إلا العلم المحض، فإذا باطل مخالف لإجماع الأمة وأئمتها.
وإن أراد بذلك أن الله لا تحيط به مخلوقاته، ولا يكون في جوف الموجودات، فهذا مذكور مصرح به في كلامي (١)، فأي فائدة في تجديده؟
وأما قول القائل: لا يقول إن كلام الله حرف وصوت قائم به، بل هو معنى قائم بذاته [فليس في كلامي (٢) هذا -أيضًا- ولا قلته قط، بل
стр. 107
قول القائل: إن القرآن حرف وصوت قائم به بدعة، وقوله: إنه معنى قائم بذاته] (١) بدعة لم يقل أحد من السلف لا هذا ولا هذا، وأنا (٢) ليس في كلامي شيء من البدع، بل في كلامي ما أجمع عليه السلف أن القرآن كلام الله غير مخلوق (٣).
وأما قول القائل: إنه لا يشار إليه بالأصابع إشارة حسية، فليس هذا اللفظ في كلامي [بل في كلامي] (٤) إنكار ما ابتدعه المبتدعون من الألفاظ النافية، مثل قولهم: إنه لا يشار إليه، فإن هذا النفي -أيضًا- بدعة.
فإن أراد القائل أنه لا يشار إليه أنه ليس محصورًا في المخلوقات، أو غير ذلك من المعاني الصحيحة , فإذا حق، وإن أراد أن من دعا الله لا يرفع إليه يديه، فهذا خلاف ما تواترت به السنن عن النبي ﷺ وما فطر الله عليه عباده من رفع الأيدي إلى الله في الدعاء، وقد قال النبي ﷺ : "إن الله حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما إليه صفرًا" (٥)، وإذا سمى المسمي ذلك إشارة حسية، وقال: إنه
стр. 108
لا يجوز، لم يقبل منه (١).
وأما قول القائل: لا (٢) يتعرض لأحاديث الصفات وآياتها عند العامة، فما فاتحت عاميًا في شيء من ذلك قط.
وأما الجواب بما بعث الله به رسوله للمسترشد المستهدي فقد قال النبي ﷺ : "من سئل عن علم يعلمه فكتمه، ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار" (٣). وقال (٤) تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ (٥). . . الآية، فلا يؤمر العالم (٦) بما يوجب لعنة الله عليه.
стр. 109
فأخذا الجواب (١) وذهبا فأطالا الغيبة ثم رجعا, ولم يأتيا بكلام محصل إلا طلب الحضور، فأغلظت لهم في الجواب، وقلت لهم بصوت رفيع (٢): يا مبدلين (٣) يا مرتدين (٤) عن الشريعة يا زنادقة (٥)
стр. 110
وكلامًا (١) آخر كثيرًا، ثم قمت وطلبت فتح الباب والعود إلى مكاني.
وقد كتبت هنا بعض ما يتعلق بهذه المحنة، التي طلبوها مني في هذا اليوم وبينت بعض ما فيها من تبديل الدين واتباع غير سبيل المؤمنين لما في ذلك من المنفعة للمسلمين، وذلك من وجوه كثيرة، نكتب منها ما يسر (٢) الله تعالى:
الوجه الأول:
إن هذا الكلام أمر فيه بهذا الكلام المبتدع الذي لم يؤثر عن الله ولا عن أحد من رسله، ولا عن أحد من سلف الأمة وأئمتها، بل هو من ابتداع بعض المتكلمين الجهمية (٣) الذي وصف ربه فيه بما وصفه، ونهى فيه عن كلام الله، وكلام رسوله الذي وصف به نفسه ووصفه (٤) به رسوله
стр. 111
أن يفتي به (١)، أو يكتب به، أو يبلغ لعموم الأمة، وهذا نهى عنه القرآن والشريعة والسنة والمعروف والهدى والإرشاد (٢) وطاعة الله ورسوله، وعن ما تنزلت به (٣) الملائكة من عند الله على أنبيائه، وأمر بالنفاق والحديث المفترى من دون الله، والبدعة (٤) والمنكر والضلال (٥) وطاعة أولياء من دون الله واتباع لما تنزلت به الشياطين، وهذا من أعظم تبديل دين الرحمن بدين الشيطان، واتخاذ أنداد (٦) من دون الله، قال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٧) وقال تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ (٨) الآية.
