← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 17581

التسعينية

ابن تيمية

Полный текст (1 060 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

القول، أي شيء في ذلك مما يدل على خطئه وضلاله في أقواله المتقدمة، إذا لم تناف هذا القول، دع استحقاق العقوبة والكذب والبهتان، فما لم يبينوا أن فيما (١) صدر عنه [قبل طلبه وحبسه وإعلام ما ذكروه من أمره ما يوجب ذلك، لم ينفعهم هذا، وهم قد عجزوا عن إبداء خطأ أو ضلال فيما صدر عنه] (٢) من المقال، وهم دائمًا يمتنعون من المحاجة (٣) والمناظرة بلفظ أو خط، وقد قيل لهم مرات متعددة (٤): من أنكر شيئًا فليكتب ما ينكره بخط يده، ويذكر حجته ويكتب جوابه، ويعرض الأمران على علماء المشرق والمغرب، فأبلسوا وبهتوا وطلب منهم غير مرة (٥) المخاطبة في المحاضرة والمحاجة (٦) والمناظرة، فظهر (٧) منهم من العي في الخطاب والنكوص على الأعقاب والعجز عن الجواب ما قد اشتهر واستفاض بين أهل المدائن والأعراب، ومن قضاتهم الفضلاء من كتب اعتراضًا على الفتيا الحموية (٨) وضمنه أنواعًا

стр. 177

من الكذب وأمورًا لا تتعلق بكلام المعترض عليه، وقد كتبت جوابه في مجلدات، ومنهم من كتب شيئًا ثم خبأه وطواه عن الأبصار، وخاف من نشره ظهور العار وخزي أهل الجهل والصغار، إذ مدار القوم على أحد أمرين: (إما) (١) الكذب الصريح، وإما الاعتقاد القبيح، فهم لن يخلوا من كذب كذبه بعضهم وافتراه، وظن باطل خاب من تقلده وتلقاه، وهذه حال سائر المبطلين من المشركين، وأهل الكتاب الكفار والمنافقين. * * *

стр. 178

فصل وأما قولهم: الذي نطلب منه أن يعتقده أن ينفي الجهة عن الله والتحيز (١). فالجواب من وجوه: أحدها: أن هذا اللفظ ومعناه الذي أرادوه، ليس هو في شيء من كتب الله المنزلة من عنده، ولا هو مأثورًا عن أحد من أنبياء الله ورسله، لا خاتم المرسلين، ولا غيره، ولا هو -أيضًا- محفوظًا عن سلف (٢) الأمة وأئمتها أصلًا، وإذا كان بهذه المثابة، وقد [علم أن الله] (٣) أكمل لهذه الأمة دينها، وأن الله بين لهذه الأمة (٤) ما تتقيه (٥)، كما قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (٦). . . الآية، وقال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ (٧)، وأن النبي ﷺ بين للأمة الإيمان الذي أمرهم الله به، وكذلك سلف الأمة وأئمتها، علم بمجموع (٨) هذين الأمرين، أن هذا الكلام ليس من دين الله، ولا من

стр. 179

الإيمان، ولا من سبيل المؤمنين، ولا من طاعة الله ورسوله. وإذا كان كذلك، فمن ألزم (١) اعتقاده فقد جعله من الإيمان والدين وذلك تبديل (٢) للدين، كما بدل من بدل من مبتدعة اليهود والنصارى ومبتدعة هذه الأمة دين المرسلين. يوضح ذلك: الوجه الثاني: أن الله نزه نفسه في كتابه عن النقائص، تارة بنفيها، وتارة بإثبات أضدادها ، كقوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ (٤) وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (٥). . . الآية، وقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ (٦)، وقوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ﴾ (٧) إلى قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (٨) وقوله: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ إلى قوله: ﴿فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٩) وقوله:

стр. 180

﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١) إلى قوله: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢) وقوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ (٣). . . الآية، وقوله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ (٤). . . الآية، وما في القرآن من خبره عن نفسه أنه بكل شيء عليم، وأنه لا يعزب عنه مثقال ذرة من الأرض ولا في السماء، وأنه على كل شيء قدير، وأنه ما شاء الله (٥) لا قوة إلّا بالله، وأن رحمته وسعت كل شيء، وأنه العلي العظيم الأعلى المتعال العظيم الكبير، وكذلك الأحاديث عن النبي ﷺ موافقة لكتاب الله، كقوله ﷺ في الحديث الصحيح: "إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط (٦) ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار (٧)، وعمل النهار قبل عمل الليل (٨)، حجابه النور أو النار (٩)، لو (١٠) كشفه لأحرقت سبحات وجهه (١١) ما انتهى إليه

стр. 181

بصره (١) من خلقه" (٢)، وقوله ﷺ أيضًا- فيما يروي عن ربه "شتمني (٣) ابن آدم وما ينبغي له ذلك، وكذبني ابن آدم، وما ينبغي له ذلك، فأما شتمه إياي فقوله: إنّي اتخذت ولدًا، وأنا الأحد الصمد، الذي لم ألد ولم أولد، وأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته" (٤)، وقوله في حديث السنن للأعرابي: "ويحك إن الله لا يستشفع له على أحد مر، خلقه، شأن الله أعظم من ذلك، إن عرشه على سمواته و (٥) قال بيده: مثل القبة، وإنه ليئط به أطيط (٦) الرحل الجديد. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 182

براكبه" (١) وقوله في الحديث الصحيح: "أنت الأول فليس (٢) قبلك شيء، وأنت الآخر فليس (٣) بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء" (٤). إلى أمثال ذلك.

