← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 17581

التسعينية

ابن تيمية

Полный текст (1 060 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

عليه في الجدال، حيث أوهموه أن ما لا يحسه الإنسان بنفسه لا يقربه، وكأن الأصل أن ما لا يتصور الإحساس به لا يقرّ به، فكان حقه أن يستفسرهم عن قولهم ما لا يحسه الإنسان لا يقرّ به، هل المراد به هذا (١) أو هذا؟. فإن أراد أولئك المعنى الأول أمكن بيان فساد قولهم بوجوه كثيرة، وكان أهل بلدتهم وجميع بني آدم يرد عليهم ذلك. وإن أرادوا المعنى الثَّاني، وهو أن ما لا يمكن الإحساس به لا يقر به، فهذا لا يضر تسليمه لهم، بل يسلم لهم، يقال لهم (٢): فإن الله تعالى يمكن (٣) رؤيته ويسمع كلامه، بل قد سمع بعض البشر كلامه، وهو

стр. 247

موسى ﵇، وسوف يراه عباده في الآخرة، وليس من شرط كون الشيء موجودًا أن يحس به كل أحد في كل وقت، أو أن يمكن إحساس كل أحد به في كل وقت، فإن أكثر الموجودات على خلاف ذلك، بل متى كان الإحساس به ممكنًا، ولو لبعض النَّاس في بعض الأوقات صح القول بأنه يمكن الإحساس به، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ (١) وهذا هو الأصل الذي ضل به جهم وشيعته ، حيث زعموا أن الله لا يمكن أن يرى، ولا يحس به شيء من الحواس، كما أجاب إمامهم الأول للسمنية بإمكان وجود موجود لا يمكن إحساسه، ولهذا كان أهل الإثبات قاطبة متكلموهم وغير متكلميهم (٢) على نقض هذا الأصل الذي بناه الجهمية، وأثبتوا ما جاء به الكتاب والسنة من أن الله يرى ويسمع كلامه وغير ذلك، وأثبتوا -أيضًا- بالمقاييس العقلية (٣) أن

стр. 248

الرؤية يجوز تعلقها بكلِّ (١) موجود، فيصح إحساس كل موجود، فما لا يمكن إحساسه يكون معدومًا، ومنهم من طرَّد ذلك في اللمس، ومنهم من طرده في سائر الحواس، كما فعله طائفة من متكلمة الصفاتية (٢) الأشعرية وغيرهم. والمقصود هنا أن أولئك المشركين المناظرين قالوا كلامًا مجملًا، فجعلوا الخاص عامًّا، والمعين مطلقًا، حيث قالوا: أنت لم تحسه وما لم تحسه أنت لا يكون موجودًا، والمقدمة الثَّانية باطلة لكن موهوها بالمعنى الصَّحيح، وهو أن ما لا يمكن (٣) إحساسه بحال لا يكون موجودًا، فناظرهم المناظرون من الصابئية (٤)، والمقتدى بهم جهم وأصحابه في هذه المقدمة، حتَّى أنكروا الحق الذي عليه أولئك الذين موهوه بالباطل، وزعم هؤلاء أنَّه قد يكون موجودًا ما لا يمكن إحساسه بحال في وقت من الأوقات لشيء من الموجودات، وزعموا أن الروح كذلك، ثم أخذوا هذه المقدمة الباطلة التي نازعوا فيها أولئك المشركين، فنازعوا فيها إخوانهم المؤمنين، فصاروا مجادلين للمؤمنين بمثل ما جادلوا به المشركين، كمن (٥) قاتل المؤمنين كما قاتل المشركين زعمًا منه أنَّه إن لم يقاتل ذلك القتال استولى عليه المشركون، كما زعم هؤلاء أنهم إن لم يناظروا المشركين هذه المناظرة استعلى عليهم المشركون، وانقطعت حجة المؤمنين في المناظرة، وصاروا عاجزين في النظر والمناظرة، إذ لم يجدوا بزعمهم طريقًا إلَّا هذه الطريق المبتدعة

стр. 249

التي أحدثوها، المشتملة على حق وباطل، المتضمنة لجدال المشركين والمؤمنين، كما أن أولئك المقاتلين لم يجدوا -بزعمهم- قتالًا إلّا هذا القتال المبتدع، المشتمل على قتال المشركين والمؤمنين. ولفظ الإحساس عام (١) يستعمل في الرؤية والمشاهدة الظاهرة، أو الباطنة، كما قال تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ (٣). ومعلوم أن الخلق كلهم ولدوا على الفطرة (٤)، ومن المعلوم بالفطرة أن ما لا يمكن إحساسه -لا باطنًا ولا ظاهرًا- لا وجود له،

