← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 17581

التسعينية

ابن تيمية

Полный текст (1 060 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُوْدًا﴾ (١) قال: يقعده معه على العرش. وقال الإمام أبو بكر بن أبي عاصم في كتاب السنة (٢): (ثنا فضيل بن سهل، ثنا عمرو بن طلحة القناد (٣)، ثنا أسباط بن نصر، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس أنَّه (٤) قال: ﴿وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ (٥) قال: إن النبي ﷺ رأى ربه فقال له رجل: أليس قد قال الله ﴿لَا

стр. 387

تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ (١)؛ فقال له عكرمة: أليس ترى السماء؟ قال: بلى. قال: أفكلها (٢) ترى؟. ففي هذا (٣) أن عكرمة أخبر قدام ابن عباس أن إدراك البصر هو (٤): رؤية المدرك كله دون رؤية بعضه، فالذي يرى السماء ولا يراها كلها لا يكون (٥) مدركًا لها (٦)، وجعل هذا تفسيرًا لقوله ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ (٧) وأقره ابن عباس على ذلك، ومع هذا فهؤلاء (٨) الذين نقل عنهم هذا اللفظ قد (٩) نقل عنهم -أيضًا- إنكار تبعضه وبين الناقلون معنى ذلك. قال الحافظ أبو الشيخ (١٠) الأصبهاني، في كتاب السنة: حدثني عبد الرحمن بن محمد الآملي، عن موسى بن عيسى بن حماد بن زغبة، ثنا نعيم بن حماد، ثنا نوح بن أبي (١١) مريم، عن إبراهيم بن ميمون،

стр. 388

عن عكرمة قال: جاء (١) نجدة الحروري إلى ابن عباس فقال: يا ابن عباس نبئنا كيف معرفتك بربك تبارك تعالى -فإن من قبلنا اختلفوا علينا؟ فقال ابن عباس: من نصب دينه (٢) على القياس لم يزل الدهر في التباس مائلًا عن المنهاج ظاعنًا (٣) في الاعوجاج، ضالًا عن السبيل، قائلًا غير جميل، أعرفه بما عرف به نفسه ﵎ من غير رؤية. قال نعيم: يعني في الدنيا، وأصفه بما وصف به (٤) نفسه، لا يدرك (٥) بالحواس، ولا يقاس بالناس، معروف بغير شبيه، ومتدان في بعده. قال نعيم: يقول: هو على العرش، ولا يخفى عليه خافية، لا نتوهم ديمومته (٦)، ولا يمثل بخليقته، ولا يجور في قضية (٧). الخلق إلى ما (٨) علم ينقادون (٩)، وعلى ما سطر في

стр. 389

المكنون (١) من كتابه ماضون، لا يعلمون بخلاف، ما منهم علم، ولا غيره يريدون، فهو قريب غير ملتزق يعني: قريبًا بعلمه، وبعيد (٢) غير منقض، يحقق ولا يمثل، ويوجد ولا يبعض، قال نعيم: لا يقال بعضه على العرش وبعضه على الأرض، يدرك بالآيات، ويثبت بالعلامات، هو الكبير المتعال (٣) ﵎. قلت: هذا الكلام في صحته عن ابن عباس نظر، والذي يغلب على الظن أنَّه ليس من كلام ابن عباس، ونوح بن أبي مريم له مفاريد من هذا النمط، ولكن لا ريب أن نعيم بن حماد ذكر ذلك في كتبه التي صنفها في الرد على الجهمية، وهو قد نفى تبعيضه بالمعنى الَّذي فسره، وهذا مما (٤) لا يستريب فيه المسلمون، وهذا مما دل عليه قوله سبحانه ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢)﴾ (٥) كما قد بسطنا الكلام فيه في موضعه (٦) في الكلام على من تأول هذه السورة على غير تأويلها. ولا ريب أن لفظ البعض والجزء والغير ألفاظ مجملة فيها إيهام وإبهام، فإنه قد يقال ذلك على ما يجوز أن يوجد منه شيء دون شيء بحيث يجوز أن يفارق بعضه بعضًا، وينفصل بعضه عن بعض، أو يمكن

стр. 390

ذلك فيه (١)، كما يقال حد الغيرين (٢): ما جاز مفارقة أحدهما للآخر، كصفات الأجسام المخلوقة من أجزائها وأعراضها، فإنه يجوز أن يتفرق وينفصل (٣)، والله سبحانه منزه عن ذلك كله، مقدس عن النقائص والآفات. وقد يراد بذلك ما يعلم منه شيء دون شيء، فيكون المعلوم ليس هو غير المعلوم، وإن كان لازمًا له لا يفارقه، والتغاير بهذا المعنى ثابت لكل موجود، فإن العبد قد يعلم وجود الحق، ثم يعلم أنَّه قادر ثم أنَّه عالم، ثم أنَّه سميع بصير، وكذلك رؤيته تعالى كالعلم به، فمن نفى عنه وعن صفاته التغاير والتبعيض بهذا المعنى فهو معطل جاحد للرب، فإن هذا التغاير لا ينتفي إلا عن المعدوم، وهذا قد بسطناه في كتاب بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية (٤) في الكلام على سورة الإخلاص وغير ذلك بسطًا بينًا، ومن علم ذلك زالت عنه الشبهات في هذا الباب، فقول (٥) السلف والأئمة: ما وصف الله من الله وصفاته منه وعلم الله من الله وله، ونحو ذلك مما استعملوا فيه (٦) لفظ من. وإن قال قائل معناه (٧) التبعيض -فهو تبعيض بهذا الاعتبار، كما