وهذا الكلام نهى فيه عن سبيل المؤمنين، وأمر بسبيل (٩) المنافقين وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ (١٠) فذم سبحانه من كان من أهل الكتاب نبذ (١١) كتاب الله وراء ظهره، واتبع ما تقول (١٢) الشياطين، ومن
стр. 112
أمر بهذا الكلام فقد أمر بنبذ كتاب الله وراء الظهر، حيث أمر بترك التعرض لما وصف الله به نفسه ووصفه (١) به رسوله وذلك آيات الصفات وأحاديث الصفات، فأمر بأن لا يفتى بها ولا يكتب بها ولا تبلغ لعموم الأمة (٢)، وهذا من أعظم الإعراض عنها والنبذ لها وراء الظهر، وأمر من ذلك باعتقاد هذه الكلمات المتضمنة لمخالفة ما جاءت به الرسل -كما سنبينه إن شاء الله تعالى- وقد قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾. . . الآية، إلى قوله: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ (٣). . . الآية.
فبين -سبحانه- أن للأنبياء عدوًا من شياطين الإنس والجن يعلم بعضهم بعضًا بالقول المزخرف غرورًا، وأخبر أن الشياطين توحي إلى أوليائها بمجادلة المؤمنين، فالكلام الذي يخالف ما جاءت به الرسل هو من وحي الشياطين وتلاوتهم، فمن أعرض عن كتاب الله واتباعه، فقد نبذ كتاب الله وراء ظهره واتبع ما تتلوه شياطين الإنس والجن.
الوجه الثاني:
إن قول القائل: نطلب منه أن لا يتعرض لأحاديث الصفات وآياتها عند العوام، ولا يكتب بها إلى البلاد ولا في الفتاوى المتعلقة بها: يتضمن إبطال أعظم أصول الدين ودعائم التوحيد، فإن من أعظم آيات الصفات آية الكرسي التي هي أعظم آية في القرآن، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح (٤) وقل هو الله أحد، التي تعدل ثلث القرآن، كما
стр. 113
استفاضت لذلك الأحاديث (١) عن (٢) النبي ﷺ وكذلك فاتحة الكتاب التي لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها، كما ثبت ذلك في الصحيح (٣) -أيضًا- وهي أم القرآن التي لا تجزئ
стр. 114
الصلاة إلّا بها (١)، فإن قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٢) كل ذلك من آيات الصفات باتفاق المسلمين (٣)، وقيل هو الله أحد، قد ثبت في الصحيحين عن عائشة أن رسول الله ﷺ بعث رجلًا على سرية، وكان يقرأ لأصحابه فيختم بـ:
стр. 115
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (١) فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "سلوه لأي شيء يصنع ذلك؟ " فسألوه فقال: لأنها صفة الرحمن، فأنا أحب أن أقرأ بها، فقال رسول الله ﷺ : "أخبروه أن الله يحبه" (٢).
