← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 17581

التسعينية

ابن تيمية

Полный текст (1 060 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

من المؤمنين، وهكذا كثير من البدع، كالرفض والتجهم مبدؤها من المنافقين، وتلوث ببعضها كثير من المؤمنين، لكن كان فيهم من نقص (١) الإيمان بقدر ما شاركوا فيه أهل النفاق والبهتان (٢). الوجه الحادي عشر: أنهم (٣) إذا بينوا مقصودهم -كما يصرح به أئمتهم وطواغيتهم- من أنه ليس فوق العرش رب، ولا فوق العالم موجود، فضلًا عن أن يكون فوقه واجب الوجود. فيقال لهم: هذا معلوم الفساد بالضرورة، بالفطرة (٤) العقلية، وبالأدلة النظرية العقلية، وبالضرورة الإيمانية السمعية الشرعية، وبالنقول المتواترة المعنوية عن خير البرية، وبدلالة القرآن على ذلك من آيات تبلغ "مئين" (٥)، وبالأحاديث المتلقاة بالقبول من علماء الأئمة في جميع القرون وبما اتفق عليه سلف الأمة، وأهل الهدى من أئمتها، وبما اتفق عليه الأمم بجبلتها وفطرتها، وما يذكر في خلاف ذلك من الشبه،

стр. 212

التي يقال: إنها براهين عقلية، أو دلائل سمعية، فقد تكلمنا عليها بالاستقصاء حتى تبين أنها من القول الهراء (١)، فهاتوا برهانكم إن كنتم صادقين. ولولا أن المقصود هنا التنبيه على مجامع الضلال فيما أوجبوا اعتقاده، لبسطنا القول هنا وبينا سداده، لكن قد أحلنا على ما هو موجود مكتوب -أيضًا- قد كتبناه في هذا الزمان (٢)، والحمد لله ولي الإحسان. الوجه الثاني عشر: أن لفظ الجهة عند من قاله، إما أن يكون معناه وجوديًّا أو عدميًّا ، فإن كان معناه وجوديًّا، فنفي (٣) الجهة عن الله نفي عن أن يكون الله في شيء موجود، وليس [شيء] (٤) موجودًا سوى الله إلا العالم، فإذا أحد القسمين الذين ذكرناهما من جوابهم، وهو أن يراد أنه [ليس] (٥) محصورًا في المخلوقات، داخلًا في المصنوعات، هذا أحد أقوال الجهمية الذين يقولون: إنه ليس على العرش، ونفيه مصرح به في كلامنا. وإن كان معناه عدميًّا، كان المعنى أن الله لا يكون حيث لا موجود غيره، وهو ما فوق العالم، فإن كون الموجود في العلم ليس معناه أن

стр. 213

العلم يحويه أو يحيط به، إذ (١) العلم ليس بشيء أصلًا حتى يوصف بأنه يحيط أو يحاط به، بل المعنى (٢) بذلك أن يكون الموجود بحيث لا موجود غيره، أو أن (٣) يكون القائم بنفسه بحيث لا قائم بنفسه غيره، فإن الموجود نوعان: قائم بنفسه، وقائم بغيره. فالقائم بغيره من الصفات والأعراض يكون بحيث يكون غيره، فإن الصفات والأعراض تقوم بالمحل الواحد. وأما القائم بنفسه، فلا يكون حيث يكون آخر قائم بنفسه، [بل يجب أن يكون مباينًا لغيره، فيكون حيث لا موجود غيره] (٤)، أو حيث لا قائم بنفسه غيره، وهو المعنيّ بكون الله على العرش، وفوق العالم، وإذا كان هذا المعقول من الجهة العدمية، فأكثر عقلاء بني آدم من المسلمين واليهود والنصارى والمشركين والمجوس (٥) والصابئين (٦)،

стр. 214

على أن نفيه هذا عن الموجود، واجبه وممكنه (١) معلوم الفساد بالضرورة العقلية، وهو أن يعلم بالضرورة العقلية أنه يمتنع وجود قائم بنفسه، حيث يكون موجود آخر قائم بنفسه، أو لا يكون إلّا حيث يكون موجودا (٢) آخر قائم النهيه (٣)، وأن كل موجود إما أن يكون مباينا لغيره منفصلًا عنه فيكون في الجهة العدمية، وإما أن يكون محايثًا له داخلا فيه، فيكون في الجهة الوجودية، ووجود موجود لا في جهة وجودية ولا جهة عدمية ممتنع عندهم في صريح العقل، ثم إن قول هؤلاء موافق لما عليه بنو آدم من الفطرة، موافق لما جاء به (٤) الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها. وبالجملة فالنزاع في ذلك ظاهر مشهور، وإذا كان كذلك لم يكن نفي ذلك بالهين حتى يدعي دعوى مجردة (٥)، بلا دليل سمعي ولا عقلي، ثم يوجب اعتقاد ذلك ويعاقب تاركه. ومن الناس من قد يعني بالجهة [ما ليس مغايرًا لذي الجهة] (٦)

