← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 17581

التسعينية

ابن تيمية

Полный текст (1 060 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

قال البُخاريّ في صحيحه (١) في كتاب الرد على الجهمية -في أثناء أبواب القرآن- باب ما جاء به في تخليق السماوات والأرض وغيرها من الخلائق: (وهو فعل الرَّبّ وأمره، فالرب (٢) بصفاته وفعله وأمره وكلامه هو الخالق المكون (٣) غير مخلوق، وما كان بفعله وأمره وتخليقه وتكوينه فهو مفعول مخلوق مكون). ثم قال (٤) بعد ذلك باب (٥) قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (٦) (ولم يقل: ماذا خلق ربكم). وقال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلا بِإِذْنِهِ﴾ (٧). وقال مسروق، عن ابن مسعود (٨): إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماوات شيئًا، حتَّى إذا (٩) فزع عن قلوبهم، وسكن الصوت عرفوا أنَّه الحق، ونادوا: ماذا قال ربكم: قالوا الحق. قال (١٠): ويذكر عن جابر بن عبد الله بن أنيس (١١): سمعت (١٢)

стр. 422

النَّبيَّ ﷺ يقول: "يحشر الله العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب أنا الملك أنا الديان". ثم روى (١) عن عكرمة، عن أبي هريرة: بلغ به (٢) النَّبيّ ﷺ قال: "إذا قضى الله الأمر في السماء، ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان (٣) ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (٤). ثم قال (٥) بعد أبواب: باب قول الله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ (٦)، ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ (٧) وقوله: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ (٨) وأن حديثه لا يشبه حدث المخلوقين لقوله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٩).

стр. 423

وقال ابن مسعود عن النَّبيِّ ﷺ : "إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن ممَّا أحدث أن لا تكلموا في الصَّلاة". وروى (١) عن (٢) أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "كيف تسألون أهل الكتاب عن كتبهم؟ وعندكم كتاب الله أقرب الكتب عهدًا بالله تقرؤونه محضًا لم يشب (٣) ". وروى (٤) الزُّهريّ، أخبرني عبيد الله بن عبد الله أن عبد الله (٥) بن عباس قال: (يا معشر المسلمين كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء؟ وكتابكم الذي أنزل الله على (٦) نبيكم أحدث الأخبار بالله محضًا لم يشب (٧) وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب قد بدلوا من كتب الله وغيروا، فكتبوا بأيديهم الكتب (٨)، وقالوا: هو من عند (٩) الله ليشتروا بذلك ثمنًا قليلًا، أَوَلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم؟ فلا والله ما رأينا رجلًا منهم يسألكم عن الذي أنزل إليكم) (١٠). [قلت] (١١) والذي كان عليه السلف الأئمة،

стр. 424

وأهل" (١) السنة والجماعة، أن القرآن الذي هو كلام الله، هو القرآن الذي يعلم المسلمون أنَّه القرآن، والقرآن وسائر الكلام (٢) له حروف ومعاني، فليس الكلام ولا القرآن إذا أطلق اسمًا لمجرد الحروف، ولا اسمًا (٣) لمجرد المعاني، بل الكلام اسم للحروف والمعاني جميعًا، فنشأ بعد السلف والأئمة ممن هو موافق للسلف -والأئمة على إطلاق القول بأنَّ القرآن كلام الله غير مخلوق- طائفتان: طائفة (٤) قالت: كلام الله ليس إلّا مجرد معنى قائم بالنفس، وحروف القرآن ليست من كلام الله، ولا تكلم بها (٥)، ولا يتكلم الله بحرف ولا صوت، و ﴿الم﴾ و ﴿طس﴾ و ﴿ن﴾ وغير ذلك ليس من كلام الله الذي تكلم هو به، ولكن خلقها، ثم منهم من قال: خلقها في الهواء ومنهم من قال: خلقها مكتوبة في اللوح المحفوظ، ومنهم من قال: جبريل هو الذي أحدثها، وصنفها بإقدار الله له على ذلك، ومنهم من زعم أن محمدًا هو الذي أحدثها وصنفها بإقدار الله له على ذلك (٦)،

стр. 425

وهؤلاء وافقوا الجهمية في نفيهم عن الله من الكلام ما نفته الجهمية، وفي أنهم جعلوا هذا مخلوقًا كما جعلته الجهمية مخلوقًا، ولكن فارقوهم في أنهم أثبتوا معنى القرآن [غير] (١) مخلوق، وقالوا: إن كلام (٢) الله اسم لما يقوم به ويتصف به، لا لما يخلقه في غيره، وأطلقوا القول بأنَّ القرآن غير مخلوق، وإن كانوا لا يريدون جميع المعنى الذي أراد (٣) السلف والأئمة والعامة، بل بعضه، كما أن الجهمية تطلق القول بأنَّ القرآن كلام الله، ولا يعنون به المعنى الذي يعنيه السلف والأئمة والعامة، ولكن هؤلاء منعوا أن تكون هذه الحروف من كلام الله، والجهمية المحضة سموها كلام الله، لكن قالوا: هي مع ذلك مخلوقة، وأولئك لا يجعلون ما يسمونه كلام الله مخلوقًا، ومنهم من يسمي (٤) كلام الله -أيضًا- على سبيل الاشتراك (٥)، وأكثرهم يقولون: نسميها بذلك مجازًا (٦). وأيضًا -فجعلت هذه الطائفة (٧) معنى واحدًا قائمًا بذات الرَّبّ، هو

стр. 426

أمر ونهي وخبر واستخبار، وهو معنى التوراة والإنجيل والقرآن وكل ما تكلم [الله] (١) به، هو معنى آية الكرسي، وآية الدين، وجمهور عقلاء بني آدم يقولون: إن فساد هذا معلوم بضرورة العقل وفطرة بني آدم، وهؤلاء عندهم: إن الملائكة تعبر (٢) عن المعنى القائم بذات الله، وأن الله نفسه لا يعبر بنفسه عن نفسه، وذلك يشبه -من بعض الوجوه- الأخرس الذي يقوم بنفسه معان، فيعبر غيره عنه بعبارته، وهم في ذلك مشاركون للجهمية الذين جعلوا غير الله يعبر عنه من [غير] (٣) أن يكون الله يتكلم، لكن هؤلاء يقولون: قام بنفسه معنى فتجعله كالأخرس، والجهمية تجعله بمنزلة الصنم الذي لا يقوم به معنى ولا لفظ. فعارض هؤلاء (٤) طائفة (٥) قالت: إن القرآن هو الحرف والصوت، أو الحروف والأصوات، وقالوا: إن حقيقة الكلام هو الحروف والأصوات، ولم يجعلوا المعاني داخلة في مسمى الكلام، وهؤلاء وافقوا المعتزلة والجهمية في قولهم: إن الكلام ليس هو إلَّا الحروف والأصوات، لكن المعتزلة لا يقولون: إن الله تكلم بكلام قائم به (٦)،

