← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 17581

التسعينية

ابن تيمية

Полный текст (1 060 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وروى (١) محمد بن هارون الروياني (٢) ثنا أبو الرَّبيع (٣)، ثنا أبو عوانة (٤) عن أبي سنان (٥) عن عبد الله بن أبي الهذيل (٦) عن حنظلة بن

стр. 282

خويلد العنزي (١) قال: أخذ عبد الله بيدي، فلما أشرفنا على السد (٢) إذ نظر إلى السوق فقال (٣): اللَّهم إنِّي أسألك خيرها وخير أهلها، وأعوذ بك من شرها وشر أهلها، قال: فمر برجل يحلف بسورة من القرآن أو (٤) آية، قال: فغمزني (٥) عبد الله بيدي ثم قال: أتراه مكفرًا؟ أم أن كل آية فيها يمين (٦). ولا نزاع (٧) بين الأمة أن المخلوقات لا يجب في الحلف بها بيمين كالكعبة وغيرها، إلّا ما نازع فيه بعضهم من الحلف برسول الله ﷺ لكون الإيمان به أحد ركني الإيمان (٨).

стр. 283

وقوله: عليه بكلِّ آية يمين، قد اتبعه (١) الأمة وعملوا به، كالإمام أحمد وإسحاق وغيرهما، لكن هل تتداخل (٢) الأيمان إذا كان

стр. 284

المحلوف (١) عليه واحدًا؟ كما لو حلف بالله لا يفعل، ثم حلف بالله لا يفعل، هذا فيه قولان للعلماء: هما روايتان عن أحمد (٢)، وأمَّا قول ابن عباس ﵄ (٣): فقال الإمام عبد الرحمن بن أبي حاتم: حدثني أبي ثنا ابن صالح بن جابر الأنماطي (٤)، ثنا علي بن عاصم [قال أبي:

стр. 285

وحدثني الصهيبي علي بن عمر بن عاصم (١) عن علي بن عاصم] (٢) عن عمران بن حدير (٣) عن عكرمة (٤) قال: كان ابن عباس في جنازة، فلما وضع الميت في لحده قام رجل فقال: اللَّهم رب القرآن اغفر له، فوثب إليه ابن عباس فقال: مه (٥) القرآن منه. زاد الصهيبي في حديثه فقال ابن عباس: القرآن كلام الله وليس بمربوب، منه خرج وإليه يعود. فلما ابتدعت الجهمية هذه المقالات في أثناء المائة الثَّانية أنكر ذلك سلف الأمة وأئمتها، ثم استفحل أمرهم في أوائل المائة الثالثة بسبب ما أدخلوه في شركهم وفريتهم من ولاة الأمور، وجرت المحنة (٦)

стр. 286

المشهورة: وكان أئمة الهدى على ما جاءت به الرسل عن الله من أن

стр. 287

القرآن كلام الله تكلم به هو سبحانه، وهو منه قائم (١) به، وما كان كذلك لم يكن مخلوقًا، إنَّما المخلوق ما (٢) يخلقه من الأعيان المحدثة وصفاتها، وكثير منهم يرد قول الجهمية بإطلاق القول: بأنَّ القرآن كلام الله، لأنَّ حقيقة قولهم: إنه ليس كلامه، ولا تكلم، ولا يتكلم به ولا بغيره، فإن المستقر في فطر النَّاس وعقولهم ولغاتهم، أن المتكلم بالكلام لا بد أن يقوم به الكلام، فلا يكون متكلمًا بشيء لم يقم (٣) به، بل هو قائم بغيره (٤)، كما لا يكون عالمًا بعلم قائمًا بغيره ولا حيًّا (٥) بحياة قائمة بغيره، ولا مريدًا (٦) بإرادة قائمة بغيره، ولا محبًا ومبغضًا (٧) ولا راضيًا وساخطًا بحب وبغض ورضى وسخط قائم بغيره، ولا متألمًا ولا متنعمًا وفرحًا وضاحكًا بتألم وتنعم وفرح وضحك قائم بغيره، فكل ذلك عند النَّاس من العلوم الضرورية البدهية (٨) الفطرية التي لا ينازعهم فيها إلّا من أحيلت فطرته، وكذلك عندهم لا يكون آمرًا (٩) وناهيًا بأمر ونهي لا يقوم به بل يقوم بغيره، ولا يكون مخبرًا ومحدثًا ومنبئًا (١٠) بخبر