стр. 391

يقال: إنه تغاير بهذا الاعتبار، ثم كثير (١) من الناس يمتنع أو ينفي لفظ التغاير والتبعيض ونحو ذلك، وبعض الناس لا يمتنع من لفظ التغاير ويمتنع من لفظ التبعيض، وبعضهم لا يمتنع من اللفظين إذا فسر المعنى وأزيلت عنه الشبهة والإجمال الَّذي في اللفظ. ولا ريب أن الجهيمية تقول في هذا الباب ما هم متناقضون فيه تناقضًا معلومًا بالبديهة، ثم إن الَّذي ينفونه لا (٢) يتصف به إلّا المعدوم فيتناقضون ويعطلون، فإنهم يقولون: إن كونه واحدًا يمتنع أن يكون له صفة بوجه من الوجوه، لأن ذلك يوجب الكثرة والعددية، قالوا: ويجب تنزيهه عن ثبوت عدد وكثرة في وصفه أو قدره (٣)، ثم إنهم يضطرون إلى أن يقولوا: هو قديم حق، رب حي عليم قدير، ونحو ذلك من المعاني التي يمكن علمنا ببعضها دون بعض، والمعلوم ليس هو الَّذي ليس بمعلوم، وذلك يقتضي ما فروا منه مما سموه تعددًا وكثرة وتبعيضًا وتغايرًا، فهذا تناقضهم، ثم إن سلب ذلك لا يكون (٤) إلّا عن المعدوم، وأما الموجود فإما قديم وإما محدث، وإما موجود (٥) بنفسه وإما ممكن مفتقر إلى غيره، وإن (٦) الموجود إما قائم بنفسه، وإما قائم بغيره إلى غير ذلك من المعاني التي تتميز (٧) بها الموجودات بعضها عن بعض، إذ لكل موجود حقيقة خاصة يتميز بها، يعلم منها شيء دون شيء

стр. 392

وذلك هو التبعيض والتغاير الَّذي يطلقون إنكاره، وهذا أصل نفاة (١) الجهيمية المعطلة، وهم كما قال الأئمة: لا يثبتون (٢) شيئًا في الحقيقة. ولهذا قال الإمام أبو عمر بن عبد البر (٣): (الَّذي أقول: إنه إذا نظر (٤) إلى إسلام (٥) أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وسعد وسعيد وعبد الرحمن (٦)، وسائر المهاجرين والأنصار، وجميع الوفود الذين دخلوا في دين الله أفواجًا، علم أن الله لم يعرفه واحد منهم إلّا بتصديق النبيين وبأعلام (٧) النبوة، ودلائل الرسالة، لا من قبل حركة ولا سكون (٨)، ولا من باب الكل والبعض، ولا من باب كان ويكون، ولو كان النظر في الحركة والسكون عليهم واجبًا، وفي الجسم ونفيه والتشبيه ونفيه لازمًا [ما] (٩) أضاعوه، ولو أضاعوا الواجبات لما نطق (١٠) القرآن بتزكيتهم وتقديمهم، ولا أطنب في

стр. 393

مدحهم وتعظيمهم، ولو كان ذلك من علمهم (١) مشهورًا، ومن (٢) أخلاقهم معروفًا لاستفاض عنهم، واشتهروا [به كما اشتهروا] (٣) بالقرآن والروايات. وقول رسول الله ﷺ : "ينزل ربنا إلى سماء الدُّنيا" (٤) عندهم،

стр. 394

مثل قول الله ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ (١) ومثل قوله ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (٢) كلهم يقول: ينزل ويتجلى ويجيء بلا كيف، ولا يقولون: كيف يجيء؟ وكيف يتجلى؟ وكيف ينزل؟ (٣) وفي قوله: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ (١) دلالة واضحة أنَّه لم يكن قبل ذلك متجليًا للجبل، وفي ذلك ما يفسر لك (٤) حديث النزول (٥)، ومن أراد أن يقف على أقاويل (٦) العلماء في قوله ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ (٧) فلينظر في تفسير بقي بن مخلد وتفسير محمد بن جرير، وليقف على ما ذكرا من ذلك- والله أعلم) (٨). وقد ذكر القاضي أبو يعلى في كتاب إبطال التأويلات لأخبار الصفات (٩): وما رواه عبد الله بن أحمد بن حنبل: حدثني (١٠) أبي،

стр. 395

ثنا (١) أبو المغيرة الخولاني، ثنا (٢) الأوزاعي، حدثني (٣) يَحْيَى بن أبي كثير، عن عكرمة قال: إن الله إذا أراد أن يخوف عباده أبدى عن بعضه إلى الأرض، فعند ذلك تزلزل (٤)، وإذا أراد أن يدمر على قوم تجلى لها. قال (٥): ورواه ابن فورك، عن يَحْيَى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن الله ﵎ إذا أراد أن يخوف أهل الأرض أبدى عن بعضه، وإذا أراد أن يدمر عليهم (٦) تجلى لها. ثم قال (٧): أما قوله: أبدى عن بعضه فهو على ظاهره، وأنه راجع إلى الذّات، إذ ليس في حمله على ظاهره ما يحيل صفاته ولا يخرجها عما تستحق. فإن قيل: بل في حمله على ظاهره ما يحيل صفاته، لأنَّه يستحيل وصفه بالكل والبعض والجزء، فوجب حمله على إبداء بعض (٨) آياته وعلاماته، تحذيرًا وإنذارًا (٩). قيل: لا يمتنع إطلاق هذه الصفة على وجه لا يفضي إلى التجزئة والتبعيض، كما أطلقنا تسمية يد ووجه لا على وجه التجزئة والتبعيض (١٠)، وإن كُنَّا نعلم أن اليد في الشاهد بعض الجملة (١١).