стр. 427

وحقيقة قولهم: إن الله لم يتكلم بشيء، وهؤلاء يقولون: إن الله تكلم بذلك، وأن كلام الله قائم به، وأن كلام الله غير مخلوق، وهؤلاء أخرجوا المعاني أن تكون داخلة في مسمى الكلام وكلام الله، كما أخرج الأولون (١) الحروف والأصوات أن تكون داخلة في مسمى الكلام وكلام الله، لكن هؤلاء الذين يقولون: إن الكلام ليس هو إلّا الحروف والأصوات، لا يمنعون أن يكون للكلام (٢) معنى، بل النَّاس كلهم متفقون على أن الحروف والأصوات التي يتكلم بها المتكلمون (٣) تدل على معان، وإنَّما النزاع بينهم في شيئين: أحدهما: أن تلك المعاني هل هي من جنس العلوم والإرادات؟، [أم هي حقيقة أخرى ليست هي العلوم والإرادات؟] (٤). فالأولون يقولون: ذلك المعنى حقيقته (٥) غير حقيقة العلم والإرادة (٦). والآخرون يقولون: ليست حقيقته تخرج عن ذلك. والنزاع الثَّاني: أن مسمى الكلام هل هو المعنى أو هو اللفظ؟

стр. 428

فالذين (١) يقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق، ويقولون: الكلام هو الحروف والأصوات. هم وإن وافقوا المعتزلة في مسمى الكلام -فإنهم يقولون: إن معنى الكلام سواء كان هو العلم والإرادة، أو أمرًا (٢) آخر قائمًا بذات الله. والجهمية من المعتزلة ونحوهم، لا تثبت معنى قائمًا بذات الله، بل هؤلاء يقولون: إن الكلام الذي هو الحروف قائم بذات الله- أيضًا، فموافقة هؤلاء المعتزلة أقل من موافقة الأولين بكثير. والصّواب الذي عليه سلف الأمة وأئمتها، أن [الكلام اسم للحروف والمعاني جميعًا (٣)، فاللفظ والمعنى داخل في] (٤) مسمى الكلام. والأقوال في ذلك أربعة: الأول: إن الكلام حقيقة في اللفظ مجاز (٥) في المعنى، كما تقوله الطائفة الثَّانية. والثاني: إنه حقيقة في المعنى مجاز في اللفظ، كما يقوله جمهور الأولين. والثالث: إنه مشترك بينهما، كما يقوله طائفة من الأولين. والرابع (٦): إنه حقيقة في المجموع، وإذا أريد به أحدهما دون الآخر احتاج إلى قرينة، وهذا قول أهل الجماعة. وقد يحكي الأولون عن الآخرين: أنهم يقولون: إن القرآن قديم

стр. 429

غير مخلوق، وإن القديم الذي ليس بمخلوق هو الحروف والأصوات القائمة بالمخلوقات، وهي أصوات العباد، ومداد المصاحف، فيحكون عنهم: أن نفس صوت العبد، ونفس المداد قديم أزلي غير مخلوق (١). وهذا ممَّا يعلم كل أحد فساده بالحس والاضطرار، وما وجدت أحدًا من العلماء المعروفين يقر بذلك، بل ينكرون ذلك، ولكن قد يوجد مثل هذا القول في بعض الجهال من [أهل] (٢) البوادي والجبال ونحوهم. وإنكار ذلك مأثور عن الأئمة المتقدمين، كما ذكره البُخاريّ في كتاب خلق الأفعال (٣) قال: (وقال إسحاق بن إبراهيم: فأمَّا الأوعية فمن شك (٤) في خلقها؟ قال الله تعالى: ﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣)﴾ (٥) وقال: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢)﴾ (٦). فذكر محمد بن نصر المروزي (٧) في كتابه، عن أحمد بن عمر عن عبدان، عن ابن المبارك، قال: الورق والمداد مخلوق، فأمَّا القرآن فليس بخالق ولا مخلوق، ولكنه كلام الله.

стр. 430

ولكن منهم طائفة يقولون: إن لفظهم بالقرآن أو (١) الصوت المسموع منهم غير مخلوق، أو أنَّه يسمع منهم الصوت المخلوق والصوت الذي ليس بمخلوق لكن هذا ممَّا أنكره عليهم أئمتهم وجماهيرهم (٢). والآخرون يحكون عن الأولين: أنَّه ليس لله في الأرض كلام، وأن هذا القرآن الذي يقرؤه المسلمون ليس هو كلام الله، وأنه ليس لله في الأرض كلام، وإنَّما هذا حكاية أو عبارة عن كلام الله، وهؤلاء صادقون (٣) في هذا النقل، فإن هذا قول الأولين، وهم أول من ابتدع في الإسلام القول بالحكاية والعبارة، وهي البدعة التي أضافها المسلمون إلى ابن كلاب والأشعري. فإن ابن كلاب قال: الحروف حكاية عن كلام الله وليست من كلام الله، لأنَّ الكلام لا بد أن يقوم بالمتكلم، والله يمتنع أن يقوم به حروف وأصوات، فوافق الجهمية [و] (٤) المعتزلة في هذا النفي، فجاء (٥) الأشعري بعده -وهو موافق لابن كلاب- على عامة أصوله فقال: الحكاية تقتضي أن تكون مثل المحكي، وليست (٦) الحروف مثل المعنى، بل هي عبارة عن المعنى ودلالة (٧) عليه، وهم وأتباعهم يقولون: إن تسمية ذلك كلامًا لله مجازًا لا حقيقة، ويطلقون القول الحقيقي بأنَّ أحدًا من المسلمين لم يسمع كلام الله، وأمثال ذلك سواء

