← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 17581

التسعينية

ابن تيمية

Полный текст (1 060 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

فقال له إسحاق: ما أردت بقولك: سميع بصير؟ فقال: أردت منها ما أراده الله منها، وهو كما وصف نفسه، ولا أزيد على ذلك. فكتب أجوبة القوم، وبعث بها إلى المأمون، وكان من الحاضرين من أجاب إلى القول بخلق القرآن مصانعة مكرهًا (١). ثم ورد كتاب (٢) المأمون إلى نائبه أن يمتحنهم -أيضًا- فمن أجاب منهم شهر أمره في الناس، ومن لم يجب منهم يبعث إليه مقيدًا محتفظًا به. فأحضرهم إسحاق، وأخبرهم بما أمر به الخليفة، فأجاب القوم كلهم إلّا أربعة هم: أحمد بن حنبل، وسجادة (٣)، والقواريري (٤) ومحمد بن نوح (٥)، فأمر بهم إسحاق فشدوا في الحديد.

стр. 72

فلما كان من الغد دعاهم وهم مقيدون، فامتحنهم، فأجاب سجادة والقواريري، فأطلقهما، وأصر الإمام أحمد، ومحمد بن نوح على قولهما، فشدا بالحديد ووجها إلى طرسوس (١)، وكتب كتابًا بإرسالهما إليه (٢). يقول الإمام أحمد ﵀: "وكنت أدعو الله ألّا يريني وجهه -يعني المأمون- وذلك أنه بلغني أنه كان يقول: لئن وقعت عيني على أحمد لأقطعنه إربًا إربًا" (٣). فاستجاب الله دعاءه ومات المأمون وهما في طريقهما إليه سنة ٢١٨ هـ فأما محمد بن نوح فمات في الطريق، وصلى عليه الإمام أحمد ودفنه (٤). وأما الإمام أحمد فرد مقيدًا إلى بغداد -بعد خبر وفاة المأمون وتولي المعتصم- (٥) في سفينة مع بعض الأسرى، وكان في أمر عظيم من الأذى، ثم أودع السجن نحوًا من ثمانية وعشرين شهرًا، وقيل: نيفًا وثلاثين شهرًا، ثم أخرج للضرب بين يدي المعتصم، وكان ذلك بعد مناظرات مع المعتزلة (٦)

стр. 73

: ابن أبي دؤاد (١) وجمع من أصحابه، بحضور الخليفة، وقد أثبت خلالها ﵀ تغلبه عليهم، ودمغهم بالحجج المدعمة بنصوص الكتاب والسنة، التي تهاوت أمامها جميع إلزاماتهم، فلم تقم لهم معه حجة، مما جعلهم -ومن خلال هذه المناظرات- يلجؤون إلى أسلوب آخر، أسلوب العجز، الذي ينتهجه عادة أعداء الإسلام عندما تتساقط أدلتهم أثناء النقاش فلجؤوا إلى تحريف قوله، وتحريض الخليفة عليه، ونسبته إلى الضلال والابتداع، وأنه حلال الدم. ويظهر ذلك من قولهم فيما بينهم- أثناء المناظرة: "يا أمير المؤمنين: أكفرنا وأكفرك". وقول الإمام أحمد ﵀: "يا أمير المؤمنين ما أعطوني شيئًا من كتاب الله ولا سنة رسول الله ﷺ فأقول به". وقول ابن أبي دؤاد: "هو -والله- يا أمير المؤمنين ضال مضل مبتدع". وبعد ما لاقاه أبو عبد الله من صنوف الأذى وأنواع التعذيب، وخيبة أمل بطانة الخليفة، أعيد ﵀ إلى منزله. يقول حنبل بن إسحاق: "فلم يزل أبو عبد الله أحمد بن حنبل ﵁ بعد أن أطلقه المعتصم، وانقضاء أمر المحنة، وبرأ من ضربه، يحضر الجمعة والجماعة، ويفتي ويحدث أصحابه، حتى مات أبو إسحاق، وولي هارون ابنه (٢)، وهو الذي يدعى الواثق. . . " (٣). فحسَّن له ابن أبي دؤاد امتحان الناس بخلق القرآن، ففعل ذلك (٤) ولم

стр. 74

يتعرض للإمام أحمد (١)، لكنه أرسل له بأن لا يساكنه بأرض، ولا يأتيه ولا يجتمع به أحد، فاختفى ﵀ بقية حياة الواثق (٢). ورغم ما ناله ﵀ كما مر في أيام المأمون، ثم المعتصم، ثم الواثق، وما أصابه من الحبس الطويل، والضرب الشديد، والتهديد والوعيد بالقتل، إلا أنه قابل ذلك كله بالصبر ورجاء الثواب من عند الله والتمسك بالكتاب والسنة وما عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان. إلى أن تولى المتوكل (٣)، فأظهر الله به السنة وأعز أهلها، وقمع البدعة وأذل أهلها، فكتب إلى الآفاق بالمنع من الكلام في القول بخلق القرآن ووجه الفقهاء والمحدثين بالجلوس للناس، وأن يحدثوا بالأحاديث التي فيها الرد على المعتزلة والجهمية، وأرسل إلى نائبه ببغداد أن يبعث بأحمد بن حنبل إليه، فاستدعاه وأكرمه وأجله لما يعلمه من مكانته عند الخليفة المتوكل،

стр. 75

وأخبره بطلب الخليفة، فاعتل الإمام أحمد بضعفه وكبره، ولكن المتوكل أكد على حضوره إليه، وبعث إليه بكتاب مفاده أنه يريد الإنس به وبقربه. فخرج الإمام أحمد من بغداد إلى الخليفة المتوكل (١)، وعند وصوله أكرمه إكرامًا عظيمًا -يستحقه- يرحمه الله- لكنه اعتبر ذلك ابتلاء وامتحانًا له -أيضًا- فكان لا يقبل ما يغدق به الخليفة عليه، ويقول: "سلمت منهم طول عمري، ثم ابتليت بهم في آخره". فلما رأوا منه عدم قبول الترف وملاذ الدنيا، أذنوا له بالرجوع إلى بغداد، وكان الخليفة يوفد إليه في أمور تقع له يشاوره فيها، ويسأل عنه ويطمئن عليه، إلى أن توفي (٢) ﵀ رحمة واسعة. وقد كتب المتوكل إلى الإمام أحمد يسأله عن القول بالقرآن، سؤال المسترشد المستفيد، لا سؤال المتعنت الممتحن، فكتب -إليه الإمام أحمد- رسالة حسنة (٣)، أبان فيها ما يجب اعتقاده في هذه المسألة، وضمنها بعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وأقوال الصحابة والتابعين لهم بإحسان (٤). وبعد هذا العرض لقضية الفتنة المتعلقة ببدعة القول بخلق القرآن نتعرف على موقف شيخ الإسلام في هذا الكتاب من هذه القضية، ويتمثل ذلك فيما يلي: ١ - نظر شيخ الإسلام إلى موقف الخلفاء ومن تبعهم الذين أرادوا أن يلزموا الناس بأمر لم يرد في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ وحكم على موقفهم بأنه لا يجوز منهم هذا الإلزام للناس، واستدل على ذلك بمواقف لسلف هذه الأمة من أمور لها الصفة نفسها في عدم وجودها في كتاب الله أو سنة رسوله، وكان فعلهم منسجمًا مع هذا الحكم، فقال ﵀ في ذلك: "ليس لأحد من الناس أن يلزم الناس ويوجب عليهم إلّا ما أوجبه الله