стр. 396

قال (١): وجواب آخر: وهو أنه لو جاز أن يحمل قوله: أبدى عن بعضه على بعض آياته لوجب (٢) أن يحمل قوله: وإذا أراد أن يدمر على قوم (٣) تجلى لها على جميع آياته، ومعلوم أنه لم يدمر قرية بجميع آياته، لأنه قد أهلك بلادًا، كل بلد بغير ما أهلك به الآخر (٤). وكذلك قال الإمام أحمد: فيما خرجه (٥) في الرد على الجهمية (٦) لما ذكر قول (٧) جهم قال: (فتأول القرآن على غير تأويله، وكذب بأحاديث النبي ﷺ وزعم أن من وصف من الله شيئًا (٨) مما يصف به نفسه في كتابه، أو حدث عنه رسوله كان كافرًا). فبين أحمد -في كلامه- أن من الله ما يوصف، وأنه يوصف بذلك فذلك موصوف والرب موصوف به، وأنه يوصف بذلك (٩)، وهذا كلام سديد فإن الله في كلامه وصف ما وصف من علمه وكلامه وخلقه بيده (١٠) وغير ذلك، وهو موصوف بهذه المعاني التي وصفها، ولذلك سميت صفات، فإن الصفة أصلها وصفه، مثل جهة أصلها وجهه، وعدة وزنة أصلها وعده ووزنه، وهذا المثال (١١) وهو فعله قد يكون في الأصل مصدرًا كالعدة والوعد، فكذلك الصفة والوصف، وقد يكون بمعنى

стр. 397

المفعول كقولهم: لحلية (١) ووجهة وشرعة وبدعة، فإن فعلًا يكون بمعنى المفعول، كقوله (٢) ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ (٣) أي: بمذبوح، والشرعة المشروعة، والبدعة المبدعة (٤)، والوجهة (٥) هي: الجهة التي يتوجه إليها، فكذلك قد يقال في لفظ الصفة إذا (٦) لم تنقل عن المصدر أنها الموصوفة (٧)، وعلي هذا ينبغي نزاع النَّاس، هل الوصف والصفة في الأصل بمعنى واحد، بمعنى الأقوال؟ ثم استعملا في المعاني تسمية للمفعول باسم المصدر إذ الوصف (٨) هو القول [الذي هو المصدر والصفة هي المفعول الذي يوصف بالقول] (٩) وأكثر الصفاتية على هذا الثَّاني وقولهم -أيضًا- يصح على القول الأول، كما كُنَّا نقرره قبل ذلك، إذ أهل العرف قد يخصون أحد اللفظين بالنقل دون (١٠) الآخر، لكن تقرير قولهم على هذه الطريقة الثَّانية أكمل وأتم- كما ذكرناه هنا. فقول أحمد وغيره: "فمن وصف من الله شيئًا ممَّا يصف به نفسه" فالشيء الموصوف هو الصفة كعلمه ويديه، وهذه الصفة الموصوفة وصف الله بها نفسه، أي: أخبر بها عن نفسه وأثبتها لنفسه كقوله ﴿أَنْزَلَهُ

стр. 398

بِعِلْمِهِ﴾ (١) وقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (٢). ثم قال أحمد (٣): (فإذا قيل لهم: من (٤) تعبدون؟). قالوا: نعبد من يدبر أمر هذا الخلق. فقلنا: هذا الذي يدبر أمر هذا الخلق هو مجهول لا يعرف بصفة؟ قالوا: نعم. فقلنا: قد عرف المسلمون [أنكم] (٥) لا تأتمون (٦) بشيء، وإنَّما تدفعون عن أنفسكم الشنعة بما تظهرون (٧). إلى أن قال لهم (٨): (فقد (٩) جمعتم في مسألة الكلام -كما تقدم- ذكر لفظه (١٠) بين كفر وتشبيه فتعالى (١١) عن هذه الصفة) إلى قوله: قال (١٢): (فقالوا: لا تكونون (١٣) موحدين أبدًا حتَّى تقولوا: قد كان الله ولا شيء). فقلنا: نحن نقول: قد كان الله ولا شيء، ولكن إذا قلنا: إن الله

стр. 399

لم يزل بصفاته كلها أليس إنَّما نصف إلهًا واحدًا بجميع صفاته؟ وضربنا لهم في ذلك مثلًا. فقلنا: أخبرونا عن هذه النخلة، أليس لها جذع وكرب وليف وسعف وخوص وجمار؟ واسمها اسم شيء واحد (١)، وسميت نخلة بجميع صفاتها، فكذلك الله -وله المثل الأعلى- بجميع صفاته إله واحد، لا نقول: إنه قد كان في وقت من الأوقات [ولا قدرة حتَّى خلق قدرة والذي ليس له قدرة هو عاجز ولا نقول: إنه (٢) كان في وقت من الأوقات] (٣) لا (٤) يعلم حتَّى خلق فعلم (٥)، والذي لا يعلم هو جاهل ولكن نقول: لم يزل الله عالمًا قادرًا مالكًا (٦)، لا متى ولا كيف، وقد سمى الله رجلًا كافرًا اسمه الوليد بن المغيرة المخزومي فقال: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ (٧) وقد سماه (٨) وحيدًا وله (٩) عينان وأذنان ولسان وشفتان ويدان ورجلان وجوارح كثيرة، فقد سماه وحيدًا بجميع صفاته، فكذلك الله -وله المثل الأعلى-[هو] (١٠) بجميع صفاته إله واحد). فقد بين أن ما لا يعرف بصفة فهو معدوم، وهذا حق، وبين أنَّه