стр. 431

قالوا: إن الحروف تسمى كلامًا مجازًا أو بطريق (١) الاشتراك [بينها وبين المعاني، لأنها وإن سميت كلامًا بطريق الاشتراك (٢)] (٣) فالكلام عندهم وعند الجماعة لا بد أن يقوم بالمتكلم، فيصح على حد قولهم (٤) أن تكون الحروف والأصوات كلامًا للعباد حقيقة، لقيامها بهم، ولا يصح أن تكون (٥) كلامًا لله حقيقة، لأنَّها لا تقوم به عندهم بحال، فلو قال أحد منهم: إن الحروف التي يخلقها الله في الهواء تسمى كلامًا له حقيقة، أو إن ما يسمع من العباد، أو يوجد في المصاحف يسمى كلام الله حقيقة لزمه (٦) أن يجعل مسمى الكلام ما لا يقوم بالمتكلم، بل يكون دلالة على ما يقوم بالمتكلم وإن كان مخلوقًا له، وهذا ما وجدته لهم، وهو ممكن أن يقال، لكن متى قالوه انتقض (٧) عليهم عامة الحجج التي أبطلوا بها مذهب المعتزلة وصار للمعتزلة عليهم حجة قوية. وقد يحكي الآخرون عن الأولين: أنهم يستهينون بالمصاحف، فيطؤونها، وينامون عليها (٨) ويجعلونها مع نعالهم، وربما كتبوا القرآن بالعذرة، وغير ذلك ممَّا هو من أفعال المنافقين الملحدين، وهذا يوجد في أهل الجفاء والغلو منهم، لما ألقى عليهم (٩) أئمتهم أن هذا ليس هو كلام الله، صاروا يفرعون على ذلك فروعًا من عندهم، لم يأمرهم بها

стр. 432

أئمتهم وإنَّما هي من أفعال الزنادقة المنافقين، وإلا فلا خلاف بين من يعتقد الإسلام في وجوب احترام المصاحف، وإكرامها وإجلالها، وتنزيهها، وفي العمل بقول (١) النَّبيِّ ﷺ : "لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو" (٢) وإن كان أهل البدعة يتناقضون في الجمع بين ما جاءت به الشريعة، وما اعتقدوه من البدعة، لكن التناقض جائز على العباد، وهو أيسر عليهم من التزام الزندقة والنفاق والإلحاد (٣)، وإن كانت (٤) تلك البدعة هي المرقاة إلى هذا الفساد (٥). وأمَّا الطائفة الثَّانية: التي جعلت القرآن مجرد الحروف والأصوات فإنهم وافقوا الجهمية من المعتزلة وغيرهم على ذلك، فإن أولئك جعلوا

стр. 433

القرآن وسائر الكلام هو مجرد الحروف والأصوات الدّالة على المعاني، لكنهم لم يجعلوا لله كلامًا تكلم هو به، وقام به، ولا جعلوا لهذه الحروف معاني تقوم بالله أصلًا، إذ عندهم لم يقم بالله لا علم، ولا إرادة ولا غير ذلك، بل جعلوا الحروف والأصوات مخلوقة خلقها الله في بعض الأجسام، كما يزعمون أنَّه خلق في نفس الشجرة صوتًا سمعه موسى، حروف ذلك الصوت: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (١). ولا ريب أن هذا يوجب أن تكون الشجرة هي القائلة: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ (٢)، إذ المتكلم بالكلام هو الذي يقوم به، كما أن المتحرك بالحركة، والعالم بالعلم، وغير ذلك من الصفات والأفعال وغيرها هو من يقوم به الصفة، ولا يجوز أن يكون الشيء (٣) متكلمًا بكلام يقوم بغيره ولا يقوم به أصلًا، كما لا يكون عالمًا قادرًا بعلم وقدرة لا تقوم إلَّا بغيره، ومتحركًا بحركة لا تقوم إلَّا بغيره، وطرد ذلك عند المحققين من الصفاتية أنَّه (٤) لا يكون فاعلًا خالقًا ومكونًا بفعل وخلق وتكوين لا يقوم إلَّا بغيره، كما هو مذهب أهل الحديث والصوفية والفقهاء وطوائف من أهل الكلام (٥). ومما ينبغي أن يعلم أن الجهمية لما كانت في نفس الأمر، قولها

стр. 434

قول أهل الشرك والتعطيل، وليس (١) [هو] (٢) قول أحد من أهل الكتب المنزلة، ولكن لم يكن لهم بد من موافقة (٣) أهل الكتب في الظاهر وكانوا في ذلك منافقين عالمين بنفاق أنفسهم، كما عليه طواغيتهم الذين علموا بمخالفة أنفسهم للرسل، وأقدموا على ذلك، وهؤلاء منافقون زنادقة. وأمَّا الجهال (٤) بنفاق أنفسهم، صاروا في الجمع بين تكذيبهم الباطن وتصديقهم الظاهر جامعين بين النقيضين، مضطرين إلى السفسطة في العقليات والقرمطة في السمعيات، مفسدين للعقل والدين وقولهم بخلق القرآن، ونفي الصفات، من أصول نفاقهم، وذلك أنَّه من المعلوم ببدائه (٥) العقول أن الحي لا يكون حيًّا إلّا بحياة تقوم به، ولا يكون (٦) حيًّا بلا حياة أو بحياة تقوم بغيره، وكذلك العالم والقادر لا يكون عالمًا قادرًا إلّا بعلم وقدرة تقوم به، ولا يكون (٧) عالمًا قادرًا بلا علم ولا قدرة، أو بعلم وقدرة تقوم بغيره، وكذلك الحكيم والرحيم والمتكلم والمريد، لا يكون (٨) حكيمًا ولا رحيمًا أو متكلمًا أو مريدًا إلَّا بحكمة ورحمة أو كلام وإرادة تقوم به، ولا يكون (٩) حكيمًا بلا حكمة ورحيمًا بلا رحمة أو بحكمة ورحمة تقوم بغيره، ولا يكون متكلمًا ولا مريدًا بلا كلام ولا إرادة أو بكلام وإرادة تقوم بغيره.