стр. 288

وحديث ونبأ لا يقوم به بل بغيره، ولا يكون حامدًا وذامًا ومادحًا ومثنيًا بحمد وذم ومدح وثناء لا يقوم به بل بغيره، [ولا يكون مناجيًا ومناديًا وداعيًا بنجاء ودعاء ونداء لا يقوم به بل لا يقوم إلّا بغيره] (١)، ولا يكون واعدًا وموعدًا بوعد ووعيد لا يقوم به بل (٢) لا يقوم إلّا بغيره، ولا يكون مصدقًا ومكذبًا بتصديق وتكذيب لا يقوم به بل لا يقوم إلّا بغيره، ولا يكون حالفًا ومقسمًا وموليًا بحلف وقسم ويمين لا يقوم به ولا يقوم إلّا بغيره، بل من أظهر العلوم الفطرية الضرورية التي علمها (٣) بنو آدم وجوب قيام هذه الأمور بالموصوف (٤) بها وامتناع أنَّها لا تقوم به، بل لا تقوم (٥) إلّا بغيره، فمن قال: إن الحمد والثناء [والأمر] (٦) والنهي والنبأ والخبر والوعد والوعيد والحلف واليمين والمناداة والمناجاة وسائر ما يسمى ويوصف به أنواع الكلام، يمتنع أن تكون (٧) قائمة بالآمر الناهي والمناجي المنادي المنبيء المخبر الواعد (٨) المتواعد الحامد المثني الذي هو الله تعالى، ويجب أن تكون قائمة بغيره، فقد خالف الفطرة الضرورية المتفق عليها بين الآدميين، وبدل لغات الخلق أجمعين، ثم مع مخالفته للمعقولات واللغات فقد كذب المرسلين أجمعين، ونسبهم إلى غاية التدليس والتلبيس على المخاطبين، لأنَّ الرسل أجمعين أخبروا أن الله أمر ونهى وقال ويقول، وقد علم بالاضطرار أن مقصودهم أن الله هو نفسه

стр. 289

الذي أمر ونهى وقال، لا أن (١) ذلك شيء لم يقم به بل خلقه في غيره، ثم لو كان مقصودهم ذلك فمعلوم أن هذا ليس هو المعروف من الخطاب ولا المفهوم منه، لا عند الخاصة ولا عند العامة، بل المعروف المعلوم أن يكون الكلام قائمًا بالمتكلم، فلو أرادوا بكلامه وقوله: إنه (٢) خلق في بعض المخلوقات كلامًا لكانوا قد أضلوا الخلق -على زعم الجهمية- ولبسوا عليهم غاية التلبيس، وأرادوا باللفظ ما لم يدلوا الخلق عليه، والله تعالى قد أخبر أن الرسل قد (٣) بلغت البلاغ المبين، فمن نسبهم إلى هذا فقد كفر بالله ورسله، وهذا قول (٤) الزنادقة المنافقين الذين هم (٥) أصل الجهمية، الذين يصفون الرسل بذلك من المتفلسفة والقرامطة ونحوهم، بل كون المتكلم الآمر الناهي لا يوصف بذلك إلّا لقيام الكلام بغيره (٦) مع امتناع قيامه به، أمر لا يعرف في اللغة، لا حقيقة ولا مجازًا. وزعمت الجهمية الملحدة في أسماء الله وآياته، المحرفة للكلم عن مواضعه، المبدلة لدين الله من المعتزلة ونحوهم، أن المتكلم في اللغة من فعل الكلام، وإن كان قائمًا بغيره كالجني المتكلم على لسان الإنسي المصروع، فإنَّه هو المتكلم بما يسمع من المصروع، لأنَّه فعل ذلك وإن كان الكلام لم يقم إلّا بالإنسي دون الجني وهذا من التمويه (٧) والتدليس.

стр. 290

فأمَّا قولهم: المتكلّم مَنْ فعل الكلام، فقد نازعهم فيه طائفة من الصفاتية (١) وقالوا: بل المتكلم من قام به الكلام وإن لم يفعله كما يقوله الكلابية (٢) والأشعرية (٣)، وبين الفريقين في ذلك نزاع طويل (٤). وأمَّا السلف والأئمة وأكثر النَّاس فلم ينازعوهم هذا النزاع، بل قالوا: الكلام وإن قيل: إنه فعل للمتكلم، فلا بد أن يكون قائمًا به، فلا يكون الكلام كلامًا لمتكلم يمتنع أن يقوم به الكلام، وجميع المسموع من اللغات والمعلوم في فطرة البريات يوافق ذلك. وأمَّا تكلم الجني على لسان الإنسي فلا بد أن يقوم بالجني كلام، ولكن تحريكه مع ذلك لجوارح الإنسي يشبه تحريك روح الإنسي لجوارحه بكلامه، ويشبه تحريك الإنسان بكلامه وحركته وتصويته كما يصوت بقصبة (٥) ونحوها، مع أنَّه في ذلك كله قد قام به من الفعل ما يصح به نسبته (٦) ذلك إليه. وقولهم: المتكلم من فعل الكلام وإن كان قائمًا بغيره: كلام