стр. 250

والعقل هو [الذي] (١) ضبط القدر المشترك الكلي الذي بين أفراد الموجودات التي أحسها، والكلي لا (٢) وجود له كليًّا، إلَّا في الأذهان لا في الأعيان، فهذه المقدمة الفطرية هي التي عليها أهل الإيمان، ومن كان باقيًا على الفطرة فيها من المشرفين واليهود والنصارى والصابئين وغيرهم. كما أن أهل الفطر كلها متفقون على الإقرار بالصانع، وأنه فوق العالم، وأنهم حين دعائه يتوجهون إلى فوق بقلوبهم وعيونهم وأيديهم. ولما كان أصل قول جهم هو قول المبدلين من الصابئية (٣)، وهؤلاء شر من اليهود والنصارى، وإن كانوا خيرًا من المشركين، كالذين ناظرهم جهم ونحوهم ممن يعطل وجود الصانع، أو يوجب عبادة إله معه، فإن هؤلاء الصابئية (٣) ليسوا كذلك، لكنهم وإن لم يوجبوا الشرك فقد لا يحرمونه، بل يسوغون التوحيد والإشراك جميعًا، ولا ينكرون هذا ولا هذا، كما هو موجود في كلامهم ومصنفاتهم، لكن ليس النَّاس في التجهم على مرتبة واحدة، بل انقسامهم في التجهم يشبه انقسامهم في التشيع (٤)، فإن التجهم والرفض هما أعظم البدع، أو من أعظم البدع

стр. 251

التي أحدثت في الإسلام، ولهذا كان الزنادقة (١) المحضة مثل الملاحدة من القرامطة ونحوهم، إنَّما يتسترون بهذين بالتجهم والتشيع. قال (٢) الإمام أبو عبد الله البُخاريّ في كتاب خلق الأفعال: عن أبي عبيد (٣) "قال: ما أبالي أصليت (٤) خلف الجهمي أو الرافضي، أو صليت خلف اليهودي والنصراني (٥)، ولا يسلم عليهم، ولا يعادون، ولا يناكحون، ولا يشهدون ولا تؤكل ذبائحهم. قال (٦): وقال عبد الرحمن بن مهدي (٧). . . . . . . . . . . . . .

стр. 252

هما ملتان: الجهمية والرافضة. هذا وقد (١) كان أمرهم إذ ذاك لم ينتشر ويتفرع ويظهر فساده، كما ظهر فيما بعد ذلك، فإن الرافضة القدماء لم يكونوا جهمية، بل كانوا مثبتة للصفات، وغالبهم يصرح بلفظ الجسم، وغير ذلك. كما (٢) قد ذكر النَّاس مقالاتهم، كما ذكره (٣) أبو الحسن الأشعري وغيره في كتاب المقالات (٤). والجهمية لم يكونوا رافضة، بل كان الاعتزال فاشيًا فيهم، والمعتزلة كانوا ضد الرافضة، وهم إلى النصب أقرب، فإن الاعتزال

стр. 253

حدث من البصرة، والرفض حدث من الكوفيين، والتشيع أكثر في الكوفة وأهل البصرة كانوا بالضد، فلما كان بعد زمن (١) البُخاريّ من عهد بني بويه (٢) الديلمي (٣)، فنشأ في الرافضة التجهم، وأكثر أصول المعتزلة، وظهرت القرامطة ظهورًا كثيرًا، وجرى (٤) حوادث عظيمة، والقرامطة بنوا أمرهم على شيء من دين المجوس، وشيء من دين الصابئية (٥)، فأخذوا عن هؤلاء الأصليين النور والظلمة (٦)، وعن هؤلاء العقل والنفس، ورتبوا لهم دينًا آخر ليس هو هذا ولا هذا، وجعلوا على ظاهره من سيما الرافضة ما يظن الجهال به أنهم رافضة، وإنَّما هم زنادقة منافقون، اختاروا ذلك لأنَّ الجهل والهوى في الرافضة أكثر منه في سائر أهل الأهواء (٧).

стр. 254

والشيعة (١) هم ثلاث درجات: شرها الغالية (٢): الذين جعلوا (٣) لعلي شيئًا من الإلهية، أو يصفونه بالنبوة، وكفر هؤلاء بين لكل مسلم يعرف الإسلام، وكفرهم من جنس كفر النصارى من هذا الوجه، وهم يشبهون اليهود من وجوه أخر (٤).

