← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 17581

التسعينية

ابن تيمية

Полный текст (1 060 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

أصحاب النبي من النبي ﷺ فالقرآن كلام الله غير مخلوق، ولا نشك ولا نرتاب فيه (١)، وأسماء الله تعالى في القرآن وصفاته في القرآن. القرآن (٢) من علم الله وصفاته منه، فمن زعم أن القرآن مخلوق فهو كافر، والقرآن كلام الله غير مخلوق، منه بدأ، وإليه يعود، فقد (٣) كنا نهاب الكلام في هذا حتَّى أحدث هؤلاء ما أحدثوا، وقالوا [ما قالوا] (٤) ودعوا الناس إلى ما دعوهم إليه، فبان لنا أمرهم، وهو الكفر بالله العظيم). ثم قال أبو عبد الله: لم يزل الله عالمًا متكلمًا، نعبد الله بصفات (٥) غير محدودة ولا معلومة إلَّا بما وصف بها نفسه، سميع عليم غفور رحيم عالم الغيب والشهادة علام الغيوب، فهذه صفات الله ﵎ وصف بها نفسه لا تدفع (٦) ولا ترد، وهو على العرش بلا حد، كما قال ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (٧)، كيف شاء، المشيئة إليه، والاستطاعة له ﴿ليَسَ كَمِثلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ الْسَّمِيْعُ الْبَصَيْرُ﴾ (٨) لا يبلغ وصفه الواصفون (٩)، وهو كما وصف نفسه، نؤمن بالقرآن محكمه ومتشابهه، كل من عند ربنا، قال الله - تعالى - ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ

стр. 352

عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ (١) نترك الجدال في القرآن والمراء فيه (٢)، لا نجادل ولا نماري، ونؤمن به كله، ونرده إلى عالمه ﵎ فهو أعلم به، منه بدأ، وإليه يعود. قال أبو عبد الله: وقال لي عبد الرحمن بن إسحاق: كان الله ولا قرآن، فقلت مجيبًا له: كان الله، ولا علم، فالعلم من الله وله، وعلم الله منه، والعلم غير مخلوق، فمن قال: إنه مخلوق، فقد كفر بالله وزعم أن الله مخلوق، فهذا الكفر الصريح البين (٣). قال (٤): (وسمعت عبد الله بن أحمد قال: ذكر أبو بكر الأعين قال: سئل أحمد بن حنبل عن تفسير قوله: القرآن كلام الله منه خرج وإليه يعود. فقال أحمد: منه خرج: هو المتكلم [به] (٥) وإليه يعود). قال الخلال (٦): (أخبرني حرب بن إسماعيل الكرماني، حدثنا (٧) أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم، يعني ابن راهوية، عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال: أدركت الناس منذ سبعين سنة، أدركت أصحاب النبي ﷺ فمن دونهم يقولون: الله خالق وما سواه مخلوق، إلَّا القرآن، فإنه كلام الله، منه خرج، وإليه يعود. قال الخلال (٨): حدثني عبد الله بن أحمد، حدثني محمد بن

стр. 353

إسحاق الصاغاني (١)، حدثني أبو حاتم الطويل قال: قال وكيع: من قال: إن كلام الله ليس منه فقد كفر، ومن قال: إن شيئًا منه مخلوق (٢) فقد كفر). وروى أبو القاسم اللالكائي (٣) قال: (ذكر أحمد بن فرح (٤) الضرير، (قال) حدثنا (٥) علي بن الحسن (٦) الهاشمي [قال] (٧)

стр. 354

حدثنا (١) عمي قال: سمعت وكيع بن الجراح يقول: من زعم أن القرآن مخلوق فقد زعم أن شيئًا من الله مخلوق، فقلت: يا أبا سفيان من أين قلت هذا؟ قال: لأن (٢) الله يقول: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ (٣) ولا يكون شيء من الله مخلوقًا (٤)). قال اللالكائي (٥): (وكذلك فسره أحمد بن حنبل، ونعيم بن حماد والحسن بن الصبّاح البزار، وعبد العزيز بن يحيى الكناني) (٦). فهذا لفظ وكيع بن الجراح -الَّذي سماه زرقان - (٧) وهو لفظ سائر الأئمة الذين (٨) حرف محمد بن شجاع قولهم، فإن قولهم: كلام الله من الله: يريدون به شيئين: أحدهما: أنَّه صفة من صفاته، والصفة مما تدخل (٩) في مسمى اسمه وهذا كما قال الإمام أحمد (١٠): فالعلم من الله وله، وعلم الله

стр. 355

منه، وكقوله: صفاته منه، وقوله وقول غيره من الأئمة: ما وصف الله من نفسه وسمى من نفسه، ولاريب أن هذا يقال في سائر الصفات كالقدرة والحياة والسمع والبصر وغير ذلك، فإن هذه الصفات كلها من الله، أي: مما تدخل في مسمى اسمه. والثاني: يريدون بقولهم: كلام الله منه: أي خرج منه وتكلم به كقوله تعالى: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إلا كَذِبًا﴾ (١) وذلك كقوله: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ (٢) وقوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (٣). وهذا اللفظ والمعنى مما (٤) استفاضت به الآثار، كما قد تقدم روايته (٥) عن ابن عباس (٦) أنَّه كان في جنازة، فلما وضع الميت في لحده