стр. 76

ورسوله، ولا يحظر عليهم إلّا ما حظره الله ورسوله، فمن أوجب ما لم يوجبه الله ورسوله، وحرم ما لم يحرمه الله ورسوله، فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله، وهو مضاء لما ذمه الله في كتابه من حال المشركين وأهل الكتاب الذين اتخذوا دينًا لم يأمرهم الله به، وحرموا ما لم يحرمه الله عليهم، وقد بين ذلك في سورة الأنعام والأعراف وبراءة وغيرهن من السور، ولهذا كان من شعار أهل البدع إحداث قول أو فعل، وإلزام الناس به وإكراههم عليه أو الموالاة عليه والمعاداة على تركه، كما ابتدعت الخوارج رأيها وألزمت الناس به، ووالت وعادت عليه، وابتدعت الرافضة رأيها وألزمت الناس به ووالت وعادت عليه، وابتدعت الجهمية رأيها وألزمت الناس به ووالت وعادت عليه، لما كانت لهم قوة في دولة الخلفاء الثلاثة الذين امتحن في زمانهم الأئمة ليوافقهم على رأي جهم الذي مبدؤه أن القرآن مخلوق، وعاقبوا من لم يوافقهم على ذلك. ومن المعلوم أن هذا من المنكرات المحرمة بالعمل الضروري من دين المسلمين، فإن العقاب لا يجوز أن يكون إلا على ترك الواجب أو فعل محرم، ولا يجوز إكراه أحد إلا على ذلك والإيجاب والتحريم ليس إلا لله ولرسوله، فمن عاقب على فعل أو ترك بغير أمر الله ورسوله وشرع ذلك دينًا فقد جعل لله ندًّا ولرسوله نظيرًا بمنزلة المشركين الذين جعلوا لله أندادًا، وبمنزلة المرتدين الذين آمنوا بمسيلمة الكذاب، وهو ممن قيل فيه: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ (١)، ولهذا كان أئمة السنة والجماعة لا يلزمون الناس بما يقولونه من موارد الاجتهاد، ولا يكرهون أحدًا عليه، ولهذا لما استشار هارون الرشيد مالك بن أنس في حمل الناس على موطئه، قال له: لا تفعل يا أمير المؤمنين، فإن أصحاب رسول الله ﷺ تفرقوا في الأمصار فأخذ كل قوم عمن كان عندهم، وإنما جمعت علم أهل بلدي، أو كما قال، وقال مالك -أيضًا-: إنما أنا بشر أصيب وأخطئ، فاعرضوا قولي على الكتاب والسنة.

стр. 77

وقال أبو حنيفة: هذا رأي فمن جاءنا برأي أحسن منه قبلناه، وقال الشافعي: إذا صح الحديث فاضربوا بقولي الحائط، وقال: إذا رأيت الحجة موضوعة على الطريق فإني أقول بها. وقال المزني في أول مختصره: هذا كتاب اختصرته من علم أبي عبد الله الشافعي لمن أراد معرفة مذهبه، مع إعلامه نهيه عن تقليده وتقليد غيره من العلماء. وقال الإمام أحمد: ما ينبغي للفقيه أن يحمل الناس على مذهبه ولا يشدد عليهم. وقال: ولا تقلد دينك الرجال، فإنهم لن يسلموا أن يغلطوا. فإذا كان هذا قولهم في الأمور العملية وفروع الدين، لا يستجيزون إلزام الناس بمذاهبهم مع استدلالهم عليها بالأدلة الشرعية فكيف بإلزام الناس وإكراههم على أقوال لا توجد في كتاب الله، ولا في حديث عن رسول الله ﷺ ولا تؤثر عن الصحابة والتابعين ولا عن أحد من أئمة المسلمين؟ ولهذا قال الإمام أحمد لابن أبي دؤاد الجهمي، الذي كان قاضي القضاة في عهد المعتصم لما دعا الناس إلى التجهم، وأن يقولوا القرآن مخلوق، وإكراههم عليه بالعقوبة، وأمر بعزل من لم يجبه وقطع رزقه، إلى غير ذلك مما فعله في محنته المشهورة، فقال له في مناظرته لما طلب منه الخليفة أن يوافقه على أن القرآن مخلوق: ائتوني بشيء من كتاب الله أو سنة رسوله حتى أجيبكم به، فقال له ابن أبي داؤد: وأنت لا تقول إلا بما في كتاب الله أو سنة رسوله، فقال له: هب أنك تأولت تأويلًا فأنت أعلم وما تأولت، فكيف تستجيز أن تكره الناس عليه بالحبس والضرب؟ فبين أن العقوبة لا تجوز إلا على ترك ما أوجبه الله أو فعل ما حرمه الله، فإن كان القول ليس في كتاب الله وسنة رسوله لم يجب على الناس أن يقولوه، لأن الإيجاب إنما يتلقى من الشارع، وإن كان القول في نفسه حقًّا، أو اعتقد قائله أنه حق، فليس له أن يلزم الناس أن يقولوا ما لم يلزمهم الرسول أن يقولوه -لا نصًّا ولا استنباطًا - وإذا كان كذلك فقول القائل: المطلوب من