стр. 215

فيكون كونه في جهة بحيث يتوجه إليه أو يشار إليه، ولا يعني بالجهة موجودًا منفصلًا عنه، ولا يعني عدميًّا، وهؤلاء قد يقولون: الجهة من الأمور الإضافية، فكون الشيء من الجهة معناه أنه مباين (١) لغيره، وكل موجود قائم بنفسه فإنه مباين لغيره. وقد يقولون كونه في الجهة معناه: أنه متميز بذاته محقق الوجود، وإن لم يقدر موجود سواه، وهؤلاء يقولون: هو في الجهة قبل وجود العالم، والأولون يقولون: لا نعقل الجهة إلا بعد وجود العالم. وأصل ذلك (٢) أن هؤلاء يقولون: إن مسمى الجهة نوعان: إضافي متنقل، وثابت لازم. فأما الأول فهي الجهات الست للحيوان -أمامه وهو ما يؤمه، وخلفه وهو ما يخلفه، ويمينه، ويساره، وفوقه، وتحته، وهو ما يحاذي ذلك، وهذه الجهات ليست جهات لمعنى يقوم بها (٣)، ولا ذلك صفة لازمة لها، بل تفسير (٤) اليمين يسارًا، واليسار يمينًا، والعلو سفلًا، والسفل علوًا بتحرك (٥) الحيوان من غير تغير في الجهات. وأما الثاني: فهو جهتا (٦) [العالم وهي] (٧). . . . . . . . . .

стр. 216

العلو والسفل، فليس للعالم إلّا جهتان: أحدهما: العلو، وهو جهة السموات وما فوقها. و [الأخرى] (١): السفل، وهو جهة الأرض وما تحتها وفي جوفها، وعلى هذا المعنى فكل ما كان خارج العالم مباينًا للعالم فهو فوقه، وهو في الجهة العليا، فالباري -تعالى- إما أن يكون مباينًا للعالم منفصلًا عنه، أو لا يكون مباينًا له منفصلًا عنه، فإن كان الأول (٢) كان خارجًا عنه عاليًا عليه بالجهة العليا، وإن كان الثاني كان حالًا في العالم قائمًا به محمولًا فيه. قال هؤلاء: وهذا كله معلوم بالفطرة العقلية، فالباري قبل أن يخلق العالم كان هو وحده سبحانه لا شريك له، ولما خلق الخلق فإنه لم يخلقه في ذاته، فيكون هو محلًا للمخلوقات، ولا جعل ذاته فيه فيكون مفتقرًا محمولًا قائمًا بالمصنوعات، بل خلقه بائنًا عنه فيكون فوقه وهو بجهة (٣) العلو. وقد بسطنا كلام هؤلاء وخصومهم في الحكومة العادلة، فيما ذكره الرازي في تأسيسه من المجادلة (٤). وإذا كان كذلك، فالداعي للناس إلى اعتقاد نفي الجهة، إما أن يدخل معهم في هذه الدقائق ويكشف هذه الحقائق، وإما أن يعرض عن هذه ويقف عند الجمل التي وقف عليها (٥) المؤمنون، فأما أن يدعو (٦) إلى قول لا يبين حقيقته وأقسامه، ولا يبين حجته التي تصحح مرامه

стр. 217

و [لا] (١) يكون القول موجودًا في كتاب الله وسنة رسوله وكلام أئمة الإِسلام، فإذا غاية ما يكون من الجهل والضلال والظلم في الكلام. الوجه الثالث عشر: أن قولهم بنفي (٢) التحيز لفظ مجمل، فإن التحيز المعروف في اللغة (٣): هو أن يكون الشيء بحيث يحوزه ويحيط به موجود غيره، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ (٤). فإن التحيز مأخوذ من حازه يحوزه، فإذا المعنى هو أحد المعنيين الذين ذكرناهما بقولنا: إن أراد أنه لا يحيط (٥) به المخلوقات، ولا يكون في جوف الموجودات، فهذا مذكور مصرح به في كلامي، فأي فائدة في تجديده (٦)؟ وأما التحيز الذي يعنيه المتكلمون فأعم من هذا، فإنهم (٧)

стр. 218

يقولون: العالم كله متحيز، وإن لم يكن في شيء آخر موجود، إذ كل موجود سوى الله فإنه من العالم. وقد يفرقون بين الحيز والمكان، فيقولون: الحيز تقدير المكان، وكل قائم بنفسه مباين لغيره بالجهة فإنه متحيز عندهم، وإن لم يكن في شيء موجود، ولهذا يقول بعضهم: الحيز (١) من لوازم الجسم، ويقول بعضهم: هو من لوازم القياس بالنفس كالتميز والمباينة. وعلى هذا التفسير، فالحيز إما وجودي، وإما عدمي، فإن كان عدميًّا فالقول فيه كالقول في معنى الجهة العدمية، وإن كان وجوديًّا، فإما أن يراد به ما ليس خارجًا، أو ما هو خارج (٢) عنه (٣)، [فالأول مثل حدود المتحيز وجوانبه، فلا يكون الحيز شيئًا خارجًا على المتحيز] (٤) على هذا التفسير، وإما أن يعني به شيء موجود منفصل (٥) عن المتحيز خارج (٦) عنه، فإذا هو التفسير الأول، وليس غير الله إلا العالم، فمن قال: إنه في حيز موجود منفصل فقد قال: إنه في العالم أو بعضه، وهذا مما قد صرحنا بنفيه (٧)، وإذا كان كذلك، فلا بد من تفصيل المقال ليزول هذا الإبهام (٨) والإجمال.