стр. 291

متناقض، فإن الفعل -أيضًا- لا يقوم بغير الفاعل، وإنَّما الذي يقوم بغيره هو المفعول. وإما قول من يقول: إن الخلق لا يكون إلّا بمعنى المخلوق، فهو من بدع الجهمية، وعامة أهل الإسلام على خلاف هذا، وكذلك قال الأئمة مثل ما ذكره الإمام أحمد فيما خرجه في الرد على الزنادقة والجهمية قال (١): ففيما (٢) يسأل عنه الجهمي (٣) يقال له: تجد في كتاب الله أنَّه يخبر عن القرآن أنَّه مخلوق؟ فلم (٤) يجد فيقال له: فلم (٥) قلت؟ فيقول (٦) من قول الله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ (٧). وزعم أن كل مجعول مخلوق (٨)، فادعى كلمة من الكلام المتشابه، يحتج بها من أراد أن يلحد في تنزيلها ويبتغي الفتنة في

стр. 292

تأويلها (١)، وذلك أن جعل في القرآن من المخلوقين على وجهين على معنى التسمية (٢)، وعلى معنى فعل من أفعالهم [و] (٣) قوله: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ (٤) قالوا: هو شعر وأنباء (٥) الأولين وأضغاث أحلام، فهذا على معنى تسميته (٦) وقال (٧): ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ (٨) [يعني: أنهم سموهم إناثًا] (٩). ثم ذكر جعل على غير معنى التسمية (١٠)، فقال: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ (١١) فهذا على معنى (١٢) فعل من أفعالهم، وقال: ﴿حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا﴾ (١٣) هذا على معنى فعل، هذا جعل المخلوقين. (١٤) ثم ذكر جعل من الله على معنى (خلق) وجعل على غير معنى

стр. 293

(خلق)، والذي قال الله ﷻ (جعل) على معنى (خلق) لا يكون إلّا خلقًا ولا يقوم إلا مقام خلق لا يزول عنه (١) المعنى. فممّا (٢) قال الله (جعل) على معنى (خلق)، قوله (٣) ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ (٤) [يعني: خلق الظلمات والنور] (٥)، [وقال] (٦): ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ (٧) يقول: خلقنا الليل والنهار آيتين، وقال: ﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ (٨) وقال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ (٩) يقول: خلق منها زوجها، خلق من آدم حوى، وقال: ﴿وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ﴾ (١٠) ومثله في القرآن كثير، فهذا وما كان أمثاله (١١) لا يكون (١٢) إلّا على معنى خلق. وقوله ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ﴾ (١٣) لا يعني ما خلق الله من بحيرة، وقال الله لإبراهيم: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ (١٤) لا يعني إني خالقك

стр. 294

للناس إمامًا، لأن خلق إبراهيم كان متقدمًا، قال إبراهيم: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ (١)، وقال: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ﴾ (٢) لا يعني أخلقني (٣) مقيم الصلاة، وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ﴾ (٤) لا يعني يريد الله ألا يخلق لهم حظًّا في الآخرة، وقال لأم موسى: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٥) لا يعني وخالقوه من المرسلين، لأن الله تعالى وعد أم موسى أن يرده إليها ثم يجعله من بعد ذلك مرسلًا، وقال: ﴿وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ﴾ (٦) لا يعني فيخلقه في جهنم، وقال: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ (٧). وقال: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ (٨) لا يعني خلقه دكًّا ومثله في القرآن كثير. فهذا (٩) وما كان على مثاله لا يكون على معنى خلق، فإذا قال تعالى (جعل) على معنى (خلق)، وقال (جعل) على معنى غير (١٠) (خلق) فبأي حجة قال الجهمي: (جعل) على معنى الخلق؟، فإن رد