стр. 400

متعال عن الصفة التي وصفه (١) بها الجهمية، وذكر أنَّه إذا قلنا: لم يزل بصفاته كلها إنَّما نصف إلهًا واحدًا. وبين أن النبات والحيوان يسمى واحدًا، وإن كان له صفات هي: كالجذع والتقريب من النخلة، وكاليد والرجل من الإنسان، فالرب أولى أن يكون واحدًا وإن كان له صفات، إذ هو أحق بالوحدانية، واسم الواحد من المخلوقات التي قد تتفرق صفاتها، وتتبعض، وتكون مركبة منها، والرب تعالى أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، والمقصود أنَّه سمى هذه الأمور صفات أيضًا. ونظير ذلك ما ذكره أبو عمر بن عبد البر في التمهيد (٢) في شرح الموطأ (٣) بعد أن قال: (أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة، لا على المجاز، إلّا أنهم لا يكيفون شيئًا من ذلك، ولا يحدون (٤) فيه صفة محصورة. وأما أهل البدع والجهمية والمعتزلة كلها، والخوارج فكلهم ينكرها، ولا يحمل شيئًا منها على الحقيقة، ويزعمون أن من أقرّ بها مشبه، وهم عند من أقرّ بها (٥) نافون (٦) للمعبود. والحقُّ (٧) فيما قاله القائلون بما ينطق (٨) به كتاب الله وسنة رسوله،

стр. 401

وهم أئمة الجماعة. والحمد لله. روى حرملة بن يَحْيَى [قال] (١)، سمعت عبد الله بن وهب يقول: سمعت مالك بن أنس يقول: من وصف شيئًا من ذات الله، مثل قوله: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ (٢)، فأشار (٣) بيده (٤) إلى عنقه، ومثل قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٥) فأشار إلى عينه (٦) أو أذنه (٧) أو شيئًا من بدنه (٨)، قطع ذلك منه، لأنَّه شبه الله بنفسه. ثم قال مالك: أما سمعت قول البراء حين حدث أن النبي ﷺ [قال] (٩): "لا يضحى بأربع من الضحايا" (١٠) وأشار البراء بيده، كما

стр. 402

أشار النَّبيُّ ﷺ قال البراء: ويدي أقصر من يد رسول الله ﷺ [فكره البراء أن يصف يد رسول الله ﷺ ] (١) إجلالًا له وهو مخلوق، فكيف الخالق الذي ليس كمثله شيء؟. والمقصود (٢) قوله: من وصف شيئًا من ذات الله، فجعل الموصوف من ذات الله، وغالب كلام السلف على هذا يقول (٣) عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، نظير مالك (٤) في كلامه المشهور في الصفات، وقد رواه بالإسناد أبو بكر الأثرم، وأبو عمر الطلمنكي، وأبو عبد الله بن بطة، في كتبهم (٥) وغيرهم.

стр. 403

قال: (أما بعد، فقد فهمت ما سألت [عنه] (١) فيما تتابعت (٢) الجهمية، ومن خلفها (٣)، في صفة الرَّبِّ العظيم، الذي فاقت (٤) عظمته الوصف والتقدير، وكلّت الألسن عن تفسير صفته، وانحسرت العقول دون معرفة قدره، ردت عظمته العقول (٥)، فلم تجد مساغًا فرجعت خاسئة (٦)، وإنما أمروا بالنظر والتفكير فيما خلق بالتقدير (٧)، وإنَّما يقال: كيف؟ لمن لم يكن مرَّة ثم كان، فأمَّا الذي لا يحول (٨) ولا يزول (٩) ولم يزل وليس له مثل، فإنَّه لا يعلم كيف هو إلّا هو [وكيف يعرف قدر من لم يبدأ، ومن لا يموت ولا يبلى؟ وكيف يكون لصفة شيء منه حد أو منتهى يعرفه عارف أو يحد قدره واصف، على أنَّه الحق المبين لا حق أحق منه ولا شيء أبين منه] (١٠) الدليل (١١) على عجز العقول عن تحقيق صفته، عجزها عن تحقيق صفة أصغر خلقه (١٢) لا تكاد تراه صغرًا (١٣) يحول ويزول، ولا يرى له سمع ولا بصر [لما

стр. 404

يتقلب به ويحتال (١) من عقله أعضل بك، وأخفى عليك ممَّا ظهر من سمعه وبصره، فتبارك الله أحسن الخالقين، وخالقهم، وسيد السادة، وربهم ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٢)] (٣). اعرف -رحمك (٤) الله تعالى- غناك عن تكلف صفة ما لم يصف الربّ من نفسه، بعجزك عن معرفة قدر (٥) ما وصف منها إذا (٦) لم تعرف قدر ما وصف فما تكلفك علم (٧) ما لم يصف؟ هل يستدل بذلك على شيء من طاعته أو ينزجر (٨) به عن معصيته؟. فأمَّا الذي جحد ما وصف الرب من نفسه تعمقًا وتكلف (٩)، فقد (١٠) استهوته الشياطين في الأرض حيران [فصار يستدل -بزعمه- على جحد ما وصف الرب وسمى من نفسه بأنَّ قال: لا بد إن كان له كذا من أن يكون له كذا، فعمي عن البيِّن بالخفي بجحد (١١) ما سمى الرَّبُّ من

стр. 405

نفسه لصمت الرَّبُّ عما لم يسمّ منها] (١) فلم (٢) يزل يملي له الشيطان حتَّى جحد قول الله ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ (٣) فقال: لا يراه أحد (٤) يوم القيامة (٥) [فجحد -والله- أفضل كرامة الله التي أكرم بها أولياءه يوم القيامة من النظر إلى وجهه ونضرته إياهم ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ (٦) فهم بالنظر إليه ينضرون إلى أن قال: وإنَّما جحد (٧) رؤيته يوم القيامة إقامة للحجة الضَّالة المضلة، لأنَّه قد عرف [أنَّه] (٨) إذا تجلى لهم يوم القيامة رأوا منه ما كانوا به قبل ذلك مؤمنين، وكان له جاحدًا] (٩). وقال المسلمون يا رسول الله: هل نرى ربنا؟ فقال رسول الله ﷺ : "هل تضارون (١٠) في رؤية الشَّمس ليس دونها سحاب" قالوا: لا، قال: "فهل تضارون (١١) في رؤية القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب" قالوا: لا، قال: "فإنكم ترون ربكم يومئذٍ كذلك" (١٢).