стр. 183

[وليس في شيء] (١) من ذلك نفي الجهة والتحيز (٢) عن الله، ولا وصفه بما يستلزم لزومًا بينًا نفي (٣) ذلك، فكيف يصح مع كمال الدين وتمامه، ومع كون الرسول قد بلغ البلاغ المبين أن يكون هذا من الدين والإيمان ثم لا يذكره الله ورسوله قط؟ وكيف يجوز أن يدعى الناس ويؤمرون باعتقاد في أصول الدين ليس له أصل عن من (٤) جاء بالدين؟ هل هذا إلّا صريح تبديل الدين؟ الوجه الثالث (٥): أني (٦) قد قلت لهم: قائل هذا القول: إن أراد به أن ليس في السموات رب، ولا فوق العرش إله، وأن محمدًا لم يعرج به إلى ربه، وما فوق العالم إلّا العدم المحض، فهذا باطل مخالف لإجماع سلف الأمة وأئمتها، وهذا المعنى هو الذي يعنيه جمهور الجهمية (٧) من مشايخ الممتحنين ونحوهم، يصرحون به في كلامهم وكتابهم. وإن أراد به أن الله لا يحيط به مخلوقاته، ولا يكون في جوف الموجودات فهذا مذكور مصرح به في كلامي، وإثبات هذا المعنى، وهو

стр. 184

أنه بذاته في الموجودات ليس خارجًا عنها، هو قول كثير من الجهمية -أيضًا- الذين ينفون أنه على العرش أيضًا، سواء قالوا (١): إنه بذاته في كل مكان، أو قالوا: إنه هو في (٢) الموجودات، كما يقوله الاتحادية (٣) منهم، وذلك أن الجهمية الذين ينفون أن يكون الله فوق عرشه، بائنًا من خلقه، منهم من يقول: [إنه] (٤) لا داخل العالم ولا خارجه، ومنهم من يقول: إنه داخل العالم، ومنهم من يقول: إنه داخله وخارجه،

стр. 185

متناهيًا أو غير متناه، جسمًا أو غير جسم، كما بينا مقالاتهم في غير هذا الموضع (١). فصارت الجهمية (٢) الذين ينفون عن الله الجهة والحيز، مقصودهم أنه ليس فوق العرش رب، ولا فوق السموات إله، والجهمية الذين يقولون: إنه في الموجودات يثبتون له الجهة والحيز، فبينت في الجواب بطلان قول فريقي الجهمية النفاة والمثبتة، فإن نفاة الجهمية لا يعبدون شيئًا ومثبتتهم يعبدون كل شيء، وذكرت هذين القسمين (٣)، لأنها هي التي جرت عادة المتكلمين بنفي الجهة والحيز عن الله أنهم يعنونها، فإن كانوا عنوا معنى آخر كان عليهم بيانه، إذ اللفظ لا يدل عليه؛ وليس لأحد أن يمتحن الناس بلفظ مجمل، ابتدعه هو من غير بيان لمعناه. الوجه الرابع: أنهم طلبوا اعتقاد نفي الجهة والحيز عن الله، ومعلوم أن الأمر بالاعتقاد لقول من الأقوال إما أن يكون تقليدًا (٤) للآمر، أو لأجل الحجة

стр. 186

والدليل، فإن كانوا أمروا بأن يعتقد هذا تقليدًا لهم، ولمن قال ذلك، فهذا باطل بإجماع المسلمين منهم ومن غيرهم، وهم يسلمون أنه لا يجب التقليد في مثل ذلك لغير الرسول، لا سيما وعندهم هذا القول لم يعلم بأدلة الكتاب والسنة والإجماع، وإنما علم بالأدلة العقلية، والعقليات لا يجب التقليد فيها بالإجماع (١)، وإن كان الأمر بهذا الاعتقاد لقيام الحجة عليه، فهم لم يذكروا حجة لا مجملة ولا مفصلة، ولا أحالوا عليها، بل هم يفرون من المناظرة والمحاجة بخطاب أو كتاب، فقد ثبت أن أمرهم لهذا الاعتقاد حرام باطل على التقديرين بإجماع المسلمين، وأن فعل ذلك من أفعال الأمة المضلين، وأنه أمر للناس (٢) أن يقولوا على الله ما لا يعلمون. الوجه الخامس: أن الناس تنازعوا في جواز التقليد في مسائل أصول الدين، لمن يجوز تقليده في الدين من أئمة المسلمين المتبعين فيما يقولونه لما ثبت عن المرسلين، كما يقلد مثل هؤلاء في فروع الدين. فأما التقليد في الأمور التي يقولون: إنها عقليات وإنها معلومة بالعقل يحتاج فيها إلى تأويل السمع، وإنها من أصول الدين، فما نعلم أحدًا جوز التقليد في مثل ذلك، بل الناس فيها قسمان: منهم من ينكرها على أصحابها ويبين أنها جهليات لا عقليات، ومنهم من يقول بل