стр. 255

والدرجة الثَّانية، وهم الرافضة، المعروفون كالإمامية (١) وغيرهم: الذين يعتقدون أن عليًّا هو الإمام الحق بعد النَّبيِّ ﷺ بنص جلي أو خفي، وأنه ظلم (ومنع) (٢) حقه، ويبغضون أبا بكر وعمر، ويشتمونهما، وهذا عند (٣) الأئمة فيما الرافضة، وهو بغض أبي بكر وعمر وسبهما. والدرجة الثالثة: المفضِّلة من الزيدية (٤) وغيرهم: الذين يفضلون عليًّا على (أبي) (٥) بكر وعمر، ولكن يعتقدون إمامتهما وعدالتهما ويتولونهما، فهذه الدرجة -وإن كانت باطلة- فقد نسب إليها طوائف من أهل الفقه والعبادة، وليس أهلها قريبًا ممن قبلهم، بل هم إلى أهل السنة أقرب منهم إلى الرافضة، لأنهم ينازعون الرافضة في إمامة الشيخين وعدلهما وموالاتهما، وينازعون أهل السنة في فضلهما على علي، والنزاع الأول أعظم، ولكنهم (٦) هم المرقاة (٧) التي تصعد منه الرافضة فهم لهم باب.

стр. 256

وكذلك (١) الجهمية على ثلاث درجات: فشرها الغالية (٢): الذين ينفون أسماء الله وصفاته، وإن سموه بشيء من أسمائه الحسنى، قالوا: هو مجاز فهو في الحقيقة عندهم ليس بحي ولا عالم ولا قادر ولا سميع ولا بصير ولا تكلم (٣) ولا يتكلم، وكذلك وصف العلماء حقيقة قولهم كما ذكره الإمام أحمد فيما أخرجه في الرد على الزنادقة والجهمية (٤): قال (٥): فعند ذلك تبيّن للناس أنهم لا يثبتون شيئًا، ولكنهم (٦) يدفعون عن أنفسهم الشنعة بما يقرون في (٧) العلانية، فإذا قيل لهم: فمن تعبدون؟ قالوا: نعبد من يدبر أمر هذا الخلق. فقلنا: فهذا الذي يدبر أمر هذا الخلق، هو مجهول لا يعرف بصفة؟

стр. 257

قالوا: نعم. قلنا: قد عرف المسلمون أنكم لا تثبتون شيئًا، إنَّما تدفعون عن أنفسكم الشنعة بما تظهرون (١). فقلنا لهم: هذا الذي [يدبر] (٢) هو الذي كلم موسى. قالوا: لم يتكلم ولا يتكلم، لأنَّ الكلام لا يكون إلّا بجارحة والجوارح عن الله (٣) منتفية (٤)، وإذا (٥) سمع الجاهل قولهم يظن أنهم من أشد النَّاس تعظيمًا لله، ولا يعلم أنهم إنَّما يعود (٦) قولهم إلى ضلالة (٧) وكفر. وقال (٨) أبو الحسن الأشعري في كتاب "الإبانة" (٩) باب الرد على الزنادقة (١٠) الجهمية، في نفيهم علم الله وقدرته (١١)، قال الله :

стр. 258

﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ (١)، وقال : ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إلا بِعِلْمِهِ﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ (٣) وذكر العلم في خمسة مواضع من كتابه، وقال سبحانه: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إلا بِمَا شَاءَ﴾ (٤) وذكر تعالى القوة، فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ (٥) وقال: ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (٦) وقال سبحانه: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ (٧). وزعمت الجهمية والقدرية (٨) أن الله لا علم له ولا قدرة ولا حياة

стр. 259

ولا سمع ولا بصر (١)، وأرادوا أن [ينفو] (٢) أن الله عالم قادر [حي] (٣) سميع بصير، فمنعهم خوف (٤) السيف من إظهار نفي ذلك، فأتوا بمعناه لأنهم [إذا] (٥) قالوا: لا علم ولا قدرة لله (٦)، فقد قالوا: إنه ليس بعالم ولا قادر، ووجب ذلك عليهم. قال (٧): وهذا إنما أخذوه عن أهل الزندقة والتعطيل، لأنَّ الزنادقة قال كثير منهم: ليس (٨) بعالم ولا قادر ولا حي ولا سميع ولا بصير، فلم تقدر المعتزلة أن تفصح بذلك، فاتت بمعناه، وقالت: إن الله عالم قادر حي سميع بصير من طريق التّسمية، من غير أن تثبت (٩) له علمًا أو قدرة أو سمعًا أو بصرًا (١٠). وكذلك [قال] (١١) في كتاب "المقالات" (١٢): الحمد لله الذي بصرنا خطأ المخطئين، وعمى العمين، وحيرة المتحيرين، الذين نفوا

