبًا، أو مالكٌ لأجْرَى وراءَه أشهبَه ولو كَبَا، أو الشافعيُّ لقالَ: ليتَ هذا كان للأمِّ وَلَدًا ولَيتَني كنت له أخًا أو أبًا، أو الشيبانيُّ ابنُ حنبلٍ لما لامَ عِذَارَه إذا غَدا منه لفَرْطِ العَجبِ أشْيَبَا، لَا بَل داودُ الظاهريُّ وسِنَان الباطنيُّ لظَنَّا تحقيقَه من مُنتَحَلِه، وابنُ حَزْمٍ والشَّهْرِستانيُّ لحَشَرَ كلٌّ منهما ذِكرَه أمَّة في نِحَلِه، والحاكمُ النَّيسابوري والحافظ السِّلَفي لأضافَه هذا إلى استدراكِه وهذا إلى رِحَلِه. تَرِدُ إليه الفتاوى ولا يَردُّها، وتَفِدُ عليه فيُجِيب عليها بأجوبةٍ كأنَّهُ كان قاعدًا لها يُعِدُّهَا. ولقد تَضَافَرتْ عليه عُصَبُ الأعداءِ [فَأُقْحِمُوا] إذْ هَدَرَ فَحْلُه، وأُفْحِمُوا إذْ زَمزَمَ ليجني الشهدُ نَحْلُه، ورُمِيَ بالكبَائرِ، وتُرُبِّصَتْ به الدَّوائِرُ، وسُعِيَ به ليُؤْخَذَ بالجَرائِر، وحَسَدَه مَن لم يَنَل سَعْيَه وكثر فَارتَابَ، ونَمَّ وما زادَ على أنَّه

стр. 807

اغتابَ. وكان قبلَ مَوتِه قَد مُنِعَ الدَّواةَ والقَلَم، وطُبِع على قلبه منها طابعُ الألَمِ، فكان مبدأُ مَرَضِه ومَنْشَأُ عَرَضِه، حت نزل قِفارَ المقابر، وترك فِقَارَ المنابِر، وحَلَّ ساحةَ تُربِه ومَا يُحاذِر، وأخذَ راحةَ قَلبِه من اللائمِ والعاذِر، فماتَ لا بل حَيِي، وعُرِفَ قَدْرُه لأنَّ مِثلَه رُئِي. وكان يومُ دَفْنِه يَومًا مشهودًا ضاقت به بواطن البلدةِ وظواهِرُها، وتُذُكِّرَتْ به أوائِلُ الرَّزايا وأواخِرُها، ولم يكن [أعظم منها] مُنذُ مِئِينَ سِنِينَ جنازة رُفِعَتْ على الرِّقَابِ، ووُطِئَتْ في زحَامِهَا الأعقابُ، وسارَ مرفوعًا على الرُّؤوس، متبوعًا بالنفوس، تَحْدُوهُ العَبَرات، وتَتْبَعُه الزَّفَرات. وكان في مَدَد ما يؤخذ عليه في مقاله ويُنْبَذُ في حُفْرةِ اعتقالِه، لا تَبرُد [له] غُلَّة بالجمع بينه وبين خُصَمائه بالمناظرة، والبحثِ حيث العيونُ ناظرة، بل يَبدُر حاكمٌ فيحكمُ باعتقاله، أو يمنعه من الفتوى, أو بأشياءَ من نوعِ هذه البلوى، لا بعد إقامة بيّنةٍ ولا تقدُّمِ دعوَى، ولا ظهورِ حجّةٍ بالدليل، ولا وضوح محجَّةٍ للتأميل. كضَرائرِ الحسناءِ قُلنَ لِوَجْهِها ... حسَدًا وبُغضًا إنه لَدَميمُ كلُّ هذا لتبريزه في الفَضْل حيثُ قصَّرتِ النُّظَراءُ، وتَجلِّيْهِ كالمصباحِ إذْ أظلمت الآراءُ، وقيامِه في حُجَّةِ التتارِ، واقتحامِه، وسيوفُهم تتدفَّقُ لُجَّةَ البِدار، حتَّى جَلَس إلى السلطان محمود غازان حيث تَجِم الأُسْدُ في آجامِها، وتَسقُط القلوبُ في دواخلِ أجسامِها، وتَجِدُ النارُ فتورًا في ضَرَمِها، والسيوفُ فرقًا فِي قَرَمِها، خوفًا من ذلك السَّبُعِ المغتال، والنمروذِ المختال، والأجل الذي لا