стр. 219

الوجه الرابع عشر: وأما قولهم: ولا يقول: إن كلام الله حرف وصوت قائم به، بل هو معنى قائم بذاته. فقد قلت في الجواب المختصر البديهي (١): ليس في كلامي هذا -أيضًا- ولا قلته قط، بل قول القائل: إن القرآن حرف وصوت قائم به بدعة، وقوله: إنه معنى قائم به بدعة ، ثم يقل أحد من السلف لا هذا ولا هذا، وأنا ليس في كلامي شيء من البدع، بل في كلامي ما أجمع عليه السلف أن القرآن كلام الله مخلوق. وذلك أني قد أجبت (٢) في مسألة القرآن والحرف والصوت، وما وقع في ذلك من النزاع والاضطراب في جواب الفتيا الدمشقية (٣)،

стр. 220

وفصلت القول فيها وفي مسألة العرش وبينته، وكذلك في جواب الفتيا المصرية (١) قد بينته وفصلته في هذا وفي هذا، وأزلت ما وقع فيه أكثر الناس من الاختلاف والشقاق الذي خرجوا به عن السنة والجماعة، إلى البدعة والافتراق، وبسطت ذلك بسطًا متوسطًا في جواب (٢) الاستفتاء (٣) الذي ورد به (٤) قاضي. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 221

جيلان (١) لما وقع بينهم من الفتنة في كلام الآدميين، وأظهروا من البدعة والغلو في الإثبات ونفي الخلق عن كثير من المخلوقات ما هو من أعظم الجهالات والضلالات، وقد كتبت جملًا من الكلام [في ذلك] (٢) في جواب الاعتراضات المصرية على الفتيا الحموية (٣)، وفي فتاوى أخر، ومواضع أخر. فإن مسألة القرآن وقع فيها بين السلف والخلف من الاضطراب والنزاع ما لم يقع نظيره في مسألة العلو والارتفاع ، إذ لم يكن على عهد السلف من يبوح بإنكار ذلك ونفيه، كما كان على عهدهم من باح (٤) بإظهار القول بخلق القرآن، ولا اجترأ الجهمية إذ ذاك على دعاء الناس إلى نفي علو الله على عرشه، بل ولا أظهرت ذلك، كما اجترؤوا على دعاء الناس إلى القول بخلق القرآن، وامتحانهم على ذلك، وعقوبة من لم يجبهم بالحبس، والضرب، والقتل، وقطع الرزق، والعزل عن

стр. 222

الولايات ومنع قبول الشهادة، وترك افتدائهم من أسر العدو، إلى غير ذلك من العقوبات التي إنما تصلح لمن خرج عن الإِسلام، وبدّلوا بذلك الدين نحو تبديل كثير من المرتدين، فأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه، أذلة على المؤمنين، أعزة على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون (١) لومة لائم، فجاهدوا في الله حق جهاده، متبعين سبيل الصديق وإخوانه الذين جاهدوا المرتدين (٢)، بعد موت رسول الله ﷺ حتى وسم المسلمون بالإمامة، وبأنه الصديق الثاني، من كان أحق بهذا التحقيق عند فتور الواني. فإن أولئك الجهمية جعلوا المؤمنين كفارًا مرتدين، وجعلوا ما هو من الكفر والتكذيب للرسول إيمانًا وعلمًا، ولبسوا على الأئمة والأمة الحق بالباطل، وكانت فتنتهم في الدين أعظم ضررًا من فتنة الخوارج المارقين (٣)، فإن أولئك -وإن كفروا المؤمنين واستحلوا دماءهم

стр. 223

وأموالهم- فلم تكن فتنتهم الجحود لكلام رب العالمين، وأسمائه، وصفاته، وما هو عليه في حقيقة ذاته، بل كانت فيما دون ذلك من الخروج عن السنة المشروعة. وإن كان أهل المقالات قد نقلوا (١) أن قول الخوارج في التوحيد، هو قول الجهمية المعتزلة، فهذا (٢) شر (٣) للجهمية، لكن يشبه -والله أعلم- أن يكون ذلك قد قاله من بقايا الخوارج من كان موجودًا حين حدوث مقالات (٤) جهم في أوائل المائة الثانية، فأما قبل (٥) ذلك فلم يكن حدث في الإِسلام قول جيهم في نفي الصفات، والقول بخلق القرآن، وإنكار أن يكون الله على عرشه (٦)، ونحو ذلك، فلا يصح إضافة هذا القول إلى أحد من المسلمين قبل المائة الثانية، لا من الخوارج، ولا من غيرهم، فإنه لم يكن في الإِسلام إذ ذاك من يتكلم بشيء من هذه السلوب الجهمية، ولا نقل أحد عن الخوارج المعروفين -إذ ذاك- ولا عن غيرهم شيئًا من هذه المقالات الجهمية. و من أعظم أسباب بدع المتكلمين من الجهمية وغيرهم، قصورهم في مناظرة الكفار والمشركين ، فإنهم يناظرونهم، ويحاجونهم، بغير الحق والعدل لينصروا الإِسلام، زعموا بذلك، فيستطيل (٧) عليهم أولئك،