стр. 187

[من] (١) نظر في أدلتها العقلية علم صحتها. فأما أن يقول قائل: إن هذه الأمور التي تنازعت فيها الأمة، وادعى كل فريق أن الحق معهم، إني أقلد من يدعي أن قوله معلوم بالعقل قبل أن أعلم صحة ما يقوله بالعقل، فهذا لا يقوله عاقل، فإن العقل لا يرجح في موارد النزاع قولًا على قول، وقائلًا على قائل إلّا بموجب. أما مجرد التقليد لأحد القائلين بغير حجة، فلا يسوغ في عقل ولا دين، وإذا كان كذلك لم يكن لهم أن يسوغوا لأحد أن يقول هذا القول حتى يعلمه بأدلته العقلية، فكيف وقد أوجبوا اعتقاده إيجابًا مجردًا لم يذكروا عليه دليلًا أصلًا؟ وهل هذا إلّا في غاية المناقضة والتبديل للعقل والدين؟ فإن من أباح المحرمات من الأفعال كان خارجًا عن الشريعة، فكيف بمن أوجبها وعاقب عليها؟ وكيف (٢) إذا كان ذلك من الاعتقادات التي هي أعظم من الأفعال؟ الوجه السادس: أنه لو فرض جواز التقليد أو وجوبه في مثل هذا، لكان لمن يسوغ تقليده في الدين كالأئمة المشهورين الذين أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم، وهذا القول لم يقله أحد ممن يسوغ للمسلمين تقليده في فروع دينهم، فكيف يقلدونه [في] (٣) أصول دينهم التي هي أعظم من فروع الدين، فإن هذا القول (٤) وإن قاله طائفة من المنتسبين إلى مذاهب الأئمة الأربعة، فليس من قائليه من هو من أئمة ذلك المذهب الذين لهم قول متبوع بين أئمة ذلك المذهب، فإن أصحاب الوجوه من أصحاب

стр. 188

الشافعي (١)، كأبي العباس بن سريج (٢)، وأبي علي بن أبي هريرة (٣)، وأبي سعيد الإصطخري (٤)، وأبي علي بن خيران (٥)، والشيخ أبي حامد الإسفراييني (٦) ونحو هؤلاء ليس فيهم من يقول هذا القول، بل المحفوظ

стр. 189

عمن حفظ عنه كلام في هذا ضد هذا القول، وغايته (١) أن يحكي عن مثل أبي المعالي الجويني (٢)، وهو أجل من يحكي عنه ذلك من المتأخرين، وأبو المعالي ليس له وجه في المذهب، ولا يجوز تقليده في شيء من فروع الدين عند أصحاب الشافعي (٣)، فكيف يجوز أو يجب تقليده في أصول الدين؟ وهذا هو الذكي اللوذعي (٤)، وكتابه (٥) في المذهب هو

стр. 190

الذي رفع قدره، وفخم أمره، فإذا لم يجز تقليده فيما ارتفع به قدره، وعظم به أمره عند الأصحاب، فكيف يقلد في الأمر الذي كثر فيه الاضطراب، وأقر عند موته بالرجوع عنه وتاب (١)؟ وهجره على بعض مسائله (٢)، مثل أبي القاسم. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 191

القشيري (١)، وغيره من الأصحاب، وإذا كان هذا حال من يقلد إمام الحرمين الأستاذ (٢) المطاع، فكيف بمن يقلد من هو دونه بلا نزاع، وذلك لأن التقليد في الفروع، دع (٣) الأصول، إنما يكون لمن كان عالمًا بمدارك الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة والإجماع، وأبو المعالي (٤) لم يكن من هذا الصنف، فإنه كان قليل (٥) المعرفة بالكتاب والسنة، وعامة ما يعتمد عليه في الشريعة الإجماع في المسائل القطعية والقياس، والتقليد (٦) في المسائل الظنية، وكذلك هو في مسائل أصول الدين،

стр. 192

غالب أمره، الدوران بين الإجماع السمعي القطعي والقياس العقلي الذي يعتمد (١) أنه قطعي. [فإنه في الفروع على] (٢) مذهب الشافعي (٣)، وبالخلاف المنصوب مع أبي حنيفة (٤)، وأما بالأصول فبالدلائل والمسائل المذكورة في كتب المعتزلة (٥). . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 193

والأشعرية (١). هذا وهو أجل من يقرن به من المناظرين، وعمدة من يسلك سبيله من المستأخرين (٢)، فكيف بمن لم يبلغ شأوه (٣) في العلم والذكاء ومقاومة الخصوم الفضلاء. وأما من تكلم في ذلك من فقهاء المالكية المتأخرين كالباجي (٤)،