стр. 295

[الجهمي] (١) الجعل إلى المعنى الذي وصفه الله فيه، وإلا كان من الذين يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعدما عقلوه وهم يعلمون، فلما قال الله : ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ (٢) يقول: جعله جعلًا على معنى فعل من أفعال (٣) الله غير معنى (٤) خلق، وقال في سورة يوسف: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٥) وقال: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (٦) وقال: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ (٧) فلما جعل الله القرآن عربيًّا ويسره بلسان نبيه، كان ذلك فعلًا (٨) من أفعال الله جعل به القرآن (٩) عربيًّا، ففي (١٠) هذا بيان لمن أراد الله هداه. وقال البخاري في صحيحه (١١): باب ما جاء في تخليق السموات والأرض وغيرهما من الخلائق، وهو فعل الرب وأمره، فالرب بصفاته وفعله وأمره وكلامه (١٢) هو الخالق المكون (١٣) غير مخلوق، وما كان

стр. 296

بفعله وأمره وتخليقه وتكوينه فهو مفعول مخلوق مكون (١). وقال (٢) الإمام أحمد فيما أخرجه في الرد على الجهمية بيان ما أنكرت الجهمية أن (٣) يكون الله كلم موسى صلى الله عليه وعلى نبينا وعلى سائر الأنبياء: (قلنا لم (٤) أنكرتم ذلك؟ قالوا: لأن (٥) الله لم يتكلم ولا يتكلم، إنما كوّن شيئًا فعبر عن الله، وخلق صوتًا فسمع، فزعموا (٦) أن الكلام لا يكون إلّا من جوف وفم وشفتين ولسان (٧)، فقلنا: فهل [يجوز] (٨) لمكون أو لغير (٩) الله أن يقول لموسى: ﴿لَا إِلَهَ إلا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (١٠) و ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ (١١) فمن زعم ذلك فقد زعم أن غير الله ادعى الربوبية ولو كان (١٢) كما زعم الجهمية أن الله كون شيئًا كان يقول ذلك المكون: ﴿يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (١٣) لا (١٤) يجوز أن

стр. 297

يقول: ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) وقد قال الله جل ثناؤه: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (٢) وقال: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ (٣) وقال: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ (٤) فهذا منصوص القرآن. قال (٥): وأما (٦) ما قالوا: إن الله لم يتكلم ولا يتكلم (٧) فكيف يصنعون بحديث سليمان الأعمش عن خيثمة (٨) عن عدي بن حاتم الطائي (٩). . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 298

قال: قال رسول الله ﷺ : "ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله ليس (١) بينه وبينه ترجمان" (٢). قال: وأما قولهم: إن الكلام لا يكون إلّا من جوف وفم وشفتين ولسان، أليس الله قال للسموات والأرض: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (٣)، أترى (٤) أنها قالت: بجوف وشفتين ولسان (٥)؟، وقال الله: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ﴾ (٦)، أتراها أنها سبحت بجوف وفم (٧) ولسان وشفتين؟ والجوارح إذا شهدت على الكافر فقال (٨): ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (٩) أتراها

стр. 299

نطقت (١) بجوف وشفتين (٢) وفم ولسان؟ ولكن الله أنطقها كيف شاء [وكذلك الله تكلم كيف شاء] (٣) من غير أن يقول [بـ] (٤) فم ولسان وشفتين (٥). قال: فلما خنقته الحجج قال (٦): إن الله كلم موسى، إلا أن كلامه غيره، فقلنا: وغيره مخلوق؟ قال: نعم. قلنا (٧): هذا مثل قولكم الأول، إلّا أنكم تدفعون الشنعة عن أنفسكم (٨) بما تظهرون. وحديث الزهري (٩) قال: لما سمع موسى كلام ربه قال: يا رب هذا الكلام (١٠) الذي سمعته هو كلامك؟ قال: نعم يا موسى هو كلامي، [وإنما كلمتك بقوة عشرة آلاف لسان، ولي قوة الألسن كلها، وأنا أقوى من ذلك] (١١)، وإنما كلمتك على قدر ما يطيق بدنك، ولو كلمتك بأكثر

стр. 300

من ذلك مت (١)، قال: فلما رجع موسى إلى قومه قالوا له: صف لنا كلام ربك، فقال (٢): سبحان الله!! وهل أستطيع أن أصفه لكم. قالوا: فشبهه (٣)، قال: أسمعتم (٤) أصوات الصواعق التي تقبل في أحلى حلاوة سمعتموها فكأنه مثله (٥). قال: وقلنا (٦) للجهمية: من القائل لعيسى يوم القيامة ﴿يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (٧) أليس الله هو القائل؟ قالوا: يُكَوِّن (٨) الله شيئًا يعبر عن الله، كما كَوَّن [شيئًا فعبر] (٩) لموسى. فقلنا (١٠): فمن القائل: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ

стр. 301

الْمُرْسَلِينَ﴾ (١) أليس الله هو الذي يسأل؟ قالوا: هذا كله إنما (٢) يُكَون الله (٣) شيئًا فيعبر عن الله، قلنا: قد أعظمتم على الله (٤) الفرية حين (٥) زعمتم أن الله لا يتكلم، فشبهتموه بالأصنام التي تعبد من دون الله، لأن الأصنام لا تتكلم ولا تتحرك ولا تزول (٦) من (٧) مكان إلى مكان. فلما ظهرت عليه الحجة قال: أقول: إن الله قد (٨) يتكلم ولكن كلامه مخلوق. قلنا: وكذلك بنو آدم كلامهم مخلوق [فقد شبهتم الله ﵎ بخلقه حين زعمتم أن كلامه مخلوق] (٩)، ففي مذهبكم أن الله قد كان في وقت من الأوقات لا يتكلم حتى خلق التكلم، وكذلك بنو آدم كانوا لا يتكلمون حتى خلق لهم (١٠) كلامًا، فقد (١١) جمعتم بين كفر وتشبيه فتعالى (١٢) الله عن هذه الصفة، بل نقول (١٣): إن الله -جل ثناؤه- لم يزل متكلمًا إذا شاء، ولا نقول: إنه كان ولا يتكلم حتى خلق كلامًا (١٤)، ولا نقول: إنه قد

стр. 302

كان لا يعلم حتى خلق علمًا فعلم، ولا نقول: إنه [قد] (١) كان ولا قدرة (٢) حتى خلق لنفسه قدرة (٣)، ولا نقول: إنه [قد] (٤) كان ولا نور له حتى خلق لنفسه نورًا، ولا نقول: إنه كان ولا عظمة (٥) حتى خلق لنفسه عظمة. فقالت الجهمية لنا (٦): لما وصفنا من الله هذه الصفات (٧): إن زعمتم أن الله ونوره، والله وقدرته، والله وعظمته، فقد قلتم بقول النصارى حين زعمتم (٨) أن الله لم يزل ونوره، ولم يزل وقدرته. فقلنا (٩): لا نقول: إن الله لم يزل وقدرته ولم يزل ونوره، ولكن نقول: لم يزل بقدرته ونوره لا متى قدر (١٠) ولا كيف قدر؟. فقالوا (١١): لا تكونون موحدين أبدًا حتى تقولوا: كان الله ولا شيء. فقلنا: نحن نقول: كان (١٢) الله ولا شيء، ولكن إذا قلنا: إن الله لم يزل بصفاته كلها، أليس إنما نصف إلهًا واحدًا بجميع صفاته؟ وضربنا

стр. 303

لهم مثلًا في (١) ذلك فقلنا لهم (٢): أخبرونا عن هذه النخلة أليس لها جذع (٣) وكرب وليف وسعف وخوص وجمار؟ واسمها اسم واحد، سميت (٤) نخلة بجميع صفاتها، فكذلك الله -جل ثناؤه- وله المثل الأعلى بجميع صفاته إله واحد، لا نقول: إنه قد كان في وقت من الأوقات ولا قدرة له حتى خلق قدرة (٥)، والذي ليس له قدرة هو عاجز، ولا نقول: إنه (٦) قد كان في وقت من الأوقات ولا علم له حتى خلق فعلم (٧)، والذي لا يعلم فهو (٨) جاهل، ولكن نقول: لم يزل الله قادرًا عالمًا مالكًا (٩) لا متى ولا كيف؟ وقد سمى الله رجلًا كافرًا اسمه الوليد بن المغيرة المخزومي فقال: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ (١٠) وقد كان لهذا (١١) الذي سماه الله (وحيدًا) عينان (١٢) وأذنان ولسان وشفتان ويدان ورجلان، وجوارح كثيرة، فقد سماه الله (وحيدًا) بجميع صفاته، فكذلك الله وله المثل الأعلى، هو بجميع صفاته إله واحد (١٣).