стр. 435

وكذلك من المعلوم ببدائه (١) العقول أن الكلام والإرادة والعلم والقدرة لا تقوم إلّا بمحل، إذ هذه الصفات (٢) لا تقوم بأنفسها، ومن المعلوم ببدائه (٣) العقول أن المحل الذي يقوم به (٤) العلم يكون عالمًا، والذي تقوم به القدرة يكون قادرًا، والذي يقوم به الكلام يكون متكلمًا والذي تقوم به الرحمة يكون رحيمًا، والذي تقوم به الإرادة يكون مريدًا، فهذه الأمور مستقرة (٥) في فطر النَّاس، تعلمها قلوبهم علمًا فطريًّا ضروريًّا، والألفاظ المعبرة عن هذه المعاني هي من اللغات التي اتفق عليها بنو آدم فلا يسمون عالمًا قادرًا إلَّا من قام به العلم والقدرة، ومن قام به العلم والقدرة سموه عالمًا قادرًا، وهذا معنى قول من قال من أهل الإثبات: إن الصفة إذا قامت (٦) بمحل عاد حكمها على ذلك [المحل دون غيره، أي: إذا قام العلم والكلام بمحل] (٧) كان ذلك المحل هو العالم المتكلم دون غيره، ومعنى قولهم: إن الصفة إذا قامت بمحل اشتق له منها اسم، كما يشتق لمحل (٨) العلم عليم، ولمحل الكلام متكلم، ومعنى قولهم: إن صدق المشتق لا ينفك عن صدق المشتق منه؛ أي: أن لفظ العليم والمتكلم مشتق من لفظ العلم والكلام، فإذا صدق على (٩) الموصوف أنَّه عليم [متكلم] (١٠). . . . . . . . . . . .

стр. 436

لزم أن يصدق حصول العلم والكلام له. ولهذا كان أئمة السلف الذين عرفوا حقيقة قول من قال: مخلوق وأن معنى ذلك أن الله لم يقم به كلام، بل الكلام قام بجسم من الأجسام غيره، وعلموا أن هذا يوجب بالفطرة الضرورية أن يكون ذلك الجسم هو المتكلم بذلك الكلام دون الله، وأن الله لا يكون متكلمًا أصلًا، صاروا (١) يذكرون قولهم بحسب ما هو عليه في نفسه، وهو أن الله لا يتكلم وإنَّما خلق شيئًا تكلم به (٢)، وهكذا كانت الجهمية تقول أولًا، [ثمّ] (٣) إنَّها زعمت أن المتكلم من فعل الكلام، ولو في غيره، واختلفوا هل يسمى متكلمًا حقيقة أو مجازًا؟ على قولين: فلهم في تسمية الله تعالى متكلمًا بالكلام المخلوق ثلاثة أقوال: أحدها: وهو حقيقة قولهم وهم فيه أصدق لإظهارهم كفرهم أن الله لا تكلم ولا يتكلم. والثاني: وهم فيه متوسطون في النفاق أنَّه يسمى متكلمًا بطريق المجاز. والثالث: وهم فيه منافقون نفاقًا محضًا أنَّه يسمى متكلمًا بطريق الحقيقة، وأساس النفاق الذي ينبغي (٤) عليه الكذب، فلهذا كانوا من أكذب النَّاس في تسمية الله متكلمًا بكلام ليس قائمًا به، وإنَّما هو مخلوق في غيره، كما كانوا كاذبين مفترين في تسمية الله عالمًا قادرًا مريدًا متكلمًا، بلا علم يقوم به، ولا قدرة، ولا إرادة، ولا كلام، فكانوا وإن نطقوا بأسمائه فهم (٥) كاذبون بتسميته بها، وهم ملحدون في الحقيقة

стр. 437

كإلحاد الذين نفوا عنه أن يسمى الرحمن ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا *﴾ (١)، وبذلك وصفهم الأئمة وغيرهم ممن أخبر بمقالاتهم (٢). كما قال الإمام أحمد فيما خرجه في الرد على الجهمية (٣): "فإذا قيل لهم: من (٤) تعبدون؟ قالوا: نعبد من يدبر أمر هذا (٥) الخلق [قلنا (٦): فهذا الذي يدبر أمر هذا الخلق] (٧) هو مجهول لا يعرف بصفة؟ قالوا: نعم، قلنا (٨): قد عرف المسلمون أنكم لا تثبتون شيئًا و (٩) إنَّما تدفعون عن أنفسكم الشنعة بما تظهرون (١٠). وقلنا (١١) لهم: هذا الذي يدبر الأمر (١٢) هو الذي كلم موسى؟ قالوا: لم يتكلم ولا يتكلم (١٣)، لأنَّ الكلام لا يكون إلّا بجارحة، والجوارح عن الله (١٤) منفية.

стр. 438

فإذا سمع الجاهل قولهم يظن أنهم من أشد النَّاس تعظيمًا لله، ولا يعلم أنهم إنَّما يقودون بقولهم (١) إلى ضلالة وكفر. وقال (٢) -بعد ذلك-: (بيان ما أنكرت الجهمية أن يكون الله كم موسى [صَلَّى الله على نبينا وعليه وعلى سائر الأنبياء] (٣). قلنا: لم (٤) أنكرتم ذلك؟ قالوا: إن الله لم يتكلم ولا يتكلم، إنَّما كون شيئًا فعبر عن الله، وخلق صوتًا فأسمع، وزعموا أن الكلام لا يكون إلّا من جوف وفم ولسان وشفتين. فقلنا: هل يجوز لمكون أو لغيره (٥) أن يقول: ﴿يَامُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ (٦)، أو ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (٧)؛ فمن زعم ذلك فقد زعم أن غير الله أدعى لربوبيته، ولو كان (٨) كما زعم الجهمي (٩) أن الله كون شيئًا كان يقول ذلك المكون: يا موسى إن الله (١٠) رب العالمين، لا يجوز أن يقول: ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (١١) وقد قال الله جل ثناؤه:

стр. 439

﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (١)، وقال: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ (٢)، وقال: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ (٣)، فهذا منصوص القرآن، وأمَّا (٤) ما قالوا: إن الله لم يتكلم ولا يتكلم، فكيف يصنعون بحديث سليمان (٥) الأعمش، عن خيثمة عن عدي بن حاتم الطَّائي، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما منكم من أحد إلّا وسيكلمه الله ليس بينه وبينه ترجمان" (٦). وأمَّا قولهم: إن الكلام لا يكون إلّا من جوف وفم وشفتين ولسان أليس الله قال للسماوات والأرض: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (٧)، أتراها أنها قالت بجوف وشفتين ولسان (٨)؟ وقال الله -جل ثناؤه: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ﴾ (٩)، أتراها أنها سبحت بجوف وفم وشفتين ولسان (١٠)؟ والجوارح إذا شهدت على الكافر فقالوا (١١): ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا

стр. 440

قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (١)، أتراها نطقت (٢) بجوف وفم (٣) وشفتين (٤) ولسان؟ ولكن الله أنطقها كيف (٥) شاء، فكذلك تكلم الله (٦) كيف شاء من غير أن نقول: جوف ولا فم ولا شفتان ولا لسان (٧). فلما (٨) خنقته الحجج قال: إن الله كلم موسى إلّا أن كلامه غيره. قلنا: غيره (٩) مخلوق؟ قال: نعم. قلنا (١٠): هذا مثل قولكم الأول إلَّا أنكم تدفعون الشنعة عن أنفسكم (١١) بما تظهرون. وحديث الزُّهريّ (١٢) قال: لما سمع موسى كلام ربه، قال يا رب: هذا الكلام (١٣) الذي سمعته هو كلامك؟ قال: نعم يا موسى هو كلامي، وإنَّما (١٤) كلمتك بقوة عشرة آلاف لسان، ولي قوة الألسن كلها، وأنا أقوى من ذلك [وإنَّما كلمتك على قدر ما يطيق بدنك (١٥)، ولو كلمتك بأكثر من ذلك] (١٦) لمت، قال: فلما رجع موسى إلى قومه

стр. 441

قالوا [له] (١): صف لنا كلام ربك. قال: سبحان الله وهل أستطيع أن أصفه لكم؟!. قالوا: فشبهه لنا (٢). قال: أسمعتم الصواعق (٣) التي تقبل في أحلى حلاوة سمعتموها؟ فكأنه مثله. وقلنا للجهمية: من القائل يوم القيامة: ﴿يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (٤) أليس الله هو القائل؟ قالوا: يكون (٥) الله شيئًا فيعبر عن الله كما كون (٦) فعبر لموسى، قلنا: فمن القائل: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (٧)﴾ (٧) أليس الله هو الذي يسأل؟ قالوا: هذا كله إنَّما يكون شيئًا فيعبر عن الله. قلنا: قد أعظمتم على الله القرية، حين زعمتم أن الله لا يتكلم فشبهتموه بالأصنام التي تعبد من دون الله، لأنَّ الأصنام لا تتكلم ولا تتحرك (٨) ولا تزول من مكان إلى مكان. فلما ظهرت عليه الحجة قال: إن الله قد (٩) يتكلم، ولكن كلامه مخلوق. قلنا (١٠): وكذلك بنو آدم ﵇ كلامهم مخلوق، فقد شبهتم الله تعالى بخلقه حين زعمتم أن كلامه مخلوق، ففي مذهبكم أن الله كان في وقت من الأوقات لا يتكلم حتَّى خلق التكلم، وكذلك بنو

стр. 442

آدم كانوا لا يتكلمون حتَّى خلق لهم (١) كلامًا، فقد (٢) جمعتم بين كفر وتشبيه فتعالى (٣) الله -جل ثناؤه- عن هذه الصفة، بل نقول: إن الله -جل ثناؤه- لم يزل متكلمًا إذا شاء، ولا نقول: إنه كان (٤) [ولا يتكلم حتَّى خلق الكلام (٥)، ولا نقول: إنه قد كان لا يعلم حتَّى خلق علمًا فعلم ولا نقول: إنه قد كان] (٦) ولا قدرة له حتَّى خلق لنفسه قدرة (٧)، ولا نقول: إنه قد كان ولا نور له حتَّى خلق لنفسه نورًا، ولا نقول: إنه قد كان ولا عظمة (٨) حتَّى خلق لنفسه عظمة. فقالت الجهمية لنا لما وصفنا من الله هذه الصفات (٩): إن زعمتم أن الله ونوره، والله وقدرته، والله وعظمته، فقد قلتم بقول النصارى حين زعمتم (١٠) أن الله لم يزل ونوره لم يزل وقدرته. فقلنا (١١): لا نقول: إن الله لم يزل وقدرته، ولم يزل ونوره، ولكن [نقول] (١٢): لم يزل بنوره وبقدرته (١٣)، لا متى قدر؟ ولا كيف قدر؟.

стр. 443

فقالوا: لا تكونون (١) موحدين أبدًا حتى تقولوا: كان الله ولا شيء. فقلنا: نحن نقول: كان (٢) الله ولا شيء، ولكن إذا قلنا: إن الله لم يزل بصفاته كلها أليس إنما نصف إلهًا واحدًا بجيمع صفاته؟ وضربنا لهم مثلًا في ذلك فقلنا لهم (٣): أخبرونا عن هذه النخلة، أليس لها جذع (٤) وكرب وليف وسعف وخوص وجمار؟ واسمها اسم واحد (٥) سميت نخلة بجميع صفاتها، فكذلك الله ﷻ وله المثل الأعلى -بجميع صفاته إله واحد لا نقول: إنه [قد] (٦) كان في وقت من الأوقات ولا قدرة حتى خلق قدرة، والذي ليس له قدرة هو عاجز، ولا نقول: قد كان في وقت من الأوقات، ولا يعلم حتى خلق فعلم، والذي لا يعلم هو (٧) جاهل، ولكن نقول: لم يزل الله عالمًا قادرًا (٨) مالكًا (٩) لا متى ولا كيف؟ وقد سمى الله رجلًا كافرًا اسمه الوليد بن المغيرة المخزومي، فقال: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ (١٠) وقد كان

стр. 444

[هذا] (١) الذي (٢) سماه (٣) وحيدًا له عينان وأذنان ولسان وشفتان ويدان ورجلان وجوارح كثيرة، فقد سماه (٤) وحيدًا بجميع صفاته [فكذلك الله -وله المثل الأعلى- هو بجميع صفاته] (٥) إله واحد. وقال أبو الحسن الأشعري في كتاب المقالات (٦): وهذا ذكر اختلاف الناس في الأسماء والصفات: الحمد لله الذي بصرنا (٧) خطأ المخطئين، وعمى العمين، وحيرة المتحيّرين الذين نفوا صفات رب العالمين، وقالوا: إن (٨) الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه لا صفات له، وإنه لا علم له، ولا قدرة (٩) ولا حياة له، ولا سمع له، ولا بصر له، ولا عز له، ولا جلال له، ولا عظمة له، ولا كبرياء له، وكذلك قالوا في سائر صفات الله التي يصف بها نفسه (١٠). قال (١١): وهذا قول أخذوه عن إخوانهم من المتفلسفة الذين يزعمون أن للعالم صانعًا [لم يزل] (١٢)، ليس بعالم ولا قادر ولا حي