стр. 406

وقال رسول الله ﷺ : "لا تمتلئ النَّار حتَّى يضع الجبار فيها قدمه، فتقول: قط، قط، وينزوي بعضها إلى بعض" (١). وقال لثابت بن قيس: "لقد ضحك الله ممَّا فعلت بضيفك البارحة" (٢).

стр. 407

وقال- فيما بلغنا: "إن الله ليضحك من أزلكم وقنوطكم وسرعة إجابتكم" فقال له رجل من العرب: إن ربنا ليضحك؟ قال: "نعم" قال: لا نعدم من رب يضحك خيرًا (١). . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 408

إلى (١) أشباه لهذا ممَّا لم (٢) نحصِهِ. وقال الله تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٣) وقال: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ (٤) وقال: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ (٥) وقال: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (٦) وقال: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٧) فوالله ما دلهم على عظم ما وصف (٨) من نفسه وما تحيط به قبضته إلّا صغر نظيرها (٩) منهم عندهم، إن ذلك الذي ألقى في روعهم، وخلق على معرفة قلوبهم، فما وصف الله من نفسه فسماه (١٠) على لسان رسوله سميناه كما سماه، ولم نتكلف منه [صفة] (١١) ما سواه -لا هذا ولا هذا- لا نجحد ما وصف، ولا نتكلف معرفة ما لم يصف. أعلم -رحمك الله- أن العصمة في الدين تنتهي حيث انتهى بك، ولا تجاوز ما قد حد لك، فإن من قوام الدين معرفة المعروف وإنكار المنكر، فما بسطت عليه المعرفة، وسكنت إليه الأفئدة، وذكر أصله في الكتاب والسنة، وتوارث (١٢) علمه الأمة، فلا تخافن في ذكره وصفته من

стр. 409

ربك ما وصف من نفسه عيبًا، ولا تتكلفن (١) بما وصف [لك] (٢) من ذلك قدرًا. وما أنكرَتْه نفسك ولم تجد ذكره في كتاب ربك، ولا في الحديث (٣) عن نبيك -من ذكر صفة ربك- فلا تتكلَّفن (٤) علمه بعقلك، ولا تصفه بلسانك، واصمت عنه كما صمت الرَّبُّ عنه من نفسه، فإن تكلفك معرفة ما لم يصف من (٥) نفسه مثل إنكارك ما وصف منها، فكما أعظمت ما جحد (٦) الجاحدون ممَّا وصف (٧) من نفسه، فكذلك أعظم تكلف ما وصف الواصفون ممَّا لم يصف منها. فقد -والله- عز المسلمون الذين يعرفون المعروف وبمعرفتهم يعرف (٨)، وينكرون المنكر وبإنكارهم ينكر، يسمعون (٩) ما وصف الله به نفسه من هذا في كتابه، وما يبلغهم (١٠) مثله عن نبيه، فما مرض من ذكر هذا وتسميته من الرَّبِّ (١١) قلبُ مسلم (١٢)، ولا تكلف صفة قدره ولا تسمية غيره من الرَّبِّ مؤمن.

стр. 410

وما ذكر عن رسول الله ﷺ أنَّه سماه من صفة ربه، فهو بمنزلة ما سمى ووصف الرب -تعالى- من نفسه. والراسخون (١) في العلم -الواقفون حيث انتهى علمهم، الواصفون لربهم بما (٢) وصف من نفسه، التاركون لما ترك من ذكرها- لا ينكرون صفة ما سمَّى منها جحدًا، ولا يتكلفون وصفه بما لم يسم تعمقًا، لأنَّ الحق ترك ما ترك، وتسمية (٣) ما سمى فمن ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (٤) أوهب (٥) الله لنا ولكم حكمًا وألحقنا بالصالحين. فتدبر كلام هذا الإمام (٦)، وما فيه من المعرفة والبيان. والمقصود هنا: تكلمه بلفظ (من) في مواضع (٧) عديدة كقوله: كيف (٨) يكون لصفة شيء منه [حد أو منتهى يعرفه عارف أو يحد قدره واصف، فذكر أن صفته شيء منه] (٩) لا يعرف أحد حدها ولا قدرها. ثم قال: الدليل على عجز العقول عن تحقيق صفته عجزها عن تحقيق صفة أصغر مخلوقاته، فجعل الصفة هنا له لا لشيء منه، لأنَّه استدل بالعجز عن تحقيق صفة المخلوق، ثم أمر بمعرفة ما ظهر علمه