стр. 304

وكذلك ذكر الأشعري في المقالات (١) اختلاف المعتزلة في أن الباري متكلم فقال: (اختلفت المعتزلة في ذلك، فمنهم من أثبت الباري متكلمًا، ومنهم من امتنع أن يثبت الباري متكلمًا، وقال: لو أثبته (٢) متكلمًا لثبته (٣) منفعلًا (٤)، والقائل لهذا (٥) الإسكافي (٦) وعباد بن سليمان (٧)). قلت: وأما نقل أبي الحسين البصري (٨) اتفاق المسلمين على أن

стр. 305

الباري متكلم، ونقل من أخذوا ذلك عنه كالرازي (١) وغيره فليس بمستقيم، فإن أبا الحسين كان يأخذ ما يذكره مشايخه البصريون وما نقلوه، وهؤلاء يوافقون [المسلمين على إطلاق القول بأن الله متكلم فيوافقون] (٢) أهل الإيمان في اللفظ، وهم في المعنى قائلون بقول من نفى ذلك، فإذا ذكر الإجماع على هذا الإطلاق (٣)، ظن المستمع

стр. 306

لذلك (١) أن التنازع (٢) في تفسير (٣) اللفظ كالنزاع في تفسير (٤) بعض آيات القرآن وليس كذلك، بل النفاة حقيقة قولهم نفي أن يكون الله متكلمًا كما يصرح بذلك من يصرح منهم، ولكن وافقوا المسلمين على إطلاق اللفظ، نفاقًا من زنادقتهم، وجهلًا من سائرهم. وهذا الذي بينه الإمام أحمد هو محض السنة وصريحها الذي كان عليه أئمتها، وقد خلصه تخليصًا لا يعرف قدره إلا خواص الأمة الذين يعرفون مزال أقدام الأذكياء الفضلاء في هذه المهمة الغبراء، حتى كثر بين الفرق من الخصومات والأهواء، وسائر الناس يقولون بذلك من وجه دون وجه. قال الحافظ أبو الشيخ الأصبهاني (٥): في كتاب السنة (٦) قرأت كتاب شاكر عن أبي زرعة (٧) قال: إن الذي عندنا أن القوم لم يزالوا

стр. 307

يعبدون خالقًا كاملًا بصفاته (١)، ومن زعم أن الله كان ولا علم ثم خلق علمًا فعلم بخلقه، أولم يكن متكلمًا فخلق كلامًا ثم تكلم به، أو لم يكن سميعًا بصيرًا ثم خلق سمعًا وبصرًا فقد نسبه إلى النقص، وقائل هذا كافر، ولم يزل الله كاملًا بصفاته لم يحدث فيه صفة ولا تزول عنه صفة قبل أن يخلق الخلق، وبعدما خلق الخلق كاملًا بصفاته، فمن وجه أن الرب ﵎ يتكلم كيف يتكلم بشفتين ولسان، وتبدو (٢) لهواته (٣) فهذه (٤) السماوات والأرض قال لها (٥): ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (٦) أفهاهنا شفتان ولسان ولهوات؟ قلت: أبو زرعة الرازي كان يشبّه بأحمد بن حنبل، في حفظه وفقهه ودينه ومعرفته، وأحمد كان عظيم الثناء عليه وداعيًا له، وهذا المعنى الذي ذكره هو في كلام الإمام أحمد في مواضع، كما ذكره الخلال في كتاب السنة عن حنبل، وقد ذكره حنبل في كتبه مثل: كتاب السنة والمحنة (٧) لحنبل.

стр. 308

قال حنبل: سألت أبا عبد الله عن الأحاديث التي تروي أن الله ﵎ ينزل إلى سماء الدنيا، وأن الله يرى، وأن الله يضع قدمه، وما أشبه هذه الأحاديث، فقال أبو عبد الله: نؤمن بها ونصدق بها، ولا كيف؟ ولا معنى ولا نرد منها شيئًا، ونعلم أن ما جاء به الرسول حق إذا (١) كانت بأسانيد صحاح، ولا نرد على الله قوله، ولا يوصف (٢) الله ﵎ بأكثر مما وصف به نفسه بلا حد ولا غاية ليس كمثله شيء. وقال حنبل في موضع آخر، قال: ليس كمثله شيء في ذاته، كما (٣) وصف به نفسه، وقد (٤) أجمل ﵎ بالصفة لنفسه فحد لنفسه صفة: ليس يشبهه شيء، فنعبد الله بصفاته، غير محدودة ولا معلومة إلا بما وصف به نفسه، قال الله ﵎: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٥).