стр. 78

فلان أن يعتقد كذا وكذا، وأن لا يتعرض لكذا وكذا، إيجاب عليه لهذا الاعتقاد وتحريم عليه لهذا الفعل؟، وإذا كانوا لا يرون خروجه من السجن إلّا بالموافقة على ذلك فقد استحلوا عقوبته وحبسه حتى يطيعهم في ذلك، فإذا لم يكن ما أمروا به قد أمر الله به ورسوله، وما نهوا عنه قد نهى الله عنه ورسوله، كانوا بمنزلة من ذكر من الخوارج والروافض والجهمية المشابهين للمشركين والمرتدين ومعلوم أن هذا الذي قالوه لا يوجد في كلام الله ورسوله بحال، وهم -أيضًا- لم يبينوا أنه يوجد في كلام الله ورسوله، فلو كان هذا موجودًا في كلام الله ورسوله لكان عليهم بيان ذلك، لأن العقوبات لا تجوز إلّا بعد إقامة الحجة، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (١)، فإذا لم يقيموا حجة الله التي يعاقب من خالفها، بل لا يوجد ما ذكروه في حجة الله، وقد نهوا عن تبليغ حجة الله ورسوله، كان هذا من أعظم الأمور مماثلة لما ذكر من حال الخوارج، المارقين المضاهين للمشركين والمرتدين والمنافقين" (٢). ٢ - أنه ﵀ نظر إلى الفتنة على أنها أشد الفتن جرمًا، وأنه قد بذل في إذاعتها وإكراه الناس عليها ما لم يبذل في بدع أخرى، فقال ﵀: "فإن مسألة القرآن وقع فيها بين السلف والخلف من الإضراب والنزاع ما لم يقع نظيره في مسألة العلو والارتفاع، إذ لم يكن على عهد السلف من يبوح بإنكار ذلك ونفيه، كما كان على عهدهم من باح بإظهار القول بخلق القرآن، ولا اجترأ الجهمية إذ ذاك على دعاء الناس إلى نفي علو الله على عرشه، بل ولا أظهرت ذلك، كما اجترؤوا على دعاء الناس إلى القول بخلق القرآن، وامتحانهم على ذلك، وعقوبة من لم يجبهم بالحبس، والضرب، والقتل، وقطع الرزق، والعزل عن الولايات، ومنع قبول الشهادة، وترك افتدائهم من أسر العدو، إلى غير ذلك من العقوبات التي إنما تصلح لمن خرج عن الإسلام، وبدلوا بذلك الدين نحو تبديل كثير من المرتدين، فأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه، أذلة على المؤمنين، أعزة على الكافرين، يجاهدون في

стр. 79

سبيل الله ولا يخافون لومة لائم، فجاهدوا في الله حق جهاده، متبعين سبيل الصدّيق وإخوانه الذين جاهدوا المرتدين، بعد موت رسول الله ﷺ حتى وسمه المسلمون بالإمامة، وبأنه الصديق الثاني، من كان أحق بهذا التحقيق عن فتور الواني. فإن أولئك الجهمية جعلوا المؤمنين كفارًا مرتدين، وجعلوا ما هو من الكفر والتكذيب للرسول إيمانًا وعلمًا، ولبسوا على الأئمة والأمة الحق بالباطل، وكانت فتنتهم في الدين أعظم ضررًا من فتنة الخوارج المارقين، فإن أولئك -وإن كفّروا المؤمنين واستحلوا دماءهم وأموالهم- فلم تكن فتنتهم الجحود بكلام ربّ العالمين، وأسمائه، وصفاته، وما هو عليه في حقيقة ذاته، بل كانت فيما دون ذلك من الخروج عن السنة المشروعة وإن كان أهل المقالات قد نقلوا أن قول الخوارج في التوحيد هو قول الجهمية والمعتزلة، فهذا شر للجهمية، لكن يشبه -والله أعلم- أن يكون ذلك قد قاله من بقايا الخوارج من كان موجودًا حين حدوث مقالات جهم في أوائل المائة الثانية، فأما قبل ذلك فلم يكن قد حدث في الإسلام قول جهم في نفي الصفات، والقول بخلق القرآن، وإنكار أن يكون الله على عرشه، ونحو ذلك، فلا يصح إضافة هذا القول إلى أحد من المسلمين قبل المائة الثانية، لا من الخوارج، ولا من غيرهم، فإن لم يكن في الإسلام إذ ذاك من يتكلم بشيء من هذه السلوب الجهمية، ولا نقل أحد عن الخوارج المعروفين -إذ ذاك- ولا عن غيرهم شيئًا من هذه المقالات الجهمية" (١). ٣ - كشف الشيخ ﵀ موقف الذين خاضوا في فتنة القائلين بخلق القرآن عن تخبطهم وضلالهم في زعمهم الإيمان بما جاءت به الرسل، وهم ينكرون في الوقت نفسه مضمون ما جاءت به الرسل، فحقيقة قولهم إنكار صفات الله -تعالى-، ومنها كونه -سبحانه- متكلمًا بكلام قائم به، فقال: "إن الجهمية لما أحدثت القول بأن القرآن مخلوق، ومعناه أن الله لم

стр. 80

يصف نفسه بالكلام أصلًا، بل حقيقته أن الله لم يتكلم ولا يتكلم كما أفصح به رأسهم الأول الجعد بن درهم، حيث زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا، ولم يكلم موسى تكليمًا، لأن الخلة إنما تكون من المحبة، وعنده أن الله لا يحب شيئًا في الحقيقة، ولا يحبه شيء في الحقيقة، فلا يتخذ شيئًا خليلًا، وكذلك الكلام يمتنع عنده على الرب تعالى. وكذلك نفت الجهمية من المعتزلة وغيرهم أن يكون لله كلام قائم به، أو إرادة قائمة به، وادعوا ما باهتوا به صريح العقل المعلوم بالضرورة أن المتكلم يكون متكلمًا بكلام يكون في غيره، وقالوا: -أيضًا- يكون مريدًا بإرادة ليست فيه ولا في غيره، أو الإرادة وصف عدمي، أو ليست غير الإرادات المخلوقة، وغير الأمر وهو الصوت المخلوق في غيره. فكان حقيقة قولهم: التكذيب بحقيقة ما أخبرت به الرسل من كلام الله ومحبته ومشيئته، وإن كانوا قد يقرون بإطلاق الألفاظ التي أطلقتها الرسل، وهذا حال الزنادقة المنافقين، من الصابئين والمشركين، من المتفلسفة والقرامطة ونحوهم، فيما أخبرت به الرسل في باب الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين، بل وفيما أمرت به -أيضًا- وهم مع ذلك يقرون بكثير مما أخبرت به الرسل وتعظيم أقدارهم، فهم يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض" (١). ٤ - أنه ﵀ أدلى بدلوه في الرد على من تولى كبر فتنة القول بخلق القرآن، فرد عليهم ردًّا منطقيًّا بإيراده لمجموعة من الأمثلة التي يستحيل معها أن المتكلم بكلام يكون قائمًا بغيره ولا يقوم به، فقال ﵀: "فلما ابتدعت الجهمية هذه المقالات في أثناء المائة الثانية أنكر ذلك سلف الأمة وأئمتها، ثم استفحل أمرهم في أوائل المائة الثالثة بسبب ما أدخلوه في شركهم وفريتهم من ولاة الأمور، وجرت المحنة المشهودة، وكانت أئمة الهدى على ما جاءت به الرسل عن الله من أن القرآن كلام الله تكلم به هو سبحانه، وهو منه قائم به، وما كان كذلك لم يكن مخلوقًا، إنما