стр. 224

لما فيهم من الجهل والظلم، ويحاجونهم بممانعات ومعارضات، فيحتاجون حينئذ إلى جحد طائفة من الحق الذي جاء به الرسول، والظلم والعدوان لإخوانهم المؤمنين بما استظهر (١) عليهم أولئك المشركون، فصار قولهم مشتملًا على إيمان وكفر، وهدى وضلال، ورشد وغي، وجمع بين النقيضين، وصاروا مخالفين للكفار والمؤمنين، كالذين يقاتلون الكفار والمؤمنين، ومثلهم في ذلك مثل من فرط في طاعة الله وطاعة رسوله من ملوك النواحي والأطراف، حتى تسلط عليهم العدو، تحقيقًا لقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ (٢) يقاتلون العدو قتالًا مشتملًا على معصية الله من الغدر والمثلة والغلول والعدوان، حتى احتاجوا في مقاتلة ذلك العدو إلى العدوان على إخوانهم المؤمنين، والاستيلاء على نفوسهم، وأموالهم، وبلادهم، وصاروا يقاتلون إخوانهم المؤمنين بنوع مما كانوا يقاتلون به المشركين، وربما رأوا قتال المسلمين أوكد (٣)، وبهذا وصف النبي ﷺ لخوارج حيث قال: "يقتلون أهل الإِسلام ويدعون أهل الأوثان" (٤).

стр. 225

وهذا موجود في سيرة كثير من ملوك الأعاجم وغيرهم، وكثير من أهل البدع، وأهل الفجور، فحال أهل الأيدي والقتال، يشبه حال أهل الألسنة والجدال. وهكذا ذكر العلماء مبدأ حال يهم، فقال الإِمام أحمد -فيما أخرجه- في الرد على الزنادقة والجهمية (١): قال (٢) أحمد: "وكذلك الجهم وشيعته، دعوا (٣) الناس إلى المتشابه من القرآن والحديث، فضلوا وأضلوا بكلامهم بشرًا كثيرًا، فكان مما بلغنا من أمر الجهم -عدو الله- أنه كان من أهل خراسان، من أهل ترمذ (٤)، وكان صاحب خصومات وكلام، وكان أكثر كلامه في الله

стр. 226

تبارك وتعالى، فلقي ناسًا (١) من المشركين يقال لهم: السمنية (٢) فعرفوا الجهم، فقالوا له: نكلمك، فإن ظهرت حجتنا عليك دخلت في ديننا، وإن ظهرت حجتك علينا دخلنا في دينك، فكان مما كلموا به الجهم أن قالوا له: ألست تزعم أن لك إلهًا؟ قال الجهم: نعم. فقالوا له: فهل رأيت إلهك؟ قال: لا. فقالوا له: هل (٣) سمعت كلامه؟ قال: لا. قالوا: فشممت له رائحة؟ قال: لا. قالوا: فوجدت له حسًّا؟ قال: لا. قالوا: فوجدت له مجسًا؟ قال: لا. قالوا: فما يدريك أنه إله؟ فتحير الجهم، فلم يدر من يعبد أربعين يومًا، ثم إنه استدرك حجة من جنس [حجة] (٤) الزنادقة من النصارى، وذلك أن زنادقة (٥) النصارى يزعمون أن الروح الذي (٦) في عيسى هي من روح (٧) الله من ذات الله، وإذا أراد [الله] (٨) أن يحدث أمرًا دخل في بعض خلقه فتكلم على لسان

стр. 227

خلقه (١)، فيأمر بما شاء، وينهى عن ما شاء (٢)، وهو روح غائب (٣) عن الأبصار. فاستدرك الجهم حجة مثل هذه الحجة فقال للسمني: ألست تزعم أن فيك روحًا؟ فقال (٤): نعم. قال (٥): فهل رأيت روحك؟ قال: لا. قال: فتسمعت كلامه؟ قال: لا. قال: فهل (٦) وجدت له حسًّا؟ قال: لا. قال: فكذلك (٧) الله لا يرى له وجه، ولا يسمع له صوت ولا يشم له رائحة، وهو غائب عن الأبصار، ولا يكون في مكان دون مكان قال (٨): ووجد ثلاث آيات (٩) من القرآن (١٠) من المتشابه قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (١١) ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ (١٢) و ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ (١٣). فبنى أصل كلامه كله (١٤) على هؤلاء الآيات، وتأول القرآن على

стр. 228

غير تأويله، وكذب بأحاديث رسول الله ﷺ وزعم أن من وصف من الله شيئًا (١) مما وصف الله به نفسه في كتابه، أو حدث عنه رسوله ﷺ (٢) كان كافرًا، وكان من المشبهة، فأضل بكلامه بشرًا كثيرا (٣)، وتبعه على قوله رجال من أصحاب أبي حنيفة، وأصحاب عمرو بن عبيد (٤) بالبصرة، ووضع دين الجهمية (٥). وهكذا وصف العلماء حال يهم (٦) كما قال أبو عبد الله محمَّد بن

стр. 229

سلام البيكندي (١)، شيخ البخاري في كتاب السنة والجماعة (٢)، من تأليفه: ما جاء في بدو الجهمية والسمنيّة، وكيف كان شأنهم وكفرهم بآيات الله. [عن] (٣) حفص بن عبد الرحمن البلخي (٤) قال: حدثنا سعيد بن