стр. 356

قام رجل وقال: اللهم رب القرآن اغفر له، فوثب إليه ابن عباس فقال: مه القرآن منه، وفي الرواية الأخرى، فقال ابن عباس: القرآن كلام الله، وليس بمربوب منه خرج وإليه يعود. وقد رواه الطبراني في كتاب السنة (١) -أيضًا- ثنا أحمد بن القاسم بن مساور الجوهري، ثنا عاصم بن علي، حدثنا أبي، عن عمران بن حدير عن عكرمة، قال: كان ابن عباس في جنازة، فلما وضع الميت في لحده قام رجل فقال: اللهم ربّ القرآن أوسع عليه مدخله، اللهم ربّ القرآن اغفر له، فالتفت إليه ابن عباس فقال: مه القرآن كلام الله وليس بمربوب منه خرج وإليه يعود. وقال الخلال (٢): حدثني المروذي في الكتاب (٣) الَّذي عرضه على

стр. 357

أحمد بن حنبل قال (١): قد أخبرني شيخ أنَّه سمع ابن عيينة يقول: القرآن خرج من الله. قال (٢): وحدثنا أبو عبد الله، يعني: أحمد بن حنبل (٣)، حدثنا ابن مهدي عن معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن زيد بن أرطأة، عن جبير بن نفير، قال: قال رسول الله ﷺ : "إنكم لن ترجعوا إلى الله بشيء أفضل مما خرج منه" يعني القرآن (٤). قال (٥): وحدثنا عباس الوراق وغيره عن أبي النضر هاشم بن القاسم ثنا (٦) بكر بن خنيس (٧) عن ليث بن أبي سليم، عن زيد بن

стр. 358

أرطأة، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ : ". . . ما تقرب العباد إلى الله بمثل ما خرج منه" (١) يعني القرآن (٢)، الحديث. قلت: والأول المرسل (٣) أثبت من هذا، وقد رواهما [الترمذي] (٤) فقال: حدثنا أحمد بن منيع، ثنا أبو النضر، ثنا بكر بن خنيس (٥)، عن ليث بن أبي سليم، عن زيد بن أرطأة، عن أبي أمامة

стр. 359

قال: قال رسول الله (١) ﷺ : "ما أذن الله لعبد في شيء أفضل من ركعتين يصليهما، وإن البر ليذر على رأس العبد ما دام في صلاته، وما تقرب العباد إلى الله بمثل ما خرج منه". قال أبو النضر يعني القرآن. قال الترمذي (٢): هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وبكر بن خنيس (٣)، قد تكلم فيه ابن المبارك، وتركه في آخر أمره. وقد روى هذا الحديث عن زيد بن أرطأة عن جبير بن نفير عن النبي ﷺ مرسلًا (٤)، حدثنا بذلك إسحاق بن منصور ثنا عبد الرحمن بن مهدي عن معاوية عن العلا بن الحارث، عن زيد بن أرطاة، عن جبير بن نفير، قال: قال النبي ﷺ : "إنكم لن ترجعوا إلى الله بأفضل مما خرج منه" يعني القرآن (٥). وروى أبو القاسم اللالكائي (٦) حديث عمرو بن دينار المتقدم، وذكره من طريق محمد بن جرير الطبري، ثنا (٧) محمد بن أبي منصور الأملي (٨)،. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 360

ثنا (١) الحكم بن محمد أبو (٢) مروان الأبلي (٣) ثنا (٤) ابن (٥) عيينة، سمعت (٦) عمرو بن دينار يقول: أدركت مشايخنا والناس منذ سبعين سنة يقولون: القرآن كلام الله، منه بدأ وإليه يعود. قال اللالكائي (٧): وروى عبد العزيز بن منيب المروزي (٨)، عن ابن عيينة بهذا اللفظ. قال (٩): ورواه عبد الرحمن بن أبي حاتم عن محمد بن عمار بن

стр. 361

الحارث (١) ثنا (٢) أبو مروان الطبري بمكة، وكان فاضلًا، ثنا (٣) سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار، سمعت (٤) مشيختنا (٥) منذ سبعين سنة يقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق. قال محمد بن عمار: ومن مشيخته (٦) أصحاب رسول الله ﷺ ابن عباس، وجابر، وذكر جماعة. قال (٧): ورواه محمد بن مقاتل المروزي (٨)، سمعت (٩) أبا وهب -وكان من ساكني مكة، وكان رجل صدق- عن ابن عيينة: بهذا اللفظ.