стр. 81

المخلوق ما يخلقه من الأعيان المحدثة وصفاتها، وكثير منهم يرد قول الجهمية بإطلاق القول: بأن القرآن كلام الله، لأن حقيقة قولهم: إنه ليس كلامه ولا تكلم به ولا بغيره، فإن المستقر في فطر الناس وعقولهم ولغاتهم، أن المتكلم بالكلام لا بد أن يكون به الكلام، فلا يكون متكلمًا بشيء لم يقم به بل هو قائم بغيره، كما لا يكون عالمًا بعلم قائمًا بغيره، ولا حيًّا بحياة قائمة بغيره، ولا مريدًا بإرادة قائمة بغيره، ولا محبًا ومبغضًا ولا راضيًا وساخطًا بحب وبغض ورضى وسخط قائم بغيره، ولا متألمًا ولا متنعمًا وفرحًا وضاحكًا بتألم وتنعم وفرح وضحك قائم بغيره، فكل ذلك عند الناس من العلوم الضرورية البدهية الفطرية التي لا ينازعهم فيها إلّا من أحيلت فطرته، وكذلك عندهم لا يكون آمرًا وناهيًا بأمر ونهي لا يقوم به بل يقوم بغيره، ولا يكون مخبرًا ومحدثًا ومنبئًا بخبر وحديث ونبأ لا يقوم به بل بغيره، ولا يكون حامدًا وذامًا ومادحًا ومثنيًا بحمد وذم ومدح وثناء لا يقوم به بل بغيره، ولا يكون مناجيًا ومناديًا وداعيًا بنجاء ودعاء ونداء لا يقوم به بل لا يقوم إلا بغيره، ولا يكون واعدًا وموعدًا بوعد ووعيد لا يقوم به بل لا يقوم إلّا بغيره، ولا يكون مصدقًا ومكذبًا بتصديق وتكذيب لا يقوم به بل لا يقوم إلّا بغيره، ولا يكون حالفًا ومقسمًا وموليًا بحلف وقسم ويمين لا يقوم به إلا بغيره، بل من أظهر العلوم الفطرية الضرورية التي علمها بنو آدم وجوب قيام هذه الأمور بالموصوف بها وامتناع أنها لا تقوم به بل لا تقوم إلا بغيره، فمن قال: إن الحمد والثناء والأمر والنهي والنبأ والخبر والوعد والوعيد والحلف واليمين والمناداة والمناجاة وسائر ما يسمى ويوصف به أنواع الكلام يمتنع أن تكون قائمة بالآمر الناهي المناجي المنادي المنبيء المخبر الواعد المتواعد الحامد المثني الذي هو الله تعالى، ويجب أن تكون قائمة بغيره، فقد خالف الفطرة الضرورية المتفق عليها بين الآدميين، وبدّل لغات الخلق أجمعين ثم مع مخالفته للمعقولات واللغات فقد كذب المرسلين أجمعين، ونسبهم إلى غاية التدليس والتلبيس على المخاطبين، لأن الرسل أجمعين أخبروا أن الله أمر ونهى وقال ويقول، وقد علم بالاضطرار أن مقصودهم أن الله هو نفسه الذي

стр. 82

أمر ونهى وقال، لا أن ذلك شيء لم يقم به بل خلقه في غيره، ثم لو كان مقصودهم ذلك فمعلوم أن هذا ليس هو المعروف من الخطاب ولا المفهوم منه، لا عند الخاصة ولا عند العامة، بل المعروف المعلوم أن يكون الكلام قائمًا بالمتكلم، فلو أرادوا بكلامه وقوله أنه خلق في بعض المخلوقات كلامًا لكانوا قد أضلوا الخلق -على زعم الجهمية- ولبسوا عليهم غاية التلبيس، وأرادوا باللفظ ما لم يدلوا الخلق عليه، والله تعالى قد أخبر أن الرسل قد بلغت البلاغ المبين، فمن نسبهم إلى هذا فقد كفر بالله ورسله، وهذا قول الزنادقة المنافقين الذي هم أصل الجهمية الذي يصفون الرسل بذلك من المتفلسفة والقرامطة ونحوهم، بل كون المتكلم الآمر الناهي لا يوصف بذلك إلا لقيام الكلام بغيره مع امتناع قيامه به، أمر لا يعرف في اللغة، لا حقيقة ولا مجازًا" (١). مسألة كلام الله تعالى: وصف الشيخ ﵀ هذه المسألة بأنها مسألة هامة، وأنها مما حيرت عقول الأنام لكثرة اختلاف الناس فيها. فقال ﵀: "إن الناس كثير نزاعهم فيها، حتى قيل: مسألة الكلام حيرت عقول الأنام" (٢). وقال: "ومسألة القرآن كثير فيها اضطراب الناس، حتى قال بعضهم: مسألة الكلام حيرت عقول الأنام" (٣). وقال: ". . . وإنما المقصود هنا ذكر قول مختصر جامع بين الأقوال السديدة التي دل عليها الكتاب والسنة، وكان عليها سلف الأمة في مسألة الكلام، التي حيرت عقول الأنام" (٤).

стр. 83

ونعتها ﵀ بأنها مسألة عظيمة، فقال: "وكثير من الكتب المصنفة في أصول علوم الدين وغيرها، تجد الرجل المصنف فيها في المسألة العظيمة، كمسألة القرآن. . . " (١). وبين ﵀ أنها تشتمل على مسائل معضلة يصعب على من ضل عن منهج السلف فهمها، فقال -بعد أن بين سبب نزاع المتأخرين في الحروف التي في الكلام-: ". . . فمن فهم قول السلف، وفرق بين هذه الأقوال، زالت عنه الشبهات في هذه المسألة المعضلة التي اضطرب بها أهل الأرض" (٢). وإذا كانت هذه المسألة بهذه المثابة من الأهمية وصعوبة فهمها، مما جعلها محيرة للعقول، فليعذرني القارئ عما أقصر فيه من بيان وإيضاح لهذه المسألة، ولا يعني هذا أنني ألتمس العذر لنفسي، فيعلم الله وحده ما بذلته من جهد ووقت في سبيل جمع شتات هذه المسألة الدقيقة، ولا يظن أني سوف أضيف جديدًا على ما ذكره الشيخ ﵀ فلقد وفى هذه المسألة حقها من العرض والمناقشة، وإلجام المخالفين بالبراهين والأدلة العقلية والنقلية التي تؤيد رأي السلف -رحمهم الله تعالى. ...

стр. 84

الأصل الذي تفرع منه نزاع الناس في مسألة الكلام الشيخ ﵀ بين في هذا الكتاب وفي غيره من مؤلفاته أن الأصل الذي تفرع منه نزاع الناس في هذه المسألة "هو الكلام الذي ذمه السلف وعابوه، وهو الكلام في المشتبه المشتمل على حق وباطل، فيه ما يوافق العقل والسمع، وفيه ما يخالف العقل والسمع، فيأخذ هؤلاء جانب النفي المشتمل على نفي الحق والباطل، وهؤلاء جانب الإثبات المشتمل على إثبات حق وباطل، وجماعه هو الكلام المخالف للكتاب والسنة، وإجماع السلف، فكل كلام خالف ذلك فهو باطل، ولا يخالف ذلك إلا كلام مخالف للعقل والسمع. وذلك أنه لما تناظروا في مسألة حدوث العالم وإثبات الصانع، استدلت الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم من طوائف أهل الكلام على ذلك بأن ما يخلو عن الحوادث فهو حادث. ثم إن المستدلين بذلك على حدوث الأجسام، قالوا: إن الأجسام لا تخلوا عن الحوادث، وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث. ثم تنوعت طرقهم في المقدمة الأولى: فتارة يثبتونها بأن الأجسام لا تخلو عن الحركة والسكون، وهما حادثان. وتارة يثبتونها بأن الأجسام لا تخلو عن الاجتماع والافتراق، وهما حادثان. وتارة يثبتونها بأن الأجسام لا تخلو عن الأكوان الأربعة: الاجتماع، والافتراق، والحركة، والسكون، وهي حادثة. وهذه طرق المعتزلة ومن وافقهم على أن الأجسام لا تخلو عن بعض الأعراض.