стр. 194

وأبي بكر بن العربي (١)، ونحوهما، فإنهم في ذلك يقلدون لمن أخذوا ذلك عنه من أهل المشرق المتكلمين معترفين (٢) بأنهم لهم من التلامذة المتبعين، ليس في كلام أحد من هؤلاء استيفاء الحجة في هذا الباب من الطرفين، ولا النهوض بأعباء هذا العمل الذي يحتاج إلى فصل الخطاب في القولين المتعارضين (٣). وأما أئمة المالكية الذين إليهم المرجع في الدين، كابن القاسم (٤)، وابن وهب (٥)، وأشهب (٦)،. . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 195

وسحنون (١)، وابنه (٢)، وعبد الملك بن حبيب (٣)، وابن وضاح (٤)،

стр. 196

وغيرهم، فهم براء من هذا النفي والتكذيب، ولهم في الإثبات من الأقوال ما يعرفها العالم اللبيب. الوجه السابع: أن هذا القول لو فرض أنه حق معلوم بالعقل لم يجب اعتقاده بمجرد ذلك ، إذ وجوب اعتقاد شيء معين لا يثبت إلّا بالشرع بلا نزاع. وأما (١) المنازعون فهم يسلمون أن الوجوب كله لا يثبت إلا بالشرع، وأن العقل لا يوجب شيئًا، وإن عرفه. وأما من يقول: إن الوجوب قد (٢) يعلم بالعقل، فهو يقول ذلك فيما يعلم وجوبه بضرورة العقل أو نظره، واعتقاد كلام معين من تفاصيل مسائل الصفات لا يعلم وجوبه (٣) بضرورة العقل ولا بنظره، ولهذا اتفق عامة أئمة الإِسلام على أن من مات مؤمنًا بما جاء به الرسول، [و] (٤) لم يخطر على قلبه (٥) هذا النفي المعين، لم يكن مستحق للعذاب، ولو كان واجبًا لكان تركه سببًا لاستحقاق العذاب، وإن فرض أن بعض غالية الجهمية من المعتزلة ونحوهم، يزعم أن معرفة هذا النفي من الواجبات أو من أجلها، وأن من لم يعتقده من الخاصة والعامة كان مستحقًا للعذاب، أو فرض أن بعض الناس يقول: إن هذا الاعتقاد يجب على الخاصة دون العامة، فنحن نعلم بالاضطرار من دين الإِسلام فساد القول بإيجاب هذا؛ لأنا نعلم بالاضطرار أن النبي ﷺ ، والصحابة والتابعين، وسائر

стр. 197

أئمة المسلمين، لم يوجبوا اعتقاد هذا النفي لا على الخاصة، ولا على العامة، وليس وجوب هذا من الحوادث التي تجددت، فإن وجوب هذا الاعتقاد على الأولين والآخرين سواء [لوجوب] (١) اعتقاد أنه (٢) لا إله إلّا الله، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور (٣). وإذا كان معلومًا (٤) بالاضطرار عدم إيجاب الشارع لهذا الاعتقاد، كان دعوى وجوبه بالعقل مردودًا، فإن الشارع أقر الواجبات العقلية، وأوجبها، كما أوجب الصدق والعدل، وحرم الكذب والظلم، وإذا كان وجوب هذا القول منتفيًا، لم يكن لأحد أن يوجبه على الناس، فضلًا عن أن يعاقب تاركه، ويجعل (٥) محنة، من وافقه عليه والاه، و [من] (٦) خالفه فيه عاداه (٧)، وهذا المسلك هو أحد ما سلكه العلماء (٨) في الرد

стр. 198

على الجهمية الممتحنين للناس، كابن أبي دؤاد (١) وأمثاله، لما (٢) ناظرهم من ناظرهم قدام الخلفاء، كالمعتصم (٣)، والواثق (٤)، فإنهم بينوا لهم أن القول الذي أوجبوه على الناس، وعاقبوا تاركه، وهو القول بخلق القرآن لم يقله النبي ﷺ ولا أحد من خلفائه، وأصحابه، ولا أئمة المسلمين وعامتهم، ولا أمروا به، ولا عاقبوا عليه، ولو كان من الدين الذي يجب دعاء الخلق إليه وعقوبة تاركيه، لم يجز إهمالهم لذلك، وإن القائل (٥) لهذا القول، لو فرض أنه مصيب، لم يكن له أن يوجب على