стр. 260

صفات رب العالمين، وقالوا (١): إن الله -جل ثناؤه وتقدست أسماؤه- لا صفات له، وإنه (٢) لا علم له، ولا قدرة [له] (٣)، ولا حياة له، ولا سمع له، ولا بصر له، ولا عزة (٤) له، ولا جلال له، ولا عظمة له، ولا كبرياء له، وكذلك قالوا في [سائر] (٥) صفات الله تعالى التي وصف بها نفسه (٦). "قال" (٧): وهذا قول أخذوه عن إخوانهم من المتفلسفة، الذين يزعمون أن للعالم صانعًا لم يزل، ليس بعالم ولا قادر ولا حي ولا سميع ولا بصير ولا قدير (٨)، وعبروا عنه بأنَّ قالوا نقول: عين (٩) لم يزل، ولم يزيدوا على ذلك، غير أن هؤلاء الذين وصفنا قولهم من المعتزلة في الصفات، لم يستطيعوا أن يظهروا من ذلك ما كانت الفلاسفة تظهره، فأظهروا معناه فنفوا (١٠) أن يكون للباري علم وقدرة وحياة وسمع وبصر، ولولا الخوف لأظهروا ما كانت (١١) الفلاسفة تظهره [من ذلك] (١٢)

стр. 261

ولأفصحوا به، غير أن خوف السيف يمنعهم من إظهار ذلك. "قال" (١): وقد أفصح بذلك رجل يعرف بابن الإيادي (٢)، كان ينتحل قولهم، فزعم أن الباري عالم قادر سميع بصير في المجاز لا في الحقيقة. وهذا القول الذي هو قول الغالية النفاة للأسماء حقيقة هو قول القرامطة الباطنية، ومن سبقهم من إخوانهم الصابئية الفلاسفة. والدرجة الثَّانية من التجهم: هو تجهم المعتزلة ونحوهم الذين يقرون بأسماء الله الحسنى في الجملة، لكن ينفون صفاته، وهم -أيضًا- لا يقرون بأسماء الله الحسنى كلها على الحقيقة، بل يجعلون كثيرًا منها على المجاز، وهؤلاء هم الجهمية المشهورون. وأمَّا الدرجة الثالثة: فهم (٣) الصفاتية المثبتون (٤) المخالفون للجهمية، لكن فيهم نوع من التجهم، كالذين يقرون بأسماء الله وصفاته في الجملة، لكن يردون طائفة من أسمائه وصفاته الخبرية، أو غير الخبرية، ويتأولونها كما تأول الأولون صفاته كلها، ومن هؤلاء من يقر بصفاته الخبرية الواردة في القرآن دون الحديث، كما عليه كثير من أهل الكلام والفقه وطائفة من أهل الحديث، ومنهم من يقر بالصفات الواردة في الأخبار -أيضًا- في الجملة، لكن مع نفي لبعض ما ثبت بالنصوص وبالمعقول، وذلك كأبي محمد بن كلاب ومن اتبعه، وفي هذا القسم يدخل أبو الحسن الأشعري وطوائف من أهل الفقه والكلام والحديث

стр. 262

والتصوف، وهؤلاء (١) إلى أهل السنة المحضة أقرب منهم إلى الجهمية والرافضة والخوارج والقدرية، لكن انتسب إليهم طائفة هم إلى الجهمية أقرب منهم إلى أهل السنة المحضة، فإن هؤلاء ينازعون المعتزلة نزاعًا عظيمًا فيما يثبتونه من الصفات وأعظم من منازعتهم سائر أهل الإثبات فيما ينفون. وأمَّا "المتأخرون" (٢) فإنهم والوا المعتزلة وقاربوهم أكثر، وقدموهم على أهل السنة والإثبات، وخالفوا أوليهم، ومنهم من يتقارب نفيه وإثباته، وأكثر النَّاس يقولون: إن هؤلاء يتناقضون فيما يجمعونه من النفي والإثبات. وفي (٣) هذه الدرجة حصل النزاع في مسألة الحرف والصوت ، والمعنى القائم بالنفس، وذلك [أن الجهمية] (٤) لما أحدث (٥) القول بأنَّ القرآن مخلوق، ومعناه أن الله لم يصف نفسه بالكلام أصلًا، بل حقيقته أن الله لم يتكلم ولا يتكلم (٦)، كما أفصح به رأسهم الأول الجعد بن درهم، حيث زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا، ولم يكلم موسى تكليمًا، لأنَّ الخلة إنَّما تكون من المحبة، وعنده أن الله لا يحب شيئًا في الحقيقة ولا يحبه [شيء] (٧) في الحقيقة، فلا يتخذ شيئًا خليلًا، وكذلك الكلام يمتنع عنده على الرَّبُّ تعالى.