стр. 85

وتارة يثبتونها بأن الجسم لا يخلو من كل جنس من الأعراض عن عرض منه، ويقولون: القابل للشيء لا يخلو منه وعن ضده. ويقولون: إن الأعراض يمتنع بقاؤها، لأن العرض لا يبقى زمانين، وهذه الطريقة هي التي اختارها الآمدي (١)، وزيف ما سواها، وذكر أن جمهور أصحابه اعتمدوا عليها (٢). وقد وافقهم عليها طائفة من الفقهاء من أصحاب الأئمة الأربعة، كالقاضي أبي يعلى (٣)، وأبي المعالي الجويني (٤)، وأبي الوليد الباجي (٥)، وأمثالهم (٦). وقد تكلم أبو المعالي الجويني على هذا الأصل في موضعين من كتابه الإرشاد: الموضع الأول (٧): في مسألة حدوث العالم، حيث استدل بدليل الأعراض المشهور، وهو أن الجسم لا يخلو من الأعراض، وما لا يخلو عنها فهو حادث، وهو الدليل الذي اعتمدت عليه المعتزلة قبله، وذمه الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر (٨)، وبين أنه ليس من طرق الأنبياء وأتباعهم. وهذ الدليل الذي استدل به الجويني مبني على إثبات أربع مقدمات:

стр. 86

- إثبات الأعراض. - إثبات حدوثها. - إثبات استحالة تعري الجواهر عن الأعراض. - إثبات استحالة حوادث لا أول لها. والشيخ ﵀ كثيرًا ما يتعرض لهذه المقدمات بالنقد والمناقشة في هذا الكتاب (١). الموضع الثاني (٢): فقد قرر فيه أن مما يخالف الجوهر فيه حكم الإله: قبول الأعراض، وصحة الاتصاف بالحوادث، والرب يتقدس عن قبول الحوادث. وقد بين الشيخ ﵀ ما في كلام الجويني هذا من مجانبة للصواب (٣). أما "الهشامية" و"الكرامية" وغيرهم من الطوائف الذين يقولون بحدوث كل جسم، ويقولون: إن القديم تقوم به الحوادث، فهؤلاء إذا قالوا بأن ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث، كما هو قول الكرامية وغيرهم موافقة للمعتزلة في هذا الأصل، فإنهم يقولون: إن الجسم القديم لا يخلو عن الحوادث، بخلاف الأجسام المحدثة، فإنها لا تخلو عن الحوادث. والناس متنازعون في السكون، هل هو أمر وجودي أو عدمي؟ فمن قال: إنه وجودي، قال: إن الجسم الذي لا يخلو عن الحركة والسكون إذا انتفت عنه الحركة قام به السكون الوجودي، وهذا قول من يحتج بتعاقب الحركة والسكون على حدوث المتصف بذلك.

стр. 87

ومن قال: إنه عدمي: لم يلزم من عدم الحركة عن المحل ثبوت سكون وجودي. فمن قال: إنه تقوم به الحركة أو الحوادث بعد أن لم تكن، مع قوله بامتناع تعاقب الحوادث، كما هو قول الكرامية وغيرهم، يقولون: إذا قامت به الحركة لم يعدم بقيامها سكون وجودي، بل ذلك عندهم بمنزلة قولهم مع المعتزلة والأشعرية وغيرهم إنه يفعل بعد أن لم يكن فاعلًا ولا يقولون: إن عدم الفعل أمر وجودي، كذلك الحركة عند هؤلاء. وكان كثير من أهل الكلام يقولون: ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث، أو ما لا يسبق الحوادث فهو حادث، بناء على أن هذه مقدمة ظاهرة، فإن ما لا يسبق الحادث فلا بد أن يقارنه أو يكون بعده وما قارن الحادث فهو حادث، وما كان بعده فهو حادث (١). وهذا الكلام كما يقول الشيخ ﵀ مجمل. فإن أريد به ما لا يخلو عن الحادث المعين، أو ما لا يسبق الحادث المعين، فهو حق بلا ريب، ولا نزاع فيه، وكذلك إذا أريد بالحادث جملة ما له أول، أو ما كان بعد العدم ونحو ذلك. وأما إذا أريد بالحوادث الأمور التي تكون شيئًا بعد شيء لا إلى أول وقيل: إنه ما لا يخلو عنها، وما لم يخل عنها فهو حادث، لم يكن ذلك ظاهرًا ولا بينًا، بل هذا المقام حار فيه كثير من الأفهام، وكثر فيه النزاع والخصام، ولهذا صار المستدلون بقولهم: ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث يعلمون أن هذا الدليل لا يتم إلا إذا أثبتوا امتناع حوادث لا أول لها. وهذا الدليل الذي اعتمد عليه كثير من أهل الجدل في إثبات حدوث العالم، وبنوا عليه نفي الصفات عن الله (٢)، واعتقدوا أن لا دليل سواه، بل

стр. 88

ربما اعتقدوا أنه لا يصح إيمان أحد إلا به، بطلانه معلوم بالاضطرار من دين الإسلام (١). والشيخ ﵀ تصدى لهذا الدليل الباطل، وبين وجه تناقضه، وأن الاستدلال على حدوث العالم لا يحتاج إلى الطريقة التي سلكها أولئك المتكلمون، بل يمكن إثبات حدوثه بطرق أخرى عقلية صحيحة، لا يعارضها عقل صريح ولا نقل صحيح. في مواضع من هذا الكتاب أحيل عليها (٢) اكتفاء بذكرها هنا. وإذا عرف الأصل الذي تفرع منه النزاع في مسألة الكلام، فلا بد أن نعرف النزاع الحاصل في المسألة نفسها، وذلك على ضوء ما عرضه الشيخ ﵀ في هذا الكتاب. إلزامات: ألزم السلف المعطلة النفاة لصفة الكلام بإلزامات أذكر منها: ١ - مشابهة قولهم لقول النصارى قالوا: إن عيسى نفس كلمة الله فجعلوا الكلام الذي هو من قبيل الأعراض جوهرًا قائمًا بنفسه، ولذا اتخذوه إلهًا، فقالوا: إن اللاهوت -ويعنون الكلمة- اتحدت بالناسوت -ويعنون جسد عيسى-. فعندهم أن عيسى مركب من جزئين: جزء إلهي قديم، وهو الكلمة. وجزء حادث مخلوق، وهو الجسد، لكنهما اتحدا وصارا شيئًا واحدًا هو المسيح. وهذا القول من جنس قول الكلابية والأشعرية الذين جعلوا القرآن نصفين: قديم: وهو المعنى القائم بالنفس.