стр. 411

بالكتاب والسنة، والسكوت عما لم يظهر علمه، وذم من نفى ما ذكر و (١) تكلف علم ما لم يذكر فقال: اعرف غناك عن تكلف صفة ما لم يصف الرب من نفسه بعجزك عن معرفة قدر ما وصف منها، فذكر أن [من] (٢) نفسه ما لم يصفه، ونهى عن تكلف (٣) صفته، لأنَّ الذي وصفه من نفسه يعجز عن معرفة قدره، فالعجز عن ما لم يذكر أولى، قال: إذا لم تعرف قدر ما وصف فما تكلفك (٤) علم ما لم يصف؟ ثم قال: فأمَّا الذي جحد ما وصف الرب من نفسه تعمقًا وتكلفًا، مضاه يستدل بزعمه على جحد ما وصف الرب وسمى من نفسه بأنَّ قال: لا بد إلي كان له كذا من أن يكون له كذا، فجحد ما سمى الرَّبّ من نفسه بصمت الرَّبِّ عما لم يسم منها، فذكر (٥) -أيضًا- في هذا الكلام أن الرَّبَّ وصف من نفسه وسمى من نفسه ما وصف وسمى، وصمت عن ما لم يسم من نفسه، وأن الجهمية يجحدون الموصوف المسمى من نفسه بأنَّ ذلك يستلزم كذا، وينفون اللازم الذي صمت الرَّبّ عنه فلم يذكره بنفي ولا إثبات. ثم بين أن الجهمي ينكر الرؤية (٦)، لأنَّه قد عرف إذا تجلى لهم يوم القيامة رأوا منه ما كانوا به قبل ذلك مؤمنين وكان له جاحدًا، فذكر أن المؤمنين يرون منه يوم القيامة ما صدقوا به في الدُّنيا وجحدته الجهمية، وأن الجهمي علم أن رؤيته تستلزم ثبوت ما جحده، فلذلك أنكرها

стр. 412

[هكذا هو فإن] (١) الرؤية تستلزم ثبوت ذلك لا ريب، ولهذا كان من أثبت الرؤية ووافق الجهمي على نفي لوازمها، مخالفًا للفطرة العقلية عند عامة العقلاء المثبتة والنافية. ثم قال: لما ذكر قوله ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ (٢) فوالله ما دلهم على عظم (٣) ما وصف من نفسه، وما تحيط به قبضته [إلَّا صغر نظيرها منهم، فذكر أن ما دلت عليه الآية (٤) هو ما وصفه] (٥) من نفسه، وأن هذا الموصوف منه نظيره منهم صغير، فإذا كان هذا عظمة الذي هو صغير بالنسبة إلى ما لم يذكر، فكيف بعظمة ما لم يصف من نفسه ؟!!. ثم قال: فما وصف من نفسه فسماه سميناه كما سماه، ولم نتكلف من صفة ما سواه، فذكر أنا نسمي ونصف ما سمى ووصف من نفسه، ولا نتكلف أن نصف منه ما سوى ذلك، لا نجحد الموصوف من نفسه ولا نتكلف معرفة (٦) ما لم يصفه من نفسه. وسائر كلامه يوافق هذا، يبين أنَّه وصف من نفسه موصوفات وسكت عما لم يصفه من نفسه كقوله: فإن (٧) تكلفك معرفة ما لم يصف من نفسه مثل إنكارك ما وصف منها، فكما أعظمت ما جحد الجاحدون

стр. 413

ممَّا وصف من نفسه، فكذلك أعظم تكلف (١) ما وصف الواصفون ممَّا لم يصف منها فقد -والله- عز المسلمون الذي يعرفون المعروف وبمعرفتهم يعرف، وينكرون المنكر وبإنكارهم ينكر يسمعون (٢) ما وصف الله به نفسه من هذا في كتابه، وما يبلغهم مثله عن نبيه فما مرض من ذكر هذا وتسميته من الرَّبّ قلب مسلم، ولا تكلف صفة قدره ولا تسميته غيره من الرَّبّ قلب مؤمن. قوله: في هذا الموضع يسمعون (٣) ما وصف الرب من نفسه من هذا في كتابه، فإنَّه قال هنا: ما وصف الرب به نفسه من هذا، وفي سائر المواضع يقول: ما وصف من نفسه، وذلك لأنَّه هنا قال: تسمعون (٤) فلا بد أن يذكر الكلام الذي وصف الله به نفسه، والمسموع (٥) يتضمن ما وصف من نفسه، فلهذا قال: تسمعون ما وصف الله به نفسه من هذا، وفي غير هذا الموضوع كقوله: فما وصف من نفسه فسماه سميناه كما سماه، أراد ما دل عليه الكلام وبينه ووصفه، وهو الذي وصفه الله من نفسه وسماه، وذلك يعلم ويعرف ويذكر ولا يسمع، إلّا إذا وصف وذكر، وسيأتي بيان أن هذه (٦) الموصوفات التي وصفها الله من نفسه يوصف بها -أيضًا- فهي موصوفة (٧) باعتبار، والرب يوصف بها باعتبار.

стр. 414

وذكر أبو الشَّيخ الأصبهاني في كتاب السنة له (١) قال: وفيما أجاز لي (٢) جدي ﵀ قال: قال إسحاق بن راهوية إن الله ﵎ وصف نفسه في (٣) كتابه بصفات استغنى الخلق كلهم عن أن يصفوه بغير ما وصف به نفسه، وأجمله في كتابه، فإنَّما فسر النَّبيُّ ﷺ معنى إرادة الله ﵎ قال الله في كتابه حيث ذكر عيسى بن مريم فقال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ (٤) وقال في محكم كتابه ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ (٥) ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ (٦)، وقال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ (٧)، وقال: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ (٨) وقال ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (٩) وقال في آيات كثيرة ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١٠) وقال ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ (١١) وكل ما وصف الله به نفسه من الصفات التي ذكرناها ممَّا هي موجودة في القرآن، وما لم تذكّر فهو كما ذكر، وإنَّما يلزم العباد الاستسلام لذلك والتعبد، لا نزيل صفة ممَّا وصف الله بها (١٢)