стр. 230

أبي عروبة (١)، عن أيوب بن أبي تميمة (٢)، قال: ما أعلم أحدًا من أهل الضلال (٣) أكذب على كتاب الله من السمنية، قال: وهو عندنا كما قال، لا أعلم أحدًا (٤) أجهل ولا أحمق قولًا منهم، لا يتعلقون من كتاب الله بشيء، ولا يحتجون، إنما هو حب وبغض من أحب دخل الجنة، ومن أبغض دخل النار، فصارت (٥) طائفة جهمية لم تكن على عهد رسول الله

стр. 231

- ﷺ ولا على عهد الصحابة، وإنما هو رأي محدث، ويرون أن أول من تكلم فيه (١) جهم بن صفوان، وكان جيهم -فيما بلغنا- لا يعرف بفقه ولا ورع ولا صلاح، أعطي لسانًا منكرًا فكان يجادل ويقول برأيه، يجادل السمنية، وهم شبه المجوس، يعتقدون الأصنام، فكلمهم فأحرجوه (٢) حتى ترك الصلاة أربعين يومًا، لا يعرف ربه، وكلامهم يدعو إلى الزندقة، وكلامهم وصفناه (٣) لغير واحد من أهل الفقه (٤) والبصر، فمالوا (٥) آخر أمرهم إلى الزندقة، والرجل إذا رسخ في كلامهم ترك الصلاة، واتبع الشهوات. وكان أبو الجوزاء (٦) صاحب جهم، وكان أقوى في أمرهم من جهم -فيما بلغنا- وكان يسكن الفارياب (٧)، وأخبرنا أناس من أهلها من صالحيهم، أنه ترك الصلاة، وشرب الخمر، واتبع الشهوات، وأفسد عالمًا من الناس، فنعوذ بالله من الضلالة بعد الهدى، ما أعلم من تكلم في الإِسلام قوم أخبث من كلامهم، القرآن كله نقض على كلامهم. وبلغنا أن منهم من يقول: إن ما يفسد علينا كلامنا (٨) القرآن

стр. 232

ويكسره ولا يرون أن في السماء ساكنًا، وذكر طرفًا من كلامهم ثم قال (١): قال: علي (٢) سمعت عبد الله (٣) يقول (٤): إنّا لنحكي كلام اليهود والنصارى، ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية. وقال في شعر له (٥): ولا أقول يقول الجهم إن له ... قولًا يضارع قول الشرك أحيانًا ثم قال: حدثنا عبيد الله، يعني ابن واصل، ثنا عبد الله بن محمَّد، شيخ من أهل بغداد، ثنا ابن صالح، قال: لقيت جهمًا فقلت: نطق الله؟ قال: لا، قلت: فهو ينطق؟ قال: لا، قلت: فمن يقول يوم القيامة: لمن الملك اليوم؟ ومن يرد عليه: لله الواحد القهار؟ قلت: إنهم زادوا في القرآن ونقصوا منه.

стр. 233

وروى (١) أبو داود [و] (٢) الخلال وغيرهما عن أبي شوذب (٣)، قال: ترك جهم الصلاة أربعين يومًا، وكان فيمن خرج مع الحارث بن سريج (٤). وعن مروان بن معاوية الفزازي (٥)، وذكر جهمًا فقال: قبح الله جهمًا، حدثني ابن عم لي أنه شك في الله أربعين صباحًا.

стр. 234

وذكر البخاري (١) في كتاب "خلق الأفعال" (٢) عن يحيى بن أيوب (٣)، قال: كنا يومًا (٤) عند مروان بن معاوية الفزاري فسأله رجل عن حديث الرؤية، فلم يحدثه به، قال (٥): إن لم تحدثني به فأنت جهمي. فقال مروان: أتقول لي: جهمي، وجهم مكث أربعين ليلة (٦) لا يعرف ربه؟! قال البخاري: وقال ضمرة (٧)، [عن] (٨) ابن شوذب:

стр. 235

ترك جهم الصلاة أربعين يومًا (١) على وجه الشك، فخاصمه بعض السمنية، فشك فأقام أربعين يومًا لا يصلي، قال ضمرة: وقد رآه ابن شوذب. قال البخاري (٢): وقال عبد العزيز بن أبي سلمة (٣): كلام جهم صفة (٤) بلا معنى، وبناء بلا أساس، ولم يعد قط من أهل العلم. وروى (٥) أبو داود [و] (٦) الخلال عن إبراهيم بن طهمان (٧)، قال: "ما ذكرته ولا ذكر عندي إلا دعوت الله عليه، ما أعظم ما أورث (٨) أهل القبلة من منطقه هذا العظيم" يعني جهمًا.

стр. 236

وعن (١) يحيى بن شبل (٢) قال: "كنت جالسًا مع مقاتل بن سليمان (٣)، وعباد بن كثير (٤)، إذ جاء شاب فقال: ما تقولون (٥) في قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلا وَجْهَهُ﴾ (٦) فقال مقاتل: هذا جهمي، ثم قال: ويحك إن جهمًا -والله- ما حج هذا البيت قط (٧)، ولا جالس العلماء، إنما كان رجلًا أعطي لسانًا هذاء (٨). وقد ذكر البخاري (٩) قال: "وقال ابن مقاتل (١٠): سمعت ابن