стр. 309

قال حنبل في موضع آخر: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١) بلا حد ولا تقدير، ولا يبلغه (٢) الواصفون. وصفاته منه وله ولا نتعدى القرآن والحديث، فنقول كما قال ونصفه كما وصف نفسه ولا نتعدى ذلك ولا تبلغه صفة الواصفين (٣)، نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابهه، ولا نزيل عنه صفة من صفاته -بشناعة شنعت- (٤) ووصفًا وصف به نفسه من كلام ونزول (٥) وخلوة بعبده يوم القيامة، ووضعه كنفه (٦) عليه، هذا كله يدل على أن الله ﵎ يرى في الآخرة (٧)، والتحديد في هذا بدعة، والتسليم لله بأمره بغير صفة ولا حد، إلّا بما وصف به نفسه سميع بصير لم يزل متكلمًا عليمًا (٨) غفورًا عالم الغيب والشهادة علام

стр. 310

الغيوب، فهذه صفات وصف بها نفسه لا ترد ولا تدفع (١)، وهو على العرش بلا حد، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (٢) كيف شاء، المشيئة إليه والاستطاعة له، ليس كمثله شيء، وهو خالق كل شيء، وهو كما وصف نفسه سميع بصير بلا حد ولا تقدير، [وقال تعالى حكاية عنه] (٣) قول إبراهيم لأبيه: ﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ﴾ (٤) فثبت أن الله سميع بصير، فصفاته منه لا نتعدى القرآن والحديث، والخبر بضحك الله (٥)، ولا نعلم كيف ذلك إلّا بتصديق الرسول

стр. 311

وتثبيت (١) القرآن، لا يصفه الواصفون ولا يحده أحد، تعالى الله عما يقوله (٢) الجهمية والمشبهة. قلت له: والمشبهة ما يقولون؟ قال: من قال بصر كبصري، ويد كيدي -وقال حنبل في موضع آخر: وقدم كقدمي- فقد شبه الله بخلقه، وهذا يحده، وهذا كلام سوء، وهذا محدود، الكلام في هذا لا أحبه. قال عبد الله: جردوا القرآن (٣). وقال النبي ﷺ : "يضع قدمه" (٤) نؤمن به ولا نحده ولا نرده على

стр. 312

رسول الله ﷺ ، بل نؤمن به، قال الله ﵎: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١)، فقد أمرنا الله بالأخذ بما جاء، والنهي عما نهى، وأسماؤه وصفاته غير مخلوقة، ونعوذ بالله من الزلل والارتياب والشك، إنه على كل شيء قدير. قال الخلال: وزادني (٢) أبو القاسم ابن (٣) الجبلي (٤) عن (٥) حنبل في هذا الكلام، وقال ﵎: ﴿لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (٦) ﴿لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ (٧) هذه صفات الله وأسماؤه ﵎. وقد روى البخاري في صحيحه (٨) عن سعيد بن جبير (٩) عن ابن

стр. 313

عباس قال: قال رجل (١) لابن عباس: إني أجد في القرآن أشياء تختلف علي، قال: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ (٢) ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ (٣)، ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ (٤)، ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ (٥) فقد كتموا في هذه الآية، وقال: ﴿أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ إلى قوله: ﴿دَحَاهَا﴾ (٦)، فذكر خلق السماء قبل خلق الأرض، ثم قال: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ إلى ﴿طَائِعِينَ﴾ (٧)، فذكر في هذه الآية خلق الأرض قبل السماء، وقال: وكان الله غفورًا رحيمًا، وكان الله (٨) عزيزًا حكيمًا، وكان الله (٤) سميعًا بصيرًا، فكأنه كان، ثم مضى. فقال: لا أنساب (٩) في النفخة الأولى: ثم نفخ (١٠) في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، فلا أنساب بينهم (١١) عند ذلك ولا يتساءلون. ثم في النفخة الآخرة أقبل بعضهم على بعض يتساءلون.

стр. 314

وأما قوله: ﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ (١) ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ (٢) فإن الله يغفر (٣) لأهل الإخلاص ذنوبهم [و] (٤) قال المشركون تعالوا نقول (٥): لم نكن (٦) مشركين، فختم على أفواههم فتنطق أيديهم، فعند ذلك عرف (٧) أن الله لا يكتم حديثًا وعنده ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٨) الآية، وخلق الأرض في يومين، ثم خلق السماء، ثم استوى إلى السماء فسواهن في يومين آخرين، ثم دحا الأرض، ودحيها (٩) أن أخرج منها الماء والمرعى، وخلق الجبال (١٠) والآكام وما بينهما في يومين آخرين، فخلقت (١١) الأرض وما فيها من شيء في أربعة أيام، وخلقت السموات في يومين، وكان الله غفورًا رحيمًا، سمى نفسه بذلك (١٢)، وذلك قوله: إني (١٣) لم أزل كذلك، فإن الله لم يرد شيئًا إلّا أصاب به الذي أراد، فلا يختلف عليك القرآن فإن كلًّا من عند الله. هكذا رواه البخاري مختصرًا.