стр. 362

وكذلك رواه يزيد بن وهب (١)، عن سفيان ومحمد بن عبد الله بن ميسرة (٢)، عن سفيان، بهذا اللفظ. قلت: وكذلك رواه البخاري (٣) عن الحكم بهذا اللفظ، لكنه اقتصر به على سفيان فقال: (حدثني الحكم بن محمد الطبري -كتبت عنه بمكة- ثنا (٤) سفيان ابن عيينة قال: أدركت مشيختنا (٥) منذ سبعين سنة، منهم عمرو بن دينار يقولون: القرآن كلام الله، وليس بمخلوق). ولم يروه اللالكائي هكذا عن غير البخاري. وإسحاق بن راهوية، قد أثبت اللفظين (٦) جميعًا عن ابن عيينة، عن عمرو، مكتمل الإسناد والمتن، وإنما سمى - والله أعلم - زرقان وكيعًا، لأنه كان من أعلم الأئمة بكفر الجهمية وباطن قولهم، وكان من أعظمهم ذمًّا لهم وتنفيرًا عنهم (٧)، فبلغ الجهمية من ذمه لهم ما لم يبلغهم من ذم غيره، إذ هم من أجهل الناس بالآثار النبوية وكلام السلف والأئمة، كما يشهد بذلك كتبهم، ومحمد بن شجاع هو (٨) مجروح متهم

стр. 363

في روايته، وترجمته في كتب الجرح والتعديل ترجمة معروفة، وتجريح حكام الجرح والتعديل له مشهور (١). قال البخاري في كتاب خلق الأفعال (٢): (حدثني أبو جعفر محمد بن عبد الله، حدثني محمد بن قدامة اللؤلؤي (٣) الأنصاري قال: سمعت وكيعًا يقول: لا تستخفوا بقولهم: القرآن مخلوق، فإنه من شر قولهم إنما (٤) يذهبون إلى التعطيل. قال البخاري (٥): (وقال وكيع: الرافضة (٦) شر من القدرية، والحرورية شر منهما، والجهمية شر هذه الأصناف، قال الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (٧). . . . . . .

стр. 364

ويقولون: لم يكلم، ويقولون: الإيمان بالقلب (١). قال البخاري (٢): (وقال وكيع: احذروا هؤلاء المرجئة، وهؤلاء الجهمية (٣)، والجهمية كفار، والمريسي (٤) جهيمي، وعلمتم كيف كفروا، قالوا: تكفيك (٥) المعرفة، وهذا كفر، والمرجئة يقولون: الإيمان قول بلا فعل، وهذا بدعة، فمن قال: القرآن مخلوق فهو كافر بما أنزل على محمد ﷺ يستتاب، فإن تاب وإلّا ضربت عنقه. قال (٦): وقال وكيع: على المريسي (٧) لعنة الله، يهودي هو (٨) أو نصراني. فقال (٩) له رجل: كان أبوه أو جده يهوديًّا أو نصرانيًّا؟ قال وكيع: وعلى أصحابه (١٠) لعنة الله، القرآن كلام الله، وضرب وكيع إحدى يديه على الأخرى وقال (١١): سيئ ببغداد يقال له المريسي يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه.

стр. 365

قال البخاري (١): (وسئل عبد الله بن إدريس (٢) عن الصلاة خلف أهل البدع فقال: لم يزل في الناس إذا كان فيهم مرضي (٣) أو عدل فصلّ خلفه، قلت: فالجهمية؟ قال: لا هذه من المقاتل، هؤلاء لا يصلى خلفهم، ولا يناكحون، وعليهم التوبة. وسئل حفص بن غياث (٤)، فقال فيهم ما قال ابن إدريس، قيل: فالجهمية؟ قال: لا (٥) أعرفهم (٦)، قيل له: قوم يقولون القرآن مخلوق، قال: لا جزاك الله خيرًا (٧)، أوردت على قلبي شيئًا لم يسمع به قط. قلت: فإنهم (٨) يقولونه، قال: هؤلاء لا يناكحون ولا تجُوز شهادتهم.

стр. 366

التسعينية تأليف شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية (٦٦١ هـ - ٧٢٨ هـ) دراسة وتحقيق الدكتور محمد بن إبراهيم العجلان عضو هيئة التدريس بقسم العقيدة والمذاهب المعاصرة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية [المجلد الثاني]

стр. 367

وسئل ابن عيينة فقال: نحو ذلك، قال (١): فأتيت وكيعًا فوجدته من أعلمهم بهم، فقال: يكفرون من وجه كذا، ويكفرون من وجه كذا، حتَّى أكفرهم من كذا وكذا وجهًا. قلت: وهكذا رأيت الجاحظ (٢)، قد شنع على حماد بن سلمة (٣) ومعاذ بن معاذ (٤) قاضي البصرة بما لم يشنع به [على] (٥) غيرهما، لأن حمادًا كان معتنيًا بجمع أحاديث الصفات وإظهارها، ومعاذًا لمّا تولى القضاء رد شهادة الجهمية والقدرية، فلم يقبل شهادة المعتزلة، ورفعوا عليه إلى الرشيد، فلما اجتمع به حمده على ذلك وعظمه، فلأجل معاداتهم لمثل هؤلاء، الذين هم أئمة في السنة، يشنعون عليهم. بما إذا (٦) حقق لم يوجد مقتضيًا لذم. وأما ما حكاه الأشعري عن محمد بن شجاع أن فرقة قالت: إن