стр. 237

المبارك يقول: من قال: "إني أنا الله لا إله إلّا أنا" مخلوق فهو كافر، ولا (١) ينبغي لمخلوق أن يقول ذلك، قال: وقال أيضًا: ولا (٢) أقول بقول الجهم إن له ... قولًا يضارع قول الشرك أحيانًا ولا أقول تخلى من بريته ... ربّ العباد وولي الأمر شيطانًا ما قال فرعون هذا في تجبره ... فرعون موسى ولا فرعون هامانا قال البخاري: وقال ابن المبارك: لا نقول كما قالت الجهمية: إنه في الأرض ها هنا، بل على العرش استوى، وقيل له: كيف نعرف ربنا؟ قال: فوق سماواته على عرشه، وقال لرجل (٣) منهم: أبطنك خال منه (٤)؟ فبهت الآخر، وقال: من قال لا إله إلَّا هو، مخلوق، فهو (٥) كافر، وإنا لنحكي كلام اليهود والنصارى، ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية. قال البخاري (٦): وقال سعيد بن عامر (٧): الجهمية

стр. 238

أشر (١) قولًا من اليهود والنصارى، قد اجتمعت (٢) اليهود والنصارى وأهل الأديان (على) (٣) أن الله تعالى على العرش، وقالوا: هم ليس على العرش (٤). وروى البخاري (٥) عن وكيع بن الجراح، أنه قال: لا تستخفوا بقولهم: القرآن مخلوق، فإنه من شر قولهم، إنما يذهبون إلى التعطيل. فهذا الذي ذكره الإِمام أحمد من مبدأ حال جهم إمام هؤلاء المتكلمين النفاة يبين ما ذكرته، فإنه لما ناظر (٦) من ناظره من المشركين السمنية من الهند، وجحدوا الإله، لكون الجهم لم يدركه شيء من حواسه، لا ببصره، ولا بسمعه، ولا بشمه، ولا بذوقه، ولا بحسه، كان مضمون هذا الكلام أن كل ما لا يحسه الإنسان بحواسه الخمس، فإنه ينكره ولا (٧) يقربه، فأجابهم الجهم: أنه قد يكون في الموجود ما لا يمكن إحساسه (٨) بشيء من هذه الحواس وهي الروح التي في العبد، وزعم أنها لا تختص بشيء من الأمكنة، وهذا الذي قاله هو قول الصابئية (٩) الفلاسفة المشائين (١٠).

стр. 239

وقد قال البخاري (١): قال قتيبة، يعني ابن سعيد (٢)، بلغني أن جهمًا كان يأخذ هذا (٣) الكلام من الجعد بن درهم (٤). وقال البخاري (٥): ثنا قتيبة، حدثني القاسم بن محمَّد (٦)، حدثنا عبد الرحمن بن محمَّد بن حبيب (٧) بن أبي حبيب، عن أبيه عن جده (٨)

стр. 240

قال: شهدت خالد بن عبد الله القسري (١). . . . بواسط (٢) يوم أضحى، وقال (٣): ارجعوا فضحوا تقبل الله (٤) منكم، فإني مضح بالجعد بن درهم، زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم (٥) خليلًا، ولم يكلم موسى تكليمًا، سبحانه وتعالى عما يقول الجعد علوًا كبيرًا، ثم نزل فذبحه. وهذا الجعد قد ذكروا (٦) أنه من (٧) أهل. . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 241

حران (١) وهو معلم مروان بن محمَّد (٢)، ولهذا يقال له: الجعدي (٣)، وكانت حران إذ ذاك دار الصابئية (٤) الفلاسفة الباقين على ملة سلفهم أعداء إبراهيم الخليل، فإن إبراهيم (٥) كان منهم ودعاهم إلى الحنيفية، وكان من قصته ما ذكره الله في كتابه، والحجة التي ذكرها مشركوا الهند الباطلة، والجواب الذي أجاب به مبتدعة الصابئين، ومن اتبعهم من مبتدعة هذه الأمة باطل، وذلك أن قول القائل: ما لا يحس به (٦) العبد لا يُقِرُّ به أو ينكره. إما أن يريد (٧) به أن كل أحد من العباد لا يقر إلّا بما أحسه هو بشيء من حواسه الخمس. أو يريد به أنه لا يقر العبد إلا بما أحس به العباد في الجملة أو بما يمكن الإحساس به في الجملة.

стр. 242

فإن كان أرادوا الأول، وهو الذي حكاه عنهم طائفة (١) من أهل المقالات، حيث ذكروا عن السمنية أنهم ينكرون من العلوم ما سوى الحسيات، فينكرون المتواترات (٢) والمجربات والضروريات العقلية، وغير ذلك، إلَّا أن هذه الحكاية لا تصح على إطلاقها من جميع العقلاء (٣) في مدينة أو قرية، وما ذكر (٤) من مناظرة الجهم لهم يدل على إقرارهم بغير ذلك، وذلك أن حياة بني آدم وعيشهم في الدنيا لا يتم إلّا (٥) بمعاونة (٦) بعضهم لبعض في الأقوال، أخبارها وغير أخبارها، ودي الأعمال -أيضًا- فالرجل منهم لا بد أن يقرّ أنَّه مولود، وأن له أبًا وطئ أمه، وأمًّا ولدته وهو لم يبيح بشيء من ذلك من حواسه الخمس، بل أخبر بذلك، ووجد في قلبه ميلًا إلى ما أخبر به، وكذلك علمه بسائر أقاربه من الأعمام والأخوال والأجداد، وغير ذلك، وليس في بني آدم أمة تنكر الإقرار بهذا، وكذلك لا ينكر أحد من بني آدم أنَّه ولد صغيرًا، وأنه ربي بالتغذية والحضانة، ونحو ذلك حتَّى كبر، وهو إذا كبر لم يذكر إحساسه بذلك قبل تميزه، بل لا ينكر طائفة من بني آدم أمورهم الباطنة مثل جوع أحدهم، وشبعه (٧)، ولذته، وألمه، ورضاه، وغضبه، وحبه وبغضه، وغير ذلك ممَّا لم يشعر به بحواسه الخمس الظاهرة، بل يعلمون أن غير [هم من] (٨) بني آدم يصيبهم ذلك،