стр. 199

الناس ويعاقبهم على ترك كل قول يعتقد أنه صواب، وهذا ما اتفق عليه المسلمون، وذلك يتضح بـ: الوجه الثامن: وهو أن الاعتقاد الذي يجب على المؤمنين خاصتهم وعامتهم ويعاقب تاركوه، هو ما بينه النبي ﷺ ، فأخبر به وأمر بالإيمان به، إذ أصول الإيمان التي يجب اعتقادها على المكلفين، وتكون فارقة بين أهل الجنة والنار، والسعداء والأشقياء، هي من أعظم ما يجب على الرسول بيانه وتبليغه، ليس حكم هذه كحكم الآحاد (١) الحوادث التي لم تحدث في زمانه، حتى شاع الكلام فيها باجتهاد الرأي، إذ الاعتقاد في أصول الدين للأمور الخبرية الثابتة التي (لا تتجدد) (٢) أحكامها مثل أسماء الله وصفاته نفيًا وإثباتًا ليست مما يحدث سبب العلم به، أو سبب وجوبه، بل (٣) العلم بها ووجوب ذلك مما يشترك فيه الأولون والآخرون، والأولون أحق بذلك من الآخرين، لقربهم من ينبوع الهدى ومشكاة النور الإلهي، فإن أحق الناس بالهدى هم الذين باشرهم الرسول بالخطاب من خواص أصحابه وعامتهم، وهذه العقائد الأصولية من أعظم الهدى، فهم بها أحق. فإذا كان وجوب ذلك منتفيًا فيما جاء به الرسول من الكتاب والسنة وفيما اتفق عليه سلف الأمة، كان عدم وجوبه معلومًا (٤) علمًا يقينًا (٥)، وكان غايته أن يكون مما يقال باجتهاد الرأي، وحينئذ فنقول: إن هذه

стр. 200

الأقوال التي تسمى العقليات غايتها أن (يجهد) (١) فيها (٢) أصحابها عقولهم وآراءهم (٣). و القول باجتهاد الرأي، وإن اعتقد صاحبه أنه عقلي، مقطوع به لا يحتمل النقيض، فإنه قد يكون غير مقطوع به ، وإن اعتقد هو أنه مقطوع به، فإن هذا من أكثر ما يوجد بينهم من أقوال يقول أصحابها: إنه مقطوع بها في العقل، وتكون بخلاف ذلك، حتى إن الواحد منهم هو الذي يقول في القول: إنه مقطوع به، ويقول فيه تارة أخرى: إنه باطل. وإذا لم يكن مقطوعًا به، فقد يكون مظنونًا غير معلوم الصحة والفساد، وقد يكون خطأ معلوم الفساد أو مظنونه، وقد يكون مشكوكًا فيه. فعامة هذه الأقوال المتنازع فيها التي يقول قائلها: إنها مقطوع بها تعتورها (٤) هذه الاحتمالات: عدم (٥) القطع بها، بل ظنها والشك فيها وظن نقيضها، والقطع بنقيضها، ثم غاية ما يقدر أن يكون (٦) صوابًا معلومًا أنها صواب عند صاحبها، فليس كل ما كان كذلك يجب على جميع المسلمين (٧) اعتقاده، إذ (٨) طرق العلم بذلك قد تكون خفية مشتبهة، فلا يجب التكليف بموجبها لجميع المؤمنين، ولو كانت عقلية (٩) ظاهرة معلومة بأدنى نظر، لم يجب في كل ما كان كذلك أن

стр. 201

يكون اعتقاده واجبًا على كل المؤمنين، مثل كثير من مسائل الطب (١) والهيئة وغير ذلك، فهذه ثلاث مقدمات عظيمة: أحدها: أنه ليس ما اعتقد قائله: أنه حق مقطوع به معلوم بالعقل أو بالشرع يكون كذلك. والثانية: أنه ليس ما علم الواحد أنه حق مقطوع به عنده، يجب اعتقاده على جميع الناس. الثالثة (٢): أنه ليس ما كان معلومًا مقطوعًا به بأدنى نظر يجب اعتقاده، وإذا كان كذلك فغاية ما يبين من يوجب هذه المقالات أنها حق مقطوع به عقلي معلوم بأدنى نظر، وإذا كان مع هذا لا يجب اعتقاد ذلك على المكلفين حتى يعلم وجوب ذلك بالأدلة الشرعية التي يعلم بها الوجوب، لم يكن له أن يوجب على الناس هذا الاعتقاد، ويعاقب تاركيه حتى يبين أن الشارع أوجب ذلك على الناس على هذا الوجه، وهذا مما لم يذكروه ولا سبيل إليه، فكيف والأمر بالعكس عند من يبين أن ما قالوه خطأ، مخالف للعقل الصريح وللنقل الصحيح معلوم الفساد بضرورة العقل، ونظره مخالف للكتاب وللسنة (٣) وإجماع سلف الأمة، وإن الشارع أخبر بنقيضه وأوجب اعتقاد ضده. الوجه التاسع: أنه لا ريب أن من لقي الله بالإيمان بجميع ما جاء به الرسول مجملًا مقرًا بما بلغه من تفصيل الجملة، غير جاحد لشيء من تفاصيلها، أنه يكون بذلك من المؤمنين، إذ الإيمان بكل فرد من تفصيل ما أخبر به الرسول وأمر به غير مقدور للعباد، إذ لا يوجد أحد إلّا وقد خفي عليه