стр. 263

وكذلك نفت الجهمية من المعتزلة وغيرهم أن يكون لله كلام (١) قائم به، أو إرادة قائمة به، وادعوا ما باهتوا به صريح العقل المعلوم بالضرورة أن المتكلم يكون متكلمًا بكلام يكون (٢) في غيره، وقالوا -أيضًا- يكون مريدًا بإرادة ليست فيه ولا في غيره، أو الإرادة وصف عدمي، أو ليست غير المرادات (٣) المخلوقة، وغير الأمر هو الصوت المخلوق في غيره. فكان حقيقة قولهم: التكذيب بحقيقة ما أخبرت به الرسل من كلام الله ومحبته ومشيئته، وإن كانوا قد يقرون بإطلاق الألفاظ التي أطلقتها الرسل، وهذا حال الزنادقة، المنافقين، من الصابئين والمشركين، من المتفلسفة والقرامطة ونحوهم فيما أخبرت به الرسل في باب الإيمان بالله [واليوم الآخر] (٤) والملائكة والكتاب والنبيين، بل وفيما أمرت (٥) به -أيضًا- وهم مع ذلك يقرون بكثير ممَّا (٦) أخبرت به الرسل وتعظيم أقدارهم، فهم يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض. لكن هؤلاء المتفلسفة يقولون: إن كلام الله هو ما يفيض على نفوس الأنبياء الصافية القدسية من العقل الفعال (٧). . . . . . . . . . . . . .

стр. 264

الذي (١) يزعمون أنَّه الروح المفارق للأجسام، الذي هو العقل العاشر كفلك القمر، ويزعمون (٢) أنَّه الذي يفيض منه ما في هذا العالم من الصور والأعراض، ويزعم من يزعم من منافقيهم الذين يحاولون (٣) الجمع بين النبوة وبين قولهم بأنَّ ذلك هو جبرائيل (٤). ويقولون: إن تلك المعاني التي تفيض على نفس النَّبيِّ والحروف التي تتشكل في نفسه هي كلام الله، كما يزعمون أن ما يتصور في نفسه من

стр. 265

الصور النورانية هي ملائكة الله، فلا وجود لكلام الله عندهم خارجًا عن نفس النَّبيِّ ﷺ (١) وكذلك الملائكة غير العقول العشرة والنفوس التسعة التي هم (٢) متنازعون (٣) فيها، هل هي جواهر أو أعراض؟ إنَّما الملائكة ما يوجد في [النفوس و] (٤) الأبدان من القوى الصالحة، والمعارف والإرادات الصالحة ونحو ذلك. وحقيقة ذلك أن القرآن إنشاء الرسول وكلامه، كما قال ذلك فيلسوف (٥) قريش وطاغوتها الوحيد: الوليد بن المغيرة (٦)، الذي قال الله فيه: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦) سَأُرْهِقُهُ

стр. 266

صَعُودًا (١٧) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨)﴾ (١) إلى قوله: ﴿إِنْ هَذَا إلا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ (٢). وهذا قول وقع فيه طوائف من متأخري غالية المتكلمة والمتصوفة، الذين ضلوا بكلام المتفلسفة، فوقعوا فيما ينافي أصلي الإسلام: شهادة أن لا إله إلّا الله، وأن محمدًا رسول الله، بما وقعوا فيه من الإشراك، وجحود حقيقة الرسالة، فهذا قول من قاله (٣) من غالية الجهمية. وأمَّا (٤) الجهمية المشهورون من المعتزلة ونحوهم فقالوا: إنه يخلق كلامًا في غيره، إما في الهواء، وإما بين ورق الشجرة التي كم منها موسى، وإما غير ذلك، فذلك هو كلام الله عندهم، وإذا قالوا: إن الله متكلم حقيقة، وأن له كلامًا حقيقة، فهذا معناه عندهم. وهذا (٥) تبديل للحقيقة التي فطر الله عليها عباده، واللغة التي اتفق (٦) عليها بنو آدم، والكتب التي أنزلها الله من السماء، ولما كان من المعلوم بالفطرة الضرورية التي اتفق عليها بنو آدم إلّا من اجتالت (٧)