стр. 243

وذلك (١) لم يشعروا به بالحواس الخمس الظاهرة، وكذلك ليس في بني آدم من لا يقر بما كان في غير مدينتهم من المدائن والسير والمتاجر وغير ذلك، ممَّا هم متفقون على الإقرار به، وهم مضطرون إلى ذلك، وكذلك لا ينكرون أن الدور التي سكنوها قد بناها البناؤون، والطبيخ الذي يأكلونه طبخه الطباخون، والثياب المنسوجة التي يلبسونها نسجها النساجون، وإن كان ما يقر (٢) به من ذلك لم يحسه أحدهم بشيء من حواسه الخمس، وهذا باب واسع، فمن قال: إن أمة من الأمم تنكر هذه الأمور فقد قال الباطل. وقول من يقول من المتكلمين: إن السوفسطائية (٣) قوم ينكرون حقائق الأمور وإنهم منتسبون إلى رئيس لهم يقال له: "سوفسطا" (٤)، وإن منهم من ينكر العلم بشيء من الحقائق، ومنهم من ينكر الحقائق الموجودة -أيضًا- مع العلوم، ومنهم اللاأدرية (٥): الذين يشكون، فلا

стр. 244

يجزمون بنفي ولا إثبات، ومنهم من لا يقر إلَّا بما أحسه، قد ردّ هذا النقل والحكاية من عرف حقيقة الأمر وقال: إن لفظ السوفسطائية (١) في الأصل كلمة يونانية معربة، أصلها سوفسطيا؛ أي: الحكمة المموهة، فإن لفظ "سو" معناه في لغة اليونان الحكمة، ولهذا يقولون (٢): فيلاسوفا؛ أي: محب (٣) الحكمة، ولفظ فسطيا، معناها: المموهة، ومعلم المستأخرين المبتدعين منهم أرسطو (٤)، لما قسم حكمتهم التي هي علمهم إلى برهانية وخطابية وجدلية وشعرية ومموهة (٥)، وهي المغاليط سموها "سوفسطيا" (٦) فعربت وقيل: "سوفسطا" ثم ظن بعض المتكلمين أن ذلك اسم رجل، وإنما أصلها ما ذكر، وإن كان لفظ

стр. 245

السفسطة (١) قد صار في عرف المتكلمين عبارة عن جحد (٢) الحقائق، فلا ريب أن هذا يكون في كثير من الأمور، فمن الأمم من ينكر كثيرًا من الحقائق بعد معرفتها، كما قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ (٣)، وقد يشتبه كثير من الحقائق على كثير من النَّاس، كما قد يقع الغلط للحس أو العقل في أمور كثيرة، فهذا كله موجود كوجود الكذب عمدًا أو خطأ، أما اتفاق أمة على [إنكار] (٤) جميع العلوم والحقائق، أو على إنكار كل منهم لما لم يحسه، فهو كاتفاق أمة على الكذب في كل خبر أو التكذيب بكلِّ خبر، ومعلوم أن هذا لم يوجد في العلم (٥)، والعلم بعدم وجود أمة على هذا الوصف، كالعلم بعدم وجود أمة بلا ولادة ولا اغتذاء، وأمة لا يتكلمون ولا يتحركون، ونحو ذلك ممَّا يعلم أن البشر لا يوجدون (٦) على هذا الوصف، فكيف والإنسان هو حي ناطق، ونطقه هو أظهر صفاته (٧) اللازمة له، كما قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ (٨) والنطق إما إخبار، وإما إنشاء، والإخبار أصل، فالقول بوجود أمة لا تقر بشيء من المخبرات إلَّا أن تحس المخبر بعينه ينافي ذلك، وإذا كان كذلك، فأولئك المتكلمون من المشركين والسمنية الذين ناظروا الجهم، قد غالطوا الجهم، ولبسوا (٩)

стр. 246

عليه في الجدال، حيث أوهموه أن ما لا يحسه الإنسان بنفسه لا يقربه، وكأن الأصل أن ما لا يتصور الإحساس به لا يقرّ به، فكان حقه أن يستفسرهم عن قولهم ما لا يحسه الإنسان لا يقرّ به، هل المراد به هذا (١) أو هذا؟. فإن أراد أولئك المعنى الأول أمكن بيان فساد قولهم بوجوه كثيرة، وكان أهل بلدتهم وجميع بني آدم يرد عليهم ذلك. وإن أرادوا المعنى الثَّاني، وهو أن ما لا يمكن الإحساس به لا يقر به، فهذا لا يضر تسليمه لهم، بل يسلم لهم، يقال لهم (٢): فإن الله تعالى يمكن (٣) رؤيته ويسمع كلامه، بل قد سمع بعض البشر كلامه، وهو