стр. 368

القرآن هو الخالق، وفرقة قالت: هو بعضه، فقد ذكر الخلال في كتاب السنة ترجمة محمد بن شجاع، وسبب أمر أحمد أهل السنة بهجره. فروى الخلال (١) من مسائل أبي الحارث قال: قلت لأبي عبد الله: قال لي ابن الثلاج: سمعت رجلًا يقول: القرآن هو الله، فقال له (٢) عمه: إنا بتنا عند أحمد بن نصر وكان ابن الثلاج معنا، وكان عباس الأعور، فتلى عباس (٣) هذه الآية: ﴿فَإِنَّ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ﴾ (٤) قال: إلى كتاب الله، فهو يتأول عليه هذا، قلت له: إنا قلنا (٥) لابن الثلاج: تقول (٦) إن لله علمًا؟ قال: أنا لا أقول إن لله علمًا، فقال أبو عبد الله: استغفر الله (٧). وقلت له: إني سمعته يقول: كلام الله غير الله، فقال: دعه يقول ما شاءكم يقول لي، قال: ابن الثلاج وشكاني. قلت: فقد تبين بهذا أصل حكايته، وهو أَنْ ذكر أنّ الرد إلى الله هو الرد إلى القرآن، فنقل عنه أن القرآن هو الله، ولعله كان من مقصود ذاك أن يستدل على أن القرآن صفة الله، وأن الرد إليه هو الرد إلى الله نفسه، لأنه هو كلامه القائم به، كما أن الرد إلى الرسول هو الرد إلى كلامه الَّذي قام به، وأنه لو كان القرآن إنما هو قائم ببعض الأجسام المخلوقة، لكان الرد إليه ردًّا إلى ذلك الجسم المخلوق، لا إلى الله تعالى، فنقل عنه أنَّه جعل القرآن هو الخالق، وهذا ابن الثلاج كان من

стр. 369

أصحاب بشر المريسي فأظهر التوبة من ذلك، وأظهر الوقف في لفظ المخلوق، دون لفظ المحدث، كما حكاه الأشعري عنه (١)، ومقصوده مقصود من يقول: هو مخلوق، وعرف الأئمة حقيقة حاله، فلم يقبل الإمام أحمد وسائر أهل السنة هذه التوبة، لأنها توبة غير صحيحة، حتَّى كان يعادي أهل السنة ويكذب عليهم، حتَّى كذب على الإمام أحمد غير مرة (٢)، وقد ذكر قصته أبو عبد الله الحسين بن عبد الله الخرقي - خليفة المروذي (٣)، والد أبي القاسم صاحب المختصر في الفقه (٤) - في قصص الذين أمر أحمد بهجرانهم، ومسألته للمروذي عنهم واحدًا واحدًا (٥)، وأخبار المروذي (٦) له بما كان عنده في ذلك. ونقل الخلال من (٧) أخباره في كتاب السنة ما يوضح الأمر، فقال:

стр. 370

أخبرني الحسين بن عبد الله قال: سألت أبا بكر المروذي (١) عن قصة ابن الثلاج، فقال، قال لي: أبو عبد الله جاءني هارون الحمال (٢) فقال: إن ابن الثلاج تاب من صحبة المريسي، فأجيء به إليك؟ قال قلت: لا ما (٣) أريد أن يراه أحد على بابي، قال: أحب أن أجيء به بين المغرب والعشاء، فلم يزل يطلب إلي، قال قلت: هو ذا يقول أجب (٤)، فأي شيء أقول لك، قال: فجاء به، فقلت له: اذهب حتَّى تصح توبتك (٥) وأظهرها، ثم رجع فبلغنا أنَّه أظهر الوقف، قال أبو بكر المروذي (٦): فمضيت ومعي نفسان من أصحابنا فقلت له: قد بلغني عنك شيء (٧)، ولم أصدق به، قال: وما هو؟ قلت: تقف (٨) في القرآن، فقال: أنا أقول كلام الله، فجعل يحتج بيحيى بن آدم وغيره أنهم وقفوا، فقلمت له: هذا من الكتاب الَّذي أوصى لكم به عبيد بن نعيم، فقال: لا تذكر الناس فقلت له: أليس أجمع المسلمون جميعًا أنَّه من حلف بمخلوق أنَّه لا كفارة عليه؟ قال: نعم، قلت: فمن حلف بالقرآن أليس قد أوجبوا عليه كفارة لأنه حلف بغير مخلوق؟ فقال: هذا متاع أصحاب الكلام،

стр. 371

ثم قال: إنما أقول كلام الله كما أقول سماء (١) الله وأرض الله (٢)، ثم قال: وأي شيء (٣) قام به أحمد بن حنبل؟ ثم قال: قد (٤) علموكم الكلام، وأومأ إلى ناحية الكرخ (٥) يريد أبا ثور وغيره، فقمنا من عنده فما كلمناه حتَّى مات. وروى الخلال من وجهين عن زياد بن أيوب (٦) قال: قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله علماء الواقفة جهمية؟ قال: نعم مثل ابن الثلجي وأصحابه الذين يجادلون. قلت: ولو فرض أن بعض أهل الإثبات أطلق القول بأن القرآن أو غيره من الصفات بعضه (٧)، فهذا إما أن ينكر لأنه يقال: الصفة القائمة بالموصوف كالعلم والكلام لا يقال: هي بعضه، أو لأن الرب تبارك

стр. 372

وتعالى لا يقال: إن له بعضًا كما للأجسام بعض، فإن كان الإنكار (١) لأجل الأول فأهل الكلام متنازعون في صفات الجسم، هل يقال: إنها بعض الجسم؟ أو يقال: هي غيره؟ أو لا يقال: هي غيره؟. فذكر الأشعري (٢): عن ضرار بن عمرو (٣) أنَّه قال: (الألوان والطعوم والأراييح (٤) والحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة والرقة (٥) أبعاض الأجسام وأنها متجاورة، قال: وحكى عنه مثل ذلك في الاستطاعة والحياة. وزعم أن الحركات والسكون وسائر الأفعال التي تكون من الأجسام أعراض لا أجسام. وحكى عنه في التأليف (٦) أنَّه كان يثبته بعض الجسم.