стр. 267

الشياطين فطرته أن المتكلم هو الذي يقوم به الكلام، ويتصف به، كذلك المحب والمريد ومن تقوم به المحبة والإرادة، كما أن العليم (١) [والقدير] (٢) من يقوم به العلم والقدرة، وقد قالوا: إنه (٣) ليس لله كلام إلّا ما يكون قائمًا بغيره كالشجرة، لزم أن تكون الشجرة هي المتكلمة بالكلام الذي خاطب الله به موسى، ولهذا قال (٤) عبد الله بن المبارك: "من قال: إنني أنا الله لا إله إلّا أنا: مخلوق، فهو كافر ولا ينبغي لمخلوق أن يقول ذلك". لأنَّ حقيقة قولهم: إن المخلوق هو القائل لذلك. وكذلك قال (٥) يحيى بن سعيد القطان (٦)، وذكر له أن قومًا يقولون: "القرآن مخلوق، فقال: كيف يصنعون (٧) بـ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ

стр. 268

أَحَدٌ﴾ (١)؟ كيف يصنعون (٢) يقول: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا أَنَا﴾ (٣)؟ ". وقال (٤) سليمان بن داود الهاشمي (٥): "من قال: القرآن مخلوق فهو كافر، وإن كان القرآن مخلوقًا -كما زعموا- فلم صار فرعون أولى بأن يخلد في النَّار، إذ قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ (٦) [وزعموا أن هذا مخلوق، والذي قال:] (٧) ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ (٨) هذا (٩) -أيضًا- قد (١٠) ادعى ما ادعى فرعون، فلم صار فرعون أولى بأنَّ يخلد في النَّار من هذا؟ وكلاهما (١١) عنده مخلوق". فأخبر بذلك أبو عبيد (١٢) فاستحسنه (١٣).

стр. 269

قال البُخاريّ (١): وقال علي بن عاصم (٢): الذين قالوا: إن لله ولدًا أكفر من الذين قالوا: إن الله لا يتكلم. وقال (٣): احذر من (٤) المريسي وأصحابه، فإن كلامهم يستجلب (٥) الزندقة، وأنا كلمت أستاذهم جهمًا (٦) فلم يثبت أن في السماء إلهًا. قال البُخاريّ (٧): وقال عبد الرحمن بن عفَّان (٨): سمعت سفيان بن عيينة يقول: في السنة التي ضرب فيها المريسي، فقام ابن عيينة من مجلسه مغضبًا فقال: ويحكم القرآن كلام الله، وقد صحبت

стр. 270

النَّاس وأدركتهم، هذا عمرو بن دينار (١)، وهذا ابن المنكدر (٢) [حتَّى] (٣) ذكر منصورًا (٤)، والأعمش (٥)، ومسعر بن كدام (٦)، فقال

стр. 271

ابن عيينة: قد تكلموا في الاعتزال والرفض والقدر، وأمرونا (١) باجتناب القوم، فما نعرف القرآن إلّا كلام الله فمن (٢) قال غير هذا فعليه لعنة الله، ما أشبه هذا القول بقول النصارى، لا (٣) تجالسوهم ولا تسمعوا كلامهم. قال البُخاريّ (٤): حدثني الحكم بن محمد الطبري (٥)، حدَّثنا سفيان بن عيينة قال: أدركت مشائخنا منذ سبعين سنة منهم عمرو بن دينار يقولون (٦): القرآن كلام الله وليس بمخلوق. وكذلك -أيضًا- فالله تعالى قد خلق كلامًا في غيره، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (٧) ومن ذلك كلام الذراع (٨) للنبي ﷺ وتسليم. . . . . . . . . . .

стр. 272

العصر (١) عليه، وغير ذلك ممَّا (٢) يطول، ومعلوم أن ذلك ليس كلام الله، لا سيما من علم أن الله خالق كل شيء، وهو خالق أفعال العباد من كلامهم وحركاتهم وغير ذلك، فكل ذلك يجب أن يكون كلامًا لله، إن