стр. 315

ورواه البرقاني في صحيحه (١) من الطريق التي (٢) أخرجها البخاري بعينها من طريق شيخ البخاري (٣) بعينه بألفاظه التامة (٤) أن ابن عباس جاءه رجل فقال: يا ابن عباس إني أجد في القرآن أشياء تختلف علي، فقد وقع ذلك (٥) في صدري، فقال ابن عباس: أتكذيب (٦)؟ فقال الرجل:

стр. 316

ما هو بتكذيب ولكن اختلاف، قال (١): فهلم ما وقع في نفسك، فقال له الرجل: أسمع الله يقول: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ (٢)، وقال في آية أخرى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ (٣)، وقال في آية أخرى: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ (٤)، وقال في آية أخرى ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ (٥)، فقد كتموا في هذه الآية، وفي قوله: ﴿أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾ (٦)، فذكر في هذه الآية خلق السماء قبل الأرض، وقال في الآية الأخرى: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (٧) وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٨) ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (٩) ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (١٠) وكأنه كان ثم انقضى، فقال ابن عباس: هات ما في نفسك من هذا، فقال السائل: إذا أنبأتني بهذا

стр. 317

فحسبي، قال ابن عباس: قوله فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون [فهذا في النفخة الأولى ينفخ في الصور فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلّا من شاء الله، فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون] (١) ثم إذا كان في النفخة الأخرى قاموا فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون، وأما قول الله : ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ (٢) وقوله: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ (٣) فإن الله تعالى يغفر يوم القيامة (٤) لأهل الإخلاص ذنوبهم لا يتعاظم عليه ذنب أن يغفره، ولا يغفر شركًا، فلما رأى (٥) المشركون، قالوا: إن ربنا يغفر الذنوب ولا يغفر الشرك، تعالوا نقول: إنا كنا أهل ذنوب ولم نك (٦) مشركين، فقال الله تعالى: أما إذا كتموا الشرك فأختم على أفواههم، فتنطق أيديهم وأرجلهم بما كانوا يكسبون، فعند ذلك عرف المشركون أن الله لا يكتم حديثًا فذلك قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ (٧). وأما قوله: ﴿أمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ (٨) فإنه خلق الأرض في يومين قبل خلق السماء، ثم استوى إلى السماء فسواهن في يومين آخرين يعني: ثم دحى الأرض، ودحيها أن أخرج منها الماء والمرعى وشق فيها الأنهار وجعل

стр. 318

فيها السبل، وخلق الجبال والرمال والآكام وما فيها، في يومين آخرين، فذلك قوله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ (١)، وقوله: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ (٢) وجعلت السماوات (٣) في يومين آخرين. وأما قوله ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (٤) ﴿غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٥) ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (٦) فإن الله جعل نفسه ذلك، وسمى نفسه ذلك، ولم ينحله أحدًا (٧) غيره، وكان الله، أي: لم يزل كذلك، ثم قال ابن عباس: احفظ عني ما حدثتك واعلم أن ما اختلف عليك من القرآن أشباه ما حدثتك، فإن الله لم ينزل شيئًا إلّا أصاب به الذي أراد، ولكن الناس لا يعلمون، فلا يختلف عليك القرآن، فإن كلًّا من عند الله. وهكذا رواه يعقوب بن سفيان (٨) في. . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 319

تاريخه (١) عن شيخ البخاري، كما رواه البرقاني، وإنما يختلفان في يسير من الأحرف (٢). وما ذكره أئمة السنة والحديث متعين (٣) لما جاء من الأثار من أنه سبحانه لم يزل كاملًا بصفاته، لم تحدث له صفة ولا تزول عنه صفة ليس هو بمخالف لقولهم: إنه ينزل كما يشاء (٤)، ويجيء يوم القيامة كما يشاء (٥)، وإنه استوى على العرش بعد أن خلق السموات، وأنه يتكلم إذا

стр. 320

شاء، وأنه خلق آدم بيديه (١)، ونحو ذلك من الأفعال القائمة
следующие страницы →