стр. 373

فأما غيره ممن كان يذهب إلى (١) قوله في الأجسام، فإنه كان (٢) يثبت التأليف والاجتماع والافتراق والاستطاعة غير الأجسام. وقطع عنه الأشعري في موضع (٣) أنَّه: "كان يزعم أن الاستطاعة قبل الفعل ومع الفعل، وأنها بعض المستطيع، وأن الإنسان أعراض مجتمعة وكذلك الجسم أعراض مجتمعة من لون، وطعم، ورائحة، وحرارة، وبرودة، ومجسة (٤)، وغير ذلك. وأن الأعراض قد يجوز (٥) أن تنقلب (٦) أجسامًا، ووافقه على ذلك حفص الفرد (٧)، وغيره (٨)،

стр. 374

وإن الإنسان (١) قد يفعل الطول والعرض والعمق وإن [كان] (٢) ذلك أبعاض الجسم). قال (٣): (وقال الأصم: وهو عبد الرحمن بن كيسان الأصم، أستاذ إبراهيم بن إسماعيل بن علية (٤) الَّذي كان يناظر: لا (٥) أثبت إلا الجسم الطويل العريض العميق، ولم يثبت حركة غير الجسم، ولا يثبت سكونًا غيره، ولا قيامًا غيره (٦)، ولا قعودًا غيره، ولا اجتماعًا غيره (٧)، ولا حركة ولا سكونًا ولا لونًا ولا صوتًا ولا طعمًا غيره، ولا رائحة. قال الأشعري: فأما بعض أهل النظر ممن يزعم أن الأصم قد علم الحركات والسكون والألوان ضرورة، وإن لم يعلم أنها غير الجسم -فإنه يحكي عنه أنَّه كان لا يثبت الحركة والسكون وسائر الأفعال غير (٨) الجسم. . . ولا يحكي عنه أنَّه كان لا يثبت حركة ولا سكونًا ولا قيامًا ولا قعودًا ولا اجتماعًا ولا افتراقًا على وجه من الوجوه، وكذلك يقول في سائر الأعراض). قلت: هذا القول الثاني إنها ثابتة لكن ليست غير الجسم هو الَّذي

стр. 375

قد يقوله بعض العقلاء، فأما نفي وجودها فهو سفسطة (١) من جنس نفي الجسم، وهذا القول هو قول غير هذا مثل هشام بن الحكم وغيره. قال الأشعري (٢): (وقال هشام بن الحكم: الحركات وسائر الأفعال من القيام والقعود والإرادة والكراهة والطاعة والمعصية وسائر ما يثبت المثبتون أعراضًا، إنها صفات الأجسام (٣) لا هي الأجسام ولا غيرها، إنها ليست بأجسام فيقع عليها التغاير. قال: وقد حكي هذا عن بعض المتقدمين، وأنه كان يقول كما حكينا عن هشام، وأنه لم يكن يثبت أعراضًا غير الأجسام. وحكي (٤) عن هشام أنَّه كان لا يزعم أن صفات الإنسان أشياء، لأن الأشياء هي الأجسام عنده، وكان يزعم أنها معان وليست بأشياء). قلت: وهشام يقول ذلك -أيضًا- في صفات الله: إنها ليست هو ولا غيره، وطرد القول في جميع الصفات (٥)، ودفع (٦) بذلك ما كانت المعتزلة تورده على الصفاتية من التناقض (٧)، قال (٨): (وقال قائلون منهم أبو الهذيل، وهشام وبشر بن المعتمر، وجعفر (٩) بن حرب،

стр. 376

والإسكافي وغيرهم: الحركات والسكون، والقيام والقعود، والاجتماع والافتراق، والطول والعرض، والألوان والطعوم والأراييح (١) والأصوات والكلام والسكوت والطاعة والمعصية، والكفر والإيمان، وسائر أفعال الإنسان، والحرارة والبرودة، والرطوبة واليبوسة، واللين والخشونة، أعراض غير الأجسام). قال (٢): (وحكى زرقان عن جهم بن صفوان أنَّه كان يزعم أن الحركة جسم، ومحال أن تكون غير الجسم، لأن غير الجسم هو الله تعالى ولا يكون (٣) شيء يشبهه). قال (٤): وكان إبراهيم النظام -فيما حكي عنه- يزعم أن الطول هو الطويل، وأن العرض هو العريض، وكان يثبت الألوان والطعوم والأرانيج (٥) والأصوات والآلام والحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة أجسامًا لطافًا، ويزعم أن حيز اللون هو حيز الطعم والرائحة، وأن الأجسام اللطاف قد تحل في حيز (٦) واحد، وكان لا يثبت عرضًا إلَّا الحركة فقط). قال (٧): (وكان عباد بن سليمان يثبت الأعراض غير الأجسام،