стр. 202

بعض ما قاله الرسول، ولهذا يسع الإنسان في مقالات كثيرة ألّا (١) يقر فيها بأحد النقيضين، لا (٢) ينفيها ولا يثبتها إذا لم يبلغه أن الرسول نفاها، أو أثبتها، ويسع الإنسان (٣) السكوت عن النقيضين في أقوال كثيرة، إذا لم يقم دليل شرعي بوجوب قول أحدهما. أما إذا كان أحد القولين هو الذي قاله الرسول دون الآخر، فهنا يكون السكوت عن هذا (٤) وكتمانه من باب كتمان ما أنزل الله من البينات والهدى من بعد ما بينه للناس في الكتاب، ومن باب كتمان شهادة عند (٥) العبد من الله، وفي كتمان العلم النبوي من الذم واللعنة لكاتمه ما يضيق عنه هذا الموضع (٦). وكذلك إذا كان أحد القولين متضمنًا لنقيض ما أخبر به الرسول ﷺ ، والآخر لا يتضمن مناقضة الرسول، لم يجز السكوت عنهما جميعًا، بل يجب نفي القول المتضمن لمناقضة الرسول ﷺ ، ولهذا أنكر الأئمة على الواقفة (٧) في مواضع كثيرة حين تنازع الناس، فقال قوم بموجب السنة،

стр. 203

وقال قوم بخلاف السنة، وتوقف قوم فأنكروا على الواقفة، كالواقفة الذين قالوا: لا نقول القرآن مخلوق، ولا نقول: إنه غير مخلوق، هذا مع أن كثيرًا من الواقفة يكون في الباطن مضمرًا للقول المخالف للسنة، ولكن يظهر الوقف نفاقًا ومصانعة، فمثل هذا موجود. أما القول الذي لا يوجد في كلام الله ورسوله، لا منصوصًا ولا مستنبطًا، بل يوجد في الكتاب والسنة مما يناقضه ما لا يحصيه إلّا الله، فكيف يجب على المؤمنين -عامة أو خاصة- اعتقاده، ويجعل ذلك محنة لهم؟ ومن المعلوم أنه ليس في الكتاب والسنة ولا في كلام أحد من سلف الأمة ما يدل -نصًّا ولا استنباطًا- على أن الله ليس فوق العرش، وأنه ليس فوق (١) المخلوقات، وأنه ما فوق العالم رب يعبد، ولا على العرش إله يدعى ويقصد، وما هناك إلّا العلم المحض، وسواء سمى ثبوت هذا المعنى قولًا بالجهة والتحيز (٢) أو لم يسم، فتنوع العبارات لا يضر إذا عرف المعنى المقصود، وإذا كان هذا المعنى ليس مما جاء به

стр. 204

الرسول، كان الإعراض عنه -ولو كان حقًّا- جائزًا، بحيث لو لم يعتقد الرجل فيه نفيًا ولا إثباتًا، لم يؤمر بأحدهما. وقد بسطنا الكلام فيما يذكر لهذا القول من الدلائل السمعية والعقلية في مواضع منها الكلام على ما ذكره أبو عبد الله الرازي (١)، في كتابه الذي سماه: "تأسيس التقديس" (٢)، وكتابه "نهاية العقول في دراية الأصول" (٣)، وغير ذلك، إذا كان قد جمع في ذلك غاية ما يقوله

стр. 205

الأولون والآخرون من حجج النفاة، (١) الذين يقولون: إن الله ليس في جهة ولا حيز، فليس هو (٢) على العرش ولا فوق العالم. الوجه العاشر: أن قولهم: الذي نطلب (٣) منه أن يعتقده أن ينفي الجهة عن الله والتحيز، لا يخلو: إما أن يتضمن هذا نفي كون الله على العرش، وكونه فوق العالم، بحيث يقال: إنه ما فوق العالم رب ولا إله، أو ما هناك (٤) شيء موجود، وما هناك (٥) إلّا العدم الذي ليس بشيء، أو لا يتضمن هذا الكلام نفي ذلك، فإن كان هذا الكلام لم يتضمن نفي ذلك كان النزاع لفظيًّا، وأنا ليس في شيء من كلامي -قط- إثبات الجهة والتحيز لله مطلقا حتى يقال: نطلب منه نفي ما قاله أو أطلقه من اللفظ، بل كلامي فيه ألفاظ القرآن والحديث وألفاظ سلف الأمة، ومن نقل مذاهبهم، أو التعبير عن ذلك تارة بالمعنى المطابق الذي يعلم المستمع أنه موافق لمعناهم

стр. 206

وما يذكرون (١) من الألفاظ المجملة، فإني أبينه وأفصله؛ لأن أهل الأهواء، كما قال الإِمام أحمد (٢) فيما خرجه في الرد على الزنادقة والجهمية (٣) فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولت غير تأويله، قال: "الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل، بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس، وما أقبح (٤) أثر الناس عليهم. ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين الذين عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا عنان (٥) الفتنة، فهم مخالفون للكتاب، مختلفون في الكتاب (٦)، مجتمعون على مفارقة الكتاب، يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من (٧) الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم، فنعوذ بالله من فتن المضلين (٨). فقد أخبر أن أهل البدع والأهواء يتكلمون بالمتشابه من الكلام،