وهذا يقتضي أن ما كان صفة لله من الآيات فإنه يستحب قراءته، والله يحب ذلك، ويحب من يحب ذلك، ولا خلاف بين المسلمين في استحباب قراءة آيات الصفات في الصلاة الجهرية التي يسمعها العامي وغيره، بل بسم الله الرحمن الرحيم من آيات الصفات، وكذلك أول سورة الحديد (٣)، إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٤) هي من آيات الصفات، وكذلك آخر سورة الحشر، هي من أعظم (٥) آيات الصفات، بل جميع أسماء الله الحسنى هي مما وصف الله بها (٦) نفسه، كقوله: الغفور، الرحيم، العزيز، الحكيم، العليم، القدير، العلي، العظيم، الكبير، المتعال، القوي، العزيز، الرزاق (٧)، ذو القوة المتين، الغفور، الودود، ذو العرش المجيد، فعّال لما يريد،
стр. 116
وما أخبر الله بعلمه، وقدرته، ومشيئته، ورحمته، وعفوه، ومغفرته، ورضاه، وسخطه، ومحبته، وبغضه، وسمعه، وبصره، وعلوه (١)، وكبريائه، وعظمته، وغير ذلك، كل ذلك من آيات الصفات، فهل يؤمر من آمن بالله ورسوله بأن يعرض عن هذا كله، وأن لا يبلغ المؤمنين من أمة محمَّد ﷺ هذه الآيات ونحوها من (٢) الأحاديث وأن لا يكتب بكلام الله وكلام رسوله الذي هو آيات الصفات وأحاديثها إلى البلاد ولا يفتى من ذلك ولا به، وقد قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (٣) وأسوأ أحوال العامة أن يكونوا أميين، فهل يجوز أن ينهى عن (٤) أن يتلى على الأميين آيات الله أو عن [أن] (٥) يعلموا الكتاب والحكمة.
ومعلوم أن جميع من أرسل إليه الرسول من العرب كانوا قبل معرفة الرسالة أجهل من عامة المؤمنين اليوم، فهل كان النبي ﷺ ممنوعًا من تلاوة ذلك عليهم وتعليمهم إياه أو مأمورًا به؟ أوليس هذا من أعظم الصد عن سبيل الله؟ وقد قال (٦) تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ﴾ (٧). . . . الآية، وقال: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ (٨) أوليس هذا نوعًا من الأمر بهجر القرآن والحديث وترك استماعه، وقد قال تعالى:
стр. 117
﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ (١). . . . الآية، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٤)، فهل (٥) قال: فاستمعوا له إلا لأعظم ما فيه وهو ما وصفت به نفسي فلا تستمعوه (٦)، أو لا تسمعوه لعامتكم، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ (٧)، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٨)، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ (٩). . . . الآية، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (١٠). . . الآية، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ (١١)، وقال تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ
الوجه الرابع:
إن كتب الصحاح والسنن والمسانيد هي المشتملة على أحاديث الصفات، بل قد بوب فيها أبواب، مثل كتاب التوحيد والرد على الزنادقة والجهمية، الذي هو آخر كتاب صحيح البخاري (١)، ومثل كتاب الرد على الجهمية في سنن أبي داود (٢)، وكتاب النعوت في سنن
стр. 122
النسائي (١)، فإن هذه مفردة لجميع (٢) أحاديث الصفات، وكذلك قد تضمن (٣) كتاب السنة من سنن ابن ماجه (٤) ما تضمنه، وكذلك تضمن
نعيم (١)، والجوزقي (٢)، وغير ذلك من المصنفات الأمهات التي لا يحصيها إلا الله، دع ما قبل ذلك من مصنفات حماد بن سلمة (٣)،
стр. 139
وعبد الله بن المبارك (١)، وجامع الثوري (٢)، وجامع ابن عيينة (٣)، ومصنفات. . . . . . . . . . . . . . .
стр. 140
وكيع (١)، وهشيم (٢)، وعبد الرزاق (٣)، وما لا يحصيه إلا الله، فهل امتنع الأئمة من قراءة هذه الأحاديث على عامة المؤمنين، أو منعوا من ذلك؟ أم ما زالت هذه الكتب يحضر (٤) قراءتها ألوف مؤلفة من عوام المؤمنين قديمًا وحديثًا؟ وأيضًا فهذه الأحاديث، لما حدث بها الصحابة والتابعون ومن اتبعهم من المخالفين، هل كانوا يخفونها عن عموم المؤمنين ويتكاتمونها ويوصون بكتمانها؟ أم كانوا يحدثون بها كما كانوا يحدثون بسائر سنن رسول الله ﷺ ؟ وإن نقل عن بعضهم أنه امتنع من
стр. 141
رواية بعضها في بعض الأوقات (١)، فإذا كما قد كان هذا يمتنع عن رواية بعض أحاديث الفقه (٢) والأحكام، وبعض أحاديث القدر والأسماء والأحكام والوعيد، وغير ذلك في بعض الأوقات، ليس ذلك مخصوصًا عنده بهذا الباب، وهذا كان يفعله بعضهم ويخالفه فيه غيره، وذلك لأنه قد يرى أن روايتها تضر ببعض (٣) الناس في بعض الأوقات، ويرى الآخر أن ذلك لا يضر بل ينفع، فكان هذا مما قد يتنازعون فيه في بعض الأوقات.