стр. 89

ومحدث: وهو المصحف. يقول الشيخ ﵀: "والجهمية الغلاط يضاهئونهم مضاهاة عظيمة، لكن المقصود هنا ذكر مضاهاة هؤلاء الذين يقولون الكلام معنى واحد قائم بذات الرب، فيقال: أنتم قلتم: الكلام معنى واحد لا ينقسم ولا يختلف، وهذا المعنى الواحد هو بعينه أمر ونهي وخبر، فجعلتم الواحد ثلاثة، وجعلتم الواحد الذي لا اختلاف فيه ثلاث حقائق مختلفة، وهذا مضاهاة قوية لقول النصارى: الرب إله واحد جوهر واحد، وهو مع ذلك ثلاثة جواهر، فجعلوه واحدًا، وجعلوه ثلاثة، ثم قلتم: هذا الكلام الذي هو واحد، وهو أمر ونهي وخبر، ينزل تارة فيكون أمرًا، وتارة فيكون خبرًا، وتارة فيكون نهيًا، وإذا نزل فكان أمرًا لم يكن خبرًا، وإذا نزل فكان خبرًا لم يكن أمرًا، فإنه إذا أنزله الله فكان آية الكرسي، وهي خبر، لم يكن آية الدين التي هي أمر، وهذا لعله من أعظم المضاهاة لقول النصارى أن الجوهر الواحد الذي هو ثلاثة جواهر ثلاثة أقانيم، إذا اتحد فإنما يكون كلمة وابنًا، لا يكون أبًا ولا روح قدس، فإن هؤلاء، كما جعلوا الشيء الذي هو واحد يتحد ولا يتحد، يتحد من كونه كلمة، ولا يتحد من كونه وجودًا، جعل أولئك الذي هو كلام واحد، ينزل لا ينزل، ينزل من جهة كونه أمرًا، لا ينزل من جهة كونه خبرًا. وأيضًا -فإنهم ضاهوا النصارى في تحريف مسمى الكلمة والكلام، فإن المسيح سمي كلمة الله، لأن الله خلقه بكلمته. . . لكن هذه الكلمة تارة يجعلونها صفة لله، ويقولون: هي العلم، وتارة يجعلونها جوهرًا قائمًا بنفسه، وهي المتحد بالمسيح، وهؤلاء حرفوا مسمى الكلام، فزعموا أنه ليس إلا مجرد المعنى، وأن ذلك المعنى ليس هو العلم، ولا الإرادة، ولا ما هو من جنس ذلك، ولكن هو شيء واحد، وهو حقائق مختلفة. . . ". وأيضًا -فهم في لفظ القرآن الذي هو حروف واشتماله على المعنى، لهم مضاهاة قوية بالنصارى في جسد المسيح الذي هو متدرع للاهوت، فإن هؤلاء متفقون على أن حروف القرآن ليست من كلام الله، بل هي مخلوقة،

стр. 90

كما أن النصارى متفقون على أن جسد المسيح لم يكن من اللاهوت، بل هو مخلوق، ثم يقولون: المعنى القديم لما أنزل بهذه الحروف المخلوقة، فمنهم من يسمي الحروف كلام الله حقيقة، كما يسمي المعنى كلام الله حقيقة، ومنهم من يقول: بل هي كلام الله مجازًا، كما أن النصارى منهم من يجعل لاهوتًا حقيقة لاتحاده باللاهوت واختلاطه به، ومنهم من يقول: هو محل اللاهوت ودعاؤه، ثم النصارى تقول: هذا الجسد إنما عبد لكونه مظهر اللاهوت وإن لم يكن هو إياه، ولكن صار هو إياه بطريق الاتحاد، وهو محله بطريق الحلول، فعظم ذلك، وهم لا يقولون: هذه الحروف ليست من كلام الله ولا يجوز أن يتكلم الله بها، ولا يكلم بها، بل لا يدخل في ذرته أن يتكلم بها، ولكن خلقها فأظهر بها المعنى القديم ودل بها عليه، فاستحقت الإكرام والتحريم لذلك. . . (١). وإلى هذا الإلزام أشار ابن القيم ﵀ بقوله: يا قوم قد غلط النصارى قبل في ... معنى الكلام وما اهتدوا لبيان ولأجل ذا جعلوا المسيح إلههم ... إذ قيل كلمة خالق رحمن ولأجل ذا جعلوه ناسوتًا ولا ... هوتًا قديمًا بعد متحدان ونظير هذا من يقول كلامه ... معنى قديم غير ذي حدثان والشطر مخلوق وتلك حروفه ... ناسوته لكن هما غيران فانظر إلى ذي الاتفاق فإنه ... عجب وطالع سنة الرحمن (٢) ٢ - يلزم من قول المخالف أن يكون هناك قرآنان. هذا المصحف الذي بأيدي المسلمين، المقروء بالألسنة المحفوظ بالصدور، وهو -بزعمهم- ليس بكلام الله، وإنما هو عبارة أو حكاية عن كلام الله، وتسميته قرآنًا أو كلامًا مجازٌ، وهذا مخلوق عندهم. والمعنى القديم القائم بالنفس، وهذا هو الكلام الحقيقي عندهم ولا يكون بحروف وأصوات مسموعة، وهو معنى واحد في الأزل لا انقسام

стр. 91

فيه ولا تبعض، فالتوراة عين الإنجيل، والإنجيل عين القرآن، إن عبر عنه بالعربية كان قرآنًا، وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلًا، وإن عبر عنه بالعبرانية كان توراة. وقد ذكر الشيخ ﵀ أنه يحكى عن الكلابية والأشاعرة "أنه ليس لله في الأرض كلام، وأن هذا القرآن الذي يقرؤه المسلمون ليس هو كلام الله، وأنه ليس لله في الأرض كلام، وإنما هذا حكاية أو عبارة عن كلام الله" (١). وقالت هذه الطائفة: "كلام الله ليس إلا مجرد معنى قائم بالنفس، وحروف القرآن ليس من كلام الله، ولا تكلم الله بها، ولا يتكلم الله بحرف ولا صوت. . . " (٢). وقال ﵀ في موضع آخر: "-وأيضًا- فجعلت هذه الطائفة معنى واحدًا قائمًا بذات الرب هو أمر ونهي وخبر واستخبار، وهو معنى التوراة والإنجيل والقرآن. . . " (٣). وإلى هذا الإلزام أشار ابن القيم بقوله: زعموا القرآن عبارة وحكاية ... قلنا كما زعموه قرآنان هذا الذي نتلوه مخلوق كما ... قال الوليد وبعده الفئتان والآخر المعنى القديم فقائم ... بالنفس لم يسمع من الديان والأمر عين النهي واستفهامه ... هو عين إخبار وذو وحدان وهو الزبور وعين توراة وإنـ ... جيل وعين الذكر والفرقان الكل شيء واحد في نفسه ... لا يقبل التبعيض في الأذهان (٤) ٣ - إذا لم يكن الله تعالى متكلمًا كما يزعمه المعطلة والنفاة ولا موصوفًا بالكلام -الذي هو صفة مدح- لزم من ذلك مشابهته -سبحانه- للجمادات التي لا تتكلم، بل يكون الحيوان الذي يتكلم أكمل منه- تعالى الله عما يقوله هؤلاء علوًا كبيرًا.