стр. 445

ولا سميع ولا بصير ولا قديم (١)، وعبروا عنه بأن قالوا: عين (٢) لم يزل، ولم (٣) يزيدوا على ذلك، غير أن هؤلاء الذين وصفنا قولهم من المعتزلة في الصفات لم يستطيعوا أن يظهروا من ذلك ما كانت الفلاسفة تظهره [فأظهروا معناه بنفيهم أن يكون للباري علم وقدرة وحياة وسمع وبصر، ولولا الخوف لأظهروا ما كانت الفلاسفة تظهره] (٤) من ذلك، ولأفصحوا به، غير أن خوف السيف يمنعهم من ذلك (٥). وقد أفصح بذلك رجل يعرف بابن الإيادي كان ينتحل قولهم، فزعم أن الباري تعالى عالم قادر سميع بصير في المجاز لا في الحقيقة. ومنهم رجل يعرف بعباد بن سليمان يزعم أنه لا يقال (٦): إن الباري عالم قادر سميع بصير حكيم جليل في حقيقة القياس (٧). [قال: لأني [لو] (٨) قلت: إنه عالم في حقيقة القياس] (٩) لكان لا عالم إلّا هو. وكان يقول: القديم لم يزل في حقيقة القياس، لأن القياس ينعكس لأن القديم لم يزل، ومن لم يزل فقديم، فلو كان الباري عالمًا في حقيقة القياس لكان لا عالم إلّا هو. قال (١٠): وقد اختلفوا فيما بينهم اختلافًا تشتت فيه

стр. 446

أهواؤهم (١)، واضطربت فيه أقاويلهم، ثم ساق اختلافهم. وكذلك قال في الإبانة (٢): فصل (٣): (وزعمت الجهمية أن الله لا علم له ولا قدرة ولا حياة ولا سمع ولا بصر له، وأرادوا أن ينفوا أن الله عالم قادر حي سميع بصير، فمنعهم خوف السيف من إظهارهم نفي ذلك، فأتوا بمعناه، لأنهم إذا قالوا: لا علم لله ولا قدرة له، فقد قالوا: إنه ليس بعالم ولا قادر، ووجب ذلك عليهم، وهذا إنما أخذوه عن أهل الزندقة والتعطيل، لأن الزنادقة قال كثير منهم: إن الله ليس بعالم ولا قادر ولا حي ولا سميع ولا بصير، فلم تقدر (٤) المعتزلة أن تفصح بذلك، فأتت بمعناه، وقالت: إن الله عالم قادر حي سميع بصير من طريق التسمية، من غير أن يثبتوا له حقيقة العلم والقدرة والسمع والبصر). ومقصودنا التنبيه على أنه من المستقر في المعقول والمسموع ما تقدم ذكرنا له، من أن الحي العالم القادر المتكلم المريد، لا بد أن تقوم به الحياة [والعلم] (٥) والقدرة والكلام والإرادة، وأن (٦) ما قام به ذلك استحق أن يوصف بأنه حي عالم قادر متكلم مريد، فهذه أربعة أمور: ثبوت حكم الصفة لمحلها، وانتفاؤه عن غير محلها، وثبوت الاسم المشتق من اسمها لمحلها، وانتفاء الاسم (٧) عن غير محلها.

стр. 447

[و الجهمية من المعتزلة وغيرهم خالفوا ذلك من ثلاثة أوجه] (١): أحدها: زعمهم أن الله حي عليم قدير، من غير أن تقوم به حياة ولا علم ولا قدرة، فأثبتوا الأسماء والأحكام مع نفي الصفات. الثاني: أبعد من ذلك من وجه أنهم قالوا: هو متكلم بكلام يقوم بغيره، وليس الجسم الذي قام به الكلام متكلمًا به، فأثبتوا الاسم والحكم بدون الصفة، ونفوا الاسم والحكم عن موضع الصفة لكنهم لم يجعلوا متكلمًا إلّا من له كلام، وجعلوا هناك عالمًا قادرًا (٢) من لا علم له ولا قدرة. الثالث: أبعد من ذلك من وجه آخر، وهو ما قالوه في الإرادة: تارة ينفونها، وتارة يقولون: هو مريد بإرادة لا في محل، فأثبتوا الاسم والحكم بدون الصفة، وجعلوا الصفة تقوم بغير محل. وكل هذه الأمور الثلاثة مما يعلم ببدائه (٣) العقل، وبما فطر الله عليه العباد بالعلوم الضرورية أن ذلك باطل، وهو من النفاق، لكنهم احتجوا في ذلك بحجة ألزمها لهم الكلابية والأشعرية ومن وافقهم، وهو الصفات الفعلية مثل كونه خالقًا رازقًا عادلًا محييًا مميتًا، وتسمى صفة التكوين، وتسمى الخلق، وتسمى صفة الفعل، وتسمى التأثير، فقالوا: هو خالق فاعل مكون عادل، من غير أن يقوم به خلق ولا تكوين ولا فعل ولا تأثير [ولا عدل] (٤)، فكذلك المتكلم والمريد، وقالوا: إن الخلق هو نفس المخلوق واتبعهم على ذلك الكلابية والأشعرية فصار (٥) للأولين عليهم حجة بذلك، وإنما قرن هؤلاء بين الأمرين لأنهم قالوا: إن قلنا إن

стр. 448

التكوين قديم لزم قدم المكونات والمخلوقات كلها، وهذا معلوم الفساد بالحس، وإن قلنا: إنه محدث لزم قيام الحوادث به. وأما الفقهاء وأهل الحديث والصوفية وطوائف من أهل الكلام من الرادين على المعتزلة من المرجئة والشيعة والكرامية وغيرهم فيطردون ما ذكر من الأدلة (١) ويقولون: لا يكون فاعلًا إلّا بفعل يقوم بذاته، وتكوين يقوم [بذاته] (٢) والخلق الذي يقوم بذاته غير الخلق الذي هو المخلوق وهذا هو الذي ذكره الفقهاء من أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأحمد [ومالك] (٣) في كتبهم، كما ذكره فقهاء الحنفية كالطحاوي (٤)، وأبي منصور الماتريدي (٥) وغيرهم، وكما ذكره البغوي في شرح السنة (٦)، وكما ذكره أصحاب أحمد كأبي إسحاق (٧) وأبي بكر عبد