стр. 273

كان ما خلقه من الكلام في غيره يكون كلامًا له، وهذا ممَّا يعلم فساده بالضرورة ويوجب أن يكون الكفر والكذب، وقول الشَّاةِ: إنِّي مسمومة فلا تأكلني (١)، وقول البقرة: إنا لم نخلق لهذا، إنَّما خلقنا للحرث (٢)، وشهادة الجلود والأيدي والأرجل كلام الله، ولا (٣) يفرق بين نطقه وبين إنطاقه لغيره. وأيضًا فقد قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ (٤) فأخبر أنَّه (٥) ليس لأحد من البشر أن يكلمه الله إلَّا على هذه الوجوه الثلاثة، فلو (٦) كان تكليمه ليس هو نفسه المتكلم به، ولا هو قائم به، بل هو بأن يخلق كلامًا في شجرة، أو نحوها من المخلوقات، لم يكن لاشتراط هذه الوجوه

стр. 274

معنى، لأنَّ (١) ما يقوم بالمخلوقات يسمعه كل أحد كما يسمعون ما يحدثه في الجمادات من الإنطاق، كما سمعوا ما يحدثه في الأحياء من الإنطاق، ولأنه فرق بين الوحي وبين التكليم من وراء حجاب، فلو كان كلامه هو ما يخلق في غيره من غير أن يقوم به كلام لم يحصل الفرق، ولأنه فرق بين ذلك وبين أن يرسل رسولًا فيوحي بإذنه ما يشاء، فلو كان ذلك الرسول لم يسمع إلَّا ما خلق في بعض المخلوقات لكان هذا من جنس ما يخلق فيسمعه البشر، وحينئذ فيكون كلاهما من وراء حجاب، فلا يكون الله مكلمًا للملائكة -قط- إلَّا من وراء حجاب. وقوله: ﴿مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ هو دليل على أنَّه قد يكلم من شاء بلا حجاب، كما استفاضت بذلك السنن (٢) عن النَّبيِّ ﷺ ، فلما ابتدعت الجهمية هذه المقالات، أنكر ذلك سلف الأمة وأئمتها من بقايا التّابعين وأتباعهم، وصاروا يظهرون أعظم المقالات شبهة كقولهم: القرآن

стр. 275

مخلوق، لأنهم يشبهون بهذا على العامة ما لا يشبهونه بغيرهم، إذ يقول القائل: كل ما سوى الله مخلوق، ولأن نقيض هذا اللفظ ليس مشهورًا كشهرة أحاديث الرؤية والعرش وغير ذلك، ومع هذا فكان إنكار السلف والأئمة لذلك من أعظم الإنكار، دع ما هو أظهر فسادًا. قال الإمام الحافظ أبو القاسم الطبري (١) اللالكائي- وقد ذكر أقوال السلف والأئمة بأنَّ القرآن كلام الله غير مخلوق، وما ورد عنهم من تكفير من يقول ذلك، ثم قال (٢): (فهؤلاء خمسمائة وخمسون نفسًا (٣) وأكثر من التّابعين وأتباع التّابعين والأئمة المرضيين سوى الصّحابة الخيرين (٤) على اختلاف الأمصار ومضي السنين والأعوام، وفيهم نحو من مائة إمام ممن أخذ الناس بقولهم وتدينوا (٥) بمذهبهم). قال: (ولو اشتغلت بنقل قول المحدثين لبلغت أسماؤهم ألوفًا كثيرة، لكني (٦) اختصرت فنقلت (٧) عن هؤلاء عصرًا بعد عصر لا ينكر عليهم منكر، ومن أنكر قولهم استتابوه (أو) (٨) أمروا بقتله أو نفيه أو صلبه). قال: (ولا خلاف بين الأمة أن أول من قال: القرآن مخلوق

стр. 276

الجعد (١) بن درهم في سني نيف وعشرين (٢)، ثم الجهم (٣) بن صفوان. فأمَّا جعد فقتله خالد بن عبد الله القسري (٤)، وأما جهم فقتل بمرو في خلافة هشام بن عبد الملك (٥)، وسأذكر قصتهما (٦) إن شاء الله تعالى. * * *

стр. 277

فصل ومع هذا فقد حفظ عن أئمة الصّحابة كعلي وابن مسعود وابن عباس هذا القول، وفي ذلك حجة على من يزعم أن أقوال هؤلاء الأئمة بدون الصّحابة ليس بحجة. فروى اللالكائي (١) من طريقين: من طريق محمد بن المصفى (٢)، ومن طريق الفضل بن عبد الله الفارسي (٣) كلاهما عن عمرو بن جميع أبي المنذر (٤) عن ميمون بن مهران (٥) عن ابن عباس قال: لما حكَّم علي الحكمين قالت له الخوارج: حكَّمت رجلين، قال: ما حكَّمت مخلوقًا إنَّما حكَّمت القرآن.