стр. 377

فإذا قيل له: تقول الحركة غير المتحرك، والأسود غير السواد؟ امتنع من ذلك، وقال: قولي في الجسم متحرك إخبار عن جسم وحركة، فلا يجوز أن أقول: الحركة غير المتحرك). قال (١): وقال قائلون من أصحاب الطبائع: إن الأجسام كلها من أربع طبائع: حرارة، وبرودة، ورطوبة ويبوسة، وإن الطبائع الأربع (٢) أجسام، ولم يثبتوا أشياء إلَّا هذه الطبائع الأربع (٣)، وأنكروا الحركات، وزعموا أن الألوان والطعوم والأراييج (٤) هي الطبائع الأربع. وقال قائلون منهم: إن الأجسام من أربع طبائع، وأثبتوا الحركات ولم يثبتوا عرضًا غيرها، وأثبتوا (٥) الألوان والأرايح (٦) من هذه الطبائع. وقال قائلون: الأجسام من أربع طبائع، وروح سابحة (٧) فيها، وإنهم لا يعقلون جسمًا إلَّا هذه الخمسة الأشياء، وأثبتوا الحركات أعراضًا. قال (٨): وقال قائلون: بإبطال الأعراض والحركات والسكون، وأثبتوا السواد وهو [عين] (٩) الشيء الأسود لا غيره، وكذلك البياض وسائر الألوان وكذلك الحلاوة والحموضة وسائر الطعوم، وكذلك قولهم في الأرايح (١٠). . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 378

وفي (١) الحرارة: إنها [عين] (٢) الشيء الحار (٣)، وكذلك قولهم في الرطوبة والبرودة واليبوسة، وكذلك قولهم في الحياة: إنها هي الحي، وهؤلاء منهم من يثبت حركة الجسم وفعله غيره، ومنهم من لا يثبت عرضًا غير الجسم على وجه من الوجوه. قلت: هذا القول في صفات المخلوقين يضاهي قول شيخ المعتزلة أبي الهذيل في صفات الله. قال الأشعري (٤): (قال شيخهم أبو الهذيل العلّاف: إن علم الباري تعالى هو هو، وكذلك قدرته وسمعه وبصره وحكمته وكذلك كان [قوله] (٥) في سائر صفات ذاته. وكان يزعم [أنَّه] (٦) إذا زعم أن الباري عالم فقد ثبت (٧) علمًا هو الله، ونفى عن الله جهلًا، ودل على معلوم كان أو يكون. وإذا قال: إن الباري قادر فقد ثبت (٨) قدرة هي الله تعالى، ونفى عن الله عجزًا (٩)، ودل على مقدور كان أو يكون (١٠)، وكذلك [كان] (١١) قوله في سائر صفات الذات على هذا التثبيت (١٢). وكان إذا

стр. 379

قيل له: حدثنا عن علم الله الَّذي هو الله، أتزعم أنَّه قدرته؟ أبى (١) ذلك، وإذا (٢) قيل له: فهو غير قدرته؟ أنكر ذلك، وهذا نظير ما أنكره من قول مخالفيه: إن علم الله لا يقال: هو الله، ولا يقال غيره. وكان إذا قيل له: [إذا قلت: إن علم الله هو الله] (٣)، فقل: إن الله علم، ناقض ولم يقل إنه علم مع قوله: إن علم الله هو الله. قال (٤): (وكان يسأل من يزعم أن طول الشيء هو هو (٥)، وكذلك عرضه: هل طوله هو عرضه؟ قال (٦): وهذا راجع عليه في قوله: إن علم الله هو الله، وإن قدرته هي هو لأنه إذا كان علمه هو هو، وقدرته هو هو، فواجب أن يكون علمه هو قدرته وإلّا لزم التناقض. قال (٧): وهذا أخذه أبو الهذيل عن أرسطاطاليس، وذلك أن أرسطاطاليس قال في بعض كتبه: إن الباري علم كله، قدرة كله، حياة كله، بصر كله، فحسن اللفظ عند نفسه، وقال: علمه هو هو) [وقدرته هي هو] (٨).

стр. 380

قلت: هو قول أرسطو وأصحابه: إن العقل والعاقل والمعقول شيء واحد (١)، وكذلك العلة (٢).