стр. 449

العزيز، والقاضي (١) وغيرهم، لكن القاضي ذكر (٢) في الخلق هل هو المخلوق؟ أو غيره قولين، لكن استقر قوله على أن الخلق غير المخلوق، وإن خالفهم ابن عقيل، وكما ذكره أبو بكر محمد بن إسحاق الكلاباذي في كتاب اعتقاد الصوفية (٣)، وكما ذكره أئمة الحديث والسنة. قال البخاري في آخر الصحيح (٤) في كتاب الرد على الجهمية والزنادقة (باب ما جاء في تخليق السموات والأرض وغيرها (٥) من الخلائق، وهو فعل الرب وأمره، فالرب بصفاته وفعله وأمره وكلامه،

стр. 450

هو الخالق المكون (١) غير مخلوق، وما كان بفعله وأمره وتخليقه وتكوينه فهو مفعول مخلوق مكون). ولا ريب أن هذا القول الذي عليه [أهل] (٢) السنة والجماعة هو الحق، فإن ما ذكر من الحجة أن العالم القادر المتكلم المريد لا يكون إلّا بأن يقوم به العلم والقدرة والكلام والإرادة، وهو (٣) بعينه يقال في الخالق والفاعل، فإنه من المعلوم ببدائه (٤) العقول وضرورتها أن الصانع الفاعل لا يكون صانعًا فاعلًا إلّا أن يقوم به ما يكون به فاعلًا [صانعًا، ولا يسمى الفاعل فاعلًا] (٥) كالضارب والقاتل والمحسن والمطعم، وغير ذلك إلّا إذا قام به الفعل الذي يستحق به الاسم، ولكن الجهمية نفت هذا كله، وفروخهم وافقتهم في البعض دون البعض. وأما أهل الإثبات فباقون على الفطرة، كما وردت به الشريعة، وكما جاء به الكتاب والسنة، فإن الله وصف نفسه في غير موضع بأفعاله، كما وصف نفسه بالعلم والقدرة والكلام، ومن ذلك المجيء والإتيان والنزول والاستواء، ونحو ذلك من أفعاله، لكن (٦) هنا أخبر بأفعاله، وهناك ذكر أسماءه المتضمنة للأفعال. ولم يفرق السلف الأئمة بين أسماء الأفعال وأسماء الكلام، كما في صحيح البخاري (٧)، عن سعيد بن جبير أن رجلًا سأل ابن عباس قال: إني أجد في القرآن أشياء تختلف عليّ، فذكر مسائله، ومنها

стр. 451

قال: وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (١)، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (٢)، ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (٣)، فكأنه كان ثم مضى، فقال ابن عباس: وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٤) سمى نفسه ذلك، وذلك قوله، أي لم أزل (٥) كذلك. . . هذا لفظ البخاري واختصر (٦) الحديث. ورواه البرقاني (٧) من طريق شيخ البخاري بتمامه، فقال ابن عباس: فأما قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٨)، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (٩)، ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (١٠)، فإن الله جعل نفسه ذلك، وسمى نفسه ذلك، ولم ينحله أحدًا غيره، ﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾، أي: لم يزل كذلك، هذا لفظ الحميدي صاحب الجمع (١١).

стр. 452

ورواه البيهقي (١) عن البرقاني من حديث محمد بن إبراهيم البوشنجي (٢)، عن يوسف بن عدي شيخ البخاري قال: إن الله سمى نفسه ذلك، ولم ينحله غيره، فذلك قوله ﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾ أي: لم يزل كذلك. ورواه البيهقي (٣) من رواية يعقوب بن سفيان [عن يوسف] (٤) ولفظ السائل فكأنه كان ثم مضى، ولفظ ابن عباس: فإن الله سمى نفسه ذلك، ولم يجعله [لأحد] (٥) غيره، فذلك قوله ﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾ أي: لم يزل (٦). [قلت] يقال: جعلتَ زيدًا عالمًا، إذا جعلته في نفسك، وجعلتُه عالمًا إذا جعلتُه في نفسي (٧)، أي: اعتقدته عالمًا، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ (٨)، أي:

стр. 453

اعتقدوهم ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ (١)، أي: في نفوسكم بما عقدتموه من اليمين. فقوله: جعل نفسه ذلك، وسمى [نفسه ذلك، يخرج على الثاني أي: هو الذي حكم بذلك وأخبر بثبوته (٢) له، وسمى] (٣) به نفسه، لم ينحله (٤) أحدًا غيره (٥). وقوله: وكان [الله] (٦) أي: لم يزل كذلك، والمعنى: أنه أخبر أن هذا أمر لم يزل عليه، وهو الذي حكم به لنفسه، وسمى به نفسه، لم يكن الخلق هم الذين حكموا بذلك له، وسموه بذلك، فأراد بذلك أنه لو كان ذلك مستفادًا من نحلة الخلق له لكان محدثًا له بحدوث الخلق، فأما إذا كان هو الذي سمى نفسه [وجعل نفسه] (٧) كذلك، فهو سبحانه لم يزل ولا يزال كذلك، فلهذا أخبر بأنه كان كذلك. ولهذا اتبع أئمة السنة ذلك كقول (٨) أحمد في رواية حنبل: لم يزل الله عالمًا متكلمًا غفورًا.

стр. 454

وقال في الرد على الجهمية (١): (لم يزل الله عالمًا قادرًا مالكًا، لا متى، ولا كيف)؟. ولهذا احتج الإمام أحمد وغيره على أن كلام الله غير مخلوق بأن النبي ﷺ استعاذ بكلمات الله التامات (٢) في غير حديث فقال: أعوذ بكلمات الله التامة. ففي صحيح البخاري، عن ابن عباس، قال: كان النبي ﷺ يعوذ الحسن والحسين: "أعيذكما بكلمات الله التامة" (٣) وذكر الحديث. وفي صحيح مسلم عن خولة بنت حكيم أن النبي ﷺ قال: "لو أن أحدكم إذا نزل منزلًا قال: أعوذ بكلمات الله التامات" (٤)، [وذكر

стр. 455

الحديث] (١). وفي صحيح مسلم -أيضًا- عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "من قال حين يمسي: أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق" (٢) وذكر الحديث، وذلك في أحاديث أخر. قال أحمد وغيره: ولا يجوز أن يقال: أعيذك بالسماء أو بالجبال أو بالأنبياء أو بالملائكة أو بالعرش أو بالأرض، أو بشيء مما خلق الله، ولا يتعوذ إلّا بالله أو بكلماته.