стр. 92

يقول الشيخ ﵀: "وهؤلاء (١) عندهم أن الملائكة تعبر عن المعنى القائم بذات الله وأن الله نفسه لا يعبر بنفسه عن نفسه، وذلك يشبه من بعض الوجوه الأخرس الذي يقوم بنفسه معان، فيعبر غيره عنه بعبارته، وهم في ذلك مشاركون للجهمية الذين جعلوا غير الله يعبر عنه من غير أن يكون الله يتكلم، لكن هؤلاء يقولون: قام بنفسه معنى، فتجعله كالأخرس، والجهمية تجعله بمنزلة الصنم الذي لا يقوم به معنى ولا لفظ" (٢). وإلى هذا أشار ابن القيم بقوله: وإذا انتفت صفة الكلام فضدها ... خرس وذلك غاية النقصان فلئن زعمتم أن ذلك في الذي ... هو قابل من أمة الحيوان الرب ليس بقابل صفة الكـ ... ـلام فنفيها ما فيه من نقصان فيقال سلب كلامه وقبوله ... صفة الكلام أتم للنقصان إذ أخرس الإنسان أكمل حالة ... من ذا الجماد بأوضح البرهان فجحدت أوصاف الكمال مخافة التشـ ... ـبيه والتجسيم بالإنسان ووقعت في تشبيهه بالناقصات ... الجامدات وذا من الخذلان (٣) ٤ - يلزم هؤلاء النفاة الذين نفوا صفة الكلام عن الله، وقالوا: إن كلامه هو ما يخلقه في غيره منفصلًا عنه، وإن إضافته إلى الله إضافة تشريف وتعظيم، كما يقال: بيت الله، وناقة الله، أن يكون جميع كلام الخلق حقه وباطله، جده وهزله عين كلام الله -سبحانه- وهذا ما صرح به الاتحادية. يقول الشيخ ﵀: "ومن قال: إن المتكلم من فعل الكلام لزمه أن يكون كل كلام خلقه الله في محل كلامًا له، فيكون إنطاقه للجلود كلامًا له، بل يكون إنطاقه لكل ناطق كلامًا له، وإلى هذا ذهب الاتحادية من الجهمية الحلولية الذين يقولون: إن

стр. 93

وجوده عين الموجودات، فيقول قائلهم: وكل كلام في الوجود كلامه ... سواء علينا نثره ونظامه (١) يقول ابن القيم مشيرًا إلى هذا الإلزام: أو ليس قد قام الدليل بأن أفعـ ... ـال العباد خليقة الرحمن من ألف وجه أو قريب الألف يحصيـ ... ـها الذي يعنى بهذا الشان فيكون كل كلام هذا الخلق ... عين كلامه سبحانه ذي السلطان إذ كان منسوبًا إليه كلامه ... خلقًا كبيت الله ذي الأركان هذا ولازم قولكم قد قاله ... ذو الاتحاد مصرحًا ببيان حذر التناقض إذا تناقضتهم ولكـ ... ـن طرده في غاية الكفران (٢) هذه بعض الإلزامات التي لا محيد للمعطل النافي لهذه الصفة عنها، وهي -بحق- تبرز رأي السلف في هذه المسألة المستمد من كتاب الله، وسنة رسوله ﵇ وأقوال الصحابة ومن تبعهم بإحسان، والمدعم بصريح المعقول الموافق لصحيح المنقول، وأنه الرأي الذي يجب على المسلم أن يعتقده، ويدين ربه به. ...

стр. 94

نماذج مصورة من النسخ المخطوطة

стр. 95

صورة الورقة الأولى من المخطوطة (س)

стр. 96

صورة الورقة الأخيرة من المخطوطة (س)

стр. 97

صورة الورقة الأولى من الأصل

стр. 98

صورة الورقة الأخيرة من الأصل

стр. 99

قسم التحقيق

стр. 100

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين (١) قال (٢) شيخنا الإِمام العلامة شيخ الإِسلام أبو العباس أحمد بن تيمية ﵁ (٣): [الحمد لله] (٤) نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده (٥) الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، [وأشهد] (٦) أن لا إله إلّا الله (٧)، [وأشهد] (٨) أن محمدًا عبده ورسوله- ﷺ (٩). [أما بعد] (١٠) فإنه في آخر شهر رمضان سنة ست وسبعمائة (١١)،

стр. 101

جاء أميران رسولين (١) من عند الملأ المجتمعين من الأمراء والقضاة ومن معهم، وذكرا رسالة من عند الأمراء، مضمونها طلب الحضور، ومخاطبة القضاة لتخرج وتنفصل القضية، وأن المطلوب خروجك، وأن يكون الكلام مختصرًا (٢)، ونحو ذلك. فقلت: سلم على الأمراء، وقيل لهم: لكم سنة، وقبل السنة مدة أخرى تسمعون كلام الخصوم الليل والنهار، وإلى (٣) الساعة لم تسمعوا مني كلمة واحدة، وهذا عن أعظم الظلم، فلو كان الخصم يهوديًّا أو نصرانيًّا أو عدوًا آخر للإسلام ولدولتكم، لما جاز أن تحكموا عليه حتى تسمعوا كلامه، وأنتم قد سمعتم كلام الخصوم وحدهم (٤) في مجالس كثيرة، فاسمعوا كلامي وحدي في مجلس واحد، وبعد ذلك نجتمع ونتخاطب بحضوركم (٥)، فإن هذا من أقل العدل الذي أمر الله به في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (٦). فطلب الرسولان أن أكتب ذلك في ورقة، فكتبته، فذهبا ثم عادا وقالا: المطلوب حضورك لتخاطبك القضاة بكلمتين وتنفصلوا (٧)،