стр. 381

قلت: فهذه نقول أهل الكلام بعضهم عن بعض، أنهم يجعلون الصفة هي الموصوف في الخالق والمخلوق، فأولاء يناسب قولهم: إن الكلام هو المتكلم. وأما أهل السنة والإثبات فقد ظهر كذب النقل عنهم. وأما إطلاق القول بأن الصفة بعض الموصوف، أو أنها ليست غيره فقد قال ذلك طوائف من أئمة أهل الكلام وفرسانهم، وإذا حقق الأمر في كثير من هذه المنازعات، لم يجد (١) العاقل السليم العقل يخالف (٢) ضرورة العقل لغير غرض، بل كثير من المنازعات يكون لفظيًّا أو اعتباريًّا فمن قال: إن الأعراض بعض الجسم، أو إنها ليست غيره، ومن قال: إنها غيره، يعود النزاع بين محققيهم إلى لفظ واعتبار (٣)، واختلاف اصطلاح في مسمى بعض وغير. كما قد أوضحنا ذلك في بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية (٤)، ويسمى -أيضًا- تخليص التلبيس من كتاب التأسيس، الَّذي وضعه أبو عبد الله الرازي في نفي الصفات الخبرية [وبنى نفي ذلك] (٥) على أن ثبوتها يستلزم افتقار الرب - تعالى - إلى غيره، وتركيبه من الأبعاض، وبينا ما في ذلك من الألفاظ المشتركة المجملة، فهذا إن كان أحد أطلق لفظ البعض على الذات وغيره من الصفات، وقال: إنه بعض الله، وأنكر ذلك عليه، لأن الصفة ليست (٦)

стр. 382

غير الموصوف مطلقًا، وإن كان الإنكار لأنه لا يقال في صفات الله لفظ البعض، فهذا اللفظ قد نطق به أئمة الصحابة والتابعين وتابعيهم، ذاكرين وآثرين. قال أبو القاسم الطبراني في كتابه السنة (١): حدثنا حفص بن عمرو حدثنا عمرو بن عثمان الكلابي، حدثنا موسى بن أعين، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: (إذا أراد الله أن يخوف عباده أبدى عن بعضه للأرض، فعند ذلك تزلزلت، وإذا أراد الله أن يدمدم على قوم تجلى لها . وقد جاء في الأحاديث المرفوعة في تجليه - سبحانه - للجبل، ما رواه الترمذي في جامعه (٢): ثنا عبد الله بن عبد الرحمن، يعني

стр. 383

الدارمي (١)، أنبأنا (٢) سليمان بن حرب، ثنا حماد بن سلمة، عن ثابت عن أنس، أن النبي ﷺ قرأ هذه الآية ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ (٣) قال حماد: هكذا، وأمسك سليمان بطرف إبهامه على أنملة إصبعه اليمنى قال: فساخ (٤) الجبل ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ (٣). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب (٥)، لا نعرفه إلَّا من حديث حماد بن سلمة. وقال أبو بكر بن أبي عاصم في كتاب السنة (٦): (ثنا حسين بن الأسود، ثنا عمرو بن محمد العنقزي (٧)، ثنا أسباط، عن السدي، عن عكرمة عن ابن عباس ﴿فَلَمَّا تَجَلى رَبَّهُ لِلْجَبَلِ﴾ (٨) قال: ما تجلى منه (٩) إلَّا مثل الخنصر قال فجعله ﴿دَكًّا﴾ (٨) قال: ترابًا (وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ (٨)

стр. 384

غشي عليه ﴿فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ (١) من (٢) أن أسألك الرؤية ﴿وَأنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١) قال: أول من آمن بك من بني إسرائيل). ورواه الطبراني (٣) قال: ثنا محمد بن إدريس بن عاصم الحمال، ثنا إسحاق بن راهوية، ثنا عمرو بن محمد العنقزي (٤)، فذكره عن ابن عباس ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ (٥) قال (٦): ما تجلى منه إلَّا مثل الخنصر فـ ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ (٥) قال: ترابًا. ورواه البيهقي في كتاب إثبات الرؤية (٧) له: أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن إسحاق، يعني الصاغاني (٨)، ثنا عمرو بن طلحة في التفسير، ثنا أسباط عن السدي عن عكرمة عن ابن عباس أنَّه قال: تجلى منه مثل طرف الخنصر، فجعله دكًّا.

стр. 385

والصاغاني (١) ومن فوقه إلى عكرمة روى لهم مسلم في صحيحه، وعكرمة روى له البخاري في صحيحه، وروى الثوري، وحماد بن سلمة، وسفيان بن عيينة (٢) بعضهم عن ابن أبي نجيح، [وبعضهم عن منصور، (٣) عن مجاهد عن عبيد بن عمير في قوله في قصة داود ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَئَابٍ﴾ (٤) قال يدنيه حتَّى يمس بعضه، وهذا متواتر عن هؤلاء. وممن رواه الإمام أبو بكر أحمد بن عمرو بن [أبي] (٥) عاصم النبيل في كتابه السنة (٦): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة [عن] (٧) وكيع عن سفيان عن منصور (٨)، عن مجاهد عن عبيد بن عمير ﴿وَإِنَ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى﴾ (٩) قال: ذلك (١٠) الدنو منه حتَّى إنه يمس بعضه (١١). وقال (١٢): حدثنا أبو بكر ثنا ابن فضيل عن ليث، عن مجاهد

стр. 386

﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُوْدًا﴾ (١) قال: يقعده معه على العرش. وقال الإمام أبو بكر بن أبي عاصم في كتاب السنة (٢): (ثنا فضيل بن سهل، ثنا عمرو بن طلحة القناد (٣)، ثنا أسباط بن نصر، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس أنَّه (٤) قال: ﴿وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ (٥) قال: إن النبي ﷺ رأى ربه فقال له رجل: أليس قد قال الله ﴿لَا