стр. 278

ورواه عبد الرحمن بن أبي حاتم (١) بإسناد آخر إلى علي، وقال: ثنا محمد بن حجاج الحضرمي المصري (٢)، ثنا [معلى (٣) بن عبد العزيز، ثنا عتبة بن السكن الفزازي (٤)، ثنا] (٥) الفرج بن يزيد

стр. 279

الكلاعي (١)، قال: قالوا لعلي يوم صفين: حكمت كافرًا ومنافقًا؟ قال: ما حكمت مخلوقًا، ما حكمت إلَّا القرآن. وهذا السياق يبطل تأويل من يفسر كلام السلف بأنَّ المخلوق هو المفترى المكذوب، والقرآن غير مفترى ولا مكذوب، فإنهم لما قالوا: حكمت مخلوقًا، إنَّما أرادوا مربوبًا مصنوعًا خلقه الله، لم يريدوا مكذوبًا فقوله: "ما حكمت مخلوقًا" نفي ما (٢) ادعوه، وقوله: "ما حكمت إلَّا القرآن" نفي لهذا الخلق عنه. وقد روي ذلك عن علي من طريق ثالث (٣). وأمَّا قول (٤) ابن مسعود، فمن المحفوظ الثابت عنه (٥) الذي رواه

стр. 280

النَّاس من وجوه كثيرة صحيحة من حديث يَحْيَى بن سعيد القطان وغيره عن سفيان الثوري عن الأعمش عن عبد الله بن مرَّة (١) [عن أبي كنف] (٢) قال: قال عبد الله: من حلف بالقرآن فعليه بكلِّ آية يمين، قال: فذكرت ذلك لإبراهيم (٣)، فقال: قال (٤) عبد الله: من حلف بالقرآن فعليه بكلِّ آية يمين، ومن كفر بحرف منه فقد كفر به أجمع (٥).

стр. 281

وروى (١) محمد بن هارون الروياني (٢) ثنا أبو الرَّبيع (٣)، ثنا أبو عوانة (٤) عن أبي سنان (٥) عن عبد الله بن أبي الهذيل (٦) عن حنظلة بن

стр. 282

خويلد العنزي (١) قال: أخذ عبد الله بيدي، فلما أشرفنا على السد (٢) إذ نظر إلى السوق فقال (٣): اللَّهم إنِّي أسألك خيرها وخير أهلها، وأعوذ بك من شرها وشر أهلها، قال: فمر برجل يحلف بسورة من القرآن أو (٤) آية، قال: فغمزني (٥) عبد الله بيدي ثم قال: أتراه مكفرًا؟ أم أن كل آية فيها يمين (٦). ولا نزاع (٧) بين الأمة أن المخلوقات لا يجب في الحلف بها بيمين كالكعبة وغيرها، إلّا ما نازع فيه بعضهم من الحلف برسول الله ﷺ لكون الإيمان به أحد ركني الإيمان (٨).

стр. 283

وقوله: عليه بكلِّ آية يمين، قد اتبعه (١) الأمة وعملوا به، كالإمام أحمد وإسحاق وغيرهما، لكن هل تتداخل (٢) الأيمان إذا كان

стр. 284

المحلوف (١) عليه واحدًا؟ كما لو حلف بالله لا يفعل، ثم حلف بالله لا يفعل، هذا فيه قولان للعلماء: هما روايتان عن أحمد (٢)، وأمَّا قول ابن عباس ﵄ (٣): فقال الإمام عبد الرحمن بن أبي حاتم: حدثني أبي ثنا ابن صالح بن جابر الأنماطي (٤)، ثنا علي بن عاصم [قال أبي:

стр. 285

وحدثني الصهيبي علي بن عمر بن عاصم (١) عن علي بن عاصم] (٢) عن عمران بن حدير (٣) عن عكرمة (٤) قال: كان ابن عباس في جنازة، فلما وضع الميت في لحده قام رجل فقال: اللَّهم رب القرآن اغفر له، فوثب إليه ابن عباس فقال: مه (٥) القرآن منه. زاد الصهيبي في حديثه فقال ابن عباس: القرآن كلام الله وليس بمربوب، منه خرج وإليه يعود. فلما ابتدعت الجهمية هذه المقالات في أثناء المائة الثَّانية أنكر ذلك سلف الأمة وأئمتها، ثم استفحل أمرهم في أوائل المائة الثالثة بسبب ما أدخلوه في شركهم وفريتهم من ولاة الأمور، وجرت المحنة (٦)
следующие страницы →