стр. 808

يُدفَع بحيلةِ مُحتال، فجلس إليه وأومأ بيده إلى صدره، وواجَهَه ودرأ في نَحْرِه، وطَلَبَ منه الدُّعَا، فرفعَ يديه ودعَا، دُعاءَ مُنصفٍ أكثرُه عليه، وغازانُ يؤمِّنُ على دعائه وهو مُقبلٌ عليه. ثمَّ كان على هذه المواجهة القبيحة، والمشاتمة الصريحة، أعظم في صدرِ غازان والمُغَل من كلّ من طلعَ معه إليهم، وهم سلف العلماء في ذلك الصَّدْر، وأهل الاستحقاقِ لرِفعةِ القَدْر. هذا مع ما له من جهادٍ في الله لم يُفزِعْه فيه طلل الوشيج، ولم يُجزِعْه ارتفاع النشيج، مواقفُ حروبٍ باشرَها، وطوائفُ ضروبٍ عاشرَها، وبَوارِقُ صِفاحٍ كاشَرَها، ومضايقُ رِماحٍ حاشَرَها، وأصناف خُصوم اقتحمَ معها الغمراتِ، وواكلَها مختلفَ الثَّمرات، وقَطَع جِدالَها قوِيُّ لسانِه، وجِلادَها شَبَا سِنانِه، قامَ بها وصابرَها، وبُلِي بأصاغرِها وقاسَى أكابرَها، وأهلِ بِدَعٍ قامَ في دِفاعِها، وجَهدَ في حَطِّ يَفَاعِها، ومخالفةٍ لِمَللٍ بَيَّنَ لها خطأ التأويلِ، وسَقَمَ التَّعليلِ، وأسكَتَ طَنِينَ الذُّباب في خياشيم رؤوسهم بالأضاليل، حتى ناموا في مراقدِ الخضُوع، وقاموا وأرجلُهم تَتساقَطُ للوقوع، بأدِلَّةٍ أقطعَ من السيوف، وأجمعَ من السُّجُوف، وأجلى من فَلَقِ الصَّباح، وأجلبَ من فِلَقِ الرّماحِ. إلّا أنَّ سابقَ المقدور أوقَعَه في خَلَلِ المَسَائل، وخَطَأٍ خَطَل لا يأمَنُ فيه مع الإكثارِ قائِلٌ، وذلك لحطِّه على بعض سلفِ العلماء، وحَلِّه لقواعدَ كثيرةٍ من نواميس القدماء، وقِلَّةِ توقيرِه للكُبَراء، وكثرةِ تكفيره للفُقراء، وتزييفه لغالبِ الآراء، وتقريبه لجهَلَةِ العوامِّ وأهلِ المِراء، وما أفتَى به آخرًا في مسألتَي الزيارةِ والطلاق، وإذاعتِه لهما حتى تكلّم فيهما من لا دينَ له ولا خلاق، فسلّط ذُبالَ الأعداءِ على سَلِيطه، وأطلقَ أيديَ الاعتداءِ في تفريطِه،