стр. 247

موسى ﵇، وسوف يراه عباده في الآخرة، وليس من شرط كون الشيء موجودًا أن يحس به كل أحد في كل وقت، أو أن يمكن إحساس كل أحد به في كل وقت، فإن أكثر الموجودات على خلاف ذلك، بل متى كان الإحساس به ممكنًا، ولو لبعض النَّاس في بعض الأوقات صح القول بأنه يمكن الإحساس به، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ (١) وهذا هو الأصل الذي ضل به جهم وشيعته ، حيث زعموا أن الله لا يمكن أن يرى، ولا يحس به شيء من الحواس، كما أجاب إمامهم الأول للسمنية بإمكان وجود موجود لا يمكن إحساسه، ولهذا كان أهل الإثبات قاطبة متكلموهم وغير متكلميهم (٢) على نقض هذا الأصل الذي بناه الجهمية، وأثبتوا ما جاء به الكتاب والسنة من أن الله يرى ويسمع كلامه وغير ذلك، وأثبتوا -أيضًا- بالمقاييس العقلية (٣) أن

стр. 248

الرؤية يجوز تعلقها بكلِّ (١) موجود، فيصح إحساس كل موجود، فما لا يمكن إحساسه يكون معدومًا، ومنهم من طرَّد ذلك في اللمس، ومنهم من طرده في سائر الحواس، كما فعله طائفة من متكلمة الصفاتية (٢) الأشعرية وغيرهم. والمقصود هنا أن أولئك المشركين المناظرين قالوا كلامًا مجملًا، فجعلوا الخاص عامًّا، والمعين مطلقًا، حيث قالوا: أنت لم تحسه وما لم تحسه أنت لا يكون موجودًا، والمقدمة الثَّانية باطلة لكن موهوها بالمعنى الصَّحيح، وهو أن ما لا يمكن (٣) إحساسه بحال لا يكون موجودًا، فناظرهم المناظرون من الصابئية (٤)، والمقتدى بهم جهم وأصحابه في هذه المقدمة، حتَّى أنكروا الحق الذي عليه أولئك الذين موهوه بالباطل، وزعم هؤلاء أنَّه قد يكون موجودًا ما لا يمكن إحساسه بحال في وقت من الأوقات لشيء من الموجودات، وزعموا أن الروح كذلك، ثم أخذوا هذه المقدمة الباطلة التي نازعوا فيها أولئك المشركين، فنازعوا فيها إخوانهم المؤمنين، فصاروا مجادلين للمؤمنين بمثل ما جادلوا به المشركين، كمن (٥) قاتل المؤمنين كما قاتل المشركين زعمًا منه أنَّه إن لم يقاتل ذلك القتال استولى عليه المشركون، كما زعم هؤلاء أنهم إن لم يناظروا المشركين هذه المناظرة استعلى عليهم المشركون، وانقطعت حجة المؤمنين في المناظرة، وصاروا عاجزين في النظر والمناظرة، إذ لم يجدوا بزعمهم طريقًا إلَّا هذه الطريق المبتدعة

стр. 249

التي أحدثوها، المشتملة على حق وباطل، المتضمنة لجدال المشركين والمؤمنين، كما أن أولئك المقاتلين لم يجدوا -بزعمهم- قتالًا إلّا هذا القتال المبتدع، المشتمل على قتال المشركين والمؤمنين. ولفظ الإحساس عام (١) يستعمل في الرؤية والمشاهدة الظاهرة، أو الباطنة، كما قال تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ (٣). ومعلوم أن الخلق كلهم ولدوا على الفطرة (٤)، ومن المعلوم بالفطرة أن ما لا يمكن إحساسه -لا باطنًا ولا ظاهرًا- لا وجود له،

стр. 250

والعقل هو [الذي] (١) ضبط القدر المشترك الكلي الذي بين أفراد الموجودات التي أحسها، والكلي لا (٢) وجود له كليًّا، إلَّا في الأذهان لا في الأعيان، فهذه المقدمة الفطرية هي التي عليها أهل الإيمان، ومن كان باقيًا على الفطرة فيها من المشرفين واليهود والنصارى والصابئين وغيرهم. كما أن أهل الفطر كلها متفقون على الإقرار بالصانع، وأنه فوق العالم، وأنهم حين دعائه يتوجهون إلى فوق بقلوبهم وعيونهم وأيديهم. ولما كان أصل قول جهم هو قول المبدلين من الصابئية (٣)، وهؤلاء شر من اليهود والنصارى، وإن كانوا خيرًا من المشركين، كالذين ناظرهم جهم ونحوهم ممن يعطل وجود الصانع، أو يوجب عبادة إله معه، فإن هؤلاء الصابئية (٣) ليسوا كذلك، لكنهم وإن لم يوجبوا الشرك فقد لا يحرمونه، بل يسوغون التوحيد والإشراك جميعًا، ولا ينكرون هذا ولا هذا، كما هو موجود في كلامهم ومصنفاتهم، لكن ليس النَّاس في التجهم على مرتبة واحدة، بل انقسامهم في التجهم يشبه انقسامهم في التشيع (٤)، فإن التجهم والرفض هما أعظم البدع، أو من أعظم البدع
следующие страницы →