فأما المنع من تبليغ عموم أحاديث الصفات لعموم الأمة، فإذا ليس (٤) مما ذهب إليه من يؤمن باللهِ واليوم الآخر، وإنما هذا ونحوه رأي الخارجين المارقين من شريعة الإِسلام كالرافضة (٥) والجهمية
стр. 142
والحرورية (١)، ونحوهم، وهو عادة أهل الأهواء، ثم الأحاديث التي يتنازع العلماء في روايتها أو العمل بها، ليس لأحد المتنازعين أن يكره الآخر على قوله بغير حجة من الكتاب والسنة باتفاق المسلمين، لأن الله تعالى يقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (٢).
الوجه الخامس:
أنه إذا قدر في ذلك نزاع، فقد قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ
стр. 143
فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٢)، فأمر الله الأمة عند النزاع (١) بالرد إليه وإلى رسوله، وقد وصف (٢) المعرضين عن ذلك بالنفاق والكفر، فقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إلا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾، إلى قوله: ﴿بَلِيغًا﴾ (٣).
فوصف سبحانه من دعي إلى الكتاب والسنة فأعرض عن ذلك بالنفاق وإن (٤) زعم أنه يريد التوفيق بذلك بين الدلائل النقلية والعقلية (٥)، أو نحو ذلك، وأنه يريد إحسان العلم أو العمل، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ (٦) الآية، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ (٧) إلى قولهم (٨): ﴿وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ (٩).
стр. 144
الوجه السادس:
أن الله تعالى يقول في كتابه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ (١) الآية (٢) ويقول في كتابه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إلا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ﴾ (٤) الآية، فمن أمر بكتم ما وصف الله به نفسه ووصفه به (٥) رسوله فقد كتم ما أنزل الله من البينات والهدى من بعد ما بينه (٦) للناس في الكتاب، وهذا مما ذم الله به علماء اليهود، وهو من صفات الزائغين (٧) من المنتسبين إلى العلم من هذه الأمة، وقال النبي ﷺ : "من سئل عن علم يعلمه فكتمه، ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار" (٨)، وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ (٩).
الوجه السابع:
إن من أمر بكتمان ما بعث الله به رسوله من القرآن والحديث، كالآيات والأحاديث التي وصف الله بها نفسه ووصفه بها رسوله، وأمر مع
стр. 145
ذلك بوصف الله بصفات أحدثها المبتدعون تحتمل الحق والباطل، أو تجمع حقًّا وباطلًا، وزعم أن ذلك هو الحق الذي يجب اعتقاده، وهو أصل الدين، وهو الإيمان الذي أمر الله به رسوله، فهذا مضاهاة لما ذم الله به من حال أهل الكتاب، حيث قال: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ (١) وقال: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ إلى قوله: ﴿مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ (٢)، فإن هؤلاء كتبوا هذه المقالات التي ابتدعوها، وقالوا للعامة: هذا دين الله الذي أمركم به، وهذا كذب وافتراء على الله، فإذا جمعوا إلى ذلك كتمان ما أنزل الله من الكتاب والحكمة فقد ضاهوا (٣) أهل الكتاب في لبس الحق بالباطل وكتمان الحق، قال تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾، إلى قوله: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٤).
وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٥).
الوجه الثامن:
إن هذا خلاف إجماع سلف الأمة وأئمتها ، فإنهم أجمعوا في هذا الباب وفي غيره على وجوب اتباع الكتاب والسنة، وذم ما أحدثه أهل