стр. 415

نفسه، أو وصف الرسول عن جهته، لا بكلام ولا بإرادة، إنَّما يلزم (١) المسلم الأداء، ويوقن بقلبه أن ما وصف به نفسه في القرآن إنَّما هي صفاته، ولا يعقل نبي مرسل ولا ملك مقرب تلك الصفات إلّا بالأسماء التي عرفهم الرَّبّ ﵎، فأما أن يدرك أحد من بني آدم معنى تلك الصفات فلا يدركه أحد، وذلك أن الله تعالى إنَّما وصف من صفاته قدر ما تحتمله (٢) عقول ذوي الألباب، ليكون إيمانهم بذلك. ومعرفتهم بأنه الموصوف بما وصف به نفسه، ولا يعقل أحد منتهاه ولا منتهى صفاته، وإنَّما يلزم المسلم أن يثبت معرفة صفات الله بالاتباع والاستسلام كما جاء، فمن جهل معرفة ذلك حتَّى يقول: إنما أصف ما قال الله ولا أدري (٣) ما معاني ذلك، حتَّى يفضي إلى أن يقول بمعنى قول الجهمية: يده (٤) نعمة، ويحتج بقوله: ﴿أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ (٥) ونحو ذلك فقد ضل سواء (٦) السبيل، هذا محض كلام الجهمية حيث يؤمنون بجميع ما وصفناه (٧) من صفات الله، ثم يحرفون معنى الصفات عن جهتها التي وصف الله بها نفسه، حتَّى يقولوا: معنى ﴿السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٨) معنى السميع هو: البصير، ومعنى البصير هو السميع، ويجعلون اليد يد

стр. 416

نعمة، وأشباه ذلك يحرفونها عن جهتها، لأنهم هم (١) المعطلة. [قلت] (٢): فقد تبيّن مستند حكاية ابن شجاع الثلجي وزرقان وغيرهما لما ينقلونه عن أهل الإثبات من التحريف كقولهم: إن الله هو القرآن، أو إن القرآن بعضه، وظهر (٣) أن محمد بن شجاع -إمام الواقفة (٤) - هو وأصحابه الذين لا يقولون: القرآن مخلوق ولا غير مخلوق، يطلقون عليه أنَّه محدث بمعنى أنَّه أحدثه في غيره، وهو معنى قول (٥) من قال: إنه مخلوق ليس بينهما فرق إلّا في اللفظ، وقد سلك هذا المسلك طوائف من أهل البدع من الرافضة وغيرهم يقولون: هو محدث مجعول، ولا يقولون: هو مخلوق، ويزعمون أن لفظ الخلق يحتمل المفترى، وهم في المعنى موافقون لأصحاب المخلوق، وقد وافقهم على الترادف طوائف الكلابية والأشعرية وخلائق من (٦) أهل الفقه والحديث والتصوف يقولون: المحدث هو المخلوق في غيره،

стр. 417

لا يسمون محدثًا إلّا ما كان كذلك، فهؤلاء كلهم يقولون: من قال: إنه محدث كان معنى قوله: إنه مخلوق، ولزمه القوله بأنه مخلوق. فهذا (١) أحد الوجهين للإنكار على داود الأصبهاني وغيره ممن قال: إنه محدث (٢) وأطلق القوله بذلك، وإن كان داود وأبو معاذ وغيرهما لم يريدوا بقولهم: إنه محدث أنَّه بائن عن الله، كما يريد الذين يقولون: إنه مخلوق، بل مذهب (٣) داود وغيره ممن قال: إنه محدث وليس بمخلوق من أهل الإثبات: إنه هو الذي تكلم به، وإنه قائم به (٤) ليس بمخلوق منفصل عنه، ولعل هذا كان (٥) مستند داود في قوله لعبد الله: أحب أن تعذرني عنده، وتقوله له: ليس هذا مقالتي، أو ليس كما قيل لك، فإنَّه قد يكون قصد بذلك أني لا أقول: إنه محدث بالمعنى الذي فهموه وأفهموه -وهو أنَّه مخلوق- وليس هذا مذهبي، ولم يقبل أحمد قوله، لأنَّ هذا القول منكر، ولو فسره بهذا التفسير لما ذكرناه (٦)، ولأنه أنكر مطلقًا، فلم يقر باللفظ الذي قاله، وقد قامت عليه البينة به، فلم يقبل إنكاره بعد الشهادة عليه، ولأنه أظهر مع هذه البدعة بدعة أخرى وهي: إباحة التحليل (٧)، وهو مذهبه، وأهل الحديث لم يكونوا

стр. 418

. . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 419

يتنازعون في تحريم ذلك، كما جاءت [به] (١) الأحاديث الصحيحة عن النَّبيِّ ﷺ والتابعين. وكان محمد بن يَحْيَى (٢) من أئمة أهل الحديث، كما قال أبو نعيم الأصبهاني (٣): أنبأنا محمد بن عبد الله -يعني الحاكم- سمعت يَحْيَى (٤) بن منصور القاضي يقول: سمعت خالي عبد الله بن علي بن الجارود، يقول: سمعت محمد بن سهل بن عسكر يقول: كُنَّا عند أحمد بن حنبل، فدخل محمد بن يَحْيَى، فقام إليه أحمد، وتعجب منه النَّاس، ثم قال لبنيه وأصحابه: اذهبوا إلى أبي عبد الله فاكتبوا عنه. وقد تنازع النَّاس في لفظ (محدث) هل هو مرادف للفظ المخلوق أم ليس كذلك؟ على قولين:

стр. 420

قال الأشعري في المقالات (١) -لما ذكر النزاع في الخلق والكسب والفعل، قال: (واتفق أهل الإثبات على أن معنى مخلوق معنى محدث ومعنى محدث [معنى] (٢) مخلوق، وهذا هو الحق عندي، وإليه أذهب، وبه أقول. وقال زهير الأثري (٣)، وأبو معاذ التومني: معنى مخلوق أنَّه وقع عن إرادة من الله وقول (٤) له (كن). وقال كثير من المعتزلة بذلك، منهم أبو الهذيل. وقد قال قائلون: معنى المخلوق أن (٥) له خلقًا، ولم يجعلوا الخلق قولًا على وجه من الوجوه، منهم أبو موسى (٦)، وبشر من المعتمر. [و] (٧) الفرق بين المخلوق والمحدث، هو اصطلاح أئمة أهل الحديث، وهو موافق للغة التي نزل بها القرآن، ومنهم من يفرق بين حدث ومحدث، كما حكى القولين الأشعري (٨).