стр. 207

ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم، وذلك مثل قولهم: ليس بمتحيز ولا في جهة، ولا كذا ولا كذا، فإن هذه ألفاظ مجملة متشابهة يمكن تفسيرها بوجه حق، ويمكن تفسيرها بوجه باطل، فالمطلقون لها يوهمون عامة المسلمين أن مقصودهم تنزيه الله عن أن يكون محصورًا في بعض المخلوقات، ويفترون الكذب على أهل الإثبات، إنهم يقولون ذلك يقول بعض قضاتهم (١) لبعض الأمراء: إنهم يقولون: إن الله في هذه الزاوية. وقول آخر من طواغيتهم: إنهم يقولون: إن الله في حشو السموات، ولهذا سموا حشوية (٢)، إلى أمثال هذه الأكاذيب التي

стр. 208

يفترونها على أهل الإثبات، ثم يأتون بلفظ مجمل متشابه يصلح لنفي هذا المعنى الباطل، ولنفي ما هو حق، فيطلقونه فيخدعون بذلك جهال الناس، فإذا وقع الاستفصال والاستفسار، انكشفت الأسرار، وتبين الليل من النهار، وتميز أهل الإيمان واليقين من أهل النفاق المدلسين، الذين لبسوا الحق بالباطل، وكتموا الحق وهم يعلمون. فالمقصود أن قائل هذا القول إن لم يرد به نفي علو الله على عرشه وأنه فوق خلقه (١)، لم ينازع من المعنى الذي أراده، ولكن لفظه ليس بدال على ذلك، بل هو مفهم أو موهم لنفي ذلك، فعليه أن يقول: لست أقصد بنفي الجهة والتحيز نفي (٢) أن يكون الله فوق عرشه، وفوق خلقه، وحينئذ فيوافقه أهل الإثبات على نفي الجهة والتحيز بهذا التفسير بعد استفصاله وتقييد كلامه بما يزيل الالتباس. أما إن تضمن هذا الكلام أن الله ليس على العرش ولا فوق العالم، فليصرح بذلك تصريحًا بينًا حتى يفهم المؤمنون قوله وكلامه، ويعلموا مقصوده ومرامه، فإذا كشف للمسلمين حقيقة هذا القول، وأن مضمونه: أنه ليس فوق السماوات (٣) رب، ولا على العرش إله، وأن

стр. 209

الملائكة لا تعرج إلى الله، ولا تصعد إليه، ولا تنزل من عنده، وأن عيسى لم يرفع إليه ومحمد لم يعرج (١) به إليه، وأن العباد لا يتوجهون بقلوبهم إلى إله هناك يدعونه ويقصدونه، ولا يرفعون أيديهم من دعائهم إليه، فحينئذ ينكشف للناس حقيقة هذا الكلام، ويظهر الضوء من الظلام. ومن المعلوم أن قائل ذلك لا يجترئ أن يقوله في ملأ من المؤمنين، وإنما يقوله بين إخوانه من المنافقين (٢)، الذين إذا اجتمعوا يتناجون، وإذا افترقوا يتهاجون، وهم وإن زعموا أنهم أهل المعرفة المحققين، فقد شابهوا من سبق من إخوانهم المنافقين، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ (٣) إلى قوله: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ (٥) إلى قوله: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إلا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾.

стр. 210

ولا ريب أن كثيرًا من هؤلاء قد لا يعلم أنه منافق، بل يكون معه أصل الإيمان, لكن يلتبس عليه أمر المنافقين، حتى يصير لهم من السماعين، قال تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إلا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ (١)، وكان المعلوم أن كلام أهل الإفك (٢) في عائشة (٣)، كان مبدؤه من المنافقين، وتلطخ به طائفة

стр. 211

من المؤمنين، وهكذا كثير من البدع، كالرفض والتجهم مبدؤها من المنافقين، وتلوث ببعضها كثير من المؤمنين، لكن كان فيهم من نقص (١) الإيمان بقدر ما شاركوا فيه أهل النفاق والبهتان (٢). الوجه الحادي عشر: أنهم (٣) إذا بينوا مقصودهم -كما يصرح به أئمتهم وطواغيتهم- من أنه ليس فوق العرش رب، ولا فوق العالم موجود، فضلًا عن أن يكون فوقه واجب الوجود. فيقال لهم: هذا معلوم الفساد بالضرورة، بالفطرة (٤) العقلية، وبالأدلة النظرية العقلية، وبالضرورة الإيمانية السمعية الشرعية، وبالنقول المتواترة المعنوية عن خير البرية، وبدلالة القرآن على ذلك من آيات تبلغ "مئين" (٥)، وبالأحاديث المتلقاة بالقبول من علماء الأئمة في جميع القرون وبما اتفق عليه سلف الأمة، وأهل الهدى من أئمتها، وبما اتفق عليه الأمم بجبلتها وفطرتها، وما يذكر في خلاف ذلك من الشبه،