стр. 387

تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ (١)؛ فقال له عكرمة: أليس ترى السماء؟ قال: بلى. قال: أفكلها (٢) ترى؟. ففي هذا (٣) أن عكرمة أخبر قدام ابن عباس أن إدراك البصر هو (٤): رؤية المدرك كله دون رؤية بعضه، فالذي يرى السماء ولا يراها كلها لا يكون (٥) مدركًا لها (٦)، وجعل هذا تفسيرًا لقوله ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ (٧) وأقره ابن عباس على ذلك، ومع هذا فهؤلاء (٨) الذين نقل عنهم هذا اللفظ قد (٩) نقل عنهم -أيضًا- إنكار تبعضه وبين الناقلون معنى ذلك. قال الحافظ أبو الشيخ (١٠) الأصبهاني، في كتاب السنة: حدثني عبد الرحمن بن محمد الآملي، عن موسى بن عيسى بن حماد بن زغبة، ثنا نعيم بن حماد، ثنا نوح بن أبي (١١) مريم، عن إبراهيم بن ميمون،

стр. 388

عن عكرمة قال: جاء (١) نجدة الحروري إلى ابن عباس فقال: يا ابن عباس نبئنا كيف معرفتك بربك تبارك تعالى -فإن من قبلنا اختلفوا علينا؟ فقال ابن عباس: من نصب دينه (٢) على القياس لم يزل الدهر في التباس مائلًا عن المنهاج ظاعنًا (٣) في الاعوجاج، ضالًا عن السبيل، قائلًا غير جميل، أعرفه بما عرف به نفسه ﵎ من غير رؤية. قال نعيم: يعني في الدنيا، وأصفه بما وصف به (٤) نفسه، لا يدرك (٥) بالحواس، ولا يقاس بالناس، معروف بغير شبيه، ومتدان في بعده. قال نعيم: يقول: هو على العرش، ولا يخفى عليه خافية، لا نتوهم ديمومته (٦)، ولا يمثل بخليقته، ولا يجور في قضية (٧). الخلق إلى ما (٨) علم ينقادون (٩)، وعلى ما سطر في

стр. 389

المكنون (١) من كتابه ماضون، لا يعلمون بخلاف، ما منهم علم، ولا غيره يريدون، فهو قريب غير ملتزق يعني: قريبًا بعلمه، وبعيد (٢) غير منقض، يحقق ولا يمثل، ويوجد ولا يبعض، قال نعيم: لا يقال بعضه على العرش وبعضه على الأرض، يدرك بالآيات، ويثبت بالعلامات، هو الكبير المتعال (٣) ﵎. قلت: هذا الكلام في صحته عن ابن عباس نظر، والذي يغلب على الظن أنَّه ليس من كلام ابن عباس، ونوح بن أبي مريم له مفاريد من هذا النمط، ولكن لا ريب أن نعيم بن حماد ذكر ذلك في كتبه التي صنفها في الرد على الجهمية، وهو قد نفى تبعيضه بالمعنى الَّذي فسره، وهذا مما (٤) لا يستريب فيه المسلمون، وهذا مما دل عليه قوله سبحانه ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢)﴾ (٥) كما قد بسطنا الكلام فيه في موضعه (٦) في الكلام على من تأول هذه السورة على غير تأويلها. ولا ريب أن لفظ البعض والجزء والغير ألفاظ مجملة فيها إيهام وإبهام، فإنه قد يقال ذلك على ما يجوز أن يوجد منه شيء دون شيء بحيث يجوز أن يفارق بعضه بعضًا، وينفصل بعضه عن بعض، أو يمكن

стр. 390

ذلك فيه (١)، كما يقال حد الغيرين (٢): ما جاز مفارقة أحدهما للآخر، كصفات الأجسام المخلوقة من أجزائها وأعراضها، فإنه يجوز أن يتفرق وينفصل (٣)، والله سبحانه منزه عن ذلك كله، مقدس عن النقائص والآفات. وقد يراد بذلك ما يعلم منه شيء دون شيء، فيكون المعلوم ليس هو غير المعلوم، وإن كان لازمًا له لا يفارقه، والتغاير بهذا المعنى ثابت لكل موجود، فإن العبد قد يعلم وجود الحق، ثم يعلم أنَّه قادر ثم أنَّه عالم، ثم أنَّه سميع بصير، وكذلك رؤيته تعالى كالعلم به، فمن نفى عنه وعن صفاته التغاير والتبعيض بهذا المعنى فهو معطل جاحد للرب، فإن هذا التغاير لا ينتفي إلا عن المعدوم، وهذا قد بسطناه في كتاب بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية (٤) في الكلام على سورة الإخلاص وغير ذلك بسطًا بينًا، ومن علم ذلك زالت عنه الشبهات في هذا الباب، فقول (٥) السلف والأئمة: ما وصف الله من الله وصفاته منه وعلم الله من الله وله، ونحو ذلك مما استعملوا فيه (٦) لفظ من. وإن قال قائل معناه (٧) التبعيض -فهو تبعيض بهذا الاعتبار، كما
следующие страницы →