стр. 421

قال البُخاريّ في صحيحه (١) في كتاب الرد على الجهمية -في أثناء أبواب القرآن- باب ما جاء به في تخليق السماوات والأرض وغيرها من الخلائق: (وهو فعل الرَّبّ وأمره، فالرب (٢) بصفاته وفعله وأمره وكلامه هو الخالق المكون (٣) غير مخلوق، وما كان بفعله وأمره وتخليقه وتكوينه فهو مفعول مخلوق مكون). ثم قال (٤) بعد ذلك باب (٥) قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (٦) (ولم يقل: ماذا خلق ربكم). وقال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلا بِإِذْنِهِ﴾ (٧). وقال مسروق، عن ابن مسعود (٨): إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماوات شيئًا، حتَّى إذا (٩) فزع عن قلوبهم، وسكن الصوت عرفوا أنَّه الحق، ونادوا: ماذا قال ربكم: قالوا الحق. قال (١٠): ويذكر عن جابر بن عبد الله بن أنيس (١١): سمعت (١٢)

стр. 422

النَّبيَّ ﷺ يقول: "يحشر الله العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب أنا الملك أنا الديان". ثم روى (١) عن عكرمة، عن أبي هريرة: بلغ به (٢) النَّبيّ ﷺ قال: "إذا قضى الله الأمر في السماء، ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان (٣) ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (٤). ثم قال (٥) بعد أبواب: باب قول الله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ (٦)، ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ (٧) وقوله: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ (٨) وأن حديثه لا يشبه حدث المخلوقين لقوله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٩).

стр. 423

وقال ابن مسعود عن النَّبيِّ ﷺ : "إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن ممَّا أحدث أن لا تكلموا في الصَّلاة". وروى (١) عن (٢) أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "كيف تسألون أهل الكتاب عن كتبهم؟ وعندكم كتاب الله أقرب الكتب عهدًا بالله تقرؤونه محضًا لم يشب (٣) ". وروى (٤) الزُّهريّ، أخبرني عبيد الله بن عبد الله أن عبد الله (٥) بن عباس قال: (يا معشر المسلمين كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء؟ وكتابكم الذي أنزل الله على (٦) نبيكم أحدث الأخبار بالله محضًا لم يشب (٧) وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب قد بدلوا من كتب الله وغيروا، فكتبوا بأيديهم الكتب (٨)، وقالوا: هو من عند (٩) الله ليشتروا بذلك ثمنًا قليلًا، أَوَلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم؟ فلا والله ما رأينا رجلًا منهم يسألكم عن الذي أنزل إليكم) (١٠). [قلت] (١١) والذي كان عليه السلف الأئمة،

стр. 424

وأهل" (١) السنة والجماعة، أن القرآن الذي هو كلام الله، هو القرآن الذي يعلم المسلمون أنَّه القرآن، والقرآن وسائر الكلام (٢) له حروف ومعاني، فليس الكلام ولا القرآن إذا أطلق اسمًا لمجرد الحروف، ولا اسمًا (٣) لمجرد المعاني، بل الكلام اسم للحروف والمعاني جميعًا، فنشأ بعد السلف والأئمة ممن هو موافق للسلف -والأئمة على إطلاق القول بأنَّ القرآن كلام الله غير مخلوق- طائفتان: طائفة (٤) قالت: كلام الله ليس إلّا مجرد معنى قائم بالنفس، وحروف القرآن ليست من كلام الله، ولا تكلم بها (٥)، ولا يتكلم الله بحرف ولا صوت، و ﴿الم﴾ و ﴿طس﴾ و ﴿ن﴾ وغير ذلك ليس من كلام الله الذي تكلم هو به، ولكن خلقها، ثم منهم من قال: خلقها في الهواء ومنهم من قال: خلقها مكتوبة في اللوح المحفوظ، ومنهم من قال: جبريل هو الذي أحدثها، وصنفها بإقدار الله له على ذلك، ومنهم من زعم أن محمدًا هو الذي أحدثها وصنفها بإقدار الله له على ذلك (٦)،

стр. 425

وهؤلاء وافقوا الجهمية في نفيهم عن الله من الكلام ما نفته الجهمية، وفي أنهم جعلوا هذا مخلوقًا كما جعلته الجهمية مخلوقًا، ولكن فارقوهم في أنهم أثبتوا معنى القرآن [غير] (١) مخلوق، وقالوا: إن كلام (٢) الله اسم لما يقوم به ويتصف به، لا لما يخلقه في غيره، وأطلقوا القول بأنَّ القرآن غير مخلوق، وإن كانوا لا يريدون جميع المعنى الذي أراد (٣) السلف والأئمة والعامة، بل بعضه، كما أن الجهمية تطلق القول بأنَّ القرآن كلام الله، ولا يعنون به المعنى الذي يعنيه السلف والأئمة والعامة، ولكن هؤلاء منعوا أن تكون هذه الحروف من كلام الله، والجهمية المحضة سموها كلام الله، لكن قالوا: هي مع ذلك مخلوقة، وأولئك لا يجعلون ما يسمونه كلام الله مخلوقًا، ومنهم من يسمي (٤) كلام الله -أيضًا- على سبيل الاشتراك (٥)، وأكثرهم يقولون: نسميها بذلك مجازًا (٦). وأيضًا -فجعلت هذه الطائفة (٧) معنى واحدًا قائمًا بذات الرَّبّ، هو
следующие страницы →