стр. 212

التي يقال: إنها براهين عقلية، أو دلائل سمعية، فقد تكلمنا عليها بالاستقصاء حتى تبين أنها من القول الهراء (١)، فهاتوا برهانكم إن كنتم صادقين. ولولا أن المقصود هنا التنبيه على مجامع الضلال فيما أوجبوا اعتقاده، لبسطنا القول هنا وبينا سداده، لكن قد أحلنا على ما هو موجود مكتوب -أيضًا- قد كتبناه في هذا الزمان (٢)، والحمد لله ولي الإحسان. الوجه الثاني عشر: أن لفظ الجهة عند من قاله، إما أن يكون معناه وجوديًّا أو عدميًّا ، فإن كان معناه وجوديًّا، فنفي (٣) الجهة عن الله نفي عن أن يكون الله في شيء موجود، وليس [شيء] (٤) موجودًا سوى الله إلا العالم، فإذا أحد القسمين الذين ذكرناهما من جوابهم، وهو أن يراد أنه [ليس] (٥) محصورًا في المخلوقات، داخلًا في المصنوعات، هذا أحد أقوال الجهمية الذين يقولون: إنه ليس على العرش، ونفيه مصرح به في كلامنا. وإن كان معناه عدميًّا، كان المعنى أن الله لا يكون حيث لا موجود غيره، وهو ما فوق العالم، فإن كون الموجود في العلم ليس معناه أن

стр. 213

العلم يحويه أو يحيط به، إذ (١) العلم ليس بشيء أصلًا حتى يوصف بأنه يحيط أو يحاط به، بل المعنى (٢) بذلك أن يكون الموجود بحيث لا موجود غيره، أو أن (٣) يكون القائم بنفسه بحيث لا قائم بنفسه غيره، فإن الموجود نوعان: قائم بنفسه، وقائم بغيره. فالقائم بغيره من الصفات والأعراض يكون بحيث يكون غيره، فإن الصفات والأعراض تقوم بالمحل الواحد. وأما القائم بنفسه، فلا يكون حيث يكون آخر قائم بنفسه، [بل يجب أن يكون مباينًا لغيره، فيكون حيث لا موجود غيره] (٤)، أو حيث لا قائم بنفسه غيره، وهو المعنيّ بكون الله على العرش، وفوق العالم، وإذا كان هذا المعقول من الجهة العدمية، فأكثر عقلاء بني آدم من المسلمين واليهود والنصارى والمشركين والمجوس (٥) والصابئين (٦)،

стр. 214

على أن نفيه هذا عن الموجود، واجبه وممكنه (١) معلوم الفساد بالضرورة العقلية، وهو أن يعلم بالضرورة العقلية أنه يمتنع وجود قائم بنفسه، حيث يكون موجود آخر قائم بنفسه، أو لا يكون إلّا حيث يكون موجودا (٢) آخر قائم النهيه (٣)، وأن كل موجود إما أن يكون مباينا لغيره منفصلًا عنه فيكون في الجهة العدمية، وإما أن يكون محايثًا له داخلا فيه، فيكون في الجهة الوجودية، ووجود موجود لا في جهة وجودية ولا جهة عدمية ممتنع عندهم في صريح العقل، ثم إن قول هؤلاء موافق لما عليه بنو آدم من الفطرة، موافق لما جاء به (٤) الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها. وبالجملة فالنزاع في ذلك ظاهر مشهور، وإذا كان كذلك لم يكن نفي ذلك بالهين حتى يدعي دعوى مجردة (٥)، بلا دليل سمعي ولا عقلي، ثم يوجب اعتقاد ذلك ويعاقب تاركه. ومن الناس من قد يعني بالجهة [ما ليس مغايرًا لذي الجهة] (٦)

стр. 215

فيكون كونه في جهة بحيث يتوجه إليه أو يشار إليه، ولا يعني بالجهة موجودًا منفصلًا عنه، ولا يعني عدميًّا، وهؤلاء قد يقولون: الجهة من الأمور الإضافية، فكون الشيء من الجهة معناه أنه مباين (١) لغيره، وكل موجود قائم بنفسه فإنه مباين لغيره. وقد يقولون كونه في الجهة معناه: أنه متميز بذاته محقق الوجود، وإن لم يقدر موجود سواه، وهؤلاء يقولون: هو في الجهة قبل وجود العالم، والأولون يقولون: لا نعقل الجهة إلا بعد وجود العالم. وأصل ذلك (٢) أن هؤلاء يقولون: إن مسمى الجهة نوعان: إضافي متنقل، وثابت لازم. فأما الأول فهي الجهات الست للحيوان -أمامه وهو ما يؤمه، وخلفه وهو ما يخلفه، ويمينه، ويساره، وفوقه، وتحته، وهو ما يحاذي ذلك، وهذه الجهات ليست جهات لمعنى يقوم بها (٣)، ولا ذلك صفة لازمة لها، بل تفسير (٤) اليمين يسارًا، واليسار يمينًا، والعلو سفلًا، والسفل علوًا بتحرك (٥) الحيوان من غير تغير في الجهات. وأما الثاني: فهو جهتا (٦) [العالم وهي] (٧). . . . . . . . . .
следующие страницы →