стр. 456

وقد ذكر الاحتجاج بهذا البيهقي في كتاب الأسماء والصفات (١)، لكن نقل احتجاج أحمد على غير وجهه، وعورض بمعارضة فلم يجب عنها. ثم قال البيهقي (٢): (ولا يصح أن يستعيذ بمخلوق من مخلوق (٣)، فدل على (٤) أنه استعاذ بصفة من صفات ذاته، وهي غير مخلوقة، كما أمره الله أن يستعيذ بذاته، وذاته غير مخلوقة (٥)). ثم قال (٦): (وبلغني عن أحمد بن حنبل أنه كان يستدل بذلك على أن القرآن غير مخلوق، قال: وذلك أنه ما من مخلوق إلا وفيه نقص). قلت: احتجاج أحمد هو من الوجه الذي تقدم، كما حكينا لفظ المروذي (٧) في كتابه الذي عرض على أحمد. والمقصود هنا (٨) الكلام على قول الطائفة الثانية الذين قالوا: إن القرآن هو الحروف والأصوات دون المعاني، ثم إن قولهم هذا: متناقض في نفسه، فإن الحروف والأصوات التي سمعها موسى عبرية، والتي ذكرها الله عنه في القرآن عربية، فلو لم يكن الكلام إلّا مجرد الحروف والأصوات، لم يكن بين الكلام الذي سمعه موسى، والذي

стр. 457

ذكره الله أنه سمعه قدر مشترك أصلًا (١)، بل كان يكون الإخبار بأنه سمع هذه الأصوات التي لم يسمعها كذب، وكذلك سائر من حكى الله في القرآن أنه قال من الأمم المتقدمة الذين تكلموا بغير العربية، فإنما تكلموا بلغتهم، وقد حكى الله ذلك باللغة التي أنزل بها القرآن وهي العربية، وكلام الله صدق، فلو كان قولهم: مجرد الحروف والأصوات، والحروف والأصوات التي قالوها ليست مثل هذه، لم تكن الحكاية عنهم مطلقًا، بل كلامهم كان حروفًا (٢)، ومعاني، فحكى الله ذلك عنهم (٣) بلغة أخرى، والحروف تابعة للمعاني، والمعاني هي المقصود الأعظم، كما يترجم كلام سائر المخلوقين (٤). وهؤلاء المثبتة (٥) الذين وافقوا أهل السنة والجماعة على أن القرآن كلام الله غير مخلوق، ووافقوا المعتزلة على أن الكلام ليس هو إلا مجرد الحروف والأصوات يقولون: إن كلام الله القائم به ليس هو إلا مجرد الحروف والأصوات، وهذا هو الذي بينته أيضًا في جواب المحنة (٦)، وبينت أن هذا لم يقله أحد من السلف، ولا قالوا- أيضًا: إنه معنى قائم بذاته، بل كلاهما بدعة وأنا ليس في كلامي شيء من البدع. ثم منهم من (٧) يقول: هو مع ذلك قديم غير حادث، لموافقتهم

стр. 458

الطائفة الأولى على أن معنى قول السلف: إن (١) القرآن كلام الله غير مخلوق، أنه صفة قديمة قائمة بذاته لا يتعلق بمشيئته واختياره قط. ومنهم (٢) من لا يقول ذلك، بل يقول: هو وإن كان مجرد الحروف والأصوات وهو قائم به، فإنه يتعلق بمشيئته واختياره، وأنه إذا شاء تكلم بذلك، وإذا شاء سكت، وإن كان لم يزل كذلك. وظن الموافقون (٣) للسلف على أن القرآن كلام الله غير مخلوق، من القائلين (٤): بأن الكلام ليس إلّا معنى في النفس، وكثير من

стр. 459

القائلين: بأنه ليس إلّا الحروف والأصوات أن (١) معنى قول السلف: القرآن كلام الله غير مخلوق، أنه صفة قديمة قائمة بذاته لا يتعلق بمشيئته واختياره وإرادته وقدرته، وهذا اعتقدوه في جميع الأمور المضافة إلى الله أنها [إما] (٢) أن تكون مخلوقة منفصلة عن الله، وإما أن تكون قديمة غير متعلقة بمشيئته وإرادته وقدرته (٣). ومنعوا أن يقال: إنه يتكلم إذا شاء، أو يتكلم بما شاء (٤)، أو إنه لم يزل متكلمًا إذا شاء، أو أنه قادر على الكلام أو التكلم، أو إنه يستطيع أن يتكلم بشيء دون شيء، أو إنه إن (٥) شاء تكلم، وإن شاء سكت أو إنه يقدر على الكلام والسكوت. كما يمتنع أن يقال: إنه يحيى إذا شاء، أو إنه يقدر على أن يحيى وعلى أن لا يحيى (٦)، إذ (٧) الحياة صفة لازمة لذاته يمتنع أن يكون إلّا حيًّا قيومًا- سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا. فاعتقد هؤلاء في الكلام والإرادة والمحبة والبغض والرضا والسخط والإتيان والمجيء والاستواء على العرش والفرح والضحك مثل الحياة. وأول من أظهر هذا القول من الموافقين لأهل السنة في الأصول الكبار (٨) هو عبد الله بن سعيد بن كلاب، وهذا مقتضى ما ذكره الأشعري

стр. 460

في المقالات (١)، فإنه لم يذكر ذلك عن أحد قبله، لكن (٢) ذكر عن بعض المرجئة أنه يقول بقوله (٣)، وذكر عن بعض الزيدية ما يحتمل أن يكون موافقًا لبعض قوله (٤). وذكر (٥) أبو الحسن في كتاب المقالات (٦) قول أهل الحديث، وأهل السنة: فقال: (هذه حكاية قول جملة (٧) أصحاب الحديث، وأهل السنة). جملة ما عليه أصحاب (٨) الحديث وأهل (٩) السنة: الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله، وما جاء من عند الله، وما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ لا يردون من ذلك شيئًا، والله تعالى إله واحد فرد صمد، لا إله غيره، لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأن الله على عرشه كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (١٠)، وأن له يدين بلا كيف، كما قال: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (١١)،
следующие страницы →