стр. 809

ولَقَّمَ نارَهم سَعَفَه، وأرَى أقساطهم سَرَفَه، فلم يَزَلْ إلى أن ماتَ عِرْضُه منهوبًا، وعَرْضُه مَوْهُوبًا، وصَفَاتُه تَتصدَّع، ورُفاتُه لا يتجمَّع، ولعلَّ هذا لخيرٍ أُريدَ به، وأُرِيغَ له لحُسنِ مُنقَلَبه. هذا مع ما جَمعَ من الورع، وما حازَه بحذافيرِ الوجود من الجود، كانت تأتيه القَناطيرُ المقنطرةُ من الذهب والفضة والخيلِ المُسَوَّمةِ والأنعام والحرثِ، فيَهَبُه بأجمعِه، ويَضعُه عند أْهل الحاجةِ في موضعِه، لا يأخذُ منه شيئًا إلا ليهبَه، ولا يَحفظُه إلّا ليُذْهِبَه كُلَّه في سبيل البرّ، وطريق أهلِ التواضع لا أهلِ الكِبْر. لم يَمِلْ به حُبُّ الشهوات، ولا حُبِّبَ إليه من ثلاثِ الدنيا إلا الصلوات. وما زال على هذا إلى أن صرعه أجلُه، وأتاهُ بشيرُ الجنة يستعجله، فانتقل إلى الله والظنُّ به أنَّه لا يُخجِلهُ. ولما قَدمَ غازانُ دمشقَ خرج ابن تيمية ﵁ إليه في جماعة من صلحائهم القدوة الشيخ محمد بن قوام، فلمَّا دخلوا على غازانَ وكان ممّا قاله ابن تيمية للترجمان: قُلْ للقانِ: أنت تزعُم أنك مسلم ومعك قاضٍ وإمامٌ وشيخ ومؤذن على ما بلغَنا، فغَزوتَنا، وأبوكَ وجَدُّك هُولاكو كانا كافرينِ وما عَمِلَا الذي عملتَ، عَاهَدا فَوَفَيا، وأنتَ عاهدتَ فغدرتَ، وقُلتَ فما وفيتَ. وجرتْ له مع غازان وقطلوشاه وبولاي أمورٌ ونُوبٌ، قام فيها كلها لله، ولم يخشَ إلّا اللهَ. أخبرنا قاضي القضاةِ أبو العباس ابن [صصري] أنهم لمَّا حضروا مجلسَ غازان قُدِّمَ لهم طعامٌ فأكلوا منه إلا ابنَ تيمية فقيل له: لِمَ لا تأكُلُ؟ قال: كيف آكلُ من طعامكم وكلُّه ممَّا نَهَبتُم من أغنامِ الناس، وطَبختُموه مما

стр. 810

قطعتم من أشجار الناس. ثمَّ إن غازان طلبَ منه الدعاءَ، فقال: اللهمّ إن كنتَ تَعلمُ أنه إنما يقاتل لتكون كلمةُ اللهِ هي العليا وجهادًا في سبيلك فان تؤيده وتنصره، وإن كان للملك والدنيا والتكاثر فان تفعل به وتصنع، يدعو عليه وغازان يؤمن على دعائه ونحن نجمع ثيابنا خوفًا أن يُقتل فيطرطش بدمه. ثم لما خرجنا قلنا له: كدتَ تهلكنا معك ونحن ما نصحبك من هنا، قال: ولا أنا أصحبكم، فانطلقنا عُصبةً، وتأخر في خاصة من معه، تسامعت الخوانين والأمراء، فأتوه من كل فج عميق، وصاروا يتلاحقون به ليتبركوا برؤيته، فأما هو فما وصل إلا في نحو ثلثمائة فارس في ركابه، أما نحن فخرج علينا جماعة، فسلحونا. وكان قاضي القضاة أبو عبد الله الحريري يقول: إن لم يكن ابن تيمية شيخ الإسلام فمن هو؟ ! ثم بعد ذلك تمكن ابن تيمية ﵁ في الشام حتى صار يَحلِق الرؤوس ويضرب الحدود ويأمر بالقطع والقتل. ثم ظهر الشيخ نصر المنبجي واستولى على أرباب الدولة بالقاهرة، وشاع أمره وانتشر، فقيل لابن تيمية ﵁: إن نصرًا اتّحادي، وإنَّه ينصر مذهب ابن عربي وابن سبعين، فكتب إليه نحو ثلاثمائه سطر يُنكر عليه، فتكلم نصر المنبجي مع قضاة مصر في أمره، وقال: هذا مبتدع، وأخاف على الناس شرَّه، فحسَّنَ القضاةُ للأمراء طلبَه إلى القاهرة، وأن يُعقد له مجلس، [فعُقد له مجلس] بدمشق، فلم يرضَ نصر المنبجي وقال لابن مخلوف: قل للأمراء: إن هذا يُخشَى على الدولة منه، كما جرى لابن تومرت في بلاد المغرب فطُلِبَ من الأفرم نائب دمشق، فعُقِد له مجلس ثانٍ وثالث، بسبب العقيدة الحموية، ثم
следующие страницы →