стр. 102

وكان في أوائل النصف [من الشهر المذكور] (١) جاءنا هذان الرسولان بورقة كتبها لهم المحكم من القضاة (٢) [أبو الحسن علي بن مخلوف المالكي] (٣) وهي طويلة، طلبت منهم نسخها فلم [يوافقوا وتأملتها فوجدتها مكذوبة على إلا كلمة واحدة] (٤) من أنه على العرش حقيقة وأن كلامه حرف وصوت قائم به [بلا تكييف ولا تشبيه] (٥). قلت: [ليس هذا في كلامي ولا] (٦) في خطي، وخاطبني بخطاب فيه طول قد ذكر في غير هذا الموضع، فندموا على كتابة تلك الورقة وكتبوا هذه، فقلت: أنا لا أحضر إلى من يحكم فيّ بحكم الجاهلية، وبغير ما أنزل الله، ويفعل بي ما لا تستحله اليهود ولا النصارى،

стр. 103

كما فعلتم في المجلس الأول (١)، وقلت للرسول: قد كان ذلك بحضوركم، أتريدون أن يمكروا (٢) كما مكروا [بي] (٣) في العام الماضي؟ هذا لا أجيب إليه، ولكن من زعم أني قلت قولًا باطلًا، فليكتب خطه بما أنكره من كلامي، ويذكر حجته، وأنا أكتب جوابي مع كلامه، ويعرض كلامي وكلامه على علماء الشرق والغرب، فقد قلت هذا بالشام، وأنا قائله هنا (٤)، وهذي عقيدتي (٥) التي بُحثت بالشام بحضرة قضاتها ومشايخها وعلمائها، وقد أرسل إليكم نائبكم النسخة التي قرئت، وأخبركم بصورة ما جرى، وإن كان قد وقع من التقصير في حقي والعدوان والإغضاء عن الخصوم ما قد علمه الله والمسلمون،

стр. 104

فانظروا النسخة التي عندكم، وكان قد حضر عندي نسخة أخرى منها، فقلت: خذ هذه النسخة فهي (١) اعتقادي، فمن أنكر منها (٢) شيئًا فليكتب ما ينكره وحجته لأكتب جوابي، فأخذا العقيدة وذهبا، ثم عادا ومعهما ورقة لم يذكر فيها شيء من الاعتراض على كلامي، بل قد أنشؤوا فيها كلامًا طلبوه، وذكر الرسول أنهم كتبوا ورقة ثم أخرى (٣)، ثم قطعوها، ثم كتبوا هذه، ولفظها (٤): الذي يطلب (٥) منه أن يعتقده أن ينفي الجهة عن الله والتحيز، وأن لا يقول إن كلام الله حرف وصوت قائم به، بل هو معنى قائم بذاته، وأنه -سبحانه- لا يشار إليه بالأصابع إشارة حسية، ويطلب منه أنه (٦) لا يتعرض لأحاديث الصفات وآياتها عند العوام، ولا يكتب بها إلى البلاد ولا في الفتاوى المتعلقة بها. فلما أراني الورقة (٧) كتبت جوابها فيها مرتجلًا مع استعجال الرسول: أما قول القائل: الذي يطلب منه أن يعتقده أن ينفي الجهة عن الله والتحيز، فليس في كلامي إثبات هذا (٨) اللفظ؛ لأن إطلاق هذا اللفظ

стр. 105

نفيًا وإثباتًا بدعة (١)، وأنا لا أقول (٢) إلّا ما جاء به الكتاب والسنة، واتفق عليه سلف الأمة. فإن أراد قائل هذا القول أنه ليس فوق السموات رب، ولا فوق العرش إله (٣)، وأن محمدًا ﷺ لم يعرج (٤) به إلى ربه وما فوق العالم

стр. 106

إلا العلم المحض، فإذا باطل مخالف لإجماع الأمة وأئمتها. وإن أراد بذلك أن الله لا تحيط به مخلوقاته، ولا يكون في جوف الموجودات، فهذا مذكور مصرح به في كلامي (١)، فأي فائدة في تجديده؟ وأما قول القائل: لا يقول إن كلام الله حرف وصوت قائم به، بل هو معنى قائم بذاته [فليس في كلامي (٢) هذا -أيضًا- ولا قلته قط، بل

стр. 107

قول القائل: إن القرآن حرف وصوت قائم به بدعة، وقوله: إنه معنى قائم بذاته] (١) بدعة لم يقل أحد من السلف لا هذا ولا هذا، وأنا (٢) ليس في كلامي شيء من البدع، بل في كلامي ما أجمع عليه السلف أن القرآن كلام الله غير مخلوق (٣). وأما قول القائل: إنه لا يشار إليه بالأصابع إشارة حسية، فليس هذا اللفظ في كلامي [بل في كلامي] (٤) إنكار ما ابتدعه المبتدعون من الألفاظ النافية، مثل قولهم: إنه لا يشار إليه، فإن هذا النفي -أيضًا- بدعة. فإن أراد القائل أنه لا يشار إليه أنه ليس محصورًا في المخلوقات، أو غير ذلك من المعاني الصحيحة , فإذا حق، وإن أراد أن من دعا الله لا يرفع إليه يديه، فهذا خلاف ما تواترت به السنن عن النبي ﷺ وما فطر الله عليه عباده من رفع الأيدي إلى الله في الدعاء، وقد قال النبي ﷺ : "إن الله حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما إليه صفرًا" (٥)، وإذا سمى المسمي ذلك إشارة حسية، وقال: إنه

стр. 108

لا يجوز، لم يقبل منه (١). وأما قول القائل: لا (٢) يتعرض لأحاديث الصفات وآياتها عند العامة، فما فاتحت عاميًا في شيء من ذلك قط. وأما الجواب بما بعث الله به رسوله للمسترشد المستهدي فقد قال النبي ﷺ : "من سئل عن علم يعلمه فكتمه، ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار" (٣). وقال (٤) تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ (٥). . . الآية، فلا يؤمر العالم (٦) بما يوجب لعنة الله عليه.

стр. 109

فأخذا الجواب (١) وذهبا فأطالا الغيبة ثم رجعا, ولم يأتيا بكلام محصل إلا طلب الحضور، فأغلظت لهم في الجواب، وقلت لهم بصوت رفيع (٢): يا مبدلين (٣) يا مرتدين (٤) عن الشريعة يا زنادقة (٥)

стр. 110

وكلامًا (١) آخر كثيرًا، ثم قمت وطلبت فتح الباب والعود إلى مكاني. وقد كتبت هنا بعض ما يتعلق بهذه المحنة، التي طلبوها مني في هذا اليوم وبينت بعض ما فيها من تبديل الدين واتباع غير سبيل المؤمنين لما في ذلك من المنفعة للمسلمين، وذلك من وجوه كثيرة، نكتب منها ما يسر (٢) الله تعالى: الوجه الأول: إن هذا الكلام أمر فيه بهذا الكلام المبتدع الذي لم يؤثر عن الله ولا عن أحد من رسله، ولا عن أحد من سلف الأمة وأئمتها، بل هو من ابتداع بعض المتكلمين الجهمية (٣) الذي وصف ربه فيه بما وصفه، ونهى فيه عن كلام الله، وكلام رسوله الذي وصف به نفسه ووصفه (٤) به رسوله
следующие страницы →